الحكومة في نهج البلاغة

من إمامةبيديا

تمهيد

الموضوع هنا يدور حول ثلاث نقاط:

  1. أنه لا تصح مقارنة بين علي (ع) وبين غيره.
  2. ما وجهه الإمامُ (ع) من انتقاد لمن تولى الحكم قبله بعد رحلة الرسول (ص)
  3. أن الإمام (ع) تتوفر فيه المؤهلات ولديه الحجج التي احتجوا بها ليتسلموا الحكم، بل عنده من الحجج ما يزيد عليهم أيضاً.[١]

أولاً: المقارنة بين علي (ع) وغيره

منصب الإمامة بالغ الخطورة والأهمية وهو يشغل مقام النبي (ص)، وذلك أن كلمة «إمام» تعني قائداً للأمة يهدي الناس إلى سواء السبيل ويكون حجة عليهم، لذلك لا بد وأن يكون الإمام مميزاً عن الكل في مستواه العلمي والعقلي والإيماني وما إلى ذلك من كمالات.

وكما عني الإمام (ع) بأحقيته في الإمامة والنص عليه بها وأقام الدليل على ذلك، نجده أيضاً عني وصرح بأنه لا تصح مقارنة بينه وبین غیره، وما ذاك إلا لبيان أحقيته بالإمامة ودليل ومؤهل آخر يجعله أحق بالإمامة، وليس هذا التصريح من باب الفخر بل هو بيان للحقيقة، ولا مجال هنا للتواضع والتنازل فإن الإمامة أساساً حق الله تعالى، وقد صرح الإمام بعدم صحة المقارنة بينه وبین غیره في خطبه وفي كتبه خاصة إلى معاوية، ومن ذلك ما يلي:

١. قال (ع)[٢]:
«لاَ يُقَاسُ بِآلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ مِنْ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ أَحَدٌ»: وهذا تعبیر جازم وصريح بأنه لا تصح مقارنة بین آل محمد وسواهم، هذا والإمام سيد آل محمد فهو نفس النبي وأبو السبطين ووالد الأئمة الطاهرين (ع) أجمعين، وليست هذه الأفضلية لآل محمد بشرف النسب بل يعني الإمام بالمقاييس الصحيحة وما به التفاضل، فلا يقاس بهم أحد في علم أو إيمان أو نزاهة، ولهذا لا تعني هذه الكلمة كلّ آل محمد وفي كل مجال وفضيلة بل تعني من استحق ذلك بما يملك من كمالات، ولهذا فالقريب من محمد من قرَّبه عمله، والبعيد عن محمد من أبعده عمله وإن قرَّبه نسبه.
«وَلاَ يُسَوَّى بِهِمْ مَنْ جَرَتْ نِعْمَتُهُمْ عَلَيْهِ أَبَداً ...»: ولعل الإمام يشیر إلى أمور بعيدة باعتبار أن نعمة الخلق ونعمة المعرفة والهداية التي أفاضها الله على البشر إنما هي ببركات محمد وآله عليه وعليهم الصلاة والسلام، فهم من جهةٍ علة الخلق، ومن جهةٍ أخرى ظاهرةٍ هم الذين جاهدوا لإيصال المعرفة والهداية إلى الناس فكانت دعوة الرسول وكان جهاد عليٍّ بفكره وسيفه في سبيل الدعوة.
فعليٌ نفسه كان مؤسساً ورائداً للجهاد في سبيل نصرة الدعوة وإيصالها إلى الناس، وما بالك بقول النبي في يوم الخندق: «لَضَرْبَةُ عَلِيٍّ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ اَلثَّقَلَيْنِ»[٣]، وذلك لأنه لولا أن الإمام برز وجدَّل أعداء الإسلام لقُضيَ على الإسلام والمسلمين بحسب الأسباب الطبيعية، ولم يصل الإسلام إلى ذلك الجيل والأجيال التي تلَتْه إلى يوم القيامة ولم يكونوا ليعرفوا العبادة وسائر تعاليم الإسلام، لذلك فهم مَدِينون لتلك الضربة وذلك الموقف الذي نمَّ عن جهاد خاص من أجل إيصال الدعوة إلى الخلق.
٢. وفي الخطبة الشقشقية، قال(ع)[٤]:
«مَتَى اِعْتَرَضَ اَلرَّيْبُ فِيَّ مَعَ اَلْأَوَّلِ مِنْهُمْ حَتَّى صِرْتُ أُقْرَنُ إِلَى هَذِهِ اَلنَّظَائِرِ»: فإنه من المعلوم أن صيغ التفاضل إنما تصح إذا كان بین الشيئين أو الشخصين جهة مشتركة يمكن معها المفاضلة كأن يكون شخصان غنيین فنقول هذا أغنى من هذا أو كلاهما مؤمنَین فنقول هذا أشد إيماناً من هذا، ولكن لا نقول إن هذا المؤمن أشد إيماناً من ذلك الكافر لعدم وجود جهة الاشتراك أصلاً، والإمام هنا يركز على هذه النقطة وأنه لا يقبل بالمقارنة بينه وبن غیره لأنها لا تصح أصلاً، ولم يكن هناك شك يمكن أن يرِدَ في فضله وعدم مقارنته بالأول منهم بالذات، وما ذَكَرَ الإمامُ (ع) الأولَ منهم إلا لأنه أول من حكم لا لميزة فيه أو أنه أفضل من غیره أو لشيء آخر، ولذلك يخطيء أهل السنة كثیراً حین يرتبون الحكام بعد النبي (ص) في الأفضلية بحسب ترتيبهم في تولي الحكم فيكون الأول أفضل من الثاني، والثاني أفضل من الثالث، بل إن بعضهم يبالغ كثیراً في الخطأ فيفضل من جاء إلى الحكم أولاً حتى في الشجاعة فيكونون كلهم أشجع من الإمام (ع)، وهذا النوع من المقاييس مما لا ينبغي الإجابة عنه أصلاً، فالإمام إذن يستنكر وبشدة مقارنته بغیره.
٣. وفي كتاب وجهه إلى معاوية، قال(ع)[٥]:
«فَيَا عَجَباً لِلدَّهْرِ إِذْ صِرْتُ يُقْرَنُ بِي مَنْ لَمْ يَسْعَ بِقَدَمِي وَلَمْ تَكُنْ لَهُ كَسَابِقَتِي اَلَّتِي لاَ يُدْلِي أَحَدٌ بِمِثْلِهَا إِلاَّ أَنْ يَدَّعِيَ مُدَّعٍ ...»: فإذا كان التفاضل بالسبق في الفضائل فليس لغیره مثل الذي له (ع)، وقد أوردنا في درس سابق[٦] شيئًا من النواحي البلاغية في هذا النص الشريف.
وأخیراً أود أن أذكر نصین حول هذه النقطة لم يذكرهما الشريف الرضي في النهج وقد ذكرهما ابن أبي الحديد في شرحه للنهج، وهذان النصان هما[٧]:
: النص الأول: قال له عثمان في كلام تلاحيا فيه حتى جرى ذكر أبي بكر وعمر: أبو بكر وعمر خیر منك، فقال: «أَنَا خَيْرٌ مِنْكَ وَ مِنْهُمَا عَبَدْتُ اَللَّهَ قَبْلَهُمَا وَعَبَدْتُهُ بَعْدَهُمَا».
فهو (ع) لم يفخر بحسب أو نسب أو شيء مما يتفاخر به أهل الدنيا وإنما افتخر بعبادة الله تعالى وسبقه إلى ذلك في فترة لم يكن أحد منهم يعرف عبادة الله تعالى.
: النص الثاني: قال (ع): «كُنتُ في أيّامِ رَسولِ الله ِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ كَجُزءٍ مِن رَسولِ الله ِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ، يَنظُرُ إلَيَّ النّاسُ كَما يُنظَرُ إلَى الكَواكِبِ في اُفُقِ السَّماءِ، ثُمَّ غَضَّ الدَّهرُ مِنّي، فَقُرِنَ بي فُلانٌ وفُلانٌ، ثُمَّ قُرِنتُ بِخَمسَةٍ أمثَلُهُم عُثمانُ، فَقُلتُ: وا ذَفَراه! ثُمَّ لَم يَرضَ الدَّهرُ لي بِذلِكَ حَتّى أرذَلَني، فَجَعَلَني نَظيرا لِابنِ هِندٍ وَابنِ النّابِغَةِ، لَقَدِ استَنَّتِ الفِصالُ حَتَّى القَرعى».
ومن الملاحظ أن الإمام يصرح بالأسماء أحياناً ولكن بعض الكتاب لا يجرؤون على إيراد الاسم الصريح أو أنهم احتراماً للشيخين يقولون: فلان وفلان، فالإمام (ع) يصرح أن مقارنته بالأول والثاني غضٌ لحقه وفضله وأنها لا تصح أساساً، ثم أنزله الدهر حتى قُرِنَ بالخمسة في شورى عمر، ثم لم يرضَ الدهر حتى أنزله وقرنه بابن هند معاوية وابن النابغة عمرو بن العاص، والمثل الذي أورده الإمام (ع) يضرب لمن يرعى أمراً فوق مستواه أو ينال ما ليس له، فالإمام إذن يضمِّن آهاته وحسراته بسبب هذه المقارنة بينه وبین من لا تليق المقارنة به.[٨]

ثانياً: الانتقاد

اشارة ومسألة الانتقاد مما ابتلي بها المسلمون فتحجرت عقول بعضهم عندها، وكان للتعصب دوره الكبیر في الإصرار على عدالة كل الصحابة، وأن رسول الله (ص) استغفر لأهل بدر، وأن الله اطلع على قلوبهم فقال افعلوا ما شئتم... وجرت خطوب السياسة فأوقفت العقول وحرمت الحديث وانتقاد أيِّ فردٍ رأى النبي (ص) بأي نحو كان، وهذا ظلم للحقيقة وجور على الحق، ومن هنا تكمن الأهميةالبالغة لأحاديث الإمام (ع) بهذا الصدد، فهو -كما عبرنا مراراً- أصدق المؤرخین وأقربهم إلى تلك الأحداث وذلك الصراع، فنجد أنه بكل لباقة من جهة، وبكل وضوح وجرأة من جهة أخرى تحدث في هذا المجال وانتقد ممارسات الحاكمین وأشار إلى افتقارهم لمؤهلات الحكم وخلافة الرسول (ص) وشغل ذلك المنصب الجليل، فانتقد الثلاثة: أبا بكر وعمر وعثمان، وشخصيات أخرى.

وقد أوجد ذلك الانتقاد وخاصة الخطبة الشقشقية شجًى وقذًى عند أعداء أمیر المؤمنین (ع) أو المتعصبین لتلك الشخصيات، فحاولوا إبعاد ذلك الانتقاد لكي لا يأخذ أثره الكبیر، وكان من نتائج ذلك الطعن في نسبة النهج إلى الإمام (ع)، وقد أجبنا عن ذلك، ومن أحاديثه (ع) بهذا الصدد ما يلي: [٩]

قوله (ع) في الخطبة الشقشقية

قال (ع) في الخطبة الشقشقية أيضاً[١٠]:

١. أبو بكر:
«أَمَا وَاللهِ لَقَدْ تَقَمَّصَهَا فُلَانٌ وَإِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّي مِنْهَا مَحَلُّ الْقُطْبِ مِنَ الرَّحَي يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ وَلَا يَرْقَي إِلَيَّ الطَّيْرُ».
وقد قلنا إنه في بعض النسخ تصريح باسم ابن أبي قحافة، وعلى كل فالمعني بالأمر معروف، كما قلنا إن معنى تقمصها أي لبسها كالقميص، فالإمام ينتقد وبوضوح هذا العمل لأن الذي اغتصب الخلافة كان يعلم تماماً أن الإمام (ع) أولى بها فهو لها كالقطب في الرحى قريب منها ولائق بها ولا تصلح إلا به، ويلاحظ تمام الأدب والسمو في عبارات الإمام (ع).
«فَسَدَلْتُ دُونَهَا ثَوْباً وَطَوَيْتُ عَنْهَا كَشْحاً»: فمن كان يرى الحكم بل الدنيا كورقة في فم جرادة، ومن كانت الخلافة عنده كالنعل البالية لا قيمة لها- لا بد وأنه يزهد فيها لِذَاتِها ولا يطلبها إلا ليقيم الحق.
«وَطَفِقْتُ أَرْتَئِي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَدٍ جَذَّاءَ، أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْيَةٍ عَمْيَاءَ»: فإن الإمامة حق الله تعالى، والإمام يعلم أن الواجب عليه أن يسترجعها، ولكنه لم يفعل ذلك لقلة الناصر ولخوفه على الإسلام من أعدائه الذين كانوا يتربصون به في تلك الفترة العصيبة ويستغلون خلاف المسلمين للقضاء على الإسلام والمسلمين، ولأسباب أخرى، ولذلك صبر الإمام محتسباً وتجرع الغصص حتى لقي ربه.
٢. عمر:
«حَتَّى مَضَى اَلْأَوَّلُ لِسَبِيلِهِ فَأَدْلَى بِهَا إِلَى فُلاَنٍ بَعْدَهُ ثُمَّ تَمَثَّلَ بِقَوْلِ اَلْأَعْشَى: شَتَّانَ مَا يَوْمِي عَلَى كُورِهَا *** وَ يَوْمُ حَيَّانَ أَخِي جَابِرِ، فَيَا عَجَباً بَيْنَا هُوَ يَسْتَقِيلُهَا فِي حَيَاتِهِ إِذْ عَقَدَهَا لِآخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ لَشَدَّ مَا تَشَطَّرَا ضَرْعَيْهَا»: وهذا غاية البلاء أن يغتصب الأول الخلافة ثم يطلب الاستقالة منها لعلمه أنها ليست له، ومع ذلك فهو يعطيها للثاني بعد مماته وحتى دون استشارة أحد، وكأنها حقه وملكه، فأصبحت الخلافة كالبقرة الحلوب شَطْرٌ لأبي بكر وشطرٌ لعمر، وقد أورد التأريخ أن عمر هو أول من بايع أبا بكر وهو الذي عقد له البيعة ومكَنه من الخلافة، ولذلك يستدل بعض علماء السنة بذلك على صحة عقد الخلافة لشخص إذا بايعه ولو شخص واحد، ثم كافأ أبو بكر عمر على ذلك فأعطاه الخلافة بعده. ولكن لمن أعطاها؟
«فَصَيَّرَهَا فِي حَوْزَةٍ خَشْنَاءَ»: فقد عُرِفَ عمر بالخشونة والشدة حتى أن ابن أبي الحديد قال متحدثاً عن عائشة: «ولو كانت فعلتْ بعمر ما فعلتْ بهِ، وشقَّتْ عصا الأمةِ عليه ثم ظفرَ بها، لقتلَها ومزَّقها إرباً إرباً، ولكنَّ عليًّا كان حليماً كريماً»[١١]، واعتذر ابن أبي الحديد أيضاً لعمر بأن هذه الشدة والفظاظة فيه غريزة جُبِلَ عليها.
«يَغْلُظُ كَلْمُهَا...»: أي يشتد جَرحها للأمة.
«وَ يَكْثُرُ اَلْعِثَارُ فِيهَا...»: أي الخطأ والزلل فيها وتلك نتيجة عدم العلم، ولهذا أُحصيِ لعمر سبعين مرة أو أكثر يقول فيها: لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن، ولولا علي لهلك عمر[١٢].
«فَصَاحِبُهَا كَرَاكِبِ اَلصَّعْبَةِ إِنْ أَشْنَقَ لَهَا خَرَمَ وَإِنْ أَسْلَسَ لَهَا تَقَحَّمَ»: أي عمر وحاله مع الخلافة، كراكب الناقة الصعبة، إن شد لجامها ليتمكن منها فإنه قد يقطع أنفها، وإن أسلس وأرخى اللجام ذهبت به وأقحمته في الأخطار.
«فَمُنِيَ اَلنَّاسُ لَعَمْرُ اَللَّهِ...»: فإنها عشر سنوات قاسى الناس فيها بلاءً شديداً ومحنةً كبرى. فيا للهِ ولِلشورى!
«حَتَّى إِذَا مَضَى لِسَبِيلِهِ جَعَلَهَا فِي جَمَاعَةٍ زَعَمَ أَنِّي أَحَدُهُمْ فَيَا لَلَّه وَ لِلشُّورَى مَتَى اِعْتَرَضَ اَلرَّيْبُ فِيَّ مَعَ اَلْأَوَّلِ مِنْهُمْ حَتَّى صِرْتُ أُقْرَنُ إِلَى هَذِهِ اَلنَّظَائِرِ»: وقد ذكرنا معنى تخصيص الإمام (ع) الأول منهم بالذكر.
«فَصَغَا رَجُلٌ مِنْهُمْ لِضِغْنِهِ وَمَالَ اَلْآخَرُ لِصِهْرِهِ مَعَ هَنٍ وَهَنٍ»: إذ كانت الشورى سداسية، وكان عمر يعلم أن عبد الرحمن بن عوف يميل إلى عثمان وكذلك سعد بن أبي وقاص لأن أمه من بني أمية، والتعبیر «مع هَنٍ وهَنٍ» أي مع أمور أخرى وغالباً ما يستخدم ذلك كنايةً عن أمور مستقبحة.
٣. عثمان:
«إِلَى أَنْ قَامَ ثَالِثُ اَلْقَوْمِ»: وهذا تعبیر لطيف من الإمام يقصد به أن عثمان الثالث من شاكلة قومه الأول والثاني.
«نَافِجاً حِضْنَيْهِ بَيْنَ نَثِيلِهِ وَمُعْتَلَفِهِ»: ويقصد الإمام بهذا أن هَمَّ الثالث كان علفه ودنياه[١٣].
«وَقَامَ مَعَهُ بَنُو أَبِيهِ يَخْضَمُونَ مَالَ اَللَّهِ خِضْمَةَ اَلْإِبِلِ نِبْتَةَ اَلرَّبِيعِ».[١٤]
«إِلَى أَنِ اِنْتَكَثَ عَلَيْهِ فَتْلُهُ وَأَجْهَزَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ وَكَبَتْ بِهِ بِطْنَتُهُ»: وهذا غاية الأمر أن يكون كل ما أصاب عثمان من باء وغضب من الناس حتى قتلوه كان بسبب حرصه على لذات الدنيا وملأ بطنه، فكانت تلك عاقبته. وذكر الشيخ المطهري أن الإمام تحدث عن عثمان في ١٦ موضعاً في النهج نظراً لكثرة المحن التي جرَها عثمان وشدة البلاء عليه[١٥].[١٦]

قوله (ع) في معنى قتل عثمان

وقال (ع) في معنى قتل عثمان[١٧]:

«وَأَنَا جَامِعٌ لَكُمْ أَمْرَهُ اِسْتَأْثَرَ فَأَسَاءَ اَلْأَثَرَةَ وَجَزِعْتُمْ فَأَسَأْتُمُ اَلْجَزَعَ وَلِلَّهِ حُكْمٌ وَاقِعٌ فِي اَلْمُسْتَأْثِرِ وَاَلْجَازِعِ»: أي أنه طمع وأساء، وهذا تعبیر دقيق من الإمام وبيان لواقع الحال.

قوله (ع) في حديث إلى عثمان

وقال (ع) في حديث إلى عثمان[١٨]:

«فَاعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ عِبَادِ اَللَّهِ عِنْدَ اَللَّهِ إِمَامٌ عَادِلٌ هُدِيَ وَهَدَى فَأَقَامَ سُنَّةً مَعْلُومَةً وَأَمَاتَ بِدْعَةً مَجْهُولَةً وَإِنَّ اَلسُّنَنَ لَنَيِّرَةٌ لَهَا أَعْلاَمٌ وَإِنَّ اَلْبِدَعَ لَظَاهِرَةٌ لَهَا أَعْلاَمٌ وَإِنَّ شَرَّ اَلنَّاسِ عِنْدَ اَللَّهِ إِمَامٌ جَائِرٌ ضَلَّ وَضُلَّ بِه... فَلاَ تَكُونَنَّ لِمَرْوَانَ سَيِّقَةً يَسُوقُكَ حَيْثُ شَاءَ بَعْدَ جَلاَلِ اَلسِّنِّ وَتَقَضِّي اَلْعُمُرِ»: وهذه صراحة ودقة في النقد ما بعدها شيء.

ويذكر التأريخ أن مروان كان هو المتحكم في عثمان وحكمه، وقد كانت زوجة عثمان أيضاً تخبره أن بلاءه هو من مروان.[١٩]

كتابه (ع) إلى معاوية

وفي كتاب إلى معاوية، قال (ع)[٢٠]:

«وَمَا كُنْتُ لِأَعْتَذِرَ مِنْ أَنِّي كُنْتُ أَنْقِمُ عَلَيْهِ أَحْدَاثاً فَإِنْ كَانَ اَلذَّنْبُ إِلَيْهِ إِرْشَادِي وَهِدَايَتِي لَهُ فَرُبَّ مَلُومٍ لاَ ذَنْبَ لَهُ».[٢١].[٢٢]

ثالثاً: حجة الإمام (ع)

فقد أخذ الإمام الحجة منهم عليهم وأدانهم بها بل وزاد عليها، كما يتجلى في هذه النصوص التالية:

  1. «لَمَّا اِنْتَهَت إِلَى أَمير الْمُؤْمِنِينَ علیه السُّلَّام أَنْبَاء السَّقِيفَة بَعْدَ وَفَاة رَسُول الله صَلّی الله عَلَیهِ وَآلِهِ وَسَلَّم قَال علیه السُّلَّام مَا قَالَت الْأَنْصَار قَالُوا قَالَتْ مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ قَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَهَلاَّ اِحْتَجَجْتُمْ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَّى بِأَنْ يُحْسَنَ إِلَى مُحْسِنِهِمْ وَيُتَجَاوَزَ عَنْ مُسِيئِهِمْ قَالُوا وَمَا فِي هَذَا مِنْ حَجَّةً عَلَيْهِمْ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ لَوْ كَانَتِ اَلْإِمَارَةُ فِيهِمْ لَمْ تَكُنِ اَلْوَصِيَّةُ بِهِمْ ثُمَّ قَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَمَاذَا قَالَتْ قُرَيْشٌ قَالُوا اِحْتَجَّتْ بِأَنَّهَا شَجَرَةُ اَلرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ اِحْتَجُّوا بِالشَّجَرَةِ وَأَضَاعُوا اَلثَّمَرَةَ»[٢٣]. وحجة الإمام في الأنصار واضحة، وإذا كانت المسألة بالقرابة فأهل البيت أولى برسول الله وأقرب من سائر قريش.
  2. وقال (ع) متعجباً ومفنداً[٢٤]: «وَا عَجَبَاهْ أَ تَكُونُ اَلْخِلاَفَةُ بِالصَّحَابَةِ وَلاَ تَكُونُ بِالصَّحَابَةِ وَاَلْقَرَابَةِ؟!»، وفي رواية يذكرها ابن أبي الحديد: «وَا عَجَبَاهْ أَ تَكُونُ اَلْخِلاَفَةُ بِالصَّحَابَةِ وَلاَ تَكُونُ بِالصَّحَابَةِ وَاَلْقَرَابَةِ»[٢٥]. فعلى الرواية الأولى ليست الصحابة ولا القرابة مقياساً صحيحاً للأحقية بالخلافة وتولي منصب جليل كان يشغله رسول الله (ص)، والحق أن أحقية آل محمد (ع) بالخلافة ليست بسبب القرابة بل بسبب المؤهلات التي أهلتهم لذلك، ومن أهم الدلائل النص فهو يكشف عن المؤهلات لتولي هذا المنصب المهم، وقد كان النص وكانت المؤهلات جلية في أشخاص الأئمة (ع)، وعلى الرواية الثانية حتى لو أردنا الصحابة مقياساً فإن علياً (ع) يشترك مع القوم في كونه صحابياً، بل يزيد عليهم بطول الصحبة وقرابته أيضاً، وأين أبو بكر وعمر وعثمان من القرابة الشديدة والصلة الوثيقة بین رسول الله وبین علي؟[٢٦]

علي والحكم

موضوعنا الذي سنتناوله فيما يأتي من مباحث هو حول عليٍّ: الإمام الحاكم والإمام الإنسان، ونتناول في هذا الدرس نقطة واحدة كمقدمة للموضوع وهي الأهمية الذاتية للحكم من جهة، وزهد الإمام فيه من جهة أخرى، ونتناول فيما يأتي من حلقات هذا الموضوع شيئًا من سياسة الإمام في حكمه، وإنسانيته وأخلاقه كحاكم.[٢٧]

أولاً: الأهمية الذاتية للحكم وحرص الإمام عليه

فقد كان الإمام (ع) على يقین تام بأن الحق والحكم له وكان يصرِّح بأنه لو وجد أنصاراً ولم يكن هناك خطر على الإسلام لحارب من أجل استرجاع حقه السليب، وذلك لأن الإمامة والحكم ليست مسألة شخصية اختيارية يقوم بها الإمام أو يدعها بل هي قضية إلهية على نسق النبوة التي يجعلها الله تعالى لمن هو أهلها من عباده ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ[٢٨]، فكما أن الإمام مكلفٌ بالصلاة والصيام ولا مجال له أن يدع ذلك، فكذلك هو مكلف بالقيام بالإمامة والحكم كتكليف النبي بالنبوة والدعوة، ولا مجال له أن يدع ذلك ويتنازل عنه، بل إن موضوع الإمامة أسمى وأجل من سائر التكاليف بالعبادات لأهميتها البالغة في إقامة الدين وهداية الأمة.

ومن هذا المنطلق كان الإمام حريصاً على أمر الحكم ومستميتاً في ذلك، إلا أنه لم يتهيأ له من الظروف ما يمكِّنه من أخذ حقه وكانت هناك أسباب تمنعه بيناها فيما سبق، كعدم وجود ما يكفي من الأنصار والخوف على الإسلام في تلك الفترة الحرجة التي رجع فيها من رجع من الناس واستعد أعداء الإسلام للقضاء عليه.

وكان الإمام -وهو المحيط بأوامر الشرع ونواهيه وتعاليمه وقضايا الدعوة- عالماً بحاجة الناس أن يتعرفوا منه على أحكام الدين وغاياته وجميع شؤونه بما يصلحهم في دنياهم وأخراهم، فكان والحال هذه لا يسعه أن يتنحَّى ويعتزل ويترك أمر الأمة على ما هي عليه من الحاجة إليه.

وأما من جهة أخرى تتعلق بملكات الإمام وذاته السامية فقد كان أزهد الناس في الحكم لذاته بل في الدنيا بأسرها بكل نعيمها ومغرياتها، وإن كل ما أبداه الإمام من آهات وحسرات ومطالبة بالخلافة إنا كان من أجل إحقاق الحق وإقامة العدل وإيصال الدين كما أراده الله تعالى إلى الناس.

ويعرف ذلك جليًّا في سرته(ع) بالدرجة الأولى، كما يعرف من النصوص التي نستعرض هنا بعضها ويلاحظ عليها أنها قد تحوي مزيجاً من هذه الحقائق التي بيناها، كما أن بعضها ذكرناه في دروس سابقة كشواهد على نقاط أخرى لذلك قد نعرض هنا عن إعادة شرحها، فمن هذه النصوص ما يلي:

١. قوله (ع) حول ضرورة الأمير[٢٩]:
«إِنَّهُ لاَ بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِهِ اَلْمُؤْمِنُ وَيَسْتَمْتِعُ فِيهَا اَلْكَافِرُ وَيُبَلِّغُ اَللَّهُ فِيهَا اَلْأَجَلَ وَيُجْمَعُ بِهِ اَلْفَيْءُ وَيُقَاتَلُ بِهِ اَلْعَدُوُّ وَتَأْمَنُ بِهِ اَلسُّبُلُ وَيُؤْخَذُ بِهِ لِلضَّعِيفِ مِنَ اَلْقَوِيِّ حَتَّى يَسْتَرِيحَ بَرٌّ وَيُسْتَرَاحَ مِنْ فَاجِرٍ»: فيلاحظ التركيز هنا على أمر الحكم وأنه منصب لا بد أن يبقى، وكم من فرق بین أن يتولاه إمامٌ بَرٌّ يهدي الناس إلى الجنة وبین أن يتولاه إمام فاجر يقود الناس إلى النار.
٢. وقال (ع)[٣٠]:
«فَوَ اَللَّهِ مَا زِلْتُ مَدْفُوعاً عَنْ حَقِّي مُسْتَأْثَراً عَلَيَّ مُنْذُ قَبَضَ اَللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ حَتَّى يَوْمِ اَلنَّاسِ هَذَا»: فهنا تصريح واضح منه (ع) بأنه الأولى بالحكم إلا أن القوم دفعوه عن هذا الحق.
٣. وفي الخطبة الشقشقية انتقاد واضح واعتراض شديد على من تولى الحكم قبله، وقد ضمَّنها الإمام حسراتٍ على ضياع الحكم واغتصابه من قبل الحاكمین قبله، لا سيما وأن هذه الخطبة كانت بعد انتهاء فترة الحكام قبله، وقد تكشَّفت حينها الحقائق وبان عدم أهليتهم للحكم من ناحية المقام العلمي والإيماني، فكانت حسرات الإمام أشد بسبب ما جرى من أضرار كبیرة على الدين والأمة[٣١].
٤. وفي كتاب أرسله مع مالك الأشتر (رضی الله عنه) إلى أهل مصر لما ولاَّه إمرتها قال (ع)[٣٢]:
«فَلَمَّا مَضَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ تَنَازَعَ اَلْمُسْلِمُونَ اَلْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ... فَمَا رَاعَنِي إِلاَّ اِنْثِيَالُ اَلنَّاسِ عَلَى فُلاَنٍ يُبَايِعُونَهُ فَأَمْسَكْتُ بِيَدِي حَتَّى رَأَيْتُ رَاجِعَةَ اَلنَّاسِ قَدْ رَجَعَتْ عَنِ اَلْإِسْلاَمِ يَدْعُونَ إِلَى مَحْقِ دِينِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ فَخَشِيتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرِ اَلْإِسْلاَمَ وَأَهْلَهُ أَنْ أَرَى فِيهِ ثَلْماً أَوْ هَدْماً تَكُونُ اَلْمُصِيبَةُ بِهِ عَلَيَّ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلاَيَتِكُمُ اَلَّتِي إِنَّمَا هِيَ مَتَاعُ أَيَّامٍ قَلاَئِلَ يَزُولُ مِنْهَا مَا كَانَ كَمَا يَزُولُ اَلسَّرَابُ أَوْ كَمَا يَتَقَشَّعُ اَلسَّحَابُ فَنَهَضْتُ فِي تِلْكَ اَلْأَحْدَاثِ حَتَّى زَاحَ اَلْبَاطِلُ وَزَهَقَ وَاِطْمَأَنَّ اَلدِّينُ وَتَنَهْنَهَ»: وإن من مظاهر اهتمام الإمام بهذه القضية (غصب الخلافة) أننا نجده يسجلِّها في كثیر من المناسبات فنجدها في خطبه وكتبه وكلماته القصار، وهذا النص الشريف جامع لكل ما ذكرناه حول أهمية الحكم وزهده فيه من جهة أخرى، وفيه ترجمة موسَّعة لقوله (ع):
«لَأُسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ اَلْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا جَوْرٌ إِلاَّ عَلَيَّ خَاصَّةً، اِلْتِمَاساً لِأَجْرِ ذَلِكَ وَفَضْلِهِ، وَزُهْداً فِيمَا تَنَافَسْتُمُوهُ مِنْ زُخْرُفِهِ وَزِبْرِجِهِ»[٣٣]. وهذا ما ذكرناه في المقدمة من ضمن أسباب عدم قيام الإمام في أول الأمر وهو الحرص على مصلحة الإسلام والمسلمين، ثم هو يضمِّنُ ما أشرنا إليه من زهده في الحكم الذي هو متاعُ أيامٍ قلائل.
٥. ويشير الإمام إلى هدفه من الحكم فيقول (ع)[٣٤]:
«اَللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ اَلَّذِي كَانَ مِنَّا مُنَافَسَةً فِي سُلْطَانٍ، وَلاَ اِلْتِمَاسَ شَيْءٍ مِنْ فُضُولِ اَلْحُطَامِ؛ وَلَكِنْ لِنَرِدَ اَلْمَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ، وَنُظْهِرَ اَلْإِصْلاَحَ فِي بِلاَدِكَ؛ فَيَأْمَنَ اَلْمَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ؛ وَتُقَامَ اَلْمُعَطَّلَةُ مِنْ حُدُودِكَ»: فهذا بيان منه لسبب اهتمامه بالحكم وأنه ليس رغبةً شخصية أو حبًّا في السلطان بل لإقامة دين الله به ونصرة المظلومن، وبعد هذه الكلمات برهن الإمام أنه أولى وأحق بالحكم ثم بین صفات الحاكم الحق.[٣٥]

ثانياً: زهد الإمام في الحكم متاعاً دنيويًّا زائلاً

ونأخذ هنا ثلاثة نصوص فيها تشبيهات عجيبة بینَّ فيها نظرته للحكم وللدنيا بأسرها:

١. « قَالَ عَبْدُ اَللَّهِ بْنُ اَلْعَبَّاسِ دَخَلْتُ عَلَى أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ بِذِي قَارٍ وَهُوَ يَخْصِفُ نَعْلَهُ فَقَالَ لِي مَا قِيمَةُ هَذِهِ اَلنَّعْلِ فَقُلْتُ لاَ قِيمَةَ لَهَا قَالَ وَاَللَّهِ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِمْرَتِكُمْ إِلاَّ أَنْ أُقِيمَ حَقّاً أَوْ أَدْفَعَ بَاطِلاً ثُمَّ خَرَجَ فَخَطَبَ اَلنَّاسَ...»[٣٦].
في الوقت الذي يتنافس فيه الناس في الحكم حتى أنهم يُذهبون جاههم وحياتهم دونه على أملٍ قد يتم أو لا يتم- نجد أن الإمام (ع) يرى أن الحكم لذاته أحقر من نعل بالية لا قيمة لها، إلا أن يقيم به حقًّا أو يدفع باطلاً.
٢. وأما التشبيه الثاني فهو قوله (ع)[٣٧]:
«وَ اَللَّهِ لَوْ أُعْطِيتُ اَلْأَقَالِيمَ اَلسَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلاَكِهَا عَلَى أَنْ أَعْصِيَ اَللَّهَ فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا جُلْبَ شَعِيرَةٍ لَمَا فَعَلْتُهُ وَإِنَّ دُنْيَاكُمْ لَأَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ وَرَقَةٍ فِي فَمِ جَرَادَةٍ تَقْضَمُهَا مَا لِعَلِيٍّ وَنَعِيمٍ يَفْنَى وَلَذَّةٍ لاَ تَبْقَى».
هذه الدنيا بأسرها بما تحمل من لذات ونعيم وسلطان وكرسي الحكم يعشقها البشر ويتهالكون عليها، وإذا بأمیر المؤمنین (ع) يراها كما هي فيشبهها بورقة في فم جرادة تكسرها بل هي أهون عنده من ذلك، فأيُّ تشبيهٍ كهذا وأيُّ زهدٍ يضاهي زهد عليٍّ الذي برهن عليه من خلال سیرته العملية.
٣. وأما التشبيه الثالث فهو تشبيه بشع من ناحية المُشَبَّه وهو الدنيا، وهو تشبيه رائع لذاته وحقيقة تصويره ووصوله لهدفه وهو بيان الزهد وإبعاد الناس وتحذيرهم من التهالك على الدنيا، فيقول (ع)[٣٨]:
«وَ اَللَّهِ لَدُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَهْوَنُ فِي عَيْنِي مِنْ عُرَاقِ خِنْزِيرٍ فِي يَدِ مَجْذُومٍ»: وقد لاحظنا أن الإمام -وهو مع الصدق- يبدأ القول في هذه النصوص بالقسم فيعرِّضُ الله تعالى الذي يُجلُّهُ للقسم، وما هذا إلا بسبب غرابة الأمر على السامع وحرص الإمام على بيانه لمن يسمع أو يصله القول وتأكيده على ذلك، وإن النفس لتنقبض لمجرد سماع هذه الكلمات، فالعِراق قيل فيه أنه اللحم الذي لا عظم فيه أو هو عِرْقٌ داخل البطن بین السرة والأحشاء أو هو الكرش، فهو شيء وضيع فما بالك إذا كان من خنزير الذي هو نجس العین، بل ما أبشعه إذا كان في يد مجذوم الذي يبتعد الناس عنه وينفرون منه، ولا شك أن هذا الأمر الذي يصوِّره الإمام هو في غاية المهانة بحيث تنفر النفس منه أشد النفرة، وهذا هو حال الدنيا عند عليٍّ الذي يراها كما هي فيتعامل معها بما تستحقه.

إذن نلاحظ في هذه النصوص ما قدمناه من أن الحكم في حد ذاته مهم ولكن من زاويته الإلهية التي هي الإمامة فلا يسع الإمام تركه أو التخلي عنه لأنه وظيفة إلهية لا بد من القيام بها، ولأهميته الذاتية في إقامة الحق والعدل وتنفيذ أحكام الله تعالى بن عباده، ومن جهة ثانية رأينا زهد الإمام غاية الزهد في الحكم بل في الدنيا بأسرها وما فيها.

وقد أثبت الإمام هذا عمليًّا، وسرته كلها تشهد بذلك وإنه من القلائل الذين لم تكذِّب أفعالُم أقوالَم بل كان يفعل فوق ما يقول ويأمر، وقد عرف هذه السیرةَ وهذا الزهد عدوه ومحبه وشهد به من شهد، فهو بالمنزلة التي لا تحوم حولها شبهة.[٣٩]

سياسة الإمام

أولاً: وضع الناس عند تسلم الإمام للحكم

إننا نعرف أن الإمام (ع) عاصر الدعوة الإسلامية وشارك فيها المشاركة الفعالة، وقد آتاه الله تعالى سعة الأفق والعلم والشجاعة وسائر الكمالات التي امتاز واختص بها دون سائر الناس -باستثناء النبي الأعظم (صَلّی اللهُ عَلَیهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)- فعايش تلك الأدوار ولاحظها ملاحظة دقيقة ووقف على التحول العجيب والسر الإلهي الخاص الذي تبدلت به حياة الناس من الجاهلية إلى نور الإسلام.

وعاش بعد ذلك فترات طويلة كان يعلم فيها أنه صاحب الحق ومع ذلك كان يشهد مدى رجوع أمر الناس إلى ما كانت عليه الجاهلية من قبل، وذلك الرجوع كان لعدة عوامل من أهمها أن القائمین بالحكم لم يكونوا بالمستوى اللائق بإمامة الناس والإحاطة بالشؤون الشرعية والسياسية.

وعلى مدى تلك الفترة الطويلة التي انتهت بمقتل عثمان سنة ٣٥ ه ابتعدالناس كثیرًا عن الدين المقدس وتبدلت عقلياتهم وتغیرت نفسياتهم واضطربت أمورهم وكانوا ليسوا أولئك الذين نجح النبي (صَلّی اللهُ عَلَیهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) معهم نجاحًا عظيماً في نقلهم إلى حياة جديدة كريمة وتحويلهم من الجاهلية المظلمة إلى نور الإسلام المشرق، وكان الإمام (ع) حین عاد إليه الحق أمام هذا الوضع المتردي الذي وصل إليه الناس بسبب الحاكمین وطول مدتهم، والتأريخ يحدث عن مدى الاضطراب الذي شمل الحاكمین والمحكومین، فكان الإمام أمام هذه المعاناة في سبيل إرجاع الناس إلى نهجهم الأول وأن يرتووا من معین الإسلام العذب على يديه، وهذا الوضع يحتاج إلى سياسة فائقة وظروف مساعدة ويحتاج إلى توفيق الله تعالى له، وأما الظروف بالذات فقد كانت ضد مسیرة الإمام، فقد مُنِيَ بأحداث كثیرة لم يتهيأ له فيها أن يطبق نهجه كما يريد، واستعصى عليه الناس كثیرًا نظرًا لعدم عمق ارتباطهم بالأصول الإسلامية والتعاليم النبوية بسبب قصر المدة التي كانوا فيها مع الرسول (صَلّی اللهُ عَلَیهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وبسبب التربية التي عاشوها مع الحاكمین بعد رحيل النبي (صَلّی اللهُ عَلَیهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ).

فلم يتأتَّ للإمام (ع) أن ينجح تمامًا في مشروعه الهادف إلى إعادة الناس إلى النهج الإلهي القويم.

وهذه المقدمة تلقي الضوء على ما سنراه من سياسة الإمام (ع) التي كانت تتسم أحيانًا بشدة في الحق لا يرضاها الناس، وتتسم أحيانًا أخرى بالصفح والتسامح الكبیر حينما يكون الحق متعلقًا بشخصه، وهذا ما انتقده عليه بعضهم.[٤٠]

ثانيًا: سمو الهدف

قلنا إن هدف الإمام (ع) من الحكم هو إقامة أحكام الله تعالى كما أرادها الله تعالى أن تكون، مقتفيًا في سبيل ذلك سیرة النبي (صَلّی اللهُ عَلَیهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وهذا الهدف شهدت به سیرة الإمام العملية وقد كان الإمام يصرح به كثیرًا في خطاباته الأولى ويجعله محورًا لسياسته القادمة، ومن جملة النصوص في بيان هذا الهدف ما يلي:

١. لما بويع بالمدينة قال (ع)[٤١]:
«ذِمَّتِي بِمَا أَقُولُ رَهِينَةٌ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ إِنَّ مَنْ صَرَّحَتْ لَهُ اَلْعِبَرُ عَمَّا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ اَلْمَثُلاَتِ حَجَرَهُ اَلتَّقْوَى عَنْ تَقَحُّمِ اَلشُّبُهَاتِ أَلاَ وَإِنَّ بَلِيَّتَكُمْ قَدْ عَادَتْ كَهَيْئَتِهَا يَوْمَ بَعَثَ اَللَّهُ نَبِيَّهُ لَهُ وَلَتُسَاطُنَّ سَوْطَ اَلْقِدْرِ حَتَّى يَعُودَ أَسْفَلُكُمْ أَعْلاَكُمْ وَأَعْلاَكُمْ أَسْفَلَكُمْ وَلَيَسْبِقَنَّ سَابِقُونَ كَانُوا قَصَّرُوا وَلَيُقَصِّرَنَّ سَبَّاقُونَ كَانُوا سَبَقُوا وَاَللَّهِ مَا كَتَمْتُ وَشْمَةً وَلاَ كَذَبْتُ كِذْبَةً وَلَقَدْ نُبِّئْتُ بِهَذَا اَلْمَقَامِ وَهَذَا اَلْيَوْمِ».
وهذا النص هو إعلان المبادئ الأولية والأهداف التي يريدها الإمام (ع) بصفته الامتداد الطبيعي للقيام بأمر الدين بعد رحلة النبي (صَلّی اللهُ عَلَیهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) إلى الرفيق الأعلى، وقد كان ينبغي أن يكون له هذا الحق قبل عشرات السنين فحينها ستكون المهمة أسهل، وأما الآن وقد أُبعد عن الحكم لمدة تصل إلى ٢٥ سنة فإن الناس قد عادوا إلى جاهليتهم وإلى وضعهم عند بدء البعثة، فهو سيبدأ معهم كما بدأ الرسول مع الجاهلية الأولى، وإن كان أولئك كفارًا وهؤلاء مسلمون إلا أنهم يشتركون في قلة الإدراك وتردي الفكر، وإن التربية التي رباهم عليها الحاكمون طيلة هذه المدة قد أخذت منهم مأخذها، ثم أقسم الإمام ولم يستعمل لفظ الجلالة (واللهِ) أو غیره من ألفاظ القسم بل أقسم بالذي بعث النبي بالحق لتمام مناسبة القسم مع الحديث عن البعثة، ورجوع الوضع كما كان قبل البعثة.، ثم أخبرهم بأنهم يبلبلون أي يخلطون ويختبرون ويغربلون أي يفصلون لتمييز الخبيث من الطيب ويساطون كما يساط القدر أو يحرك فيكون الأسفل أعلى والأعلى أسفل، فهي إذن فترة امتحان لإرادة وللإيمان، وقد يكون من قصرَّ قبل هذا تتضح له أمور فيكون سابقًا، وقد يكون من سبق لا يصمد أمام هذه المحنة والعودة إلى الإسلام الصحيح، فيكون مقصرِّاً بعد أن كان سابقًا.
ثم يقسم الإمام (ع) بالله تعالى أنه على المبادئ التي كان عليها من استخلفه للإمامة وهو النبي (صَلّی اللهُ عَلَیهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وأنه لم يكتم كلمة للحق ولم يكذب مطلقًا فهو صادق إذن في هذا الإعلام وأن الأمر كما قاله وأنه على تمام البينة من أمر ربه بل هو يعلم بهذا اليوم وهذا الموقف مع الناس قبل أن يكون.
٢. وقال (ع) في خطبة عنونت بأنها في الرسول الأعظم (صَلّی اللهُ عَلَیهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وباغ الإمام عنه[٤٢]:
«وَاَللَّهِ مَا أَسْمَعَكُمُ اَلرَّسُولُ شَيْئاً إِلاَّ وَهَا أَنَا ذَا مُسْمِعُكُمُوهُ وَمَا أَسْمَاعُكُمُ اَلْيَوْمَ بِدُونِ أَسْمَاعِكُمْ بِالْأَمْسِ... وَلَقَدْ نَزَلَتْ بِكُمُ اَلْبَلِيَّةُ جَائِلاً خِطَامُهَا رِخْواً بِطَانُهَا فَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ مَا أَصْبَحَ فِيهِ أَهْلُ اَلْغُرُورِ فَإِنَّمَا هُوَ ظِلٌّ مَمْدُودٌ إِلَى أَجَلٍ مَعْدُودٍ»: وهذا تصريح بأن الإمام على سیرة الرسول ويحمل نفس أهدافه، وأن هؤلاء يمكنهم أن يقبلوا من الإمام (ع) كما قبل أولئك من الرسول (صَلّی اللهُ عَلَیهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، فإن لهم أسماعًا وعقولً كما كان لأولئك، هذا وإن بعض من كان مع الإمام كانوا أيضًا مع الرسول فيمكنهم أن يقبلوا الحق كما قبلوه من قبل.
ثم تحدث الإمام عن الفتنة التي حلت وأنها كالناقة التي يكون خطامها أي حبالها الذي تقاد به غیر مشدود، ويكون البطان الذي يربط في بطنها مرتخٍ فراكبها إذن في خطر من السقوط، وذلك كناية عن خطر تلك الفتنة.
ثم أشار الإمام (ع) إلى شيء في غاية الأهمية ونبَّه الناس له وهو أن البعض نالوا من الدنيا شيئًا كثیرًا في الحكومات السابقة فكان بعضهم أمیرًا أو قائدًا أو قاضيًا إلا أنهم في حكومة الإمام قد لا يكونون كذلك، كما أن فئة من الناس خاصة من قريش كانت تُعطَى الأموال وتُفضل على سائر الناس وأما في حكومة الإمام فسيكون هناك العدل والمساواة، فعلى أولئك الذين كانوا منعمین بغیر حق أن لا يغتروا بذلك النعيم فإنما كان بغیر حق وهو بعد هذا نعيم زائل.[٤٣]

ثالثًا: وضوح السياسة ونهج الحكم

فالإمام (ع) ليس كسائر السياسيين قديماً وحديثًا والذين يخدعون الناس بالعبارات البراقة والإغراءات والدعايات الزائفة فيكسبون بذلك أصوات الجماهير ويشترون بأموال الأمة ضمائر البعض، ثم بعد ذلك يخلفون وعودهم للناس فلا ينالون منهم شيئًا، وقد كان الإمام على تمام الوضوح في سياسته وفي بيان أهدافه ومنهجه في الحكم، ومن جملة النصوص في هذا المجال ما يلي:

١. قوله (ع) لما أراده الناس على البيعة بعد قتل عثمان[٤٤]:
«دَعُونِي وَاِلْتَمِسُوا غَيْرِي فَإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً لَهُ وُجُوهٌ وَأَلْوَانٌ لاَ يَقُومُ لَهُ اَلْقُلُوبُ وَلاَ تَثْبُتُ عَلَيْهِ اَلْعُقُولُ وَإِنَّ اَلْآفَاقَ قَدْ أَغَامَتْ وَاَلْحُجَّةَ قَدْ تَنَكَّرَتْ وَاِعْلَمُوا أَنِّي إِنْ أَجَبْتُكُمْ رَكِبْتُ بِكُمْ مَا أَعْلَمُ وَلَمْ أُصْغِ إِلَى قَوْلِ اَلْقَائِلِ وَعَتْبِ اَلْعَاتِبِ وَإِنْ تَرَكْتُمُونِي فَأَنَا كَأَحَدِكُمْ وَلَعَلِّي أَسْمَعُكُمْ وَأَطْوَعُكُمْ لِمَنْ وَلَّيْتُمُوهُ أَمْرَكُمْ وَأَنَا لَكُمْ وَزِيراً خَيْرٌ لَكُمْ مِنِّي أَمِيراً».
وفي هذا النص عدة نقاط نعرض لها بإيجاز:
فقد سبق الحديث عن أن الإمامة منصب إلهي لا يمكن للإمام أن يستقيل منه، ولكن الإمام يقول هنا «دعوني» يقصد بذلك مسألة الحكم لا مسألة الإمامة العامة، وحتى في مسألة الحكم لم يرد الإمام التخلي عن مسؤوليته، بل قال هذا الكلام لعدة أسباب منها أن يبین للناس أن سياسته ليست كسياسة الحاكمین قبله وقد أوضح ذلك في هذا النص أيضًا.
كما أنه أراد أن يقيم الحجة على الناس وأنه لم يفرض نفسه عليهم بالحيلة والقوة أو بغيرها، كما فعل من كان قبله حین وصلوا للحكم عبر المكر والعنف، فقد اختار الناس الإمام (ع) بمحض إرادتهم بل وبإلحاح شديد منهم.
وسبب ثالث هو أن الإمام أراد أن يرشدهم إلى ثقل الحق عليهم بعد أن استمتعوا بالباطل سنين طويلة على حساب الأغلبية التي حرمت من كل متاع، كما أنه كانت هناك اعتبارات عند الحكام في تطبيق الأحكام والإمام ليس عنده تلك الاعتبارات والمجاملات بل سيطبق أحكام الله تعالى على الكل دون تفريق بین الناس في ذلك، فالتأريخ يذكر أن عمر كان يميز بین الناس في العطاء ويقسمهم أصنافًا، فيعطي عائشة -مثلاً- ١٢ ألفًا في الوقت الذي يحرم فيه أم سلمة من العطاء سنة كاملة، وكذلك عثمان الذي امتازت سياسته بكثیر من هذا التمييز، ولا شك أن الذين كانوا يستمتعون بتلك السياسة على حساب الآخرين لن يرضوا بسياسة الإمام القادمة.
هذا بالإضافة إلى إقامة الإمام للحدود دون تفريق وهذا ما لا تحتمله العقول أو ترضاه القلوب، وليس هذا لأنه أمر محیرِّ أو يخالف الفطرة السليمة بل لأنهم تعودوا على غیره لمدة طويلة، وقد كانوا يعلمون من سیرة الإمام (ع) وهديه ومن حديث رسول الله (صَلّی اللهُ عَلَیهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) فيه أنه على هذا النهج من العدل، وقد اعترف بذلك غیره فقد صرح عمر عند تعيينه للشورى أنه إن تولى الأمرَ عليٌّ حملهم على الجادة.
إذن فقد كان الإمام (ع) على تمام الوضوح في إعلان سياسته وفي تجسيدها في الواقع العمي، وقد عبر الإمام عن حياة المسلمين بشكل عام بأنها كالآفاق الغائمة وأن طريقهم لم يعد واضحًا، فقد تغیرت الأحكام والأفكار وأصبح الناس بعيدين عنها، وبینَّ لهم أنه إِنْ أجابهم ركب بهم ما يعلم هو فإنه صاحب المقام العلمي الذي لا يجاريه فيه أحد، وهو المسدد بعصمة الله تعالى، فمن عساه يستشیر وعمن يأخذ وقد استغنى عن الكل؟! فهل يصغي إلى انتقادهم وعتبهم إذا عزل فلانًا من منصبه أو أقام الحكم على آخر وبدَّل وغیر لتعود أحكام الله كما كانت؟!
ثم يوضح الإمام (ع) موقفه من الحكام السابقين وأنه كان مسالمًا «مَا سَلِمَتْ أُمُورُ اَلْمُسْلِمِينَ»، بل كان وزيرًا قريبًا من الأحداث خوفًا على الإسلام من أن يقي عليه أعداؤه في تلك الفترة الحرجة ولا سيما أن الحاكمین لم يكونوا بمستوى المسؤولية، والإمام يعلن أنه على استعداد أن يكون وزيرًا كما كان إذا كان ذلك في صالح الإسلام.
٢. وقال (ع)[٤٥]:
«لَوْ قَدِ اِسْتَوَتْ قَدَمَايَ مِنْ هَذِهِ اَلْمَدَاحِضِ لَغَيَّرْتُ أَشْيَاءَ». وهذه إشارة إلى جملة أشياء لم يغيرها الإمام فورًا وسنأتي عليها فيما بعد، ومن جملتها -مثلاً- أنه أقرَّ بالفعل للقضاة أن يقضوا كما كانوا يقضون من قبل حتى يأتيهم الأمر منه بغیر ذلك، فقد كان الإمام ينتظر أن تستقر الأمور شيئًا ما، وهذا ما عناه هنا بقوله: «لو قد استوت» أي (ثبتت) قدماه من تلك المداحض (أي المزالق) وذلك كناية عن استقرار الأمور له.[٤٦]

رابعًا: التسامح مع المتخلفين والمعارضين

فالتأريخ يذكر ذلك الإجماع الكبیر والإلحاح الشديد من الناس في بيعتهم للإمام (ع) والذي يعد حجة ظاهرة في قبال الطرق التي تمت بها بيعة غیره، وإلاَّ فالإمام لا يحتاج إلى إجماع الناس عليه، وإِنْ صحَّ التعبیر بالإجماع فهو إجماع الله تعالى عليه وملائكته ونبيه (صَلّی اللهُ عَلَیهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) والمؤمنین، وكفاه نص الله تعالى عليه بالإمامة وأمره نبيه (صَلّی اللهُ عَلَیهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) بذلك.

وقد صوَّر الإمامُ نفسُهُ هذه البيعة والصورة التي تمت بها في عدة نصوص، فمنها قوله (ع)[٤٧]:

«وَبَسَطْتُمْ يَدِي فَكَفَفْتُهَا وَمَدَدْتُمُوهَا فَقَبَضْتُهَا ثُمَّ تَدَاكَكْتُمْ عَلَيَّ تَدَاكَّ اَلْإِبِلِ اَلْهِيمِ عَلَى حِيَاضِهَا يَوْمَ وِرْدِهَا حَتَّى اِنْقَطَعَتِ اَلنَّعْلُ وَسَقَطَ اَلرِّدَاءُ وَوُطِئَ اَلضَّعِيفُ وَبَلَغَ مِنْ سُرُورِ اَلنَّاسِ بِبَيْعَتِهِمْ إِيَّايَ أَنِ اِبْتَهَجَ بِهَا اَلصَّغِيرُ وَهَدَجَ إِلَيْهَا اَلْكَبِيرُ وَتَحَامَلَ نَحْوَهَا اَلْعَلِيلُ».

وأما بعد البيعة فكان التسامح الكبیر منه مع الذين تخلفوا عن البيعة له أو ما يسميه أهل العصر بالديمقراطية مع المعارضة، في حین نرى الفارق الكبیر بین هذا الموقف وموقف عمر وأبي بكر مع آل محمد ومع الزهراء (علیها السّلام) بالذات ومع عليٍّ(ع) نفسه والمؤمنین معه، حتى تأسف أبو بكر ولكن بعد حین على ما صنعه ببيت الزهراء وتمنى أنه لم يصنع ما صنع ولو اشتمل بيت الزهراء على حرب ضده، ولو صنع الإمام بالمعارضین ما كان يقدر عليه وأخذهم بالشدة لكانت له تمام الحجة والعذر لأنه الإمام المنصوص عليه وهم يعلمون بهذا النص من جهة، ومن جهة أخرى فقد بايعه المهاجرون والأنصار وسائر المسلمين.

ومن جملة أحاديثه عن المتخلفین عنه:

١. وقال (ع)«في الذين اعتزلوا القتال معه»[٤٨]:
«خَذَلُوا اَلْحَقَّ وَلَمْ يَنْصُرُوا اَلْبَاطِلَ»: فهم لم ينصروا الباطل المتمثل في أعداء الإمام إلا أنهم أيضًا لم ينصروا الحق الذي كان مع الإمام وكان الإمام يدافع عنه، وعدم نصرتهم خذلان منهم للحق.
٢. « وَقِيلَ إِنَّ اَلْحَارِثَ بْنَ حَوْطٍ أَتَاهُ فَقَالَ أَ تُرَانِي أَظُنُّ أَصْحَابَ اَلْجَمَلِ كَانُوا عَلَى ضَلاَلَةٍ؟ فَقَالَ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ: يَا حَارِثُ إِنَّكَ نَظَرْتَ تَحْتَكَ وَلَمْ تَنْظُرْ فَوْقَكَ فَحِرْتَ! إِنَّكَ لَمْ تَعْرِفِ اَلْحَقَّ فَتَعْرِفَ مَنْ أَتَاهُ وَلَمْ تَعْرِفِ اَلْبَاطِلَ فَتَعْرِفَ مَنْ أَتَاهُ».[٤٩].
فقد ظن هذا الرجل أن المقياس الصحيح هو أن يرى الأشخاص ثم يحكم بأن الذي هم عليه هو الحق، بينما المقياس الصحيح كما وضحه الإمام (ع) هو أن يعرف الحق تمامًا ثم يقيِّم الناس على أساسه، فإنما يُعرف الرجالُ بالحقِّ ولا يُعرف الحقُّ بالرجال.

« فَقَالَ اَلْحَارِثُ فَإِنِّي أَعْتَزِلُ مَعَ سَعِيدِ بْنِ مَالِكٍ وَعَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقَالَ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ: إِنَّ سَعِيداً وَعَبْدَ اَللَّهِ بْنَ عُمَرَ لَمْ يَنْصُرَا اَلْحَقَّ وَلَمْ يَخْذُلاَ اَلْبَاطِلَ»: فقد كان عليهما أن ينصرا الحق المتمثل فيه ومعه، وأن يخذلا الباطل بمعارضتهم وإطفائهم للحروب التي شنها أصحاب الجمل وأصحاب صفین، وعبد الله بن عمر هذا أبى بيعة الإمام (ع) فطلب منه الإمام أن يأتي بكفيل له، ولعل ذلك ليضمن أنه لا يقوم ضد الإمام فقال إنه لا يجد كفيلاً فكفله الإمام نفسه وأخبره بأنه سيء الخلق صغیرًا وكبیرًا، والمقصود ليس حدة المزاج بل الحمق وضعف الإدراك، وقد صدَّقَ الواقعُ قولَ الإمام فيه، فإن عبد الله بن عمر هذا الذي رفض بيعة الإمام آلت به الأمور أن يأتي للحجاج وما أدراك ما الحجاج! ليبايع عن طريقه عبد الملك بن مروان، فلما استعلمه الحجاج عن سبب ذلك الإلحاح في ذلك الوقت قال له ابن عمر: لأني رويت عن رسول الله أنه قال: لا يحِلُّ لامرءٍ يؤمن باللهِ واليوم الآخر أن يبيت وليس في عنقه بيعة، فاستهزأ به الحجاج كثیرًا وقال له إن يدي لمشغولة بالطعام عنك، هذه رجي فامسح عليها[٥٠].

ومن جملة المعارضین أيضًا سعد بن أبي وقاص وطلحة والزبیر ومع ذلك فإن الإمام (ع) تعامل معهم بالصفح والتسامح الكبیر.[٥١]

نماذج من سياسة الإمام

هذا البحث يتناول حلقة أخرى من سیرة أمیر المؤمنین (ع) وسياسته في الحكم وهو يشمل الحياة السياسية والاجتماعية ويأخذ جهة تأريخية نظراً لاتصال هذه الأمور بموضوعنا هذا، وسوف نستعرض ست نقاط نحاول أن لا نطيل حديثنا حولها بل نستقيها من كلام الإمام وسیرته العملية التي حفظ لنا نهج البلاغة جزءً مهمّا منها، وسنلاحظ في جميع هذه النقاط نمطاً خاصًّا كان يحياه الإمام سواءً من جهة فكرية أو من جهة عملية وتربوية.[٥٢]

أولاً: البيعة والمبادئ الأولية

لقد ركز الإمام (ع) على أمر البيعة وأكَّدَ عليها، كما ركَّزَ كثیراً على إعلان مبادئه الأولية للناس بعد البيعة مباشرة، وقد أشرنا إلى هذه النقطة في البحث السابق ونتمم هنا استعراضها.

فمن جملة النصوص حول المبادئ الأولية قوله (ع)[٥٣]:

«لَمْ تَكُنْ بَيْعَتُكُمْ إِيَّايَ فَلْتَةً وَلَيْسَ أَمْرِي وَأَمْرُكُمْ وَاحِداً إِنِّي أُرِيدُكُمْ لِلَّهِ وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَنِي لِأَنْفُسِكُمْ»: فهو إذن يركِّزُ على أمر البيعة ويحمل ذلك تعريضاً بل تصريحاً ونقداً للطريقة التي تمت بها بيعة الحكام قبله وأبي بكر بشكل خاص، وأن أساس الحكم السابق كان خطأً وإن جميع ما ترتب عليه أخطاءُ أخرى على نسقه، وكلمة «فلتة» معهودة وهي التي عبر بها عمر عن بيعة أبي بكر فقال: «كانت بيعة أبي بكر فلتةً وقى اللهُ المسلمين شرَّها، فمن عاد لمثلِها فاقتلوه»، وفي بعض النصوص «فلتةً كفلتاتِ الجاهلية[٥٤].

فالإمام (ع) إذن يشیر بكل ثقة إلى حقه في الحكم فقد نص اللهُ تعالى عليه وبلَّغَ ذلك رسولُه (صَلّی اللهُ عَلَیهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) أولً، ثم بايعه الناس وبإلحاح شديد، فهو أولى الناس بالناس ولن تكون بيعته فلتةً أولاً أو آخراً.

ثم يقيِّم الإمامُ الوضعَ وموقفه كحاكم وموقفهم كرعية فيبینِّ الفرق الكبیر، فهو يريدهم لله تعالى وهي كلمة جامعة مانعة تعني أنه يريد من الرعية ما يريده الله تعالى منهم سواءً فيما يتعلق بالقانون الاقتصادي أو أمور الحرب والسلم أو الجهة الفقهية أو بجميع شؤون الدين والدنيا، أما هم فلهم أهواؤهم وتربيتهم التي عاشوا عليها وعصبيتهم وقبليتهم، وهذا فرق جوهري للغاية، فإنه شتان بین أن يكون الهدف هو الله تعالى وبین أن يكون الهدف هو الأهواء والأنفس أو الدنيا.

ثم عقَّبَ الإمام (ع) بما يفصِّل ويشرح الأمر فقال:

«أيها الناسُ أعينوني على أنفسِكم، وأَيْمُ اللهِ لأُنصِفَنَّ المظلومَ من ظالمِهِ، ولأَقودَنَّ الظالِم بخِزامتِهِ حتى أُورِدَهُ منهلَ الحقِّ وإِنْ كان كارهاً»: وهذا بعض ما عنيناه من إعلان المبادئ الأولية بعد البيعة.[٥٥]

ثانياً: العدل وموقف الناس

فقد كان الإمام حريصاً وملتزماً بأن لا يصلح أمر الحكم واستقرار الأمور له بما يهوى الناس إذا استلزم ذلك فساداً كتفضيل فئة على أخرى، وشراء الضمائر،أو مخالفة أوامر الله تعالى وأحكامه، فمن جملة هذه الأمور ما يلي:

  1. قوله (ع)[٥٦]: «وَ إِنِّي لَعَالِمٌ بِمَا يُصْلِحُكُمْ وَيُقِيمُ أَوَدَكُمْ وَلَكِنِّي لاَ أَرَى إِصْلاَحَكُمْ بِإِفْسَادِ نَفْسِي»: فالإمام مطلع وعالم بأمر المجتمع وهو خبیر بأمر الدين، فإما أن يستجيب للناس فيما يعلم أنه يضمن استقرارهم ورضاهم بحكمه وإن استلزم ذلك مخالفات للشرع، وإما أن يلتزم بأحكام الله تعالى وإن أباها الناس بسبب تربيتهم وأهوائهم فلم يخضعوا لها واضطربوا عليه.
  2. ونموذج آخر يلقي الضوء على ذلك الوضع هو قوله (ع): «لَمَّا عُوتِبَ عَلَى اَلتَّسْوِيَةِ فِي اَلْعَطَاءِ»: «أَ تَأْمُرُونِّي أَنْ أَطْلُبَ اَلنَّصْرَ بِالْجَوْرِ فِيمَنْ وُلِّيتُ عَلَيْهِ وَ اَللَّهِ لاَ أَطُورُ بِهِ مَا سَمَرَ سَمِيرٌ وَمَا أَمَّ نَجْمٌ فِي اَلسَّمَاءِ نَجْماً». فقد تربّى الناس على التفريق بينهم في العطاء وتفضيل فئة على أخرى فكانت هناك اعتبارات للمهاجرين والأنصار ولمن حظُوا بمودة الحاكمن فأغدقوا عليهم العطاء وفاضلوا بین الناس بغیر وجه حق، ولا سيما حین انتهى الحكم إلى عثمان فإنه أعطى الدنيا التي ملكها لبني أمية حتى وصل الأمر إلى أن يعطي خُمسَ بلادٍ افتتحت لشخص واحد[٥٧]، فلما جاء الإمام سوَّى بین الناس في العطاء ملتزماً بذلك أمر الله تعالى وسیرة رسول الله (صَلّی اللهُ عَلَیهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) في العطاء، فعُوتِبَ على هذه التسوية فإن الأغنياء لا يروق لهم ذلك ومن يرون لأنفسم أفضلية لا يقبلون بذلك، ومن هذه الأمثلة أنْ أتت سيدة قرشية من الحجاز وجاءت بعجوز فارسية تقيم في الكوفة فخاطبت أمیر المؤمنین قائلةً:
هل من العدل أن تسوِّي بيني وبین هذه الأَمَةِالفارسية؟[٥٨] وقد أبى الإمام أن يسعى للنصر واستقرار الحكم بأن يظلم من كان حاكماً عليهم وأقسم أن لا يصنع ذلك «مَا أَمَّ نَجْمٌ فِي اَلسَّمَاءِ نَجْماً» أي للأبد وما بقي الزمان لا يصنع ذلك، فهي إذن مسؤولية إلهية وولاية وأمانة تجاه من وُلِّی عليهم واللهُ مسائلُهُ عن ذلك.

ثم أشار الإمام إلى جهة مهمة ليتعظ الناس فقال:

«لَوْ كَانَ اَلْمَالُ لِي لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ فَكَيْفَ وَإِنَّمَا اَلْمَالُ مَالُ اَللَّهِ»: وتلك هي ذات علٍّی التي تنطوي على قانون العدل وتحبه لذاته فضلاً عن أمر الله تعالى به ونهيه عن الظلم، فلو كان المال له لجعل الناس سواسية فيه وأقام العدل فكيف وهو مالُ الله تعالى الذي استأمنه عليه وولاَّه على الناس ليقيم العدل بينهم.[٥٩]

ثالثاً: أوضاع الناس وتربيتهم السابقة

وقد أشرنا إلى أن الناس اعتادوا على تربية سابقة مع الحاكمین قبل الإمام (ع) ولم تكن تلك التربية هي التي يرضاها الله تعالى فيقبلها الإمام، كما أن الناس لا ترضى باستقامة الإمام وما يريده لهم من تربية إلهية، ونأخذ لذلك نماذج:

١. وفي كلام «كلَّم به طلحة والزبیر بعد بيعته بالخلافة وقد عتبا عليه من ترك مشورتهما والاستعانة في الأمور بهما» فمما قاله (ع)[٦٠]:
«وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُمَا مِنْ أَمْرِ اَلْأُسْوَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ لَمْ أَحْكُمْ أَنَا فِيهِ بِرَأْيِي وَلاَ وَلِيتُهُ هَوًى مِنِّي بَلْ وَجَدْتُ أَنَا وَأَنْتُمَا مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ فَلَمْ أَحْتَجْ إِلَيْكُمَا فِيمَا قَدْ فَرَغَ اَللَّهُ مِنْ قَسْمِهِ وَأَمْضَى فِيهِ حُكْمَهُ فَلَيْسَ لَكُمَا وَاَللَّهِ عِنْدِي وَلاَ لِغَيْرِكُمَا فِي هَذَا عُتْبَى أَخَذَ اَللَّهُ بِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِنَا إِلَى اَلْحَقِّ وَأَلْهَمَنَا وَإِيَّاكُمُ اَلصَّبْرَ».
وقد كان الزبیر ممن يظهر مودة الإمام ويدعو له وكان معه في بيته يوم امتنعوا عن بيعة أبي بكر فهجم عليهم القوم، ثم لما آلت الأمور إلى الإمام تبدل سلوكه وبرغم ذلك فقد بايع هو وطلحة الإمامَ طائعَین لا مُكرَهَین فإذا بهما يظهران ما أخفياه من طلبهما للدنيا التي ابتعد عنها الإمام وطلَّقها ثلاثاً، وكانا يريان لأنفسهما شرفاً كبیراً خاصة وأنهما من المرشحين للخلافة في شورى عمر،
فكيف بعد كل هذا يأتي عليٌّ ليسوِّي بينهم وبین سائر الناس في العطاء؟ لذلك عاتباه في أمر الأسوة (أي التسوية في العطاء) واحتَجَّا عليه بفعل عمر في تفضيله أناساً على آخرين في العطاء، فأجابهم الإمام بما بانت منه نفسيته وأن منهجه معلوم وهو دين الله تعالى فلا يحتاج إلى إجالة الفكر واستشارتهما في الحكم بین الرعية وتدبیر أمورهم، وردًّا على احتجاجهم عليه بفعل عمر احتج عليهم هو أيضاً ولكن بفعل رسول الله (صَلّی اللهُ عَلَیهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وسیرته في العطاء وقد كانا يعلمان ذلك فاحتج الإمام عليهم به، وقوله «ولا لغيرِكما» إشارة إلى أنه إذا كان هذا تعامل الإمام مع من يرون أنفسهم أو يراهم الناس أن لهم مقاماً وأفضلية- فإن غيرهم إذن لن يطمع أو يتصور أن الإمام سيفضله في العطاء أو في غیر ذلك.
٢. وأما النموذج الثاني فهو موقف الإمام من قطائع عثمان وهذا بعض ما عنيناه بالجهة التأريخية في الموضوع، فقد أبى الإمام أن يُقِرَّ الناس على ما كانوا عليه وكان صارماً في إرجاع ما أعطاه عثمان لمن أراد من قومه سواء كان أموالاً أو أراضٍ أو غيرها، قال (ع)[٦١]:
«وَاَللَّهِ لَوْ وَجَدْتُهُ قَدْ تُزُوِّجَ بِهِ اَلنِّسَاءُ وَمُلِكَ بِهِ اَلْإِمَاءُ لَرَدَدْتُهُ فَإِنَّ فِي اَلْعَدْلِ سَعَةً وَمَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ اَلْعَدْلُ فَالْجَوْرُ عَلَيْهِ أَضَيْقُ»: وكل ذلك إصرار من الإمام على إقامة العدل بین الناس وإرجاعهم إلى التربية التي رباهم عليها رسول الله (صَلّی اللهُ عَلَیهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ).[٦٢]

رابعاً: معاملة الإمام للولاة

يحدث التأريخ عن تعامل الحكام مع عمالهم والولاة على البلاد، فأما عمر فقد وصفه التأريخ بالشدة في تعامله مع عماله، إلا أن ذلك لم يكن وصفاً دقيقاً وتامًّا حيث أن شدته ظهرت على أشخاص كأبي هريرة الذي كان عامله على البحرين فجاءته أخبار سرقته من أموال المسلمين فاتهمه وكذَّبه وأوجع ظهره بالضرب[٦٣]، أما هذه الشدة فلم تظهر من عمر مع معاوية أبداً، فإن معاوية الذي كان والياً على الشام كان قبل ذلك لا يملك شيئًا لكنه أخذ ينهب ويستأثر بأموال المسلمين فلم يصنع معه عمر شيئًا إلا أنه لقَّبه بكسرى العرب وأعظم به من لقب يرتاح له معاوية[٦٤]. وأما عثمان فحدث عنه وعن عماله وما صنعوه بأموال المسلمين ولا حرج[٦٥].

وأما في حكم أمیر المؤمنین (ع)، فإن التأريخ يحدث عن مدى ملاحظته لعماله والولاة على البلاد الإسلامية، وحرصه على إقامتهم العدل في كل صغیرة وكبیرة، ويلاحظ تفاوت مستويات الولاة في عقلياتهم ونفسياتهم بطبيعة الحال.

ونأخذ هنا نماذج من تعامل الإمام وبعض قضاياه مع عماله، فمن ذلك ما يلي:

١. كتابه (ع) إلى أحد عماله وقد جاء فيه[٦٦]:
«أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنِي عَنْكَ أَمْرٌ إِنْ كُنْتَ فَعَلْتَهُ فَقَدْ أَسْخَطْتَ رَبَّكَ وَ عَصَيْتَ إِمَامَكَ وَ أَخْزَيْتَ أَمَانَتَكَ بَلَغَنِي أَنَّكَ جَرَّدْتَ اَلْأَرْضَ فَأَخَذْتَ مَا تَحْتَ قَدَمَيْكَ وَ أَكَلْتَ مَا تَحْتَ يَدَيْكَ فَارْفَعْ إِلَيَّ حِسَابَكَ وَ اِعْلَمْ أَنَّ حِسَابَ اَللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ حِسَابِ اَلنَّاسِ، وَاَلسَّلاَمُ»: لقد أمره الإمام أن يرسل إليه فيخبره بالوارد والصادر وما أخذه وما بذله ليحاسبه، ولكن الإمام (ع) لم يكتفِ بذلك بل نبَّهَهُ إلى أنَّ الحساب الحقيقي هو حساب الله تعالى له، فالإمام إنما يحاسبه بالظاهر وإن كان بإمكانه أن يحاسبه بما هو في الواقع بما يعلمه من الله تعالى، ولكن الله الخبیر بالأمور يحاسب بما هو في الواقع فيكون حسابه شديداً.
٢. ومن النماذج الأخرى ما روته امرأةٌ لمعاوية، وقد كانت تتحدث عن عدل الإمام (ع) وسیرته فقالت:
« وَاَللَّهِ لَقَدْ جِئْتُهُ فِي رَجُلٍ كَانَ قَدْ وَلاَّهُ صَدَقَاتِنَا فَجَارَ عَلَيْنَا فَصَادَفْتُهُ قَائِماً يُصَلِّي فَلَمَّا رَآنِي اِنْفَتَلَ مِنْ صَلاَتِهِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ بِرَحْمَةٍ وَرِفْقٍ وَرَأْفَةٍ وَتَعَطُّفٍ وَقَالَ أَ لَكَ حَاجَةٌ قُلْتُ نَعَمْ فَأَخْبَرْتُهُ اَلْخَبَرَ فَبَكَى ثُمَّ قَالَ اَللَّهُمَّ أَنْتَ اَلشَّاهِدُ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ وَأَنِّي لَمْ آمُرْهُمْ بِظُلْمِ خَلْقِكَ ثُمَّ أَخْرَجَ قِطْعَةَ جِلْدٍ فَكَتَبَ فِيهَا...». وعزل الإمامُ ذلك الرجل من فوره[٦٧].
وليُلاحَظ هذا الموقف قبال موقف سليمان بن عبد الملك الحاكم الأموي حينما بعث أحد رجاله إلى مصر فقال له: «احلبْ حتى ينفيك الدم، فإذا أنفاك فاحلبْ حتى ينفيك القيح، لا تبقيها لأحدٍ بعدي.»[٦٨]. فهو وحكام بني أمية كانوا يأمرون رجالهم أن يسلبوا كل شيء من أموال الناس.
٣. ولنأخذ نموذجاً آخر من النهج كتاباً «إلى المنذر بن الجارود العبدي وقد خان في بعض ما ولاَّه من أعماله» فقد جاء فيه[٦٩]:
«أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ صَلاَحَ أَبِيكَ غَرَّنِي مِنْكَ وَظَنَنْتُ أَنَّكَ تَتَّبِعُ هَدْيَهُ وَتَسْلُكُ سَبِيلَهُ فَإِذَا أَنْتَ فِيمَا رُقِّيَ إِلَيَّ عَنْكَ لاَ تَدَعُ لِهَوَاكَ اِنْقِيَاداً وَلاَ تُبْقِي لِآخِرَتِكَ عَتَاداً أَ تَعْمُرُ دُنْيَاكَ بِخَرَابِ آخِرَتِكَ وَتَصِلُ عَشِيرَتَكَ بِقَطِيعَةِ دِينِكَ وَلَئِنْ كَانَ مَا بَلَغَنِي عَنْكَ حَقّاً لَجَمَلُ أَهْلِكَ وَشِسْعُ نَعْلِكَ خَيْرٌ مِنْكَ وَمَنْ كَانَ بِصِفَتِكَ فَلَيْسَ بِأَهْلٍ أَنْ يُسَدَّ بِهِ ثَغْرٌ أَوْ يُنْفَذَ بِهِ أَمْرٌ أَوْ يُعْلَى بِهِ قَدْرٌ أَوْ يُشْرَكَ فِي أَمَانَةٍ أَوْ يُؤْمَنَ عَلَى جِبَايَةٍ فَأَقْبِلْ إِلَيَّ حِينَ يَصِلُ إِلَيْكَ كِتَابِي هَذَا إِنْ شَاءَ اَللَّهُ».

وقد قلنا إن الإمام يعامل الناس بالظاهر من أمورهم لا بما يمكنه أن يعلمه من علم الله تعالى، وإن هذه الشدة في تعامله مع أحد عماله هنا وهذه الدقة لا تصدر من غیر أمیر المؤمنین (ع)، كما أنه لا غرابة في صدورها منه فإن الذي يرى الدنيا بكل نعيمها أهون من ورقة في فم جرادة وأحقر من نعل بالية- لا شك أنه يستحقر متاعاً يأخذه أحد عماله بالخيانة ويبيع دينه من أجله، لذلك فالإمام يستعظم منه ماصنع ولا يرضاه ويحاسبه أشد المحاسبة، ويصفه بذلك الوصف.[٧٠]

خامساً: الحقُّ ثَقُلَ عليهم

قال (ع)[٧١]:

«إِنْ كَانَتِ اَلرَّعَايَا قَبْلِي لَتَشْكُو حَيْفَ رُعَاتِهَا وَإِنَّنِي اَلْيَوْمَ لَأَشْكُو حَيْفَ رَعِيَّتِي كَأَنَّنِي اَلْمَقُودُ وَهُمُ اَلْقَادَةُ»: فقد كان معهوداً قديماً كما أنه كذلك حديثاً أن الحاكم لكي تستقر له أمور الحكم ويهابه رعيته ويخضعوا له يأخذهم بالشدة في غیر موضعها وبالظلم والاستبداد والعنف فكانت الرعايا تشكو لذلك ظلم الحكام، أما الإمام (ع) فلم يكن يعمل بتلك الطرق التي لا يرضاها الله تعالى، ولذلك قد يطغى عليه ضعاف النفوس وأهل الدنيا الذين يجدون الحق ثقيلاً لتعارضه مع مصالحهم وأهوائهم، فكان الإمام مع معاناته ذلك لا يلجأ لتلك الطرق أبداً بل يلتزم بأحكام الشريعة.[٧٢]

سادساً: الغدر والتقوى

لقد كانت الأمور والظروف مضطربة على الإمام (ع) ومن هنا حاول البعض قديماً وحديثاً أن يبینَّ أن سبب ذلك هو عدم معرفة الإمام (ع) بأمور السياسة والإدارة، إلا أن الواقع أن الإمام كان ملتزماً بأحكام الله تعالى فلم يكن يلجأ إلى الأساليب التي نجح بها الآخرون في سياستهم لأن تلك الأساليب تخالف الشرع، لذلك قال ابن أبي الحديد: «وأمیر المؤمنین كان مقيداً بقيود الشريعة... فلم تكن قاعدتُهُ في خلافتِهِ قاعدةَ غیرِهِ ممن لم يلتزمْ بذلك.»[٧٣].

ومعلوم أن الإسلام لا يريد أن يستقرّ حكمه بطرق الظلم والفساد والكذب والمراوغة والرشوة والغدر وهذا ما لجأ إليه غیر الإمام في سياستهم وتربى عليه الناس حتى لم يعد يصلحهم إلا ذلك، فالإمام (ع) إذن رفض تلك الطرق لأن فيها مخالفة لأحكام الله تعالى كما أنها تمتع فئة من الناس على حساب الآخرين الذي يُحرمون من كل نعيم.

ومن جملة النصوص حول هذه النقطة ما يلي:

١. قال (ع)[٧٤]:
«وَلَقَدْ أَصْبَحْنَا فِي زَمَانٍ قَدِ اِتَّخَذَ أَكْثَرُ أَهْلِهِ اَلْغَدْرَ كَيْساً وَنَسَبَهُمْ أَهْلُ اَلْجَهْلِ فِيهِ إِلَى حُسْنِ اَلْحِيلَةِ مَا لَهُمْ قَاتَلَهُمُ اَللَّهُ قَدْ يَرَى اَلْحُوَّلُ اَلْقُلَّبُ وَجْهَ اَلْحِيلَةِ وَدُونَهُ مَانِعٌ مِنْ أَمْرِ اَللَّهِ وَنَهْيِهِ فَيَدَعُهَا رَأْيَ عَيْنٍ بَعْدَ اَلْقُدْرَةِ عَلَيْهَا وَيَنْتَهِزُ فُرْصَتَهَا مَنْ لاَ حَرِيجَةَ لَهُ فِي اَلدِّينِ».
وهذا أيضاً بعض ما قدمناه من اتصال الحديث بجهاتٍ اجتماعية، فالإمام (ع) يعرض مشكلة ونظرة اجتماعية خاطئة ترى أن الغادر هو الكيِّسُ العاقل الذي يعرف كيف يدير الأمور، وهذه النظرة قائمة قديماً وحديثاً، والإمام هنا يصرح بأن من يقلب الأمور أو يكون عارفاً بتقليبها وتحويلها لعقليته وإدراكه يجد الحيلة ويعرف كيف يستخدمها، فإذا كان ذلك الشخص من المتقین فإنه يدع تلك الحيلة لاشتمالها على معصيةٍ لله تعالى مع قدرته عليها وهذا غاية الرفعة، أما إذا كان الشخص لا يعبأ بالدين فإنه ينتهز تلك الفرصة ويعصي الله تعالى.
٢. وتحدث عن لعبة السياسة حينها فقال (ع)[٧٥]:
«وَاَللَّهِ مَا مُعَاوِيَةُ بِأَدْهَى مِنِّي وَلَكِنَّهُ يَغْدِرُ وَيَفْجُرُ وَلَوْ لاَ كَرَاهِيَةُ اَلْغَدْرِ كُنْتُ مِنْ أَدْهَى اَلنَّاسِ وَلَكِنْ كُلُّ غُدَرَةٍ فُجَرَةٌ وَكُلُّ فُجَرَةٍ كُفَرَةٌ وَلِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يُعْرَفُ بِهِ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ وَاَللَّهِ مَا أُسْتَغْفَلُ بِالْمَكِيدَةِ وَلاَ أُسْتَغْمَزُ بِالشَّدِيدَةِ».
ولعل باعث المقارنة وهذا التصريح هو تلك الظروف الحرجة التي كان فيها معاوية يغزو اليمن والمدينة وأطراف العراق فيقتل الرجال ويسلب الأموال، ويحقق نجاحاً في سياسته بالطرق المعروفة عنه، فأراد الإمام (ع) أن يوضح للناس أن ذلك النجاح ليس لأن معاوية أعرف بأمور السياسة من الإمام (ع) أو لقدرته على الحيلة والمكر أكثر من قدرة الإمام، بل لأن الإمام يتقي الله تعالى ومعاوية لا يهتم بذلك، فقد كان معاوية يغدر ويشتري الضمائر بأموال المسلمين حتى أن قائد جيش الإمام الحسن (ع) وهو ابن عمه عبيد الله بن العباس أغراه معاوية بالمال، فقد ذُكر أنه عرض عليه ألف ألف درهم وقيل غیر ذلك، وكان جيش الإمام (ع) معسكراً استعداداً للحرب مع معاوية، فما كان من عبيد الله هذا إلا أن ضعف أمام المال وتوجه إلى معسكر معاوية[٧٦].
أما أمیر المؤمنین (ع) فلم يكن ليشتري ضمائر الناس ويمارس الرشوة ويضيع أموال المسلمين التي هي أمانة لديه، وكان يسمع ويعلم بذهاب الناس عنه إلى معاوية، فيحدثه مالك الأشتر حول اختلاف الناس فيقول (ع):
«وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَنَّ اَلْحَقَّ ثَقُلَ عَلَيْهِمْ فَفَارَقُونَا لِذَلِكَ، فَقَدْ عَلِمَ اَللَّهُ أَنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُونَا مِنْ جَوْرٍ، وَلَمْ يَلْجَئُوا إِلَى عَدْلٍ، وَلَمْ يَلْتَمِسُوا إِلاَّ دُنْيَا زَائِلَةً عَنْهُمْ، كَأَنَّ قَدْ فَارَقُوهَا، وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ أَ لِلدُّنْيَا أَرَادُوا أَمْ لِلَّهِ عَمِلُوا؟»[٧٧].
وكان بعض أصحابه يشیر عليه باتباع تلك الطرق لاستقرار الحكم فقد «مشى إليه طائفةٌ من أصحابه وسألوه تفضيلَ أولي السابقاتِ والشرفِ في العطاء»،«فقالوا يا أمیر المؤمنین أعطِ هذه الأموالَ وفضِّلْ هؤلاءِ الأشرافَ من العربِ وقريشٍ على الموالي والعجمِ، ومن تخافُ خلافَهُ من الناسِ وفرارَه،»[٧٨]، فكان الإمام (ع) في تلك الظروف ثابتاً لا يعمل إلا بحكم الله تعالى مهما كلَّفَ الأمر فلا يطلب النصر بالجور.

وللتأريخ نذكر أن أول من استخدم المال واشترى الضمائر للهيمنة على الأوضاع هما أبو بكر وعمر لتثبيت حكم أبي بكر في تلك الفترة، فقد كان أبو سفيان يستهين كثیراً بأبي بكر ويرى أنه من أحقر الناس، وقد كان أبو سفيان في مكة يجمع الصدقات فلما رجع إلى المدينة بعد وفاة رسول الله (صَلّی اللهُ عَلَیهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) سأل من تولى الأمر؟ فقيل له: أبو بكر، فقال: أبو فصيل؟ مستهيناً به، فأراد أبو سفيان أن يشعل الفتنة فأتى إلى أمیر المؤمنین (ع) وأخبره أنه يريد أن ينصره فطرده الإمام (ع)، فلما علم عمر بما يحاول فيه أبو سفيان أشار على أبي بكر بأن يعطي أبا سفيان ما في يديه من الصدقات لإسكاته ففعل ذلك[٧٩].

وإننا نجد في تأريخنا المعاصر أن وضع الحكام على هذه الشاكلة فهم يَعِدُون الناس ويغرونهم ويشترون الضمائر والأصوات في الانتخابات ليتولوا الحكم.

وقد رفض أمیر المؤمنین (ع) كل تلك الوسائل وأبى إلا أن يقيم العدل وأراد من الناس أن يقبلوا الحكم بالحق وليس بمعصية الله تعالى وظلم الناس ولو كانت سیرته خلاف ذلك لما صحَّ فيه:

«عَلِيٌّ مَعَ اَلْقُرْآنِ وَاَلْقُرْآنُ مَعَ عَلِيٍّ» و«عليٌّ مَعَ الْحَقّ وَالْحَقّ مَعَ عليٍّ».[٨٠]


المراجع والمصادر

  1. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة

الهوامش

  1. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٣٠٣.
  2. نهج البلاغة، الخطبة ٢.
  3. المواقف، للإيجي ٣/ ٦٢٨ .
  4. نهج البلاغة، الخطبة ٣ .
  5. نهج البلاغة، الكتاب رقم ٩، ص ٣٦٩ .
  6. راجع: العقائد من نهج البلاغة، المؤلف محسن علي المعلم، درس (الإمامة والنص).
  7. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، الكلمة رقم ٦٦، ج ٢٠، ص ٢٦٢، والكلمة ٧٣٣، ج ٢٠،ص ٣٢٦ .
  8. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٣٠٣-٣٠٧.
  9. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٣٠٧-٣٠٨.
  10. نهج البلاغة، الخطبة ٣.
  11. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ١٧ / ٢٥٤، شرح نهج البلاغة، الكتاب رقم ٦٤ .
  12. يمكن مراجعة الغدير ٦/ ٨٣ إلى ص ٣٣٣، نوادر الأثر في علم عمر. وبالخصوص الصفحات: ١١٠، ١١١، ١٢٦، ١٤٤، ١٧٢، ٢٤٧ .
  13. قال ابن أبي الحديد عند شرحه للخطبة الشقشقية ١/ ١٩٧: يريد أن هَّمهُ الأكل والرجيع، وهذا من ممض الذم وأشد من قول الحطيئة الذي قِيلَ إنه أهجى بيت للعرب: دَعِ المكارمَ لا ترحلْ لِبُغْيَتِها*** واقعُدْ فإنكَ أنتَ الطاعمُ الكاسي.
  14. وقال ابن أبي الحديد عند شرحه للشقشقية ١/ ١٩٨ - ١٩٩ متحدثاً عن عثمان: وصحَّت فيه فراسة عمر، فإنه أوطأ بني أمية رقاب الناس، وولَّهم الولايات وأقطعهم القطائع، وافتُتِحَت إفريقية في أيامه فأخذ الخمسَ كلَّهُ فوهبه لمروان... وطلب منه عبد الله بن خالد بن أسيد صِلَةً فأعطاه أربعمائة ألف درهم، وأعاد الحكم بن أبي العاص بعد أن كان رسول الله (ص) قد سیرَّه ثم لم يرده أبو بكر ولا عمر، وأعطاه مائة ألف درهم، وتصدق رسول الله بموضع سوق بالمدينة يعرف بمهزوز على المسلمين، فأقطعه عثمانُ الحارثَ بن الحكم أخا مروان بن الحكم، وأقطع مروان فدك... وحمى المراعي حول المدينة كلها من مواشي المسلمين كلهم إلا عن بني أمية، وأعطى عبد الله بن أبي سرح جميع ما أفاء الله عليه من فتح إفريقية بالمغرب... وأعطى أبا سفيان بن حرب مائتي ألف من بيت المال في اليوم الذي أمر فيه لمروان بن الحكم بمائة ألف....
  15. في رحاب نهج البلاغة، للشيخ المطهري، فصل (نقده للخلفاء)، ص ١٢١ .
  16. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٣٠٨-٣١٢.
  17. نهج البلاغة، الخطبة ٣٠ .
  18. نهج البلاغة، الخطبة ١٦٤.
  19. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٣١٢-٣١٣.
  20. نهج البلاغة، الكتاب رقم ٢٨ .
  21. وللتوسع في مجال النقد يراجع كتابنا الكبیر (النصب والنواصب) فقد أوردنا الكثیر من ذلك في تراجم الحكام الثلاثة.
  22. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٣١٣.
  23. نهج البلاغة، الخطبة ٦٧ .
  24. نهج البلاغة، الحكمة رقم ١٩٠ .
  25. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٨ / ٤١٦ .
  26. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٣١٣-٣١٤.
  27. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٣١٤.
  28. سورة الأنعام، الآية ١٢٤.
  29. نهج البلاغة، الخطبة ٤٠ .
  30. نهج البلاغة، الخطبة ٦ .
  31. وقد فصَّلت ذلك في شرح الخطبة الشقشقية.
  32. نهج البلاغة، الكتاب رقم ٦٢ .
  33. نهج البلاغة، الخطبة ٧٤ .
  34. نهج البلاغة، الخطبة ١٣١ .
  35. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٣٢٥-٣٢٩.
  36. نهج البلاغة، الخطبة ٣٣ .
  37. نهج البلاغة، الخطبة ٢٢٤ .
  38. نهج البلاغة، الحكمة رقم ٢٣٦ .
  39. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٣٢٩-٣٣١.
  40. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٣٣١-٣٣٤.
  41. نهج البلاغة، الخطبة ١٦ .
  42. نهج البلاغة، الخطبة ٨٩ .
  43. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٣٣٤-٣٣٧.
  44. نهج البلاغة، الخطبة ٩٢ .
  45. نهج البلاغة، الحكمة رقم ٢٧٢ .
  46. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٣٣٧-٣٤٠.
  47. نهج البلاغة، الخطبة ٢٢٩ .
  48. نهج البلاغة، الحكمة رقم ١٨ .
  49. نهج البلاغة، الحكمة رقم ٢٦٢ .
  50. يراجع لذلك (الغدير) ١٠ / ٤٣ إلخ.
  51. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٣٤٠-٣٤٢.
  52. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٣٤٣.
  53. نهج البلاغة، الخطبة ١٣٦ .
  54. تلخيص الشافي ٢/ ١٠٤، عن عدة مصادر.
  55. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٣٤٣-٣٤٤.
  56. نهج البلاغة، الخطبة ٦٩ .
  57. يمكن مراجعة شرح ابن أبي الحديد عند شرحه للخطبة الشقشقية وقد ذكرت بعض ذلك في درس (علي والحاكمون).
  58. حياة الإمام الحسين (ع)، للشيخ باقر شريف القرشي ١/ ٤٠٧ .
  59. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٣٤٥-٣٤٦.
  60. نهج البلاغة، الخطبة ٢٠٥ .
  61. نهج البلاغة، الخطبة ١٥ .
  62. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٣٤٦-٣٤٨.
  63. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٢ / ٤٢، والنص والاجتهاد للسيد عبد الحسن شرف الدين/ ٢٨٦ .
  64. النص والاجتهاد/ ٢٩٣ .
  65. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد في شرح الخطبة الشقشقية ١/ ١٩٨ - ١٩٩، وقد مرّ بعض ذلك، والغدير ٨/ ٢٨٦ .
  66. نهج البلاغة، الكتاب رقم ٤٠ .
  67. الإمام علي من المهد إلى اللحد، لمحمد كاظم القزويني / ٢٦٩ - ٢٧٠، وحياة الإمام الحسن (ع) للشيخ باقر شريف القرشي ١/ ٤١٥ .
  68. تأريخ ابن عساكر ٢/ ٤٠٢ - ٤٠٣ .
  69. نهج البلاغة، الكتاب رقم ٧١ .
  70. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٣٤٨-٣٥١.
  71. غريب كلامه (ع) رقم ٢٦١، ص ٥٢٠ .
  72. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٣٥١-٣٥٢.
  73. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٠ / ٢١٢ .
  74. نهج البلاغة، الخطبة ٤١ .
  75. نهج البلاغة، الخطبة ٢٠٠ .
  76. صلح الحسن (ع) للشيخ راضي آل ياسين/ ١٣١، وحياة الإمام الحسن (ع) للقرشي ٢/ ١٢٦ .
  77. وليراجع أيضاً كتابه (إلى سهل بن حنيف الأنصاري، وهو عامله على المدينة، في معنى قوم من أهلها لحقوا بمعاوية) وهو نهج البلاغة، الكتاب رقم ٧٠، ص ٤٦١ من نهج البلاغة.
  78. منهاج البراعة، للمرزا حبيب الله الخوئي ٨/ ١٨٤، ١٩٢، وكذلك (الإمام علي من المهد إلى اللحد) / ٤٢٣ .
  79. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٢/ ٤٤ .
  80. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٣٥٢-٣٥٥.