آية التبليغ في القرآن

آية التبليغ

﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ[١]

تمهيد

هذه الآية الشريفة المشهورة التي تُعرف بآية التبليغ تتحدث عن أهم مسألة وقضية في العالم الإسلامي بعد مسألة النبوّة، وتخاطب النبي الأكرم في أواخر عمره الشريف بإصرار بالغ أن يتحدث للناس بصراحة تامة عن مسألة الخلافة والخليفة الذي يليه، ويبيّن للناس تكليفهم الشرعي، وقد ذكر علماء السنة والشيعة مطالب مختلفة في تفسير هذه الآية كما سيأتي.[٢]

انتخاب الخليفة مرحلة نهائية للرسالة

خاطب القرآن الكريم النّبي الأكرم (ص) في آياته الشريفة بعناوين مختلفة؛ منها: ﴿يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ[٣]، ﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ[٤]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ[٥]، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ[٦]

فالخطاب الأول والثاني يشيران إلى حالة خاصة من حالات الرسول الأكرم (ص) الظاهرية، ولكن الخطاب الثالث والرابع يشيران إلى الشأن المعنوي والمقام الإلهي لرسول الله (ص) حيث ورد هذا النحو من الخطاب: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ» مرات عديدة في القرآن الكريم.

ولكن خطاب: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ[٧] لم يرد في القرآن سوى في آيتين أحدهما الآية محل البحث، والاخرى الآية 41 من سورة المائدة والتي تنسجم في مضمونها مع هذه الآية الشريفة وهذا يدلّ على أهمّية الموضوع الذي يتضمنه هذا الخطاب الإلهي للرسول الأكرم (ص) حيث يقول بعده:

﴿بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ...[٨] وهذه المهمّة التي امر النّبي بإبلاغها لم تكن سوى تعيين الخليفة من بعده.

﴿وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ...[٩] إنّ هذه المهمّة إلى درجة من الأهمّية بحيث إنّه لو لم يؤدّها للناس فكأنّه لم يؤدّ الرسالة الإلهية بشكل عام حيث تبقى أتعاب ثلاثة وعشرين سنة من تبليغ الرسالة ناقصة.

ومن الواضح أنّ النّبي الأكرم (ص) كان يبلّغ جميع ما نزل عليه من الوحي للناس ويبيّن تعاليم الشريعة المقدسة ولكن هذا التعبير الذي يُفهم من سياق الآية يوحي للمسلمين بأهمية الموضوع الذي تضمنته الآية الشريفة.

﴿وَ اللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ...[١٠] فبما أنّ هذه المهمّة حساسة جدّاً وفي غاية الأهمّية فمن الطبيعي أن تحوطها الأخطار ومن المتوقع أن تكون هناك ردود فعل شديدة من قبل المنافقين ومن في قلوبهم مرض سواءً كان بصورة علنية أم بصورة سرّية، ولذلك فانّ الله سبحانه وتعالى قد وعد نبيّه الكريم (ص) بأن يحفظه من هذه الأخطار المحتملة.

﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ[١١] فعلى الرغم من أنّ الله تعالى يمنّ على جميع الناس بالهداية إلى الحق إلّا أنّ الأشخاص الذين يصرّون العناد والإصرار على عقائدهم الزائفة وأفكارهم الباطلة لا يستحقون الهداية وسوف لا ينالون نعمة الهداية من الله تعالى.

ومع قليل من التدبر في مضمون وأجواء الآية محل البحث تتجلى هذه الحقيقة المهمة، وهي أنّ الآية الشريفة تتحرك نحو الإخبار عن موضوع مهم جدّاً، لأنّها تتضمّن في سياقها تأكيدات كثيرة لم يسبق لها مثيل:

  1. تبدأ الآية الشريفة بخطاب‌ «يا أَيُّهَا الرَّسُولُ» وكما تقدم أنّ هذا الخطاب يدل على الأهمّية الفائقة لمضمون هذا النص الشريف بحيث استلزم أن يقع الرسول الأكرم (ص) مورداً للخطاب الإلهي مباشرة.
  2. كلمة ﴿بَلِّغْ[١٢] إشارة اخرى إلى خصوصية المضمون الذي تحمله الآية الشريفة لأنه:
أوّلًا: أنّ هذه الكلمة لم ترد في القرآن الكريم سوى في هذه الآية الشريفة.
ثانياً: كما يقول الراغب في كتابه «مفردات القرآن» إنّ هذه الكلمة في الواقع فيها تأكيد أشدّ من كلمة «أَبْلِغْ» لأنّه بالرغم من أنّ هذه الكلمة أيضاً لم ترد إلّا مرّة واحدة في القرآن الكريم‌ [١٣]، إلّا أنّ كلمة «بَلّغْ» مضافاً إلى مفهوم التوكيد فيها تتضمّن التكرار أيضاً، أي أنّ هذا الموضوع إلى درجة من الأهمّية بحيث يجب إبلاغه إلى الناس دفعات وبصورة مكررة [١٤].
ثالثاً: جملة «وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ» شاهد ثالث على الخصوصية المهمّة في هذه الآية، فانّ النّبي الأكرم (ص) يُؤمر في هذه الآية بإبلاغ رسالة خاصة تمثّل أساس ومحور الرسالة والنبوّة، لأنّه لو لم يبلّغ النّبي الأكرم (ص) هذه الرسالة الخاصة فكأنّما لم يبلّغ الرسالة كلّها.
رابعاً: ومن العلامات الاخرى على عظمة وأهمية مضمون هذه الآية الكريمة هو ما ورد فيها من ضمانات إلهية لحفظ الرسول الأكرم من الأخطار المحدقة به.

إنّ مضمون المأمورية التي كلّف بها النّبي الأكرم (ص) في هذه الآية الشريفة إلى درجة من الأهمّية بحيث يخشى على النّبي من الخطر على حياته من جراء ردود الفعل المختلفة التي ستثيرها هذه المهمّة الرسالية، ولكن الله تعالى يعِد نبيّه الكريم بحفظه من جميع الأخطار وردود الفعل المحتملة.[١٥]

الموضوع المهم في الآية

  • ما هي المأمورية المهمّة للنّبي الأكرم (ص) التي تستلزم ضمانات إلهية صريحة بحفظ النّبي من الخطر؟
  • ما هو المطلب المهم الذي يجب أن يبلّغه النّبي الأكرم (ص) للناس بحيث يساوي جميع الرسالة الإلهية؟
  • ما ذا أراد الله سبحانه وتعالى من النّبي الأكرم (ص) بحيث هدده من جهة ووعده بحفظ حياته من جهة اخرى؟
  • و الخلاصة ما هو موضوع هذه الآية الشريفة الذي ورد بكل هذه التأكيدات الشديدة؟[١٦]

طريقان في الجواب

ومن أجل استجلاء الجواب الصحيح على هذه الأسئلة هناك طريقان:

الأوّل: هو التفكر والتأمل والتدبر في مضمون الآية نفسها بقطع النظر عن ما ورد من طرق الفريقين من السنة والشيعة من الروايات الشريفة في تفسير هذه الآية ومع قطع النظر عن كلمات المفسّرين والمؤرّخين.

و الآخر: هو أن نقوم بتفسير هذه الآية الشريفة مع ما ورد حولها من روايات وأحاديث في شأن نزولها.[١٧]

الطريق الأوّل: تفسير الآية بغض النظر عن الشواهد الأخرى‌

إنّ التدبّر والتعمق والدقة في الآية الشريفة نفسها وبدون الاستعانة بامور أخرى بإمكانه أن يجيب على جميع الأسئلة الواردة أعلاه بشرط الابتعاد عن التعصّب في تحكيم عقولنا لاستجلاء الحقيقة، لأنّه:

: أوّلًا: أنّ الآية مورد البحث هي الآية (67) من سورة المائدة وكما نعلم فإنّ سورة المائدة هي آخر سورة [١٨] نزلت على النّبي الأكرم (ص) أو من أواخر السور التي جاء بها الوحي إلى الرسول الكريم (ص)، أي أنّ هذه الآية نزلت في السنة العاشرة من البعثة وهي آخر سنة من عمر النبي الأكرم (ص) وبعد ثلاثة وعشرين سنة من تبليغ الرسالة الإلهية.
و السؤال هو: ما هو الموضوع المهم الذي لم يبلّغه الرسول الأكرم (ص) إلى الناس بعد ثلاثة وعشرين سنة من عمر النبوّة والرسالة؟
  • هل أنّ هذا الموضوع المهم يتعلق بالصلاة، في حين أنّ المسلمين كانوا يصلّون قبل ذلك بعشرين سنة؟
  • هل يتعلق بالصيام في حين أنّ حكم الصوم قد وجب بعد الهجرة وقد مضى على تشريعه ثلاثة عشر سنة؟
  • هل يتعلق بأمر تشريع الجهاد ونحن نعلم أنّ الجهاد قد شُرّع في السنة الثانية للهجرة؟
  • هل يتعلق بالحج؟
الجواب: كلّا، إنّ الانصاف يدعونا إلى إنكار أن يكون هذا الموضوع يتعلق بواحدة من هذه الامور فلا بدّ من التأمل في هذه الحقيقة، ونتساءل: ما هي المسألة المهمّة التي بقيت بعد ثلاثة وعشرين سنة من أتعاب الرسالة بدون تبليغ؟
ثانياً: ويستفاد من أجواء الآية الشريفة أنّ هذه المأمورية للنبي الأكرم (ص) إلى درجة من الأهمّية والخطورة بحيث تعادل الرسالة والنبوّة نفسها، وأمّا الاحتمالات التي ذكرها العلماء في تفسير واكتشاف مضمون هذه المأمورية كما تقدم آنفاً فانّها رغم أهمّيتها ولكنّها لا تعادل بثقلها الرسالة نفسها، فيجب أن نتفكّر في ماهيّة هذا الأمر المهم الذي يعادل الرسالة والنبوّة الذي لم يؤدّه النبي لحد الآن.
ثالثاً: الخصوصية الأخرى لهذه المأمورية الإلهية هي أنّ بعض الناس سيتحركون من‌ موقع الرفض والاعتراض ويكون اعتراضهم إلى درجة من الشدّة والجدّية بحيث أنّهم مستعدون لقتل النبي والقضاء عليه ونحن نعلم أنّ المسلمين لم يعترضوا على تشريعات سابقة من قبيل الصلاة والصوم والحج والجهاد وأمثال ذلك. إذن هذه المأمورية تتضمن مسألة سياسية بحيث تدفع بالبعض إلى الاعتراض والاستنكار والتحرك نحو القضاء على النبي الأكرم (ص) لمنعه من امتثال هذا التكليف الإلهي.

وعند ما نأخذ بنظر الاعتبار جميع هذه الأبعاد المذكورة في أجواء الآية الشريفة ونتدبّر في هذا الموضوع من موقع الانصاف والحياد التام ونسعى لفهم الحقيقة بعيداً عن التعصّب والعناد لا نصل إلّا إلى مسألة الولاية والخلافة بعد النبي الأكرم (ص) والتي قام النبي بتبليغ هذه الرسالة في غدير خم بصورة رسمية.

أجل! إنّ الموضوع الذي لم يبلّغه النبي الأكرم (ص) للمسلمين إلى آخر عمره الشريف بصورة رسمية والذي يعادل الرسالة والنبوّة والذي تمادى الكثير من الناس لمنع الرسول الأعظم (ص) من أداء هذه المهمّة والذي وعد الله عزّ وجلّ نبيّه الكريم بأن يحفظه من الأخطار التي تكتنف أداء هذه الرسالة هي المسألة المصيرية والمهمّة في دائرة الخلافة، لأنّه بالرغم من أنّ النبي الأكرم (ص) قد ذكر للناس مسألة ولاية الإمام علي في السابق إلّا أنّه لم يبلّغها لجميع المسلمين بصورة رسمية لحد الآن، ولهذا السبب فانّه عند ما كان عائداً من حجة الوداع قام بتبليغ هذه المأمورية الإلهية الكبيرة في صحراء غدير خم بأفضل صورة حيث أعلن لجميع المسلمين عن نصبه للإمام علي (ع) خليفة على المسلمين، وبتبليغ هذه المأمورية كمُلت رسالته.[١٩]

تطبيق العلامات الثلاث على مسألة الولاية

إنّ مسألة خلافة أمير المؤمنين (ص) تنطبق عليها العلائم الثلاث الواردة في آية التبليغ تماماً لأنّها:

أوّلًا: إنّ الرسول الأكرم كما مرّ آنفاً لم يعلن عن مسألة الخلافة بعده طيلة عمره المبارك بشكل صريح ورسمي وبتلك الأبعاد الواسعة، وهذه هي المسألة المهمة التي بقيت على عاتقه في الأيّام الأخيرة من عمره الشريف.
ثانياً: إنه ليس من بين القضايا والامور الإسلامية مسألة تعادل في أهميتها وشأنها مسألة النبوة سوى مسألة الخلافة والولاية التي تعتبر استمراراً لمسار النبوة، ومقام الإمامة يرادف مقام النبوة حيث يتكفل الإمام بأداء الوظائف والمسئوليات التي كانت على عاتق النبي.
ثالثاً: منذ زمان طرح مسألة الإمامة لأمير المؤمنين بدأت ردود الفعل والمخالفات المتعددة تبرز على السطح بل قد ظهرت في غدير خم أيضاً حيث جاء شخص إلى النبي الأكرم معترضاً عليه وقال: «اللهم إن كان هذا من عندك فأنزل علينا حجارة من السماء» فنزلت عليه حجارة فأهلكته. وهكذا هلك هذا الشخص كما سيأتي تفصيل القصة لاحقاً.

وإذا ضممنا الآية 41 من سورة المائدة إلى هذه الآية يتضح المطلب بصورة جيدة.

والنتيجة هي أنّ الآية الشريفة محل البحث مع غض النظر عن الروايات والأقوال وآراء المفسّرين وما أورده المؤرخون في كتبهم تدلّ على خلافة وولاية الإمام علي (ع).

سؤال: قد يقال المراد بالمسألة المهمة في هذه الآية هو إشارة إلى الخطر الكامن في عدوّين كبيرين للإسلام والمسلمين وهما: اليهود والنصارى الّذين كانوا يتحركون دوماً من موقع العداء للإسلام ومنع تقدّم المسلمين ومع هذا كيف تكون هذه الآية مرتبطة بشأن الولاية والخلافة؟

الجواب: إنّ من كانت له أدنى‌ مطالعة ومعرفة بتاريخ الإسلام يعلم جيداً أنّ مشكلة اليهود والنصارى تم حلّها في السنة العاشرة للهجرة حيث تم إخراج قبائل اليهود من بني قريظة وبني النظير وبني قينقاع ويهود خيبر وسائر قبائل اليهود والنصارى من الجزيرة العربية حيث أسلم الكثير منهم واجبر الباقي على الهجرة إلى مناطق اخرى، وعلى هذا الأساس فطبقاً لما ورد في الآية 41 من سورة المائدة أن خوف النبيّ (ص) لم يكن من خارج دائرة المسلمين بل كان خوفه يتمثل في الأفراد الذين دخلوا الإسلام.

وعلى هذا الأساس فإنّ تفسير الآية باليهود والنصارى لا يكون منسجماً مع أجواء الآية، وكذلك سائر التفاسير الاخرى‌ التي أوردها البعض سوى القول بأن المقصود هو خلافة أمير المؤمنين (ع)، وعليه فإنّ الآية الشريفة محل البحث تمثّل جواباً قاطعاً ومستدلّاً ومتيناً على جميع الأشخاص الذين أنكروا إمامة وخلافة الإمام علي بن أبي طالب بعد رسول الله.[٢٠]

الطريق الثاني: تفسير آية التبليغ في دائرة الروايات‌

الطريق الثاني لتفسير الآية الشريفة يتم بالاستعانة بالأحاديث والروايات الشريفة الواردة في شأن نزول هذه الآية وكذلك نظريات وآراء المفسّرين وعلماء الإسلام والمؤرخين الذين دوّنوا هذه الحادثة...

هناك العديد من المحدّثين في صدر الإسلام ذهبوا إلى أن الآية أعلاه نزلت في شأن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومن هؤلاء:

  1. «ابن عباس» الراوي والمفسّر المعروف كاتب الوحي الذي هو مورد قبول الشيعة وأهل السنّة.
  2. «جابر بن عبد الله الأنصاري» وهو الشخصية المعروفة والمقبولة لدى جميع الطوائف الإسلامية.
  3. «أبو سعيد الخدري» الذي يعدّ من كبار صحابة النبي ويتمتع باحترام بالغ.
  4. «عبد الله بن مسعود» وهو أحد كتّاب الوحي وأحد المفسّرين المعروفين.
  5. «أبو هريرة» الراوي المعروف والمقبول لدى أهل السنّة.
6 و7- «حذيفة» و«البراء ابن عازب» صحابيان من مشاهير صحابة النبي، وهناك جمع آخر من الصحابة والعلماء الذين يذعنون بهذه الحقيقة وهي أنّ الآية الشريفة محل البحث نزلت في ولاية الإمام علي.

والجدير بالذكر أنّ الروايات الواردة في هذه الاسناد والتي أشرنا إلى بعض رواتها آنفاً وردت من طرق مختلفة، فمثلًا الرواية أعلاه وردت بأحد عشر طريقاً عن ابن عبّاس وجابر بن عبد الله الأنصاري.

ومن بين المفسّرين من أهل السنّة جماعة ذكروا الرواية المتعلّقة بولاية أمير المؤمنين (ع) ومن بينهم «السيوطى» في «الدرّ المنثور»/ الجزء الثاني/ الصفحة: 298، و«أبو الحسن الواحدي النيشابوري» في «أسباب النزول»/ الصفحة: 150، و«الشيخ محمّد عبده» في «تفسير المنار»/ الجزء السادس/ الصفحة: 120، و«الفخر الرازي» في «التفسير الكبير»، وغيرها من التفاسير الاخرى.

وهنا نورد مقطعاً من كلام الفخر الرازي الذي أورده في تفسيره كنموذج منها:

يعتبر الفخر الرازي من أساطين المفسّرين وعلماء الإسلام بين أهل السنّة ويعتبر تفسيره متين ومفصّل ويحكي عن كثرة علمه واطّلاعه على الامور «بالرغم من تعصبه الشديد الذي اسدل على‌ فكره حجاباً في بعض الأحيان» فإنّه بعد استعراض تسعة احتمالات في تفسير الآية أعلاه يذكر ولاية أمير المؤمنين في الاحتمال العاشر ويقول:

نزلت الآية في فضل علي بن أبي طالب ولمّا نزلت هذه الآية أخذ بيده وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهمّ والِ من والاه وعادِ من عاداه، فلقيه عمر فقال: هنيئاً لك يا ابن أبي طالب! أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة... [٢١]

وطبقاً لما ورد في كتاب شواهد التنزيل يقول زياد بن منذر:

كنت عند أبي جعفر محمّد بن علي (الباقر) (ع) وهو يحدّث الناس إذ قام إليه رجل من أهل البصرة يقال له: عثمان الأعشى‌- كان يروي عن الحسن البصري- فقال له: يا ابن رسول الله جعلني الله فداك إن الحسن يخبرنا أنّ هذه الآية نزلت بسبب رجل ولا يخبرنا من الرجل. فقال: لو أراد أن يخبر به لأخبر به ولكنه يخاف (من حكومة بني امية مضافاً إلى أنه‌ لم تكن له علاقة جيدة مع الإمام علي (ع))... إلى أن قال: فلما ضمن الله [له‌] بالعصمة وخوّفه أخذ بيد علي بن أبي طالب ثمّ قال: يا أيّها الناس من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه... [٢٢].

والملاحظة الملفتة هنا هي أنّ الحاكم الحسكاني مؤلف كتاب شواهد التنزيل الذي أورد الرواية أعلاه هو من أهل السنّة، كما ذكر هذه الرواية جمع آخر من أهل السنّة.

والنتيجة هي أن الأحاديث والروايات وأقوال الصحابة والروايات وآراء المفسّرين والعلماء كلّها تحكي أنّ آية التبليغ نزلت في موضوع ولاية أمير المؤمنين الإمام علي (ع). [٢٣].[٢٤]

توصيتان في آية التبليغ‌

وبإمكاننا أن نستوحي ملاحظتان أو توصيتان من أجواء الآية الشريفة:

  1. أنّه بالرغم من أنّ المخاطب في هذه الآية الشريفة هو رسول الله بشخصه إلّا أنّ وظيفة تبليغ مسألة الولاية والإمامة والإجابة على علامات الاستفهام والشبهات التي تثار حولها لا تختص بالرسول الأكرم (ص) بلا شك، بل هي وظيفة جميع العلماء وأهل النظر على طول التاريخ.
  2. الأخرى في هذه الآية الشريفة هي أنّ المؤمنين الواقعيين هم الأشخاص الذين يتحركون في خط الطاعة للَّه تعالى من موقع التسليم والاذعان للحقّ لا من موقع التعصّب والعناد والميول الفئوية والطائفية والحزبية بحيث يسلّمون أحياناً ويخالفون أحياناً اخرى.

وأساساً فإنّ السرّ في وصول نبي الإسلام لتلك المقامات العالية والمنازل المعنوية الرفيعة تكمن في عبوديته وتسليمه المحض للَّه تعالى وهو ما نشهد به في كلّ صلاة قبل الشهادة برسالته ونقول: «اشهد أن محمّداً عبده ورسوله».

ونحن إذا أردنا نيل تلك المرتبة السامية من القرب الإلهي وأردنا أن نعيش الإيمان‌ الحقيقي والواقعي وتطبيق ادعائنا في الاستنان بسنّة النبي الأكرم (ص) فيجب أن نسلّم لأمره على كلّ حال حتّى لو كان على خلاف رغباتنا ومزاجنا وميولنا العاطفية.

ولغرض تكميل هذا البحث نستعرض خلاصة لقصّة الغدير كما وردت في تفسير «نفحات القرآن»....[٢٥]

واقعة الغدير

أدركنا من البحث الآنف بشكل إجمالي أن هذه الآية وعلى ضوء الشواهد التي لا تحصى‌ قد نزلت بحقّ علي (ع)، وانّ الروايات التي نُقلت في الكتب المعروفة لأهل السنّة- فضلًا عن كتب الشيعة- أكثر من أن يستطيع أحدٌ انكارها.

وبالاضافة إلى الروايات أعلاه، فلدينا روايات اخرى‌ تفيد بصريح القول: إنّ هذه الآية وردت أثناء واقعة الغدير وخطبة النبي (ص) في التعريف بعلي (ع) على‌ أنه الوصي والولي، وعددها يربو على الروايات السابقة، حتّى أنّ المحقّق الكبير العلّامة «الأميني» ينقل في كتاب الغدير، حديث الغدير عن 110 من صحابة رسول الله (ص) بالاسناد والوثائق الحية، وكذلك عن 84 من التابعين و360 من مشاهير علماء المسلمين ومؤلفيهم.

إنّ كلّ من يلقي نظرةً على‌ مجموعة هذه الأسانيد والوثائق يدرك بأنّ حديث الغدير من أكثر الروايات الإسلامية جزماً، ومصداقاً واضحاً للحديث المتواتر ومن يشك في تواتره، فعليه أن لا يؤمن بأيّ حديث متواتر.

وحيث إنّ الولوج في هذا البحث بنحوٍ واسعٍ يخرجنا عن اسلوب كتابة تفسير موضوعي، فنكتفي بهذا القدر بشأن اسناد الرواية وشأن نزول هذه الآية، ونتطرق إلى مضمون الرواية، ونحيل الذين يريدون المزيد من المطالعة حول اسناد الرواية إلى الكتب التالية:

  1. كتاب الغدير، ج 1.
  2. إحقاق الحقّ، تأليف العلّامة الكبير القاضي «نور الله الشوشتري» مع شرح مفصلٍ لآية الله النجفي، ج 2 و3 و14 و20.
  3. المراجعات للمرحوم السيّد «شرف الدين العاملي».
  4. عبقات الأنوار للعالم الكبير «مير حامد الحسيني الهندي» (من الأفضل مراجعة خلاصة العبقات، ج 7 و8 و9).
  5. دلائل الصدق، تأليف العالم الكبير المرحوم «المظفر»، ج 2.[٢٦]

مضمون روايات الغدير

وهنا نأتي بقصّة الغدير بشكل مختصر كما يستفاد من مجموع الروايات أعلاه، (و طبقاً فإن هذه الواقعة قد وردت في بعض الرويات بشكل مفصّل ومطوّل، وفي بعضها بشكل مختصرٍ وقصير، وفي بعضها اشير إلى جانبٍ من هذه القصة وفي البعض إلى جانب آخر، ومنها جميعاً يستفاد ما يلي):

في السنّة الأخيرة من حياة النبي (ص) أقيمت مراسم حجة الوداع بكلّ جلال بمشاركة النبي (ص)، وكانت الأفئدة تمتلئ بالمعنويات ولم تزل اللذة المعنوية لهذه العبادة العظيمة ينعكس إشعاعها في النفوس.

وكان أصحاب رسول الله (ص) الذين كان عددهم كثيراً للغاية لا تسعهم أنفسهم نتيجة لادراكهم هذا الفيض والسعادة العظيمة [٢٧].

ولم يكن أهل المدينة وحدهم الذين يرافقون رسول الله (ص) في هذا السفر، بل كان المسلمون من مختلف بقاع الجزيرة العربية برفقته (ص) لنيل هذا الفخر التاريخي العظيم.

وكانت شمس الحجاز تضفي على الجبال والأودية حرارة لا تطاق، إلّا أن حلاوة هذا السفر المعنوي النادر كانت تيسّر كلّ شي‌ء، وقد اقترب الظهر، وأخذت منطقة الجحفة، وصحراء «غدير خم» الجافة الرمضاء تبدو للعيان.

وهذا المكان يعدّ مفرق طرق لأهل الحجاز حيث يتشعب إلى أربعة طرق، فطريق يتجه إلى الشمال نحو المدينة، وطريق إلى الشرق نحو العراق، وطريق إلى الغرب نحو مصر، وطريق‌ إلى الجنوب نحو اليمن، وهنا يجب أن تُطرح آخر المستجدات في هذا السفر، ويتفرق المسلمون بعد استلامهم لآخر حكم، وهو في واقع الأمر كان خط النهاية في الواجبات الناجحة للنبي (ص).

كان ذلك في يوم الخميس من السنة العاشرة للهجرة، وقد مضت عشرة أيّام على‌ عيد الأضحى، وفجأة صدر الأمر من الرسول (ص) إلى الذين معه بالتوقف، ونادى المسلمون بأعلى أصواتهم أصحابَهم الذين تقدّموا الركب بالتوقف والعودة، وأمهلوا المتأخرين حتّى يصلوا، وزالت الشمس وصدح صوت مؤذن رسول الله (ص) بالأذان: الله أكبر، داعياً الناس إلى صلاة الظهر، وسرعان ما استعد الناس للصلاة، إلّا أن حرارة الجو كانت إلى الحدّ الذي اجبر البعض على أن يغطي أرجله بقسم من ازاره ويستر رأسه بالقسم الآخر، وإلّا فإن حصى‌ الصحراء وأشعة الشمس ستحرق أرجلهم ورءوسهم.

فلا خيمة في الصحراء، ولا خضرة، ولا نبات، ولا شجرة، سوى بعض الأشجار البرية الجرداء التي تقاوم حرارة الصحراء، والتي لاذ بها البعض، ووضعوا قطعة من القماش على إحداها وجعلوها ظلًّا لرسول الله (ص)، إلّا أن الرياح اللاهبة تهب تحتها وتلفها بحرارة الشمس المحرقة.

وانتهت صلاة الظهر، وعزم المسلمون على اللجوء إلى خيامهم الصغيرة التي كانوا يحملونها معهم، بيد أن النبي (ص) أوعز لهم بالاستعداد لسماع بلاغ إلهي جديد يُوضَّح ضمن خطبة مفصلة، ولم يكن بمقدور البعيدين عن رسول الله (ص) رؤية وجهه الملكوتي وسط زحام الناس، لذا فقد صنعوا له منبراً من أربعة من أحداج الإبل، فارتقاهُ النبي (ص)، وفي البداية حمد الله وأثنى عليه واستعاذ به، ثمّ خاطب الناس قائلًا:

«أيّها الناس: يوشك أن ادعى‌ فأُجيب. أنا مسئول، وأنتم مسئولون. فكيف تشهدون بحقّي؟ فصاح الناس: نشهد أنك قد بلّغت ونصحت وجهدت فجزاك الله خيراً، ثمّ قال: أ لستم تشهدون أن لا إله إلّا الله، وأنّي رسول الله إليكم، وأن البعث حقّ، وأن الله يبعث‌ من في القبور؟! فقالوا: نشهد بذلك، قال: اللهمّ اشهد، ثمّ قال: أيّها الناس أ تسمعوني؟ قالوا: نعم، ثمّ عمّ السكوت الصحراء فلم يُسمع إلّا صوت الريح، فقال (ص): فانظروا ما ذا صنعتم بالثقلين من بعدي؟ فقال رجل من بين القوم: ما هذا الثقلان يا رسول الله؟! قال (ص): أما الثقل الأكبر فهو كتاب الله حبل ممدود من الله إليكم، طرفه بيد الله والطرف الآخر بأيديكم، فلا تدعوه، وأما الثقل الأصغر فهم عترتي وقد أخبرني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فلا تتقدموهما فتهلكوا ولا تتأخروا عنهما فتهلكوا.»
ونظر الناس إلى رسول الله (ص) وهو يلتفت حوله، وكأنه يبحث عن أحد، ولما وقعت عيناه على علي (ع) التفت إليه وأخذ بيده ورفعها حتّى بان بياض إبطيهما، وشاهدهما جميع القوم، وعرفوا أنه ذلك الفارس المقدام، وهنا ارتفع صوت النبي (ص)، وقال:
«أيُّهَا النّاسُ مَنْ أَوْلَى النّاسِ بِالمُؤمِنينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال النبي (ص): الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين وأولى منهم بأنفسهم، ثمّ قال: فَمَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ‌، وكرر هذا الكلام ثلاث مرّات، وكما قال أرباب الحديث: انه كرره أربعاً، ثمّ رفع رأسه نحو السماء، وقال: اللهمّ والِ مَنْ والاه وَ عادِ مَنْ عاداهُ، وَ أَحِبّ مَنْ أَحَبَّهُ وَ ابْغِضْ مَنْ أبْغَضَهُ وَ انْصُرْ مَنْ نَصَرَه وَ اخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ وَ أَدِرِ الْحَقّ مَعَهُ حَيْثُ دارَ. ثمّ قال (ص): أَلا فَلْيُبلّغ الشّاهِدُ الْغائِبَ.»
هنا انتهت خطبة الرسول (ص) وكان العرق يتصبب من النبي (ص) والجميع، وما زال الناس لم يتفرقوا من ذلك المكان حتّى‌ نزل عليه الوحي وقرأ هذه الآية على رسول الله (ص):
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي[٢٨]
فقال رسول الله (ص):
«اللهُ أَكْبَرْ، اللهُ أَكْبَرْ عَلَى اكْمالِ الدِّيْنِ وَ اتْمامِ النِّعْمَة وَ رِضَى الرَّبُّ بِرِسَالَتِي وَ الْوِلايَةِ لِعَليٍّ مِنْ بَعْدي.»
في هذه الأثناء عم الناس النشاط والحركة، وأخذوا يهنئون عليّاً (ع) بهذا المقام، وكان من الذين هنئوه، أبو بكر وعمر حيث نطقا بهذه العبارة أمام أعين الحاضرين: بَخٍّ بَخٍّ لَكَ يَا بْنَ أَبي طالِبٍ أَصْبَحْتَ وَ أَمْسَيْتَ مَوْلايَ وَ مَوْلا كُلِّ مُؤمِنٍ وَ مُؤمِنَةٍ. أثناء ذلك قال ابن عبّاس: «و الله إنه عهد سيبقى في أعناقهم»، واستاذن النبي (ص) الشاعر المعروف «حسان بن ثابت» لينشد شعراً بهذه المناسبة، ثمّ استهل قصيدته المعروفة:
يُنادِيْهِمْ يَوْمَ الْغَديرِ نَبيُّهُمْ‌ *** بِخُمٍّ وَ اسْمِعْ بِالرَّسُولِ مُنادِيا
فَقالَ فَمَنْ مَوْلاكُمْ وَ نَبيِّكُمْ؟ *** فَقالُوا وَ لَمْ يَبْدُوا هُناكَ التَّعامِيا:
الهُكَ مَوْلانا وَ انْتَ نَبِيُّنا *** وَ لَمْ تَلْقِ مِنّا فِي الْوَلايَةِ عاصِيا
فَقالَ لَهُ قُمْ يا عَليّ فَإِنَّني‌ *** رَضيتُكَ مِنْ بَعْدي اماماً وَ هادِيا
فَمَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَهذا وَلِيُّهُ‌ *** فَكُونُوا لَهُ اتْباعَ صِدْقٍ مُوالِيا
هُناكَ دَعا اللهُمَّ وَالِ وَلِيَّهُ‌ *** وَ كُنْ لِلَّذي عادا عَلِيّاً مُعادِيا [٢٩]. [٣٠]

توضيحات‌

1- معنى‌ الولاية والمولى في حديث الغدير

لقد اطّلعنا بشكل إجمالي على‌ حديث الغدير المتواتر، والعبارة المشهورة التي جاءت عن رسول الله (ص) في جميع الكتب وهي: «مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِىٌّ مَوْلاهُ» توضح الكثير من الحقائق وإن أصرّ كثيرٌ من كتّاب أهل السنّة على‌ تفسير كلمة «المولى‌» هنا بمعنى‌ «الصديق والمحبّ والناصر»، لأنّ هذا أحد المعاني المعروفة ل «المولى».

ونحن نسلّم بأنّ إحدى‌ معاني‌ «المولى‌» الصديق والمحب والناصر، إلّا أنّ ثمة قرائن عديدة تثبّت أنّ المولى‌ في الحديث أعلاه تعني‌ «الولي والمشرف والقائد» وهي كما يلي بإيجاز:

  1. إن قضية محبة علي (ع) مع جميع المؤمنين لم تكن أمراً خفياً وسريّاً ومعقّداً، بحيث يحتاج إلى هذا التأكيد والإيضاح، وبحاجة إلى إيقاف ذلك الركب العظيم وسط الصحراء القاحلة الساخنة وإلقاء خطبة عليهم لأخذ الاقرار بالولاية له من ذلك الجمع. فالقرآن يقول بصراحة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ[٣١] [1]. وفي موضع آخر يقول: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ[٣٢] [2]. و الخلاصة: إنّ الاخوة الإسلامية ومودة المسلمين مع بعضهم من أكثر المسائل الإسلامية بداهة، حيث كانت موجودة منذ انطلاقة الإسلام، وطالما أكد عليها النبيُّ (ص) مراراً، بالاضافة إلى عدم كونها مسألة تحتاج إلى بيان بهذا الاسلوب الحاد في الآية، وأن يشعر النبي (ص) بالخطر من البوح بها (تأملوا جيداً).
  2. إن عبارة «أ لَستُ أوْلى‌ بِكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ» الواردة في الكثير من الروايات لا تتناسب أبداً مع بيان مودّة عادية، بل انه يريد القول بأن تلك الأولوية والتصرف الذي لي تجاهكم وأنني إمامكم وقائدكم، فإنه ثابت لعلي (ع) وأي تفسير لهذه العبارة غير ما قيل فهو بعيد عن الإنصاف والواقعية، لا سيّما مع الأخذ بنظر الاعتبار جملة «أنَا أوْلى‌ بِكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ».
  3. التهاني التي قدمها الناس لعلي (ع) في هذه الواقعة التاريخية، لا سيّما التهاني التي قدمها أبو بكر وعمر، إذ إنها تبرهن على‌ أن القضية لم تكن سوى تعيين الخلافة التي يستحق التبريك والتهاني، فالاعلان عن المودة الثابتة لجميع المسلمين بشكل عام لا يحتاج إلى تهنئة. وجاء في مسند الإمام أحمد أن عمراً، قال لعلي بعد خطبة النبي (ص): هنيئاً لك يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى‌ كلّ مؤمن ومؤمنة [٣٣]. ونقرأ في العبارة التي ذكرها الفخر الرازي في ذيل الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ[٣٤] أن عمراً قال: «هَنيئاً لَكَ يَا بْنَ أبي طالِبٍ أَصْبَحْتَ وَ أَمْسَيْتَ مَوْلَى‌ كُلِّ مُؤمِنٍ وَ مُؤمِنَةٍ». وبهذا فإن عمراً يعدُ علياً مولاه ومولى المؤمنين جميعاً. وفي تاريخ بغداد جاءت الرواية بهذا الشكل: بَخٍّ بَخٍّ لَكَ يَا ابْنَ أبي طالِبٍ! أَصْبَحْتَ مَوْلايَ وَ مَوْلى‌ كُلِّ مُسْلِمٍ‌ [٣٥]. وجاء في‌ «فيض القدير»، و«الصواعق»، أن أبا بكرٍ وعمراً باركا لعلي بالقول: «أَمْسَيْتَ يَا بْنَ أبي طالِبٍ مَوْلا كُلِّ مُؤمِنٍ وَ مُؤمِنَةٍ» [٣٦]. ومن نافلة القول إن المودة العادية بين المؤمنين ليست لها مثل هذه المراسيم، وهذا لا ينسجم إلّا مع الولاية التي تعني الخلافة.
  4. إن الشعر الذي نقلناه آنفاً عن‌ «حسان بن ثابت» بذلك المضمون والمحتوى الرفيع، وتلك العبارات الصريحة والجلية شاهد آخر على‌ هذا الادعاء، وتشير إلى هذه القضية بما فيه الكفاية (راجعوا تلك الأبيات مرّة اخرى).[٣٧]

2- سورة المعارج تؤيد حديث الغدير

روى‌ كثيرٌ من المفسّرين ورواة الحديث في ذيل الآيات الاولى‌ من سورة المعارج:

﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنَ اللهِ ذِي الْمَعَارِجِ[٣٨] أنّ شأن النزول في هذه الآيات هو ما يلي:

إن النبي (ص) عيّن علياً خليفة يوم غدير خم وقال بحقّة: «مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاه»، فما لبث أن انتشر الخبر، فجاء «النعمان بن الحارث الفهري»- (و كان من المنافقين) [٣٩]- إلى النبي (ص) وقال: لقد أمرتنا أن نشهد ان لا إله إلّا الله وأنك محمّد رسول الله، فشهدنا، ثمّ‌ أمرتنا بالجهاد والحجّ والصلاة والزكاة فقبلنا، فلم ترض بكلّ ذلك، حتّى‌ أقمت هذا الفتى‌ «مشيراً إلى عليّ (ع) خليفة لك، وقلت: مَنْ كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه فهل هذا منك أم من الله»؟ قال النبي (ص)‌ «و الله الذي لا معبود سواه انه من الله»، فالتفت إليه‌ «النعمان بن الحارث»، وقال: «إلهي إن كان هذا حقّاً منك فأنزل علينا حجارة من السماء»!

وفجأةً نزلت حجارة من السماء على رأسه وقتلته، فنزلت آية «سأل سائل بعذاب واقع».

ما ورد أعلاه هو ما ذكره صاحب «مجمع البيان» عن أبي القاسم الحسكاني‌ [٤٠] وقد نقل هذا المضمون الكثير من مفسّري أهل السنّة ورواة الأحاديث مع شي‌ء من الاختلاف، مثل: القرطبي في تفسيرهِ المعروف‌ [٤١]، والآلوسي في تفسير روح المعاني‌ [٤٢]، وأبو إسحاق الثعلبي في تفسيره‌ [٤٣].

وينقل العلّامة الأميني هذه الرواية في كتاب الغدير عن ثلاثين من علماء السنّة (مع ذكر المصدر ونص العبارة)، منها: «السيرة الحلبية»، «فرائد السمطين» للحمويني، «درر السمطين» للشيخ محمّد الزرندي، و«السراج المنير» لشمس الدين الشافعي، «شرح الجامع الصغير» للسيوطي، و«تفسير غريب القرآن» للحافظ أبو عبيد الهروي، و«تفسير شفاء الصدور» لأبي بكر النقاش الموصلي، وكتب اخرى‌.

وقد أورد بعض المفسّرين أو المحدّثين الذين يُقرّون بفضائل علي (ع) على مضض اشكالات مختلفة على شأن النزول هذا، أهمها الإشكالات الأربعة التالية التي أوردها صاحب تفسير المنار وآخرون بعد ذكرهم للرواية أعلاه.

الإشكال الأوّل: إن سورة المعارج مكية، ولا تتناسب مع واقعة غدير خم.

و الجواب: إن كون السورة مكية لا يعتبر دليلًا على أن جميع آياتها نزلت في مكّة، فلدينا العديد من سور القرآن الكريم التي تدعى‌ بالمكية وكتبت في جميع المصاحف على أنها مكية، بيد أن عدداً من آياتها نزلت في المدينة، وكذا العكس، فعلى‌ سبيل المثال: إن سورة العنكبوت من السور المكية، والحال أن آياتها العشر الاولى‌ نزلت في المدينة، على‌ ضوء قول الطبري في تفسيره المعروف، والقرطبي في تفسيره وآخرين من العلماء [٤٤].

أو سورة الكهف المعروفة بأنها مكية بينما نزلت آياتها السبع الاولى‌ في المدينة استناداً لتفسير «القرطبي»، و«الاتقان» للسيوطي، وتفاسير عديدة [٤٥].

وهكذا فهنالك سورٌ عُدت بأنها مدنية بينما نزلت آيات منها في مكة، مثل سورة «المجادلة» فهي مدنية كما هو معروف، إلّا أن الآيات العشر الاولى‌ منها نزلت في مكّة، طبقاً لتصريح بعض المفسّرين‌ [٤٦].

وموجز الكلام أنه توجد حالات كثيرة بأن تذكر سورة على‌ أنها مكية أو مدنية، ويكتب عليها في التفاسير والمصاحف هذا الاسم إلّا أن جانباً من آياتها قد نزل في موضع آخر.

وعليه فلا مانع أبداً من أن تكون سورة المعارج هكذا أيضاً.

الإشكال الثاني: جاء في الحديث أن الحارث بن النعمان جاء إلى النبي (ص) في الأبطح، ومعلوم أن الأبطح اسم لوادي في مكّة، وهذا لا يتلائم مع نزول الآية بعد واقعة الغدير بين مكّة والمدينة.

الجواب:

أوّلًا إن عبارة الأبطح وردت في بعض الروايات فقط لا في جميعها.
و ثانياً: إن‌ «الأبطح والبطحاء» تعني الأرض الرملية التي يجري فيها السيل، وهنالك مناطق في المدينة وغيرها يطلق عليها اسم الأبطح أو البطحاء أيضاً، واللطيف انه قد اشير إليها مراراً في الشعر العربي.

منها الشعر المعروف الذي انشده‌ «شهاب الدين» المشهور ب «حيص بيص» [٤٧] في رثائه لأهل البيت (ع)، عن لسانهم في مخاطبة قاتليهم:

مَلَكْنا فَكانَ الْعَفْوُ مِنّا سَجِيَّةً *** فَلَمّا مَلَكْتُمْ سالَ بِالدَّمِ أَبْطَحُ‌
وَ حَلَّلْتُمُ قَتْلَ الاسارى وَ طالَما *** غَدَوْنا عَنِ الاسْرى نَعْفُوا وَ نصْفَحُ‌ [٤٨]

ومن الواضح أن مقاتل أهل البيت (ع) كانت على الأغلب في العراق وكربلاء والكوفة والمدينة، وما اريق دمٌ في ابطح مكّة أبداً، نعم إن بعض أهل البيت (ع) استشهدوا في واقعة «فخ» التي تبعد عن مكّة ما يقرب من فرسخين، والحال أنّ الابطح يجاور مكّة.

وشاعرٌ آخر يرثي الإمام الحسين (ع) سيّد الشهداء قائلًا:

وَ تَئنُّ نَفْسي لَلرُّبُوعِ وَ قَدْ غَدا *** بَيْتَ النَّبِيِّ مُقَطَّعُ الاطْنابِ‌
بَيْتٌ لِآلِ المُصْطَفى فِي كَرْبَلا *** ضَرَبُوهُ بَيْنَ أَباطِحٍ وَ رَوابي‌ [٤٩]

وثمة أشعار اخرى‌ كثيرة ورد فيها تعبير «الأبطح» أو «الأباطح» لا تعني منطقة خاصة في مكّة.

وملخّص الكلام، صحيح أن أحد معاني الابطح هو بقعة في مكّة، إلّا أنّ معنى‌ ومفهوم ومصداق الابطح لا ينحصر بتلك البقعة.[٥٠]

3- كيفية ارتباط هذه الآية بما قبلها وبعدها

إن بعض المفسّرين ومن أجل مجانبة الحقيقة الكامنة في هذه الآية توسّل بمبرر آخر

و هو: إن سياق الآيات السابقة واللاحقة بشأن أهل الكتاب لا تنسجم مع قضية الولاية والخلافة والإمامة، ولا تتناسب هذه الاثنينية في الخطاب مع بلاغة وفصاحة القرآن‌ [٥١].

الجواب: إن كافة المطّلعين على كيفية جمع آيات القرآن يعرفون أن آيات القرآن نزلت تدريجياً وبمناسباتٍ مختلفة، من هنا فكثيراً ما تتحدث سورةٌ ما حول قضايا مختلفة، فجانبٌ منها يتحدث عن الغزوة الفلانية، والجانب الآخر حول الحكم والتشريع الإسلامي الفلاني، وجانبٌ يخاطب المنافقين، وآخر يخاطب المؤمنين، فمثلًا لو طالعنا سورة النور لوجدناها تحتوي على جوانب متعددة، كلٌّ منها ناظرٌ إلى موضوعٍ، بدءاً من التوحيد والمعاد ومروراً بتنفيذ حدّ الزنا وقصة «الافك»، والقضايا المتعلّقة بالمنافقين، والحجاب وغيرها، (و كذلك سائر السور الطوال إلى حدٍّ ما) بالرغم من وجود ارتباط عام بين مجموعة أجزاء السورة.

والسرّ وراء هذا التنوع في المحتوى‌ ما قيل من أن القرآن نزل تدريجياً وحسب المتطلبات والضرورات وفي مختلف الأحداث، وليس على هيئة كتاب كلاسيكي أبداً بحيث يتابع موضوعاً معداً سلفاً، على هذا الأساس لا مانع على الاطلاق من أن تنزل مقاطع من سورة المائدة بشأن أهل الكتاب، ومقاطع منها في واقعة الغدير، بالطبع فمن وجهة النظر العامة انهما يرتبطان معاً إذ انّ تعيين خليفة لرسول الله (ص) يترك أثره على قضايا أهل الكتاب أيضاً، لأنه سيؤدي إلى يأسهم من انهيار الإسلام برحيل النبي (ص)‌ [٥٢].[٥٣]

المراجع والمصادر

  1.   ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن

الهوامش

  1. سورة المائدة، الآية 67.
  2. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص11.
  3. سورة المزمل، الآية 1.
  4. سورة المزمل، الآية 1.
  5. سورة الأنفال، الآية 64؛ كرر هذا الخطاب في أكثر من 10 آيات قرآنية.
  6. سورة المائدة، الآية 41؛ ورد هذا الخطاب مرتين في القرآن الكريم.
  7. سورة المائدة، الآية 41 و67.
  8. سورة المائدة، الآية 67.
  9. سورة المائدة، الآية 67.
  10. سورة المائدة، الآية 67.
  11. سورة المائدة، الآية 67.
  12. سورة المائدة، الآية 67.
  13. سورة التوبة: الآية 6.
  14. و هكذا عمل النبي الأكرم (ص)، حيث ذكر موضوع خلافة علي (ع) على الناس مراراً من الأيّام الاولى لظهور الإسلام وحتى وفاته.
  15. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص11-14.
  16. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص14.
  17. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص14.
  18. حسب الروايات، نزلت هذه السورة بصورة كاملة في حجة الوداع (الحجة الاخيرة للنبي الأكرم (ص)) بين مكة والمدينة (المنار: ج 6، ص 116).
  19. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص14-16.
  20. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص16-18.
  21. التفسير الكبير: ج 11، ص 49.
  22. شواهد التنزيل: ج 1، ص 253، ح 248.
  23. التفسير الكبير: ج 11، ص 49.
  24. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص18-20.
  25. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص20-21.
  26. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص21-22.
  27. ذكر البعض ان عدد الذين كانوا مع رسول الله (ص) 90 ألفاً، والبعض 112 ألفاً، وبعضٌ 120 ألفاً، وبعضٌ 124 ألفاً.
  28. سورة المائدة، الآية 3.
  29. روى‌ هذا الشعر جماعة من كبار علماء السنّة منهم: الحافظ «أبو نعيم الاصفهاني»، والحافظ «أبو سعيد السجستاني»، و«الخوارزمي المالكي»، والحافظ «أبو عبد الله المرزباني»، و«الكنجي الشافعي»، و«جلال الدين السيوطي»، و«سبط بن الجوزي»، و«صدر الدين الحموي».
  30. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص22-25.
  31. سورة الحجرات، الآية 10.
  32. سورة التوبة، الآية 71.
  33. مسند أحمد: ج 4، ص 281 (على ضوء نقل الفضائل الخمسة: ج 1، ص 432).
  34. سورة المائدة، الآية 67.
  35. تاريخ بغداد: ج 7، ص 290.
  36. فيض القدير: ج 6، ص 217، الصواعق: ص 107.
  37. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص25-27.
  38. سورة المعارج، الآية 1-3.
  39. جاء في بعض الروايات انه «الحارث بن النعمان» وفي بعضها «النضر بن الحارث».
  40. مجمع البيان: ج 9 و10، ص 352.
  41. الجامع لأحكام القرآن: ج 10، ص 6757.
  42. روح المعاني: ج 29، ص 52.
  43. وفقاً لنقل نور الأبصار للشبلنجي: ص 71.
  44. تفسير الطبري: ج 20، ص 86، القرطبي: ج 13، ص 323.
  45. للمزيد من الاطلاع على الموضوع: راجعوا الجزء الأوّل من كتاب الغدير: ص 356 و257.
  46. تفسير أبي السعود الذي كتب على هامش تفسير الرازي: ج 8، ص 148، والسراج المنير: ج 4، ص 310.
  47. اسمه «سعد بن محمّد بن سعد بن صيفي التميمي» ويلقّب ب «شهاب الدين» ومشهور بلقب «حيص بيص»، وكان من فقهاء الشافعية وله معرفة واسعة بالعلوم ولكنه كان أعلم بالشعر والبلاغة، أما السبب في شهرته بلقب «حيص بيص» فقد ذكروا أن الناس كانوا في عسر وضيق فقال: ما للناس في حيص وبيص؟ فعرف بهذه الكلمة، توفي عام 554 أو 574 أو 577 ه. ق، ودفن في مقابر قريش. (ريحانة الأدب: ج 2، ص 97).
  48. الغدير: ج 1، ص 255.
  49. السبحاني، جعفر، موسوعة طبقات الفقهاء، ج 14، القسم 1، ص 524.
  50. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص27-30.
  51. تفسير المنار: ج 6، ص 466.
  52. نفحات القرآن: ج 9، ص 175.
  53. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص30-31.