مبايعة الصحابة في علم الكلام

من إمامةبيديا

شبهة مبايعة الصحابة لمرشح السقيفة (أبي بكر)

إن من بين الأدلة أو الشواهد التي يقيمها أهل السنة على مذهبهم (عدم وجود أصل النص من قبل النبي الأكرم(ص) على تنصيب أحدٍ إماماً على المسلميندعوى الإجماع من قبل المسلمين من المهاجرين والأنصار على ترشيح أبي بكر في يوم السقيفة بتقرير أنه لو كان النبي الأكرم(ص) قد نص على علي(ع) بالإمامة والخلافة من بعده، بحيث يطلع عليه جميع المسلمين، فلماذا لم يلتزم المسلمون بهذا النص، وصاروا إلى دعم أبي بكر وبايعوه؟ ويضيف أهل السنة أن هذا الأمر يدعم ويقوّي عدم وجود النص[١].

ولكن هل يعدُّ تحقق مثل هذا الإجماع والتوافق حجة ومعتبراً؟ يذهب أهل السنة إلى اعتبار حجية هذا الإجماع استناداً إلى حديث ينسبونه إلى الرسول يقول: «لا تجتمع أمتي على خطأ».

مناقشة وتحليل

تعود هذه الشبهة بنحو ما إلى شبهة عدم اشتهار التنصيب؛ إذ تذهب كلتا الشبهتين إلى عدم اشتهار النص، وقد أشرنا في معرض نقد شبهة عدم اشتهار التنصيب إلى الأمور الآتية:

  1. العلم بالنص والعمل على تأويله.
  2. إمكان الاختفاء.
  3. وجود الدوافع السياسية وراء حذف النص أو إخفائه.
  4. تصريح الإمام علي(ع) وبعض الصحابة بوجود النص، والاحتجاج به.

وعليه فإن دعوى دلالة بيعة الناس لخليفة خاص على عدم النص، غير ثابتة لا من الناحية المنطقية، ولا من حيث الحقائق الخارجية، فلا تلازم بين الأمرين؛ إذ من الممكن أن يكون هناك نص على الإمام علي(ع) ذلك يذهب الناس أو طائفة أخرى لأسباب خاصة إلى دعم ترشيح شخص،آخر، وفيما يأتي نشير إلى جانب من هذه الأسباب:

استعجال تشكيل السقيفة وعدم مشروعيتها

إن البيعة والإجماع المقبول والمعتبر هو الاجتماع القائم على أساس التشاور وإعمال الفكر والتأمل من قبل نُخَب المجتمع في مختلف أبعاد الموضوع المجمع عليه وزواياه، أما الإجماع الذي يتخذ بشكل متسرع، فإن اعتباره من ناحية العقل والعقلاء موضع جرح وتساؤل.

أما الإجماع الذي يدعيه أهل السنة فيما يتعلق بانتخاب الخليفة الأول، فهو طبقاً لرواية المؤرخين: إنه بعد رحيل النبي الأكرم(ص) اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة ليختاروا خليفة من بينهم، فأنهي الخبر إلى عمر؛ فسارع إلى أبي بكر يخبره باجتماع الأنصار، فأقبلا مسرعين إلى السقيفة لمواجهة قرار الأنصار، وطبقاً لتقرير المؤرخين لم يتواجد في هذه السقيفة من المهاجرين سوى أبي بكر وعمر وأبي عبيد بن الجراح، وفي مثل هذه الأجواء المتشنجة تم اتخاذ القرار المتسرع، وتمت مبايعة أبي بكر بالخلافة.

والسؤال هنا: هل اتخاذ مثل هذا القرار الخطير في غياب نُخَب المجتمع من أمثال: علي(ع)، و سلمان، و أبي ذر، و المقداد، و ابن عباس، و الزبير، انتخاب عقلاني؟ وهل يمكن إطلاق مصطلح الإجماع على مثل هذه البيعة والانتخاب؟

إن القول بمبايعة الناس للخليفة الأول فيما بعد بحث آخر، إلا أن السؤال يكمن في منطقية أصل السقيفة ومشروعيتها التي تمت من دون حضور النخب الاجتماعية وما يصطلح عليهم بأهل الحل والعقد وعلى وجه التحديد الإمام علي(ع)، والذي يشكل الكفّة الأهم بل المحور الأثقل في القضية.

اعتراض الإمام علي(ع) على السقيفة

إن مكانة الإمام علي(ع) ومنزلته وعدالته ثابتة عند أهل السنة، كما أن عصمته بالإضافة إلى ما تقدم ثابتة عند الشيعة.

وقد تعرض الإمام علي(ع) في أكثر من موضع إلى نفي شرعية السقيفة. ومن ذلك ما قاله لأبي بكر شعراً: «فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم فكيف بهذا والمشيرون غُيّب»[٢].

وفي موضع آخر، أن أمير المؤمنين(ع) «لَمَّا انْتَهَتْ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْبَاءَ السَّقِيفَةِ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اَللّٰهِ صَلَّى اَللّٰهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: مَا قَالَتِ الْأَنْصَارُ؟ قَالُوا: قَالَتْ: مِنَّا أَمِيرٌ وَ مِنْكُمْ أَمِيرٌ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: فَهَلاَّ اِحْتَجَجْتُمْ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ وَصَّى بِأَنْ يُحْسَنَ إِلَى مُحْسِنِهِمْ وَ يُتَجَاوَزَ عَنْ مُسِيئِهِمْ؟ قَالُوا وَ مَا فِي هَذَا مِنَ اَلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ؟ فَقَالَ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ: لَوْ كَانَتِ اَلْإِمَامَةُ فِيهِمْ لَمْ تَكُنِ اَلْوَصِيَّةُ بِهِمْ. ثُمَّ قَالَ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ: فَمَا ذَا قَالَتْ قُرَيْشٌ قَالُوا اِحْتَجَّتْ بِأَنَّهَا شَجَرَةُ اَلرَّسُولِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ فَقَالَ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ اِحْتَجُّوا بِالشَّجَرَةِ وَ أَضَاعُوا اَلثَّمَرَةَ»[٣].

كما قال أمير المؤمنين علي(ع) بشأن بيعة الناس له: «لَمْ تَكُنْ بَيْعَتُكُمْ إِيَّايَ فَلْتَةً»[٤]، في إشارة منه إلى أن بيعة الناس له لم تكن متسرعة كما حصل في بيعة الخليفة الأول.

وعندما أكره الإمام علي(ع) على مبايعة أبي بكر، قال له بعد رفض مبايعته: «أَنَا أَحَقُّ بِهَذَا اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ، وَ لاَ أُبَايِعُكُمْ وَ أَنْتُمْ أَوْلَى بِالْبَيْعَةِ لِي، أَخَذْتُمْ هَذَا اَلْأَمْرَ مِنَ اَلْأَنْصَارِ وَ اِحْتَجَجْتُمْ عَلَيْهِمْ بِالْقَرَابَةِ مِنَ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ تَأْخُذُونَهُ مِنَّا أَهْلَ اَلْبَيْتَ غَصْباً، أَ لَسْتُمْ زَعَمْتُمْ لِلْأَنْصَارِ أَنَّكُمْ أَوْلَى بِهَذَا اَلْأَمْرِ مِنْهُمْ لِمَكَانِ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مِنْكُمْ؟! فَأَعْطَوْكُمُ اَلْمَقَادَةَ، وَ سَلَّمُوا إِلَيْكُمُ اَلْإِمَارَةَ، فَأَنَا أَحْتَجُّ عَلَيْكُمْ بِمِثْلِ مَا اِحْتَجَجْتُمْ بِهِ عَلَى اَلْأَنْصَارِ، نَحْنُ أَوْلَى بِرَسُولِ اَللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) حَيّاً وَ مَيِّتاً فَأَنْصِفُونَا إِنْ كُنْتُمْ تَخَافُونَ اَللَّهَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ، وَ إِلاَّ فَبُوءُوا بِالظُّلْمِ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ[٥]. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إِنَّكَ لَسْتَ مَتْرُوكاً حَتَّى تُبَايِعَ!. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): اِحْلِبْ حَلْباً لَكَ شَطْرُهُ اُشْدُدْهُ لَهُ اَلْيَوْمَ يَرْدُدْهُ عَلَيْكَ غَداً»[٦]

ثم التفت الإمام علي(ع) إلى المهاجرين وقال لهم: «يَا مَعْشَرَ اَلْمُهَاجِرِينَ اَللَّهَ اَللَّهَ لاَ تُخْرِجُوا سُلْطَانَ مُحَمَّدٍ عَنْ دَارِهِ وَ بَيْتِهِ إِلَى بُيُوتِكُمْ وَ دُورِكُمْ وَ لاَ تَدْفَعُوا أَهْلَهُ عَنْ مَقَامِهِ فِي اَلنَّاسِ وَ حَقِّهِ فَوَ اَللَّهِ يَا مَعْشَرَ اَلْمُهَاجِرِينَ لَنَحْنُ أَهْلَ اَلْبَيْتِ أَحَقُّ بِهَذَا اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ أَ مَا كَانَ مِنَّا اَلْقَارِي لِكِتَابِ اَللَّهِ اَلْفَقِيهُ فِي دِينِ اَللَّهِ اَلْعَالِمُ بِالسُّنَّةِ اَلْمُضْطَلِعُ بِأَمْرِ اَلرَّعِيَّةِ وَ اَللَّهِ إِنَّهُ لَفِينَا فَلاَ تَتَّبِعُوا اَلْهَوَى فَتَزْدَادُوا مِنَ اَلْحَقِّ بُعْداً»[٧].

إن هذا المنطق من الإمام(ع) في وصف الحكام في عصره بالعودة إلى الظلم والبعد عن الحق، يشكل دليلا علی أنهم قد اغتصبوا حقه، وارتكبوا ما يخالف الشرع، وإلا لم يكن لاستدلاله محل من الإعراب. فلو كان النبي بصدد الاستدلال بمجرد الأولوية دون التنصيب، وأن الآخرين لائقون وليسوا هم الأليق، فما معنى وصفه لهم بالبعد عن الحق والتورط في ارتكاب الظلم؟

اعتراف الخليفة الأول والثاني بالتسرع في السقيفة

إن السقيفة لم تكن حصيلة مشاورة بين الشخصيات البارزة والنُخَب الاجتماعية، بل كانت عملاً متسرعاً، وهذا ما اعترف به حتى الذين خرجوا منها فائزين بالسلطة. فهذا أبو بكر يعترف ويقول: «إن بيعتي كانت فلتة وقى الله شرها»[٨].

كما كان عمر بن الخطاب كثيراً ما يردّد ويقول: «كانت بيعة أبي بكر فلتة، وقانا الله شرها»[٩].

الدوافع الدنيوية في بيعة السقيفة

لقد تشكلت السقيفة من بضعة من المهاجرين وهم: (أبو بكر بن أبي قحافة و عمر بن الخطاب و أبو عبيدة بن الجراح)، وجمع من الأنصار (قبيلة الأوس والخزرج)، وكان الأنصار قد اتفقوا على خلافة سعد بن عبادة (وهو من قبيلة الخزرج). ولكن بمجرد وصول هؤلاء الثلاثة من المهاجرين وما ساقه أبو بكر وعمر من الأدلة، حيث قال عمر: «هيهات لا يجتمع اثنان في قرن، والله لا ترضى العرب أن يؤمروكم ونبيها من غيركم». وأقنعهم أبو بكر بالتنازل عن الإمر على أن تكون لهم الوزارة قائلاً: «فنحن الأمراء وأنتم الوزراء»[١٠].

كما لعب التنافس الداخلي بين الأنصار وقبيلتي الأوس والخزرج - حيث يمتد الصراع التقليدي بينهما إلى ما قبل الإسلام - دوراً هاماً في انحراف الأمر عن مساره الصحيح، إذ كان يعني انتخاب الخليفة من إحدى هاتين القبيلتين اندحاراً وخسارة تسجل على القبيلة الأخرى، ويبدو أن كلا القبيلتين وجدت في دخول المهاجرين على خط النزاع حلاً وسطاً يرضيهما بقبول التعادل في الخسارة، وبذلك اقتنعوا بأن يكون الخليفة من المهاجرين.

ثم إن كلاً من الأوس والخزرج تنافسا فيما بينهما على مبايعة الخليفة المهاجر، إذ إن القبيلة التي تكون أسرع من أختها في المبادرة إلى مبايعته ستحصل لا محالة على امتياز أكبر وتكون مرضية عند السلطة على حساب أختها، كما اعترف بذلك بعض زعماء الأوس حيث خاطب قبيلته قائلاً: «والله لئن وليتها الخزرج عليكم مرة لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة، ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيباً أبداً؛ فقوموا فبايعوا أبا بكر، فقاموا إليه فبايعوه»[١١].

وبعبارة أوضح: إن الأنصار في قضية السقيفة بدلاً من مراعاة أصل الأصلح والأكفأ في تعيين الخليفة وانتخابه صاروا إلى ملاحظة المصالح القبلية، ومن ثَمَّ إلى الانتخاب أو عدم الانتخاب تحت وطأة التباغض والتحاسد، وهذه الحقيقة مذكورة في مصادر أهل السنة أنفسهم.

فقد ذكر أبو بكر الجوهري هذه الحقيقة قائلاً: فلما رأى بشير بن سعد الخزرجي، ما اجتمعت عليه الأنصار من تأمير سعد بن عبادة - وكان حاسداً له وكان من سادة الخزرج - قام فقال: أيها الأنصار، إنا وإن كنا ذوي سابقة، فإنا لم نرد بجهادنا وإسلامنا إلا رضى ربنا وطاعة نبينا، ولا ينبغي لنا أن نستطيل بذلك على الناس، ولا نبتغي به وعوضاً من الدنيا؛ إن محمداً(ص) رجل من قريش، وقومه أحق بميراثه، وأيم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر، فاتقوا الله ولا تنازعوهم، ولا تخالفوهم ... ولما رأت الأوس أن رئيساً من رؤساء الخزرج قد بايع، قام أسيد بن حضير - وهو رئيس الأوس فبايع حسداً لسعد أيضاً[١٢].

من هنا يتضح أن الدافع الأولي للأنصار من وراء عقد اجتماع السقيفة هو الاستيلاء على الحكم والخلافة وأخذها من المهاجرين، وهذا ما يشهد له توافقهم المبدئي على سعد بن عبادة الخزرجي. وأما قضية إخفاقهم في هذا المسعى، وتغلب المهاجرين (أبو بكر وعمر) عليهم، فهو بحث آخر. إلا أن الذي يهمنا هنا هو أن دوافع الأنصار الكامنة وراء هذا الأمر كانت مادية ودنيوية خالصة، ولا يمكن محو هذا الوصمة السيئة من صفحات تاريخهم.

بعبارة أخرى: إن التاريخ يثبت أن الأنصار رغم عظم التضحية التي قاموا بها في نصرة الإسلام والنبي الأكرم(ص)، لم يكونوا معصومين من الزلل. فلم يكن باستطاعتهم التغاضي عن مصالحهم الدنيوية والمناطقية في الاستيلاء على الحكم والسلطة، ولم يقوموا بما قام به الإمام علي(ع) من واجب تجهيز رسول الله(ص) ورعاية حرمته وكرامته بتغسيله وتكفينه والصلاة على جثمانه الطاهر وتدفينه مهما كان واقع الأحداث السياسية. وإنما تخلوا عن هذا الواجب الديني وتكالبوا على السلطة، ولا يمكن أن يبدو هذا الفعل من وجهة نظر التاريخ والمؤمنين وعشاق النبي الأعظم(ص) إلا عملاً شنيعاً وقبيحاً وسلوكاً غير مشرف.

المسألة الأخرى هي أن المؤرخين السنة - كما رأينا - يصرحون بأن انتخاب الأنصار كان بدافع الحسد، وهو كما نعلم من الكبائر، ومع ذلك لا يتم الحديث هنا من قبلهم عن عدالة الصحابة. في حين عندما يطرح الشيعة مسألة تجاوز الصحابة للنص النبوي بشأن تنصيب الإمام علي بن أبي طالب(ع)، يستيقظ ضميرهم ويرتفع صوتهم بالاعتراض والدفاع عن مظلومية الصحابة وعدالتهم! وعليه ألا يكون أهل السنة في هذا مصداقاً لازدواجية المعايير؟!

البيعة بالإكراه والإجبار

إن دعوى الإجماع واتفاق الأمة على مبايعة الخليفة الأول ادعاء باطل؛ إذ كان هناك كثير من الذين عارضوا اختيار أبي بكر للخلافة، وهناك من لم يبايع أبداً، وكان من بين هؤلاء سعد بن عبادة المرشح الأول للخلافة في السقيفة، على ما سنأتي على ذكر مصيره. وهناك من بايع تحت وطأة الضغط والتهديد والإكراه. والنموذج البارز لهذه المعارضة، تحصن بعض أنصار الإمام علی(ع) في بيت السيدة فاطمة الزهراء(ع)، حيث تم إجبارهم على البيعة بتهديدهم بحرق البيت عليهم[١٣].

وعلى الرغم من التهديد، إلا أن الإمام علي(ع) ظل على موقفه من عدم مبايعة أبي بكر، لستة أشهر كاملة حتى وفاة زوجته السيدة فاطمة بنت رسول الله. وبعد ذلك بايع رعاية للمصلحة.

فمنذ البداية - طبقاً لاعتراف المؤرخين من أهل السنة - كان الذين يرفضون بيعة أبي بكر، يدفعون إلى البيعة بالشتم والضرب ووضع أيديهم بيد أبي بكر بالإكراه سواء أكان راغباً أم كارهاً، فعن أبي سعيد الخدري، قال: «سمعت البراء بن عازب يقول: لم أزل لبني هاشم محباً، فلما قبض رسول الله(ص) خفت أن تتمالاً قريش على إخراج هذا الأمر عنهم، فأخذني ما يأخذ الوالهة العجول، مع ما في نفسي من الحزن لوفاة رسول الله(ص) فكنت أتردّد إلى بني هاشم وهم عند النبي(ص) في الحجرة، وأتفقد وجوه قريش، فإني كذلك إذ فقدت أبا بكر وعمر، وإذ قائل يقول: القوم في سقيفة بني ساعدة، وإذا قائل آخر يقول: قد أبا بكر، فلم ألبث وإذا أنا بأبي بكر قد أقبل ومعه عمر وأبو عبيدة وجماعة من أصحاب السقيفة وهم محتجزون بالأزر الصنعانية لا يمرون بأحد إلا خبطوه، وقدموه فمدوا يده فمسحوها على يد أبي بكر يبايعه، شاء ذلك أو أبى»[١٤].

وقد صرح سلمان الفارسي بأن بيعته كانت بعد حبسه والضغط عليه وتعذيبه جسدياً[١٥].

وهكذا كان الأمر بالنسبة إلى أبي ذر و المقداد و الزبير[١٦].

المخالفون لنتائج السقيفة

يقسم المؤرخون والمحققون الصحابة من خلال مواقفهم السياسية والدينية بعد رحيل النبي الأكرم(ص) إلى خمس جماعات أو خمسة أحزاب - بحسب المصطلح السياسي المعاصر - وذلك على النحو الآتي:

  1. حزب سعد بن عبادة (رئيس قبيلة الخزرج من الأنصار).
  2. حزب أبي بكر وعمر وجمع من المهاجرين.
  3. حزب علي بن أبي طالب(ع) وبني هاشم وجمع كثير من الأنصار، وقليل من المهاجرين، من الذين طالبوا بالبيعة للإمام علي حصرياً.
  4. حزب عثمان بن عفان من بني أمية.
  5. حزب سعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف من بني زهرة.

أما سعد بن عبادة - الذي كان رئيس الأنصار ومرشحهم الأول في سقيفة بني ساعدة للخلافة - فقد امتنع عن مبايعة أبي بكر، وامتنع عن بيعة عمر بعده، بل امتنع حتى عن المشاركة في المناسبات العبادية الجماعية، وكان يتجاهل الخلفاء إلى أن تم اغتياله بسهم في منطقة حوران من بلاد الشام، ونسبوا قتله إلى الجن!

قال الزبير بن بكار كان عامة المهاجرين وجُل الأنصار لا يشكون أن علياً هو صاحب الأمر بعد رسول الله(ص)[١٧].

وقد نسب ابن واضح اليعقوبي في تاريخه هذا الوصف إلى المهاجرين والأنصار أيضاً، إذ يقول: «وكان المهاجرون والأنصار لا يشكون في علي(ع)»[١٨].

وقد ذكر المؤرخون أنه لم يبايع أحد من بني هاشم أبا بكر بن أبي قحافة مدة حياة السيدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله(ص)[١٩].

وكانت جماعة من أصحاب رسول الله(ص) اعترضت على خلافة أبي بكر، وذهبت إلى القول بخلافة الإمام علي(ع)، وفيما يلي نشير إلى أسماء بعضهم على النحو الآتى:

  1. العباس (عم النبي الأكرم(ص)) .
  2. الزبير بن العوام.
  3. أبو أيوب الأنصاري.
  4. سلمان الفارسي
  5. أبو ذر الغفاري
  6. المقداد بن الأسود.
  7. عمار بن ياسر.
  8. بريدة الأسلمي.
  9. أبو هيثم بن التيهان.
  10. سهل بن حنيف.
  11. عثمان بن حنيف.
  12. خزيمة بن ثابت (ذو الشهادتين).
  13. أبي بن كعب.
  14. فروة بن عمرو.
  15. سعد بن بن أبي وقاص[٢٠]

تصريح بعض الصحابة بإمامة الإمام علي(ع)

لقد كان لبعض أصحاب النبي الأكرم(ص) منذ البداية تعلقاً خاصاً بالإمام علي(ع)، وذلك اتباعاً منهم للروايات التي سمعوها من النبي الأكرم في فضل علي؛ ومن هنا يمكن القول إن التشيع - بمعنى الالتفاف حول الإمام علي باعتبار الخليفة والفرد الأكمل والأفضل والوصي الشرعي لرسول الله - قد نشأ في حياة رسول الله. وهناك من أهل السنة المنصفين من اعترف بهذه الحقيقة ايضاً، مثل الدوري الذي قال بأن وجود المؤيدين والمتحزبين للإمام علي(ع) يعود إلى ما قبل السقيفة[٢١].

قال أبو حاتم الرازي: كان الشيعة في عصر النبي الأكرم(ص) لقب أولئك النفر الذي أحبوا علياً(ع)، من أمثال: سلمان وأبي ذر والمقداد وعمار بن ياسر[٢٢].

  1. سلمان الفارسي: كان سلمان الفارسي من خلّص أصحاب رسول الله(ص)، وكان من التفاني والذوبان في أهل البيت حتى عد منهم، حيث قال رسول الله في حقه: «سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ اَلْبَيْتِ». كان سلمان يصف علياً(ع) بأنه فصل الخطاب، وأنه يمتلك علم الوصايا وأنه بمنزلة هارون من موسى[٢٣]. وقد عبّر عن بيعته له بالإمامة إذ يقول: «بايعنا رسول الله على النصح للمسلمين، والإئتمام بعلي بن أبي طالب والموالاة له»[٢٤].
  2. عبد الله ابن عباس: وهو ابن عم النبي الأكرم(ص)، وكان معروفاً بين الصحابة والمسلمين بوصفه من الصحابة البارزين والمفسرين المرموقين للقرآن الكريم. وقد روي عنه أنه حاوره عمر بن الخطاب يوماً في أمر الخلافة فقال له: يا ابن عباس أتدري ما منع الناس منكم؟ قال: لا يا أمير المؤمنين. قال: لكني أدري. قال: ما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوة والخلافة .. فقال ابن عباس: أيميط أمير المؤمنين عني غضبه فيسمع؟ قال: قل ما تشاء. قال: أما قول أمير المؤمنين: إن قريشا كرهت، فإن الله تعالى قال لقوم: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ[٢٥].[٢٦] وروي عن ابن عباس أيضاً، قال: دخلت على عمر يوماً فقال: يا ابن العباس لقد أجهد هذا الرجل نفسه في العبادة حتى نحلته رياء. قلت: من هو؟ فقال: هذا ابن عمك - يعني علياً - قلت: وما يقصد بالرياء أمير المؤمنين؟ قال: يرشح نفسه بين الناس للخلافة. قلت: وما يصنع بالترشيح! قد رشحه لها رسول الله(ص)، فصرفت عنه[٢٧].
  3. خزيمة بن ثابت وهو من الأنصار، وقد لقبه رسول الله(ص) بـ «ذي الشهادتين»، وقد روي عنه أنه قال بعد بيعة الإمام علي(ع): «أيها الناس إنا قد تشاورنا، واخترنا لديننا ودنيانا رجلاً اختاره لنا رسول الله»[٢٨].
  4. حجر بن عدي مدح الإمام علي(ع) شعراً، قال فيه: «يا ربنا سلم لنا علياً .. سلم لنا المبارك المضيا .. المؤمن الموحد التقيا .. لا خطل الرأي ولا غويا .. بل هادياً موفقاً مهديا .. واحفظه ربي واحفظ النبيا .. فيه فقد كان له وليا .. ثم ارتضاه بعده وصيا»[٢٩].
  5. أبو ذر الغفاري: كان أبو ذر طوال فترة خلافة الخلفاء الثلاث يصف الإمام علياً(ع) بأنه «أمير المؤمنين»، وفي ذلك دلالة هامة ودقيقة. وقد وقف ذات مرة في موسم الحج وخطب في الناس قائلاً: «أيتها الأمة المتحيرة بعد نبيها! أما لو قدمتم من قدم الله، وأخرتم من أخر الله، وأقررتم الولاية والوراثة في أهل بيت نبيكم لأكلتم من فوق رؤوسكم ومن تحت أقدامكم، ولما عال ولي الله ولا طاش سهم من فرائض الله، ولا اختلفت الأمة بعد نبيها»[٣٠]. ثم استشهد لتأييد كلامه بالأحاديث النبوية من قبيل: حديث المؤاخاة، وحديث الوزارة لعلى(ع) [٣١]. كما روي عنه أنه قال مخاطباً قريش عند مبايعة أبي بكر: «يا معشر قريش! تركتم قرابة رسول الله، والله ليرتد جماعة من العرب، ولتشكن في هذا الدين، ولو جعلتم الأمر في أهل بيت نبيكم ما اختلف عليكم سيفان. والله لقد صارت لمن غلب، ولتطمحن إليها عين من ليس بأهلها، إن علياً هو الصديق الأكبر، وهو الفاروق بعد رسول الله، يفرق بين الحق والباطل، وهو يعسوب الدين»[٣٢].
  6. المقداد بن الأسود: قال لعلي(ع) يوم السقيفة: «إن أمرتني لأضر بن بسيفي، وإن أمرتني كففت، فقال له: أكفف» [٣٣]. وقال المقداد بشأن خلافة عثمان بن عفان: «لو أجد على قريش أنصاراً، لقاتلتهم كقتالي إياهم مع النبي(ص) يوم بدر»[٣٤]. وناظر المقداد عبد الرحمن بن عوف - الذي لعب دوراً محورياً في تذليل الخلافة لعثمان بن عفان - مستغرباً صنيع قريش في انتزاع سلطان النبي الأکرم(ص) أهله، فقال: «إني لأعجب من قريش وتطاولهم على الناس بفضل رسول الله ثم انتزاعهم سلطانه من أهله ... أما والله لقد تركت رجلاً من الذين يأمرون بالحق وبه يعدلون، أما والله لو أن لي على قريش أعواناً لقاتلتهم قتالي إياهم ببدر وأحد. فقال عبد الرحمن: ثكلتك أمك لا يسمعن هذا الكلام الناس، فإني أخاف أن تكون صاحب فتنة وفرقة. قال المقداد: إن من دعا إلى الحق وأهله وولاة الأمر، لا يكون صاحب فتنة، ولكن من أقحم الناس في الباطل وآثر الهوى على الحق فذلك صاحب الفتنة والفرقة»[٣٥].
  7. عمار بن ياسر: يعد عمار بن ياسر من طلائع أصحاب النبي الأكرم ومن أشدّهم إخلاصاً وتفانياً في ذات الله، وقد مدحه النبي في الكثير من المواطن، ومما قاله في وصفه: أنه تقتله الفئة الباغية، وأن مصير قتلته سيكون هو الخلود في جهنم وكان مقتله في حرب صفين على يد معاوية وهو يقاتل في جيش الإمام علي بن أبي طالب(ع) . وقد روي عن عمار بن ياسر بشأن تعيين عثمان بن عفان في إطار الشورى المنتخبة من قبل عمر بن الخطاب، أنه قال: «يا معشر قريش، أما إذ صرفتم هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم ههنا مرة وهنا مرة، فما أنا بآمن من أن ينزعه الله منكم فيضعه في غيركم كما نزعتموه من أهله ووضعتموه في غير أهله»[٣٦].
  8. أبو سعيد الخدري: قال أبو هارون العبدي: كنت على مذهب الخوارج، حتى سمعت أبا سعيد الخدري يقول: «أمر الناس بخمس، فعملوا بأربع، وتركوا واحدة. ولما سئل عن الأربع؟ قال: الصلاة والزكاة وصوم رمضان والحج. قيل: فما الواحدة التي تركوها؟ قال: ولاية علي بن أبي طالب. قيل: له وإنها المفروضة معهن؟ قال: نعم هي مفروضة معهن»[٣٧].
  9. عمرو بن الحمق: من الذي أسلموا قبل فتح مكة، وكان من خلّص أصحاب الإمام علي(ع)، ألقي القبض عليه وحبس من قبل زياد بن أبيه عندما كان والياً لمعاوية على الكوفة، وقام بقتله[٣٨].
  10. النعمان بن عجلان الأنصاري قال في مدح الإمام علي(ع) شعراً:
كيف التفرّق والوصى إمامنالا كيف إلا حيرة وتخاذلا»[٣٩]
  1. المغيرة بن الحارث بن عبد المطلب قال في مدح الإمام علي(ع) شعراً:
فيكم وصي رسول الله قائدكموصهره وكتاب الله قد نشرا»[٤٠]


ذكر السيد حيدر الآملي في كتابه «الكشكول فيما جرى على آل الرسول»أكثر من مئة صحابي كانوا يدعون الناس إلى ولاية الإمام علي(ع) وإمامته في الأمصار كما أورد العلامة عبد الحسين شرف الدين في كتابه «الفصول المهمة» أسماء مئتين من شيعة الإمام علي(ع)، ورصد محمد حسين آل كاشف الغطاء أسماء ثلاثمئة صحابي شيعي.

وقفة على حديث «لاَ تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى خَطَإٍ»

إن أهل السنة كي يضفوا المشروعية على إجماعهم المزعوم استندوا إلى الحديث القائل: «لاَ تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى خَطَإٍ»، وفي تحليلنا لهذا الحديث تجدر الإشارة إلى الأمور الآتية:

  1. خبر الواحد: إن أول إشكال يثار بشأن هذا الحديث هو أنه من أخبار الآحاد، وقد ثبت ذلك عند أهل السنة أنفسهم، هذا والحال أن المسائل الكلامية والأصول الاعتقادية، وخاصة بالنسبة إلى مسألة على مثل أهمية الإمامة والحكم والخلافة يجب أن يكون هناك دليل قطعي، ولذلك عمد أهل السنة إلى رفض كثير من الروايات الدالة على إمامة الإمام علي(ع) المروية في مصادرهم بحجة أنها من أخبار الآحاد، وأنها لم ترد في صحاحهم الستة! فكيف سمحوا لأنفسهم أن يثبتوا مشروعية خلافة خليفتهم الأول بمثل هذل الحديث الواحد؟! بل ويتوقعون من الشيعة أن يلتزموا بهذا الدليل أيضاً!
  2. عدم تحقق موضوع الحديث: الأمر الآخر أن هذا الحديث يدلّ على أن الأمة الإسلامية إذا اجتمعت على أمر لن يكون ذلك الأمر خاطئاً، وهو ظاهر بل نص في إرادة تحقق الإجماع، وذلك عن اختيار وإرادة ومشورة .

في حين أن بيعة الخليفة الأول لم تستوف شروط الإجماع، بل كانت مجرد قرار فردي اتخذه عدد من الصحابة لا يتجاوز الاثنين أو الثلاثة، هذا أولاً.

وثانياً: كان هذا القرار قد اتخذ من دون تشاور، بل كان قراراً متسرعاً وصفه نفس من اتخذه بأنه «فلتة».

وثالثاً: غاب عن هذا الأمر رؤوس الأمة من الذين تجب استشارتهم فى هذا الشأن، وهم أمثال علي بن أبي طالب(ع)، وعبد الله بن عباس، وسلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري.

ورابعاً: إن مقدار الإجماع الذي تحقق فيما بعد، إنما كان بالإكراه والإجبار.

وأخيراً: هناك من تخلف عن البيعة ولم يبايع حتى آخر لحظة من حياته، مثل: سعد بن عبادة وهو المرشح الأول في السقيفة.

وعليه فإن الحديث المذكور بشأن الخلافة للأدلة الخمسة المتقدمة لا يمكن أن يكون معتبراً، ولا يمكن التمسك به لإثبات مشروعية أصل بيعة وخلافة الخليفة الأول[٤١].

تأويل النصوص

يعمل المناوئون للإمام علي(ع) على تأويل النص النبوي الشريف بشتى الطرائق والسبل، على ما سيأتي تفصيله في الفصل القادم، وفيما يلي نكتفى بذكر العناوين الآتية:

  1. مجرد بيان الأفضلية.
  2. حمل الأمر على مجرد الترشيح.
  3. اختصاص الأمر بالهداية.
  4. بيان أصل الترتب.
  5. الضرورة.
  6. توقف الأمر على مبادرة الإمام
  7. توقف الأمر على البيعة .

اختفاء النص ونسيانه

إن العامل الآخر الذي أدى إلى توجّه الناس إلى الخليفة الأول، وعدم التوجه إلى الإمام علي(ع)، هو جهلهم ونسيانهم لأصل تنصيب النبي للإمام علي، ويؤيد هذا الأمر جواب بعض الصحابة للإمام علي(ع)،من أمثال بشير بن سعد.

حيث روى أن أمير المؤمنين(ع) قال للمهاجرين: «يَا مَعْشَرَ اَلْمُهَاجِرِينَ لَنَحْنُ أَهْلَ اَلْبَيْتِ أَحَقُّ بِهَذَا اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ أَ مَا كَانَ مِنَّا اَلْقَارِي لِكِتَابِ اَللَّهِ اَلْفَقِيهُ فِي دِينِ اَللَّهِ اَلْعَالِمُ بِالسُّنَّةِ اَلْمُضْطَلِعُ بِأَمْرِ اَلرَّعِيَّةِ وَ اَللَّهِ إِنَّهُ لَفِينَا فَلاَ تَتَّبِعُوا اَلْهَوَى فَتَزْدَادُوا مِنَ اَلْحَقِّ بُعْداً. فَقَالَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ لَوْ كَانَ هَذَا اَلْكَلاَمُ سَمِعَتْهُ مِنْكَ اَلْأَنْصَارُ يَا عَلِيُّ قَبْلَ بَيْعَتِهِمْ لِأَبِي بَكْرٍ مَا اِخْتَلَفَ عَلَيْكَ اِثْنَانِ وَ لَكِنَّهُمْ قَدْ بَايَعُوا»[٤٢].

المنع من انتشار نظرية «النص»

لقد نص النبي الأكرم(ص) وأكد على خلافة الإمام علي(ع) وإمامته في كثير من المواطن، من قبيل غدير خم. بيد أن المخالفين لخلافة الإمام وأولئك الذين كانوا يخططون للاستيلاء على السلطة، صاروا بصدد المنع من شیوع مسألة النص ورسميتها وتنصيب الإمام علي(ع) خليفة وإماماً على المسلمين. والمثال البارز على هذه الحقيقة ما عرف برزية الخميس حيث تم منع النبي الأكرم(ص) من كتابة وصيته بشأن الحكم ومستقبل المسلمين.

وعليه عندما يقع زمام الحكم والسلطة بشكل أو بآخر في يد المناوئين للإمام، أو المخالفين لأصل التنصيب، فمن الطبيعي أن يسعوا إلى العمل بشتى الطرق على تضعيف نظرية التنصيب أو تأويلها من أجل مواجهة أزمة مشروعية حكمهم. ومن بين تلك الطرق إجبار الناس والصحابة على مبايعة خليفة السقيفة، على ما ثبت تفصيله في المصادر التاريخية.

في ظل هذه الأجواء كان أنصار أصل التنصيب أو العالمون به لا يجرأون عن التصريح بوجود النص عليه، فضلاً عن التبليغ له ونشره، وهذه الحقيقة سيكون لها تأثير لا على تأييد وصدق هذه النظرية، بل وعلى شيوعها وانتشارها أيضاً. والشاهد الآخر على هذا الأمر هو نسيان يوم الغدير أو تجاهله طوال فترة خلافة الخلفاء الثلاثة الأوائل، حيث كان إحياء ذلك اليوم منافياً لمصالح تلك الحكومات، وأما عندما آل الأمر إلى الإمام علي(ع) فقد بدأ يولي هذا اليوم أهمية خاصة.

القراءة العلمانية للنص

إن من بين العناصر الأخرى التي دعت إلى ابتعاد الناس عن أصل تنصيب النبي الأكرم(ص)، وذهابهم إلى خلافة أبي بكر، هو القراءة الدنيوية والعلمانية للنص النبوي في حقل الدنيا .

إن هؤلاء على حد التعبير الدقيق لبعض الصحابة - قد قبلوا روايات النبي ونصوصه في الحقل الديني بوصفها وحياً سماوياً، وأما في حقل الدنيا فهناك متسع يتيح لهم العمل بهذه النصوص والروايات أو رفضها، من هنا فإنهم على الرغم من علمهم بوجود النصوص على إمامة الإمام علي(ع) وخلافته أباحوا لأنفسهم عدم الالتزام بها، واختيار مرشح آخر[٤٣].

إبعاد الإمام علي(ع) بذرائع واهية

على الرغم من أن الإمام علي(ع) - عندما رحل رسول الله(ص) عن هذه الدنيا - كان شاباً لا يتجاوز عمره الثالثة والثلاثين سنة، إلا أنه طبقاً لكثير من النصوص كان يرى نفسه جديراً بالحكم، بل يرى نفسه الأكفأ والأقدر والأجدر بالحكم، وهذا ما اعترف به حتى المناوئون لحكومته.

وهنا يطرح هذا التساؤل نفسه: لماذا أعرض الناس - وبتعبير أدق: كبار القوم ورؤساؤهم - عن انتخاب الإمام علي(ع) واختاروا أبا بكر بن أبي قحافة؟

بأدنى نظرة إلى التاريخ يتضح أن مخالفي الإمام علي(ع)، وعلى رأسهم عمر بن الخطاب، قد لجأوا إلى مختلف الذرائع والحجج لتبرير فعلتهم وأهم تلك الذرائع عبارة عن:

  1. صغر سن الإمام علي(ع) .
  2. كونه صاحب دعابة.
  3. عدم دعم القبائل العربية له.
  4. حب قبيلته .

من خلال التدبّر في أدلة الخليفة الثاني يتضح أن لا شيء من هذه الأدلة يمكنه أن يبرر ما قام به من إبعاد الإمام علي(ع) عن الحكم مع اعترافه بشخصيته الفريدة والفذة. بل كان يتعين على جميع المسلمين في صدر الإسلام - الأعم من المهاجرين والأنصار - أن يسلموا زمام الأمور إلى الإمام علي(ع) ويسيروا في ركابه من أجل بقاء الإسلام، لما يتمتع به من المزايا الشخصية التي لا تتوفر في غيره، مضافاً إلى نصوص النبي الأكرم(ص) في حقه.

حاصل الكلام أن توجّه أو إعراض الناس عن حكومة أو حاكم وإن كان يمكن له أن يشكل أرضية وقاعدة حكومية أو يسقطها، إلا أن هذا لا ينهض دليلاً على صدقها وقانونيتها وأحقيتها ومشروعيتها نفياً وإثباتاً، وإن مقالة القدماء القائلة: «الناس على دين ملوكهم» وإن كانت لا تصدق على نحو الموجبة الكلية، ولكن يبدو أنها ذات مصاديق كثيرة.[٤٤]

المراجع والمصادر

  1. محمد حسن قدردان قراملكي، الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية

الهوامش

  1. انظر: أبو الحسن الأشعري، الإبانة، ص ١٢٦ - ١٤٥؛ ابن حزم، الفصل، ج ٣، ص ١٥؛ شرح المواقف، ج،٨ ص ٣٨٥ - ٣٨٦؛ شرح المقاصد، ج٣،ص ٤٩١ ؛ أبكار الأفكار في أصول الدين، ج ٣، ص ٤٢٨؛شيخ الأزهر سليم البشري.
  2. ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ١، ص ١٣٢؛ السقيفة وفدك، ص ٧٠.
  3. نهج البلاغة، الخطبة رقم: ٦٨، الكتاب: ٢٨؛ ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ٢، ص ٢٥، وج ١٧، ص ١٦٤.
  4. نهج البلاغة، الكتاب رقم: ١٣٦.
  5. السقيفة وفدك، ص ٦٠ ؛ ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ٦، ص ١١؛ الإمامة والسياسة، ج ١، ص ٢٩.
  6. السقيفة وفدك، ص ٦١ ؛ ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ٦، ص ١٢ .
  7. السقيفة وفدك، ص ٦١ ؛ ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ٦، ص ١٢ .
  8. ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ١، ص ١٣٢؛ السقيفة وفدك، ص ٧٠.
  9. سيرة ابن هشام، ج،٤ ص ٣٠٨؛ ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ٢، ص ٢٥، وج ١٧، ص ١٦٤ .
  10. تاريخ الطبري، ج ٢، ص ٥١٥ ؛ الكامل في التاريخ، ج ٢، ص ٣٢٥.
  11. تاريخ الطبري، ج ٢، ص ٥١٥ ؛ الكامل في التاريخ، ج ٢، ص ٣٢٥.
  12. السقيفة وفدك، ص ٥٩ .
  13. انظر: ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ٢، ص ٥٦؛ السقيفة وفدك، ص ٣٨ و٧٠ - ٧٢؛ ابن واضح اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، ج ٢، ص ١٢٦؛ الإمامة والسياسة، ص ١٢ .
  14. انظر: ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ١، ص ٢١٩؛ السقيفة وفدك، ص ٤٦ .
  15. انظر: کتاب سليم بن قيس، ص ١٥٨.
  16. انظر: کتاب سليم بن قيس، ص ١٥٨.
  17. الأخبار بالوفيات، ص ٥٨٠ ؛ شرح نهج البلاغة، ج ٦، ص ٢١ .
  18. ابن واضح اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، ج ٢، ص ١٢٤، باب في السقيفة.
  19. انظر: أسد الغابة، ج ٣،ص ٣٢٩؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج ٢، ص ٣٢١؛ المسعودي مروج الذهب، ج ٢، ص ٣١٦.
  20. نقلاً عن: موسوعة الإمام علي، ج ٣، ص ٣٤؛ وأيضاً: عبد الله المامقاني، تنقيح المقال، ج ١، ص ١٩٨؛ ابن عبد ربه الأندلسي، العقد الفريد، ج ٤، ص ٢٤٧؛ تاريخ اليعقوبي، ج ٢، ص ١٢٤.
  21. مقدمة في تاريخ الإسلام، ص ٤٨ .
  22. انظر: أبو حاتم الرازي، كتاب الزينة، ص ٢٥٩ .
  23. انظر: كنز العمال، ج ٤، ص ٨، ح ٩٢٢٣.
  24. کتاب سلیم بن قيس، ص ١٥٦ ١٥٩؛ ابن الجوزي، صفوة الصفوة، ج ١، ص ٢١٥؛ معالم التنزيل، حاشية خازن، ج ٥، ص ١٨٧؛ الشيعة في الميزان، ج ١، ٢١٥؛ ص ٦٠ و١٩٦ .
  25. سورة محمد، الآية ٩.
  26. ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ١٢، ص ٥٣.
  27. ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ١٢، ص ٨٠.
  28. أبو جعفر الإسكافي، المعيار والموازنة، ص ٥٤.
  29. ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ١، ص ٩ - ١٤٣ .
  30. انظر: ابن واضح اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، ج ١، ص ١٢٠؛ شرح الأخبار، ج ٢، ص ٥٠٠؛ نثر الدرر، ج ٢، ص ١٧٧ ؛ کتاب سُلیم، ص ١٥٦؛ العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٢٧، ص ٣١٩ - ٣٢٠.
  31. انظر: المتقي الهندي، كنز العمال، ج ٧، ص ٣٠٥، طبعة حیدر آباد، وج ١٣، ص١١٩؛ ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ٩، ص ١٦٩.
  32. أسد الغابة، ج ٥، ص ٢٨٧؛ تاريخ اليعقوبي، ج ٢، ص ١٢٠؛ کنز العمال، ج ٧، ص ٣٠٥؛ ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ٩، ص ١٦٩.
  33. كتاب سليم بن قيس، ص ٥٦ .
  34. المسعودي، مروج الذهب، ج ١، ص ٣١٠، باب الثورة على عثمان.
  35. ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ٩، ص ٥٧؛ المسعودي، مروج الذهب، ج ١، ص ٣٦١؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج ٣، ص ٧؛ الشيعة في الميزان، ج ١، ص ٦٢ .
  36. المسعودي، مروج الذهب، ج ١، ص ٣١٠، باب الثورة على عثمان.
  37. الحسكاني، شواهد التنزيل، ج ١، ص ٢٥٧ الشيعة في الميزان، ج ١، ص ٦٣ .
  38. انظر: ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ٣، ص ١٨١؛ أبو جعفر الإسكافي، المعيار والموازنة، ص ١٣٠؛ وقعة صفين، ص ١٠٣.
  39. ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ١، ص ١٤٩.
  40. ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ١، ص ١٥٠ .
  41. انظر، رضواني، امام شناسي، ج ٢، ص ٣٩.
  42. السقيفة وفدك، ص ٦١ .
  43. انظر: عبد الحسين شرف الدين، المراجعات، المراجعة رقم١٧.
  44. محمد حسن قدردان قراملكي، الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٣١١-٣٣٤.