الإمامة في القرآن

من إمامةبيديا

تمهيد

ليس بحث الإمامة في الإسلام بحثاً عقائدياً فحسب، بل هو في الواقع بحث حول تحديد:

  1. مفهوم الإسلام‌ أوّلًا وهو بحث حول واقع الإسلام ومصداقه التطبيقي‌.
  2. ثانياً، هذا عدا ما يترتب على مبحث الإمامة من النتائج الكلامية والفلسفية، والفقهية وغير ذلك على مستوى البحث النظري الأكاديمي.

فالنظرية التي تقول بالنصّ، تربط بين حياة الإنسان فرداً ومجتمعاً وبين ربّه ربطاً شاملًا يستوعب كلّ حركاته الإرادية والاختيارية ويفسّر العبودية للَّه‌تفسيراً يرى في عبودية الإنسان للَّه خضوعاً من الإنسان في كلّ ما يمكن أن يختار أو يريد، لإرادة الله سبحانه في كلّ ما يختار ويشاء.

ووفقاً لهذا التصور، فالإله ليس رباً يعبد بالطقوس والمراسيم المعتادة فحسب، وليس رباً محصوراً بين جدران المساجد والمعابد، وليس رباً كما يقدّس الشيوخ والجدود ويحصر في‌ الزمن الماضي البعيد ويحجر عليه أن يتصرف في الكون والإنسان الحاضر، وليس رباً أُسطورياً يعرف في القصص الأساطيرية التي تحكي الزمن الغابر.

كما أنّ إله هذا التصور ليس إله الموتى والعاجزين فحسب ولا إله المنكوبين والقاصرين فحسب، وليس ذلك الإله الذي لا شأن له بالإنسان وحياته الدنيا، وليس ذلك الإله الذي يقف مطلًا في أعالي السماوات يستعرض أحداث الأرض من غير أن يتدخّل فيها ولا ذلك الإله الذي حظر عليه أن يخاطب الإنسان إلّا بالموعظة الهادئة والحديث الرقيق خوفاً من أن يجرح عواطف الشرفاء من المستكبرين، والطغاة اللاعبين بمقدرات إنسان الأرض كما يشتهون.

وأما النظرية التي تزعم أن الله تخلّى عن إدارة الأرض وأهمل شأنها بعد عصر الوحي وبذلك تحجب السماء أن تتدخل في أمر القيادة بعد رسول الله (ص)، وتضع حداً للتدخل الإلهي في قيادة الإنسان بعد عصر الرسالة فإنّها تواجه تناقضاً مراً، لا تجد منه مفرّاً منطقياً بين التصوّر القرآني الواضح عن الله سبحانه وعبوديته الكاملة التامّة التي يهدف القرآن أن يربي الإنسان عليها ويقيم مجتمع العدل في الأرض على أساسها وبين إهمال أمر القيادة وتسييبها بعد الرسول الأعظم (ص) وفتح بابها على الحابل والنابل، ممّن لاتلازم بين سلوكهم وشريعة الله سبحانه وتعالى، ولا بين طاعتهم وطاعته سبحانه وتعالى.

ولو أنّ أحداً فتح عينيه على الأحداث التي حدثت بعد وفاة الرسول الأعظم (ص) وما أدّت إليه بعد ثلاثة عقود فحسب من سيطرة الطغاة على رقاب المسلمين، واستهتارهم بكرامة الناس، وما ارتكبوه من إبادة الصالحين واستئصالهم للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وتلاعبهم بمقدرات المجتمع الإسلامي وثرواته وخيراته، حتى انتهى الأمر بالأُمّة التي أعزّها الله بطاعته وأكرمها بنبيّه إلى‌ ما نجده في زماننا الحاضر من الذل الشامل والفرقة والتخلف وغير ذلك ممّا حذّرنا الله سبحانه تعالى منه إن أعرضنا عن دينه وعصينا رسوله.

لو فتح البصير عينيه على ما حدث للمسلمين بعد الرسول حتى انتهى بهم إلى‌ هذه النتيجة المرّة المستنكرة لكفاه دليلًا على فساد نظرية الإهمال والتّسييب في الإمامة والقيادة ولغدا على يقين من قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ۗ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ۚ سُبْحَانَ اللهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ * وَهُوَ اللهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَىٰ وَالْآخِرَةِ ۖ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ[١]

ولقد أدى حرص القادة الإلهيين بعد الرسول على أصل الرسالة ومستقبلها إلى‌ أن يسلكوا مع أصحاب السلطة اللا شرعية سلوكاً لا يؤدّي إلى‌ القضاء على أصل الرسالة والتشكيك في صدق المصدّع بها، ولقد كان موقف القادة الإلهيين بعد عصر الرسالة موقفاً صعباً، جعلهم بين أمرين أحلاهما مرّ، فإما أن يصرّوا على الإعلان على النصّ الإلهي الذي بيّن حقيقة الأمر في الإمامة بعد رسول الله، وأن يؤكّدوا على النصوص التي سمعها المسلمون من رسول الله ثم شهدوا مخالفة المقرّبين من رسول الله وانكارهم الصريح لها، فوهنوا عن الانتصار لها ولأهلها، أو أن يهملوا بيان ركن عظيم من أركان الدين وهو ركن القيادة والإمامة وفي هذا الإهمال تضييع للدين وتعريض لمستقبل المجتمع الإسلامي لكثير من الأخطار والعواقب الفاسدة التي لا يعلم مداها إلّا الله سبحانه وتعالى، ولكن إصرارهم على هذا الإعلان، وتحدّيهم السافر للمستبدّين بالسلطة الذين لم يتورّعوا عن الإجهار بمخالفة الرسول وهو حيّ حاضر والتشكيك في سلامة رأيه حين طلب منهم «أن يأتوا له بكتف ودواة ليكتب لهم كتاباً لن يضلّوا بعده‌أبداً» فواجهه بعضهم بالقول: «هجر رسول الله»[٢]، أو «غلبه الوجع ولا حاجة لنا إلى‌ كتاب، حسبنا كتاب الله»[٣]، كان يؤدي لا محالة إلى‌ إصرار المستبدّين بالسلطة على التشكيك ليس بالنصّ الذي يروى عن رسول الله فحسب، بل التشكيك في كلام رسول الله نفسه واتهامه بما ينافي عصمته وصدق إخباره عن الله سبحانه في كلّ ما يفعل ويقول، ولو صدر مثل هذا عن بعض من كان يُعدّ من المقرّبين عند رسول الله، لفتح باب التشكيك على رسول الله وعلى رسالته على مصراعيه، وكان في ذلك زوال الرسالة الإسلامية وانهدام أركان الدين من الأساس.

لكنّ إهمالهم لبيان هذا الركن الخطير من أركان الدين هو الآخر تعريض لمستقبل الإسلام والمجتمع الإسلامي لنتائج مرّة لا تقل خطراً عن أصل زوال الدين، فكان لابدّ أن يسلك القادة الإلهيّون مسلكاً وسطاً بين المسلكين يجنّبهم- من ناحية- خطر الصِدام بالسلطة ويضمن لهم من جانب آخر نشر الحقيقة التي نزل بها الوحي على رسوله الأمين بشأن الإمامة والقيادة فبدأوا- هم‌ والثابتون على الإيمان من صحابة رسول الله والمقرّبين لديه- يبثّون النصوص عن رسول الله بشأن الإمامة بعد رسول الله بثاً رقيقاً يتجنّبون به إثارة السلطة، وكان بعضها تطبيقاً لما ورد في هذا الشأن في كتاب الله، وبعضها الآخر نصوصاً بيّن فيها الرسول حقائق الوحي في قضية الإمامة ووضع فيها النقاط على الحروف.

وكان هذا هو الأُسلوب الذي اتّخذه القرآن الحكيم من قبل في الإعلان عن قضيّة الإمامة بعد رسول الله، فقد استخدم ربنا سبحانه وتعالى في كتابه العزيز فيما يخص شأن الإمامة بعد الرسول أُسلوباً خاصّاً يجمع بين البيان والوضوح لمن يطلب الحقيقة من جهة وبين تجنّب الصِدام المباشر، والمواجهة العارية من جهة أُخرى مع النفوس التي طالما طمحت إلى‌ السلطة بعد رسول الله وبقيت ترتقب ساعة الصفر لتنال ما تاقت إليه وحُرِمت منه من الرئاسة، وكان يثقل عليها أن تخضع لقيادة الأكفاء من الأئمة الصالحين من أهل البيت، الذين اصطفاهم الله للإمامة وطهّرهم عن الرجس تطهيراً.

ولو أنّ أحداً أمعن النظر في كتاب الله وأحسن التدبّر في آياته، وأزاح عن بصره حجب الهوى والعصبية لوجد في كتاب الله كمّاً هائلًا من الآيات البيّنات التي تتصدى لبيان الإمامة الإلهية في‌ كبرياتها وقواعدها تارة وفي صغرياتها ومصاديقها أُخرى، ولعرف بما لا يقبل الترديد أن جوهر التوحيد القرآني إنّما يتلخّص في الولاية والإمامة الإلهية المستمرة على مدى العصور، وفي كلّ مراحل حياة الإنسان وأدوارها منذ فجر التاريخ وحتى نهايته التي يرث فيها الله الأرض ومَن عليها[٤].

المبحث الأوّل: مفهوم الإمامة في القرآن الكريم‌

معنى الإمامة في القرآن الكريم: قيادة الإنسان إلى‌ ذروة الكمال الممكن له.

فالإمامة- كما يعرضها القرآن الكريم- ليست إمامة في الدين- بمعنى العبادات فقط، كما أنها ليست إمامة في الدنيا- أي ما سوى العبادات من أُمور الحياة- فحسب، وإنّما هي إمامة الإنسان في كلّ أفعاله الاختيارية، وبعبارة أُخرى: في‌كلّ فعل يقبل أن يكون عدلًا أو ظلماً سواء أكان اجتماعياً أم فردياً، دنيويّاً أم أُخروياً، وكلّ فعل يصحّ أن يوصف بحقّ أو باطل، أن يضلّ به الإنسان أو يهتدي.[٥]

مواصفات الإمامة في القرآن الكريم‌

ومن أجل تحديد مفهوم الإمامة في القرآن الكريم، ينبغي أن نشير إلى‌ أنّ الإمامة في القرآن الكريم لها ثلاث مواصفات:

الأُولى‌: إنّ الإمامة شامله لكلّ ما يختلف فيه الناس أي‌تشمل كلّ فعل إرادي، لأنّ الاختلاف إنما هو فرع الإرادة والفعل غير الإرادي لا يختلف فيه، فالموجودات غير الإرادية تتساوى وتتحد في أفعالها وآثارها. والإنسان إذ يختلف مع الآخر، ذلك لأنّ هذا يريد شيئاً وذاك يريد شيئاً آخر فيختلفان. هذا هو معنى الاختلاف فهو فرع الإرادة. أمّا إذا كان الفعل غير إرادي فلا يحصل فيه الاختلاف. بل يصبح عملًا رتيباً.
الثانية: إنّ الإمامة شاملة لكل ما يحتمل العدل أو الظلم.
الثالثة: لا فرق في الإمامة الإلهية بين الفرد والمجتمع وبين الأفعال الدنيويه والأُخروية والمعنوية والمادية، فهي شاملة للإنسان مجتمعاً وفرداً في كلّ أفعاله الاختيارية وسوف نجد في آيات القرآن ما يؤكد هذه المواصفات الثلاث في مفهوم الإمامة.

ثمّ إنّ هذا المفهوم الذي يحدّده القرآن الكريم للإمامة يكفي‌ بنفسه دليلًا على ضرورة النصّ على الإمام وأن يكون منصوباً من قِبل الله سبحانه تعالى، لأنّ الإنسان في أفعاله الاختيارية نحو الفضيلة والكمال الأسمى لا يمكن أن يعرف أهلها إلّا بالوحي والنصّ الإلهي قال تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ[٦]، وقال تعالى: ﴿بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ[٧].

ولنبدأ بمطالعة الآيات القرآنية الكريمة لنحدد من خلالها مفهوم الإمامة بمواصفاتها الثلاث، وبهذا الصدد سنتعرض إلى‌ مجموعة من آيات الكتاب:

يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۖ فَاللهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ ۚ ذَٰلِكُمُ اللهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ[٨].

إنّ هذه الآية تؤكّد بصراحة على مفهومين:

الأوّل: إنّ الله هو الوليّ وأنه لا يجوز للإنسان أن يتّخذ غيره وليّاً.
الثاني: إنّ كلّ ما يختلف فيه الناس فحكمه إلى‌ الله، وحينما نضمّ هذين المفهومين بعضهما إلى‌ بعض تنتهي إلى‌ أن الله وحده هو الوليّ وهو الحاكم ليس لغيره أن يتولّى أمر الناس أو يحكمهم، وأن ولايته وحكمه لا تنحصر في مجال خاص من مجالات حياة الإنسان، بل يشمل كلّ ما يختلف فيه، وما يختلف فيه هو كلّ فعل إرادي يختاره الإنسان حسب العوامل والملاكات التي توجّه إرادته، فإنّ الفعل الإرادي هو الّذي يختلف فيه الناس لاختلاف أهوائهم وحاجاتهم ومشاربهم والعوامل المؤثرة فيهم.

ثمّ إنّنا إذا ضممنا إلى‌ هاتين الآيتين آيتين أُخريين من سورة المائدة فسوف تتكامل عندنا صورة الإمامة القرآنية: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ* وَ مَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَ رَسُولَهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ[٩].

صرّحت الآيتان بأنّ ولاية الله ورسوله والذين آمنوا ولاية مطلقة غير محدودة، بمجال دون مجال، أو موضوع دون آخر.

وقال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ[١٠].

فقد جعل الله سبحانه وتعالى الإمامة هنا شامله كلّ ما يمكن أن يكون لهم فيه إمام، بجعل مطلق. فالآية تعني إنّي جاعلك إماماً في‌ كلّ شي‌ء يحتاج الناس فيه إلى إمام، ولم يقتصر على إمامة الدنيا، أو إمامة الآخرة، أو في الأُمور الاجتماعية، أو الفردية وغير ذلك.

وقال تعالى: أيضاً: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ[١١].

والخطاب موجّه إلى‌ الرسول (ص)، أي‌لتحكم بين الناس في كلّ ما يحتاجون فيه إلى‌ حكم، وهذا جعل مطلق أيضاً، غير مقيّد بأمر معيّن أو خاص، فهو يحكم بينهم في كلّ مسألة تطرأ لهم.

وقال تعالى أيضاً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ[١٢].

وأطيعوا هنا مطلق أيضاً، أي‌ في كلّ ما يأمرونكم به، ولم يحدّد أو يحصر موضوع الطاعة في أمر معيّن. إذن فالطاعة التي أُمرنا بها هي طاعة في كلّ شي‌ء يقبل الأمر والنهي.

ومن الجدير بالذكر أنّ القرآن الكريم لا يقل اهتمامه بالإمامة عن إهتمامه بالتوحيد، ولعلّ الآيات القرآنية الواردة في الإمامة لا تقل عمّا ورد في مجال التوحيد بل نجد في القرآن في كثير من الأحيان ذكر الإمامة والقيادة الإلهيّة بعد ذكر التوحيد كما في الآيات التالية: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرى‌ إِثْماً عَظِيماً* أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَ لا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا* انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَ كَفى‌ بِهِ إِثْماً مُبِيناً* أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَ الطَّاغُوتِ وَ يَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى‌ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا* أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَ مَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً* أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً* أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى‌ ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً* فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَ كَفى‌ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً* إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً* وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَ نُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا* إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‌ أَهْلِها وَ إِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً* يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْ‌ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَ الرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَ أَحْسَنُ تَأْوِيلًا* أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَ يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً* وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى‌ ما أَنْزَلَ اللهُ وَ إِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً* فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْساناً وَ تَوْفِيقاً* أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَ عِظْهُمْ وَ قُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً* وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً* فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى‌ يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً* وَ لَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَ لَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَ أَشَدَّ تَثْبِيتاً* وَ إِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً* وَ لَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً* وَ مَنْ يُطِعِ اللهَ وَ الرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً* ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللهِ وَ كَفى‌ بِاللهِ عَلِيماً[١٣].

ففي هذه الآيات بدأ القرآن الكريم بمفهوم التوحيد ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ[١٤] ثم انتقل إلى‌ موضوع الإمامة ممّا يؤكد أن التوحيد الإلهي لا يكتمل عملياً إلّا ضمن مسيرة الإمامة والقيادة الربانية.

وكثيراً ما نجد في القرآن الكريم تأكيداً على الإمامة فى أهدافها ومضمونها وحدودها وواجباتها ففي سورة الحديد يقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ[١٥].

فقيادتهم ورسالتهم وإمامتهم تهدف إلى‌ أن يقوم الناس بالقسط، وكلّ شي‌ء له دخل في أن يقوم الناس بالقسط، فهم أئمة فيه، لأنهم أُمِروا وأُرسلوا ليقوم الناس بالقسط، فكلّ ما يوفّر قسطاً للناس ويقرّ عدلًا، أو يرفع ظلماً عن الناس فهم أئمة فيه.

وكذلك الآيات التي تؤكد الطاعة للَّه‌ والرسول وللرسل جميعاً هي آيات مطلقة أيضاً.

قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ[١٦]. وقال تعالى عن لسان كبار الأنبياء والرسل وهم يخاطبون أُممهم: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ[١٧]. ولا توجد لدينا آية واحدة تدلّ في مضمونها على أنّه أطيعوني في أُمور الآخرة فقط، أو أطيعوني في أُمور ما بعد القبر، أو أطيعوني في العبادات فقط، وهكذا فلفظ أطيعوني المطلق يشتمل على أُمور الدين والدنيا.

قال الله تعالى عن لسان نبيّه صالح (ع): ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَ أَطِيعُونِ* وَ لا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ* الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَ لا يُصْلِحُونَ[١٨]. أي أطيعوني ولا تطيعوا المفسدين.

ففى هذه الآية يقول النبيّ صالح (ع) مخاطباً قومه بما تفسيره: إنني إنّما جئتكم لأقودكم في هذه الحياة ولأمسك زمام الأُمور ولأمنع من طاعة المستكبرين والمفسدين.

فالإمامة إذن حسب المفهوم القرآني، عبارة عن الرئاسة العامّة في أُمور الدنيا والدين، أو كما قلنا (قيادة الإنسان في أفعاله الاختياريّة إلى‌ ذروة الكمال المقصود)، هذه هي الإمامة حسب المفهوم القرآني.[١٩]

الإمامة وحقيقة التوحيد

ثم إنّ هناك آيات كثيرة في القرآن الكريم دلّت على أن الطاعة والولاية والأمر والسلطة بيد الله وحده، فليس له شريك في الحكم وليس له شريك في الأمر، فكما لا يجوز أن نشرك في عبادتنا له فنعبد الله ونعبد غيره، كذلك الطاعة، فلا يجوز أن نطيع الله ونطيع غيره.

فالطاعة للَّه‌ وحده، ومن هنا فلابد أن يعيِّن الله في خلقه إماماً تكون طاعته طاعة له، أي‌لابدّ أن يكون هناك إمام من الله يأمر الله بطاعته حتى يتحقق التوحيد في الطاعة للَّه‌سبحانه وتعالى بطاعة الإمام التي هي طاعة الله سبحانه وتعالى.

فحقيقة التوحيد في العبادة إنّما هي توحيد الطاعة للَّه‌سبحانه، ولا طريق إلى‌ توحيد الطاعة له سبحانه إلّا بإطاعة الإمام المنصوب من قِبل الله، والذي لا يأمر ولا ينهي إلّا بما يُرضي الله سبحانه وتعالى.

أما الآيات التي تدل على أنّ الطاعة لا تكون إلّا للَّه‌وأنّ الحكم والملك والأمر والولاية ليست إلّا بيده وهو الذي يختار للحكم والسلطة بين الناس من يشاء فكثيرة نشير إلى‌ بعضها:

فمنها: آيات العبادة كقوله تعالى: عن لسان أنبيائه: ﴿فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ أَفَلَا تَتَّقُونَ[٢٠].

وقوله تعالى أيضاً: ﴿وَ لَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَ اجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ[٢١].

والمقصود بالعبادة هو الخضوع للَّه‌ سبحانه والطاعة التامّة له وليس المقصود بها الطقوس والمناسك العبادية خاصّة.

ومنها: آيات الأمر كقوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ[٢٢].

فليس لأحد أن يأمر إلّا الله، وليس لأحد أي‌سلطة إلّا السلطة التي يعطيها الله سبحانه وتعالى إيّاه فهو الذي له حقّ الأمر قال تعالى: ﴿بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا[٢٣].

ومنها: آيات الحكم كقوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ[٢٤]. والآية: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ[٢٥]. والآية: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا[٢٦]

ومنها: آيات الملك كقوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ* مَلِكِ النَّاسِ[٢٧].

فالله هو الملك وهو الآمر والناهي وهو الحاكم ليس غيره، لكن ذلك لا يعني أن يباشر الحكم والقيادة والأمر والنهي بنفسه فانّه سبحانه ليس بشراً وليس جسماً يُرى‌ فلابدّ أن يحكم الناس‌ من خلال إنسان مثلهم يرونه ويراهم يأكل ممّا يأكلون منه ويشرب ممّا يشربون، ولابدّ أن يكون هذا الإنسان متّصفاً بمواصفات معيّنة تؤهله لكي يبيّن للناس حكم الله تعالى ويدعوهم إلى‌ طاعته ويقودهم إلى‌ مرضاته فتكون طاعة هذا الإنسان الإلهي- الذي يأتي إلى‌ الناس بالبيّنات والبراهين التي تدل على نصبه للحكم والقيادة من قبل الله سبحانه- طاعةً الله سبحانه والخضوع له في الحكم خضوعاً للَّه‌سبحانه وتعالى.

وما ذكرناه من أن السلطة الإلهية لا تعني الحكم الإلهي المباشر بل تعني الحكم الإلهي من خلال سفراء الله سبحانه ومن أذِنَ الله لهم بالحكم، ليس خاصّاً بالحكومات الإلهية بل الأمر كذلك في الحكومات البشرية أيضاً، فحين نقول مثلًا: إنّ فلاناً قائد الدولة وحاكمها ليس يعني ذلك أن حاكم الدولة وقائدها يباشر أُمور القيادة والحكم كلّها بنفسه، بل لابدّ أن يكون له أعوان وممثلون وأعضاء ووكلاء ومدراء وأجهزة تقوم بتنفيذ أوامره وإبلاغها وإدارة شؤون الناس على ضوئها.

فقول الناس فلان قائدنا لا يعني أن كلّ واحد منهم يتصل به بصورة مباشرة بل هو يعيّن أُناساً من قبله فيأمرون ويكون أمرهم كأمره وطاعتهم كطاعتهم للقائد الأعلى.

يقول تعالى: ﴿قُلِ اللهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ[٢٨]. فأنت الذي تعطي وتمنع هذا الملك، وليس هنالك غيرك من يؤتي وينزع هذا الملك، فلا يؤتيه غيرك، وتنزع الملك ممّن تشاء وتعزّ مَن تشاء، وتذلّ مَن تشاء بيدك الخير إنّك على كلّ شي‌ء قدير.

وفي سورة البقرة في قضية طالوت، قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَ نَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَ لَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَ زادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ وَ اللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَ اللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ[٢٩].

في هذه الآيات تصريح واضح بأنّ الملك الإلهي لا يمكن أن يختار له إلّا من قِبل الله سبحانه وتعالى،

قال تعالى: ﴿قَالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ[٣٠]. فهو الذي ينصب لملكه مَن يشاء وهو الذي يعيّن لملكه مَن يشاء وهو الذي يعطي الملك لمَن يشاء.

وقال تعالى‌ أيضاً: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ[٣١].

فالذي يقول إنّ لغير الله حقّ السلطة وحقّ التعيين والنصب وحقّ الأمر والنهي فقد جعل مع الله شريكاً في الملك، وهذا شرك في الطاعة وهو مرفوض بنصّ القرآن الكريم، نعم إن رأي الشعب واختياره ضروري لقيام السلطة الإلهية بمعنى ضرورة إلتفافهم حول القيادة الإلهية ونصرتهم لها لتتمكن القيادة الإلهية من إقامة العدل، فالسلطة الإلهية وسلطة الأنبياء إنّما تجد طريقها إلى‌ التطبيق من خلال إرادة الناس ونصرتهم للقيادة الإلهية، لكنّ مصدر شرعية الملك والسلطة إنّما هو الله سبحانه فالملك ليس إلّا للَّه‌وحده وهو الذي يختار له مَن يشاء.

وقد يكون الحاكم منصوباً من قِبل الله سبحانه وتعالى ولا يطيعه الناس ولا ينصرونه ولا يخضعون لقيادته لكن ذلك لا يسلب منه الشرعيّة التي أعطاها الله إياه بتنصيبه لحكم الناس فهو الحاكم الشرعي والإمام الحقّ وإن لم يتح له ممارسة الحكم عملياً لعدم إنصياع الناس له وعدم نصرتهم إيّاه.

إنّ رأي الناس ضروري في إعطاء القوّة وتنفيذ الحكم، وليس رأي الناس هو الذي تدور عليه شرعية الحاكم، فلا تدور الشرعية مدار الناس وإنّما الذي يدور مدار الناس والشعب إنّما هو نفوذ سلطة الحاكم وقدرته وقيام حكمه وتحقّق حكومته في الخارج، ولولا إطاعة الناس للحاكم ونصرتهم له لما استطاع أن يقيم الحكم، مهما كان هذا الحاكم صالحاً وحقّاً في حكومته.

وهذا فارق أساس بين الرؤية الإلهية وبين الرؤية المادية التي لا تعتقد بإله في هذا الكون، فنحن نقول: هنالك حقّ وعدل قبل أن يختار الناس، وعلى الناس- حسب ما يحكم به الوجدان العقلي والضمير الإنساني- أن يختاروه، أمّا الرؤية الماديّة فلاترى عدلًا أو حقاً قبل اختيار الناس، وهذه الرؤية المادية نسف للأخلاق والقيم من جذورها، فإذا أنكرنا أن يكون حقّ وعدل قبل اختيار الناس فلا وجود لقيم أخلاقية أو مُثل عليا تستحق أن يتّبعها الناس وأن يدعو إليها المصلحون، وإنّما القيم والمثل هي ما أختاره الناس مهما كانت وأيّاً كانوا فلو اجتمع الناس على قتل الصالحين والأنبياء بإغراء من المفسدين والمستكبرين، كما حصل في كثير من أدوار التاريخ، فليس ذلك بمستنكر أخلاقياً، لأنّ ذلك ممّا أراده الناس وكلّ ما يريده الناس فهو حقّ ومشروع وبذلك تنتهي مهمّة المصلحين والأخلاقيين والتربويين، وتستنفذ الأخلاق والقيم أغراضها في المجتمع الإنساني، فليس وراء الواقع الإنساني فردياً كان أو اجتماعيّاً غاية يطلبها المصلحون، أو مقصد يدعو إليه الأخلاقيون والتربويّون!

ومهما يكن من أمر فإنّ من أوضح ما يحكم به الوجدان الأخلاقي والضمير الإنساني وجود قيم ومُثل سابقة على الإرادة الإنسانيه يعبّر عنها بالحقّ والعدل، وهذه المُثُل والقيم هي الملاك والمعيار الأساس للشرعيّة، وهي متمثّلة في الإرادة الإلهية، ومن أجل ذلك فالإرادة الإلهية هي التي تصلح لكي تكون مصدر الشرعية في الحكم والسلطة مطلقاً. وهذا هو الذي تؤكّده الآيات القرآنية التي أسلفناها وغيرها كما في الآيات التالية:

﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ[٣٢]. ﴿فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ[٣٣]. ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ[٣٤]. ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ[٣٥]. الملك كلّه بيد الله وهو المَلِك الذي ليس في الكون مَلِك حقّ غيره.

وليس هذا المُلك ملكاً أُخروياً فحسب بل المُلك للَّه‌مطلقاً في الدنيا والآخرة وهذا هو الذي تدل عليه الآيات التي ذكرناها وهناك الكثير من الآيات تصرّح بذلك تصريحاً لا يقبل التأويل كقوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ[٣٦].

وقوله تعالى: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ ۖ وَلَهُ الْحُكْمُ[٣٧].

وقوله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ۚ ذَٰلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ ۚ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ[٣٨].

وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ[٣٩].

إذن فالآيات التي أشرنا إليها وغيرها ممّا هو كثير في القرآن الكريم تؤكّد على توحيد الطاعة للَّه‌وأنّ حقيقة التوحيد إنّما هي توحيد الطاعة له سبحانه وتعالى، وأنّ التوحيد في العقيدة والعبادة لا يتم إلّا بتوحيد الطاعة للَّه‌سبحانه.[٤٠]

الإمامة والطاعة

للنبي (ص) مهمتان من جانب الله تعالى:

  1. يتلقى الوحي من لدن الله تعالى ويبلغ الناس برسالات الله ووحيه.
  2. القيادة والولاية والحاكمية وإقامة دين الله في حياة الناس.

أما المهمة الأولى فإنّ دور رسول الله (ص) فيها هو التبليغ والأداء والتوجيه.

يقول تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ[٤١].

ويقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ[٤٢]

وهو أمر يخص النبوة والرسالة فقط دون الإمامة.

وأمّا المهمة الثانية فهو الحكم في الناس والنهوض بأعباء بمسؤولية تنظيم الحياة الاجتماعية طبقاً لحدود الله تعالى وتعبيد الناس لله وقيادة الناس إلى شريعة الله.

يقول تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ[٤٣].

ولقد كان رسول الله (ص) ينهض بكل شؤون الحكم في مجتمع المدينة، يدير القضاء والجهاد والشؤون المالية، ويطلب من الناس الطاعة والانقياد.. ويوم هاجر رسول الله (ص) إلى المدينة، وأشرف بنفسه على كل شؤون الولاية في مجتمع المدينة لم يستغرب أحد من المهاجرين والأنصار هذا التعامل الجديد والمباشرة لشؤون الحكم والولاية والمطالبة بالطاعة المطلقة.. فقد كانوا يفهمون هذه الحقيقة من هذا الدين ومن سيرة رسول الله (ص) بشكل واضح.

كما أن أعداء الإسلام والذين كانوا يعلنون الحرب على الإسلام في مكة كانوا يعرفون جيداً هذه الطبيعة الحاكمة والقائدة لهذا الدين، ويعلمون أن الإسلام لو تقدم في الجزيرة فإن رسول الله (ص) هو الحاكم والقائد في المجتمع دونهم، وأن رسول الله (ص) يتولى شؤون الولاية والحكم في المجتمع من دونهم بأمر من الله تعالى.

كل هذه الحقائق كانت واضحة في تعاليم الإسلام وفي سيرة رسول الله (ص) للمؤمنين ولأعداء الإسلام على نحو سواء.[٤٤]

النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم

لقد كانت هذه الحاكمية بالطريقة التي أعلنها القرآن شيئاً جديداً في المجتمع الجاهلي ذلك اليوم.. وعلى رغم كثرة الأنظمة التي تعاقبت منذ ذلك اليوم إلى اليوم الحاضر في الحياة الجاهلية فلا تزال طريقة الإسلام في الحكم جديدة على كل الأنظمة البشرية.

فإن آخر ما توصل إليه الناس في طريقة الحكم هو الديمقراطية.. وهذا النظام ينبع عن عقد اجتماعي غير مكتوب فيما بين الناس أنفسهم لتنظيم حياتهم، يتنازل الناس فيه عن جزء من حرياتهم للهيئة الحاكمة ويتولى الحاكم الحكم في المجتمع بموجب هذا الحق والصلاحية الممنوحة له من قبل الناس أنفسهم، وينفذ حكم الأكثرية فيه على الأقلية.[٤٥]

نقد المذهب الديمقراطي الحديث

إذا نظرنا في هذا الأسلوب البشري المتطور من الحكم. نلتقي بالنقاط التالية المثيرة للشك والجدل.

  1. لا وجود في هذه النظرية لشيء اسمه حاكمية الله، ولم يوضح لنا اصحاب هذه النظرية هل ينفون سلطان الله على الإنسان‌؟ أم يقولون إن الله تعالى تنازل عن سلطانه لهم ويبقى هذا السؤال من دون جواب للذين يؤمنون منهم بالله تعالى وسلطانه على الكون والإنسان.
  2. تعتبر هذه النظرية الإنسان مصدر السيادة والسلطة في النظام، ثم لا يوضح اصحاب هذا الرأي من أين اكتسب الإنسان هذا الحق‌؟
  3. تتحكم الأكثرية في حياة الأقلية ومصيرها بشكل كامل.. بل ان النظام يخضع للضوضاء وللرأي العام بعيدا عن الضوابط الموضوعية كثيراً.
  4. الأصل في هذا النظام الحرية المطلقة للإنسان ولا يتنازل الإنسان للنظام عن حريته إلاّ بأقل ما يمكن أن يؤمن له مصالحه الاجتماعية.. هذا اذا طبق النظام الديمقراطي في صورته المثالية التي يطرحه منظروا هذا النظام، ولا يوضح لنا اصحاب هذه النظرية من الذي منح الإنسان هذه الحرية المطلقة التي لا يحدها شيء إلاّ مصلحة النظام الاجتماعي.

والأمر في الولاية والحاكمية في النظام الإسلامي يختلف اختلافاً كبيراً عن هذه الأطروحة البشرية في الحكم.

  1. إن الحاكمية والسيادة والسلطان في النظام الإسلامي لله، لا يشاركه فيها أحد من دونه عزّ شأنه، وهي حاكمية مطلقة ليس فيها قيود وحدود.
  2. وحاكمية أولياء الأمور وأئمة المسلمين ونوابهم امتداد لحاكمية الله، ومصدر السيادة والسلطان والحاكمية في النظام الإسلامي هو الله عزّ اسمه. وليس لأحد من دون الله سلطان.
  3. وسيادة الإمام وحاكميته المستمدّة من جانب الله ليست نابعة من حاكمية الإنسان على نفسه، وليست محكومة لها، وإنما هي حاكمة عليها وأقوى منها، ذلك أنها مستمدّة من سلطان الله تعالى. وسلطان الله التشريعي على الإنسان قبل سلطان الإنسان على نفسه وأولى من سلطان الإنسان على نفسه. ولذلك فان القرآن الكريم يطرح سلطان النبي (ص) التشريعي على الأمة بهذه الصيغة الفريدة. ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ[٤٦].
  4. والأكثرية والأقلية في هذا النظام سواء في الخضوع والانقياد لقرارات الشريعة وولي الأمر.
  5. والأصل في هذا النظام ليس الحرية وإنما العبودية لله تعالى، ويستعمل الإنسان حريته من خلال مقررات النظام وأجازاته واباحاته.[٤٧]

المراجع والمصادر

  1. محسن الأراکي، نظرية النص على الإمامة في القرآن الكريم
  2. محمد مهدي الآصفي، الإمامة في القرآن

الهوامش

  1. سورة القصص، الآية 68-70.
  2. البخاري باب جوائز الوفد من كاب الجهاد: 2/ 120، وكتاب الوصية من صحيح مسلم‌باب ترك الوصية.
  3. البخاري كتاب العلم، باب كتاب العلم: 1/ 22- 23.
  4. محسن الأراکي، نظرية النص على الإمامة في القرآن الكريم، ص27-33.
  5. محسن الأراکي، نظرية النص على الإمامة في القرآن الكريم، ص37.
  6. سورة النجم، الآية 32.
  7. سورة النساء، الآية 49.
  8. سورة الشورى، الآية 9-10.
  9. سورة المائدة، الآية 55-56.
  10. سورة البقرة، الآية 124.
  11. سورة النساء، الآية 105.
  12. سورة النساء، الآية 59.
  13. سورة النساء، الآية 48-69.
  14. سورة النساء، الآية 48.
  15. سورة الحديد، الآية 25.
  16. سورة آل عمران، الآية 32.
  17. سورة الشعراء، الآية 150.
  18. سورة الشعراء، الآية 151.
  19. محسن الأراکي، نظرية النص على الإمامة في القرآن الكريم، ص38-46.
  20. سورة الأعراف، الآية 59.
  21. سورة النحل، الآية 36.
  22. سورة الأعراف، الآية 54.
  23. سورة الرعد، الآية 31.
  24. سورة الأنعام، الآية 62.
  25. سورة الأنعام، الآية 57.
  26. سورة الكهف، الآية 26.
  27. سورة الناس، الآية 1-2.
  28. سورة آل عمران، الآية 26.
  29. سورة البقرة، الآية 247.
  30. سورة البقرة، الآية 247.
  31. سورة الإسراء، الآية 111.
  32. سورة الإسراء، الآية 111.
  33. سورة طه، الآية 114.
  34. سورة التغابن، الآية 1.
  35. سورة الملك، الآية 1.
  36. سورة فصلت، الآية 31.
  37. سورة القصص، الآية 70.
  38. سورة فاطر، الآية 13.
  39. سورة البقرة، الآية 247.
  40. محسن الأراکي، نظرية النص على الإمامة في القرآن الكريم، ص46-55.
  41. سورة النحل، الآية ٤٤.
  42. سورة الجمعة، الآية ٢.
  43. سورة النساء، الآية ١٠٥.
  44. محمد مهدي الآصفي، الإمامة في القرآن، ص٣٣-٣٥ .
  45. محمد مهدي الآصفي، الإمامة في القرآن، ص ٣٥-٣٦.
  46. سورة الأحزاب، الآية ٦.
  47. محمد مهدي الآصفي، الإمامة في القرآن، ص ٣٦-٣٨.