الإيمان في الحديث

من إمامةبيديا

التعريف

الإيمان لغةً

«الإيمان» مصدر من مادّة «أم ن»، و يدلّ على معنيين متقاربين، وهما: سكون القلب، والتصديق ؛ لأنّ الإنسان إنّما يصدّق ويشهد بالشيء الّذي يثق به ويسكن قلبه إليه.

يقول ابن فارس في هذا المجال: الهَمزَةُ وَالميمُ وَالنّونُ أصلانِ مُتَقارِبانِ، أحَدُهُما: الأَمانَةُ الَّتي هِي ضِدُّ الخِيانَةِ، ومَعناها سُكونُ القَلبِ. وَالآخَرُ: التَّصديقُ. وَالمَعنِيانِ كَما قُلنا مُتَدانِيانِ[١]

يصرّح الخليل بن أحمد الفراهيدي بشأن المعنى اللغوي ل «الإيمان» قائلاً: الإِيمانُ: التَّصديقُ نَفسُهُ، وَقولُهُ تَعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا[٢] أي بِمُصَدِّقٍ.[٣]

ويذكر أبو منصور الأزهري في معرض بيانه لمعنى الإيمان: وأَمَّا «الإِيمانُ» فَهُوَ مَصدَرُ آمَنَ يُؤمِنُ إيمانا فَهُوَ مُؤمِنٌ. وَاتَّفَقَ أهلُ العِلمِ مِنَ اللُّغَوِيّينَ وغَيرِهِم أنَّ «الإِيمانَ» مَعناهُ التَّصديقُ[٤]

بناءً على ذلك، فإنّ مادّة «أمن» لها معنيان متقاربان، ولكنّ كلمة «الإيمان» في اللغة بمعنى التصديق الّذي يشمل التصديق القلبي واللساني والعملي.

وما ذكره الفيروز آبادي من أنّ الايمان: «الثقة وإظهار الخضوع وقبول الشريعة»[٥] اشارة إلى هذا المعنى.[٦]

الإيمان في الاصطلاح

تحدّث الفقهاء، والمحدّثون، والمتكلّمون والمفسّرون كثيرا مّا عن المفهوم الشرعي ل «الإيمان»، وأبدوا آراءً مختلفة[٧] لا مجال هنا لطرحها ونقدها. سوف نبيّن هنا أوّلاً مفهوم الإيمان بالاستناد إلى نصّ القرآن والأحاديث الإسلامية، ونبحث الاختلاف بين مفهومي الإيمان والإسلام، كذلك الاختلاف بين الإيمان واليقين من منظار الروايات، ثمّ نمضي إلى الإشارة إلى أبرز العناوين المستخدمة في تقويم تحقّق الإيمان الحقيقي، مثل: «ملاك الإيمان» و«نظام الإيمان» و«دعائم الإيمان»... وغيرها.

واستمرارا في البحث، سوف نستعرض الأُمور الّتي يجب الإيمان بها من وجهة نظر القرآن، ثمّ نقدم في سبعة فصول اُخرى «مبادئ الإيمان» و«ثبات الإيمان» و«درجات الإيمان» و«آثار الإيمان وبركاته» و«قيمة الإيمان» و«خصائص أهل الإيمان»، و «مضار عدم الإيمان». وفيما يلي نقدّم توضيحا مختصرا حول المواضيع المذكورة[٨]:

«الإيمان» في الأحاديث

تنقسم الأحاديث الّتي فسّرت الإيمان إلى عدة مجموعات:

* المجموعة الاُولى: الأحاديث الّتي فسّرت الإيمان بالاعتقاد القلبي بالحقائق الغيبية وتصديقها، في مقابل الكفر بمعنى إنكار الحقائق الغيبية، مثل الحديث التالي: «اَلْإِيمَانُ أَنْ يُصَدِّقَ اَللَّهَ فِيمَا غَابَ عَنْهُ... وَ اَلْكُفْرُ اَلْجُحُودُ»[٩].

* المجموعة الثانية: الأحاديث الّتي فسّرت الإيمان بالاعتقاد القلبي والإقرار اللساني والعمل بمقتضاه، مثل هذه الرواية: «اَلْإِيمَانُ مَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ وَ إِقْرَارٌ بِاللِّسَانِ وَ عَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ»[١٠]

* المجموعة الثالثة: الأحاديث الَّتي فسّرت الإيمان بالإقرار اللساني والعمل بموجبه، مثل: «الإِيمانُ إقرارٌ بِالقَولِ وعَمَلٌ بِالجَوارِحِ»[١١]

* المجموعة الرابعة: الأحاديث الّتي فسّرت الإيمان بالعمل بموجب الاعتقاد القلبي، مثل: «الإِيمانُ، عَمَلٌ كُلُّهُ، وَالقَولُ بَعضُ ذلِكَ العَمَلِ»[١٢] وممّا يجدر ذكره أنّ في هذه الأحاديث تعريضا بعقيدة المرجئة، الّذين لا يرون الالتزام العملي شرطا لتحقق الإيمان، وجميع الآيات والأحاديث الّتي تعتبر الالتزام بالأوامر والنواهي الإلهيّة شرط تحقّق الإيمان الحقيقي، أو الّتي تذكر بعض الآثار والعلامات للإيمان الحقيقي، هي مؤيدة لهذه الطائفة من الأحاديث.

* المجموعة الخامسة: الأحاديث الّتي فسّرت الإيمان بالاعتقاد القلبي الّذي يصدّقه العمل الصالح، مثل: «لكِنَّ الإِيمانَ، ما خَلَصَ فِي القَلبِ وَصَدَّقَهُ الأَعمالُ»[١٣] ومن خلال التأمّل في المجموعات الخمس المشار إليها، يتّضح أن لا اختلاف بينها، وأنّها جميعا تشير إلى أمر واحد وهو ما ذُكر في المجموعة الخامسة من الأحاديث، وهو أنّ الإيمان تصديق القلب والإقرار باللسان والأعمال الصالحة، وتصديق عملي للاعتقاد القلبي. بعبارةٍ أُخرى، فإنّ الإقرار والعمل هما علامة كون الاعتقاد القلبي حقيقيّا، والشرط الإثباتي له.

على هذا، فإنّ الأحاديث المذكورة تفسّر وتبيّن نفس الاستنتاج الّذي توصّلنا إليه في تعريف الإيمان من منظار القرآن، والأحاديث الّتي جاءت في الفصل الأوّل وسائر الفصول حول خصوصيات الإيمان الحقيقي وآثاره، تنسجم مع هذا التعريف.[١٤]

الفرق بين الإيمان والإسلام

لمصطلح الإسلام نوعان من الاستخدام في الكتاب والسنّة: فقد استُعمل أحيانا في الإسلام الحقيقيّ، مثل: ﴿إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ[١٥]. أو ما روي عن الإمام عليّ (ع) في تعريف الإسلام: «الإِسلامُ هُوَ التَّسليمُ، وَالتَّسليمُ هُوَ اليَقينُ، وَاليَقينُ هُوَ التَّصديقُ، وَالتَّصديقُ هُوَ الإِقرارُ، وَالإِقرارُ هُوَ الأَداءُ، وَالأَداءُ هُوَ العَمَلُ»[١٦] وهذا يعني أنّ شدّة ارتباط الألفاظ السبعة الّتي ذُكرت، تبلغ حدّا بحيث يمكن تفسير كلّ منها وتبيينه بالآخر.

والإسلام بهذا المعنى لا يختلف عن الإيمان، ولكنّ للإسلام استخداما آخر في الكتاب والسنّة وهو الإسلام الظاهري، مثل هذه الآية: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ[١٧]. فالإسلام في هذه الآية يختلف عن الإيمان، فهو عبارة عن الإقرار الظاهري دون الاعتقاد القلبي، والإيمان هو الاعتقاد القلبي مع جميع لوازمه.

ويمكن تقسيم الروايات الّتي فسّرت هذه الآية أو استلهمت منها في بيان الاختلاف بين الإسلام والإيمان إلى سبع مجموعات:

المجموعة الاُولى: الأحاديث الدالّة على أنّ الإيمان شريك الإسلام ولكنّ الإسلام ليس شريكا للإيمان، وتستنتج أنّ كلّ مؤمن مسلم وليس كلّ مسلم مؤمنا بالضرورة [١٨].

المجموعة الثانية: الأحاديث الدالّة على أنّ الإيمان هو الاعتقاد القلبي الّذي تصدّقه الأعمال الصالحة، والإسلام هو ما يجري على اللسان ويهيّئ الأرضية لتنفيذ أحكامه الظاهرية مثل صحّة الزواج[١٩].

المجموعة الثالثة: الأحاديث الّتي تصرّح بأنّ الإيمان هو الإقرار المقترن بالعمل، والإسلام هو الإقرار بدون عمل[٢٠]

المجموعة الرابعة: الأحاديث الدالّة على أنّ الإسلام هو الإقرار والقيام بضروريات الدين مثل الصّلاة والصوم والحجّ. والإيمان يقتضي مضافا إلى ذلك ترك المعاصي وخاصّة الكبائر[٢١]

المجموعة الخامسة: ما دلّ على أنّ الإيمان هو الإقرار والعمل والنيّة، والإسلام هو الإقرار والعمل دون النيّة[٢٢]. والمراد من العمل بدون النيّة، العمل بظواهر الإسلام دون الاعتقاد القلبي بها ؛ لأنّ النيّة تصدر من الاعتقاد القلبي.

المجموعة السادسة: الأحاديث الدالّة على أنّ الإسلام ظاهر والإيمان في القلب[٢٣].

المجموعة السابعة: الأحاديث الّتي ذكرت الاختلاف بين الإسلام والإيمان في آثاره، أي تنفيذ الأحكام والقوانين في الدنيا، والأجر في الآخرة[٢٤].

يتّضح من خلال التأمل في هذه الأحاديث أنّ اختلافها ظاهري، وهي جميعا تشير إلى حقيقة واحدة.[٢٥]

إجابة على شبهة

قد تُطرح هنا شبهة مفادها أنّ كلمة الإيمان تُستعمل في الكتاب والسنّة ـ كما سبقت الإشارة إليه ـ في الإقرار اللساني مثل كلمة الإسلام. بناءً على ذلك، لا يوجد اختلاف في تعريف الإيمان والإسلام.

بعبارةٍ أُخرى، الاختلافات المذكورة تمثّل الاختلاف بين الإسلام والإيمان الحقيقي والظاهري، لا الاختلاف بين الإسلام والإيمان ؛ لأنّ الإسلام الحقيقي هو الإيمان الحقيقي نفسه، والإسلام الظاهري هو نفس الإيمان الظاهري.

وللجواب على ذلك نقول:

  1. إنّ الاستعمال يشمل الحقيقي والمجازي، بناءً على ذلك لا يمكن القول بعدم وجود اختلاف بين مفهومي الإيمان والإسلام استنادا إلى استعمال هاتين الكلمتين في معنيين متشابهين.
  2. يختلف الإيمان والإسلام من ناحية المفهوم اللغوي، ومن ناحية مفهومهما في الكتاب والسنّة، ومن ناحية الأحكام المترتبة عليهما.

أمّا من الناحية اللغوية، فقد أوضحنا من قبل أنّ الإيمان من مادّة «أمن» الّتي لها معنيان متقاربان، أحدهما: سكون القلب، والآخر التصديق، وكلاهما من فعل القلب، ولكنّ الإسلام يعني التسليم الّذي يشمل التسليم الظاهري والواقعي.

أما الكتاب والسنّة فقد صرّح القرآن والأحاديث الإسلامية أيضا ـ كما مرّ ذلك بالتفصيل ـ بأنّ للإيمان والإسلام معنيين، وأنّ الأحكام المترتّبة عليهما مختلفة أيضا. بعبارةٍ أُخرى، فإنّ الخروج من الإيمان لا يعني الدخول في الكفر، وهذا التدبير في التشريع هو من مظاهر الحكمة والرحمة في مدرسة الوحي.[٢٦]

الاختلاف بين الإيمان واليقين

اليقين لغةً: هو الاطلاع العميق والعلمي الّذي يقترن بِطمأنينة القلب وسكونه إلى المعلوم.

ويُطلق في الأحاديث على الحالة الّتي في قمّة مراتب الإيمان، فبعد اجتياز مرحلة التقوى نقطة تتجلّى فيها له حقائق الوجود، فهذه المرحلة من الإيمان هي اليقين. على هذا الأساس، فإنّ الشخص الّذي يصل إلى مرحلة اليقين العُليا، يشاهد الحقائق غير المحسوسة في العالم بعين قلبه.

ويتبيّن من هذا الإيضاح المراد ممّا روي عن الإمام المجتبى (ع) في بيان الاختلاف بين الإيمان واليقين، هذا هو نصّ الرواية: لِأَنَّ الإِيمانَ ما سَمِعناهُ بِآذانِنا وَصَدَّقناهُ بِقُلوبِنا، وَاليَقينَ ما أبصَرناهُ بِأَعيُنِنا وَاستَدلَلنا بِهِ عَلى ما غابَ عَنّا[٢٧].

بتعبير آخر: الإيمان يدخل القلب عن طريق الدليل والبرهان، واليقين عن طريق الشهود والعرفان.[٢٨]

ما يجب الإيمان به

الأُمور الّتي يجب الإيمان بها من منظار القرآن الكريم هي: الله والغيب والملائكة، الكتب السماوية والأنبياء والرسل وخاتم الأنبياء محمّد (ص) وما نزل على رسول الله والقيامة. وقد خصّصنا الفصل الثاني لبيان هذه الأُمور بشكلٍ إجمالي.

وهناك عدّة ملاحظات تلفت الانتباه في هذا المجال:

  1. إنّ الإيمان بالغيب وعدم انحصار الوجود في المحسوسات، هما أهمّ أصل في النظرة الدينية للعالم، وأوّل نقطة تفصل أهل الإيمان عن المجاهدين لله والوحي والقيامة، ولذلك فقد اعتبره القرآن أوّل خصوصية للمتّقين[٢٩].
  2. الإيمان بالله يشمل الإيمان بالتوحيد والعدل والصفات الإلهيّة الأُخرى أيضا.
  3. لزوم الإيمان بما نزل على رسول الله (ص) يحتمّ على أتباعه الإيمان بسائر الحقائق الّتي اعتُبر الاعتقاد بها ضروريا، مثل الإيمان بخاتمية نبوّته (ص)، وولاية أهل البيت (ع) والقضاء والقدر والمعراج والسؤال في القبر والجنّة والنار، كذلك الإيمان بالأعمال الّتي اعتبر أداءها واجبا، مثل: الصلاة والصوم والحجّ.
  4. كلّ ما يُعدّ الإيمان به واجبا في الإسلام يعود إلى أصلين: التوحيد والنبوّة. إلّا أنّ الإيمان بالعدل الإلهي وإمامة أهل البيت (ع) اعتبرت من أُصول الدين أيضا في مذهب أتباع أهل البيت (ع)، بالإضافة إلى الأصلين السابقين ؛ وذلك بسبب أهمّيتها ودورها في بناء الفرد والمجتمع. سوف نورد توضيحا أكثر في هذا المجال تحت عنوان «الدين» في المواضيع القادمة من موسوعة معارف الكتاب والسنّة.
  5. في الإيمان بالملائكة والأنبياء والرسل والكتب السماوية وأمثالها لا يلزم الاعتقاد بجزئياتها ـ كخصائص الملائكة، عدد الأنبياء وعدد الكتب السماوية ـ الّتي لا يوجد دليل قاطع عليها في الكتاب والسنّة، بل يكفي الاعتقاد الإجمالي بها.[٣٠]

قيمة الإيمان

لقد طرحت الأحاديث ملاحظات تستحقّ التأمّل في بيان قيمة الإيمان، مثل: «أحبّ الأشياء إلى الله» و«لا يعطيه إلّا من أحبّه» و«أعلى غاية» و«أعلى شرف» و«أفضل الذخيرة» و«ثمن الجنّة».

كما روى حول عظمة أهل الإيمان ومنزلتهم لدى الله تعالى أنّ: «قَلبُ المُؤمنِ عَرشُ الرَّحمنِ»، و «المُؤمِنُ أعظَمُ حُرمَةً عِندَ الله ِ مِنَ الكَعبَةِ ومِنَ المَلَكِ المُقَرَّبِ»، و «أطيَبُ الأشياءِ ريحا في الآفاقِ» و... كما أنّ حياة أهل الإيمان على الأرض تتمخّض عن بركاتٍ كثيرةٍ لنظام الوجود والمجتمع البشري.

ويتّضح من خلال التأمّل في الروايات الدالّة على قيمة الإيمان والمؤمن، أنّ جميع هذه الفضائل ليست لمطلق الإيمان والمؤمن، بل إنّ للإيمان درجات يعتمد مستوى قيمته عليها، فكلّما ارتقى المؤمن من الناحية الأخلاقية والعملية، بلغ مراتب أعلى من الفضائل المذكورة.[٣١]

مبادئ الإيمان

تمتدّ جذور الإيمان في فطرة الإنسان من وجهة نظر الكتاب والسنّة، وإنّ العقل والعلم والوحي تُسهم في ازدهار فطرة الإيمان في الظاهر والباطن. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ الأشخاص الّذين يتبعون حجّة العقل والوحي، تشملهم الهداية الإلهيّة الخاصّة، ويبلغون مراتب الإيمان العالية بتوفيق الله تعالى . سوف نلاحظ الآيات والروايات الدالّة على هذه الملاحظات في الفصل الرابع.

ثبات الإيمان وتزلزله

عن الملاحظة اللّافتة للانتباه والّتي حَظيت بالاهتمام في أحاديث أهل البيت (ع)، تقسيم الإيمان إلى ثابت وغير ثابت.

فالإيمان الثابت، هو الإيمان الّذي يرافق الإنسان دائما ويُسمّى الإيمان «المستقرّ»، والإيمان غير الثابت، هو الإيمان الّذي ينفصل عن الإنسان بعد فترة، لذلك يُسمّى «المستودع»، بمعنى أنّ جوهر الإيمان أودع لديه لفترة كأمانة، ولكنّه فقده لأنّه لم يستطع المحافظة عليه كما ينبغي.

ومن خلال التأمّل في هذه الملاحظة ينكشف لنا سرّ سياسي تاريخي مهمّ، وهو كيف أنّ الأشخاص المؤمنين المضحّين أعرضوا عن الإسلام الحقيقي بعد فترة، بل إنّهم وقفوا في وجهه وفي وجه المدافعين الحقيقيّين عن الإسلام؟!

إنّ من عوامل ثبات الإيمان ـ من منظار أحاديث أهل البيت (ع) ـ: الورع والانسجام بين الأقوال والأفعال والثبات والصمود في السير على طريق الحق والعمل الصالح ومساعدة البؤساء والاستمداد من الله تعالى .

كما أنّ من آفات الإيمان وعوامل تزلزله: الشرك والبدعة والغلوّ والعناد وترك التمسّك بولاية أهل البيت (ع) وإفشاء أسرارهم (ع) والكذب عليهم (ع) وتحليل المحرّمات الإلهيّة والهلع وعدم الحياء والحسد وإيذاء أهل الإيمان وتتّبع هفواتهم وإيذاء الجارّ وأنواع الذنوب الأُخرى بشكلٍ عام.

استلهم التعبير ب«المستقرّ» و «المستودع» من الآية ٩٨ من سورة الأنعام، ويبدو أنّ الروايات الّتي طبّقت هذه الآية على الإيمان الثابت والمتزلزل، أوضحت تأويل الآية لا تفسيرها.[٣٢]

مراتب الإيمان

اتّضح لنا أنّ الإيمان هو المعرفة والاعتقاد القلبي المقارن للالتزام العملي، ونظرا إلى أنّ كلّاً من العلم والعمل قابلان للزيادة والنقصان، وأنّ الإيمان يتألّف من هذين العنصرين، فإنّ الإيمان أيضا قابل للزيادة والنقصان، على هذا الأساس فإنّ اختلاف مراتب الإيمان ودرجاته بديهيّ ولا يقبل الشكّ. ويمكن أن نستخلص النتائج التالية من الآيات والروايات الّتي وردت في الفصل السادس بهذا الخصوص:

  1. دلّت ثمّة آيات من القرآن على كون الإيمان قابلاً للزيادة، وعلى الاختلاف بين درجات المؤمنين وتبعا لها فقد أيدت روايات أهل البيت (ع) بصراحة اختلاف مراتب الإيمان ودرجاته. على هذا، فإنّ ما نُقل عن أبي حنيفة وإمام الحرمين وأمثالهما من أنّ الإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان، إنّما هو كلام ضعيف لا قيمة له[٣٣].
  2. أدنى درجات الإيمان معرفة التوحيد والنبوّة والإمامة، والالتزام العملي بهذه الأصول الثلاثة[٣٤].
  3. يعمل المؤمن في ذروة الالتزام العملي بالمعتقدات الدينية إلى مرتبة التقوى، وفي ذروة مراتب التقوى يبلغ مرتبة اليقين، في هذه المرحلة تتجلّى الحقائق الغيبية للإنسان، ويرتقي إيمانه العلمي إلى الشهود القلبي.
  4. الطريق الوحيد للسير الصحيح والسلوك والارتقاء إلى مراتب الإيمان العليا وبلوغ قمّة اليقين هو السعي من أجل تحلّي الروح بالأخلاق الحسنة والأعمال الصالحة.
  5. من الخطورة بمكان، دعوة الناس إلى درجات الإيمان العليا والصعود إلى ذروة اليقين دون الأخذ بنظر الاعتبار استعداد المخاطب وقدرته على الاستيعاب، فما أكثر ما يؤدّي ذلك إلى انحرافه عن مسار الإيمان.[٣٥]

فوائد الإيمان وبركاته

للإيمان آثار و بركات فردية واجتماعية كثيرة لأهل الإيمان والمجتمع الإسلامي، وتتمثّل أُولى بركات الإيمان في البصيرة والهداية الإلهيّة، والتي تتمخض عن معرفته، بحقائق الوجود والنظرة الصحيحة للعالم، ويصبح على إثرها متمتّعا بخصائص أخلاقية اجتماعية وعملية ودينية قيّمة.

وبفضل الإيمان يتحرّر الإنسان من نير العبودية، وأصحاب الثروات والطغاة، وينجو من مصائد تزوير الشيطان والنفس الأمّارة، وينال بذلك السكينة والسعادة الأبدية وخير الدنيا والآخرة.[٣٦]

مضار عدم الإيمان

إنّ الضرر الأوّل من أضرار انعدام الإيمان هو الحرمان من الهداية الإلهيّة، وبالتالي الخطأ في النظرة إلى العالم. فالشخص العديم الإيمان يعتبر العالم فاقدا للغاية، على هذا الأساس فإنّ القيم الأخلاقية لا معنى لها بالنسبة إليه، لذلك فإنّه يقع بسهولة في مصائد الشياطين الباطنية والظاهرية، وينفتح أمامه طريق الابتلاء بأنواع المفاسد والمآثم الفردية والاجتماعية، وبالتالي فإنّ انعدام الإيمان لن تكون له نتيجة سوى الحسرة والندم. سوف نقدّم الآيات والروايات الدالّة على هذا المعنى في الفصل التاسع.

المسافة بين الإيمان والكفر

علينا هنا أن نجيب على هذا السؤال: فيجب القول ـ استنادا إلى ما مرّ في بيان العلاقة بين الجهل والكفر ـ إنّ هناك مسافة بين الكفر والإيمان، وإنّ الشخص الّذي يشكّ في أُصول الإسلام العقيدية ولكنّه لا ينكرها، ليس مسلما ولا كافرا، في حين أنّه لا مسافة بين الكفر والإيمان من الناحية الفقهية، فكلّ شخص غير مؤمن كافر؟

للجواب على هذا السؤال نقول: إنّ ما يخضع للدراسة في هذا الموضوع، هو العلاقة بين الجهل والكفر من حيث علم الدلالة لا من حيث الناحية الفقهية، صحيح أنّه لا مسافة بين الإيمان والكفر من الناحية الفقهية استنادا إلى النصوص الكثيرة الواردة في هذا المجال[٣٧]، ولكنّ هناك مسافة بينهما بالتأكيد من حيث علم الدلالة. ولكنّ الشاك ليس كافرا من حيث علم الدلالة، إلّا إذا أنكر أُصول الإسلام العقيدية، ولكنّه إذا لم ينكرها خاصّةً إذا كان بصدد التحقّق والعثور على الحقيقة، فلي س بكافر، بل يعتبر جاهلاً ومستضعفا من الناحية العقيدية.

على هذا الأساس، فليس هناك مسافة بين الكفر والإيمان من الناحية الفقهية، وكلّ شخص ليس بمؤمنٍ حقيقةً أو حكما، يعتبر كافرا، ولكن هناك مسافة بين الكفر والإيمان من حيث علم الدلالة، بعبارةٍ أُخرى فإنّ هناك من حيث علم الدلالة فرقا بين العالم والجاهل الّذي لا ينكر جهله والجاهل الّذي ينكر جهله، والكافر هو الجاهل الّذي لا ينكر جهله ويدّعي العلم.[٣٨]

المراجع والمصادر

  1. محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة

الهوامش

  1. معجم مقاييس اللغة: ج ١ ص ١٣٣.
  2. سورة يوسف، الآية ١٧.
  3. ترتيب كتاب العين: ص ٥٦.
  4. تهذيب اللغة: ج ١ ص ٢١٠ ؛ وراجع: لسان العرب: ج ١٣ ص ٢٣.
  5. القاموس المحيط: ج ٤ ص ٩٧.
  6. محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج٥، ص ١٤٩.
  7. راجع: المعجم في فقه لغة القرآن وسرّ بلاغته: ج ٣ ص ٦٢٩ ـ ٦٥٣ ونضرة النعيم: ج ٣ ص ٦٤١ ـ ٦٤٥.
  8. محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج٥، ص ١٥٠.
  9. راجع: ص ١٦٩ ح ٥١١٨.
  10. راجع: ص ١٧٠ ح ٥١٢١.
  11. راجع: ص ١٧١ ح ٥١٢٦.
  12. راجع: ص ١٧٥ ح ٥١٤٢.
  13. راجع: ص ١٧٨ ح ٥١٥٥.
  14. محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج٥، ص ١٥٧.
  15. سورة الأنعام، الآية ١٤.
  16. نهج البلاغة: الحكمة ١٢٥، معاني الأخبار: ص ١٨٥ ح ١، تفسير القمّي: ج ١ ص ١٠٠، بحارالأنوار: ج ٦٨ ص ٣٠٩ ح ١.
  17. سورة الحجرات، الآية ١٤.
  18. راجع: ص ١٧٩ (الإيمان يشارك الإسلام ولا عكس).
  19. راجع: ص ١٨٠ (الإيمان ما وقرته القلوب والإسلام ما جرى به اللسان).
  20. راجع: ص ١٨٣ (الإيمان إقرار وعمل والإسلام إقرار بلا عمل).
  21. راجع: ص ١٨٣ (اشتراط اجتناب الكبائر والصغائر في الإيمان).
  22. راجع: ص ١٨٥ (الإيمان إقرار وعمل ونيّة والإسلام إقرار وعمل).
  23. راجع: ص ١٨٥ (الإسلام علانية والإيمان في القلب).
  24. راجع: ص ١٨٦ (الأحكام على الإسلام والثواب على الإيمان).
  25. محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج٥، ص ١٥٨.
  26. محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج٥، ص ١٦٠.
  27. راجع: ص ١٩١ ح ٥١٨٤.
  28. محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج٥، ص ١٦١.
  29. راجع: البقرة: ٣.
  30. محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج٥، ص ١٦٢.
  31. محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج٥، ص ١٦٣.
  32. محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج٥، ص ١٦٤.
  33. راجع: الميزان في تفسير القرآن: ج ١٨ ص ٢٥٩.
  34. راجع: هذه الموسوعة: ج ٤ ص ١٨٩ (معرفة الإمام).
  35. محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج٥، ص ١٦٥.
  36. محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة (كتاب)|موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج٥، ص ١٦٦.
  37. مثل الآية ٦٧ من سورة النمل، والرواية ١٠ و ١١ من أُصول الكافي، ج ٢ ص ٣٨٦.
  38. محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج٥، ص ١٦٧.