حياة النبي الخاتم
أولاً: من الولادة حتى البعثة النبوية
وها هنا محطات:
المحطة الأولى: مولده(ص)
ولد النبي الأعظم (ص) في عام الفيل (٥٧٠م) بإتّفاق كتّاب السيرة، ورحل عن الدنيا في (٦٣٢م) عن ٦٢ أو ٦٣ عاماً، كما اتّفقوا على أنّه ولد في شهر ربيع الأوّل، يوم الجمعة السابع عشر منه، عند الشيعة، أمّا السنّة فقد عيّنوا يوم الإثنين الثاني عشر من الشهر نفسه.[١]
ولمّا كان الشيعة ينقلون أخبار أهل البيت عنهم، فلابدّ من الإقرار بأنّ ما ينقله هؤلاء ويكتبونه من تفاصيل تتعلّق بحياة الرسول (ص) هي أقرب من غيرها إلى الحقيقة، لأنّها مأخوذة عن أقربائه وأبنائه.
وقد حملت به أُمّه «السيدة آمنة بنت وهب» في أيّام التشريق من شهر رجب، فإذا اعتبرنا يوم ولادته، ١٧ من ربيع الأوّل، فتكون مدّة حملها به ثمانية أشهر وأيّاماً.
وقد وقعت يوم ولادته أحداث عجيبة، فقد وُلِد مختوناً مقطوع السرة، وهو يقول: «الله أكبر والحمد لله كثيراً، سبحان الله بكرةً وأصيلاً»[٢] كما تساقطت الأصنام في الكعبة على وجوهها، وخرج نورٌ معه أضاء مساحة واسعة من الجزيرة العربية، وانكسر إيوان كسرى، وسقطت أربعة عشر شرفة منه، وانخمدت نار فارس التي كانت تعبد، وجفت بحيرة ساوة.
وهدفت هذه الأحداث الخارقة والعجيبة إلى أمرين مؤثرين:
- فهي تدفع الجبابرة والوثنيين إلى التفكير فيما هم فيه من أحوال، فيتساءلون عن الأسباب التي دعت إلى كلّذلك لعلهم يعقلون. إذ أنّ تلك الأحداث كانت في الواقع تبشر بعصر جديد هو عصر انتهاء الوثنية وزوال مظاهر السلطة الشيطانية واندحارها.
- ومن جهة أُخرى، تبرهن على الشأن العظيم للوليد الجديد، على أنّه ليس عادياً، بل هو كغيره من الأنبياء العظام الذين رافقت ولادتُهم أمثالَ تلك الحوادث العجيبة والوقائع الغريبة.
وفي اليوم السابع لمولده المبارك، عقّ عبد المطلب عنه بكبش شكراً لله تعالى، واحتفل به مع عامة قريش.
وقال عن تسميته النبي الكريم (ص) محمّداً (ص) وعن سببه: أردت أن يُحمَد في السماء والأرض[٣]
وكانت أُمّه(ع) قد سمّته أحمد قبل أن يسمّيه جدّه[٤] وكان هذا الاسم نادراً بين العرب فلم يسم به منهم سوى ١٦ شخصاً، ولذا فإنّه كان من إحدى العلامات الخاصّة به.
أمّا عن رضاعته (ص) فقد ارتضع من أُمّه ثلاثة أيّام ثمّ أرضعته امرأتان هما:
- ثويبة: مولاة أبي لهب، إذ أرضعته لمدّة أربعة أشهر فقط، وقد قدّر النبي (ص) وزوجته خديجة(ع) هذا العمل لها حتى آخر حياتها، فأكرمها وأراد أن يعتقها فأبى أبو لهب، وكان يبعث إليها بالصلة حتّى وفاتها. كما أنّها أرضعت من قبل حمزة، و أبا سلمة بن عبد الله المخزومي، فكانوا إخوة في الرضاعة.
- حليمة السعدية، بنت أبي ذوَيب. وكان لها من الأولاد: «عبد الله»، «أنيسة»، «شيماء». وقامت «شيماء» بحضانة النبي (ص) أيضاً.
وقد استلمت حليمة السعديةُ النبيّص في عمر لم يتجاوز أربعة أشهر، في عام قحط وجدب،فأصابها الرخاء وازدهرت حياتها بعد ذلك. ومن المعروف أنّ النبي (ص) لم يقبل في ذلك الزمان أي ثدي من المرضعات إلاّ ثدي حليمة.[٥]
وفي هذه المناسبة، أودُّ القول والتذكير، أنّه ينبغي أن يحتفل المسلمون جميعاً بمولد النبي (ص) بإقامة المهرجانات الكبرى والاحتفالات، تكريماً له (ص)، فهو أمر مطلوب ومحبّب في الشريعة المقدسة لقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[٦] وعزّر بمعنى كرّم وبجّل.
فالاحتفال بمولده (ص) يعني ذكر أخلاقه العظيمة، وسجاياه النبيلة، والإشادة بشرفه وفضله، وهي أُمور مدحه بها القرآن الكريم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾[٧]، ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾[٨]
فالاحتفال بمولده الكريم هو احتفالٌ بالقيم السامية، وشكرٌ لله على منّه، وإظهار للحبّ الكامن في النفوس له، وتكريم لمن كرمه الله تعالى وأمر بتكريمه واحترامه وحبّه ومودّته. وهو ردّعلى من يزعم بأنّذلك محرم لكونه بدعة، لا يخلو من منكرات ومحرمات كالرقص والغناء. فالمسلمون درِجوا في العصور الإسلامية الأُولى على الاحتفال بذكرى مولدهبإنشاد القصائد الرائعة في مدحه، وذكر خصاله ومكارم أخلاقه وإظهار السرور والفرح، والشكر لله تعالى بلطفه وتفضّله به ص على البشرية.[٩]
ولذا كان لابدّ من أداء هذا الاحتفال في كلّ وقت وزمان، في حياته وبعد مماته.[١٠]
المحطة الثانية: طفولته(ص)
استقر النبي الأكرم (ص) في قبيلة «بني سعد» خمسة أعوام زارته أُمّه خلالها ثلاث مرّات، وقامت حليمة برعاية شؤونه خير قيام، وبالغت في كفالته والعناية به، كما حافظ فيها (ص) على فصاحته وبلاغته، وعندما رجع إلى أُمّه(ع) فكّرت بزيارة المدينة وقبر زوجها عبدالله، ورافقتهم «أُمّ أيمن» حيث أمضوا هناك شهراً، رأى فيه النبيّ (ص) بيت أبيه الذي توفّي فيه ودفن. إلاّ أنّ أُمّه العزيزة توفّيت أيضاً في الطريق إلى مكة بمنطقة الأبواء[١١] ممّا دفع الجميع إلى إظهار المحبة له والعناية به، خاصةً جدّه «عبد المطلب» الذي أحبه أكثر من أولاده.
وربما كان يُتم النبي (ص) في صالحه، فقد أراد الله تعالى منه أن يهيّئه لمواجهة المستقبل بشدائده ومصاعبه ومتاعبه، أو أراد ألا يكون في عنقه طاعة لأحد، فنشأ حراً من كلّ قيد، يصنع نفسه بنفسه، وليتضح أنّ نبوغه ليس نبوغاً بشرياً عادياً ومألوفاً، وأنّه لم يكن لوالديه أيّ دخل فيه وفي مصيره، فتكون بالتالي عظمته الباهرة نابعة من مصدر الوحي وليس من العوامل العادية المتعارفة.
وقد فاجأت الحياةُ نفس النبي (ص) الحزينة بوفاة جدّه العظيم «عبد المطلب» وهو في الثامنة من عمره، فبكى عليه (ص) كثيراً وظلّت دموعه تجري حتى وُري في لحده[١٢].[١٣]
كفالة أبي طالب للنبي
كان أبو طالب أخاً لوالد النبي (ص) من أُمّواحدة، وقد تقبّل كفالة النبيص وتحمّل المسؤولية بفخر واعتزاز.
وفي العاشرة من عمره، شارك النبيّ (ص) عمّه في إحدى الحروب التي وقعت في الأشهر الحرم فسمّيت بحرب الفجار، إلاّ أنّ «اليعقوبي» ينفي في تاريخه اشتراك النبي (ص) وأبي طالب فيها.[١٤]
ورافق عمّه في سفره إلى الشام وهو في ربيعه الثاني عشر، شاهد فيها «مدين، ووادي القرى، وديار ثمود»، واطّلع على مشاهد الشام وطبيعتها الجميلة.
إلاّ أنّ أحداث «بصرى» غيّرت برنامج رحلة أبي طالب، ودفعته إلى العودة إلى مكّة، وهي الأحداث المرتبطة بمقابلة الراهب «بحيرا» بالنبي (ص) وما تنبّأ عنه بقوله: «إنّه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم، نجده في كتبنا وما روينا عن آبائنا، هذا سيّد العالمين، هذا رسول ربّ العالمين يبعثه رحمةً للعالمين. احذر عليه اليهود لئن رأوه وعرفوا ما أعرف ليقصدُنّ قتله»[١٥].
أمّا ما قيل عن تلك المقابلة من آراء متطرفة، وبأنّالراهب بحيرا علّم النبي (ص) أُمور دينه التي درسها من كتب الإنجيل والتوراة، فهو فرية المستشرقين والكارهين للإسلام، إذ أنّ النبي (ص) لم يمكث هناك أكثرمن أربعة أشهر هي فترة رحلة الشام عند العرب، ثمّ إذا كان هذا الراهب يمتلك هذه الكمية من المعلومات الدينية والعلمية التي عرضها الرسول (ص) فلماذا لم يقم هو بنشرها، فيأخذ شهرته منها؟ ثمّ لماذا اختار محمّداً (ص) دون غيره ليعرض عليه تلك المعلومات بالرغم من توافد القبائل عليه دوماً؟
إنّ الآيات القرآنية تصرح بأنّ الأخبار الغيبية وصلت إلى النبي ص عن طريق الوحي فقط، فلم يكن على عِلمٍ بها مطلقاً. كما أنّ كُتب التوراة والإنجيل لا تذكر أُموراً طيّبة عن الأنبياء، في حين أنّ القرآن الكريم يجلّهم ويعظمهم ويكرمهم،على عكس ما جاء عنهم في كتب هوَلاء.
ولذا لم يعقل أن يقتبس القرآن الكريم من تلك الكتب وبينهما بُعد المشرقين. كما أنّ النبي (ص) لم يشرح تلك القصص والقضايا للناس قبل الوحي والرسالة: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾[١٦]
فالآية توَكد على أنّ النبيّ (ص) لبث في قومه فترة طويلة لم يتلو فيها سورة من القرآن ولا آية من آياته، فكلّ ما أخبر به هو ممّا أوحى به الله تعالى إليه بعد أن بعثه بالرسالة [١٧].[١٨]
المحطة الثالثة: فترة شبابه(ص)
كانت آثار الشجاعة والقوة باديةً على جبينه (ص) منذ طفولته وصباه، ففي الخامسة عشرة من عمره قيل انّه شارك في حرب الفجّار بين قريش وهوازن، وهي حرب الفجّار الرابعة التي استمرّت أربع سنوات، كان يناول فيها أعمامه النبال. وتكشف مشاركته في تلك العمليات العسكرية وهو في تلك السن، عن شجاعته وقدرته الروحية الكبرى، ولهذا كان المسلمون ـ فيما بعد ـ يحتمون بالنبي (ص) عند اشتداد المعركة.
وفي مقابل هذا روى المؤرخ اليعقوبي في تاريخه: «وقد روي أنّ أبا طالب منع أن يكون فيها أحدٌ من بني هاشم. وقال هذا ظلم وعدوان وقطيعة واستحلال للشهر الحرام ولا أحضره ولا أحدٌ من أهلي. فأخرج الزبير بن عبد المطلب متكرهاً وقال عبد الله بن جدعان التيمي وحرب ابن أُميّة: لا نحضر أمراً تغيب عنه بنوهاشم فخرج الزبير»[١٩]
كما أنّ النبي (ص) كان أحد المشاركين في حلف الفضول، الذي اعتبر ميثاقاً بين الجرهميين يهدف إلى الدفاع عن حقوق الضعفاء والمظلومين. وقد أسّسه جماعة اشتُقّت أسماؤهم جميعاً من لفظة «الفضل»، مثل: فضل بن فضالة، و فضل بن الحارث، و فضل بن وداعة. وقد نُقلت عبارات كثيرة عن النبي (ص) أشاد فيها بالحِلف، واعتز بمشاركته فيه: «لقد شهدتُ في دار عبد الله بن جدعان حِلفاً لو دعيت به في الإسلام لأجبت».
كما أشاد به الإمام الحسين (ع) أيضاً، فضرب به المثل في أخذ الحقّ وردّه لصاحبه، مثلما طلب هو حقّه من «الوليد بن عتبة» أمير المدينة.[٢٠]
التنزه عن اللهو واللعب
التنزه عن عبادة غير الله
الإرهاصات
مناهضة الظلم
الشهرة بالصدق والعقل والأمانة
حينما كان (ص) في عمر ٣٥ عاماً واجه اختلافاً كبيراً بين قريش، تمكن بحكمته من إزالة ذلك التخاصم، ممّا كشف عن مدى الاحترام الذي حظا به عند قريش. فعندما هُدمت الكعبة بسبب سيل عظيم، قام القوم بإعادة بنائها، إلاّ أنّهم اختلفوا في وضع الحجر الأسود في مكانه، فتنازع زعماء قريش فيمن يتولى وضعه،ممّا أخّر عملية البناء مدة خمسة أيّام، وكادت أن تنشب فيما بينهم بسببه حرب دامية، وربما طويلة، حتى قام فيهم شيخ منهم وقال: يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أوّل من يدخُل من باب هذا المسجد يقضي بينكم فيه. فقَبِلُوا رأيه فكان أوّلَ داخل عليهم محمّد رسول الله (ص) فقالوا: هذا محمّد الأمين، رضينا، هذا محمّد. فقال (ص): هلمَّ إليَّ ثوباً فأخذ الحجر ووضعه فيه وقال: لتأخذ كلّ قبيلة بناحية من الثوب ثمّ ارفعوه جميعاً. ثمّ وضعه (ص) بيده في مكانه [٢١].[٢٢]
الأسفار والرحلات
الحِرَف والمِهَن
أمضى الرسول الأعظم (ص) شطراً من شبابه في رعي الغنم في الصحارى، لعلّه ليصبح بذلك صبوراً في تربية الناس الذين سيُكلف بقيادتهم وهدايتهم، ويستسهل كلّ صعب في هذا المجال. إذ كان لابدّ أن يتسلّح بسلاح الصبر، ويتجهّز بأداة التحمّل، ويتزوّد بقدرة الاستقامة على طريق الهدف، وذلك حتى يمكنه إدارة البشر في المستقبل. إذ أنّ ذلك لا يكون إلاّ بتعويد النفس على هذه الصفات وحملها على مشاق الإعمال. كما أنّ عمله في الصحراء والجبال، ساعده في التخلّص بعض الشيء من آلامه الروحية الناشئة من رؤية الأوضاع المزرية والأحوال المشينة التي كان عليها أهل مكة وما كانوا فيه من عادات سيئة وظلم وانحراف وطغيان. كما أنّعمله في تلك البقاع، أعطاه فرصة طيبة للنظر في خلق السموات والتطلع في النجوم والكواكب وأحوالها، ثمّ الإمعان في الآيات الدالة على وجود الله سبحانه وتعالى، وقدرته وحكمته وعلمه وإرادته.
فبالرغم من أنّ قلوب الأنبياء تكون منورة بمصابيح المعرفة، ومضاءة بأنوار الإيمان والتوحيد، إلاّ أنّهم لا يرون أنفسهم في غنى عن النظر في عالم الخلق والتفكّر في الآيات الإلهية، إذ أنّه من خلال هذا الطريق يصلون إلى أعلى مراتب الإيمان، ويبلغون أسمى درجات اليقين، وبالتالي يتمكّنون من الوقوف على ملكوت السماوات والأرضين.
وبعد هذا العمل الصحراويّ الجبلي، تعاطى (ص) العمل التجاري، باقتراح من عمّه أبي طالب، الذي أرشده بالتوجه للعمل في تجارة السيدة «خديجة بنت خويلد» التي كانت تعمل بالتجارة الواسعة، فأصبحت غنيةً ذات مال كثير وذات شرف عظيم، استخدمت الرجال في إدارة أعمالها الكثيرة. فقال أبو طالب للنبي (ص): «يابن أخي، هذه خديجة بنت خويلد قد انتفع بما لها أكثر الناس، وهي تبحث عن رجل أمين، فلو جئتها فعرضتَ نفسك عليها لأسرعتْ إليك، وفضّلتك على غيرك، لما يبلغها عنك من طهارتك».
إلاّ أنّ إباء الرسول (ص) وعلوّ طبعه منعاه من الإقدام بنفسه على ذلك فردَّ عليه: «فلعلّها أن ترسل إليّفي ذلك» لأنّها تعرف أنّه المعروف بالأمين بين الناس. وقد حدث ماأراده النبي (ص) فقد بعثت إليه قائلةً: «إنّي دعاني إلى البعثة إليك ما بلغني من صدق حديثك وعظم أمانتك وكرم أخلاقك، وأنا أعطيك ضعف ما أعطي رجلاً من قومك، وأبعث معك غلامين يأتمران بأمرك في السفر».[٢٣]
ولمّا علم عمّه أبو طالب بذلك قال له: «إنّ هذا رزق ساقه الله إليك».
وهكذا تمّ الاتفاق على أن يقوم النبي (ص) بالعمل في أموالها وتجارتها على نحو المضاربة لا الإجارة، فقد ذكر «اليعقوبي»: إنّ النبي (ص) ما كان أجيراً لأحد قط.[٢٤]
ولذا فإنّ النبي (ص) حصل على أرباح وفيرَة من أوّل تجارته إلى الشام. ولما مرّ في الطريق على ديار عاد وثمود، تذكر سفره الأوّل مع عمّه إلى تلك المناطق. وعند وصولهم إلى مكّة، قال «ميسرة» غلام السيدة خديجة: يا محمّد لقد ربحنا في هذه السفرة ببركتك ما لم نربح في أربعين سنة، فاستقبلْ بخديجة وأبشرها بربحنا. فأسرع النبي ص وسبق القافلة متوجهاً نحو بيت خديجة، التي استقبلته بحفاوة كبيرة، وسرّت بحديثه وأخباره عن رحلته ومكاسبه التجارية. ثمّ إنّ «ميسرة» أخبرها بكلّما حدث وحصل لهم في السفر، منذ خروجهم ودخولهم إلى البلاد، وخاصةً ما جرى، بين النبي (ص) وأحد التجّار الذي جادله في البيع طالباً منه أن يحلف باللات والعزّى، فرد عليه (ص): ماحلفت بهما قط، وإنّي لأمرُّ فأعرض عنهما. كما أخبرها عن النبي (ص) حينما استراح في ظلّ شجرة عندما كانوا في بصرى، فشاهده راهب فقال: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلاّ نبي. ولما سأل عن اسمه من ميسرة فقال: هو نبيّ وهو آخر الأنبياء، إنّه هو هو ومنزِّلُ الإنجيل، وقد قرأتُ عنهُ بشائر كثيرة.[٢٥]
وقد سلّم النبي (ص) كلّ ما ربحه واستلمه من مال إلى عمّه أبي طالب، ليوسّع به على أهله، ممّا جعله فرِحاً مسروراً بما قام به ابن أخيه تجاهه.[٢٦]
المحطة الرابعة: زواجه(ص)
في هذا الوقت، فكّر (ص) جدياً في أن يتّخذ شريكة لحياته ويكوّن أُسرة، فكيف وقع اختياره على السيدة خديجة التي رفضت كلّ مَن تقدّم إليها من كبار الشخصيات القرشية، أمثال: عقبة بن أبي معيط، و أبي جهل، و أبي سفيان؟ وكيف أدّى الارتباط بينهما والعلاقة العميقة والأُلفة والمحبة، إلى درجة أنّها وهبت كلّ ثروتها للنبيحتى ينفقها في نشر الإسلام؟
كانت السيدة خديجة من خيرة نساء قريش شرفاً وأقواهن عقلاً وأكثرهن فهماً، وقد قيل لها: سيدة قريش، وسمّيت الطاهرة لشدة عفافها، وذلك في أيّام الجاهلية.
وحين رفضت الزواج من سادة القوم قَبِلت بسيد البشر لما عرفت عنه من كرم الأخلاق، وشرف النفس، والسجايا الكريمة، والصفات العالية. وهي المرأة الثرية التي وإن عاشت في الترف وأفضل العيش، إلاّ أنّها أصبحت في بيت زوجها الرسول (ص) الزوجة المطيعة الخاضعة الوفية المخلصة، وسارعت إلى قبول دعوته واعتناق دينه بوعي وبصيرةٍ، مع علمها بما ينطوي ذلك على مخاطر ومتاعب. ثمّ جعلت كلَّ ثروتها ومالها في خدمة العقيدة والمبدأ، مشاطرة زوجها بذلك آلامَه ومتاعبَه، وراضية بمرارة الحصار في شعب أبي طالب ثلاث سنوات، وهي في سن الرابعة والستين.[٢٧]
وقد بلغ من خضوعها للرسول (ص) وحبها له، أنّها بعد أن تم الزواج بينهما قالت له: إلى بيتك، فبيتي بيتك وأنا جاريتك.[٢٨]
ويؤكد المؤرّخون أنّها هي التي اقترحت على النبي الزواج، وكما يعتقد أكثر المؤرّّخين، أنّ «نفيسة بنت عليّة» بلّغت رسالتها إلى النبي (ص) الذي تقبّل عرضها، فأخبرت السيدة خديجة بذلك، فأرسلت بوكيلها «عمرو بن أسد» لتحديد ساعة مراسم الخطبة في محضر الأقارب.[٢٩]
فشاور النبي (ص) أعمامه وعلى رأسهم «أبو طالب» الذي خطب في القوم يمدح النبي (ص) ويطلب الزواج له من السيدة خديجة قائلاً: «وله في خديجة رغبة ولها فيه رغبة، والصداق ما سألتم عاجله وآجله من مالي، ومحمّد من قد عرفتم قرابتَه».
ثمّ أجرى عقد النكاح، ومهرها النبي (ص) ٤٠٠ دينار، وقيل أصدقها عشرين بكرة.[٣٠]
وكان عمرها في هذا الوقت أربعين عاماً، إذ أنّها وُلدت قبل عام الفيل بخمسة عشر عاماً، كما جاء عنها أنّها تزوجت قبل النبي (ص) برجلين، أوّلهما: «عتيق ابن عائذ»، ثمّ بعده: «أبو هالة التميمي». وقد توفي كلٌّ منهما بعد زواجه منها.[٣١]
وقد تميّزت السيدة خديجة من نساء النبي (ص) بأنّه لم يتزوّج عليها مدّة حياتها، وبلغت لديه مالم تبلغه امرأة قطّمن زوجاته.[٣٢] وممّا يدل على سموّ مقامها وعلوّ منزلتها، أنّ أهل البيت(ع) طالماً افتخروا بأنّخديجة منهم، وإنّهم من خديجة، فكانوا يعتزون بها ويشيدون بمكانتها. فالسيدة خديجة(ع) هي مثال الشرف والعقل، والحبّ العميق للرسول(ص) والوفاء والإخلاص، والتضحية بالغالي والنفيس في سبيل الإسلام الحنيف، فهي أوّل من آمنت بالله ورسوله، وصدقت محمّداً (ص) وآزرته، فكان (ص) لا يسمع من المشركين شيئاً يكرهه، من إيذاء وتكذيب، إلاّ وفرّج الله عنه بخديجة التي خفّفت عنه، بلطفها وعطفها وعنايتها به في غاية الإخلاص والود.[٣٣]
لقد اكتسبت السيدة خديجة بفضل إيمانها العميق بالرسالة المحمّدية، وتفانيها في سبيل الإسلام، وحرصها العجيب على حياة صاحب الرسالة، مكانةً ساميةً في الإسلام، حتى أنّ النبي (ص) ذَكَرَها في أحاديثه الكثيرة، وأشاد بفضلها ومكانتها وشرفها، وذلك لإلفات نظر المرأة المسلمة إلى القدوة التي ينبغي أن تقتدي بها في حياتها وسلوكها في جميع المجالات والحالات، بالإضافة إلى ما يمكن أن تقدمه المرأة ـ وهي نصف المجتمع ـ من دعم جدّىٍّ للرسالة، مادياً كان أم معنوياً.
ومن أشهر الأحاديث التي نُقلت عن النبي (ص) أنّه قال عنها: «أَتَى جَبْرَئِيلُ اَلنَّبِيَّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اَللَّهِ هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ وَ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا اَلسَّلأمَ مِنْ رَبِّهَا وَ بَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي اَلْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لأ صَخَبَ فِيهِ وَ لأ نَصَبَ».[٣٤]
وقال عنها (ص): «لا والله ما أبدلني الله خيراً منها، آمنَت بي إذ كفر الناس، وصدّقتني إذ كذبني الناس، وواسَتْني في مالها إذ حَرمني الناس، ورزقني الله منها أولاداً إذ حرَمَني أولاد النساء».[٣٥]
كما روى أنس بن مالك، أنّا لنبي (ص) إذا أتى بهدية قال: «اذهبوا بها إلى بيت فلانة فإنّها كانت صديقة لخديجة، إنّها كانت تحبّ خديجة».[٣٦]
كما قال عنها الإمام علي (ع): «كنتُ أوّل من أسلم، فمكثنا بذلك ثلاث حِجَج وما على الأرض خلق يصلّي ويشهد لرسول الله (ص) بما أتاه، غيري، وغير ابنة خويلد رحمها الله، وقد فَعَلَ».[٣٧]
وقد تحدّث عنها أيضاً الكثير من الشخصيات الإسلامية المتقدمة والمتأخرة، فقد ذكر عنها «محمد بن إسحاق»: «إنّ خديجة بنت خويلد وأبا طالب، ماتا في عام واحد، فتتابع على رسول الله (ص) هلاك خديجة وأبي طالب، وكانت خديجة وزيرة صدق على الإسلام، وكان رسول الله يسكُن إليها».[٣٨]
ولكلّ ذلك، فإنّ وفاتها كانت من أعظم المصائب التي أحزنت الرسول (ص) ممّا دفعه أن يسمّي العام الذي توفّي فيه ناصراه وحامياه ورفيقا آلامه ـ: زوجته خديجة، وعمّه المؤمن الصامد أبو طالب ـ بعام الحداد أو عام الحزن . فينزل عند دفنها في حفرتها، ويُدخلُها القبر بيده في الحجون، فيلزم بيته ويقل الخروج.[٣٩][٤٠]
دينه وإيمانه قبل البعثة
تنزيهه عن عبادة غير الله
تدلّ الدلائل التاريخية والعقلية والمنطقية، على أنّ النبي الأكرم (ص) لم يعبد غيرَ الله منذُ ولد حتى رحل إلى ربّه، وكذلك ما كان عليه آباوَه وكفلاوَه.
فجدّه عبد المطلب، طلب من الله وهو في الكعبة أن يرد هجوم أبرهة ويهزم جيشه، فقد كان الموحّد الذي لا يلتجىَ في المصائب والمكاره إلى غير كهف الله. كما أنّه كان يستسقي بالتوسّل إلى الله تعالى. وقد اعترف المؤرّخون بذلك، فقد ذكر اليعقوبي: «ورفض عبد المطلب عبادة الأوثان والأصنام، ووحّد الله عزّوجلّ، ووفى بالنذر، وسنّ سنناً نزل القرآن بأكثرها، وجاءت السنّة الشريفة من رسول الله بها، وهي الوفاء بالنذر، ومائة من الإبل في الدية، وألا تنكح ذاتُ محرم، ولا توَتى البيوت من ظهورها، وقطع يد السارق، والنهي عن قتل الموَودة، وتحريم الخمر، وتحريم الزنا والحدّعليه، والقرعة، وألاّ يطوف أحد بالبيت عرياناً، وتكريم الضيف، وألا ينفقوا إذا حجّوا إلاّ من طيب أموالهم، وتعظيم الأشهر الحرم، ونفي ذات الرايات».[٤١]
كل ذلك يؤكد تماماً توحيده وإيمانه بالله واعترافه برسالة النبي (ص) .
وكذلك كان عمّه أبو طالب، فله مواقف كثيرة بارزة قبل البعثة، تكشف عن عمق إيمانه وتوحيده، فقد اعتبر حامي الدين والمدافع عن المسلمين، آمن بالنبي (ص) واعتبره في قمة الكمال الإنساني، بالإضافة إلى أنّه أحلّه من قلبه محلَ الابن والأخ، فكان يصحبه معه إلى المصلّى، ويستسقي به، حيث كانت دعوته تُستجاب دون تأخير، كما اصطحبه معه في سفره إلى الشام، كما أنّ دفاعه عن النبي (ص) لم يكن مادياً، فلم يقصد من وراء ذلك كسباً مادياً من مال وثروة، كما لم يهدف للحصول على جاه ومقام وإحراز مكانة اجتماعية مرموقة، لأنّه كان يمتلك في المجتمع أعلى المناصب، فقد كان رئيساً لمكّة المكرّمة، بل إنّه فقد منصبه ومكانته بسبب موقفه الموالي للنبي (ص) وعدم الاستجابة لقومه في تسليمه (ص) لهم، ممّا استوجب سخط الزعماء عليه واستياءهم منه، وإظهار العداء له ولبني هاشم عامة.
فالقول بأنّ تضحية أبي طالب في سبيل النبي (ص) بالنفس والنفيس كان بدافع علاقة القربى والعصبية القبلية، تصوّر باطل، إذ أنّذلك كان بدافع اعتقاده الراسخ برسول الله (ص) الذي اعتبره مظهراً كاملاً للفضيلة والإنسانية، وأنّ دينه أفضل برنامج للسعادة. ولما كان يحب الحقيقة والكمال والحقّ، فقد كان من الطبيعي أن يدافع عن تلك الفضائل وينصرها بكلّ جهوده وقواه.[٤٢]
كما أنّ هناك مواقف محددة تؤكد المعنى السابق:
فقد أصدر تهديداً بمحاربة رجال قريش بالسلاح، إذا أقدموا على أي سوء نحو النبي (ص) فقد حافظ على حياته (ص) لفترة ٤٢ عاماً، ودافع عنه، وخاصةً في سنوات البعثة العشرة، فهو قد تولى مهمة كفالته والدفاع عنه والمحافظة على حياته بصدق وإخلاص، بالنفس والمال، وإيثاره على نفسه وأولاده والإنفاق عليه من ماله، منذ صِغَره (ص) وحتى الخمسين من عمره. ولذا كان لفقده أكبرُ الأثر على سير الدعوة الإسلامية.
وهو ما دفع ابن أبي الحديد المعتزلي أن ينشد بيتين يوضح تضحيته هو وابنه علي (ع):
| ولولا أبو طالب وابنُه | لما مثلُ الدّين شخصاً وقاما | |
| فذاك بمكة آوى وحامى | وهذا بيثرب جسّ الحِماما[٤٣] |
ويمكن التعرّف على إيمانه وإخلاصه عن طريق أشعاره وخدماته القيّمة في السنوات العشر الأخيرة من عمره، فمن قصائده المطولة نختار البيتين التاليين:
| ليعلم خيارُ الناس أنّ محمّداً | نبيُّ كموسى والمسيحِ بن مريم | |
| أتى بهدى مثلما أتيا به | فكلّ بأمر الله يهدي ويعصم[٤٤] |
لقد كان إيمانه قوياً لدرجة أنّه رضى بأن يتعرض كل أبنائه لخطر القتل والاغتيال ليبقى محمد (ص) دون أن يمسّه أعداؤه بأيّ سوء. كما أنّه أوصى أولاده عند وفاته قائلاً: أُوصيكم بمحمّد خيراً فإنّه الأمين في قريش، وهو الجامع لكلّما أوصيكم به. كونوا له ولاةً، ولحزبه حماةً، والله لا يسلك أحد منكم سبيله إلاّرَشَد، ولا يأخذ أحد بهديه إلاّ سعد.[٤٥]
وبينما كفّره البعض من علماء السنة، إلاّ أنّ منهم من حكموا بإسلامه وبإيمانه، مثل: «زيني دحلان» مفتي مكة، وقد تمادى بعض منهم في توسيع دائرة الكفر فشملت آباء النبي (ص)، وكان ذلك من آثار الحكومات الأموية والعباسية التي عملت بكلّ جهدها لتأكيد كفر أبي طالب والإعلام ضدّ إيمانه، لأنّه كان والد الإمام علي(ع) الذي اجتهدت الأجهزة الإعلامية لتلك الحكومات في الحط من شأنه دوماً، وخاصةً إنّ إسلامه مع أبيه كان يعد فضيلة بارزة من فضائله.
أمّا علماء الشيعة الإمامية والزيدية فقد اتّفقوا على أنّه كان من أبرز الموَمنين برسول الله (ص) ولم يخرج من الدنيا إلاّ بقلب يفيض إيماناً بالإسلام وإخلاصاً لله تعالى وحباً للمسلمين.[٤٦]
وأمّا أقاربه وما قدّموه من أفعال وأقوال تؤكد موقفه الإيجابي، فإنّ النبي (ص) دفنه بنفسه. كما أنّ الإمام الحسين (ع) أجاب عندما سُئل عن إيمانه قال: «وَا عَجَبَا إِنَّ اَللَّهَ تَعَالَى نَهَى رَسُولَهُ أَنْ يُقِرَّ مُسْلِمَةً عَلَى نِكَاحِ كَافِرٍ وَ قَدْ كَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدٍ مِنَ اَلسَّابِقَاتِ إِلَى اَلْإِسْلأمِ وَ لَمْ تَزَلْ تَحْتَ أَبِي طَالِبٍ حَتَّى مَاتَ».
وقال (ع): «أَ لَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلِيّاً عَلَيْهِ السَّلأمُ كَانَ يَأْمُرُ أَنْ يُحَجَّ عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ وَ آمِنَةَ وَ أَبِي طَالِبٍ فِي حَيَاتِهِ ثُمَّ أَوْصَى فِي وَصِيَّتِهِ بِالْحَجِّ عَنْهُمْ».
وقال الإمام الصادق (ع): «إِنَّ مَثَلَ أَبِي طَالِبٍ مَثَلُ أَصْحَابِ اَلْكَهْفِ، أَسَرُّوا اَلْإِيمَانَ وَ أَظْهَرُوا اَلشِّرْكَ فَآتَاهُمُ اَللَّهُ ﴿أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾[٤٧]»[٤٨]
ومن المعروف، أنّه للتعرف على عقيدة فردٍ ونمط تفكيره،ينبغي الاعتماد على:
- دراسة آثاره العلمية والأدبية وما تركه من أقوال وكلمات.
- و أسلوب عمله وتصرفاته في المجتمع.
- و آراء أقربائه ومعارفه حوله.
وكلّتلك الجوانب أكدت إسلام أبي طالب، حامي الرسول العظيم (ص)، فتسقط كلّ الأقاويل والأحاديث التي بثّها أعداؤه للحط من شأنه وإلصاق الكفر به.
وكذلك كان أبو النبي (ص) عبد الله، فقد ذكر النبي (ص) إنّه انتقل في الأرحام المطهّرة ممّا يؤكّد طهارة آبائه وأُمّهاته من كلّدنس وشرك.
وقد أشار الشيخ المفيد إلى أنّ الإماميّة تتفق على أنّ آباء رسول الله (ص) من لدن آدم إلى عبد الله بن عبد المطلب كانوا مؤمنين بالله وموحّدين إيّاه، واحتجّوا في ذلك بالقرآن والأخبار.[٤٩]
إيمانه بالله قبل البعثة
تدلّ الشواهد التاريخية بالإضافة إلى البراهين العقلية، على أنّه النبي كان مؤمناً بالله وموحّداً إيّاه قبل البعثة، فلم يعبد وثناً قط، ولم يسجد لصنم أبداً. وقد أجمع المؤرّخون على أنّه (ص) كان يخلو بحراء أشهراً كلّ عام يعبد الله تعالى فيه، فقد ذكر الإمام علي (ع): «وَ لَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ فَأَرَاهُ وَ لَا يَرَاهُ غَيْرِي».[٥٠]
حتى وافاه جبرائيل (ع) بالرسالة في هذا المكان وفي تلك الحال، وقد صرح بهذا أيضاً أصحاب الصحاح الستة، وجاء في الأخبار أنّ الرسول (ص) حجّ قبل البعثة عدّة حجّات، وكان يأتي بمناسكها على وجه صحيح بعيداً عن أعين قريش، فقال الإمام الصادق(ع): «حَجَّ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ عَشْرَ حَجَّاتٍ مُسْتَسِرّاً فِي كُلِّهَا».[٥١]
وكلّ تلك الوقائع أصدق دليل على إيمانه وتوحيده، وهو النبي الخاتم والأفضل من جميع الأنبياء والمرسلين بنصّ القرآن الكريم. وجاء عن «العلاّمة المجلسي»، أنّه قد وردت أخبار كثيرة أنّه (ص) كان يطوف ويعبد الله في حراء، ويرعى الآداب المنقولة من التسمية والتحميد عند الأكل وغيره،فكيف يمكن لله تعالى أن يهمل أفضل أنبيائه أربعين سنة بغير عبادة[٥٢]
والنبي (ص) كان مؤمناً موحّداً عابداً لله ساجداً قائماً بالفرائض العقلية والشرعية، مجتنباً عن المحرمات، عالماً بالكتاب ومؤمناً به إجمالاً، وراجياً لنزوله إليه، إلى أن بعثه الله لإنقاذ البشرية عن الجهل وسوقها إلى الكمال.
فكان (ص) أفضل الخلق وأكملهم خلقاً وخُلقاً وعقلاً، وأنّه كان يعمل حسب ما يُلهَم سواء كان مطابقاً لشرع ماقبله أم مخالفاً، وأنّ هاديه وقائده، منذ صباه إلى أن بُعِث هو نفس هاديه بعد البعثة.[٥٣].[٥٤]
ثانياً: من البعثة حتى الهجرة النبوية
أحداث ما قبل البعثة
- تحديث الملائكة للنبي الخاتم
- تبشير النبي الخاتم للنبوة
- نبوة النبي الخاتم
- رسالة النبي الخاتم
- بدء البعثة النبوة الخاتمة
- نزول الآيات الأولى من القرآن
- بدء نزول الأحكام على النبي
- فترة الوحي على النبي الخاتم
- نزول القرآن قبل إعلان الدعوة
وها هنا أحداث:
الحدث الأول: الدعوة السرية
الحدث الثاني: هجرة المسلمين إلى الحبشة
الحدث الثالث: الحصار في شعب أبي طالب
الحدث الرابع: الرحلة إلى الطائف
الحدث الخامس: بيعة العقبة الأولى
الحدث السادس: بيعة العقبة الثانية
الحدث السابع: بيعة العقبة الثانية
الحدث الثامن: ليلة المبيت
ثالثاً: من الهجرة حتى الوفاة
وها هنا منعطفات:
المنعطف الأول: هجرته إلى يثرب(ص)
المنعطف الثاني: هجرته إلى يثرب(ص)
المنعطف الثالث: غزواته(ص)
غزوة بدر
غزوة أحد
غزوة الخندق
المنعطف الرابع: فتح مكة(ص)
المنعطف الخامس: حجة الوداع(ص)
المراجع
الهوامش
- ↑ إمتاع الأسماع: ص ٣، وقد ذكر جميع الأقوال التي وردت في ميلاد النبي (ص) .
- ↑ تاريخ اليعقوبي: ٢/ ٥؛ بحار الأنوار: ١٥/ ٢٤٨؛ السيرة الحلبية: ١/ ٦٧.
- ↑ السيرة الحلبية: ١/ ٧٨.
- ↑ السيرة الحلبية: ١/ ٨٢.
- ↑ البحار: ١٥/ ٣٤٢.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ١٥٧.
- ↑ سورة القلم، الآية ٤.
- ↑ سورة الشرح، الآية ٤.
- ↑ للتوسع في هذا الموضوع، يرجع إلى: معالم التوحيد في القرآن الكريم.
- ↑ جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ٣٣-٣٦.
- ↑ السيرة الحلبية: ١/ ١٠٥.
- ↑ تاريخ اليعقوبي: ٢\١٠ حول سيرة عبد المطلب، أنّه كان موحداً لا وثنياً، وإنّ الإسلام قد أخذ الكثير من سننه.
- ↑ جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ٣٦-٣٧.
- ↑ تاريخ اليعقوبي: ٢\١٥.
- ↑ تاريخ الطبري: ٢\٣٢؛ السيرة الحلبية: ١\١٨٠.
- ↑ سورة يونس، الآية ١٦.
- ↑ للتوسع في الموضوع، راجع مفاهيم القرآن للشيخ جعفر السبحاني: ٣\٣٢١.
- ↑ جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ٣٧-٣٩.
- ↑ تاريخ اليعقوبي: ٢\١٢، طبع النجف.
- ↑ جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ٣٩-٤٠.
- ↑ السيرة النبوية: ١\١٩٢؛ فروع الكافي: ٤\٢١٧.
- ↑ جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ٥٢.
- ↑ البحار: ١٦\٢٢؛السيرة الحلبية: ١\١٣٢؛ الكامل في التاريخ: ٢\٢٤.
- ↑ تاريخ اليعقوبي: ٢\٢١.
- ↑ البحار: ١٦\١٨؛ طبقات ابن سعد: ١\١٣٠.
- ↑ جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ٤٠-٤٢.
- ↑ شرح نهج البلاغة: ١٤\٥٩.
- ↑ بحارالأنوار: ١٦\٤.
- ↑ تاريخ الخميس: ١\٢٦٤.
- ↑ السيرة الحلبية: ١\١٣٩.
- ↑ الاستغاثة: ١\٧٠.
- ↑ السيرة الحلبيّة: ١\١٦٩.
- ↑ أعلام النساء: ١\٣٢٨.
- ↑ صحيح مسلم: ٧\١٣٣؛ مستدرك الحاكم: ٣\١٨٤.
- ↑ أُسد الغابة: ٥|٤٣٨؛ صحيح مسلم: ٧\١٣٤؛ صحيح البخاري: ٥\٣٩.
- ↑ سفينة البحار: ١\٣٨٠.
- ↑ شرح نهج البلاغة: ١٤\٥٩.
- ↑ بحارالأنوار: ١٦\١٠.
- ↑ تاريخ اليعقوبي: ٢\٣٥؛ تاريخ الخميس: ١\٣٠١؛السيرة الحلبية: ١\٣٤٦.
- ↑ جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ٤٣-٤٦.
- ↑ تاريخ اليعقوبي: ٢\٩.
- ↑ وقد أشار إلى كلّ ذلك في قصائده وأشعاره. ونقل ابن هشام في سيرته: ١\٣٥٢، ١٥ بيتاً من قصيدته.
- ↑ شرح نهج البلاغة: ١٤\٨٤.
- ↑ مجمع البيان: ٧\٣٧؛ الحجة: ٥٧؛مستدرك الحاكم: ٣\٦٢٣.
- ↑ السيرة الحلبية: ١\٣٥.
- ↑ يوضح هذا الجانب جيداً صاحب موسوعة الغدير، العلاّمة الأميني.
- ↑ سورة القصص، الآية ٥٤.
- ↑ أُصول الكافي: ١|٤٤٨.
- ↑ جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ٥٣-٥٧.
- ↑ نهج البلاغة: الخطبة ١٩٢.
- ↑ وسائل الشيعة: ٨\٨٨.
- ↑ بحار الأنوار: ١٨\٢٨٠.
- ↑ للتوسع في ذلك يراجع مفاهيم القرآن: ٥\١٣٥.
- ↑ جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ٥٧-٥٨.