الموت عند السلفية والوهابية
مفهوم الموت في القرآن
المعنى اللغوي
«الميم والواو والتاء أصل صحيح، يدل على ذهاب القوة من الشيء، منه الموت: خلاف الحياة»[١].
والموت: ضد الحياة، مات يموت ويمات أيضاً فهو ميتٌ، وميتٌ مشدداً ومخففاً، وقومٌ موتى، وأمواتٌ، وميتون، مشدداً ومخففاً، ويستوي فيه المذكر والمؤنث[٢].
والميت الذي مات، والــميت والمائت: الذي لم يمت بعد، يقال: لمن لم يمت إنه مائتٌ عن قليلٍ، وميتٌ، ولا يقولون لمن مات: هذا مائتٌ، قيل: وهذا خطأٌ، وإنما ميتٌ يصلح لما قد مات، ولما سيموت[٣].[٤]
المعنى الاصطلاحي
تعددت التعريفات للفظة الموت، وسنوردها إن شاء الله على النحو الآتي:
الموت: صفة وجودية خلقت ضداً للحياة[٥].
وقيل الموت: «انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته وحيلولة بينهما، وتبدل حال، وانتقال من دار إلى دار»[٦].
وقيل الموت: مفارقة الروح للجسد[٧].
وقيل الموت: «حال خفاء وغيب، يضاف إلى ظاهر عالم يتأخر عنه، أو يتقدمه، تفقد فيه خواص ذلك الظهور»[٨].
لا يخرج معنى الموت اصطلاحاً عن المعنى اللغوي، كلاهما يدلان على خلاف الحياة.[٩]
الموت في الاستعمال القرآني
وردت مادة (موت) في القرآن الكريم (١٦٥) مرة [١٠].
وجاء الموت في القرآن على أربعة وجوه[١١]:
- الموت نفسه: ومنه قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾[١٢].
- النطفة: ومنه قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾[١٣]. يعني: كنتم نطفاً في أصلاب الآباء فأحياكم بالخلق والإيجاد، أو كنتم نطفاً في الأرحام فأحياكم فيها.
- الضلال: ومنه قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً﴾[١٤] يعني: ضالاً فهديناه.
- الجدب وقلة النبات: ومنه قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا﴾[١٥]. يعني: الأرض الجدباء التي ليس عليها نبات أحييناها بالماء والنبات.[١٦]
الألفاظ ذات الصلة
الفناء
- الفناء لغةً: الفاء والنون والحرف المعتل. هذا باب لا تنقاس كلمه، ولم يبن على قياس معلوم، قالوا: فني يفنى فناء، والله تعالى أفناه، والفنا مقصور، والجمع أفنية[١٧]. فنى الشئ فناء، وأفناه غيره. وتفانوا، أي: أفنى بعضهم بعضاً في الحرب[١٨].
- الفناء اصطلاحاً: سقوط الأوصاف المذمومة، كما أن البقاء وجود الأوصاف المحمودة[١٩].
- الصلة بين الموت والفناء: الموت: فيه رجعة مرة أخرى في الصغرى، ولا رجعة في الكبرى، الفناء: هو الانتهاء ولا رجعة فيها.[٢٠]
القتل
- القتل لغةً: «القاف والتاء واللام أصل صحيح يدل على إذلال وإماتة، مصدر قتله قتلاً»[٢١]. القتل معروف. وقتله قتلاً وتقتالاً. وقتله قتلة سوءٍ، بالكسر[٢٢].
- القتل اصطلاحاً: إزالة الروح بفعل المتولي له[٢٣].
- الصلة بين الموت والقتل: الموت: ينفي الحياة مع سلامة البنية، القتل: ينفي الحياة مع انتقاض البنية[٢٤].[٢٥]
الإعدام
- الإعدام لغةً: العين والدال والميم أصل واحد يدل على فقدان الشيء وذهابه، من ذلك العدم، وعدم فلان الشيء إذا فقده، وأعدمه الله سبحانه وتعالى أي: أماته، جمعه على العدماء [٢٦]، عدمت الشيء بالكسر، أعدمه عدماً، بالتحريك على غير قياس، أي: فقدته[٢٧].
- الإعدام اصطلاحاً: هي شنق الإنسان، وقتله على فعل شنيع قام بارتكابه.
- الصلة بين الموت والإعدام: الموت وقوعه على العباد من رب العباد، الإعدام: حصوله بيد الإنسان على المذنب بمشيئة الله.[٢٨]
الأسلوب القرآني في عرض الموت
تنوعت أساليب القرآن في عرض حقائق الموت، وسوف نتناولها بالبيان فيما يأتي:
حقيقة الموت والحكمة منه
إن كنه الموت وحقيقته متعذرة معرفتها، قال الغزالي: «لا يمكن كشف الغطاء عن كنه حقيقة الموت؛ إذ لا يعرف الموت من لا يعرف الحياة، ومعرفة الحياة متوقفة بمعرفة حقيقة الروح في نفسها، وإدراك ماهية ذاتها»[٢٩].
وقال سيد قطب: «إننا لا نعرف شيئًا عن حقيقة الحياة وحقيقة الموت حتى اللحظة الحاضرة، ولكننا ندرك مظاهرهما في الأحياء والأموات، ونحن ملزمون أن نكل مصدر الحياة والموت إلى قوة ليست من جنس القوى التي نعرفها على الإطلاق، قوة الله» [٣٠].
إن كل أمر قدره الباري -جل وعلا- لابد فيه من حكمة، ظهرت أم خفيت، والموت من أعظم ما قدره الله تعالى على خلقه، فقد جعله الله تعالى فتنة للانتقال من الدنيا إلى الآخرة.
قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾[٣١].
وإنما قدم الموت هنا لأنه المخلوق أولاً، أو لأن أقوى الناس داعياً إلى العمل من نصب موته بين عينيه[٣٢].
قال ابن كثير: ومعنى الآية: أنه أوجد الخلائق من العدم؛ ليبلوهم ويختبرهم أيهم أحسن عملاً؟ كما قال: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً﴾[٣٣].
فسمى الحال الأول -وهو العدم- موتاً، وسمى هذه النشأة حياة. ولهذا قال: ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾[٣٤].
وعند ابن أبي حاتم عن قتادة، قال في قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾[٣٥]: إن رسول الله (ص) كان يقول: «إِنَّ اللَّهَ أَذَلَّ بَنِي آدَمَ بِالْمَوْتِ، وَ جَعَلَ الدُّنْيَا دَارُ حَيَاةِ ثُمَّ دَارِ مَوْتِ، وَ جَعَلَ الْآخِرَةَ دَارُ جَزاءُ ثُمَّ دَارِ بَقَاءَ»[٣٦].
ونظراً لتعذر معرفة كنه الموت، فقد رتب أهل العلم الأحكام الشرعية المتعلقة به بظهور أماراته، قال ابن قدامة: «إذا اشتبه أمر الميت اعتبر بظهور أمارات الموت: من استرخاء رجليه وانفصال كفيه، وميل أنفه، وامتداد جلدة وجهه، وانخساف صدغيه»[٣٧].[٣٨]
الموت مصير كل حي
إن الموت هو مصير محتوم لكل مخلوق حي، أوجده الله سبحانه؛ لقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾[٣٩].
وقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾[٤٠].
فهنا يخبر تعالى أن جميع أهل الأرض سيذهبون ويموتون، وكذلك أهل السموات، إلا من شاء الله، ولا يبقى أحد سوى وجهه الكريم، بل هو الحي الذي لا يموت أبداً[٤١].
ولو نجا من الموت أحد لنجا منه أكرم البرية عند ربها محمد (ص)، ولو خلد أحد لخلد سيد الخلق (ص)، لكن الله كتبه عليه فقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾[٤٢].
ثم واسى الله تعالى رسوله، فأخبره بأن هذه سنته في خلقه، فقال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾[٤٣].[٤٤]
وبعدها حذر المسلمين من النكوص على الأعقاب: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾[٤٥].
وكان من دعاء النبي (ع): «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بعِزَّتِكَ -لا إلَهَ إلَّا أَنْتَ- أَنْ تُضِلَّنِي، أَنْتَ الحَيُّ الَّذي لا يَمُوتُ، وَالْجِنُّ وَالإِنْسُ يَمُوتُونَ»[٤٦]. فسبحان من تفرد بالبقاء، وكتب على عباده الفناء.
إن تمني عدم ملاقاة الموت لن يجعل الإنسان في حلٍ منه بل هو ملاقيه لا محالة[٤٧].
قال الله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[٤٨].
ولا ينفع الهرب من الموت.
قال الله: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلاً﴾[٤٩].
ولن ينفع كذلك الالتجاء منه إلى بروج مشيدة: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾[٥٠].
والجمع هنا في كلمة (بروج) مقصود أي: لو كنتم جميعاً معتصمين ببرج، وهذا البرج محاط بآخر وثالث ورابع، فلن يحميكم من الموت، وهذا يبين بجلاء قدرة الحق سبحانه في إنفاذ أمره بالموت[٥١].[٥٢]
ندم الناس عند الموت
كل الناس - مؤمنهم وكافرهم- سيندمون عند الموت، أما المؤمن فندمه على تفريطه في ساعة لم يذكر الله فيها، ويندم كذلك لعدم إكثاره من العمل الصالح، وعدم الحصول على الدرجات العليا من الجنة؛ ولذا أقسم الله بالنفس اللوامة فقال: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾[٥٣].
قال مجاهد: «هي التي تلوم على ما فات، وتندم فتلوم نفسها على الشر لم عمله، وعلى الخير لم لم يستكثر منه»[٥٤].
وأقسم الحسن على أنها نفس المؤمن[٥٥].
أما الكافر فندمه بسبب تفريطه في جنب الله.
قال الله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾[٥٦].
والمعنى: لعلي أستدرك ما ضيعت من الإيمان والطاعة[٥٧].
ولذا فإن الإنسان يتمنى الرجوع إلى دنياه ليتوب ويرجع عما اقترفه من قبل، لكن الله تعالى بين أن التوبة والإنابة لا تنفع فقط بعد الموت، بل حتى قبل خروج الروح، ومالم يغرغر الإنسان.
قال الله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾[٥٨].[٥٩]. قال ابن كثير: «فأما متى وقع الإياس من الحياة، وعاين الملك، وحشرجت الروح في الحلق، وضاق بها الصدر، وبلغت الحلقوم، وغرغرت النفس صاعدة في الغلاصم، فلا توبة متقبلة حينئذ، ولات حين مناص»[٦٠].[٦١]
الموت كتاب مؤقت
إن الله تعالى كتب الموت، وجعل له وقتاً لا يتقدم ولا يتأخر.
قال الله: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾[٦٢].
وقال: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾[٦٣].
والمعنى: سيأتي وقت محدود ينزل فيه عذابهم من الله أو يميتهم فيه[٦٤].
وذكر سبحانه أنه عجل الموت على خلق وأخره على آخرين، فمنهم المستأخر والمستعجل[٦٥].
قال الله: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾[٦٦].
وعند مسلم من حديث ابن مسعود: أن النبي (ص) أوصى أمنا أم حبيبة بعد أن دعت الله بأن يمتعها بزوجها وأبيها وأخيها، فقال: «قدْ سَأَلْتِ اللَّهَ لِآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ، وَأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ، وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ، لَنْ يُعَجِّلَ شيئًا قَبْلَ حِلِّهِ، أَوْ يُؤَخِّرَ شيئًا عن حِلِّهِ»[٦٧].
وقد أخبر تعالى أن النفوس جميعها متعلقة بآجالها بإذن الله وقدره وقضائه، فمن حتم عليه بالقدر أن يموت مات ولو بغير سبب، ومن أراد بقاءه، فلو أتى من الأسباب بكل سبب، لم يضره ذلك قبل بلوغ أجله.
قال الله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً﴾[٦٨].
وقال الله: ﴿ِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾[٦٩].
ومع أن الله تعالى أقت للموت، إلا إنه جعل هذا الأجل مجهولاً عن صاحبه؛ ليدفعه للعمل، والاستمرار على الطاعة، والانتباه والحذر من ساعة الأجل، فقال: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾[٧٠].
قال قتادة: «أشياء استأثر الله بهن، فلم يطلع عليهن ملكاً مقرباً، ولا نبياً مرسلاً ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾[٧١] فلا يدري أحد من الناس متى تقوم الساعة، في أي سنة أو في أي شهر، ﴿ِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾[٧٢] فلا يعلم أحد متى ينزل الغيث، ليلاً أو نهاراً، ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾[٧٣] فلا يعلم أحد ما في الأرحام، أذكر أم أنثى، أحمر أو أسود، ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾[٧٤] أخير أم شر، ولا تدري يا ابن آدم متى تموت؟ ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾[٧٥]، ليس أحد من الناس يدري أين مضجعه من الأرض، أفي بحر أم بر؟[٧٦].[٧٧]
الموت بيد من بيده الحياة
الله تعالى هو خالق الحياة والموت، وجعلهما بيده سبحانه ومن أسمائه: الحي.
قال الله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾[٧٨].
والحي هو «الذي لم يزل موجوداً وبالحياة موصوفاً، لم تحدث له الحياة بعد موت، ولا يعترضه الموت بعد الحياة، وسائر الأحياء يعتورهم الموت والعدم»[٧٩]، وإذا قيل في حق الله: هو حي، فالمعنى «لا يصح عليه الموت، وليس ذلك إلا لله عز وجل»[٨٠].
والناظر في الآيات يجد أن الله أسند الموت وأخذ الروح إلى نفسه تارة فقال: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾[٨١].
وأسنده مرة إلى الملائكة، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾[٨٢].
وقال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾[٨٣].
وقال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾[٨٤].
وأسنده إلى ملك الموت، فقال: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾[٨٥].
فمن الذي يتوفى الأنفس حقيقة؟ وهل بين هذه الآيات تعارض؟.
قال الشنقيطي: «والجواب عن هذا ظاهر: وهو أن إسناده التوفي إلى نفسه؛ لأن ملك الموت لا يقدر أن يقبض روح أحد إلا بإذنه ومشيئته تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً﴾[٨٦].
وأسنده لملك الموت؛ لأنه هو المأمور بقبض الأرواح، وأسنده للملائكة؛ لأن ملك الموت له أعوان من الملائكة تحت رئاسته، يفعلون بأمره وينزعون الروح إلى الحلقوم، فيأخذها ملك الموت»[٨٧].
وقيل جواباً عليه أيضاً: إن الله تعالى هو المتوفي بخلق الموت، وأمر الوسائط بنزع الروح، والملآئكة المتوفون أعوان ملك الموت وهم يجذبون من الأظفار إلى الحلقوم، وملك الموت يتناول الروح من الحلقوم، فصحت بذلك الإضافات كلها[٨٨].[٨٩]
الناس والموت
من عجائب القرآن أنه ركز على قضايا خاصة في حياة الناس، وحتى في أشد الظروف مرارة وقساوة، سواء في صحة أو سقم، في مرض أو موت، أو حرب أو سلم، فرداً أو جماعة، غنياً أو فقيراً، فسبحان من أودع العلوم في كتابه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾[٩٠].
يتحدث القرآن عما يعتقده ذلك الكافر عند حضور الموت، واعتقاد المؤمن كذلك، ويتحدث عن توبة الإنسان عند موته، وعن وصية الإنسان وهو على عتبة الموت، ويعطي مثالاً رائقاً رائعاً عن وصية يعقوب لأبنائه عند موته. وسيكون بحثنا -بإذن الله -عن هذه المسائل:
اعتقاد الكافر أن الموت نهاية المطاف
يعتقد المكذبون بالبعث أن الموت هو النهاية العظمى وهو آخر المطاف، ولا بعث بعدئذ، حيث قالوا: ﴿قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾[٩١].
ثم اعتقدوا أن لا حياة بعد ذلك ولا نشوراً.
قال الله: ﴿بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُوراً﴾[٩٢].
فزاد تكذيبهم وعنادهم وقالوا: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾[٩٣].
وقد سطرت الآيات الكريمة مشهداً يصور منطق تلك العقلية التي نشأت على التكذيب بالبعث وظلم النفس والابتعاد عن الحق.
قال الله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ﴾[٩٤].
روى ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عباس، قال: (جاء العاص بن وائل إلى رسول الله (ص) بعظم حائل، ففته بيده فقال: يا محمد أيحيي الله هذا بعدما أرم؟، قال: «نَعَمْ يَبْعَثُ اللَّهُ هَذَا، ثُمَّ يُمِيتُكَ، ثُمَّ يُحْيِيكَ، ثُمَّ يَدْخُلُكِ نَارِ جَهَنَّمَ»[٩٥].
وقال الله: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً﴾[٩٦].
واختلف هنا في من المقصود بالإنسان؟ هل هو عام، أم أنه قصد أحداً بعينه؟. فقيل: العاص، وقيل: أبي بن خلف أو الوليد بن المغيرة[٩٧].
وأياً كان، فكل من كان على هذه الشاكلة فهو مقصود، والمعنى: يقول المنكر للبعث، المستبعد لوقوعه: كيف يعيدني الله حياً بعد الموت، وبعد ما كنت رميماً؟[٩٨].
ولذا فإن الكافر بعد أن يعاين ما بعد الموت، يأخذ بالدعاء والتضرع بالرجوع إلى الدنيا مرة أخرى؛ ليستأنف عمله ويشرع بالحسنى، ولكن هيهات ساعتئذ.
قال الله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾[٩٩].
وهو من كان يقول قبل: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَاباً وَعِظَاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾[١٠٠].[١٠١]
اعتقاد المؤمن أن الموت مرحلة
وأما المؤمن، فإنه يعتقد بأن الموت ليس إلا طريقاً للدار الآخرة، وهو أول مراحلها؛ ولذا فقد أخبر الله تعالى أن مجيء الموت هو طريق لما بعده من نفخ الصور، ومجيء الشهود، ورؤية ما لم تره من قبل، فقال: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾[١٠٢].
إن المخاطب بهذه الآيات هو الإنسان[١٠٣]، سواء كان مؤمناً أم كافراً، والمؤمن يقبله كعين يقين، فلا يشك بما جاء من عند الله.
ولما كانت نفرته منه وهربه من وقوعه بحفظ الصحة ودواء الأداء في الغاية، كان كأنه لا ينفر إلا منه، فأشار إلى ذلك بتقديم الجار فقال: ﴿مِنْهُ تَحِيدُ﴾[١٠٤].
قال أبو السعود: «بعدما ذكر استبعادهم للبعث والجزاء وأزيح ذلك بتحقيق قدرته تعالى وعلمه، وبين أن جميع أعمالهم محفوظة مكتوبة عليهم، أتبع ذلك ببيان ما يلاقونه لا محالة من الموت والبعث، وما يتفرع عليه من الأحوال والأهوال، وقد عبر عن وقوع كل منها بصيغة الماضي إيذاناً بتحقيقها وغاية اقترابها»[١٠٥].
وذكر سبحانه أن خروج الروح ما هي إلا مساق إليه، فليس خروجها نهاية الأمر، قال سبحانه: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾[١٠٦].
قال السعدي: «يعظ تعالى عباده بذكر حال المحتضر عند السياق، وأنه إذا بلغت روحه التراقي، وهي العظام المكتنفة لثغرة النحر، فحينئذ يشتد الكرب، ويطلب كل وسيلة وسبب يظن أن يحصل به الشفاء والراحة، ولهذا قال: ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ أي: من يرقيه؛ لأنهم انقطعت آمالهم من الأسباب العادية، فلم يبق إلا الأسباب الإلهية. ولكن قضاء الله إذا حتم فلا مرد له. ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾ للدنيا. ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ أي: اجتمعت الشدائد والتفت، وعظم الأمر وصعب الكرب، وأريد أن تخرج الروح التي ألفت البدن ولم تزل معه، فتساق إلى الله تعالى، حتى يجازيها بأعمالها، ويقررها بفعالها»[١٠٧].
ثم إن الموت إما جسر يمد للمؤمن إلى الجنة، أو جسر يمد للكافر إلى جهنم والعياذ بالله.
قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لّا تُبْصِرُونَ فَلَوْلا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾[١٠٨].
وبناء على ما تبين، فإن من الألفاظ التي نهى عنها أهل العلم: قول بعض الناس: (دفن فلان في مثواه الأخير)!! لأنه من المعلوم أن الموت والقبر ما هما إلا مرحلة بين الدنيا والآخرة، فبعدههما يأتي البعث ثم الحشر، ثم العرض في يوم القيامة ثم إلى جنة أو نار: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾[١٠٩].
ولذا فلو أطلقها إنسان معتقداً ما ترمي إليه من المعنى الإلحادي الكفري المذكور؛ لكان كافراً مرتداً فيجب إنكار إطلاقها، وعدم استعمالها[١١٠].[١١١]
التوبة عند الموت
التوبة: مأخوذة من (توب)، والتاء والواو والباء: أصل يدل على الرجوع[١١٢]. وتاب إلى الله تعالى من كذا وعن كذا: أناب ورجع عن المعصية إلى الطاعة[١١٣]. والتوبة النصوح: هي توثيق العزم على أن لا يعود[١١٤].
والتوبة هي ترك الذنب مخافة الله، واستشعار قبحه، وندم على المعصية من حيث هي معصية، والعزيمة على ألا يعود إليها إذا قدر عليها، وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال[١١٥]. وحقيقتها ليست فقط ترك الذنب، بل لابد فيها من التزام بأمر الله.
وقد أتت التوبة في القرآن على ثلاثة أوجه[١١٦]:
- بمعنى الندم: كقوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾[١١٧].
- بمعنى التجاوز: كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾[١١٨].
- بمعنى الرجوع عن الشيء: كقول موسى (ع): ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾[١١٩].
وقد أمر الله عباده بالتوبة فقال: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ﴾[١٢٠].
وبشرهم بقبولها بقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾[١٢١].
وفتح لهم باب الرجاء، بعفوه عنهم ومغفرته لهم، فقال: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾[١٢٢].
ولذا كان واجباً على الخلق أن يبادروا بالتوبة إلى الله، بل واتفقت الأمة على ذلك [١٢٣]، فإن فعلوا فقد أوجب الله على نفسه قبولها منهم في وقتها، فقال: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾[١٢٤].
وحتى تكون توبة العبد مقبولة عند الله، لابد وأن تكون في وقتها، ووقتها الذي قدره الله موسع، وهو من وقوع الذنب إلى ما قبل حضور الموت.
قال الله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾[١٢٥].
يعني بذلك -جل ثناؤه-: وليست التوبة للذين يعملون السيئات من أهل الإصرار على معاصي الله حتى إذا حشرج أحدهم بنفسه، وعاين ملائكة ربه قد أقبلوا إليه لقبض روحه، ثم قال: وقد غلب على نفسه، وحيل بينه وبين فهمه، بشغله بكرب حشرجته وغرغرته: ﴿إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ يقول: فليس لهذا عند الله توبة؛ لأنه قال ما قال في غير حال توبة[١٢٦].
وذكر هذا النبي (ص) حيث قال: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلٍ لِيُقْبَلَ تَوْبَةُ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ»[١٢٧]، وقوله: «مَا لَمْ يُغَرْغِرْ» أي: ما لم تبلغ روحه حلقومه[١٢٨].
ووقتها كذلك إلى ما قبل رؤية العذاب أو بعض علامات الساعة.
قال الله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾[١٢٩].
وجمهور المفسرين على أن المقصود بقوله: «يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ» أي: طلوع الشمس من مغربها[١٣٠].
وقد بين النبي (ص) ذلك بقوله: {{نص حديث|لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا رَآهَا النَّاسُ آمِنُ مَنْ عَلَيْهَا، فَذَاكَ حِينٍ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾). ثم قرأ الآية [١٣١].[١٣٢]
الوصية عند الموت
الوصية في اللغة: أخذت هذه اللفظة من وصيت الشيء إذا أوصلته[١٣٣].
أما شرعاً فتعني: تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريقة التبرع[١٣٤].
والوصية مشروعة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة:
أما بالكتاب فلورود الآيات الكثيرة التي دلت على مشروعيتها.
قال الله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾[١٣٥].
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله (ص): «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءُ يُوصِي فِيهِ، يَبِيتَ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَ وَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةُ عِنْدَهُ». قال ابن عمر: ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله (ص) يقول ذلك إلا وعندي وصيتي[١٣٦].
ونقل ابن قدامة الإجماع على مشروعيتها[١٣٧].
قال ابن عبد البر: «أجمعوا على أن الوصية غير واجبة، إلا على من عليه حقوق بغير بينة، وأمانة بغير إشهاد، إلا طائفة شذت فأوجبتها»[١٣٨].
يخبرنا القرآن عن ذلك المشهد المؤثر بين يعقوب (ع) عندما حضرته الوفاة وأبنائه، ولنا أن نتخيل هذا المشهد بصورته المعهودة: أب مضطجع ومسجى في غطائه يكابد الموت، وأبناء حوله جلوس يرقبونه، ويتألمون لفراقه، عند ذلك يترك يعقوب الحديث عن الألم والفراق وينظر إلى ما هو أجل وأكمل.
ويسوق القرآن لنا هذا الحوار بين يعقوب وبنيه داعيا إلى تأمل الحوار.
قال الله: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾[١٣٩].
والكلمة التي وصى بها إبراهيم بنيه هي التي قال الله عنها: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾[١٤٠].[١٤١]، قال الطبري: «هي قوله: ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[١٤٢].[١٤٣] قال ابن كثير: «وقد قرأ بعض السلف (ويعقوب) بالنصب عطفاً على بنيه، كأن إبراهيم وصى بنيه وابن ابنه يعقوب بن إسحاق وكان حاضرا ذلك»، ثم قال: «والظاهر -والله أعلم-، أن إسحاق ولد له يعقوب في حياة الخليل وسارة»[١٤٤].
وكيف ينهاهم يعقوب عن الموت وليس الموت إليهم، فيصح أن ينهوا عنه؟.
والجواب: «أنهم لم ينهوا عن الموت، وإن كان اللفظ على ذلك، وإنما نهوا في الحقيقة عن ترك الإسلام؛ لئلا يصادفهم الموت عليه، فإنه لابد منه. وتقديره: اثبتوا على الإسلام؛ لئلا يصادفكم الموت وأنتم على غيره»[١٤٥].
بعدها يبين الله مشهد يعقوب مع أبنائه الذين حضروا موته؛ ليوصيهم وصية مودع، لكنها على سبيل الاختبار، فلما سألهم أجابوه بما أطمأنت إليه نفسه، وقرت به عينه، بأنهم على دين التوحيد وأنهم لن يشركوا به، وسيعملون بما اعتقدوه ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾[١٤٦].
فجمعوا بذلك بين العلم والعمل[١٤٧]. وبالرغم من كل ما قام به إخوة يوسف من جرائم إلا إنهم تمسكوا بدينهم. والحقيقة أن هذه أعظم الوصايا وأرفعها قدراً وأعلاها شأناً، كيف لا وهي مختصة بأرفع الأمور وهو توحيد الله، والبعد عن الشرك.
والموضع الآخر الذي ذكر الوصية عند الموت هو قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾[١٤٨].
ومعنى الآية: فرض عليكم إذا حضرت لأحدكم مقدمات الموت وأسبابه وعلله، إن ترك مالاً أن يوصي للوالدين والأقارب، وهذا واجب على كل من يتقي الله[١٤٩].
قال السعدي: «واعلم أن جمهور المفسرين يرون أن هذه الآية منسوخة بآية المواريث»[١٥٠]. «وليعلم أن الله لا يتعبد في وقت من الأوقات إلا بما فيه الحكمة البالغة»[١٥١].
وعن ابن عباس قال: «كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخ من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس، للمرأة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع»[١٥٢].
وأما الموضع الثالث فهو قول الله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾[١٥٣] وفي الآية: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾[١٥٤].
والآية التي تليها مباشرة ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾[١٥٥]، ثم: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾[١٥٦]، ثم: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾[١٥٧].
وهذه الآيات تبين أن الوصية أو الدين مقدمان على قسمة الميراث؛ لأن الدين حق على الميت والوصية حق له، وإذا كان الدين والوصية قد وقعا معا فيقدم الدين على الوصية[١٥٨].
والموضع الأخير هو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾[١٥٩].
عن ابن عباس قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء، فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم، فلما قدما بتركته فقدوا جاما[١٦٠] من فضة مخوصاً من ذهب، فأحلفهما رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ثم وجدوا الجام بمكة، فقالوا: ابتعناه من تميم وعدي، فقام رجلان من أولياء السهمي، فحلفا لشهادتنا أحق من شهادتهما، وأن الجام لصاحبهم. قال: وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾[١٦١].[١٦٢]
قال ابن كثير: «الأكثرون على أن هذه الآية محكمة، وليس فيها نسخ، ومن ادعى النسخ فعليه البيان»[١٦٣].
ومعنى الآيات يا أيها المؤمنون: إذا قرب الموت من أحدكم، فليشهد على وصيته اثنين أمينين من المسلمين، أو آخرين من غير المسلمين عند عدم وجود غيرهما من المسلمين، تشهدونهما إن أنتم سافرتم في الأرض فحل بكم الموت، وإن ارتبتم في شهادتهما فقفوهما من بعد الصلاة، فيقسمان بالله قسماً خالصاً لا يأخذان به عوضاً من الدنيا، ولا يحابيان به ذا قرابة منهما، ولا يكتمان به شهادة لله عندهما، وأنهما إن فعلا ذلك فهما من المذنبين[١٦٤].
ويمكن أن يستدل بهذه الآية الكريمة على عدة أحكام[١٦٥]:
- أن الوصية مشروعة، وأنه ينبغي لمن حضره الموت أن يوصي.
- تعظيم أمر الشهادة حيث أضافها تعالى إلى نفسه، وأنه يجب الاعتناء بها والقيام بها بالقسط.
- أنها معتبرة، ولو كان الإنسان وصل إلى مقدمات الموت وعلاماته، ما دام عقله ثابتاً.
- أن شهادة الوصية لابد فيها من اثنين عدلين.
- أن شهادة الكافرين في هذه الوصية ونحوها مقبولة لوجود الضرورة.[١٦٦]
وقوع موت ثم حياة في الدنيا
لما حصل إنكار من بعض البشر على قدرة الله في بعث الخلائق يوم القيامة، أعطى الله بعض الإشارات الواقعة في الدنيا؛ لتدل على صدق وقوعه في الآخرة، فأبانه الله حقيقة مشاهدة في أكثر من موطن، فأحيا بعض البشر، ومن قدر على هذا في الدنيا، هان عليه الأمر بعد.
وقد ذكرت سورة البقرة وحدها أمثلة متعددة على وقوع الموت ثم الحياة في الدنيا، وبيانه:
أول القصص في ذكر الإحياء صراحة في الدنيا، هي عندما طلب قوم موسى منه، أن يريهم الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة. قال الله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾[١٦٧].
بعدها تأتي القصة الثانية التي صرحت بالإحياء في الدنيا، وهي قصة بقرة بني إسرائيل، التي أمرهم الله أن يذبحوها؛ كي يكشفوا جريمة القتل. قال الله: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾[١٦٨]. ثم يأتي التصريح بأن الشهداء أحياء عند الله، وليسوا بأموات، فقال: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾[١٦٩].
ثم يصرح الله تعالى بالإحياء في قصة ﴿الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾[١٧٠].
ثم قصة الذي مر على قرية ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾[١٧١].
فطلب إبراهيم من ربه أن يريه كيفية الإحياء، قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾[١٧٢].[١٧٣]
الموت والآخرة
أخبر القرآن أن لا موت في الآخرة، وإنما هو خلود في الجنة أو النار، وسنوضح هذا المعنى فيما يأتي:
حال الموت في الآخرة
بعد كل هذا يبين لنا النبي (ص) نهاية الموت يوم القيامة وانتهاء أمره، قال رسول الله (ص): «يُؤْتَى بالمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ، فيُنادِي مُنادٍ: يا أهْلَ الجَنَّةِ، فَيَشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ، فيَقولُ: هلْ تَعْرِفُونَ هذا؟ فيَقولونَ: نَعَمْ، هذا المَوْتُ، وكُلُّهُمْ قدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنادِي: يا أهْلَ النَّارِ، فَيَشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ، فيَقولُ: هلْ تَعْرِفُونَ هذا؟ فيَقولونَ: نَعَمْ، هذا المَوْتُ، وكُلُّهُمْ قدْ رَآهُ، فيُذْبَحُ، ثُمَّ يقولُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ، خُلُودٌ فلا مَوْتَ، ويا أهْلَ النَّارِ، خُلُودٌ فلا مَوْتَ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾[١٧٤]، وهَؤُلاءِ في غَفْلَةٍ أهْلُ الدُّنْيا ﴿وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾[١٧٥]».[١٧٦]
والمعنى من قوله (ع): أن الموت سيجسد كهيئة كبش مختلط سواده ببياضه، وعندما ينادى الفريقان، سيرفعون أعناقهم ويمدونها للاطلاع على ما سيحدث من ذبح للموت.
وقول الله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾[١٧٧] أي: وأنذرهم يوم القيامة، ﴿إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي: إذ فرغ من الحكم لأهل النار بالخلود فيها، ولأهل الجنة بمقام الأبد فيها، بذبح الموت. ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: وهؤلاء المشركون في غفلة عما الله فاعل بهم يوم يأتونه خارجين إليه من قبورهم، من تخليده إياهم في جهنم، وتوريثه مساكنهم من الجنة غيرهم. ﴿وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: وهم لا يصدقون بالقيامة والبعث، ومجازاة الله إياهم على سيئ أعمالهم، بما أخبر أنه مجازيهم به[١٧٨].
والحكمة من الإتيان بالموت هكذا: إشارة إلى أنهم حصل لهم الفداء له كما فدي ولد إبراهيم بالكبش. والحكمة في جعله كبشاً أملح: حتى يجمع بين صفتي أهل الجنة والنار: وهي السواد والبياض[١٧٩].
قال ابن القيم: «وهذا الكبش والإضجاع والذبح ومعاينة الفريقين حقيقة لا خيال ولا تمثيل، كما أخطأ فيه بعض الناس، وقال: الموت عرض، والعرض لا يتجسم فضلاً عن أن يذبح!. وهذا لا يصح؛ فإن الله سبحانه ينشئ من الموت صورة كبش يذبح، كما ينشئ من الأعمال صوراً معاينة يثاب بها ويعاقب...، ولا حاجة إلى تكلف من قال: إن الذبح لملك الموت!. فهذا كله من الاستدراك الفاسد على الله ورسوله، والتأويل الباطل الذي لا يوجبه عقل ولا نقل»[١٨٠].
والحقيقة أن الله تعالى لا يعجزه شيء، وليس هذا بعزيز عليه، فهو قادر سبحانه أن ينشئ جسماً من عرض، وأمثلته كثيرة في القرآن والسنة، ومنها:
جعل البقرة وآل عمران كالغمامتين[١٨١]، والتسبيح والتحميد الذي يتعاطف حول العرش[١٨٢]، وتصوير العمل الصالح والسيئ في القبر[١٨٣].
وبعد ذبح الموت بهذه الصورة، لك أن تتصور ذلك المشهد المهيب، وحالة كل من الفريقين: فريق في شقاء وتعاسة دائمين لا ينقطعان، وفريق في سعادة وحبور أبدي لا ينقطعان، قال النبي (ص): {{نص حديث|يُنَادِي مُنَادٍ: إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تسقموا أَبَداً، وَ إِنَّ لَكُمْ أَنْ تُحْيُوا فَلَا تَمُوتُوا أَبَداً، وَ إِنَّ لَكُمْ أَنْ تشبوا فَلَا تهرموا أَبَداً، وَ إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنَعَّمُوا فَلَا تبأسوا أَبَداً . فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجِلَ: ﴿ِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[١٨٤].[١٨٥].[١٨٦]
لا موت في الآخرة
إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، وذبح الموت بينهما، فإنه لا موت بعدئذ، فأهل الجنة خلود فلا موت، وأهل النار خلود فلا موت.
وقد ساقت الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة الصورة العامة حيال هذا الخلود، ومعظم الآيات ساقت الكلام عن أصحاب النار.
قال الله في شأنهم: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾[١٨٧].
لذا فعذاب الدنيا إما أن تموت عنه، أو يموت عنك، أو يألفه البدن المعذب. أما عذاب الآخرة فلن تموت عنه، ولن يفنى عنك، ولن يألفه البدن؛ لأنه يلون ولا يخفف. ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً﴾[١٨٨].
ويصور لنا القرآن ذلك المشهد النفسي الذي يعيشه الكافر في النار، حتى أنه يرى الموت يحيط به ويأتيه من كل مكان فيها، لكنه لن يذوقه.
قال الله: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ مِّن وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾[١٨٩].
والحقيقة أن المشهد هنا عجيب، «إنه مشهد الخيبة لكل جبار عنيد، مشهد الخيبة في هذه الأرض. ولكنه يقف هذا الموقف، ومن ورائه تخايل جهنم وصورته فيها، وهو يسقى من الصديد السائل من الجسوم، يسقاه بعنف فيتجرعه غصباً وكرهاً، ولا يكاد يسيغه؛ لقذارته ومرارته. والتقزز والتكره باديان، نكاد نلمحهما من خلال الكلمات!. ويأتيه الموت بأسبابه المحيطة به من كل مكان، ولكنه لا يموت؛ ليستكمل عذابه. ومن ورائه عذاب غليظ»[١٩٠].
ولننظر هنا إلى كلمة (غليظ)، كم تعطي من دلالات مروعة لهذا المشهد المهيب، وأغلب ورود هذه الكلمة في القرآن في شأن العذاب أو الميثاق؛ لشدة وغلظ الأمرين، وأتت الكلمة كذلك مع قتال الكفار؛ ليجد هؤلاء الغلظة والعذاب الأليم من الثلة المؤمنة المجاهدة التي عقدت المواثيق بقتالهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾[١٩١].
ولذلك لو أن الموت يقدم إلى هذا المعذب في هذه اللحظات العصيبة، لكان أخف وطأة، ولكنه يراه يحوم حوله بأسبابه ودوافعه ودواعيه، دون أن يصيبه.
وبعد كل هذه الآلام والعذابات التي يتعرض لها هذا العنيد، يجد لنفسه مخرجاً من هذا البلاء، وهو أن يطلب من مالك -خازن النار- أن يشفع لهم عند الله، بأن يقضي عليهم.
قال الله: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾[١٩٢].
وإن قيل: كيف وصف أهل النار فيها بأنهم مبلسون؟، والبلس: هو الآيس من الرحمة والفرج[١٩٣]، ثم قال بعدها: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ الدال على طلبهم الفرج بالموت؟ فيجاب عنه: بأن كل منهما وقع في زمن؛ لأن أزمنة يوم القيامة متعددة[١٩٤].
وهنا أتى بالفعل الماضي ﴿وَنَادَوْا﴾ لتحقق وقوعه، وقولهم: ﴿يَا مَالِكُ﴾ هو خازن النار، وقد وردت أحاديث صحيحة في ذلك، منها: قول النبي (ص): «رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي قَالَا: الَّذِي يُوقَدُ النَّارِ مَالِكٍ خَازِنِ النَّارِ، وَ أَنَّا جِبْرِيلَ وَ هَذَا مِيكَائِيلُ»[١٩٥].
قال صديق خان: «قرأ الجمهور: ﴿يَا مَالِكُ﴾ بغير الترخيم، وقرىء: (يا مال) بالترخيم، قيل لابن عباس: إن ابن مسعود قرأ: (يا مال)، فقال: ما أشغل أهل النار عن الترخيم»[١٩٦].
قال الطبري: «ونادى هؤلاء المجرمون بعد ما أدخلهم الله جهنم، فنالهم فيها من البلاء ما نالهم، مالكاً خازن جهنم، (ٹ ٹ ٹ ڤڤ) قال: ليمتنا ربك، فيفرغ من إماتتنا، فذكر أن مالكاً لا يجيبهم في وقت قيلهم له ذلك»[١٩٧].
وروى الطبري كذلك بسنده قال: «﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾[١٩٨] قال: فخلى عنهم أربعين عاماً لا يجيبهم، ثم أجابهم: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾[١٩٩] قالوا: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾[٢٠٠] فخلى عنهم مثلي الدنيا، ثم أجابهم: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾[٢٠١] قال: فوالله ما نبس القوم بعد الكلمة، إن كان إلا الزفير والشهيق» [٢٠٢].
ويكفي الإشارة إلى باقي الآيات التي نفت موت الكفار في النار، وهي قوله تعالى على لسان السحرة: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾[٢٠٣].
وقوله تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى﴾[٢٠٤].
أما في شأن المؤمنين يوم القيامة ونفي الموت عنهم، فقد قال الله: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ فَضْلا مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾[٢٠٥].
والمعنى: أنهم لا يذوقون فيها الموت ألبتة، سوى الموتة الأولى التي ذاقوها في الدنيا[٢٠٦].
وعلى هذا كيف يستثني الموتة الأولى التي ذاقوها في الدنيا من الموت الذي لن يحدث لهم في الجنة؟. والجواب على هذا من وجوه:
- هو من باب التعليق بالمحال، كأنه قيل: إن كانت الموتة الأولى يستقيم ذوقها في المستقبل، فإنهم يذوقونها[٢٠٧].
- أن (إلا) هنا: بمعنى (لكن)، والتقدير: لا يذوقون فيها الموت، لكن الموتة الأولى قد ذاقوها.
- أن الجنة حقيقتها ابتهاج النفس وفرحها بمعرفة الله تعالى وبطاعته ومحبته، وإذا كان الأمر كذلك فإن الإنسان الذي فاز بهذه السعادة فهو في الدنيا في الجنة وفي الآخرة أيضاً في الجنة، وإذا كان الأمر كذلك فقد وقعت الموتة الأولى، حين كان الإنسان في الجنة الحقيقية التي هي جنة المعرفة بالله والمحبة.
- أن من جرب شيئًا ووقف عليه صح أن يقال: إنه ذاقه، فيكون المعنى هنا: إلا الذوق الحاصل بسبب تذكر الموتة الأولى[٢٠٨].
ثم كيف يوجه قول الله تعالى عن أهل النار وأهل الجنة أنهم خالدون فيها إلا ما شاء الله.
قال الله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾[٢٠٩].
فهل إيراد المشيئة هنا يدل على أنهم غير مخلدين فيها؟.
أجاب ابن قتيبة عن هذا الإشكال على ثلاثة أوجه:
- أراد أنهم خالدون فيها مدة العالم، سوى ما شاء الله أن يزيدهم من الخلود على مدة العالم. ثم قال: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾[٢١٠]. أي: غير مقطوع.
- أن يكون المعنى: خالدين في الجنة وخالدين في النار دوام السماء والأرض، إلا ما شاء ربك من تعميرهم في الدنيا قبل ذلك.
- أن يكون المعنى: خالدين في النار ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك من إخراج المذنبين من المسلمين إلى الجنة، وخالدين في الجنة ما دامت السموات والأرض، إلا ما شاء ربك من إدخال المذنبين النار مدة من المدد، ثم يصيرون إلى الجنة[٢١١].[٢١٢]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ مقاييس اللغة، ابن فارس ٥/٢٨٣.
- ↑ انظر: مختار الصحاح، الرازي ١/٣٠١.
- ↑ انظر: لسان العرب، ابن منظور ٢/٩١، تاج العروس، الزبيدي ٥/١٠٠.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ انظر: التعريفات، الجرجاني ص٢٣٥.
- ↑ التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة، القرطبي ص١١٢.
- ↑ انظر: المجموع، النووي ٥/١٠٥.
- ↑ التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٣١٨.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص٦٧٨-٦٨٠، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، ص١٢٩٢-١٢٩٦.
- ↑ انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص٤٢٠-٤٢١، نزهة الأعين النظائر، ابن الجوزي، ص٥٦٩-٥٧١، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، ٤/١٢٢-١٢٥.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٨٥.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٨.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ١٢٢.
- ↑ سورة يس، الآية ٣٣.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤/٤٥٣.
- ↑ الصحاح، الجوهري ٦/٢٤٥٧.
- ↑ التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٢٦٤.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ مقاييس اللغة، ابن فارس ٥/٥٦.
- ↑ الصحاح، الجوهري ٥/١٧٩٧.
- ↑ انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص٢٦٨.
- ↑ انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص١٠٤.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ انظر: مقاييس اللغة، بن فارس ٤/٢٤٨.
- ↑ انظر: الصحاح، الجوهري ٥/١٩٨٢.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ إحياء علوم الدين، الغزالي ٤/٤٩٥.
- ↑ في ظلال القرآن، سيد قطب ١/٢٩٨.
- ↑ سورة الملك، الآية ٢.
- ↑ الكشاف، الزمخشري ٤/٥٧٥.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٨.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٨.
- ↑ سورة الملك، الآية ٢.
- ↑ تفسير ابن أبي حاتم ١٠/ ٣٣٦٣.
- ↑ المغني، ابن قدامة ٢/٣٠٧.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ سورة العنكبوت، الآية ٥٧.
- ↑ سورة الرحمن، الآية ٢٦.
- ↑ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/ ٤٩٤.
- ↑ سورة الزمر، الآية ٣٠.
- ↑ سورة الأنبياء، الآية ٣٤.
- ↑ القيامة الصغرى، عمر الأشقر ص١٨.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٤٤.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: (وهو العزيز الحكيم)، ٦/ ٢٦٨٨، رقم ٦٩٤٨.
- ↑ أضواء البيان، الشنقيطي ٨/١٢٠.
- ↑ سورة الجمعة، الآية ٦-٨.
- ↑ سورة الأحزاب، الآية ١٦.
- ↑ سورة النساء، الآية ٧٨.
- ↑ تفسير الشعراوي٤/٢٤٣٦.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ سورة القيامة، الآية ٢.
- ↑ الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٩/٩٣.
- ↑ فتح القدير، الشوكاني ٥/٣٣٥.
- ↑ سورة المؤمنون، الآية ٩٩-١٠٠.
- ↑ التفسير الميسر، مجمع الملك فهد ص ٣٤٨.
- ↑ سورة النساء، الآية ١٨.
- ↑ انظر: تفسير ابن أبي حاتم ٣/٩٠٠.
- ↑ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/٢٣٨.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ سورة المنافقون، الآية ١١.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ٣٤.
- ↑ فتح القدير، الشوكاني ٢/٢٠٢.
- ↑ جامع البيان، الطبري ٢٣/١٣٧.
- ↑ سورة الواقعة، الآية ٦٠.
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القدر، باب بيان أن الآجال والأرزاق وغيرها لا تزيد ولا تنقص عما سبق به القدر، ٤/٢٠٥٠، رقم ٢٦٦٣.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٤٥.
- ↑ سورة الرعد، الآية ٣٨.
- ↑ سورة لقمان، الآية ٣٤.
- ↑ سورة لقمان، الآية ٣٤.
- ↑ سورة لقمان، الآية ٣٤.
- ↑ سورة لقمان، الآية ٣٤.
- ↑ سورة لقمان، الآية ٣٤.
- ↑ سورة لقمان، الآية ٣٤.
- ↑ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/٣٥٥.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٥٥.
- ↑ الأسماء والصفات، البيهقي ١/٦٣.
- ↑ المفردات، الراغب الأصفهاني ص٢٧٩.
- ↑ سورة الزمر، الآية ٤٢.
- ↑ سورة النساء، الآية ٩٧.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ٣٧.
- ↑ سورة الأنفال، الآية ٥٠.
- ↑ سورة السجدة، الآية ١١.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٤٥.
- ↑ دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، الشنقيطي ص١٨٤.
- ↑ أنموذج جليل في أسئلة وأجوبة عن غرائب آي التنزيل، الرازي ص٤٠٩.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٣٨.
- ↑ سورة المؤمنون، الآية ٨٣-٨٢.
- ↑ سورة الفرقان، الآية ٤٠.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٢٩.
- ↑ سورة يس، الآية ٧٨-٨١.
- ↑ تفسير ابن أبي حاتم ١٠/ ٣٢٠٢. وصححه الوادعي، في الصحيح المسند من أسباب النزول ص١٧٤.
- ↑ سورة مريم، الآية ٦٦.
- ↑ فتح البيان، صديق خان ٨/١٨٣.
- ↑ تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٩٨.
- ↑ سورة المؤمنون، الآية ٩٩-١٠٠.
- ↑ سورة المؤمنون، الآية ٣٥-٣٧.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ سورة ق، الآية ١٩-٢٢.
- ↑ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/٣٩٩.
- ↑ نظم الدرر، البقاعي ١٨/٤٢٣.
- ↑ إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٨/١٢٩.
- ↑ سورة القيامة، الآية ٢٦-٣٠.
- ↑ تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٩٠٠.
- ↑ سورة الواقعة، الآية ٨٣-٩٥.
- ↑ سورة الشورى، الآية ٧.
- ↑ المناهي اللفظية، بكر أبو زيد ٤٧٦.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ مقاييس اللغة، ابن فارس ١/٣٥٧.
- ↑ لسان العرب، ابن منظور ١/٢٣٣.
- ↑ التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص٢١٣.
- ↑ التوبة إلى الله، صالح السدلان ص١٠.
- ↑ قاموس القرآن، الدامغاني ص٩٠.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٥٤.
- ↑ سورة التوبة، الآية ١١٧.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ١٤٣.
- ↑ سورة النور، الآية ٣١.
- ↑ سورة الشورى، الآية ٢٥.
- ↑ سورة الزمر، الآية ٥٣.
- ↑ الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٥/٩٠.
- ↑ سورة النساء، الآية ١٧.
- ↑ سورة النساء، الآية ١٨.
- ↑ جامع البيان، الطبري ٨/٩٨-٩٩.
- ↑ أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الدعوات، ٥/٥٤٧، رقم ٣٥٣٧. قال الترمذي: حسن غريب. وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ١/٣٨٦، رقم ١٩٠٣.
- ↑ قوت المغتذي على جامع الترمذي، السيوطي ٢/٩٥٥، رقم ٣٥٣٧.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ١٥٨.
- ↑ فتح البيان، صديق خان ٤/٢٨٣.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب (لا ينفع نفساً إيمانها)، ٦/٥٨، رقم ٤٦٣٥.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ لسان العرب، ابن منظور ١٥/٣٩٤.
- ↑ حاشية ابن عابدين ٦/٦٤٧.
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٨٠.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوصايا، باب الوصايا، ٣/١٠٠٥، رقم ٢٥٨٧.
- ↑ المغني، ابن قدامة ٦/١٣٧.
- ↑ المجموع، النووي ١٥/٤٠١.
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٣٢-١٣٣.
- ↑ سورة الزخرف، الآية ٢٨.
- ↑ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/٤٤٦.
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٣١.
- ↑ جامع البيان، الطبري ٣/٩٣.
- ↑ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/٤٤٦.
- ↑ النكت في القرآن الكريم، المجاشعي ص١٥٤.
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٣٣.
- ↑ تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٦.
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٨٠ - ١٨١.
- ↑ معالم التنزيل، البغوي ١/١٩٢.
- ↑ تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٥.
- ↑ معاني القرآن، الزجاج ١/٢٥٠.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوصايا، باب لا وصية لوارث، ٣/ ١٠٠٨، رقم ٢٥٩٦.
- ↑ سورة النساء، الآية ١١.
- ↑ سورة النساء، الآية ١١.
- ↑ سورة النساء، الآية ١٢.
- ↑ سورة النساء، الآية ١٢.
- ↑ سورة النساء، الآية ١١.
- ↑ انظر: النكت والعيون، الماوردي ١/٦٥٩.
- ↑ سورة المائدة، الآية ١٠٦.
- ↑ الجام: الكأس أو الإناء. ومخوصاً أي: منقوشاً. انظر: فتح الباري،ابن حجر ٥/٤١٠-٤١١.
- ↑ سورة المائدة، الآية ١٠٦.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوصايا، ٤/١٣، رقم ٢٧٨٠.
- ↑ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣/٢١٥.
- ↑ التفسير الميسر، مجمع الملك فهد ص١٢٥.
- ↑ تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٤٦.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٥٦.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٧٣.
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٥٤.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٤٣.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٥٩.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٦٠.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ سورة مريم، الآية ٣٩.
- ↑ سورة مريم، الآية ٣٩.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب تفسير سورة مريم، ٤/١٧٦٠، رقم ٤٤٥٣.
- ↑ سورة مريم، الآية ٣٩.
- ↑ جامع البيان، الطبري ١٨/٢٠١-٢٠٢.
- ↑ فتح الباري، ابن حجر ١١/٤٢٠.
- ↑ حادي الأرواح، ابن القيم ص٤٠٢.
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة القرآن، ١ /٥٥٣، رقم ٨٠٤.
- ↑ أخرجه أحمد في مسنده، ٣٠/ ٣١٢، رقم ١٨٣٦٢.
- ↑ أخرجه أحمد في مسنده، ٤/٢٨٧، رقم ١٨٥٥٧.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ٤٣.
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب في دوام نعيم أهل الجنة، ٨/١٤٨، رقم ٧٢٥٩.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ سورة فاطر، الآية ٣٦.
- ↑ سورة النساء، الآية ٥٦.
- ↑ سورة إبراهيم، الآية ١٥-١٧.
- ↑ في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/ ٢٠٩٣.
- ↑ سورة التوبة، الآية ١٢٣.
- ↑ سورة الزخرف، الآية ٧٧.
- ↑ لسان العرب، ابن منظور ٦/٣٠.
- ↑ فتح الرحمن، ابن جماعة ص٥١٥.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم: آمين، والملائكة في السماء فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه، ٣/ ١١٨٢، رقم ٣٠٦٤.
- ↑ فتح البيان، صديق خان ١٢/ ٣٧٥.
- ↑ جامع البيان، الطبري ٢١/٦٤٠.
- ↑ سورة الزخرف، الآية ٧٧.
- ↑ سورة الزخرف، الآية ٧٧.
- ↑ سورة المؤمنون، الآية ١٠٧.
- ↑ سورة المؤمنون، الآية ١٠٨.
- ↑ جامع البيان، الطبري ٢١/ ٦٤٥.
- ↑ سورة طه، الآية ٧٤.
- ↑ سورة الأعلى، الآية ١٠-١٣.
- ↑ سورة الدخان، الآية ٥٥-٥٧.
- ↑ معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٤/٤٢٩.
- ↑ الكشاف، الزمخشري ٤/٢٨٣.
- ↑ انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٧/٦٦٦.
- ↑ سورة هود، الآية ١٠٨.
- ↑ سورة هود، الآية ١٠٨.
- ↑ تأويل مشكل القرآن، ابن قتيبة ص٥٣.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.