الإحباط
شبهة عدم انسجام الإحباط مع العدل الإلهي
لقد ورد الكلام في الآيات القرآنية الكريمة وبتبعها في الروايات والأحاديث الشريفة بشأن بطلان الأعمال الصالحة والثواب واضمحلالهما بمجرّد صدور بعض المعاصي والذنوب من قبيل الكفر والشرك والردّة ورفع الصوت فوق صوت النبي، وهو ما يُعبّر عنه في المصطلح الكلامي بـ «الإحباط»[١].
وقد عبّرت النصوص الدينية عن أسباب بطلان أعمال الخير والبر بتعبيرات مختلفة مثل: الإحباط والبطلان وفيما يأتى نشير إلى بعضها:
- الكفر: فالكفر يوجب بطلان ما يقوم به الكافر من أعمال البرّ، إذ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾[٢].
- الشرك: فلو أشرك المسلم بعد إسلامه، ستبطل أعماله الصالحة التي قام بها قبل أن يشرك، قال تعالى مخاطباً رسوله الكريم(ص): ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾[٣].
- الارتداد: فإن الارتداد يوجب بطلان الأعمال الحسنة أيضاً، إذ يقول تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾[٤]
- رفع الصوت فوق صوت النبي الأكرم(ص): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾[٥].
- المنّ والأذى وفي ذلك قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾[٦].
وقد تمّت صياغة الشبهة هنا على النحو الآتي: كيف يمكن أن ينسجم القول ببطلان جميع أعمال الإنسان الصالحة بمجرّد قيامه بمعصية - سواء أكانت معصية كبيرة من قبيل: الشرك، أو معصية عادية من قبيل: رفع الصوت في حضرة النبي - والقول بخلود الكافر مضافاً إلى ذلك في نار جهنم، مع العدالة والرحمة الإلهية؟!
مناقشة وتحليل
لقد تقدّم تفصيل الإجابة عن هذه الشبهة في كتاب المعاد من هذه السلسلة ولكننا نكتفي هنا بذكر المسألة الآتية:
الإحباط يستوجب الظلم
لقد استعمل الإحباط لغة في معاني مختلفة مثل: الفساد والبطلان والإهدار[٧]. وقد قصد بعض علماء الإسلام - ومنهم المعتزلة - المعنى اللغوي للإحباط ومترادفاته من الآيات التي نسبت فيها كلمة (حبط) إلى الأعمال وبموجب ذلك تبطل وتضمحل أعمال الفرد الصالحة بمجرد ارتكاب ذنب خاص على ما تقدّم ذكره. ويُطلق على هذا التعريف الإحباط المطلق» الذي بموجبه تبطل جميع أعمال الخير السابقة بمجرد ارتكاب المعصية.
وقد وصف نصير الدين الطوسي والعلامة الحلي الإحباط المطلق (التعريف الأول) الذي يستوجب الظلم في حق فاعل أعمال الخير أو الشر في إطار الصور الثلاث الآتية:
- غلبة الذنوب على الثواب (الإحباط): إثر إحباط جميع الخير، وبطلانها، يلزم من ذلك أن يكون هذا الفرد مثل الذي لم يصدر عنه فعل صالح أبداً.
- غلبة أفعال الخير على الذنوب (التكفير): إذا كانت أعمال الخير لدى الفرد أكثر، وبفعل التكفير تمحى جميع ذنوبه، ويغدو كمن لم يرتكب ذنباً أو معصية أبداً.
- تساوي أعمال الخير والشر وفي هذه الصورة يحصل التعارض بين الأعمال الموجبة للإحباط والأعمال الموجبة للتكفير، ولازم ذلك هو التساقط، فيغدو هذا الفرد كأنه لم يقم بأي أعمال خير ولا أعمال شر، وإنه لم يرتكب ما يوجب الثواب ولا ما يوجب العقاب.
إن العقلاء فيما يتعلق بهذه الفرضيات الثلاث يحكمون بخلاف لوازمها إذ لا يمكنهم تصور أن الفرد في الفرضية (١) لم يقم بأي عمل صالح، وإنما يؤكدون على قيامه بالعمل الصالح، ويرون عدم مكافأته ظلماً، وهكذا الأمر بالنسبة إلى الفرضية (٣).
وفيما يتعلق بالفرضية (٢) فإن الفرد قد ارتكب معصية، وإن عدم معاقبته على معصيته - مهما كانت صغيرة - يعدّ ظلماً في حق المظلوم، إذا كانت المعصية داخلة في حقوق الناس. قال نصير الدين الطوسي بهذا الشأن: «والإحباط باطل لاستلزامه الظلم ولقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾[٨].[٩]
وقال العلامة الحلي في شرح ذلك مشيراً إلى الفرضيات الثلاث المتقدمة: «ويدل على بطلان الإحباط أنه يستلزم الظلم؛ لأن من أساء وأطاع وكانت إساءته أكثر يكون بمنزلة من لم يحسن وإن كان إحسانه أكثر يكون بمنزلة من لم يسئ، وإن تساويا يكون مساوياً لمن لم يصدر عنه أحدهما، وليس كذلك عند العقلاء»[١٠]
وقال العلامة جوادي آملي في هذا الشأن: «لقد ذهب المحققون من الإمامية في علم الكلام والتفسير بشكل عام إلى نفي (الإحباط) في غير محور الكفر والارتداد والنفاق، وقالوا: (إن أعمال الخير والشر لا تؤثر في بعضها بنحو الإحباط الكلي أو الجزئي أبداً) كشف المراد الميزان، بمعنى أنه لا الأعمال الصالحة تستوجب القضاء على الأعمال الطالحة ولا العكس. بل يبقى كل عمل صالح أو طالح في مكانه حتى يحين يوم القيامة ليتم وضع كل منهما في كفة ميزان وتتم المقارنة بينهما، وفي الختام يكافأ من ترجح كفة حسناته، ويعاقب من ترجح كفة سيئاته. وأما إحباط الأعمال بسبب الكفر والارتداد والنفاق فهو أمر متفق عليه، وقد ورد التصريح به في القرآن الكريم، وهو خارج عن محل بحثنا الراهن».
وعليه فإن نظرية المحققين من الشيعة - من بين مختلف الآراء بشأن الإحباط والتكفير فيما يتعلق بالأعمال الصالحة والطالحة - هي الصحيحة وخلاصتها:
- نفي إحباط الأعمال بالمطلق أي بطلان الحسنات بالسيئات أو السيئات بالحسنات.
- الإثبات الإجمالي لتكفير السيئات بالحسنات.
- النفي الكلى لتكفير الحسنات بالسيئات[١١].
عدم انسجام الإحباط مع مختلف الآيات
بالالتفات إلى المعنى اللغوي والاصطلاحي لمفهوم الإحباط في تفسير الآيات الموهمة لإرادة المعنى اللغوي للإحباط لا يمكن عدّه أصلاً قرآنياً لمجرد دلالة بعض الآيات على ذلك؛ إذ العقل يحكم بضرورة عدم نسبة حكم للقرآن آيات الكتاب وتجاهل سائر الآيات الأخرى من خلال انتقاء آية أو بضع من التي تثبت الخلاف، خاصّة إذا كان ذلك الكتاب مشتملاً على عام وخاص ومطلق ومقيّد، ومحكم ومتشابه، وهو أمرٌ يجعل تفسيره مفتقراً إلى الإحاطة والإشراف على جميع موارده. إن القرآن الكريم كتاب سماوي نزل منجماً على مدى ثلاثة وعشرين سنة على المواصفات المتقدّمة. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾[١٢]. من هنا فقد اشتهر بين المفسرين (أن القرآن يُفسّر بعضه بعضاً)[١٣].
وعلى هذا الأساس لو عثرنا في القرآن الكريم على آيات تخالف مفهوم الإحباط والتكفير سوف تتزلزل دلالة الآيات الدالة على المفهوم اللغوي للإحباط، وتبعاً لذلك يسقط أصل الشبهة أيضاً. وبالنظر إلى الآيات الأخرى نجد أن القرآن يشير ويؤكّد في الكثير من الموارد على أصل عقلى يُثبت أن كل إنسان سينال جزاء عمله، وإن الله لا يُضيع ولا يبطل عمل أيّ إنسان، وإنه لا يظلم أحداً يوم القيامة، من قبيل قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾[١٤].
إن هذه الآيات تؤكد على جزاء كل عمل سواء أكان ثواباً أم إثماً، وعدم تضييع أيّ عمل، ولازم ذلك ردّ الإحباط الذي يعني تجاهل أعمال البرّ والخير التي صدرت عن العبد؛ إذ الذي يبطل بها ليس مجرد عمل واحد، بل جميع أعمال البر لمجرد معصية واحدة، وهذا يتنافى مع ظاهر وروح الآيات المتقدّمة. إذن الآيات القرآنية تدل على العدل وعدم تضييع أعمال الإنسان، خلافاً لمفهوم الإحباط اللغوي الذي يبدو من ظاهر بعض الآيات. من هنا يجب القول من خلال الجمع بين آيات الإحباط والآيات المخالفة لها: إن المراد من آيات الإحباط بحق المسلم ليس هو تضييع جميع ما قام به من أعمال الخير والبرّ (المعنى اللغوي)، بل بطلان بعضها فقط.
أما الإحباط الحقيقي واللغوي - الظاهر من بعض الآيات - فيخص الكافر بمعناه العام (الذي يشمل الملحد والمشرك والمنافق)، وهذا ما سيأتي بيانه لاحقاً إن شاء الله تعالى.
البيان التكويني للإحباط
إن التعريف المتقدّم للإحباط يقوم على اعتبارية الثواب والعقاب ولكن يمكن القول بوجود تفسير تكويني لآيات الإحباط، بمعنى أنه طبقاً النظرية تجسّم الأعمال والقول بتكوينية العقاب والجزاء، فإن كل فعل يصدر عن الإنسان يترك أثراً تكوينياً في نفس الإنسان فإن كان الفعل حسناً وصالحاً ترك كمالاً ونوراً في النفس، وإن كان سيئاً وقبيحاً ترك سواداً وظلمة في النفس وبترك المعاصي والقيام بأعمال الخير والصلاح تكتسب النفس نورانية، ويبدأ الإنسان برفع خطواته في مسير التكامل، وإن هذه المنعطفات النفسية تستمر إلى حين الوفاة (خروج الروح من الجسد) حيث تتوقف مسيرة الإنسان في هذه الحياة.
وفي الحقيقة فإن الإحباط والتكفير ما هو غير تأثير أفعال الإنسان في النفس والارتباط المتبادل بين أفعال الخير والشر، بمعنى أن ارتكاب المعاصي يؤدي إلى ظلمة النفس (الإحباط)، والقيام بأعمال الخير والبرّ يؤدي إلى إشراق النفس وانقشاع الظلمات النفسية (التكفير). وإن هذا التأثير المتبادل والصعود والهبوط في مسار النفس يستمر حتى انقضاء الأجل، وبالموت تصل هذه الرحلة إلى محطتها الأخيرة، بمعنى أن أعمال البرّ والخير في لحظة الموت إذا كانت هي الغالبة على الرذائل النفسية، أدى ذلك بالإنسان إلى السعادة في عالم البرزخ ويوم القيامة، وإن كانت أفعال الشرّ هي الغالبة، كان مصير الإنسان هو البؤس والشقاء.
وبعد الموت ينقطع تأثير الأعمال الاختيارية التي يقوم بها الإنسان، أما الشفاعة والمغفرة وتحمّل العذاب، فيمكنه أن يكون مؤثراً. وقد ورد التصريح في الروايات بالتأثير التكويني الذي يتركه الذنب أو الثواب في نفس الإنسان أيضاً. فقد روي عن الإمام الصادق (ع)، أنه قال: «مَا مِنْ عَبْدٍ إِلاَّ وَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ فَإِذَا أَذْنَبَ ذَنْباً خَرَجَ فِي اَلنُّكْتَةِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فَإِنْ تَابَ ذَهَبَ ذَلِكَ اَلسَّوَادُ وَ إِنْ تَمَادَى فِي اَلذُّنُوبِ زَادَ ذَلِكَ اَلسَّوَادُ حَتَّى يُغَطِّيَ اَلْبَيَاضَ فَإِذَا غَطَّى اَلْبَيَاضَ لَمْ يَرْجِعْ صَاحِبُهُ إِلَى خَيْرٍ أَبَداً»[١٥].
وقد تعرّض صدر المتألهين[١٦]، والعلامة الطباطبائي[١٧] من المعاصرين إلى تحليل نظرية الإحباط والتكفير من طبقاً لهذا المبنى.
وإن هذا الاتجاه فيما يتعلق بالإحباط والتكفير حيث يقوم على التفسير التكوينى والاستناد إلى أفعال الإنسان نفسه يحظى بقبول من العقل والعقلاء.
اختصاص الإحباط بالكافر
إن لبعض الذنوب من قبيل: الكفر والشرك والارتداد دوراً محورياً في مصير الإنسان وفطرته التوحيدية، بمعنى أن الإنسان بشكل عام ينقسم إلى المؤمن والكافر (المنكر لأصل وجود الله أو التوحيد). وفيما يتعلق بالقسم الأول يشعر الإنسان بوجود نوع من العلقة والارتباط بينه وبين الله، ويكون مسار حركته باتجاه القرب الإلهي، وعليه فإن كل ذنب يصدر عنه مهما كان كبيراً وأدى إلى ظلمة النفس، إلا أنه حيث يكون مؤمناً بالله بحسب الفرض، فإن معصيته ستكون محدودة، وتكون أدنى من النور الإلهي الجاري في ضمير الإنسان وفطرته ولذلك فإن التأثير السلبي للمعاصي لا يستطيع محو نور التوحيد الإلهي من فطرة هذا الإنسان؛ لأن تأثير كل ذنب سيكون بمقدار حجمه. وعلى هذا الأساس فإن الفرد المؤمن لما يتمتع به من الثواب الخالد (الاعتقاد التوحيدي)، سيتغلب على ذنوبه ويدخل في دائرة المفلحين.
وأما الكافر بمعناه العام (أي الملحد والمشرك والمرتد)؛ فلبعده عن المسار الإلهي، فهو يختص من وجهة نظر أكثر علماء الدين ببطلان الأعمال وإحباط العمل.
وقد خصّ العلامة المجلسي[١٨] والعلامة الطباطبائي الإحباط - بمعنى بطلان الثواب وجميع أعمال الخير - بذنوب من قبيل: الكفر والارتداد مما يقطع قيود العبودية وأواصر المولوية بين الإنسان، وخالقه، وفى ذلك قال العلامة الطباطبائي: «إنه تعالى جرى في مسألة تأثير الأعمال على ما جرى عليه العقلاء في الاجتماع الإنساني من طريق المجازاة، وهو الجزاء على الحسنة على حدة وعلى السيئة على حدة، إلا في بعض السيئات من المعاصي التي تقطع رابطة المولوية والعبودية من أصلها فهو مورد الإحباط»[١٩].
ومع تخصيص بطلان جميع أعمال الخير والثواب (الإحباط) بالكافر، ترتفع الشبهة في مورد أعمال البرّ الصادرة عن المؤمن، ولكن الشبهة فيما يتعلق بالكافر تبقى على حالها. وفيما يأتي سنخوض في بيانها.
يمكن تقسيم أعمال الإنسان الكافر إلى قسمين: عبادات وأفعال حسنة صادرة عن فطرته ويمكن بيان كل واحد منهما من خلال مبنيين في تبرير العذاب الأخروي (الاعتباري والتكويني).
وفي البداية سنخوض في بيان عبادات الكافر على مبنى اعتبارية العذاب:
يمكن إطلاق وبحث عنوان الكافر على الأقسام الثلاثة الآتية:
- الكافر: المنكر لأصل وجود الله (الملحد)، فلا يكون لديه أي عمل عبادي حتى يتمّ البحث في بطلانه.
- المشرك: وهو الذي يؤمن بأصل وجود الله، ولكنه يرى له شركاء فى الخلق وفى العبودية، فإن عبادته الله لا تكون حقيقية وإنما المقصود بها غيره ومن هنا لا تقوم عبادته على أسس صحيحة حتى يحكم ببطلانها، والبحث في المرحلة اللاحقة عن إبطالها وإحباطها. وعلى المشركين في مثل هذه الحالة أن يطالبوا بالحصول على الثواب من أولئك الذين عبدوهم من دون الله.
- المرتد: والبحث بشأن المرتد يختلف عن قسيميه السابقين؛ إذ إنّه قام ببعض العبادات من قبيل الصلاة والصوم والحج قربة إلى الله تعالى، ثم ندم على ذلك وخرج عن الإسلام متخذاً طريق الكفر والإلحاد. وعليه فإن أعماله السابقة تكون مشمولة لقانون الإحباط والبطلان؛ وذلك لأن المرتد يرى أن ما قام به من العبادات عندما كان مسلماً لا يعدو أن يكون مجرد أمور جوفاء خالية من أي مضمون أو معنى ويعيش حالة من الندم على قيامه بها، ويحكم على بطلانها بنفسه، وبذلك يكون هو من يحكم بإحباطها وليس الله.
كما يمكن بيان الإحباط على مبنى التأثير التكوينى للعمل في نفس الإنسان، فيما يتعلق بالحالات المتقدمة (الكفر والشرك والارتداد) أيضاً.
ففي فرضية الكفر والشرك حيث لم تقع العبادة على وجهها الصحيح والحقيقي، لن يكون هناك تأثير إيجابي ونوراني في صقع النفس. وأما في فرضية الارتداد، فإن الأعمال العبادية التي جاء بها المرتد مدّة إسلامه تترك تأثيرها الإيجابي والنوراني في صقع نفسه، إلا أن نفس الارتداد يترك بدوره تأثيراً جذرياً في خلق الظلمات في هذه النفس، الأمر الذي يقضي على تلك النورانية السابقة للنفس، بحيث يحبط كل عمل برّ جاء به قبل الردّة؛ لأن المرتدّ نفسه يصرّح برفضه لعباداته السابقة، ويراها جوفاء وفارغة وفاقدة للقيمة! ومثل هذه النظرة إلى الأعمال ستترك تأثيراً تكوينياً يتمثل ببطلانها، وهذا هو المعنى الدقيق للإحباط.[٢٠]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ انظر القاضي عبدالجبار المعتزلي شرح الأصول الخمسة، ص ٤٢٢؛ سعدالدين التفتزاني، شرح المقاصد، ج ٥، ص ١٤١؛ القاضي عضدالدين الإيجي، شرح المواقف، ج٨، ص٣٠٩؛ أبو إسحاق إبراهيم بن نوبخت الياقوت في علم الكلام، ص ٦٣ سديد الدين محمود ٢ ص ٤٢ الخواجة نصير الدين الطوسي؛ نقد الحمصي الرازي، المنقذ من التقليد، ج ٢، ص المحصل، ص ٥٠٥؛ الخواجة نصير الدين الطوسي، كشف المراد، ص٣٢٧؛ الفاضل المقداد، اللوامع الإلهية، ص ٤٣٦.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ٢١-٢٢.
- ↑ سورة الزمر، الآية ٦٥.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢١٧.
- ↑ سورة الحجرات، الآية ٢.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٦٤.
- ↑ انظر: أبو العباس الفيومي، المصباح المنير؛ أبو نصرالجوهري، الصحاح؛ أبو طالب الفيروز آبادي، القاموس المحيط، مادة(حبط).
- ↑ سورة الزلزلة، الآية ٧.
- ↑ كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد المقصد السادس، المسألة السابعة، ص ٣٢٧
- ↑ كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد المقصد السادس، المسألة السابعة، ص ٣٢٧
- ↑ عبد الله جوادي آملي تفسير تسنيم، ج ١٠، ص ٦٠٢ - ٦٠٦.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ٧.
- ↑ انظر: الفخر الرازي، التفسير الكبير، ج ١٧، ص ٧٧؛ العلامة محمد حسين الطباطبائي، ج ٣، ص ٣٦ و٥٧.
- ↑ سورة الزلزلة، الآية ٧-٨.
- ↑ انظر: محمد بن يعقوب الكليني أصول الكافي، ج ٢، ص ٢٧٣؛ محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج،٧٠، ص ٣٣٢ و٣٦١.
- ↑ انظر صدر الدين الشيرازي الشواهد الربوبية، ص ٧٧٤.
- ↑ انظر: العلامة محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج ٢، ص ١٧١.
- ↑ انظر: محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٥، ص ٤ - ٣٣٢.
- ↑ العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج ٢، ص ١٧٠ - ١٧٢.
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، العدل أجوبة الشبهات الكلامية، ص٢٦٦.