أبو الطفيل عامر بن واثلة الكناني
نبذة
أبو الطفيل عامر بن واثلة بن عبد الله الليثي الكناني من كبار صحابة الإمام (ع) المتفانين في حبه، والمكاحفين في سبيله، والذائدين عن حياضه، والمتصدين للاعلام المناوئ، اشتهر ابن واثلة بكنيته: أبي الطفيل. كان فقيها عالماً شاعراً جزلا بطلاً مغواراً وخطيباً مصقعاً، انتهل الثقافة الاسلامية من مدرسة الإمام، وارتوى من ينابيع الفضيلة.
ولما كانت مواهبه الفذة تعاضده، فإنه استطاع بفضل هذه المواهب والمؤهلات أن يستوعب من مدرسة الإمام أقصى ما يستوعبه تلميذ مجد مجتهد، وسار في حياته على منهاج الإمام ومبادئه، اشترك مع الإمام في جهاد القاسطين - في معركة صفين - كجندي متفاني، تماماً كما عاضد ثورة المختار ضد العنجهية الأموية، والخبطات الزبيرية.
ولد أبو الطفيل في مكة سنة اثنين للهجرة، في العام الذي اندلعت فيه معركة أحد. وكان في سن الثامنة من ربيعه حينما توفى رسول الله والتحق بالرفيق الأعلى[١].
وترعرع في أجواء مكة ونمى في بطاحها وشاهد عن كثب، وهو لا يزال في نعومة أظفاره رسول الله يطوف بالبيت الحرام على ناقته ويستلم الركن بمحجنه[٢].
وهذا حينما حج رسول الله الحجة الأخيرة والتي اشتهرت بحجة الوداع، ورأى صاحبنا رسول الله عند المروة وقد ازدحهم الناس عليه صلوات الله عليه.
وعندما تخطت بأبي الطفيل السنوات لمعت هذه الذكريات في ذهنه المكدود - ذكريات مشاهد الرسول العطرة -، فنهد إلى صديقه الحبيب إليه: عبد الله بن عباس، فلما رآه الأخير رحب به وهش في وجهه، واتخذ أبو الطفيل مكانه، ثم تشعبت بينه وبين ابن عباس الأحاديث فقال أبو الطفيل وقد حن إلى عهد الصبى، عهد مرأى رسول الله قال: قد رأيت رسول الله.
فقال ابن عباس وهو يحاول أن يستثبت الرؤية؛ كيف وأبو الطفيل كان يومئذ صبيا، وكيف ثبتت صورة الرؤية في ذهنه رغم السنين الطويلة، قال ابن عباس: قصفه لي، فقال أبو الطفيل وهو يستعيد الذكرى العطرة: «رأيته صلوات الله عليه عند المروة على ناقة وقد كثر الناس عليه»، وهنا تذكر ابن عباس صوراً من مشاهد رسول الله(ص) مع الناس، مع الصحابة، مع المسلمين الأوائل، مع الطلائع المؤمنة، كانت الصور تترى في ذهن ابن عباس الأمر الذي لم يكد يسمع وصف أبي الطفيل حتى بادر قائلاً: ذاك رسول الله لا يدعون عنه[٣].
قال أبو الطفيل في آخر حياته: «رأيت النبي(ص) وما بقي على وجه الأرض أحدٌ راه غيري». قال الراوي سعيد: قلت له: «صفه لي». قال: «كان أبيض مليحاً مقصداً»[٤].
وكان أبو الطفيل في غضون صباه وشبابه يسمع الكثير عن الإمام، وجهوده وجهاده في سبيل الاسلام، رغم التحفظ الذي كان يبديه فريق من الناس، فكانت هذه «الفضائل والمكارم» تجد في نفس اليافع صدى تنعكس في مرآ قلبه الصافية.
ولما ارتاد أبو الطفيل المدينة التقى هناك بالإمام وحضر بعض حلقات درسه، وترك هذا اللقاء انطباعاً كريماً في نفس أبي الطفيل، ثم انه تكررت اللقاءات في حلقات الدراسة، فأعجب أبو الطفيل الشاب المرح الذكي الفؤاد بشخصية الإمام العلمية والفكرية مضافاً إلى ما سمعه عن قوة أيده، وشجاعته الفذة، وحب رسول الله له، وما تناقله صحابة الرسول المخلصين للامام من أحاديث الولاء، ترك أبو الطفيل حاضرة الاسلام إلى البلد الحديث التأسيس، الجديد المباني، والتي اشتهرت بالكوفة حسب موقع أرضها، وهناك القى عصا الترحال في حي «بني كنانة» ثم أنه كان يزور المدينة حاضرة العالم، ولما أن تسلم الإمام زمام الخلافة وسار في موكيه إلى البصرة، كان أبو الطفيل في طليعة من نهد إلى البصرة لمعاضدة الإمام، وكان سرت الفرحة والبشرى في قسمات وجهه، وجنبات قلبه من أجواء حكم الإمام المعطاءة الشذية، بعد الأجواء السياسية الحالكة التي مرت على العالم الاسلامي[٥].
كان أبو الطفيل في ذي قار في صفوف الجنود، وكان يحرص أن يسمع كل ما يتفوه به أمير المؤمنين (ع)، وإذا بأبي الطفيل يسمع الإمام (ع) وهو يستعرض أعداد الجنود التي ستتوالى من الكوفة للمشاركة في المعركة المقبلة. قال (ع): يأتيكم من الكوفة اثنا عشر ألف رجل ورجل، فيبادر صاحب الترجمة مع نفر وقد سمعوا هذا النبأ تماماً كما سمعوا باقبال الجيوش إلى ربوة عالية ليحصوا الجنود، يقول أبو الطفيل وقد أعجبه هذا الأحصاء: فقعدت على نجفة ذي قار فأحصيتهم، فما زادوا رجلاً ولا نقصوا رجلاً[٦].
ثم أن أبا الطفيل عاد إلى بلده في موكب الإمام، واتخذ الإمام الكوفة عاصمة للدولة الاسلامية، وكان أبو الطفيل يحضر دروس الإمام في المعهد الأعظم، ويصغي إلى محاضراته القيمة في شغف وهيام، ويستمتع بالجو المفتوح السائد في قاعة الدرس.
ولنصغي إلى أبي الطفيل يصف بعض هاتيك المحاضرات، وجو الحرية السائدة على التلامذة، وعلى الناس عامة قال: سمعت علياً (ع) يخطب فقال: «سلوني قبل أن تفقدوني فقام إليه ابن الكواء فقال: ما ﴿الذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾[٧]. قال: الرياح. قال: ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾[٨]. قال: السفن. قال: ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾[٩]. قال: السحاب. قال: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾[١٠]. قال: الملائكة. قال: فمن ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾[١١]. قال: الأفجران من قريش: بنو أمية وبنو مخزوم. قال: فما كان ذو القرنين: أنبيا أم ملكاً؟ قال: كان عبداً مؤمناً - أو قال: صالحاً - أحب الله وأحبه، ضرب ضربةً على قرنه الأيمن، فمات ثم بُعث وضُرب ضربةً على قرنه الأيسر، فمات وفيكم مثله»[١٢].
مسند علي (ع) عن أبي الطفيل عامر بن واثلة قال: شهدت علي بن أبي طالب يخطب فقال في خطبته: «سلوني فوالله لا تسألوني عن شيء يكون إلى يوم القيامة إلا حدثتكم به، سلوني عن كتاب الله، فوالله ما من آية إلا أنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار أم في سهل نزلت أم في جبل». فقام إليه ابن الكواء فقال: يا أمير المؤمنين: ما ﴿الذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾[١٣]؟ فقال له: ويلك، سل تفقها ولا تسأل تعنتاً، ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾[١٤] الرياح، ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾[١٥] السحاب، ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾[١٦]. السُفن، ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾[١٧] الملائكة. فقال: فما السواد الذي في القمر. فقال: أعمى يسأل عن عمياء، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾[١٨] فمحو آية الليل السواد الذي في القمر. قال: فما كان ذو القرنين أنبيا أم ملكاً؟ فقال (ع): لم يكن واحداً منهما، كان عبداً لله أحب الله، فأحبه الله وناصح الله، فنصحه الله بعثه الله إلى قومه يدعوهم إلى الهدى، فضربوه على قرنه الأيمن ثم مكث ماشاء الله ثم بعثه الله إلى قومه يدعوهم إلى الهدى، فضربوه على قرنه الأيسر ولم يكن له قرنان كقرني الثور. قال: فما هذه القوس، قال: هي علامة كانت بين نوح وبين ربه، وهي أمان من الغرق. قال: فما البيت المعمور، قال: البيت فوق سبع سماوات تحت العرش يقال له: الصراح يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة. قال: فمن ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾[١٩]، قال: هم الأفجران من قريش قد كفيتموهم يوم بدر. قال: فمن ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾[٢٠]، قال: قد كان أهل حروراء منهم. (ابن الأنباري في المصاحف وابن عبد البر في العلم)»[٢١].
كانت فيالق الإمام من «ربيعة» دخلت معركة صفين في حماس وبأس شديد الأمر الذي أشاعت في صفوف جيش العدو الخوف والهلع مما دعا الإمام أن يشيد بها وبجهودها وشجاعتها بحيث عُرف عن الإمام أنه «لا يعدل بربيعة أحداً من الناس».
إن هذا الولاء أمسى مدعاة لفيالق الإمام من «مضر» أن تجد في نفسها وتلوم هوانها وتستشعر أن «ربيعة» تكاد تسبقها في مضمار الولاء والدفاع عن الإمام ومبادئه، فما كان من الجنود المضريين إلا قذف ربيعة بالشنار المعبر عن لواعج نفوسهم، وما تكنها تجاه ربيعة من بغضاء، وبلغت ربيعة قذائف مضر، وفلتات لسانها، فقال شاعر ربيعة الحضين بن المنذر الرقاشي معبراً عن الجو المتوتر بين ربيعة ومضر:
| رَأَتْ مُضَرُ صَارَتْ رَبِيعَةُ دُونَهُمْ | شِعَارَ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ ذَا اَلْفَضْلِ | |
| فَأَبْدَوْا إِلَيْنَا مَا تُجِنُّ صُدُورُهُمْ | عَلَيْنَا مِنَ اَلْبَغْضَا وَ ذَاكَ لَهُ أَصْلٌ | |
| فَقُلْتُ لَهُمْ لَمَّا رَأَيْتُ رِجَالَهُمْ | بَدَتْ بِهِمْ قَطْوٌ كَأَنَّ بِهِمْ ثِقْلٌ | |
| إِلَيْكُمْ أَهِيبُوا لاَ أَبَا لِأَبِيكُمُ | فَإِنَّ لَكُمْ شِكْلاً وَ إِنَّ لَنَا شِكْلُ | |
| وَ نَحْنُ أُنَاسٌ خَصَّنَا اَللَّهُ بِالَّتِي | رَآنَا لَهَا أَهْلاً وَ أَنْتُمْ لَهَا أَهْلٌ | |
| فَأُبْلُوا بَلاَنَا أَوْ أَقَرُّوا بِفَضْلِنَا | وَ لَنْ تَلْحَقُونَا اَلدَّهْرَ مَا حَنَّتِ اَلْإِبِلُ |
انتشرت هذه الأبيات المتحدية في صفوف قادة مضر مما أثارت فيها لوافح الغضب.
فتنادوا فيما بينها أن هلموا إلى الإمام القائد الأعلى للجيش لنطرح أمامه القضية الناجمة حتى يفصل فيها قبل استفحالها، وعلى هذا الأساس عقد كبار قادة مضر مؤتمراً مع الإمام، وقادة مضر المؤتمرون هم:
أبو الطفيل عامر بن واثلة الكناني، وعمير بن عطارد بن حاجب التميمي، وقبيصة بن جابر الأسدي، وعبد الله بن الطفيل العامري سيد هوازن، وقد صحب مع كل واحد من هؤلاء القادة كبار الضباط من قومه، ولما أن تم شمل المؤتمر كان أبو الطفيل النجم اللامع من بين القادة، ولسانها المعبر، وذلك لأنه كان قريباً إلى الإمام، ومخلصاً له، ومنافحاً عنه، مضافاً إلى مقدرته الخطابية التي تسعفه في مثل هذه المواقف، وتسير به وبرفاقه إلى قمة الهدف.
تكلم أبو الطفيل فقال في نبرات مخلصة وكلمات حكيمة: «يا أمير المؤمنين، إنا والله ما نحسد قوماً خصهم الله منك بخير إن أحمدوه وشكروه، وإن هذا الحي من ربيعة قد ظنوا أنهم أولى بك منا، وإنك لهم دوننا، فأعفهم عن القتال أياماً، واجعل لكل امرئ منا يوماً يقاتل فيه، فإنا إذا اجتمعنا اشتبه عليك بلاؤنا».
وهكذا عرض أبو الطفيل القضية التي شغلت بال الجنود المضريين، واستقطبت هواجس القادة ثم عرض الناطق الرسمي للقادة طريق الحل للقضية، وهو أن تدخل فيالق مضر المعركة وحدها دون ربيعة حتى يسطع بلاءها، فقال الإمام وهو يحدد الموعد: «اُعطيتم ما طلبتم يوم الأربعاء». وأمر ربيعة أن تكف عن القتال، ثم إن الإمام بعد تحديد الموعد بيوم الأربعاء أصدر أمره إلى فيالق ربيعة أن تكف عن القتال في هذا اليوم، ولا ترتاد المعركة وتدع قيادة المعركة لقادة مضر[٢٢].
سادت معسكرات مضر الجلبة والحركة إنها حركة إعداد ليوم الأربعاء اليوم الفاصل، تماماً كما انتشت النفوس الأفراح بهذا القرار الكريم، كان معسكر كنانة في حركة مستمرة في إعداد العدة، وكان زعيمها أبو الطفيل في شغل شاغل في التنظيم والتعبئة، وكانت أوامره خير مرشد لجنوده، كان الليل قد ضرب نطاقه على سرادق معسكرات الجيش، وهدأت المعسكرات وارتمت في أحضان الهدوء والسكينة، ولكنك كنت ترى أبا الطفيل القائد الكناني قد اجتمع مع قادة تميم وأسد وهوازن، يدرسون خطة المعركة التي تكاد تقترب، أليس صباح يوم الأربعاء بقريب؟، ما أن ينجلي سواد هذا الليل، وتشرق الشمس حتى يكون الموعد المحدد قد حان.
قرر القادة أن يتقدم أبو الطفيل في جنوده ويقاتل: يوم الأربعاء والخميس، ثم يرجع هو وجنوده، ثم يتقدم يوم الجمعة عمير بن عطارد في جنود بني تميم، ويخوض المعركة، ثم يتقدم يوم السبت قبيصة بن جابر الأسدي في جنود بني أسد، ويقاتل، ثم يتقدم يوم الأحد عبد الله بن الطفيل في جنود هوازن ويقارع الأعداء، ولما أن تمت خطة المعركة تعاهد القادة على بذل أقصى حد ممكن من التضحية والفداء حتى يكسبوا جانب الإمام، ويزيحوا عن أنفسهم سبة التأخر في ساحات النضال والتضحية.
رجع أبو الطفيل إلى خباءه وأجتمع بالضباط ودرس معهم خطة المعركة المقبلة، ولما أن وضعوا النقاط على الحروف وتم كل شيء كان الليل قد تسرب معظمه ولم يبق منه سوى خيوط سرعان ما تنجلي، تفرق الضباط وكلمات أبي الطفيل ترن في مسامعهم، وهي تحضهم وتحثهم على الصمود على البأس، على التحدي، على الطعن والضرب، ارتاد أبو الطفيل القائد مهجعه وحاول أن ينام مضمضة إلا أن صور الاجتماعات واللقاءات كانت تترى أمامه، وتزحم النوم الذي يكاد يطبق على جفونه، وكانت هناك التحسبات والمفاجآت المقبلة تأخذ عليه مسارب النوم، كان القائد يسير في عالمه حتى استرخى للنوم فنام، وفي اليوم التالى أصطفت حشود كنانة يتقدمها «أبو الطفيل» على اُهبة الاستعداد لخوض معركة حامية الأوار، وكان أبو الطفيل القائد يدوي صوته في فضاء الساحة.
طاعنوا، ضاربوا، وفي المعسكر الآخر معسكر العدو كانت الحشود محتشدة، وما أن ارتفع صوت النذير حتى اندلعت المعركة وسارت حشود أبي الطفيل تقارع الهمجية الجاهلية التي تحاول أن تتربع على عرش الاسلام تحت ستار الاسلام وشعار الاسلام، اقتتل الفريقان قتالاً شديداً فكنت ترى السواعد المبتورة، والشهداء من صفوف أبي الطفيل، لقد أبلى جنود أبي الطفيل البلاء الحسن، وصبرت في المعمعة الصبر الجميل، الأمر الذي راح أبو الطفيل يهتف بهذه الأبيات المعبرة عن أحاسيسه ومشاعره:
| قَدْ صَابَرَتْ فِي حَرْبِهَا كِنَانَهْ | وَ اَللَّهُ يَجْزِيهَا بِهَا جِنَانَهْ | |
| مَنْ أَفْرَغَ اَلصَّبْرَ عَلَيْهِ زَانَهُ | أَوْ غَلَبَ اَلْجُبْنَ عَلَيْهِ شَانَهُ | |
| أَوْ كَفَرَ اَللَّهَ فَقَدْ أَهَانَهُ | غَداً يَعَضُّ مَنْ عَصَى بَنَانَهُ |
رجحت كفة أبي الطفيل، وحاق بجيش العدو الفرار، ثم إن أبا الطفيل لما أن أذى واجبه القيادي النضالي على أفضل سيرة ارتاد مركز قيادة الإمام، وهو يشعر بنشوة النصر، وألقى عند الإمام بهذه الكلمات المعبرة عن الحماس المبدأي، والرؤية الواضحة، والمشاعر السوية، والولاء المضي: «يا أمير المؤمنين إنك نبأتنا أن أشرف القتل الشهادة، وأحظى الأمر الصبر، وقد والله صبرنا حتى أصبنا، فقتيلنا شهيد، وحيُّنا ثائر، فاطلب بمن بقي ثأر من مضى، فإنَّا وإن كان قد ذهب صفونا وبقي كدرنا، فإن لنا ديناً لا يميل به الهوى، ويقيناً لا يرحمه الشبهة».
وهكذا، فإن «لنا دينا لا يميل به الهوى، ويقينا لا يرحمه الشبهة».
وهذا الدين الثابت الدعائم، واليقين المبدد للشبهات: هما اللذان اخذا بيد أبي الطفيل في مدلهمات الخطوب التي اعترضت حياته حتى آخر لحظة، وهما اللذان حافظا على ولائه للامام حتى آخر نفس من حياته، وما كان من الإمام بعد هذه الكلمات العميقة المحتوى، المعبرة عن مشاعر الإخلاص إلا أن يثني على أبي الطفيل خيراً، وأصبح أبو الطفيل القدوة الحسنة لبقية القادة من رفاقه الذين التحموا الضلال في معركة ضارية، لقد ضرب أبو الطفيل اروع الأمثلة للقادة من رفاقه في الصمود والتضحية والفداء والصبر والجلد تماماً كما كانت كنانة قد سارت مسار قائدها في الصبر على لأواء الحرب وشدتها، وصارت القدوة للجنود.
فهذا عمير بن عطارد التميمي القائد يغدو إلى الحرب يوم الجمعة بعد معركة أبي الطفيل يغدو هو وجنوده، وعندما يخطبهم ويحضهم على القتال يضرب بسيرة أبي الطفيل وجنوده مثالاً ويقول: «يا قوم إنّي أتبع آثار أبي الطفيل، وتتبعون آثار كنانة...». ثم خرجت بنو أسد وهوازن وقاتلت قتالاً مشرفاً رفعت راية الفخر والزهو على ربيعة، وهكذا أنتصفت مضر من ربيعة في حلبة النضال، وهكذا نافح أبو الطفيل عن الإمام، وعن مبادئ الاسلام التي يمثلها الإمام، نافح منافحة الولد البار عن الأب الشفيق، وأحبه الإمام حب الأب الحكيم لابنه المطيع الملبى لطلبات أبيه.
| وَ قُلْنَا عَلِيٌّ لَنَا وَالِدٌ | وَ نَحْنُ لَهُ طَاعَةٌ كَالْوَلَدْ |
عاش أبو الطفيل أجواء صفين الدامية، وشاهد أصدقاءه المخلصين كيف يتهافتون في نصرة العقيدة المشبوية الحركة تهافت الفراشة على لهيب الزجاجة المضيئة، وكابد من هذه المشاهد الدامية لولا أنها في سبيل الإمام ومبادئه الحكيمة مما يشيع في الجوانح الطمأنينة، الطمانينة على مستقبل اسلام، الطمأنينة على جهود رسول الله صلى الله عليه وآله، إن جهود الإمام وصحبه المخلصين في صفين والدماء الطاهرة المراقة على ثرى صفين: هما اللذان شيدا حول الاسلام سياجاً قوياً تتحدى العواصف القاصفة، وهما اللذان صانا مستقبل الاسلام أن يعبث به عابث، وهما اللذان خلدا أهل البيت والقرآن مرفوعا الراية، واضحا الحقائق. وقال أبو الطفيل عامر بن واثلة القائد:
| حَامَتْ كِنَانَةُ فِي حَرْبِهَا | وَ حَامَتْ تَمِيمٌ وَ حَامَتْ أَسَدٌ | |
| وَ حَامَتْ هَوَازِنُ يَوْمَ اَللِّقَا | فَمَا خَامَ مِنَّا وَ مِنْهُمْ أَحَدٌ | |
| لَقِينَا قَبَائِلَ أَنْسَابُهُمْ | إِلَى حَضْرَمَوْتٍ وَ أَهْلِ اَلْجَنَدْ | |
| لَقِينَا اَلْفَوَارِسَ يَوْمَ اَلْخَمِيسِ | وَ اَلْعِيدِ وَ اَلسَّبْتِ ثُمَّ اَلْأَحَدِ | |
| وَ أَمْدَادُهُمْ خَلْفَ آذَانِهِمْ | وَ لَيْسَ لَنَا مِنْ سِوَانَا مَدَدْ | |
| فَلَمَّا تَنَادَوْا بِآبَائِهِمْ | دَعَوْنَا مَعَدّاً وَ نِعْمَ اَلْمَعَدْ | |
| فَظَلْنَا نُفَلِّقُ هَامَاتِهِمْ | وَ لَمْ نَكُ فِيهَا بِبَيْضِ اَلْبَلَدِ | |
| وَ نِعْمَ اَلْفَوَارِسُ يَوْمَ اَللِّقَاءِ | فَقُلْ فِي عَدِيدٍ وَ قُلْ فِي عَدَدْ | |
| وَ قُلْ فِي طِعَانٍ كَفَرْغِ اَلدِّلاَءِ | وَ ضَرْبٍ عَظِيمٍ كَنَارِ اَلْوَقَدْ | |
| وَ لَكِنْ عَصَفْنَا بِهِمْ عَصْفَةً | وَ فِي اَلْحَرْبِ يُمْنٌ وَ فِيهَا نَكَدْ | |
| طَحَنَّا اَلْفَوَارِسَ وَسْطَ اَلْعَجَاجِ | وَ سُقْنَا اَلزَّعَانِفَ سُوقَ اَلنَّقَدْ | |
| وَ قُلْنَا عَلِيٌّ لَنَا وَالِدٌ | وَ نَحْنُ لَهُ طَاعَةٌ كَالْوَلَدْ |
إن أبا الطفيل شاهد الشهداء من صحب الإمام في صفين، فسكب مشاعره المزدوجة الاتجاه. اتجاه فرح وابتهاج على نصرة الاسلام، واتجاه ألم على فراق الصديق، سكب مشاعره في شعر رقراق، فهذا هاشم بن عتبة المرقال البطل الكمي من صحب الإمام عندما استشهد في سبيل الإمام ومبادئه يقف أبو الطفيل على جثمانه ويؤبنه بهذه الأبيات المعبرة:
| يا هاشِمَ الخيرِ جُزِيتَ الجَنَهْ | قَاتَلْتَ فِي اللهِ عَدُو السُّنَّهْ | |
| وَالتّارِكي الحق وَأهْلَ الظنّهأ | عْظِمْ بِمَا فُزتَ به مِن مِنَّهْ | |
| صَيَّرَنِي الدهرُ كَأنِّي شَنَّهُ | يا لَيْتَ دَهرِي قدعَلَوْنِي رَنَّهْ | |
| مِنْ حَوْبَةٍ وَعَمَّةٍ وَكَنَّهْ | ||
قال أبو الطفيل: ان حابس بن سعد الطائي كان صاحب لواء طي مع معاوية فقال:
| أَمَا بَيْنَ اَلْمَنَايَا غَيْرُ سَبْعٍ | بَقِينَ مِنَ اَلْمُحَرَّمِ أَوْ ثَمَانٍ | |
| أَمَا يُعْجِبْكَ أَنَّا قَدْ كَفَفْنَا | عَنْ أَهْلِ اَلْكُوفَةِ اَلْمَوْتَ اَلْعِيَانِي | |
| أَ يَنْهَانَا كِتَابُ اَللَّهِ عَنْهُمْ | وَ لاَ يَنْهَاهُمُ اَلسَّبْعُ اَلْمَثَانِي |
فقتل بعد، فلما انسلخ المحرم واستقبل صفر وذلك في سنة سبع وثلاثين بعث علي نفراً من أصحابه حتى إذا كانوا من عسكر معاوية حيث يسمعونهم الصّوت قام مرثد بن الحارث الجشمي، فنادى عند غروب الشمس: يا أهل الشام ان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يقولون لكم: إنا والله ما كففنا عنكم شكاً في أمركم، ولا بقيا عليكم، وإنما كففنا عنكم لخروج المحرم، ثم انسلخ، وإنا قد نبذنا اليكم على سواء إن الله لا يحبّ الخائنين.
قال أبو الطفيل حول رفع المصاحف في صفين: استقبلوا علياً بمائة مصحف ووضعوا في كل مجنبةٍ مائتي مصحف، وكان جميعها خمسمائة مصحف.[٢٣]
أبو الطفيل وبنو ناجية
قال أبو الطفيل: كنت في الجيش الذي بعثهم علي بن أبي طالب إلى بني ناجية، فانتهينا إليهم فوجدناهم على ثلاث فرق فقال الأمير لفرقة منهم ما أنتم؟ قالوا: نحن قوم كنا نصارى، فاسلمنا فثبتنا على إسلامنا، وقال للثانية: ما أنتم؟ قالوا: نحن قوم كنا نصارى فثبتنا على نصرانيتنا، وقال للثالثة: ما أنتم؟ قالوا: نحن قوم كنا نصارى فأسلمنا، فرجعنا على نصرانيتنا، فلم نر ديناً أفضل من ديننا، فقال لهم: اسلموا، فابوا، فقال لأصحابه: إذا مسحت رأسي ثلاث مرات، فشدوا عليهم، ففعلوا فقتلوا النقاتلة وسبوا الذرية، فجيئ بالذراري إلى علي (ع)، وجاء مصقلة بن هبيرة[٢٤]فاشتراهم بمأتي ألف، فجاء بمائة ألف إلى علي (ع) فأبى علي (ع) أن يقبل، فانطلق مصقلة بدراهمه، وعمد مصقلة إليهم فأعتقهم ولحق بالعدو، فقيل لعلي (ع): ألا تأخذ الذرية. فقال: لا، فلم يعرض لهم[٢٥].[٢٦]
بعد استشهاد أمير المؤمنين (ع)
بعد أن استشهد الإمام سار أبو الطفيل الصاحب النبيل إلى مكة، وارتاد مراتع صباه وهو مثقل بالهموم، دامي القلب، جريح الفؤاد، متوتر المشاعر والأحاسيس، يرى الدنيا قد سادها الضباب والظلام... أليس جاهد وقارع بالسيف؟، أليس سعى الإمام السعي الحثيث: سواءاً بالكلمة أو السوط، أو السيف؟، أليس بذل صحب الإمام وذووا الرأي منهم جهوداً مكثفة وطاقاتاً كبرى...؟ أكل هذه الطاقات الكبرى، والجهود المكثفة، والدماء الزاكية، والخطب المضيئة كانت في سبيل أن يتربع العدو على عرش الدولة البعيدة الأرجاء.
ثم أين تذهب جهود النبوة ومعاناة الصحابة في فجر الاسلام أكل هذه الخطوات والخطط القت ثقلها في المعركة في سبيل أن يحكم العدو الذي حارب الرسالة بدءاً وعوداً، وعلى طول الخط. إنها غصة تعصر حلق صاحبنا أبي الطفيل، ارتاد مسقط رأسه وفي الحلق شجى وفي العين قذى يرى تراث الاسلام نهبا مقسما...، ثم إن أبا الطفيل شهد الإمام وهو يجمع الجنود والفيالق من أنحاء الدولة المترامية الأطراف، ليقودها نحو الطاغية المنشق على الدولة...، ولكن القدر لم يمهل الإمام ويستشهد قبل أن ينفذ خطته في القضاء على الجرثومة الأموية.
إن هذا المشهد والمشاهد كلها كانت دوافع في اندلاع عناصر البغضاء في قلب أبي الطفيل من الأموي ودولته، وفي نفس الوقت كانت المشاهد كلها حوافز في الاخلاص للامام والدفاع عنه، والتحدى لكل العناصر المعادية للامام، والتصدي لكل الخطوط المنفصلة عن خط الإمام، والنعي على المناهج المراوغة البعيدة عن أجواء منهج الإمام.
وتبدو هذه اللواعج النفسية التي كانت تضطرم بين جنبيه من الحوار الذي دار بينه وبين العدو... إن العدو لما سيطر على الدولة عمل جاهداً أن يجذب كبار صحب الإمام إلى فلك سياسته حتى يأمن جانبهم، وكان أبو الطفيل صاحبنا أحد هؤلاء الصحب الكبار فإنّه - أي العدو - كتب الرسائل تلو الرسائل وأرسل الهدايا بعد الهدايا إلى أبي الطفيل علّه تلين قناته، ويهفو إليه، وينصاع لحكمه، ولكن أبا الطفيل كان قد عزم على أن لا يلتقي بمعاوية وأن لا يجمعه به مكان لشدة البغضاء التي كانت تلتهب في كيانه، ولكن العدو لم يكن ليقلع عن الرسائل المشفوعة بالحب والتقدير لأبي الطفيل سواءاً منها الرسائل الشفوية، أو الرسائل المكتوبة ويدعوه فيها لزيارته في العاصمة، وكان في نفس الوقت يهديه الهدايا وكان الأصدقاء وبعض الأهلين يحثون أبا الطفيل أن يلبي دعوة العدو في دمشق ويلمحون له أن يتناسي «الاحداث» المنصرمة، أليس في الاستجابة لدعوته الجاه العريض والحياة الرغيدة؟، ولكن هؤلاء الأصدقاء أو الأهلين كانوا في غفلة عن مبادئ أبي الطفيل، ونفسيته الأبيّة العصيّة على أهل الضلال سواءاً كانوا ملوكاً أو سوقة، ولكن الرسائل والهدايا والأصدقاء والأهلين كلها كانت حوافز لأبي الطفيل أن يستجيب لدعوة الأموي، ولكن كيف يستجيب، أيستجيب له في زيارة خاطفه فحسب، أم يستجيب بمعنى أن يتخلى عن مبادئه وعقيدته وإخلاصه لامامه العظيم الذي كانت لا تزال كلماته ومحاضراته ترن في اُذنيه، وسيرته العطرة الخالصة كانت ولا تزال يرى مشاهدها ومساراتها، كلا إنه لا يستجيب على هذا المضمون بل يستجيب لدعوة العدو على أساس الدفاع عن إمامه العظيم، وليس أحب لديه أن يكون هذا الدفاع أو قل:
«الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» عند الأموي نفسه صاحب السلطان والصولجان، وبهذه العزيمة سافر من مكة إلى دمشق وهناك ارتاد قصر العدو والتقى بصاحب العرش المضمخ بدماء الشعب، رحب به الأموي ولكن أبا الطفيل انكمش وقطب وبدى كأنه كاره لهذا اللقاء، وما أن شعر الأموي بهذه الظاهرة النفسية من ضيفه أبي الطفيل حتى راح يفتح المغالق النفسية، ويطرح على ضيفه أسألة بعيدة عن الأجواء النفسية والسياسية، راح يسأله عن الجاهلية وقضاياها حتى تتفتح قليلاً قليلاً نفسية أبي الطفيل التي عانت من مضيفه هذا ما عانت، وكانت الأسئلة تعبّد الطريق أمام هذه النفسية...، وفي غضون الأسئلة والأجوبة دخل عمرو بن العاص مع ناس، فلما رآهم الأموي شعر أنهم قد استنكروا وجود أبي الطفيل الصحابي والبطل الكمي في بلاطه الأمر الذي بادرهم قائلاً في ضحكة ماكرة: أما تعرفون هذا؟ هذا خليل أبي الحسن. ثم التفت إلى أبي الطفيل كأنه يحاول أن يجس مشاعره وقال: يا أبا الطفيل ما بلغ من حبّك لعليّ. فقال أبو الطفيل: «حب أم موسى لموسى». قال: فما بلغ من بكائك عليه. قال وتكاد الدمعة أن تطفر من عينيه: «بكاء العجوز الثكلى والشيخ الرقوب - أي المنتظر -». سكت هنيهة ثم قال: «والى الله اشكو التقصير»
إنها كلمات نابعة عن صدق الطوية، واخلاص عظيم للإمام. إنها كلمات تقال في بلاط اُسس على الجماجم، وليط بالدماء... كلمات تقال امام رجل سعى أربعين عاماً واضعاً تحت قدميه العهود والمواثيق ولم تملك عليه إلا ولا ذمة، وعاملاً بهذه القاعدة الغادرة: الغاية تبرر الواسطة.
إن كلمات تقال وبهذه الصورة المتحدية لابد أن يكون قائلها رجلاً متفانياً في حبّ إمامه، شجاعاً كمياً لا تغريه الأزياء والمناصب، ولا يخيفه السيف والصولجان، إن الأموي حينما سمع من صحابي الإمام هذا الثناء البليغ للامام علي (ع)، ثناء العواطف، وثناء الدموع، وثناء الكلمات المعبرة، حينما سمع هذا الثناء حاول في دهاء أن يستثير وزراءه وبطانته، فقال ووجه خطابه لأبي الطفيل وهو يلمح بطانته من طرف خفى: إن أصحابي هؤلاء لو سُئلوا عني ما قالوا فيّ ما قلت في صاحبك، فلما سمعت البطانة هذه الكلمات المتهكمة غضبوا وقالوا: اذن والله ما نقول الباطل، أي نقول الواقع كما هو ولا نثنى عليك كذباً ورياءاً، وإذا سردت سيرة الرجل كما هي في صورها واشكالها لكانت سيرة فاضحة، ولكن الأموي حينما سمع كلمات الغضب تهدر بها شقاشق بطانته، قال في نبرات غاضبة مستمسكاً بحبل الحديث أن يخرج من يديه: لا والله ولا الحق تقولون.
ثم قال وقد تذكر قصيدة أبي الطفيل الحماسية والتي مطلعها:
| إلى رجب السبعين تعرفونني | مع السيف في حوّاء جم عديدها[٢٧] | |
| رجوفٍ كمتن الطود فيها معاشر | كغلب السّباع نمرها واسودها[٢٨] | |
| كهولٌ وشبّان وسادات معشرٍ | على الخيل فرسانٌ قليل صدودها | |
| كان شعاع الشمس تحت لوائها | إذا طلعت أعشى العيون حديدها | |
| يمورون مور الرّيح إما ذهلتم | وزلّت بأكفال الرجال لبودها[٢٩] | |
| شعارهم سيما النبيّ وراية | بها انتقم الرحمن ممن يكيدها | |
| تخطّفهم إياكم عند ذكرهم | كخطف ضواري الطير طيراً تصيدها[٣٠] |
ثم قال معاوية لأبي الطفيل أجزها يا أبا الطفيل، فلبى الدعوة وبدأت شقاشقه تقذف الحمم في هذه القصيدة الحماسية التي نظمها أبو الطفيل أيام العداء السافر بين الإمام وبين القاسطين المنشقين: الأموي واتباعه ورعاعه، لقد أنشد أبو الطفيل القصيدة والذكريات كانت تمر من أمامه كشريط الفلم الأمر الذي كانت تثير فيه حوافز الحماس والقوة ودوافع النشاط والاريحية مما أدى بأبي الطفيل المنشد ان ينسى نفسه أنه جالس في قاعة البلاط الذي قارعه بالسيف بالأمس القريب، وأنّه أمام الرجل ورجال حاشيته الذين أذاقهم العلقم أيام معارك صفين لولا المصحف الشريف الذي حكمة الأموي وصحبه، ولكنهم لم يحكموا به، ولم يسيروا على منهاجه ولم يهتدوا بضوئه، كانت شقاشق أبي الطفيل تهدر وكان يومئذ قد ناهز الخامسة والأربعين عاماً انشد أبو الطفيل القصيدة:
| زحوف كركن الطود كل كتيبة | اذا استمكنت منها يقلّ شديدها | |
| لها سرعان من رجال كأنهم | دواهي السباع نمرها وأسودها | |
| يمورون مور الموج ثم ادعاؤهم | إلى ذات أنداد كثير عديدها | |
| إذا نهضت مدت جناحين منهم | على الخيل فرسان قليل صدودها | |
| كأنّ شعاع الشمس تحت لوائها | يخالطها حمر المنايا وسودها | |
| شعارهم سيما النبي وراية | بها ينصر الرحمن ممن يكيدها | |
| كهول وشبان يرون دماءكم | طهوراً وثارات لها تستقيدها | |
| كاني أراكم حين تختلف القنا | وزالت بأكفال الرجال لبودها | |
| ونحن نكر الخيل كراً عليكم | كخطف عتاق الطير طيراً تصيدها | |
| هنالك إما النفس بالغة العلى | وإما تراها قد أبين وريدُها | |
| فلا تجزعوا أن أعقب الله دولة | وأمست مناياكم قريباً بعيدها | |
| فإن لأهل الحق لابد دولة | على الناس يرجى وعدها ووعيدها |
ثم قال معاوية بعد أن أنشد القصيدة لبطانته أعرفتموه، فقالوا: وقد استاءوا من أبي الطفيل، ومن قصيدته، ومن ماضيه البطولي: نعم، هذا أفحش شاعر، والأم جليس. فقال معاوية: يا أبا الطفيل أتعرفهم. فقال في بساطة المؤمن وبديهة الذكي الفؤاد: ما أعرفهم بخير، ولا أبعدهم من شر[٣١].
وهكذا حدد أبو الطفيل بهذه الكلمات شخصية بطانة الأموي، ثم جرى في المجلس مناوشة كلامية بين أبي الطفيل وبين بطانة الأموي مما اثار غضب أبي الطفيل، فقام مودعاً إلى منزله هناك ومن نظم هذه القصيدة الهجائية التي يتهكم بالأموي وببطانته ويحذرهم بيوم من أيام صفين، قال أبو الطفيل الشاعر الشجاع:
| أيَشْتِمُنِي عَمْرٌو وَمَرْوَانُ ضَلَّةً | بِحُكْمِ ابْنِ هِنْدٍ وَالشَّقِيُّ سَعِيدُ | |
| وَحَوْلَ ابن هِنْدٍ شَائِعُونَ كَأنَّهُمْ | إِذَا مَا اسْتَفاضُوا فِي الحَدِيثِ قُرُودُ | |
| يَعَضُّونَ مِنْ غَيْظِ عَلَيَّ أكُفَّهُمْ | وَرَدُّكَ مَا لاَ تَسْتَطِيعُ شَدِيدُ | |
| وَمَا مَسَّنِي إلا ابْنُ هِنْدٍ وَإِنَّنِي | لِتِلْكَ الَّتِي يَشْجَى بِهَأ لَرَصُودُ | |
| كَمَا بَلَّغَتْ أيَّامُ صِفْينَ نَفْسَهُ | تَرَاقِيَةُ وَالشَّامِتُونَ شُهُودُ | |
| فَلَمْ يَمْنَعُوهُ وَالرّمَاحُ تَنُوشُهُ | يَخِبُّ بِهَا رَحْبُ البَنَانِ عَنُودُ | |
| وَطَارَتْ لِعَمْرٍ وفِي الفِجَاجِ شَظِيّةٌ | وَمَرْوَانُ عَنْ وَقْعِ السُّيُوفِ يَحِيدُ | |
| وَمَا لِسَعِيدٍ وِهِمَّةٌ غَيْرُ نَفْسِهِ | وَعِنْدِي لَهُ فِي الحَادِثَاتِ مَزِيدُ[٣٢] |
ثم كان لقاء آخر بين الأموي وبين أبي الطفيل وجرى بينهما هذا الحوار، وهو حوار يعبر عن بديهة وفصاحة كان يتمتع بهما أبو الطفيل. قال الأموي لأبي الطفيل: كنت فيمن حضر قتل عثمان. أبو الطفيل: لا، ولكني كنت فيمن حصره. فما منعك من نصره. وأنت فما منعك من نصره، أو تربصت به ريب المنون، وكنت في جيشك وكلهم تابع لك فيما تريد. أو ما ترى طلبي بدمه. بلى ولكنك كما قال أخو جعفي:
| لا ألفينك بعد الموت تندبني | وفي حياتي ما زوّدتني زادي[٣٣] |
وبهذا الحوار المجلجل أثبت أبو الطفيل شخصيته في بلاط الأموي وعند حاشيته، وبهذه التصرفات الشجاعة بنى مجده وعلا ذكره عبر العصور فوق المنابر وفي بطون المؤلفات، وبهذا التحدي السافر والإعلام المشبوب، استطاع أن يؤدي واجبه تجاه الإمام، ويفرض سيطرة الحق في بلاط الباطل، والمسلمون مدينون لأبي الطفيل وللثلة المباركة من رفاق أبي الطفيل في بقاء الإسلام ناصعاً رغم احتدام الأوار حوله.[٣٤]
أبو الطفيل وابن الزبير
كان عبد الله بن الزبير قد سيطر على الحجاز وطرد الأمويين منها، واتخذ مكة عاصمة له، كان الرئيس الجديد جالساً في قصره في العاصمة وإذا به يدخل عليه عبد الله بن صفوان أحد رجال إعلامه من المتزلفين لديه الذين يحوكون المؤامرات ضد غيرهم ولا يحلو لهم أن ينعم غيرهم بالجاه والعلم والصيت، وفي نفس الوقت يحاولون أن يرتقوا في مناصب الدولة عن طريق السعاية لدى رئيس الدولة، وكان عبد الله بن صفوان من هذا النمط من الرجال، دخل ابن صفوان على ابن الزبير وما أن لمح بن الزبير حتى قال في نبرات ساخرة: أصبحت كما قال الشاعر:
| فأن تصبك من الأيام جائحة | لا ابك منك على دنيا ولا دين |
فقال ابن الزبير: وما ذاك يا أعرج.
ابن صفوان: هذا عبد الله بن عباس يفقّه الناس، وعبيد الله أخوه يطعم الناس، ثم أردف قائلاً: فما بقيّا لك.
كان عبد الله بن عباس، وعبيدالله بن عباس، ومحمد بن الحنفية من معارضي أمارة ابن الزبير، وكانوا في نفس الوقت ينافسون ابن الزبير السلطة حيث إن لهم في الحجاز وبعض الاقطار الاسلامية الاُخرى مؤيدين ومناصرين الأمر الذي كان ابن الزبير يتتبع زلاتهم حتى يستغلها للهجوم عليهم، ومن هذا المنطلق، فإنّ ابن صفوان ما أن طرح عليه هذه السعاية اللئيمة، وإذا بابن الزبير يحفظه الأمر، ويغضب ويسرع ويرسل رئيس الشرطة: عبد الله بن مطيع برسالة تهديدية تتضمن أنّهما - أي عبد الله وأخيه - يحاولان أن يشقا العصى ضد الدولة، ويثيرا الفتن في البلاد. قال ابن الزبير بالحرف الواحد لمدير شرطته: انطلق إلى ابني عباس فقل لهما: يقول لكما أمير المؤمنين أعمدتما إلى راية ترابية قد وضعها الله فنصبتماها. بددا عنّي جمعكما، ومن ضوى إليكما من ضُلال أهل العراق، وألا فعلت وفعلت.
وهكذا كل راية تقام ضد الظالمين الشاتمين فإنّها راية ترابية... والترابية نسبة إلى الإمام علي الذي كناه رسول الله ب «أبي تراب»، وهذه النسبة التي نسب ابن الزبير حركة ابني عباس بها، هي نسبة كانت خطرة يومئذٍ حيث إن من نسب إليها فإنّ حكمه لدى الدولة هو الإعدام، أذن عمل ابن عباس وأخيه يعتبران مروقاً من ظل الدولة وشقا لعصاها، بل وثورة عليها.
ارتاد مدير الشرطة مع نفر من أعوانه منزل عبد الله بن عباس، وهناك التقى به وألقى عليه ورقة الانذار، فقال عبد الله بن عباس لابن مطيع مدير الشرطة: قل لابن الزبير: يقول لك ابن عباس ثكلتك اُمّك، والله ما يأتينا من الناس غير رجلين: طالب فقه، أو طالب فضل، فأي هذين تمنع؟[٣٥].
ولكن ابن الزبير الرجل السياسي الذي استحلى الحكم وشعر بدثار السلطة الدافئ الوثير لم ينصاع الرسالة ابن عباس... ابن عباس الذي حاول أن يعيد إلى ذهن الرئيس الجديد عناصر الطمأنينة من جانبه، ومن جانب أخيه. إنه - أبي عبد الله بن عباس - ليس له نشاط سياسي، بل كل نشاطه منصب على العلم، على الفقه، على الثقافة الإسلامية، ونشرها في صفوف روادها...
أما أخوه فإن نشاطه الذي يحلو له ومحبب إليه، هو نشاط الكرم والجود وبذل المال ونضد الموائد وإطعام الضيفان... إنها هواية اتبعها وابتغاها بعد أن لم يستطع أن يجاري اخيه عبد الله في العلم والفقه، اذن على رئيس الدولة بدلا من أن يطوقهما بشرطته، ويرسل عليهما من يحسب عليهما أنفاسهما، بدلا من هذا التصرف الشائن عليه أن يدعمهما، ويدعم نشاطهما وهو نشاط نبيل، ولكن ابن الزبير لم يصفي إلى هذه الرسالة بل حاول محاولة جادة أن يفرق التلامذة عن استاذ مكة ومعلمها الأكبر، ويبدد الضيفان عن موائد عبيدالله، وهذه الظاهرة نلمحها في القصيدة التي نظمها صاحب الترجمة أبو الطفيل عامر بن واثلة في هذا الصدد فإنّه كان من رواد حلقة ابن عباس الدراسية، ولما شاهد تصرفات الدولة ضده وضد تلاميذه أنشأ القصيدة التالية التي تقطر استياءاً من هاتيك التصرفات المشينة، بل ويهدد الشاعر ابن الزبير بانهيار دعائم دولته إذا ما مارس هذه الضغوط:
| لا درّ درّ الليالي كيف تضحكنا | منها خطوب أعاجيب وتبكينا | |
| ومثل ما تحدث الأيام من عبر | في ابن الزبير عن الدنيا تسلينا | |
| كنا نجى ابن عباس فيسمعنا | فقها ويكسبنا أجراً ويهدينا | |
| ولا يزال عبيد الله مترعةً | جفانه مطعماً ضيفاً ومسكيناً | |
| فالبرّ والدين والدنيا بدارهما | تنال منها الذي نبغي إذا شيئا | |
| أن النبي هو النور الذي كشفت | به عمايات ماضينا وباقينا | |
| ورهطه عصمة في ديننا ولهم | فضل علينا وحقٌّ واجب فينا | |
| ففيم تمنعنا منهم وتمنعهم | منا وتؤذيهم فينا وتؤذينا | |
| ولست فاعلم بأولاهم به رحماً | يا ابن الزبير ولا أولى به دينا | |
| لن يؤتي الله إنساناً يبغضهم | في الدين عزاً ولا في الأرض تمكيناً[٣٦].[٣٧] |
أبو الطفيل ومحمد بن علي الشهير ب «ابن الحنفية»
أورد أبو الفرج الاصبهاني نصا يفيد أن أبا الطفيل صاحب الترجمة قاد جيشاً من الكوفة في دولة المختار إلى البلد الحرام مكة المكرمة، لنجدة محمد بن الحنفية وصحبه من بني هاشم الذين اعتقلهم ابن الزبير وهددهم بالاعدام إن لم يرضخوا لحكومته، ولكن الطبري يتفق مع الاصبهاني في أن المختار أرسل جيشاً لنجدة بني هاشم في سجن «عارم» بمكة المكرمة الا أنه يختلف عن الأصبهاني في قائد الجيش حيث سماه «أبا عبد الله الجدلي» بدلاً من اسم أبي الطفيل الذي أورد الأصبهاني على أن القيادة كانت بيده، ولكن نصوصاً أخرى تعضد رأي الأصبهاني تلويحاً.
وإليك نص الأصبهاني والنصوص جميعاً، قال أبو الفرج الأصبهاني: لما رجع محمد رجع بن الحنفية من الشام حبسه ابن الزبير في سجن «عارم»، فخرج إليه جيش من الكوفة عليهم أبو الطفيل عامر بن واثلة حتى أتوا سجن «عارم»، فكسروه وأخرجوه فكتب ابن الزبير إلى أخيه مصعب أن يسير نساء كل من خرج لذلك، فأخرج مصعب نساءهم وأخرج فيهن أم الطفيل امرأة أبي الطفيل، وابناً له صغيراً يقال له يحيى[٣٨]، فقال أبوالطفيل في ذلك:
| ان يك سيرها مصعب | فإني إلى مصعب مذنب | |
| أقود الكتيبة مستلئماً | كاني أخو عرةٍ أجرب | |
| علي دلاص تخيرتها | وفي الكفّ ذو رونق مقضب | |
| فلو أن يحيى به قوة | فيغزوا مع القوم أو يركب | |
| ولكن يحيى كفرخ العقاب | في الوكر مستضعف أزغب |
وقال: كان أبو الطفيل مع المختار في القصر (متحصنين) فرمى بنفسه قبل أن يؤخذ وقال:
| و لما رأيت الباب قدحيل دونه | تكسرت باسم الله فيمن تكسرا |
والطبري يذكر: أن المختار ارسل جيشاً بقيادة «أبي عبد الله الجدلي» ولم يذكر عن أبي الطفيل شيئاً ولكنه قال: وكتب المختار إلى محمد بن علي الشهير ب «ابن الحنفية» مع الطفيل ابن عامر بتوجيه الجنود إليه[٣٩].
الكشي: بسنده عن الإمام الباقر أبي جعفر (ع) قال وهو يستعرض بعض الذين كان الحجاج يطاردهم من تلامذة مدرسة الإمام أمير المؤمنين (ع): «... وأما عامر بن واثلة، فكانت له يد عند عبدالملك بن مروان، فلهى عنه»[٤٠].
أقول: لهى عنه أي أنّ الحجاج ترك مطاردة أبي الطفيل وأعرض عن الاهتمام به لليد التي كانت له عند السلطان، ولكن يا ترى ما هذه اليد...و ما هي ظروفها وملابساتها؟ أهي اليد التي حارب بها ابن الزبير وقاد جيشا من الكوفة، وانقذ بني هاشم، وذهل للجيش ابن الزبير وأعوانه، ولربما تكون هذه يداً تقدر.
الكشي: وكان عامر بن واثلة كيسانيا ممن يقول بحياة محمد بن الحنفية وله في ذلك شعر وخرج تحت راية المختار[٤١] قال أسلم المكي: حدثنا عامر بن واثلة: ان محمد بن الحنفية قال له: يا عامر إن الذي ترجو إنّما خروجه بمكه، فلا تبرحنّ مكة حتى تلقى الذي تحب، وإن صار أمرك إلى أن تأكل القصة[٤٢].[٤٣]
تحليل لهذه النصوص
إنّ أبا الطفيل كان يحرص أن تقام دولة تسير على منهاج آل البيت، وان يتزعمها رجل من آل البيت، وكان يومئذ كبير آل البيت من أبناء الإمام علي (ع) هو محمد بن الحنفية الأمر الذي لازمه ملازمة الظل واسترشد بآراءه، وهذا كله في مكة وكان ابن الزبير آنئذٍ يحاول أن يدعم دولته الأمر الذي لم يكن يثير الناس ضد دولته، مثل ابن الحنفية، أو ابن عباس... وترك الأمر رهواً بالنسبة للمتربصين بدولته إلى أن ثار المختار في الكوفة ورفع شعار يا «ثارات الحسين (ع)»، ثم طلب كل من أعان على استشهاد الإمام الحسين (ع) حسب امكانياته السياسية والبشرية، ثم طبع سياسته بالولاء الكبير لكبير أبناء الإمام آنئذٍ محمد بن علي الشهير بمحمد بن الحنفية.
ولما تسامع تلامذة مدرسة الإمام في أنحاء العالم الاسلامي بثورة المختار ومنهاجه السياسي وقدرته العسكرية في التصدي لمناوئ دولته، توافدوا إليه من كل حدب وصوب لشد أزر الدولة الناشئة، ولمعاضدته في شؤونه السياسية.
وكان ممن توافد إلى عاصمته «الكوفة» هو أبو الطفيل عامر بن واثلة صاحب الترجمة الذي كان يتلهف لمثل هذه الدولة التي تدعم آل البيت وتسير في خط الإمام وتعزز الاسلام، وكانت ضوءاً في الظلام الحالك الذي شمل العالم الاسلامي، واستقبله رئيس الدولة «المختار» استقبال صديق عزيز عليه وفوض إليه بعض مهام الدولة العسكرية، فعمل أبو الطفيل في جد وإخلاص وعزيمة صادقة لتدعيم الدولة، وتدعيم مشاعره هو، التي طالما اشتاق إلى تحقيقها على مسرح الواقع.
وحينما علم ابن الزبير بالدولة الناشئة بالكوفة، والتي تدعو باسم اهل البيت، باسم كبير ابناء الإمام - آنئذٍ - محمد بن الحنفية، ضيق على بني هاشم عامة في الحجاز وخاصة على محمد بن الحنفية الزعيم الذي أصبحت له شعبية كبيرة في ارجاء العالم الإسلامي، وخاصة في العراق والحجاز وتفتحت آمال الناس على هذه الدولة الناشئة في الكوفة، ضيق ابن الزبير على ابن الحنفية محاولة منه أن يعطي يد الولاء له- أي لابن الزبير -، إلا ان ابن الحنفية أبى هذا الولاء مما دعا ابن الزبير إلى انذار ابن الحنفية بالاعدام حرقا، ومنحه مهلة اقصاها شهرين ان لم يستجب ابن الحنفية زعيم بني هاشم له، وسيشمل الوعيد أيضاً جماعة من بني هاشم عشيرة رسول الله صلى الله عليه وآله.
بلغ المختار في الكوفة اعتقال ابن الحنفية، واعتقال جماعة من بني هاشم والأجل المضروب لهم في الانصياع لابن الزبير، وإلا فإنّ الاعدام ينتظرهم، الأمر الذي سارع المختار بارسال كتيبة من الجنود بقيادة أبي الطفيل لنجدة ابن الحنفية، وبالفعل سارت الكتيبة وعندما شارفت الكتيبة البلد الحرام اتخذ القائد تكتيكاً حربياً وذلك بأن قسم الكتيبة إلى جماعات صغيرة وأمرها أن تدخل البلد الحرام جماعة جماعة، وعلى فترات وهي تكبر بصوت جهير «الله أكبر»، وتهتف منددة بابن الزبير ودولته التي أسرة رسول الله وعشيرته الأقربين، وبهذه الطريقة التكتيكية الذكية دخلت الكتيبة إلى البلد الحرام وسارت تواً إلى المعتقل الذي اعتقل فيه ابن الحنفية وجماعة بني هاشم، وأخرجوهم من السجن وهنا لاذ ابن الزبير وبطانته بالكعبة المشرفة خوفاً من الجيش الاسلامي المنجد.
والنكتة الهامة في هذا الصدد والتي تعبر عن النبل الهاشمي والتضحية العلوية التي غرست في نفوس أبناء الإمام، النكتة هي إنّ قائد الجيش المنجد استأذنوا من ابن الحنفية أن يلقوا القبض على ابن الزبير وبطانته، ويطهروا البلد الحرام من جراثيم مبادئهم وكيانهم، وبتعبير صريح أن يقتلوهم عن آخرهم، ولكن رجل آل البيت أبى من هذا التصرف، أبى أن تراق قطرة دم في البلد الحرام رغم التصرفات الحاقدة التي مارسها ابن الزبير ضده وضد اسرته الكريمة، ورغم التهديد الذي أوشك أن يقع لولا النجدة التي وصلت في ساعة الصفر وعند الأياس، فنجي بنو هاشم من اعدام حتمي وكان في ضمن بني هاشم عبد الله بن عباس.
نعم زعيم آل البيت أبي أن يرد المثل بالمثل بل سار سيرة أبيه صلوات الله عليه في مثل هذه الظروف والملابسات فعفى وأمر الجيش بالعودة إلى قواعده وخرج هو وبنو هاشم إلى مكان آمن بعيداً من حوزة سيطرة ابن الزبير، ولأجل هذه الظاهرة أعني تعاضد أبي الطفيل عامر بن واثلة مع المختار وتعاطفه مع سياسته الرشيدة ومن ثم ائتماره بأوامر محمد بن الحنفية والاقتداء به نسب إليه المؤرخون أنّه - اي ابن وائلة - كيساني مع العلم أن ابن واثلة كان يؤمن بأئمة أهل البيت ويعتقد امامتهم.
وعده الفقيه الطوسي من أصحاب الإمام الحسن بن علي عليهما السلام باسم: عامر بن واثلة بن الأسقع[٤٤]، وعده أيضاً من أصحاب الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليهما السلام باسم عامر بن واثلة الكناني، يكنى أبا الطفيل من أصحاب أمير المؤمنين (ع)[٤٥].
بل أن أبا الطفيل أدرك الإمام الباقر محمد بن علي زين العابدين(ع) «المولود عام ٥٧ والمتوفى سنة ١١٤»، وسمع منه وتلمذ عليه صلوات الله عليه، فهذا الصدوق يروي بسنده عن أبي الطفيل، عن أبي جعفر الباقر (ع) قال: قال رسول الله(ص) لأمير المؤمنين (ع):
«قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع اكْتُبْ مَا أُمْلِي عَلَيْكَ قَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَ تَخَافُ عَلَيَّ النِّسْيَانَ فَقَالَ لَسْتُ أَخَافُ عَلَيْكَ النِّسْيَانَ وَ قَدْ دَعَوْتُ اللَّهَ لَكَ أَنْ يُحَفِّظَكَ وَ لَا يُنْسِيَكَ وَ لَكِنِ اكْتُبْ لِشُرَكَائِكَ قَالَ قُلْتُ وَ مَنْ شُرَكَائِي يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَالَ الْأَئِمَّةُ مِنْ وُلْدِكَ بِهِمْ تُسْقَى أُمَّتِي الْغَيْثَ وَ بِهِمْ يُسْتَجَابُ دُعَاؤُهُمْ وَ بِهِمْ يَصْرِفُ اللَّهُ عَنْهُمُ الْبَلَاءَ وَ بِهِمْ تَنْزِلُ الرَّحْمَةُ مِنَ السَّمَاءِ- وَ هَذَا أَوَّلُهُمْ وَ أَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الْحَسَنِ ع ثُمَّ أَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الْحُسَيْنِ ع ثُمَّ قَالَ ع الْأَئِمَّةُ مِنْ وُلْدِهِ»[٤٦].
لقد ثار المطرّف بن المغيرة: على الحكومة في سنة ٧٧ه وقاد معه جماعة من الناس، فارسلت الحكومة الجنود لمحاربته بقيادة عدي بن وتاد الأيادي، وكان البراء بن قبيصة قد أرسلته الحكومة مع طائفة من الجنود على أن تكون القيادة العامة بيد الأيادي، وكان الطفيل بن عامر بن واثلة مع جنود «ابن قبيصة» كأحد كبار الضباط بل كان قائد الجنود، فقد جعله «ابن قبيصة» خليفته على الجنود. وقد جرت مشادة كلامية بين ابن زهير خليفة الأيادي القائد العام وبين ابن قبيصة حول القيادات وذلك عند تعبئة الجنود... تقول الرواية: خرج الأيادي فعبّى الناس فجعل على ميمنته عبد الله بن زهير...
وحينما تولى ابن زهير قيادة ميمنة الجيش قال لابن قبيصة: «قم في الميسرة» ولقد استاء «ابن قبيصة» من هذا الأمر الصادر من ابن زهير الأمر الذي تحداه وقال له: تأمرني بالوقوف في الميسرة وأنا أمير مثلك؟ ثم أردف قائلاً وأشار إلى الفرسان الشاكية للسلاح: تلك خيلي في الميسرة وقد بعثت عليها فارس مضر «الطفيل بن عامر بن واثلة...، وانتقلت صورة المشادة هذه- والجيش على أهبة الاستعداد لخوض معركة - إلى الأيادي القائد العام مما أثار غضبه على ابن قبيصة الذي ينافسه القيادة، فأمر «الخثعمي» وهو أحد ضباطه قائلاً: «انطلق، فأنت على الخيل» ثم أضاف قائلاً: وانطلق إلى البراء بن قبيصة فقل له: «انك قد أمرت بطاعتي، ولست من الميمنة والميسرة والخيل والرجالة في شيء، إنما عليك أن تؤمر فتطيع» وهكذا عزل ابن قبيصة عن قيادة الجنود الفرسان ثم اردف قائلاً مهدداً ومتفوهاً بالكلمة الأخيرة التي كانت تطوف في خياله زمناً من منافسه هذا، وقد أتاحت له الفرصة السانحة هذه فقال: «و لا تعرض لي في شيء أكرهه، فأتنكر لك».
ولقد تركت هذه الحادثة الممضة انطباعاتها في سائر الجنود فنرى الأيادي حينما أرسل الخثعمي في رسالته تلك، بدا له وأحب أن يجعل على ميسرة الجيش ابن هبيرة، وفعلاً أرسله قائداً عليها وضم معه جماعة من الجنود وهناك في الميسرة موقف الطفيل بن عامر بن وائلة فارس مضر وجنوده، أرسى ابن هبيرة رايته، وكان الطفيل واقفاً في موقفه حاملاً للراية فتقدم واحد من صفوف ابن هبيرة ووقف أمام الطفيل وقال له في لهجة نابية: «خل رأيتك وتنح عنا فإنّما نحن أصحاب هذا الموقف».
ولقد كانت كلمة تثير مشاعر الغضب في نفس الطفيل وهو في ذلك الموقف الذي تتأجج فيه المشاعر وتضيع الكلمة في حومة اللهب المرتقب، ولكن الطفيل تماسك وحافظ على هدوئه النفسي، فلم يجابهه بكلمة نابية أو نمرد بل قال: «إني لا أخاصمكم، إنما عقد لي هذه الراية «البراء بن قبيصة» وهو أميرنا وقد علمنا أن صاحبكم على جماعة الناس فإن كان قد عقد لصاحبكم هذا – وأشار إلى ابن هبيرة - فبارك الله له، ما أسمعنا وأطوعنا».
وهكذا وبهذا الاسلوب المرح القى الكلمات «فارس مضر» الأمر الذي أثار اعجاب الجنود والضباط على السواء مما حدى بابن هبيرة أن يتقدم ويربت على كتف «فارس مضر» ثم يخاطب جنوده: «مهلاً كفواً عن أخيكم من عمكم» ثم يلتفت إلى الطفيل فارس مضر ويقول: «رايتنا رايتك، فإن شئت آثرناك بها».
يقول الراوي: «فما رأينا رجلين كانا أحلم منهما في موقفهما ذلك»[٤٧] ولكن الحلم وفضله يرجع إلى الطفيل لا إلى صاحبه حيث إن الطفيل هو الذي سكن المشاعر المتأججة بكلماته ونبراته تلك، ولقد ظهر في هذه الحادثة السمو النفسي الذي يتحلى به الطفيل شبل صاحب الترجمة.
وظهر هذا السمو في ما يماثله، فحينما التحم الفريقان في قتال عنيف حمل أحد قادة «مطرف» الثائر على الحكومة وهو «ابن جارية» حمل مع جنوده على الميسرة وفيها فارس مضر الطفيل، وفي وسط الملحمة التقى «ابن جارية» ب «الطفيل» وقد شهر كل واحد منهما السيف على صاحبه محاولاً أن يجندله وينظر الطفيل إلى مصاوله فاحصاً، فإذا به يراه من أصدقائه القدامى وكان ابن جارية مدججا مقنعا بالمغفر، فيناديه الطفيل فيعرف صاحبه أن الذي يناديه هو «الطفيل» الأمر الذي يرمي الفارسان السيف ويعتنقان ويتعارفان، وكانت هذه البادرة من «الطفيل» تعبر عن فروسية وشجاعة رائدة..[٤٨]
أبو الطفيل في سجستان
كان عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث يحقد على الحجاج وكان هذا الأخير كلما رأى «ابن محمد» قال: لحاشيته: «ما رأيته قط الا أردت قتله»، وكان يمشي بخيلاء، وفي ذات يوم بلغت الأنباء إلى الحجاج: إن الجيش في سجستان قد أنهزم من «رُتبيل» ملك أفغانستان وكانت عاصمته آنئذٍ «كابل»، فجند الحجاج بالارهاب والتهديد جيشاً من أهل العراق وكان في الجيش الكثير من الشخصيات المحترمة مثل «عامر بن واثلة» صاحب الترجمة، وشبله «الطفيل» و«أبي اسحاق السبيعي» المؤرخ المعروف، بقيادة «ابن محمد» محاولاً أن يتخلص منه ويلقيه في لهيب المعارك والرحلات الطويلة، فيقتل أو يموت تماماً كما يتخلص من الشعب ويلهيه بالمعارك وخلفياتها المرهقة، ولما بلغ الجيش إلى سجستان توغل في أرض رتبيل الملك، فكان يحوز الرساتيق والقرى ويسيطر على أرزاق الناس وعلى أنعامهم وماشيتهم من الأغنام والبقر، وكان رتبيل ينسحب رويداً رويداً ويخلي له الطريق حتى إذا حاز من أرضه أرضاً عظيمة وملأ يديه من البقر والغنم والغنائم العظيمة حبس الجنود عن التوغل في أرض رتبيل وقال: «نكتفي بما أصبناه العام من بلادهم حتى نجبيها ونعرفها ويجترئ المسلمون على طرقها، ثم نتعاطى في العام المقبل ما وراءها، ثم لم نزل نتنقصهم في كل عام طائفة من أرضهم»، وكتب بهذه الخطة التي وصفها إلى الحجاج ولكنه لما وصلته الرسالة لم يقبل وأرسل إليه أن يمارس القتال مع رتبيل وفي نفس الوقت أمره أن يصدر بتعاليمه إلى الجنود أن يحرثوا الأرض،... كتب إليه: «أما بعد، فمر من قبلك من المسلمين فليحرثوا وليقيموا، فإنها دارهم حتى يفتحها الله عليهم...».
ثم اردفه بكتاب آخر جاء فيه: «أما بعد، فامض لما أمرتك به من الوغول في أرضهم وإلا فإن اسحاق بن محمد أخاك أمير الناس». ولقد انتشر نص الرسالتين في صفوف الناس وآنئذٍ علم الجنود، وهم الذين تركوا الأهل والأحباب والأقارب، فهذا ترك أسرته وأولاده، وذاك ترك أباه الشيخ الهرم وترك أرضه وفلاحته، وثالث ترك تجارته وحساباته التجارية إلى غير ذلك من الروابط الحميمة والمكاسب المثرية التي تربط الجيش بأسره إلى أرضه في السواد وإلى أسرته وربوعها...
ثم هذا الكتاب يأتيهم يقول فيه: «أما بعد، فمر من قبلك من المسلمين فليحرثوا وليقيموا فإنّها دارهم حتى يفتحها الله» اذن تريد السلطة أن يقيم الناس بعيدين عن الأهل والصحب في فيافي نائية، تريد التجمير.
ومن منطلق هذا النذير، ومن منطلقات أخرى اجتماعية وسياسية وعقائدية ثار الجيش على السلطة ودعوا إلى خلع طاعتها والقضاء عليها، وهكذا ساد التذمر في الجيش وخاصة بعد أن ألقى عامر بن واثلة زعيم الناس على صعيد الشريعة والفقه، وعلى الصعيد الاجتماعي والعقائدي، خطابه الهام وشرح فيه نوايا السلطة من مثل هاتيك الحروب، فإنه لما وصلت إلى «ابن محمد» الرسائل من قبل السلطة وقد قرئنا طرفاً منها قام ابن محمد أمام الجنود وخطبهم وقال: «... وقد كتبت إلى أميركم الحجاج فجائني منه كتاب يعجزني ويضعفني ويأمرني بتعجيل الوغول بكم في أرض العدو، وهي البلاد التي هلك اخوانكم فيها بالأمس، وإنما أنا رجل منكم أمضي إذا مضيتم وأبي إذا أبيتم».
وكانت هذه الكلمة: «... أمضي إذا مضيتم وأبى إذا أبيتم»، كفيلة باظهار نوايا الناس واختبارهم في الاتجاه، فالخطاب يضع امام الجنود طريقين فليختاروا الطريق الذي تحبه نفوسهم ولقد اختارت الجماهير الطريق السليم، فثار الناس إليه وقالوا في كلمة واحدة وهتاف واحد: «لا، بل نابى على عدو الله، ولا نسمع له ولا نطيع...» وهكذا أصبحت السلطة عدوة الله تعالى، مع العلم أن السلطة التي هي عدوة الله تهتف باسمه.
ثم خطب عامر بن وائلة الكناني وكان رائداً في الخطابة والشعر والفكر السليم، وكان آنئذٍ شيخاً كبيراً في الثمانين من حياته، فقال: «أما بعد، فإن الحجاج والله ما يرى بكم إلا ما رأى القائل الأول إذ قال لأخيه: «احمل عبدك على الفرس، فإن هلك هلك، وإن نجا فلك».
إن الحجاج والله ما يبالي أن يخاطر بكم، فيقحمكم بلاداً كثيرة اللهوب والأصوب، فإن ظفرتم أكل البلاد وحاز المال، وكان ذلك زيادة في سلطانه، وإن ظفر عدوكم كنتم أنتم الأعداء البغضاء الذي لا يبالي عنتهم ولا يبقى عليهم، اخلعوا عدو الله الحجاج وبايعوا عبد الرحمن، فإنّي أشهدكم أني أول خالع». فتنادي الناس من كل جانب: «فعلنا، فعلنا قد خلعنا عدو الله»[٤٩].
وهكذا وفي فرحة غامرة غمرت الجنود للعودة إلى الوطن، وإلى الأرض، وإلى الأسرة، تحرك الجيش وقد شرح لهم العقل المفكر في الجيش عامر بن واثلة الكناني الأهداف من مثل هذه المعارك: إن هي بلغة العصر إلا أهداف استعمارية، أهداف الغنائم والأسلاب، أهداف الزيادة في السيطرة والبطش والفساد في الأرض، «فإن ظفرتم فغنمتم أكل البلاد وحاز المال وكان ذلك زيادة في سلطانه، وإن ظفر عدوكم كنتم أنتم الأعداء البغضاء الذي لا يبالى عنتهم ولا يبقي عليهم».
أهداف التخلص من المعارضين، أو من القوة المعارضة الضاربة. تحرك الجيش باتجاه الوطن باتجاه مواطن الصبا، في ثورة قالعة ومزمجرة.
هذه القبائل العربية: «همدان» و«قحطان» و«معد» و«مذحج» اجتمعت للقضاء على سلطة الفساد والارهاب... وبلغت الأنباء الطاغية فقاد جيشاً إلى «تستر» ولكن الثورة المزمجرة الحقت به الهزائم المتكررة حتى اضطروه إلى الانسحاب والهزيمة إلى «الزاوية»، وتبعه الجيش الثائر المزمجر حتى لحقه في الزاوية، فالتحمت بين الفريقين معارك تكبدت فيها السلطة خسائر جسيمة، وفي هذه المعارك استشهد الطفيل بن عامر بن وائلة الكناني. و كان هذا في سنة ٨٠ للهجرة.[٥٠]
أبو الطفيل الشاعر الفحل
وكما رأينا فإن أبا الطفيل يعتبر من فحول الشعراء، وكان شعره ينشد في محافل الملوك والامراء، فيستحسنه الملوك، بل وهناك من يقدمه على شعراء عصره بعضهم أو جلهم. فهذا بشر بن مروان والي السواد وقد اشتاق إلى الشعر، فدعا أنس بن زنيم الكناني، فقال له: أنشدني أفضل شعر قالته كنانة. و بعد أن عجم ابن زنيم قصائده المختارة مما نظمه الشعراء من كنانة، وقع اختياره على شعر أبي الطفيل، فرفع ابن زنيم رأسه إلى الوالي وطفق ينشد قصيدة أبي الطفيل:
| أيدعونني شيخاً وقد عشت حقبة | وهن من الأزواج نحوي نوازع | |
| و ما شاب رأسي من سنين تتابعت | علي ولكن شيبته الوقائع[٥١] |
فقال بشر وقد أعجبه الشعر: صدقت هذا أشعر شعرائكم، وقد اجتمع ابن زنيم هذا بالحجاج، فقال له الطاغية: أنشدني قول شاعركم: أيدعونني شيخاً، فأنشده ابن زنيم في صوته الصداح مما أطرب الوالي المكفهر الفؤاد والنفس، فقال معجباً شاتماً شامتاً: قاتله الله منافقاً ما أشعره[٥٢].
وقد غنى ابراهيم الموصلي هذه القصيدة في العصر العباس تماماً كما غناها «طويس» المغني قبله مما يعبر عن مكانة القصيدة في المجتمع يومذاك وعن وقعها عند الشعراء والمغنين والملحنين [٥٣].
وإليك القصة التالية المعبرة عن اهتمام الناس بأبي الطفيل وشعره: بينا فتية من قريش قد اجتمعوا ب «بطن محسّر» وهو منتزه يؤمه الناس والشباب ليقضوا هناك وقتاً ممتعاً في مباريات شعرية، ومطارحات قصصية بينا الفتية القرشية الرافلة في النعيم تتذاكر الأحاديث الفكاهية، وتتناشد الأشعار والقصائد اذ أقبل طويس المغنى يرفل في ثيابه الدمستقية يعلوه عطراً شدياً، وما ان شاهده الفتيان حتى حيوه وهتفوا بحياته في ضحكات ماجنة، وقهقهات فكهة ثم عرضوا عليه أن يغنيهم قائلين في نبرات التبجيل والتقدير: «يا با نعيم لو غنيتنا». قال: وقد انتشي أن يهتم الفتية بصوته الصداح: «نعم وكرامة». ثم سكت هنيهة كانت على الفتية دهراً ثم قال: «أغنيكم بشعر شيخ من أصحاب رسول الله (ص)، من شيعة علي بن أبي طالب (ع)، وصاحب رايته، أدرك الجاهلية والاسلام، وكان سيد قومه وشاعرهم. إن طويس أضفى على غناءه طابع الروحانية أنه يغني بشعر رجل هو شيخ أصحاب الرسول، وصاحب الإمام، وسيد قومه، وهو ممن أدرك الجاهلية والاسلام[٥٤]، ويا ترى من هذا الرجل وبالفعل لقد اهتم الفتية بهذا الشاعر الكبير واشتاقوا إلى اسمه الأمر الذي هتفوا جميعاً: «و من ذاك يا أبا نعيم فدتك أنفسنا». فقال في زهو واختيال: ذلك أبو الطفيل عامر بن واثلة، ثم أخرج طويس قيثارته واندفع يعني:
| أيدعونني شيخاً وقد عشت حقبة | وهن من الأزواج نحوي نوازع |
فطرب القوم وقالوا في لسان الثناء: ما سمعنا قط غناء أحسن من هذا[٥٥].
إن شعر أبي الطفيل اشتهر في الأوساط العلمية والأدبية مما دعا العلماء والادباء إلى الاستشهاد به، لعمق محتواه ولبعد مراميه وأهدافه، ونصاعة ألفاظه وجزالة تراكيبه، وليس العلماء فقط كانوا يستشهدون بشعر أبي الطفيل بل هذا الإمام العظيم الإمام الصادق (ع) ارتاده شهاب بن عبد ربه وهو أحد تلامذة الإمام فقال: «كيف أصبحت جعلت فداك». فقال الإمام الصادق (ع): «أصبحت أقول كما قال أبو الطفيل عامر بن واثلة:
| وان لاهل الحق لا شك دولة | على الناس إيا اُرجى وأرقب |
قال شهاب: «انا والله ممن يرجى ويرقب».
وكانت للعرب في الجاهلية نصب يذبحون عندها يسمونها الأنصاب. ويسمون الطواف بها الدوار، وفي ذلك يقول عامر بن واثلة أبو الطفيل الليثي في الاسلام وهو يذكر حرباً شهدها:
| فإنك لا تدرين أن ربّ غارة | كورد القطا: ريعانها متتابع | |
| نصبت لها وجهي وورداً كأنه | لها نصب قد خرجته النقائع[٥٦] |
ولأبي الطفيل ديوان مطبوع.
قال الأمين: وقالت بعض المجلات إنّ له ديوان شعر طبعه بعض مستشرقي الألمان[٥٧].[٥٨]
شيوخ أبي الطفيل، ومن روى عنه
روى أبو الطفيل عن أمير المؤمنين (ع)، وروى عن معاذ، وحذيفة، وابن عباس، ونافع بن عبدالحارث وزيد بن أرقم، وغيرهم.
وروى عن أبي الطفيل: الزهري، وأبو الزبير، وقتادة، وعبدالعزيز بن رفيع، وعكرمة بن خالد، وعمرو بن دينار، ويزيد بن أبي حبيب، ومعروف ابن خربود[٥٩].[٦٠]
خطأ في الأسماء
الطفيل بن عوف الغنوي، نسبة إلى جده الأكبر «غنى»، وطفيل هذا شاعر جاهلي من الفحول المعدودين، ويكنى أبا قرّان.
وصاحب الترجمة هو غير عامر بن الطفيل بن مالك العامري، فهذا - أي العامري - هو أحد فتاك العرب، وشعرائهم من أهل نجد، وفد على رسول الله (ص) بعد فتح مكة يريد الغدر به (ص) فلم يجرؤ عليه[٦١].
فصاحب الترجمة: كنيته: أبو الطفيل، واسمه عامر بن واثلة.
شبيك بن عوف الأحمسي من بجيلة يكنى «أبا الطفيل» قال: ما أغبرت رجلاي في طلب دنيا قط[٦٢].
قال يحيى بن معين: وضع اسماعيل بن أبان الغنوي حديثاً عن فطر عن أبي الطفيل عن علي (ع) قال: السابع من ولد العباس يلبس الخضرة.
وحدث أيضاً تبنى مدينة بين دجلة ودجيل.
روايات أبي الطفيل عامر بن واثلة
- عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه،، عن عبد الله بن القاسم، عن حنان بن السراج، عن داوود بن سليمان الكسائي، عن أبي الطفيل قال: «شَهِدْتُ جِنَازَةَ أَبِي بَكْرٍ يَوْمَ مَاتَ، و شَهِدْتُ عُمَرَ حين بُويِعَ و عَلِيٌّ جَالِسٌ نَاحِيَةً، فَأَقْبَلَ يَهُودِيٌّ جميل عَلَيْهِ ثِيَابٌ حِسَانٌ - و هُوَ مِنْ وُلْدِ هَارُونَ - حَتَّى قَامَ عَلَى رَأْسِ عُمَرَ بْنِ اَلْخَطَّابِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ، أنت أعلم هذه الامّة بِكِتَابِهِمْ و أَمْرِ نَبِيِّهِمْ؟ فَطَأْطَأَ عُمَرُ رَأْسَهُ، فَأَعَادَ عَلَيْهِ اَلْقَوْلَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: و لِمَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ لَهُ: إِنِّي جِئْتُ مُرْتَاداً لِنَفْسِي، شَاكّاً فِي دِينِي، أُرِيدُ اَلْحُجَّةَ، و أَطْلُبُ اَلْبُرْهَانَ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: دُونَكَ هَذَا اَلشَّابَّ، و أَشَارَ إِلَى أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَالَ اَلْغُلاَمُ: و مَنْ هذا؟ قَالَ عُمَرُ: هَذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، اِبْنُ عَمِّ رَسُولِ اَللَّهِ، و أَبُو اَلْحَسَنِ و اَلْحُسَيْنِ اِبْنَيْ رَسُولِ اَللَّهِ، و زَوْجُ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اَللَّهِ، و أَعْلَمُ اَلنَّاسِ بالكتاب و السنّة. قال: فأقبل الغلام إِلَى عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ كَذَلِكَ؟ فَقَالَ له عليّ: «نعم». قَالَ اَلْغُلاَمُ: أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ ثَلاَثٍ و ثَلاَثٍ و وَاحِدَةٍ. فَتَبَسَّمَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ و قَالَ: «يَا هَارُونِيُّ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تقول: سبعا»؟ قَالَ: أُرِيدُ أَسْأَلُكَ عَنْ ثَلاَثٍ، فَإِنْ عَلِمْتَهُنَّ سَأَلْتُكَ عَمَّا بَعْدَهُنَّ، و إِنْ لَمْ تَعْلَمْهُنَّ عَلِمْتُ أَنَّهُ لَيْسَ فِيكُمْ عَالِمٌ. قَالَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: «فَإِنِّي أَسْأَلُكَ بِالْإِلَهِ اَلَّذِي تَعْبُدُهُ، لَئِنْ أنا أجبتك عن كل ما تسأل لَتَدَعَنَّ دِينَكَ و لَتَدْخُلَنَّ فِي دِينِي؟» قَالَ: مَا جِئْتُ إِلاَّ لذاك. قال: «فسل». قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَوَّلِ قَطْرَةٍ دم قَطَرَتْ عَلَى وَجْهِ اَلْأَرْضِ أَيُّ قَطْرَةٍ هِيَ؟ و أَوَّلِ عَيْنٍ فَاضَتْ عَلَى وَجْهِ اَلْأَرْضِ أَيُّ عَيْنٍ هِيَ؟ و أَوَّلِ شَجَر اهتزّ على وجه الأرض أيّ شجر هو؟ (فقال (ع): «يَا هَارُونِيُّ، أَمَّا أَنْتُمْ فَتَقُولُونَ: أَوَّلُ قَطْرَةٍ قَطَرَتْ عَلَى وَجْهِ اَلْأَرْضِ حَيْثُ قُتِلَ أَحَدُ اِبْنَيْ آدَمَ، و لَيْسَ كَذَلِكَ، و لَكِنَّهُ حَيْثُ طَمِثَتْ حَوَّاءُ و ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَلِدَ ابنيها. و أَمَّا أَنْتُمْ فَتَقُولُونَ: إنّ أَوَّلُ عَيْنٍ فَاضَتْ عَلَى وَجْهِ اَلْأَرْضِ اَلْعَيْنُ اَلَّتِي بِبَيْتِ اَلْمَقْدِسِ، و لَيْسَ هُوَ كَذَلِكَ، و لَكِنَّهَا عَيْنُ اَلْحَيَاةِ اَلَّتِي وَقَفَ عَلَيْهَا مُوسَى و فَتَاهُ و مَعَهُمَا اَلنُّونُ اَلْمَالِحُ فَسَقَطَ فِيهَا فَحَيِيَ و هذا اَلْمَاءُ لاَ يُصِيبُ مَيِّتاً إِلاَّ حيي. و أَمَّا أَنْتُمْ فَتَقُولُونَ: إنّ أوّل شجر اهتزّ على وجه الأرض الشجرة التي كَانَتْ مِنْهَا سَفِينَةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، و لَيْسَ هو كَذَلِكَ، و لَكِنَّهَا اَلنَّخْلَةُ اَلَّتِي اهبطت مِنَ اَلْجَنَّةِ و هِيَ اَلْعَجْوَةُ و مِنْهَا تَفَرَّعَ كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أَنْوَاعِ اَلنَّخْلِ». فَقَالَ: صَدَقْتَ و اَللَّهِ اَلَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ، إِنِّي لَأَجِدُ هَذَا فِي كُتُبِ أَبِي هارون (ع) كِتَابَتُهُ بِيَدِهِ و إِمْلاَءِ عَمِّي مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ»). ثُمَّ قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ اَلثَّلاَثِ اَلْأُخَرِ عَنْ أَوْصِيَاءِ مُحَمَّدٍ كَمْ بَعْدَهُ مِنْ أَئِمَّةِ عَدْلٍ؟ و (أَيْنَ) مَنْزِلُهُ في اَلْجَنَّةِ؟ و مَنْ يَكُونُ سَاكِناً مَعَهُ فِي منزله؟ فَقَالَ: «يَا هَارُونِيُّ، إِنَّ لِمُحَمَّدٍ اِثْنَيْ عَشَرَ وَصِيّاً أَئِمَّةَ عَدْلٍ، لاَ يَضُرُّهُمْ خِذْلاَنُ مَنْ خَذَلَهُمْ، و لاَ يَسْتَوْحِشُونَ لِخِلاَفِ مَنْ خَالَفَهُمْ، و إنّهم أرسب في اَلدِّينِ مِنَ اَلْجِبَالِ اَلرَّوَاسِي فِي اَلْأَرْضِ، و مَسْكَنُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ و آلِهِ و سلّم فِي جَنَّةِ عَدْنٍ اَلَّتِي ذَكَرَهَا اَللَّهُ عَزَّ و جَلَّ و غَرَسَهَا بِيَدِهِ، و مَعَهُ فِي مَسْكَنِهِ أولئك الاثني عشر العدول». فَقَالَ: صَدَقْتَ و اَللَّهِ اَلَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ، إِنِّي لَأَجِدُ ذَلِكَ فِي كُتُبِ أَبِي هَارُونَ كِتَابَتُهُ بِيَدِهِ و إِمْلاَءِ عَمِّي مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ اَلْوَاحِدَةِ: كَمْ يَعِيشُ وَصِيُّ مُحَمَّدٍ بَعْدَهُ؟ و هَلْ يَمُوتُ أو يقتل؟ فَقَالَ: «يَا هَارُونِيُّ، يَعِيشُ بَعْدَهُ ثَلاَثِينَ سَنَةً لاَ يَزِيدُ يَوْماً و لاَ يَنْقُصُ يَوْماً، ثُمَّ يُضْرَبُ ضَرْبَةً هَاهُنَا» و وَضَعَ يَدَهُ عَلَى قَرْنِهِ، و أَوْمَأَ إِلَى لحيته «فَتُخْضَبُ هَذِهِ مِنْ هَذَا». قَالَ: فَصَاحَ اَلْهَارُونِيُّ و قَطَعَ كُسْتِيجَهُ و قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، و أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ و رَسُولُهُ و أَنَّكَ وَصِيُّ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ و آلِهِ و سلّم يَنْبَغِي أَنْ تَفُوقَ و لاَ تُفَاقَ و أَنْ تُعَظَّمَ و لاَ تُسْتَضْعَفَ قَالَ: ثُمَّ مَضَى بِهِ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ إِلَى مَنْزِلِهِ فَعَلَّمَهُ مَعَالِمَ اَلدِّينِ»[٦٥]. و الكليني ذكر رواية مماثلة عن أبي سعيد الخدري، وكان أحد من شهد حديث الهاروني[٦٦].
- محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عن مالك بن عطية، عن معروف بن خربود، عن أبي الطفيل قال: «سَمِعْتُ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ يَقُولُ: اَلزُّهْدُ فِي اَلدُّنْيَا قَصْرُ اَلْأَمَلِ وَ شُكْرُ كُلِّ نِعْمَةٍ وَ اَلْوَرَعُ عَنْ كُلِّ مَا حَرَّمَ اَللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ»[٦٧]. أقول: وقد روى أبو الطفيل عن النبي (ص) نحو أربعة أحاديث.
- عن أبي الطفيل قال، «قَالَ: عَلِيٌّ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ: يَا أَهْلَ اَلْكُوفَةِ دَخَلْتُ إِلَيْكُمْ وَ لَيْسَ لِي سَوْطٌ إِلاَّ اَلدِّرَّةُ، فَرَفَعْتُمُونِي إِلَى اَلسَّوْطِ، ثُمَّ رَفَعْتُمُونِي إِلَى اَلْحِجَارَةِ، أَوْ قَالَ: اَلْحَدِيدِ، أَلْبَسَكُمُ اَللَّهُ شِيَعاً، وَ أَذَاقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ، فَمَنْ فَازَ بِكُمْ فَقَدْ فَازَ بِالْقِدْحِ اَلْأَخْيَبِ».
- عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن حذيفة بن أسيد: إذا استقرت النطقة في الرحم اثنين وسبعين صباحاً أتى ملك الأرحام، فخلق لحمها وعظمها وسمعها وبصرها ثم قال: يا رب أشقي أم سعيد فيقضي ربك ماشاء، ويكتب الملك، ثم يكتب رزقه وأجله وعمله، ثم يخرج الملك[٦٨].
- عن أبي الطفيل عن زيد بن أرقم (عن النبي(ص)): «كأني قد دعيت فأجبت إني تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله وعترتي أهل بيتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، إنّ الله مولاي وأنا ولي كل مؤمن، من كنت مولاه فعلى مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه»[٦٩].
- أبو الطفيل عن زيد بن أرقم (عن النبي (ص)): «إنّي لا أجد لنبي إلا نصف عمر الذي كان قبله، وإنّي أوشك أن أدعى فأجيب، فما أنتم قائلون، قالوا: نصحت قال: أليس تشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن الجنة حق وأن النار حق وأن البعث بعد الموت حق. قالوا: نشهد، قال: وأنا أشهد معكم، ألا هل تسمعون؟ فإني فرطكم على الحوض وأنتم واردون عليّ الحوض، وإن عرضه أبعد ما بين صنعاء وبصري، فيه أقداح عدد النجوم من فضة، فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين. قالوا: وما الثقلان يا رسول الله. قال: كتاب الله طرفه بيد الله، وطرفه بأيديكم، فاستمسكوا به ولا تضلوا، والآخر عترتي، وان اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض، فسألت ذلك لهما ربي، فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلموهم فانهم أعلم منكم، من كنت أولى به من نفسه، فعلي وليه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه»[٧٠]
- أبو الطفيل، عن حذيفة بن أسيد، (عن النبي (ص)): «أَيُّهَا اَلنَّاسُ، إِنِّي قَدْ نَبَّأَنِيَ اَللَّطِيفُ اَلْخَبِيرُ أَنَّهُ لَنْ يُعَمَّرَ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ نِصْفَ عُمُرِ اَلَّذِي يَلِيهِ من[مِمَّنْ] قَبْلَهُ. وَ إِنِّي لَأَظُنُّنِي أَوْشَكَ أَنْ أُدْعَى فَأُجِيبَ، وَ إِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، فَهَلْ بَلَّغْتُكُمْ؟ فَمَا ذَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟». قَالُوا: نَشْهَدُ بِأَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَ نَصَحْتَ وَ جَاهَدْتَ، فَجَزَاكَ اَللَّهُ خَيْراً. قَالَ: «اَللَّهُمَّ اِشْهَدْ». ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ، أَ لَمْ تَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ، وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ، وَ أَنَّ اَلْجَنَّةَ حَقٌّ، وَ أَنَّ اَلنَّارَ حَقٌّ، وَ أَنَّ اَلْبَعْثَ حَقٌّ مِنْ بَعْدِ اَلْمَوْتِ؟». قَالُوا: اَللَّهُمَّ نَعَمْ. قَالَ: «اَللَّهُمَّ اشْهَدْ». ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا اَلنَّاسُ، إِنَّ اَللَّهَ مَوْلاَيَ، وَ أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، أَلاَ مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ، اَللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاَهُ، وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ». ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا اَلنَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَ أَنْتُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ اَلْحَوْضَ، وَ حَوْضِي عَرْضُهُ مَا بَيْنَ بُصْرَى وَ صَنْعَاءَ، فِيهِ عَدَدَ اَلنُّجُومِ قِدْحَانٌ مِنْ فِضَّةٍ، أَلاَ وَ إِنِّي سَائِلُكُمْ - حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ - عَنِ اَلثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُونِي كَيْفَ تَخْلُفُونِّي فِيهِمَا حَتَّى تَلْقَوْنِي». قَالُوا: وَ مَا اَلثَّقَلاَنِ، يَا رَسُولَ اَللَّهِ ؟ قَالَ: «اَلثَّقَلُ اَلْأَكْبَرُ: كِتَابُ اَللَّهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اَللَّهِ وَ طَرَفٌ فِي أَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ لاَ تَضِلُّوا وَ لاَ تَذِلُّوا، وَ اَلثَّقَلُ اَلْأَصْغَرُ: أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِيَ اَللَّطِيفُ اَلْخَبِيرُ أَنْ لاَ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَلْقَيَانِي، وَ سَأَلْتُ اَللَّهَ لَهُمَا ذَلِكَ فَأَعْطَانِيهِ، فَلاَ تَسْبِقُوهُمْ فَتَضِلُّوا، وَ لاَ تَقْصُرُوا عَنْهُمْ فَتَهْلِكُوا، وَ لاَ تُعَلِّمُوهُمْ فَهُمْ أَعْلَمُ مِنْكُمْ»[٧١].
- عن أبي الطفيل قال: «كنت عند علي ابن أبي طالب (ع)، فأتاه رجل فقال (ع): ما كان النبي (ص) يسرّ إلى شيئاً يكتمه الناس غير أنه قد حدثني بكلمات أربع، قال: ما هنّ يا أمير المؤمنين، قال قال: لعن الله من لعن والديه...»[٧٢].
- ابن عقدة بسنده عن أبي الطفيل عامر بن واثلة قال، قال أمير المؤمنين (ع): «أَ تُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اَللَّهُ وَ رَسُولُهُ حَدِّثُوا اَلنَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ وَ أَمْسِكُوا عَمَّا يُنْكِرُونَ»[٧٣].[٧٤]
أبو الطفيل من المعمرين
وكان أبو الطفيل، بعد أن أضحى معمراً وعاش طويلاً حتى لم يبق أحد من الناس رأى النبي (ص) غيره، فقد توفى الجميع وبقى الفذ في الفخر والاعتزاز بأنه رأى رسول الله (ص)، كان يفخر في المناسبات بهذه الظاهرة الفريدة.
قال سعيد الجريري: كنت أطوف بالبيت مع أبي الطفيل، فيحدثني واُحدثه، فقال لي: «ما بقى على وجه الأرض عين تطرف ممن رأى النبي (ص) غيري».
وقال أيضاً: «ما على وجه الأرض اليوم [من] رأى النبي (ص) غيري».
وقال: «رأيت النبي (ص)، ولم يبق على وجه الأرض أحد رآه غيري»[٧٥].[٧٦]
آيات الثناء والتقريظ
ابن الأثير: أبو الطفيل كان فاضلاً عاقلاً حاضر الجواب، فصيحاً وكان من شيعة علي (ع)...، وكان شاعراً محسناً[٧٧].
صاحب الشذرات: أبو الطفيل، وكان عاقلاً حاضر الجواب، يفضل علياً (ع)[٧٨].
الأصبهاني: أبو الطفيل عامر بن واثلة...، وله صحبة برسول الله (ص)، ورواية عنه، وعمر بعده عمراً طويلاً، وكان مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، وروى عنه أيضاً، وكان من وجوه شيعته، وله منه محل خاص يستغنى بشهرته عن ذكره[٧٩].
قال القمي: أبو الطفيل عامر بن واثلة...، ورمي بالكيسانية، ويظهر من رواية أبي جعفر (ع) حسن حاله ورجوعه على فرض صحة كيسانيته[٨٠].[٨١]
وفاة أبي الطفيل عامر بن واثلة
توفى أبو الطفيل عامر بن واثلة، بعد حياة حافلة بالجهاد في سبيل العقيدة، وبالمكاسب الغنية في دعم الشخصية الاسلامية، عاش أبو الطفيل «١١٨» عاماً، فهو من المعمرين الذين عاشوا الحياة في مواكبها الجليلة.
ولقد تركت شخصية أبي الطفيل الصاحب المخلص للامام أمير المؤمنين (ع) إنطباعاتها على التاريخ الاسلامي، وعبر الأجيال تماماً كما تركت انطباعاتها على جيله الذي عاش فيه والمترع بالأحداث، وكان له الدور البارز في الكثير منها.
توفى سنة «١٠٠»، أو «١٠٢»، أو «١٠٧»، أو «١١٠» فعلى أقل تقدير توفى سنة «١٠٠» وأكثر تقدير توفى سنة (١١٠)، فالاختلاف هو عشرة أعوام.
لكن الذي يؤيد جانب التقدير الأكثر، الرواية التالية، قال جرير بن حازم: كنت بمكة سنة عشر ومائة، فرأيت جنازة، فسألت عنها فقيل لي: هي جنازة أبي الطفيل. علما أن أبا الطفيل ولد في العام الثاني للهجرة، ففي سنة وفاته يكون عمره ١١٠ سنوات عاشها في الرحلات تارة وفي المعارك أخرى وثالثة في المناظرات ومقارعة الحجة بالحجة.
وهو آخر من توفى من أصحاب رسول الله (ص)، أي انه بوفاته ختمت الحياة بصحب الرسول (ص)، ويعني هذا أيضاً أن أحداً على وجه الأرض لم يكن يدعى أنه رأى رسول الله، ولو رؤية خاطفة، ولو كان في العمر صغيراً، صبياً، ولقد علمنا أن رسول الله لما توفى كان أبوالطفيل في عمر البرعم يبلغ من السن ٨ أعوام، قال فطر بن خليفة: سمعت أبا الطفيل يقول: لم يبق من الشيعة غيري.
وقال أبو الطفيل: ما على وجه الأرض اليوم أحد رأى النبي (ص) غيري[٨٢].
وخلف من الأولاد: يحى، مطرّف، والطفيل وتوفى الأخير شهيداً.
مطرف بن عامر بن واثلة، ينقل عنه الطبري خطبة أبيه عامر بن واثلة[٨٣].[٨٤]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ طبقات ابن سعد ٦: ٤٦؛ تقريب التهذيب ١: ٣٨٩/٦٩.
- ↑ الأغاني ١٥: ١٤٧، وفيه أيضاً: عامر بن واثلة من عبد الله بن عمروبن جحش من جرفى بن سعد بن ليث بن بكر بن عبد مياة بن علي بن كنانة اليثي المكي.
- ↑ أسد الغابة ٥: ٣٣٣ - ٣٣٤. ربما «لا ينزعون عنه، أو لا يدعونه».
- ↑ الشمائل المحمدية للترمذي، يراجع: الكنى والألقاب ١٠٧ - ١٠٨.
- ↑ أسد الغابة ٥: ٣٣٣ - ٢٣٤. قال إن أبا الطفيل صحت علي أبي طالب وشهد معه مشاهده كلها.
- ↑ تاريخ الطبري ٤/ ٥٠٠.
- ↑ سورة الذاريات، الآية ١.
- ↑ سورة الذاريات، الآية ٣.
- ↑ سورة الذاريات، الآية ٢.
- ↑ سورة الذاريات، الآية ٤.
- ↑ سورة إبراهيم، الآية ٢٨.
- ↑ الأغاني ١٥: ١٤٧ - ١٤٨، ط احياء التراث العربي - بيروت.
- ↑ سورة الذاريات، الآية ١.
- ↑ سورة الذاريات، الآية ١.
- ↑ سورة الذاريات، الآية ٢.
- ↑ سورة الذاريات، الآية ٣.
- ↑ سورة الذاريات، الآية ٤.
- ↑ سورة الإسراء، الآية ١٢.
- ↑ سورة إبراهيم، الآية ٢٨.
- ↑ سورة الكهف، الآية ١٠٤.
- ↑ كنز العمال ٢: ٥٦٦، الطبعة الخامسة، مؤسسة الرسالة.
- ↑ يراجع وقعة صفين ٣٠٩.
- ↑ السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ٢٠٩-٢٢١.
- ↑ في كنزل العمال: مستقلة - بالسين المهملة – وهو خطأ.
- ↑ كنز العمال ١: ٣١٤.
- ↑ السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ٢٢١.
- ↑ الحواء: السوداء، على بها الكتيبة التي بعاء الصد سلاحها.
- ↑ رجوف: تضطرت من كثرتها الغلب جمع أغلب، وهو الغليظ الرقبة.
- ↑ زلل اللبود: كناية عن اشتداد المعركة واضطرابها.
- ↑ الأغاني ١٥: ١٤٩-١٥٠.
- ↑ الأغاني ١٥: ١٥٠.
- ↑ عيون الأخبار وفنون الآثار ٦٣، طبعة دار التراث الفاطمي، ١٩٧٣، وقعة صفين ٣١٣، مع اختلاف الفاظ في بعض الأبيات.
- ↑ أسد الغابة ٥: ٢٣٣ - ٢٣٤، مروج الذهب ١٦، تحقيق: ىوسف داغر. فىه: كما قال: الجعدي، مع تصرف بسيط.
- ↑ السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ٢٢١-٢٢٨.
- ↑ الأغاني ١٥: ١٥٢.
- ↑ الاستيعاب - بهامش الأصابة - ٢: ٣٤٧ - ٣٤٨، الأغاني ١٥: ١٥٢. خزانة الأدب ٣: ٤٤، ط عبد السلام، مع اختلاف في بعض ألفاظ القصيدة.
- ↑ السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ٢٢٨-٢٣١.
- ↑ الأغاني ١٥: ١٥٠ - ١٥١، خزانة الأدب ٣: ٤٣.
- ↑ تاريخ الطري ٤: ٥٤٤ – ٥٤٥، طبعة الاستقامة، القاهرة ١٣٥٨.
- ↑ رجال الكشي ١٢٤، طبعة جامعة مشهد.
- ↑ رجال الكثير ٩٥، ط جامعة مشهد.
- ↑ ننفس المصدر ٢٠٥، الفضة: صغار الحصى.
- ↑ السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ٢٣١-٢٣٣.
- ↑ رجال الطوسي ٦٩.
- ↑ رجال الطوسي ٩٨.
- ↑ كمال الدين وتمام النعمة ١: ٢٠٦، ط مؤسسة النشر الاسلامي - قم ١٤٠٥ه. والجدير بالذكر أن محقق كتاب الاكمال الاستاذ الغفاري استبعد رواية أبي الطفيل من الإمام الباقر (ع) ظناً منه أنه لم يعاصر الإمام الباقر، وذلك لأنّ أبا الطفيل من أصحاب أمير المؤمنين (ع)، فالمسافة الزمنية بين المعصومين الحجتين طويلة. و لكن لو علمنا أن أبا الطفيل توفى سنة ١١٠ كما هو الصحيح، وعلمنا أيضاً أن الإمام الباقر (ع) توفى عام ١١٤ أي أن أبا الطفيل توفى قبل المعصوم بأربعة أعوام لتبدد الضباب وأشرقت الحقيقة سافرة.
- ↑ تاريخ الطبري ٦: ٢٩٧، ط دارالمعارف، تحقىق ابراهيم محمد ابراهىم.
- ↑ السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ٢٣٣-٢٣٩.
- ↑ تاريخ الطبري ٦: ٣٣٥، الكامل في التاريخ ٤: ٤٦٢، طبعة دار صادر - بيروت.
- ↑ السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ٢٣٩-٢٤٤.
- ↑ الأغاني ١٥: ١٤٨، وص ١٤٦ و١٥٤. فقد جاء في موضعين «حقبة» وفي موضع واحد «برهة»، وحقبة أولى في سياق البيت وفي روح المعنى.
- ↑ الأغاني ١٥: ١٤٨، اُسد الغابة ٥: ٢٣٣ – ٢٣٤.
- ↑ يراجع الأغاني ١٥: ١٤٦.
- ↑ علمنا أن أبا الطفيل ولد في الاسلام في عام (٢) هجرية.
- ↑ الأغاني ١٥: ١٥٤.
- ↑ الأصنام لابن الكلبي، تحقيق زكي باشا، «كأنه» الضمير يرجع إلى الفرس.
- ↑ أعيان الشيعة ٧: ٤٠٨. الطبعة الرحلية طبعة دار التعارف، المطبوعة في عشرة أجزا.
- ↑ السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ٢٤٤-٢٤٧.
- ↑ الاصابة ٤: ١١٣، الأغاني ١٥: ٣٤٩.
- ↑ السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ٢٤٧.
- ↑ الأعلام للزركلي ٤ ٢٠.
- ↑ صفة الصفوة ٣: ٤٢.
- ↑ تارىخ بغداد ٦: ٢٤١.
- ↑ السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ٢٤٧-٢٤٨.
- ↑ الكافي ١: ٥٢٩، ٥، كتاب الحجة، باب ما جاء في الاثني عشر والنص عليهم، (ع).
- ↑ يراجع الكافي ١: ٥٣١.
- ↑ الكافي ٣: ٧١، ٣، كتاب المعيشة، باب معنى الزهد.
- ↑ كنز العمال ١: ١٢٠.
- ↑ كنز العمال ١: ١٨٧.
- ↑ كنز العمال ١: ١٨٨.
- ↑ كنز العمال ١: ١٨٨، الطبعة الخامسة، مؤسسة الرسالة.
- ↑ كنز العمال ١٦: ٢٥٦.
- ↑ بحارالأنوار ٢: ٧٧.
- ↑ السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ٢٥١-٢٥٥.
- ↑ الاستىعاب ٤: ١١٧، ط: دار صادر.
- ↑ السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ٢٥٥-٢٥٦.
- ↑ اسدالغابة ٥: ٢٣٣-٢٣٤.
- ↑ شذرات الذهب ١: ١١٨.
- ↑ الأغاني ١٥: ١١٧.
- ↑ الكنى والألقاب ١: ١٠٧-١٠٨.
- ↑ السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ٢٥٦.
- ↑ أسد الغابة ٥: ٢٣٣-٢٣٤.
- ↑ ىراجع تاريخ الطبري ٦: ٢٦٥.
- ↑ السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ٢٥٧-٢٥٨.