العزلة في علم الأخلاق
تمهيد
«العزلة»: هي ملكة يقتدر بها الإنسان ان يعيش وحده في خلوةٍ عن الناس، فلو كان في حبس أو في برّ لا يشغله الوحدة والخلوة عن نفسه وعن الله تعالى وهذه الفضيلة عظيمة محبوبة للأولياء ولا يمكن الوصول إلى الكمال إلّا بتحصيل ملكتها، حتّى انّ رسول الله (ص) انعزل عن النّاس والتجأ إلى جبل حراء حتّى يتلّقى الوحي من ربّه الجليل كما انّه تعالى إذا أراد أن يهب له ابنته الصدّيقة المعصومة أمره بالانعزال أربعين يوماً ثمّ غذّاه من اغذيه الجنّة، ثم أمره بالخروج إلى زوجته فانتقل نور الزهراء منه إلى الخديجة الكبرى سلام الله عليهما.
وأنت تعلم انّه لا اثر علمي ولا كتاب لعالمٍ إلّا وهو رهين عزلة صاحبه، فلولاها لما كانت لنا هذه الآثار الّتي نفتخر بها اليوم، فخلوات المفيد و الطوسي والمحقّق نصير الملّة والدّين والمحقّقين والعلّامة والشّهيدين والشّيخ الأنصاري وصدر المتألهين وشيخ الرّئيس وصاحب الجواهر وأمثالهم وفّقتهم للقيام بنشر العلم وكتابته وبثّه.
وأنت إذا تأمّلت أحوالهم ترى انّ عزلتهم أوجبت لهم تلك الافتخارات، وكلّ هؤلاء الأخيار ما عمّروا أزيد من السبعين أو الثمانين بل غالبهم دون الستين، ولكن الاستفادة من العمر بالعزلة فيه أعطتهم التوفيق لتدوين تلك الآثار، وغالب هؤلاء الاعلام لهم أزيد من مأة مؤلَّفٍ.
وقس عليهم المخترعين والمبدعين فمن نظر في تاريخهم وسيرتهم يرى انّ العزلة أعطتهم تلك الافتخارات.
وبالجملة انّ التفكر وهو بحاجةٍ إلى العذلة يوجب العظمة فلذا عدّ ساعته أفضل من عبادة سبعين سنة.
وهذا العظمة والفخر لا يختصّ بصاحبها فقط، بل بالإنسانية ولا يختصّ بالمعنويات، بل الكمالات كلّها فردية واجتماعية، مادّية ومعنوية مرهونة للفكر، ومعلوم انّ التّفكّر لا يمكن ان يتحقق بلا ملكة العزلة.
وضدّ هذه الملكة العظيمة هو الألفة وهي ملكة يقتدر بها صاحبها على مخالطة النّاس وكونه جاذباً ومنجذباً، وبعبارة أخرى انّ الألفة ملكة يقتدر صاحبها على كونه آلفاً ومألوفاً.
وروى عن أمير المؤمنين (ع) انّها من صفات المؤمن ولا خير فيمن لا يكون له تلك الفضيلة.
قال (ع): «اَلْمُؤْمِنُ مَأْلُوفٌ وَ لاَ خَيْرَ فِيمَنْ لاَ يَأْلَفُ وَ لاَ يُؤْلَفُ.» [١]
وهي كالعزلة من الملكات الفاضلة الهامّة، ولو لم تفد إلّا التمكّن من التّعليم والتّعلّم ليكفيك ان تقول: انّها من أفضل الفضائل فتحصيل العلم والمعاش والمعاد وكسب الفضائل ودرك ثواب إعانة النّاس والعمل بقانون المواسات ونحو ذلك يتوقّف على الألفة، بل الدّين لا يكون إلّا الحبّ والبغض وهما يتوقّفان على المؤالفة.
أضف إلى ذلك انّ ابلاغ الشرع لا يمكن إلّا بالمؤالفة، والمبلّغون لرسالات الله من الأنبياء والأوصياء والعلماء لايتمكّنوا من الإبلاغ إلّا بالمخالطة والمؤالفة.
الا ترى انّ إبراهيم (ع) إذا اسكن إسماعيل وامّه (ع) بواد غير ذي زرع لتبليغ الدّين وعمران بيت الله وإقامة الصّلوة، دعاه تعالى فاستدعى منه مؤالفة النّاس لهما وميلهم إليهما.
قال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾[٢]
الا ترى انّ الله تعالى جعل أجر المتّقين في الدّنيا مودّة النّاس لهم وهوى قلوبهم إليهم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾[٣]
الا ترى انّه تعالى جعل المودّة أجر الرّسالة ثمّ اخبر انّ تلك المودّة توجب السّعادة لهم فيرجع الاجر إليهم.
قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾[٤]
وقال تعالى: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾[٥]
وبالجملة انّ الألفة والمؤالفة فضيلة هامّة ومطلوبة عندالله تعالى وتترتّب عليها فوائد كثيرة ولا يمكن تحصيل سعادة الدّارين إلّا بها، فهي كالعزلة ذات مزايا لابدّ لكلّ مؤمن ان يحصّلها.
وان شئت قلت: انّ الألفة والعزلة جناحان ومن شاء ان يعرج إلى سماء السّعادة لا محيص له من أن يطلبهما، فجناح العزلة فقط غير مفيد كالطّائر الّذي يكون له جناح واحد، وجناح الألفة فقط ناقص ايضاً كالطّائر ذي جناح واحد، فمن يطلب الطّيران إلى السّعادات الدّنيوية والاخرويّة ليطلب الجناحين من العزلة والألفة، فبعد ذلك يحصل له البراق ويعرج إلى ما أراد.
وممّا يمتاز هذه الفضيلة - أي فضيلة العزلة - عن سائر الفضائل انّ ضدّها ايضاً فضيلة، فالعزلة فضيلة عظيمة تترتّب عليها آثار عظيمة، والألفة ايضاً فضيلة مهمّة تترتّب عليها فوائد كثيرة، فلابدّ لمن يريد التّحلية ان يحلّى بهاتين الفضيلتين ويستفيد من كلّ واحدٍ منهما فيما يخصّه من الموارد وليس بين الفضائل ما هو بهذه المثابة لانّ الشّجاعة على سبيل المثال فضيلة ولكن ضدّها وهو الجبن أو التهوّر ليس بفضيلة بل انّهما من الرّذائل بحيث يجب الاجتناب عنهما، والسّخاوة فضيلة وضدّها وهو البخل رذيلة يجب التّخلية عنها، والعدالة فضيلة وضدّها الظلم أو الانظلام ويلزم الاجتناب عنهما، والقناعة فضيلة وضدّها الطّمع الّذي التخلية عنها واجب، والتّواضع فضيلة وضدّها الكبر رذيلة موبقة توجب الخسران، والحلم فضيلة وضدّها الغضب رذيلة ان اشتعلت تحرق الدين، وهكذا وقد مرّت في هذه المجلّدات الثلاثة تسع وثلاثون فضيلة تضادّ كلّ واحد منها رذيلة، فمن يريد السّلوك إلى جنابه تعالى والسير إليه لابدّ له من أن يخلّى نفسه عن تلك الرّذائل ويقطع عروقها ويهذّبها عنها، وان يحلّى بتلك الفضائل ويغرس شجرة كلّ واحد منها في قلبه وبالمواظبة التّامّة عليها تؤتى اكلها كلّ حين باذن ربّها.
ولكن من بين الفضائل تمتاز هذه الفضيلة - وهي الّتي جعلناها الأخير من الفضائل في هذا الكتاب وهي الموفية لعدد الأربعين المبارك - بمزية خاصّة وهي انّ ضدّها - وهو الألفة - ايضاً فضيلة فالسالك لا محيص له من أن يتحلّى بالفضيلتين، وخلوّ النّفس منهما أو من أحدهما نقص يوجب فوات فوائد كثيرة بل كما ذكرنا في صدر البحث لا يمكن العروجالسّعادات لمن لم يحصل هاتين الجناحين.
ومن الغريب ما وقع لنا في تدوين هذا الكتاب من البدأ بالفضائل والختم بها أيضاً، حيث إن الألفة فضيلة أيضاً، وما كنّا مقدّرين لهذا الأمر، كما وأنّه قد ختمناه بعدد الأريعين المبارك، وهذا أيضاً غريبٌ، فنتفأّل بهما الخير ليكونا لطفين خفيّين منه جلّ وعلا، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.[٦]
تنبيهات هامّة
الف: انّ العزلة قد تفسّر بالرهبانية وهي ترك مجتمع النّاس وبالمآل ترك الدّنيا ولذّاتها والحرمان عن منافعها وعن مثوبات لا تحصل إلّا بمعاشرة الآدميّين.
وبعبارة أخرى هي العزلة بحسب الجسم، وهي ليست من الإسلام في شيءٍ وقد اشتهر انّ الرسول (ص) كررّ قوله هذا في مواضع مختلفة: «لاَ رَهْبَانِيَّةَ فِي اَلْإِسْلاَمِ» [٧]، وقد وردت روايات من أهل البيت (ع) في مذمَّتها حتّى انّه (ص) جعلها رغبة عن السّنّة ثمّ ذكر الرغبة عنها في حدّ الكفر، وقد اشتهر منه (ص) انّه إذا سمع انّ رجلًا من أصحابه تزهّد أو ترهّب، كان يقول: «أَلاَ إِنِّي أَنَامُ بِاللَّيْلِ وَ أَنْكِحُ وَ أُفْطِرُ بِالنَّهَارِ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» [٨]
والقرآن الكريم ردّ على هذه الرّهبانية بقوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾[٩]
والمعنى انّ النّصارى ابتدعوا الرّهبانية وكانت بدعة منهم حيث لم نكتبها عليهم بل المكتوب عليهم ابتغاء رضوان الله فهم لم يراعوا ما كتبنا وابتدعوا الرّهبانية الّتي لم تكن من رضوان الله تعالى. وبالجملة انّ الشّذوذ من الجماعة والخروج عنها وتركها ليس من الإسلام كما انّ التّزهد من لذّات الدّنيا ايضاً كذلك، نعم قد تكون العزلة بهذا المعنى حسن بعنوان ثانوي كما إذا فسد الزّمان فانحصر حفظ الدين أو الدنيا للمرء في الزهد والاعتزال عنهم أو يكون ضعيف النّفس، فيؤدّيه الاختلاط والتآلف إلى الفساد ونحو ذلك إلّا انّه خارج عن محلّ الكلام، ولعلّ بعض الروايات الّتي وردت في مدح العزلة بهذا المعنى وردت مشيراً إلى زمان خاصّ أو مكان خاصّ أو فرد خاصّ فليس وارداً مدار السّنّة المطهّرة.
وقد تفسّر بمعنى التبتّل وهو الانقطاع إلى الله عن النّاس والانس به تعالى ولو كان بين النّاس، وبعبارة أخرى عزلة القلب، وبهذا المعنى تكون العزلة من اشرف الحالات ممدوحةً بلسان الوحي، كقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ﴾[١٠]
ويمدحها أهل البيت (ع) في روايات منها قول الصادق (ع): «صَاحِبُ اَلْعُزْلَةِ مُتَحَصِّنٌ بِحِصْنِ اَللهِ وَ مُحْتَرِسٌ بِحَرَاسَتِهِ فَيَا طُوبَى لِمَنْ تَفَرَّدَ بِهِ سِرّاً وَ عَلاَنِيَةً» [١١]
وبهذا المعنى كما يظهر من الآيات والرّوايات يحضر قلب المرء المنغزل عن المجتمع بحضرته تعالى ولو كان بين النّاس وفيهم، فهو دائم التّوجّه سرّاً وعلانية، ولا فرق في انّه يصبح في الخلوة أو في الجلوة جسماً فطوبى له.
وثالثة تفسّر بمعنى القدرة على التّفرّد والتوحّد فيلتذّ منهما كما يلتذّ من الألفة ويقتدر على الصّبر عليها.
وهذا المعنى هو الّذي نبحث عنه هيهنا، وقلنا انّها نعمة عظيمة وفضيلة كبيرة، وكثير من المنافع مرهونة لها، وبهذا المعنى تمدح في روايات، منها قول الكاظم (ع) لهشام بن الحكم: يا هشام الصّبر على الوحدة علامة على قوّة العقل، فمن عقل عن الله اعتزل أهل الدّنيا والرّاغبين فيها ورغب فيما عندالله وكان الله انيسه في الوحشة وصاحبه في الوحدة وغناه في العيلة ومعزّه من غير عشيرة، يا هشام قليل العمل مع العلم مقبول مضاعف، كثير العمل من أهل الجهل مردود [١٢]
نعم من حصلت له هذه الفضيلة فلابدّ له من التفاته إليها ليستفيد منها كمال الاستفادة اوّلًا، والالتفات إلى أنّها لا تصرف فيما لا يعنى وفيما لا فائدة هامّة فردية أو جماعية فيه ثانياً، ثمّ الالتفات إلى أنّه لا يجوز البطالة فيها ثالثاً، ويتذكّر انّ الفرصة تمرّ مرّ السّحاب فلو صُرِفت هذه النّعمة في الفضولات أو اضيعت فلم يستفد منها حقّها فللمعتزل ما أوعده الوحي المبين بقوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾[١٣]
كما وقد نعرف رجالًا كثيرة قد وهبهم الله تعالى هذه النعمة حتّى صارت طبيعةً ثانويةً لهم، لكنّهم أضاعوها، فلا حظّ لهم منها، أو حظّهم منها قليلٌ جداً، حيث استعملوها فيما لا فائدة فيه، كتأليف ما لا يحتاج إليه المجتمع، أو لا يقبله، أو يُرمى في زاوية من مكتباتهم الخاصّة لاعوجاجاتهم الفكريّة، أو استبدادهم بآرائهم، أو غيرها، وأقبح من الكلّ صرفها فيما يشين الشريعة البيضاء، نعوذ به سبحانه وتعالى من الخذلان.
ب: انّ الألفة ايضاً كالعزلة تستعمل في معان عدّة مختلفة.
فقد يُطلق ويراد منها مخالفة النّاس بحسن الخلق وطلاقة الوجه ولينة الكلام ومراعاة الآداب والرّسوم الجماعيّة، وقد استفاضت الرّوايات في لزوم ذلك على المؤمن ورتّب عليها ثواب عظيم فيها كما وقد روى ثقة الإسلام الكليني روايات كثيرة في ذلك.
بل كثيراً ما نسمع ونرى انّ العصبيات الفرديّة والقوميّة والحزبيّة بل الرّذائل الاخلاقيّة نظير الحسد والكبر والغريزة الجنسيّة ونحو ذلك تحرك المشاعر وهي توجب ان يسهل لصاحبها ايثار النّفس والأولاد فضلًا عن المال أو غيره.
نعم انّ المشاعر باىّ وجه تحرّكت سيّما إذا تحرّكت من جهة العقيدة الدينيّة توجب العمل وهي المثبّت إلّا انّها لا ثبات لها، وإذا ذهب المحرّك ذهب المتحرّك، وهذا هو السرّ في ارتداد النّاس بعد النبي ورجوعهم عن بيعتهم يوم الغدير إلّا قليل منهم وهم المؤمنون حقّاً الّذين دخل الإيمان شراشر قلوبهم.
والمقصود من هذا التطويل انّ للإسلام مثبّتاً وهو الإيمان القلبىّ وهي هامّةٌ جدّاً، فما قيل من انّ الأخلاقيّات أمور حسنة ولكنّها لامؤيّد لها، خطأٌ جدّاً.
ج: انّ القوم في هذا البحث وقعوا في اشتباه عظيم حيث خُيّل إليهم انّه لا يجوز ان يجتمع العزلة والألفة في شخص واحد وانّهما ضدّان، فان استقرّ أحدهما في نفس المرء لا استقرار للثاني فيها، فظنّوا انّ بينهما تضادّ من باب الفضيلة والرّذيلة، فلذا وقعوا في الحيص والبيص والقيل والقال، وفي ذكر مرجّحات العزلة على الألفة وبالعكس وذكر الروايات الواردة في فضيلة كلّ واحدٍ منهما وكيفيّة الجمع بين الروايات، وأخيراً تبعوا الغزالي في الاحياء، فقالوا بتفاوت الاشخاص والأزمنة والأمكنة في ذلك، فذهبوا إلى انّ الأفضل لمن بلغ مقام الانس هو الخلوة والعزلة، ولمن لم يصل إليه هو الخلطة ثمّ أوردوا على أنفسهم بانّ الأنبياء مع وصولهم إلى مقام الانس قد خالطوا النّاس فلا منافاة بين الألفة والعزلة، ثمّ أجابوا بعدم امكان الجمع بينهما إلّا بالقوّة النبويّة.
هذا مجمل كلامهم في هذا المضمار، وأنت بسبر النظر فيما قلنا، خبيرٌ بمواضع الخطأ فيه، والسرّ فيه ابتنائهم المسألة على مبنى خطأ، فنهجوا طريقاً غير سوىٍّ ليصلوا إلى الطريق المستقيم، فكلّما زادوا في السير بعدوا عنه أكثر فأكثر. ووضع هذا الكتاب لا يسمح لنا أن نتبع أقوالهم فنذكر خطاياهم، فنشير إلى نكتة هامّة فقط وهي:
انّ توجيه الغلط وتبريره من المصائب العظمى لعالمي كلّ فنٍّ من الفنون فإياك ثمّ ايّاك ان تسقط في هذه الورطة المظلمة الّتي هي مصداق جلىٌّ لقوله تعالى: ﴿ِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[١٤]
وهذه الحالة قد تنشأ من الجهل المركّب فهذا الجاهل يُعدّ من اخسرين اعمالًا.
قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾[١٥]
ومن المؤسّف عليه المعَجب منه ان للذكر الحكيم دلالة واضحة على انّهم في الآخرة هم الأخسرون.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ أُوْلَئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاء يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ﴾[١٦]
وقد تنشأ من اللّجاج والكبر العلمي والعصبّيات القوميّة ونحو ذلك سيّما الجاه والمقام وهي كثيرة جدّاً كما قد أشار إليه التنزيل في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾[١٧]
وقد تنشأ من المبنى الخطأ وبناء رأيٍ فاسد عليه، ولو لم يكن فاسداً فيفسد ببنائه عليه وهذا أكثر واستقرّت سيرة علماء العامّة على ذلك، وخطر ذلك أزيد بمراتب من الخطر الأوّلين وهو مصداق جلىّ لقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ﴾[١٨]
توضيح ذلك انّ تشكيل السقيفة ثم خضوع العامة بنتائجها من إثبات الخلافة لأبيبكر بحكم طائفةٍ من الصحابة، ثمّ اثباتها لعمر بوصية من ابن أبي قحافة ثم لعثمان بالشورى لم يكن إلّا باصرارهم على مبناهم الخطأ، كما أنّ أجيال العامّه خضعوا لها تمسّكاً بأنّ المهاجرين والأنصار قد قبلوها فليس لنا أن نرفضها، فكأنّ الله تعالى يحكى قولهم حيث يقول: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾[١٩]
وبالجملة انّ تلك الطّريقة صارت عندهم من المسلّمات وخيّل إليهم الا بليس انّ من أنكرها فهو كافر ضالّ مضلّ.
والشيعة تخالف السّقيفة بالنّصوص المتواترة المقطوع بصحّتها عند الفريقين [٢٠] من كون الائمّة اثنى عشر رجلًا اوّلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) وآخرهم قائمهم محمّد بن الحسن العسكري (ع) الّذي به يملأ الله الأرض قسطاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً، وتتلقّاها بالقبول جيلًا بعد جيل. ثمّ انّ الشيعة الإماميّة حذراً عن وقوع الخلاف بين المسلمين أخذوا بالتقية والمداراة مع العامّة، ولكنّهم ولا سيّما طائفة من علمائهم وأعلامهم زادوا في التنبور نغمةً أخرى، فأفتوا بكفر الشيعة وإباحة دمائهم وأموالهم، فأصرّوا على هذا المبنى حتّى أنكروا فضائل أهل البيت (ع) أو أشركوا فيها معهم طائفةً من الصحابة، وهم تابعوا مدرسة الخلفاء وناصروا الأمويّين، ثمّ انّ خطاياهم بعد السقيفة من احراق بيت الزهرا سلام الله عليها إلى مذبحة الشيعة في بلاد العراق والبحرين بيد الوهابيّين اتباع محمد بن عبد الوهاب الخاطىء المذنب، كلّها تنشأ من هذا المبنى الخطأ الفاضح، فأمر أبىبكر بافناء أحاديث الرسول على رؤس الأشهاد، ثم نهي عمر عن روايتها ومدارستها، لم يكن إلّا لاصرارهم على خطأهم، وهكذا الأمر في عصر الأمويّين والعبّاسيّين، فاعتزل أهل العصمة الكبرى عن المجتمع الإسلامي، فرسخ الضيغ والانحراف فيه، حتّى ان أباالفرج حكى في الأغاني أنّ شهاب بن عبد الله قال: قال لي خالد القسري وهو كان يوالي مكّة المكرّمة لـ وليد بن عبد الملك ثمّ لأخيه سليمان: اكتب لي السّيرة، فقلت له: فانّه يمرّ بي الشّيء من سير علي بن أبي طالب (ع) فاذكره؟ قال: لا إلّاان تراه في قعر الجحيم [٢١]
فهم لم يكونوا غاصبى حقّهم فقط بل كانوا يخفون فضائلهم بل غصبوها فخصّصوها بغيرهم، كما قد خصّوا «آية التّطهير» بنساء النّبىّ ورواية «سُدُّوا اَلْأَبْوَابَ كُلَّهَا إِلاَّ بَابَ عَلِيٍّ» بابىبكر وهكذا، فسهّلوا الطريق لابن كثير حتّى يقول في البداية والنهاية مذيّلًا على حديث تصدّق أمير المؤمنين (ع) خاتمه في الصّلوة وهو راكع، وفنزل فيه وفي جوده قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾[٢٢]: هذا لا يصحّ بوجه من الوجوه لضعف أسانيده ولم ينزل في عليّ شيء من القرآن بخصوصية، وكلّ ما يريدون في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾[٢٣] وقوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾[٢٤] وقوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾[٢٥] وغير ذلك من الآيات والأحاديث الواردة، في انّها نزلت في علىّ، لا يصحّ شيء منها [٢٦]
وأقبح من ذلك كلّه ما اتّهموا به الإماميّة، ثمّ تكفيرهم وتفسيقهم ايّاهم بما لفّقوا وتخيّلوا لهم، قال ابن عبد ربه في العقد الفريد: انّ الرّافضة يهود هذه الامّة يبغضون الإسلام كما يبغض اليهود النّصرانيّة ومحبّة الرّافضة محبّة اليهود، واليهود يؤخّرون صلاة المغرب حتّى تشتبك النّجوم وكذلك الرّافضة، واليهود لا ترى الطّلاق الثلث شيئاً وكذلك الرّافضة، وانّ اليهود لا ترى على النّساء عدّة وكذلك الرّافضة، واليهود تستحلّ دم كلّ مسلم فكذلك الرّافضة، واليهود حرّفوا التّوراة وكذلك الرّافضة حرّفوا القرآن، واليهود تبغض جبرئيل وتقول هو عدوّنا من الملائكة وكذلك الرّافضة تقول غلط جبرئيل في الوحي إلى محمّد بترك علي بن أبي طالب، واليهود لا تأكل لحم الجزور وكذلك الرّافضة. ثمّ نقل أضحوكة عن بعضهم حتّى يتمّ بها اكذوباته العشرة، فقال: قال أبو عثمان من بعض التجّار: كان معنا في السفينة رجل إذا سمع اسم الشّيعة غضب شديداً، فقلت له يوماً عن سببه؟ قال: ما اكره منهم إلّا هذه الشّين في اوّل اسمهم فانّى لم أجدها إلّا في كلّ شرّ وشؤم وشيطان وشغب وشقاء وشقار وشرر وشين وشرك وشكوى وشهرة وشتم وشحّ. فقال أبو عثمان: فما ثبت لشيعىّ بعدها قائمة [٢٧]
يا لله من هذه التهم الفاضحة على جمعٍ من المسلمين، بل على اليهود، ولا يجوز التحقيق حول هذه الافتراءات، لأنّ الرشيد يكفيه ان يقرأها فقط، فيحكم ببطلانها وما حكيناه عنهما ليس إلّا قطرة من بحار الافتراءات، فكأنّهم رأوها فخراً لهم بها يفتخروا في حضرته تعالى.
وقد روى عن مولانا علي بن الحسين (ع) انّه قال: لو أوصى القرآن بالظلم على أهل البيت (ع) وبدّل آية المودّة بآية الظلم على ذوى القربى لم يقتدروا ان يظلموا علينا أزيد ممّا ظلمونا.
ثمّ جاء دور ابن تيميّة المكفَّر من قبل أعلام عصره ومذهبه، حتّى ظهرت الفئة الوهابية، الّتي ليست إلّافتنةً من فتن الابليس وهي من المصائب الواردة على المسلمين قاطبة، سيّما على البلدين الشريفين، طيّبهما الله، وأهلها. كما انّ من المعاصرين من تسابق أسلافه في تلفيق ما لا حظّ له من الواقع، كبعض أساتذة الأزهر وخرّيجيه، منهم أحمد امين، ومحمد رشيدرضا، وطه حسين وغيرهم. فانظر إلى أباطيل رشيدرضا الّذي سبق زملائه في هذا المضمار، فانّه قال: انّ مبتدع مذهب الشّيعة وأصوله هو عبد الله بن سباء اليهودي، وفعلًا إدارة هذا المذهب بيد زنادقة الفرس ومن هذا المذهب مذهب البابيّة والبهائيّة الّذين يقولون بالوهيّة البهاء ونسخه لدين الإسلام وابطاله لجميع الأديان، واختلال العراق دائماً انّما هو للرافضيّة ولم يزالوا يفرحون بنكبات المسلمين حتّى اتّخذوا يوم غلبة الرّوس على المسلمين عيداً سعيداً وأهل إيران زيّنوا يومئذٍ بلادهم فرحاً وسروراً، وانّهم كاليهود يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، يبغضون كثيراً من أولاد فاطمة رضى الله عنها بل يسبّونهم كزيد بن علي بن الحسين ويحيى ابنه، وانّهم زعموا انّ اصحّ كتبهم أربعة، الكافي ومن لا يحضره الفقيه والتّهذيب والاستبصار، ومثل الشّيخ الطّوسى يروى عن ابن المعلّم وهو يروى عن ابن بابويه الكذوب صاحب الرقعة المزوّرة، ويروى عن المرتضى ايضاً وقد طلبا العلم معاً وقرءا على شيخهما محمّد بن النعمان وهو اكذب من مسيلمة الكذّاب، وانّهم اخذوا غالب مذهبهم كما اعترفوا من الرّقاع المزوّرة الّتي لا يشكّ عاقل في انّها افتراء على الله، والعجب من الرّوافض انّهم سمّوا صاحب الرّقاع بالصدوق وهو الكذوب، بل انّه عن الدّين المبين بمعزل، وانّ جملة من عقائدهم مكذوبة كشتمهم جمهور أصحاب رسول الله وحكمهم بارتدادهم إلّا العدد اليسير، وقولهم بانّ الائمّة يوحى إليهم وانّ موت الائمّة باختيارهم، وانّهم اعتقدوا بتحريف القرآن ونقصانه، وانّهم يقولون بانّ الحجّة المنتظر إذا ذكر في مجلس حضر، فيقومون له، وانكارهم كثيراً من الضّروريّات، ويكفي لإثبات ضلالهم المتعة الدّورية ويروون في فضلها ما يروون [٢٨]
هذه نبذة من أباطيل هذا الرجل وجّهها إلى الشيعة من غير أن يستحيي من الّذي لا ينام ولايسهو وهو على كلّ شيء رقيبٌ جلّ وعلا، ومن الغريب اشتراكه في المؤتمر الإسلامي الّذي عُقد لاتحاد الأمّة، ودعوتها إليه! ومن البيّن بطلان أقواله، بل كلّ عامي يضحك منها وبها، والظاهر من كلامه انّه لم ير الكتب الأربعة الحديثيّة ولميعرف مؤلّفيها، وأحسن ما يمكن أن يجاب عنه هو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾[٢٩].
والمراد بالجاهلين في الكريمة والله تعالى اعلم وعلمه سبحانه أتم واحكم هم الحمقاء، لأنّ العدو العاقل لايتفوّه بهذه الأكذوبات والأساطير لكن للأحمق أن يدوّنها ولا يخاف يوم تقوم الحساب، بل لا يخاف من أن ينظر يوماً سنى أو شيعي في كتابه فينسبه إلى الحمق أو البغضاء. وقد جمع صاحب الغدير سقاه الله من عين رحمته في المجلد الثالث منه من أقوالهم وكلماتهم ما يعجب المرء، والآن وأنا اكتب هذه الأسطر ظهر يوم العاشور لمحرم سنة ١٤١٦ يوم قُتل فيه سيد شهداء الأولين والآخرين الحسين بن علي (ع) وأصحابه، وقد قتله قومه بأسيافهم وأنّهم يقتلونه بأقلامهم، وقد اشتهر انّه إذا سئل عن علي بن الحسين (ع) اىّ مكان كان لكم اشدّ مصيبة؟ قال ثلاث مرّات: الشّام، الشّام، الشّام، فقيل له: انّ أباك وأصحابه قتلوا بكربلاء؟! قال (ع): انّ كربلا مكان جراحات السّيف والشّام مكان جراحات اللّسان.
فانظر إلى ما لفّقه بعض أساتذة التاريخ في الأزهر وهو الخضري كيف جرح روح الحريّة بما كتبه من غير أن يراعى فيه الحقّ والصدق، نسئله تعالى ليفرّج عن صاحب العصر والزمان صلوات الله وسلامه عليه وعلى آبائه حتّى يبيّن الحق ويظهر العدل، قال الخضري: وممّا يزيد الأسف انّ حرب صفّين لم يكن المراد منها الوصول إلى تقرير مبدء ديني أو رفع حيف حلّ بالامّة، وانّما كانت لنصرة شخص على شخص، فمعاوية فانّه من دون ريب يرى نفسه عظيماً لانّه من عظماء قريش وكذلك علىّ، وأمّا فكرة معاوية في اختيار الخليفة بعده حسن جميل لانّه بعد الانتخاب من أحسن الوجوه، وانّ الحسين قد أخطأ خطاء في خروجه الّذي هو جرّ على الامّة وبال الفرقة والاختلاف، ويجرّ ذلك الاختلاف إلى يومنا هذا وهو طلب امراً لم يتهيّأ له، فحيل بينه وبين ما يشتهى فقتل دونه، وقبل ذلك قتل أبوه ولم يجد من أقلام الكاتبين أمر قتله وقد ذهبوا إلى ربّهم يحاسبهم على ما فعلوا، والتّاريخ يأخذ من ذلك عبرة وهي انّه لا ينبغي لمن يريد عظائم الأمور ان يسير إليها بغير عدّتها الطّبيعيّة، ولابدّ أن تكون ذلك لمصلحة الامّة، أمّا الحسين فانّه خالف يزيد وقد بايعه النّاس ولم يظهر منه الجور ولا العسف حتّى يجوز القيام عليه [٣٠]
وهذه الأكذوبات من الخضري وغيره كصاحب المنار لا تحتاج إلى الجواب وان أجاب عنها العلّامة الأميني بما لا مزيد عليه، بل نقل هذه الاكذوبات يعد من إشاعة الكفر والفسق والأباطيل، وهي منهية عنها في الذكر الحكيم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾[٣١]
فنطوي هذا الكلام كشحاً ولانخوض فيما لفّقوه من أباطيلهم، والغاية من نقلها الإشارة إلى أنّ البناء على المبنى الخطأ لا تنتج إلّا خطأً آخر.
هذا ولا أظنّ بـ ابن كثير و ابن عبد ربّه و رشيد رضا و الخضري وأمثالهم من أماثل العامة أن يكونوا من الجهّال غير عارفين بسيرة يزيد ومعاوية من ناحيةٍ وسيرة أهل العصمة من ناحيةٍ أخرى، لكونهم من كبار علماء القوم كما ولا أظنّ بهم أن يتقوّلوا للعصبيّة القومية أو اللجاج حتّى يقال: انّهم من مصاديق قوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾[٣٢] وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾[٣٣]
بل كلّ ما صدر عن أقلام هؤلاء الأعلام طوال الاعصار ليس إلّا من فرط حبّهم لتوجيه الأخطاء وتفسيرها بما لا يرضى به أحدٌ، فكأنّهم مصاديق جليّة لقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ﴾[٣٤]
فايّاك ثم ايّاك عن تثبّت الباطل لحبّه، فيؤدّى بك عملك إلى انخراطك في حزبه. والله سبحانه وتعالى يعلم انّا لانحبّ الخلاف بين الأمّه والشقاق فيها عملًا بما نادى به أمير المؤمنين بعد فراغ القوم عن السقيفة، واخذاً بقول امامنا الصادق حيث قال (ع): «لاَ دِينَ لِمَنْ لاَ تَقِيَّةَ لَهُ» [٣٥]
وقد جعل الصّلوة خلفهم مثل الصلّوة خلف رسول الله (ص).
فترى ان لأعلام الشيعة دوراً تامّاً في طرد الخلاف واحياء الوفاق بين المسلمين فعلى سبيل المثال ان الشّيخ الطوسي شيخ الطائفة الإمامية ألّف كتاب الخلاف جامعاً لأقوال أعلام العامة ولا سيّما ائمّتهم الأربعة، احتراماً لهم، كما أن سيدنا الأستاذ البروجردي اسهم في تأسيس المؤتمر الإسلامي لاتحاد المسلمين وقد أرسل ممثّلًا إليه وكان يفخر بذلك، وان سيدنا الأستاذ الاخر الإمام الخميني أفتى بوجوب الشركة في صلاتهم وحرمة القيام بما يشمّ منه الخلاف على جميع النّاس ولاسيّما على الحجّاج منهم، وهو قدّس سره لبّى نداء ربّه وكان يدعو إلى الاتحاد وترك الخلاف وقد استقرّت سيرة الاعلام الآن على ذلك، فلاتسمع إلى تلك الاكذوبات الملفّقة من ناحية بعض أعلام العامّة، وكن مجتهداً في سبيل توحيد كلمة المسلمين.
ومن الغريب أنّ الشيعة الإماميّة في جميع بلادها يجتمع كتب العامّة من التفسير والحديث والفقه والتاريخ والتراجم والأنساب وغيرها في المكتبات العامّة والخاصّة ليستفيد منها المحقّقون وأصحاب الفضل، بينما انّ أهل السنّة منهم من لا يعرف مصادر الشيعة الإماميّة الحديثيّة الأربعة فضلًا عن غيرها من آثارهم وموسوعاتهم، كجواهر الكلام والمبسوط وغيرهما العديد، فلذلك قد افترى رشيد رضا على الشيعة بأنهم اخذوا مذهبهم عن الرقاع المزوّرة مع انّ تلك الرقاع المطهّرة الّتي لم تبلع عشراً، لم توجد في الكتب الأربعة، بل توجد في غيرها من الآثار مجتمعةً أو متفرّقة. وينبغي الاعراض عن ذكر مقالهم والإجابة عنه، لأنّه تعالى أمر المؤمنين بالاعراض عمّا لا فائدة فيه.
قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾[٣٦]
وقال تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾[٣٧]
وقال تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾[٣٨]
وقال تعالى: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾[٣٩].[٤٠]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ الكافي، ج ٢، ص ١٠٢، باب حسن الخلق، ح ١٧.
- ↑ سورة إبراهيم، الآية ٣٧.
- ↑ سورة مريم، الآية ٩٦.
- ↑ سورة الشورى، الآية ٢٣.
- ↑ سورة سبأ، الآية ٤٧.
- ↑ حسين المظاهري، دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية، ج٣، ص ٥٦٥.
- ↑ مستدرك الوسائل، ج ١٤، ص ١٥٥، باب ٢
- ↑ بحار الأنوار، ج ٦٧، ص ١١٦، باب ٥١، ح ٤
- ↑ سورة الحديد، الآية ٢٧.
- ↑ سورة النور، الآية ٣٦-٣٧.
- ↑ بحار الأنوار، ج ٦٧، ص ١١٠، باب ٤٩، ح ٩.
- ↑ بحار الأنوار، ج ٦٧، ص ١١١، باب ٤٩، ذيل ح ١٤
- ↑ سورة التكاثر، الآية ٨.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ١٢٢.
- ↑ سورة الكهف، الآية ١٠٣-١٠٤.
- ↑ سورة هود، الآية ١٩-٢٢.
- ↑ سورة سبأ، الآية ٣٤.
- ↑ سورة الجاثية، الآية ٢٣.
- ↑ سورة الزخرف، الآية ٢٣.
- ↑ راجع مثل «العبقات» و«احقاق الحقّ» و«المراجعات» و«الغدير»
- ↑ الأغاني، ج ٢٢
- ↑ سورة المائدة، الآية ٥٥.
- ↑ سورة الرعد، الآية ٧.
- ↑ سورة الإنسان، الآية ٨.
- ↑ سورة التوبة، الآية ١٩.
- ↑ البداية والنّهاية، ج ٧، ص ٣٥٧
- ↑ العقد الفريد، ج ١، ص ٢٦٩
- ↑ الغدير / ج ٣، ص ٢٦٦
- ↑ سورة الفرقان، الآية ٦٣.
- ↑ الغدير، ج ٣، ص ٢٤٩
- ↑ سورة النور، الآية ١٩.
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٧١.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ١٧٩.
- ↑ سورة الجاثية، الآية ٢٣.
- ↑ الكافي، ج ٢، ص ٢١٧، باب التقية، ح ٢
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٩١.
- ↑ سورة الحجر، الآية ٣.
- ↑ سورة الشعراء، الآية ٣.
- ↑ سورة يس، الآية ١٠.
- ↑ حسين المظاهري، دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية، ج٣، ص ٥٦٥.