الحُكم عند أهل السنة

من إمامةبيديا

التعريف

المعنى اللغوي

مشتق من "حَكَمَ يَحكُم"، والحُكم مفرد جمعها أحكام، وهو يعني المنع، يُقال: حكمت الرجل أي: منعته، وسمي الحاكم بهذا الاسم؛ لأنه يمنع الظالم من الظلم، والحكم هو القضاء والفصل بين المتخاصمين بالعدل، وسميت الحكمة بهذا الاسم؛ لأنها تبنى على العلم الذي يمنع من الوقوع في الجهل [١].

المعنى الاصطلاحي

قال أحمد المراغي: «الحكم هو العلم بالخير والعمل به» [٢].

قال القشيري: «هو إحكام الفعل على وجه الأمر» [٣].

قال الجرجاني: «إسناد أمر إلى آخر إيجاباً أو سلباً» [٤].

وقيل: «هو القضاء بالشيء بأنّه كذا أو ليس بكذا، سواء ألزمت ذلك غيرك أو لم تلزمه» [٥].

وبالنظر في التعريفات السابقة يمكن تعريف الحكم بأنه: هو العلم بالخبر والعمل به على وجه الإلزام والأمر.

فالمعنى الاصطلاحي لا يخرج عن المعنى اللغوي؛ إذ كل منهما ينبني عن العلم والإلزام.[٦]

الحكم في الاستعمال القرآني

ورد ذكر (الحكم) في القرآن الكريم (٨٦) مرة [٧].

والصيغ التي جاءت هي:

الصيغة عدد المرات المثال
الفعل الماضي ٤ ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ[٨]
الفعل المضارع ٣٩ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ[٩]
الفعل الأمر ٧ ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ[١٠]
المصدر ٣٠ ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ[١١]
اسم التفضيل ٢ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ[١٢]
اسم الفاعل ٥ ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ[١٣]
الاسم ٤ ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً[١٤]

وجاء (الحكم) في القرآن بمعناه اللغوي، وهو: القضاء [١٥].[١٦]

الألفاظ ذات الصلة

القضاء

  1. القضاء لغةً: من قضى يقضي قضاءً، وهو الحكم والأمر، يقال: قضى بين الخصمين أي: حكم بينهما، وأمر بالحق لصاحبه [١٧].
  2. القضاء اصطلاحاً: «هو تبيين الحكم الشرعي، والإلزام به، وفصل الخصومات» [١٨].
  3. الفرق بين الحكم والقضاء: القضاء يقتضي فصل الأمر على التمام، أما الحكم فيقتضي المنع من الخصومة [١٩].[٢٠]

الفصل

  1. الفصل لغة: الفصل أي: القطع، يقال: قطعه فانقطع أي: فصل بين أجزائه، والفصل مفرد وجمعها فصول، والفاصل هو الحاجز بين الشيئين، والفصل في القضاء هو التفريق بين الحق والباطل [٢١].
  2. الفصل اصطلاحاً: هو التمييز بين المحق والمبطل بعلامة يعرف بواسطتها كل واحد منهما [٢٢].
  3. الصلة بين الحكم و الفصل: الحكم يقتضي المنع من الخصومة، أما الفصل فيقتضي التمييز بين أجزاء الشيء الواحد للتفريق بينهما.[٢٣]

الشهادة

  1. الشهادة لغةً: الشهادة من شهد يشهد شهادة، وهي الإخبار، والشهادة مصدر، وهي مفرد وجمعها شهادات، والشاهد هو معطي الخبر [٢٤].
  2. الشهادة اصطلاحاً: قال الجرجاني: «هي إخبار عن عيان بلفظ الشهادة في مجلس القاضي بحق للغير على آخر» [٢٥].
  3. الصلة بين الحكم و الشهادة: الحكم هو إلزام المتخاصمين بالحق لمنع استمرار الخصومة بينهما، أما الشهادة فهي إفادة الحاكم بالأخبار التي تظهر له الحق، ومن ثمّ فإن الشهادة هي البينة التي يستند إليها الحاكم لمنع الخصومات.[٢٦]

الحيف

  1. الحيف لغةً: من حاف يحيف حيفاً، وهو الميل والجور [٢٧].
  2. الحيف اصطلاحاً: هو الميل عن الحقّ في الحكم [٢٨].
  3. الصلة بين الحكم والحيف: الحكم الأصل فيه العدل وإعطاء الحق إلى صاحبه، أما الحيف فيه ظلم وجور.[٢٩]

أنواع الحكم

إن الحكم في دين الله نوعان رئيسان، وهي الحكم الشرعي والحكم القدري، وهما كما يأتي:

الحكم الشرعي

تعريف الحكم الشرعي

«هو ما دل عليه خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين من طلب فعل، أو ترك، أو تخيير، أو وضع» [٣٠].

أنواع الحكم الشرعي

الحكم الشرعي نوعان: تكليفي، ووضعي.

  1. الحكم التكليفي: «هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين على جهة الطلب أو التخيير» [٣١].
  2. الحكم الوضعي: «هو خطاب الله المتعلق بجعل الشيء سبباً للشيء، أو شرطاً له، أو مانعاً منه، أو صحيحاً، أو فاسداً»[٣٢].[٣٣]

أقسام الحكم التكليفي

الإيجاب
  1. الإيجاب لغة: الإلزام [٣٤].
  2. الإيجاب اصطلاحاً: هو خطاب الله تعالى المتعلق بطلب الفعل على سبيل اللزوم والحتمية؛ بحيث يثاب الفاعل ويعاقب التارك [٣٥].

مثاله: قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ[٣٦].

ويفهم من هذا النص القرآني أنّ مقيم الصلاة مثاب، وتاركها آثم، وكذلك الأمر بالنسبة لكلٍّ من الزكاة، والركوع في الصلاة، لاسيما أنّ كلاً من إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة من أركان الإسلام.[٣٧]

الندب
  1. الندب لغة: الحث والدعاء [٣٨].
  2. الندب اصطلاحاً: هو خطاب الله تعالى المتعلق بطلب الفعل على سبيل الاستحباب، لا على سبيل الحتمية [٣٩].

مثاله: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ[٤٠].

فأمر الله تعالى هنا للندب، فإن كتب الدين فهذا حسن، وإن لم يكتب فلا إثم [٤١].[٤٢]

الإباحة
  1. الإباحة لغة: الإطلاق والتحليل [٤٣].
  2. الإباحة اصطلاحاً: هو الخطاب الذي خيّر الشارع فيه المكلف بين الفعل والترك، دون ترتّب ثواب أو عقاب [٤٤].

مثاله: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا[٤٥].

والأمر بالصيد هنا يفيد الإباحة بعد التحريم؛ لزوال السبب الذي حرّم الصيد من أجله، وهو الإحرام [٤٦].[٤٧]

التحريم
  1. التحريم لغة: [٤٨].
  2. التحريم اصطلاحاً: هو خطاب الله تعالى المتعلق بطلب الترك على سبيل اللزوم والحتمية، بحيث يثاب التارك، ويعاقب الفاعل [٤٩].

مثاله: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ[٥٠].

فهذه الآية تفيد حرمة التعدي على مال اليتيم بأي صورة من صور التعدي [٥١].[٥٢]

الكراهة
  1. الكراهة لغة: القبح والبغض [٥٣].
  2. الكراهة اصطلاحاً: هو خطاب الله تعالى المتعلق بطلب الترك على سبيل التنفير، لا على سبيل الحتمية [٥٤].

مثاله: قول النبي(ص): «إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس» [٥٥].

وفي رواية أخرى: عن أبي قتادة صاحب رسول الله(ص) قال: دخلت المسجد ورسول الله (ص) جالسٌ بين ظهراني النّاس، قال: فجلست، فقال رسول الله (ص):«ما منعك أن تركع ركعتين قبل أن تجلس؟» قال: فقلت: يا رسول الله رأيتك جالساً والنّاس جلوسٌ، قال: «فإذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتّى يركع ركعتين» [٥٦].[٥٧]

أقسام الحكم الوضعي

السببية
  1. السببية لغة: العلاقة التي تكون بين السبب والمسبب [٥٨].
  2. السببية اصطلاحاً: هو ما جعله الشارع علامة على مسبّبه، بحيث يلزم من وجود السبب وجود المسبب، ومن عدم وجود السبب عدم وجود المسبب [٥٩].

مثاله: جعل الدلوك سبباً لإيجاب الصلاة، قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً[٦٠].[٦١]

الشرطية
  1. الشرطية لغة: من الشرط، وهي إلزام الشيء والتزامه [٦٢].
  2. الشرطية اصطلاحاً: هي ما اعتبره الشرع شرطاً بحيث يتوقف وجود الحكم على وجود الشرط، ويلزم من عدم وجود الشرط عدم وجود الحكم [٦٣].

مثاله: جعل الطهارة شرطاً لصحة الصلاة.[٦٤]

المانعية
  1. المانعية لغة: من منع يمنع منعاً، والمنع هو تحجير الشيء، وهو ضد الإعطاء [٦٥].
  2. المانعية اصطلاحاً: هي ما اعتبره الشرع وصف يلزم من وجوده عدم وجود متعلقه، ولا يلزم من عدم وجوده وجود متعلقه أو عدمه [٦٦].

مثاله: جعل النفاس مانعاً من صحة الصلاة والصيام.

كون الشيء صحيحاً أو فاسداً. وذلك من وجهة نظر الشرع، فالصلاة مثلاً إذا أقيمت بكامل أركانها وشروطها فهي صحيحة، وإذا لم تستو أركانها وشروطها فهي فاسدة [٦٧].[٦٨]

الحكم القدري

  1. القدر لغةً: بفتح الدال وسكونها هو القضاء والحكم والمبلغ [٦٩].
  2. القدر اصطلاحاً: هو علم الله السابق بالأشياء قبل وقوعها وكتابته لها في اللوح المحفوظ، ثم خلقه لها [٧٠].

أحكام القدر كلها خاضعة لما أوجده وقدّره وكوّنه الله تعالى، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ومن ثمّ فلا يصدر شيء من العباد إلا بقدر الله تعالى.

ومما يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ[٧١]

فأبو لهب وزوجه وإن لم يلتزما شريعة الله تعالى، فهما خاضعان لحكم القدر فيهما، والذي يتضمن بقاءهما على الكفر والشرك حتى يموتا، ومن ثمّ يكون مصيرهما النار [٧٢].[٧٣]

الحكم لله في الدنيا والآخرة

إن حكم الله حق ثابت في الدنيا، كما هو حق ثابت في الآخرة.

قال تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ[٧٤].

ونظراً لأهمية هذا الأمر كان من الضروري بيانه كما يأتي:

حكم الله تعالى في الدنيا

نوّر الله تعالى الدنيا بأحكامه التي هدى بها عباده إلى الحق المبين [٧٥].

قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ[٧٦].

وتسمى أحكام الله تعالى التي سنّها للعباد في الدنيا (الشريعة الإسلامية)، وتتميز الشريعة الإسلامية بعدة ميزات جعلت منها أحسن الشرائع على الإطلاق، ومن هذه الميزات:

  1. الربانية: وتعني أن أحكام الشريعة الإسلامية التي تنظم شئون العباد في الدنيا صادرة عن الله تعالى، ويترتب على هذه الميزة أمران، هما:
    1. خلوها من النقص والجور والهوى.
    2. أنها ذات قداسة في النفوس، ولا أدل على ذلك من فعل المسلمين حينما نزلت آية التحريم للخمر، فامتلأت شوارع المدينة بالخمر [٧٧]. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[٧٨].
  2. الشمول: حيث شملت أحكام الدين كافة مناحي الحياة المختلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغير ذلك [٧٩].
  3. الواقعية: وتتجلى في كون أحكام الشريعة تتعامل مع واقع المكلفين عند التشريع، ومثال ذلك: إباحة تناول المحرمات عند الضرورة. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ[٨٠].
  4. الوسطية: ويراد بها الاعتدال في التشريع، ومثال ذلك: أن الله تعالى أباح لعباده الإنفاق شريطة عدم البخل والتبذير[٨١]. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً[٨٢].
  5. الثبات: وتشتمل الشريعة الإسلامية على صنفين من الأحكام هما: أحكام تفصيلية لا تقبل التغيير والتبديل كأحكام العبادات، وأحكام عامة كالشورى والعدل، وهذه مع ثباتها إلا أن آلية تطبيقها تختلف باختلاف العصور [٨٣].
  6. التوازن: ويقصد به أن أحكام الشريعة الإسلامية وازنت بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة، فأباحت الشريعة الإسلامية للفرد حرية التملك حرصاً على مصلحته، وحرّمت عليه إيذاء الآخرين بما يملك حرصاً على مصلحة الجماعة، كما وازنت بين متطلبات الجسد ومتطلبات الروح، فشرّعت تناول الطيبات مراعاة لمتطلبات الجسد، وشرّعت الصوم مراعاة لمتطلبات الروح [٨٤].
  7. العموم: ويعني بذلك أن أحكام الشريعة الإسلامية جاءت للناس كافة رحمة للعالمين [٨٥]. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ[٨٦].
  8. الجزاء الدنيوي والأخروي: وقد انفرد التشريع الإسلامي بالجزاء الأخروي الذي يعزز دور الوازع الديني في نفوس العباد، فيستشعرون مراقبة الله تعالى لهم، وهذا أدعى لاستجابتهم لأحكام الشريعة الإلهية [٨٧]. قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ[٨٨].

كما أن الشريعة الإسلامية قد وضعت العقوبات المناسبة في الدنيا لمن ارتكب الجرائم، سواءً أكانت هذه العقوبات حدوداً أو قصاصاً أو تعزيراً [٨٩].[٩٠]

تحريم التحاكم إلى غير شرع الله

رعاية من الله تعالى لمصالح عباده في الدنيا حرّم عليهم التحاكم إلى غير شرعه، وتفصيل هذا التحريم كما يأتي: قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ[٩١].

إذا اعتقد من يحكم بغير ما أنزل الله تعالى أن أحكامه الوضعية أفضل من أحكام الشريعة الإسلامية، أو حكم بغير ما أنزل الله تعالى جحوداً فهو كافر [٩٢].

قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ[٩٣].

وذلك لمن ترك الحكم بشريعة الله تعالى اتباعاً للهوى دون جحود لما أنزل الله تعالى من الأحكام [٩٤].

قال تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ[٩٥].

وذلك لمن حكم بغير ما أنزل الله تعالى وهو عالم بحرمة ذلك دون جحود لأحكام الشريعة [٩٦].[٩٧]

حكم الله تعالى في الآخرة

سمّى الله تعالى اليوم الآخر بعدة أسماء، ولكل اسم من تلك الأسماء مدلوله الخاص، ومن هذه الأسماء: يوم الدين، ويوم الحساب، ودلالة هذين الاسمين هي أن الله تعالى سيجمع الخلق يوم القيامة لمحاسبتهم فيكافئ المحسن ويعاقب المسيء.

وقد جاءت آيات الكتاب العزيز على ذكر محاسبة الله تعالى لعباده في الآخرة، ومن تلك الآيات: قال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَراً يَرَهُ[٩٨].

وذلك يعني أن العمل مهما كان قليلاً فله اعتبار عند الله تعالى ويحاسب عليه [٩٩].

قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً وَيَصْلَى سَعِيراً[١٠٠].

ودلالة ذلك أن الله تعالى سيحكم على المحسن بالنعيم وعلى الفاجر بالجحيم [١٠١].

قال تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ[١٠٢].

وذلك يعني: أن الله تعالى عالم بكافة أعمال عباده، لا يخفى عليه منها شيء، ومن ثمّ فهو سبحانه سريع في محاسبتهم [١٠٣].

قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ[١٠٤].

ودلالة ذلك أنه لا مجال لمراجعة الله تعالى في أحكامه النهائية التي سيصدرها في الآخرة [١٠٥].الحكم بين الناس في الدنيا

إن الحكم بين الناس في الدنيا هو ما بين حكم بشريعة الله تعالى، وحكم بالجاهلية التي لا يرضاها الله، والآيات في كلا النوعين ظاهرة في كتاب الله تعالى، وهي ما بين أمر ونهي، وبيان ذلك فيما يلي[١٠٦]:

الحكم بالشريعة

خلق الله تعالى الإنسان وأسند إليه مهمة الخلافة في الأرض التي تقتضي الحكم بشرع الله، قال تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ[١٠٧].

وقد أعان الله تعالى عباده على أداء هذه المهمة العظيمة من خلال عوامل أهمها:

  1. العقل: وبه يكون التعلم والفهم، وتمييز الحق من الباطل، والغث من السمين، ولعل الهدف من ابتداء الوحي بالأمر بالقراءة هو توجيه العباد إلى توظيف قدراتهم العقلية للتعلم الذي يكون معه التمكين في الأرض، وتحكيم الشريعة الإلهية. قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً[١٠٨]. والأمانة هنا تعني: المحافظة على شعائر الدين وتشريعاته [١٠٩]، والمحافظة على الأمور من مهام العقل كما هو معلوم، يؤيد ذلك ما ذهب إليه غير واحدٍ من المفسّرين بأنّ معنى الأمانة في هذه الآية هو العقل [١١٠].
  2. القوة: وقد أمر الله تعالى عباده المؤمنين بالسعي لامتلاك القوة قدر المستطاع؛ لإعلاء كلمة الله بتحكيم شرعه في أرضه التي بسط المؤمنون سيطرتهم عليها. قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ[١١١].
  3. المنهاج: ويتمثل في القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة. قال تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ[١١٢].

وأما الحكمة من وجوب تحكيم الشريعة الإسلامية فتكمن في قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ[١١٣]. يعني: لا حكم أحسن من حكم الله إن كنتم موقنين أنّ لكم إلهاً عدلاً في أحكامه [١١٤].

وبذلك تكون الحكمة من وجوب تحكيم الشريعة الإسلامية هي أنّها شريعة الخالق جلّ وعلا للمخلوق، ومن هو الذي يعلم ما يصلح للمخلوق أكثر من خالقه؟! وبما أنّ الخالق هو الله تعالى، فهل من يصدر أحكاماً خيراً من التي أصدرها للخلق؟!

وقد وضع الحق جل وعلا للحكم بما أنزل ضوابط، أهمها:

  1. الواجب على العباد أن يوظّفوا هذه العوامل للحكم بما أنزل الله تعالى، والتقصير في ذلك يعد استنكافاً عن أداء الأمانة التي أسندها الله تعالى لعباده، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً[١١٥].
  2. حذّر الله تعالى الحكام من العدول عن الحق واتباع الهوى، فقال سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ[١١٦]. والمعنى: وأن الله تعالى نهى محمداً(ص) أن يتّبع أهواء اليهود وحذّره من أن يتّبع بعض آرائهم فيترك بعض ما أنزل عليه، ولا يعمل به، ويعمل بما اقترحوه عليه، وأعلمه أن اليهود إن أعرضوا عن قبول حكمه وهو الحكم الحق العادل فإنما يريد الله تعالى أن ينزل بهم عقوبة؛ نتيجة ما اقترفوا من الذنوب، وما ارتكبوا من الخطايا، ومن ثمّ ندّد بأعدائه حيث أخبر أن أكثرهم فاسقون، أي: عصاة خارجون عن طاعة الله تعالى ورسله [١١٧].
  3. اقتضى العدل الإلهي أن تسري أحكام الشريعة الإسلامية على الناس كافة، فالحاكم والمحكوم أمام أحكام الشرع سواء، وكذا الشريف والوضيع، فلا أحد يعلو فوق الحكم الإلهي في النظام الإسلامي، وقد أرسى رسولنا الكريم(ص) لذلك بقوله «إنّما أهلك الّذين قبلكم، أنّهم كانوا إذا سرق فيهم الشّريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضّعيف أقاموا عليه الحدّ، وايم الله لو أنّ فاطمة بنت محمّدٍ سرقت لقطعت يدها» [١١٨].

وقد ربط الله تعالى بين تحقق الإيمان في نفس العبد وبين التسليم لأمر الله تعالى وحكمه، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً[١١٩]. والمعنى: ليس الأمر كما يزعم الناس بأنهم يؤمنون بما أنزل إليك، وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدّون عن حكمك يا محمد، فلا يصح إيمانهم حتى يجعلوك حكماً بينهم فيما اختلط بينهم من أمورهم، فالتبس عليهم حكمه واختلفوا بسببه، ثم لا تحرج أنفسهم مما قضيت، ويسلّموا أمرهم إليك أتم التسليم [١٢٠].[١٢١]

الحكم الجاهلي

على الرغم من أنه لا أحد من العقلاء والمنصفين ينكر تفوق أحكام الشريعة الإسلامية على ما عداها من الأحكام الوضعية الأخرى، إلا أن فساد قلوب الكثيرين من أتباع الهوى يرغبون في تحكيم شريعة غير الله لضمان عدم المساس بأشخاصهم مهما عاثوا في الأرض فساداً وخراباً.

لذا نجد أن الله تعالى أنكر على مريدي الحكم بغير ما أنزل الله بقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ[١٢٢].

والمراد: أيبغي هؤلاء اليهود الذين احتكموا إليك يا محمد، فلم يرضوا بحكمك، إذ حكمت فيهم بالقسط حكم عبدة الأوثان من أهل الشرك، وعندهم كتاب الله فيه بيان حقيقة الحكم الذي حكمت به فيهم، وأنه الحق الذي لا يجوز خلافه، ثم وبّخ الله تعالى هؤلاء الذين أبوا قبول حكم رسول الله(ص) عليهم من اليهود، ومستجهلاً فعلهم ذلك منهم بالاستفهام الإنكاري: ومن هذا الذي هو أحسن حكماً، أيها اليهود، من الله تعالى عند من كان يوقن بوحدانية الله، ويقرّ بربوبيته؟ [١٢٣].

ومن الأمثلة على الأحكام الجاهلية التي تجاهلت مصالح العباد مراعاة لمصالح الطغاة والمفسدين في الأرض:

  1. وأد البنات: قال تعالى: ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ[١٢٤]. والمعنى: إذا وهب الله تعالى أحداً من أهل الجاهلية بنتاً فإنه يستخفي من قومه لسوء ما بشّر به، ومن أجل ما يلحقهم من العار فإما يمسك ما بشّر به على هون وذل أم يئده، حيث يجعلون الولد الذي هذا محله عندهم لله، ويجعلون لأنفسهم من هو على عكس هذا الوصف [١٢٥].
  2. تقسيم الأنعام قسمة جائرة: قال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ[١٢٦]. والمعنى: أنهم كانوا يجعلون ما في بطون بعض الأنعام من الحمل لذكورهم، ويحرمون منه إناثهم، إلا إذا نزل الحمل ميتاً فعندئذ يشترك فيه الذكور والإناث! ثم توعدهم الله تعالى لنسبتهم هذه الشريعة المضحكة إليه جل وعلا [١٢٧].
  3. تأخير الشهر الحرام: قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ[١٢٨]. والمعنى: إن تأخير حرمة شهرٍ حرّمه الله إلى شهرٍ آخر لم يحرّمه زيادة في الكفر حيث إنه إحلال ما حرّم الله وتحرّيم ما أحلّ الله، والله تعالى بذلك التأخير يضل الذين كفروا حيث إنهم إذا قاتلوا في أحد الأشهر الحرم أحلّوه وحرّموا مكانه شهراً آخر، وإذا لم يقاتلوا في الشهر المحرم حرّموه؛ ليوافقوا عدّة ما حرم الله من الأشهر، وهو أنّهم لم يحلّوا شهراً من الحرم إلاّ حرّموا مكانه شهراً من الحلال، ولم يحرّموا شهراً من الحلال إلاّ أحلّوا مكانه شهراً من الحرم ليكون الحرم في العدد أربعة، كما حرّم الله فتكون موافقة للعدد، وقد زيّن لهم الشّيطان ذلك العمل الفاسد، والله سبحانه لا يرشد الكافر لما سبق له في الأزل أنه من أهل الجحيم [١٢٩].

هذه طائفة من أحكام الجاهلية التي لا تدع مجالاً لعاقل إلا أن يفر منها فراره مما يفزعه؛ وذلك لما اشتملت عليه من ترهات وخرافات تجعل من الحياة كابوساً لا يطاق.[١٣٠]

موانع الحكم بالعدل

إن للحكم بالعدل موانع ومعوقات وصوارف، تحاول الحيلولة من كون حكم الله واقعاً في حياة البشرية، وبيان هذه الموانع فيما يأتي:

الكفر والنفاق

الكفر

الكفر لغةً: من كفر يكفر كفراً فهو كافر، والكفر هو الستر والجحود، وضده الإيمان [١٣١].

الكفر شرعاً: يعني إنكار الخالق جل وعلا وجحود شريعته [١٣٢].

علاقة الكفر بالحكم العادل: يشكّل الكفر بالله تعالى حجر عثرة أمام تحكيم الشريعة الإسلامية العادلة، ويرجع ذلك إلى عدم تسليم الكافر بالحاكمية لله تعالى وحده، وجحوده للشريعة الإسلامية.

وقد عد القرآن الكريم عدم تحكيم الشريعة الإسلامية جحوداً لها كفراً أكبر، يخرج صاحبه بموجبه من الملة.

قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ[١٣٣]. والمعنى: أن الذي يحكم بغير حكم الله مستهيناً به جاحداً له، وقد بلغ به الاستنكار لشريعة الله درجة التهكم عليه يعدّ كافراً خارجاً من ملة الإسلام؛ لأن ذلك جحود وإنكار أو استهزاء بآيات الله مع العلم أنها من عند الله تعالى، واستنكار مؤداها، ومن جحد أحكام القرآن فقد كفر كفراً أكبر [١٣٤].

كما عدّ القرآن الكريم عدم تحكيم الشريعة الإسلامية من غير جحود لها ظلماً أو فسقاً.

قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ[١٣٥].

وقال تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ[١٣٦]. والمعنى: أن الذين لا يجدون في أحكام الشريعة الإسلامية التي لا تأمر إلا بالعدل والحق ما يتفق مع ظلمهم، ويدعم بغيهم، فيحكمون بغير شريعة الله تعالى فهم ظالمون، وأما الذين لا تقع أيديهم في شريعة الله على أي سند يبيح لهم الفجور والفسوق، والاستهتار والعقوق والشذوذ فهم فاسقون [١٣٧].

يقول الشيخ محمد الناصري عن الأصناف الثلاثة سابقة الذكر: «فهؤلاء الأصناف الثلاثة هم خصوم شريعة الله، وعليهم ألقى كتاب الله أضواءه الكشافة حتى تسفل كلمتهم في الأرض، ولا تعلو فيها إلا كلمة الله» [١٣٨].[١٣٩]

النفاق

النفاق لغةً: النفق سرب في الأرض، مشتق إلى موضع آخر، والنفقة والنافقاء، جحر الضبّ واليربوع، ونفق (بالفتح) وأنفق: خرج. ونفق: أخفى، ومنه اشتقاق المنافق في الدين [١٤٠].

والنفاق نوعان:

  1. سلوكي، وهو المقصود بقوله(ص): «أربعٌ من كنّ فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلةٌ منهنّ كانت فيه خصلةٌ من النّفاق حتّى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» [١٤١].
  2. عقائدي، وهو الموضّح في تعريف النفاق شرعاً.

النفاق شرعاً: إظهار الإيمان وإبطان الكفر، ومخالفة القول الفعل، والسر العلن، والظاهر الباطن [١٤٢]

علاقة النفاق بالحكم العدل: تعدّ ظاهرة النفاق من أكبر ما يعيق الحكم بالشريعة العادلة؛ وذلك أن المنافق يظهر ولاءه للعدل ورغبته فيه، وفي باطنه يخفي حقده على العدل وأهله، فالعدل لا يحقق له طمعه في الحصول على ما لا يحق له، يؤيد ذلك: قوله تعالى حكاية عن المنافقين: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ[١٤٣]. والمعنى: يَقُولُ المنافقون بألسنتهم: آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِه وَأَطَعْنا حكمهما من غير اعتقاد منهم بذلك، ثُمَّ تُعرِضُ جماعةٌ مِنْهُمْ عن طاعة الله ورسوله بالتزام حكمهما مِنْ بَعْدِ ذلِكَ الادعاء بالألسنة، ويطلبون حكم غيرهما، وهؤلاء ليسوا بِالْمُؤْمِنِينَ، وإذا علموا مسبقاً أن الْحَقُّ لهم يُذْعِنوا وينقادوا لحكم الله ورسوله، ومشكلة هؤلاء أن في قُلُوبِهِمْ مَرَضَ الكفر والنفاق والريبة من حكم الله تعالى ورسوله، وبالتالي فقد ظلموا أنفسهم لإعراضهم عن حكم الله تعالى ورسوله، سواءً أكان الحكم لهم أو عليهم [١٤٤].

وقال تعالى حكاية عن المنافقين أيضاً: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالاً بَعِيداً[١٤٥]. والمعنى: يخاطب الله تعالى نبيه محمداً، موجهاً الأمر إليه للنظر في حال الذين يزعمون أنهم صدّقوا بما أُنزل إليك من القرآن، وإلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل من قبلك من الكتب، ويريدون أن يتحاكموا في خصوماتهم إلى الطواغيت التي يعظمونها، ويرضون بحكمها من دون حكم الله ورسوله، على الرغم من أنهم أمروا أن يكفروا بها، ويؤمنوا بالله وحده، ويريد الشيطان أن يصدَّ هؤلاء المتحاكمين إلى طواغيتهم عن سبيل الحق والرشاد الذي يكون في الرضا بحكم الله تعالى ورسوله [١٤٦].

ونظراً لعظم إجرام الكافرين والمنافقين في تركهم للحكم بما أنزل الله تعالى فقد جعل الله تعالى من جهنم مرتعاً ومقاماً لهم.

قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً[١٤٧].

وحرصاً من الله تعالى على فلاح المؤمنين في الدنيا، ونجاتهم من عذاب الله في الآخرة حذرهم من الركون إلى الظالمين المفسدين في الأرض بتحكيمهم غير شريعة الله تعالى، والأخذ بآرائهم ونصائحهم؛ فقال تعالى: ﴿وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ[١٤٨]. والمعنى: ولا تميلوا، أيها الناس، إلى قول الذين كفروا بالله، فتأخذوا منهم وتوافقوا أعمالهم؛ فلا تنصرون في الدنيا ويتسلط عليكم عدوّكم، وتكون النار مثواكم في الآخرة بفعلكم هذا وحينها لا يكون لكم من دون الله من مؤيد يؤيدكم، أو وليّ يلي أمركم [١٤٩].[١٥٠]

اتباع الهوى

عبد الناس عبر التاريخ كثيراً من الطواغيت، وفي كل مرة كانوا يعبدون فيها طاغوتاً جديداً، كانت أهواؤهم تبتكر لهم إلهاً آخر ليعبدوه من دون الله تعالى، ولعل من أبرز ما يدعو الناس إلى اتباع الأهواء على الرغم من علمهم بأنها تقودهم إلى الفساد والهلاك هو الرغبة في التحرر من التكاليف التي تترتب على الإيمان بالله تعالى، وإرضاء الشهوات، وتقديم العاجل على الآجل.

ومراعاة لمصالح العباد حذّر الحق جل وعلا من اتباع الهوى، والوقوع في حبائله، نجد ذلك واضحاً جلياً في: قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ[١٥١]. والمعنى: أنه مطواع لهوى النفس يتّبعها في كل ما تدعوه إليه، فهو يعبدها من دون الله تعالى، فضلّ بذلك على علم منه، واختار الضلال وفعله، فهو لا يقبل وعظاً، ولا يعتقد حقاً، ولا يبصر سبيلاً، فمن ذا الذي بعد ذلك يذكّره بالحق وينفعه به [١٥٢].

وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ[١٥٣]. والمعنى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ عن طريق الهدى والرّشاد، ﴿مِمَّنِ اتَّبَعَ هوى نفسه بغير حجةٍ من الله، والله ﴿اللَّهَ لَا يَهْدِي قوماً يتبعون أهواءهم دون أن يكون عندهم برهان ودليل [١٥٤].

الصلة بين اتباع الهوى والحكم بالعدل في القرآن: وقد بيّن القرآن الكريم الصلة بين اتباع الهوى، والحكم بالعدل من خلال العديد من الآيات، والتي منها: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِياً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً[١٥٥]. والمعنى: يا أيها المؤمنون كونوا على جاهزية تامة للقيام بما أمر الله تعالى به من الإقساط عند الشهادة حتى وإن كانت على أنفسكم، أو على الوالدين أو الأقارب، فقولوا الحق، ولا تميلوا لغنيٍّ لغناه على فقير، ولا لفقير لفقره على غنيّ، فتظلموا بذلك، فإن الله الذي سوّى بين الغنيّ والفقير عند القضاء هو الأولى في الحكم بينهما، وهو أعلم بما فيه مصلحة كلّ واحد منهما منكم، فلذلك أمركم بالتسوية بينهما في الشهادة لهما وعليهما، وإياكم أن تتبعوا أهواء أنفسكم في الميل في شهادتكم إذا قمتم بها فتقولوا غير الحق، ولكن قوموا فيها بالقسط، وأدّوا الشهادة كما أمركم الله بأدائها، بالعدل لمن شهدتم له وعليه [١٥٦].

وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ[١٥٧]. والمعنى: ولقد أنزلنآ إليك يا محمد القرآن موافقاً لأصول ما جاء في الكتب السماوية قبله، ﴿وَمُهَيْمِناً عليها ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بما شرع الله فيه من الأحكام دون الأخذ بما في التوراة والإنجيل، فقد جعل الله تعالى لكل أمة من الأمم شريعة خاصة بها، ولو شاء الله تعالى لجمعكم على منهج واحد، وشريعة واحدة، ولكنه لم يفعل ذلك؛ لاختبار مدى استجابة الناس لأمر الله تعالى الذي يقتضي اتباع الناسخ، وترك المنسوخ [١٥٨].

وقوله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ[١٥٩]. والمعنى: يخاطب الله تعالى نبيه داوود قائلاً: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً لمن كان قبلك من الأنبياء القائمين بالحق ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بحكم الله تعالى العادل، ولا تتبع هوى نفسك في قضائك فتضلّ عن سبيل الله تعالى وشرعه، وإنّ الله تعالى سيعذّب ﴿الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ تعالى وحكمه، بسبب تناسيهم يوم الحساب والعرض على الله عز وجل [١٦٠].[١٦١]

موقف الناس من الحكم بالعدل

إن الناس أمام الحكم بالعدل صنفان، صنف يسعى لتطبيق حكم الله، وعلى ذلك فإنه يسمع ويطيع، وينقاد ويستسلم، وينشرح صدره، وصنف يتولى ويعرض ويصد عند تحكيم شريعة الله تعالى، وبيان هذين الصنفين فيما يأتي:

موقف المؤمنين

مما لا شك فيه أن موقف المؤمنين سيكون إيجابياً من أي قضية ربانية، وبالأخص إذا كانت تشتمل على الأوامر والنواهي التي تشكّل بمجموعها المنهاج الذي ينبغي للمؤمن أن يسير عليه في الدنيا؛ لينال رضا الرحمن في الآخرة، ومن المظاهر الإيجابية التي يجب أن يكون عليها المؤمنون في التعامل مع الأحكام الإلهية ما يأتي:

  1. السمع والطاعة: يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ[١٦٢]. والمعنى: لقد آمن وصدّق الرسول(ص) بما أوحى إليه من ربه من القرآن، وما فيه من تشريعات، وغير ذلك من سائر ما فيه من المعاني التي حواها، وقد تابعه المؤمنون في ذلك الإيمان اعتقاداً في قلوبهم، وإقراراً بألسنتهم [١٦٣].
  2. التسليم والانقياد: يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً[١٦٤]. والمعنى: أنه لا يجوز للمؤمنين بحال من الأحوال إذا صدر الأمر الإلهي بالفعل، أو الترك، أن يختاروا ما يشاؤون على وفق رغباتهم؛ فإن من يخالف شرع الله تعالى وحكمه قد حاد عن الصراط السوي وابتعد [١٦٥].
  3. انشراح الصدر: ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً[١٦٦]. والمعنى: إنه لا يصح إيمان العبد حتى يقبل بحكم الرسول(ص) في كل ما يعرض لهم من الأمور، ثم لا يجد في قلوبهم ضيقاً من حكم الله ورسوله، ويسلّم لحكم الله ورسوله [١٦٧].[١٦٨]

موقف الكافرين

معلوم أن الكافر جاحد لما أنزل الله تعالى على الرسول(ص) من الوحي، ومن ثمّ فهو منكر لأحكام الشريعة الإسلامية التي جاءت ضمن الوحي الإلهي، ومن مظاهر هذا التنكّر ما يأتي:

  1. التولي عن حكم الله: يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ[١٦٩]. والمعنى: أنزلنا إليك القرآن وفيه حكم الله تعالى الحق، فاحكم بما جاء من الأحكام، واحذر أن يصرفك الفاسدون عن بعض هذه الأحكام ولو كان أقلّ قليلٍ، بتصوير الباطل بصورة الحق، فإن رفضوا الحكم بما أنزل الله تعالى وأرادوا غيره، فاعلم أن الله تعالى يريد أن يحملهم جريرة ذنوبهم المتمثلّة في تولّيهم عن حكم الله عزّ وجلّ، ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ متمرّدون في الكفر، متشبّثون به، خارجون عن طاعة الله تعالى الآمر العدل [١٧٠].
  2. الإعراض: يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ[١٧١]. والمعنى: انظر يا محمد وتعجّب من حال هؤلاء الذين ﴿أُوتُوا نَصِيباً مِنَ التوراة وفيه البشارة بك، ومع ذلك يعرضون عن القرآن وما فيه من الأحكام الواضحة البينة الموافقة لما جاء مكتوباً عندهم في التوراة؛ إرضاءً لأهوائهم وأباطيلهم [١٧٢].
  3. الصّدود: يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً[١٧٣]. المعنى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أوحي إليك من المنافقين الذين يريدون تحكيم الطواغيت من كهنة اليهود وسحرتهم فيما يعرض لهم من القضايا التي تحتاج للحكم فيها، مع أنهم ﴿أُمِرُواْ بتكذيب تلك الطواغيت، ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ عن الهدى وعن الحق ﴿ضَلالاً بَعِيداً، وفي المقابل إذا دعي هؤلاء المنافقون إلى حكم الله تعالى الوارد في كتابه، وسنة رسوله(ص) تراهم يعرضون إعراضاً [١٧٤].

فإن قيل: ما الفرق بين الإعراض، والصدود، والتولي؟ فالجواب: أنّ الإعراض هو أخذ جانب بعيد عن المعرض عنه [١٧٥]، أمّا الصدود فهو من الصدّ وهو الصّرف، ومن ثمّ يكون معنى صدّ عن الشيء أي: صرف عنه، وقد يكون الصّرف بالإقناع أو بالإكراه، أمّا التولي فهو عدم الانتفاع[١٧٦].[١٧٧]

أثر تحكيم الشريعة على المجتمع

أحكام الشريعة إلهية المصدر، فالذي خلق يعلم مخلوقه وما يحتاجه، فمما لا ريب فيه أن لتحكيم الشريعة الإسلامية أثراً بالغاً في رفعة الأمة، وتقدّمها وازدهارها، ويرجع هذا الفضل العظيم للشريعة الإسلامية على الأمة المنقادة لها إلى عدة عوامل، منها:

  1. أحكام الشريعة الإسلامية تفضّ النزاعات بين المتخاصمين على أساس العدل.
  2. أحكام الشريعة الإسلامية تنصف المظلوم، وتعيد له حقوقه المنزوعة.
  3. أحكام الشريعة الإسلامية تردع الظالم مهما كان منصبه، وتنزل بحقه العقوبة المناسبة.
  4. أحكام الشريعة الإسلامية تعتمد ميزان التقوى كأساس للتفاضل بين الناس في المجتمع.

هذه العوامل جعلت لهذه الشريعة الغراء أطيب الأثر على المجتمع المسلم، ويتمثل هذا الأثر فيما يأتي:

  1. انتشار العدل في المجتمع: يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ[١٧٨]. فهذه الآية الكريمة تأمر المؤمنين بأن يكونوا على أتم الجاهزية لتطبيق كل ما يأمرهم به، والابتعاد عن كل ما ينهاهم عنه، وألّا تدفعهم كراهيتهم لقوم على ظلمهم، أو ظلم غيرهم، ثم تبين أن التزام العدل في الأقوال والأفعال هو الأقرب إلى تحقيق التقوى في النفوس، وبعد ذلك تحذّر الآية من مخالفة التعليمات الواردة فيها من خلال التأكيد على مراقبة الله تعالى لسلوك عباده [١٧٩].
  2. سيادة الأمن داخل المجتمع: يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِياً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً[١٨٠]. تحث هذه الآية الكريمة المؤمنين على الجهاد في سبيل الله تعالى نصرة للمستضعفين في الأرض، ورفعاً للظلم والجور عنهم، وتوفيراً للأمن لهم، فهم أحوج ما يكونون لذلك، لاسيما وأن الظّلمة يستأسدون في حملاتهم الشرسة ضد الضعفاء من النساء والشيوخ والأطفال، الذين لا حول ولا قوة لهم إلا بالله العظيم [١٨١].
  3. تعزيز الوحدة بين أفراد المجتمع: يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ[١٨٢]. يأمر الله تعالى عباده بالالتفاف ليكونوا جماعة واحدة حول شريعة الله تعالى التي بفضلها منّ الله تعالى على عباده بالألفة والمحبة، بعد الفرقة والعداوة، فصاروا إخواناً يرحم بعضهم بعضاً، ويؤازر بعضهم بعضاً، بعد أن كادت عداوتهم تتسبب في هلاكهم، ثم بيّن سبحانه أن الغاية من البيان السابق هي هداية المجتمع، والحفاظ على وحدته [١٨٣].
  4. ترسيخ مبدأ المساواة في المجتمع: يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ[١٨٤]. والمعنى: يبيّن الله تعالى لعباده في هذه الآية الكريمة أن ميزان التفاضل بينهم هو التقوى فقط، وليس شيئاً سوى التقوى، كما يؤكد سبحانه على علمه بأحوال عباده، وقدرته على التمييز بينهم بحسب مراقبتهم له سبحانه، وخشيتهم منه [١٨٥].
  5. إيجاد مجتمع متكافل: يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحْصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِراً وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ[١٨٦]. والمعنى: يحث الله تعالى المؤمنين في هاتين الآيتين على تحقيق التكافل الاجتماعي من خلال مدّ يد العون لإخوانهم المحتاجين غير القادرين على كسب ما يسدّ حاجتهم، والذين تمنعهم العفة عن طلب المساعدة من الآخرين، ويأتي هذا الحث من خلال سبيلين، الأول: التشجيع على تقديم يد العون للمحتاجين سواءً أكانت المعونة قليلة أم كثيرة، الثاني: التشجيع على المداومة على الإنفاق لضمان استمرارية انتفاع المحتاجين بما يقدّم لهم من نفقات [١٨٧].
  6. إيجاد مجتمع متعلم: يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ[١٨٨] . يبرز الحق جل وعلا في هذه الآية علو شأن العالمين العابدين من العلماء، وطلبة العلم الذين هم دائمو التذكر لعظمة الخالق من خلال التفكر في إبداع الخلق؛ فيكون ذلك دافعاً لهم للزوم طاعة الله تعالى [١٨٩].
  7. إيجاد مجتمع طاهر: ويقصد بالطهارة ما يأتي:
    1. الطهارة النفسية: يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[١٩٠]. والمعنى: في هاتين الآيتين الكريمتين يأمر الله تعالى عباده المؤمنين رجالاً ونساءً بما يحفظ المجتمع المسلم عفيفاً طاهراً، من غضٍّ للبصر عن النظر إلى ما حرم الله تعالى، وحفظٍ للفرج عن قضاء الشهوة في ما حرّم، ثم يخص النساء بالأمر بإخفاء ما يثير الفتنة من الزينة، وبارتداء الحجاب الذي يسترها ويصونها، وألّا يظهرن ما عندهن من الزينة إلّا لأزواجهن، أو آبائهن، أو آباء أزواجهن، أو أبنائهن، أو أبناء أزواجهن، أو إخوانهن، أو أبناء إخوانهن، أو أبناء أخواتهن، أو النساء المؤمنات، أو ما ملكن من العبيد، أو البله من الرجال الذين لا حاجة لهم في النساء، أو الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم من الذين لا علم لهم بعورات النساء. ثم نهاهن عمّا كان سائداً في الجاهلية من ضرب النساء عند سيرهن بأرجلهن ليسمع صوت ما يخفين من الزينة كالخلاخيل وغيرها، ثم يعمم الله تعالى الأمر للمؤمنين والمؤمنات بالتوبة إلى الله تعالى من كل ما قد يكون بدر منهم من المخالفات خصوصاً ما يتعلق بخدش الحياء والعفة [١٩١].
    2. الطهارة البدنية: يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ[١٩٢]. والمعنى: يأمر الله تعالى في هذه الآية الكريمة العباد بما يحفظهم طاهرين أصحّاء، من المحافظة على النظافة الشخصية، وعدم الإسراف في تناول الأطعمة والأشربة، ثم علل الحق جل وعلا هذه الأوامر بأنه يبغض المتجاوزين لحدود الاعتدال في سائر الأمور [١٩٣].
  8. إيجاد مجتمع قوي عزيز مسالم: يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ[١٩٤]. والمعنى: يأمر الله تعالى عباده المؤمنين في هاتين الآيتين أن يكونوا على أتم الاستعداد والجاهزية لحماية أنفسهم ممّا يهددهم من الأخطار القادمة من ناحية أعداء الإسلام والمسلمين في كل مكان وزمان، ودلّهم على الوسيلة التي يحقّقون من خلالها الأمن لأنفسهم، وهي امتلاك القوة بكافة أنواعها ووسائلها، وحثّ على الإنفاق في سبيله لتيسير ذلك، ثم وضّح الموقف الذي ينبغي على المؤمنين أن يتخذوه في حالة طلب أعدائهم للسّلام معهم، وهو الموافقة شريطة أن تكون مبادئ السلم محقّقةً العزة للمؤمنين، متفقةً مع أحكام الشريعة الإسلامية [١٩٥].[١٩٦]

المراجع والمصادر

  1. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

الهوامش

  1. انظر: جمهرة اللغة، ابن دريد ١/٥٦٤، تهذيب اللغة، الأزهري ٤/٦٩، مختار الصحاح، الرازي، ص٧٨، معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار ١/٥٣٩.
  2. تفسير المراغي ١٩/٧٣.
  3. تفسير لطائف الاشارات ٢/٤٢٢.
  4. التعريفات، ص٩٢.
  5. المفردات، الراغب الأصفهاني ص١٢٦.
  6. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج١، ص٤٨٣.
  7. انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبدالباقي ص ٢١٢- ٢١٥.
  8. سورة غافر، الآية ٤٨.
  9. سورة المائدة، الآية ١.
  10. سورة الأنبياء، الآية ١١٢.
  11. سورة المائدة، الآية ٤٣.
  12. سورة التين، الآية ٨.
  13. سورة يونس، الآية ١٠٩.
  14. سورة النساء، الآية ٣٥.
  15. المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٢٤٨.
  16. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج١، ص٤٨٣.
  17. انظر: مختار الصحاح، الرازي، ص٢٥٥.
  18. مختصر الفقه الإسلامي، التويجري ص١٠٠١.
  19. انظر: الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري ١/١٩٠.
  20. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة (كتاب)|موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج١، ص٤٨٣.
  21. انظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ٨/٣٢٩، مختار الصحاح، الرازي ص٢٤٠.
  22. انظر: فتح القدير، الشوكاني ٣/٥٢٤، تفسير الشعراوي، ٢/١٠٥٢.
  23. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة (كتاب)|موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج١، ص٤٨٣.
  24. انظر: مجمل اللغة، ابن فارس ١/ ٥١٤، معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار ٢/١٢٤١.
  25. التعريفات، ص١٢٩.
  26. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج١، ص٤٨٣.
  27. انظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ٣/٤٥٠.
  28. انظر: متخير الألفاظ، ابن فارس ص١٨٤.
  29. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج١، ص٤٨٣.
  30. موسوعة الفقه الإسلامي، محمد التويجري ٢/٢٦٥.
  31. الموجز في أصول الفقه، عبد الجليل القرفشاوي وآخرون، ص٢٠.
  32. الموجز في أصول الفقه، عبد الجليل القرفشاوي وآخرون، ص٢٣.
  33. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة (كتاب)|موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج١، ص٤٨٣.
  34. انظر: معجم لغة الفقهاء، محمد قلعجي وحامد قنيبي، ص٩٨.
  35. انظر: قواطع الأدلة في الأصول، أبو المظفر التميمي ١/٦٤.
  36. سورة البقرة، الآية ٤٣.
  37. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة (كتاب)|موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج١، ص٤٨٣.
  38. انظر: لسان العرب، ابن منظور ١/٧٥٤.
  39. انظر: بيان المختصر، أبو القاسم الأصفهاني ٢/٦٨.
  40. سورة البقرة، الآية ٢٨٢.
  41. انظر: الوسيط، الواحدي ١/٤٠١.
  42. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج١، ص٤٨٣.
  43. انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ص٧٥.
  44. انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف، الكويت ٢/٣٧٦.
  45. سورة المائدة، الآية ٢.
  46. انظر: نيل المرام من تفسير آيات الأحكام، محمد صديق خان ص٢٢٨.
  47. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة (كتاب)|موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج١، ص٤٨٣.
  48. المنع انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار ١/٤٨١.
  49. انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف، الكويت ١٧/٣١٩.
  50. سورة الأنعام، الآية ١٥٢.
  51. انظر: تفسير آيات الأحكام، السايس ص٢٢٧.
  52. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة (كتاب)|موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج١، ص٤٨٣.
  53. انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار ٣/١٩٢٤.
  54. انظر: الموجز في أصول الفقه، عبد الجليل القرفشاوي وآخرون ص٢٠.
  55. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس، ١/٩٦، رقم ٤٤٤.
  56. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب تحية المسجد بركعتين، ١/٤٩٥، رقم ٧١٤.
  57. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج١، ص٤٨٣.
  58. انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار ٢/١٠٢٢.
  59. انظر: علم أصول الفقه، عبد الوهاب خلاف، ص١١٧.
  60. سورة الإسراء، الآية ٧٨.
  61. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة (كتاب)|موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج١، ص٤٨٣.
  62. انظر: تاج العروس، الزبيدي ١٩/٤٠٤.
  63. انظر: علم أصول الفقه، عبد الوهاب خلاف، ص١١٨.
  64. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة (كتاب)|موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج١، ص٤٨٣.
  65. انظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ٢/٢٠٣، مختار الصحاح، الرازي، ص٢٩٩.
  66. انظر: أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله، عياض السلمي، ص٥٨.
  67. انظر: الموجز في أصول الفقه، عبد الجليل القرفشاوي وآخرون، ص٢٣.
  68. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج١، ص٤٨٣.
  69. انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٥/٦٢.
  70. انظر: شرح مسائل الجاهلية، محمد بن عبد الوهاب، صالح الفوزان، ص١٥٣.
  71. سورة المسد، الآية ١-٥.
  72. انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٤/٥٠٣.
  73. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة (كتاب)|موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج١، ص٤٨٣.
  74. سورة يوسف، الآية ٤٠.
  75. انظر: جامع البيان، الطبري ١٧/٣٠٠.
  76. سورة النور، الآية ٣٥.
  77. انظر: السيرة النبوية على ضوء القرآن والسنة، محمد أبو شهبة ٢/٣٥٤.
  78. سورة المائدة، الآية ٩٠.
  79. انظر: الفقه الإسلامي وأدلته، وهبة الزحيلي ١/٣٣.
  80. سورة البقرة، الآية ١٧٣.
  81. انظر: علم المقاصد الشرعية، نور الدين الخادمي، ص٨.
  82. سورة الفرقان، الآية ٦٧.
  83. انظر: روضة الناظر، ابن قدامة المقدسي ١/٦١٥.
  84. انظر: التشريع الإسلامي صالح للتطبيق في كل زمان ومكان، محمد فهمي، ص١١٠.
  85. انظر: رسالة لطيفة جامعة، أصول الفقه المهمة، السعدي ص٦١.
  86. سورة سبأ، الآية ٢٨.
  87. انظر: الفقه الإسلامي وأدلته، وهبة الزحيلي ١/٣٧.
  88. سورة آل عمران، الآية ٣٠.
  89. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٩٦٥.
  90. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج١، ص٤٨٣.
  91. سورة المائدة، الآية ٤٤.
  92. انظر: مدارك التنزيل، النسفي ١/٤٤٩.
  93. سورة المائدة، الآية ٤٥.
  94. انظر: تأويلات أهل السنة، الماتردي ٣/٥٣٢.
  95. سورة المائدة، الآية ٤٧.
  96. انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٦/١٩٠.
  97. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج١، ص٤٨٣.
  98. سورة الزلزلة، الآية ٧-٨.
  99. انظر: تأويلات أهل السنة، الماتردي ٦/٥٤٣.
  100. سورة الانشقاق، الآية ٧-١٢.
  101. انظر: الهداية، مكي بن أبي طالب١٢/٨١٥٩.
  102. سورة آل عمران، الآية ١١٩.
  103. انظر: لباب التأويل، الخازن١/٣٣٦.
  104. سورة غافر، الآية ٤٧.
  105. انظر: جامع البيان، الطبري٢١/٣٩٩.
  106. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج١، ص٤٨٣.
  107. سورة ص، الآية ٢٦.
  108. سورة الأحزاب، الآية ٧٢.
  109. انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠/٣٣٦.
  110. انظر: روح البيان، إسماعيل حقي ٧/٢٤٩، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٢/١٢٧.
  111. سورة الأنفال، الآية ٦٠.
  112. سورة الأنفال، الآية ٤٨.
  113. سورة المائدة، الآية ٥٠.
  114. انظر: تفسير السمرقندي ١/٣٩٧.
  115. سورة النساء، الآية ١٠٥.
  116. سورة المائدة، الآية ٤٩.
  117. انظر: أيسر التفاسير، أبو بكر الجزائري ١/٦٣٩.
  118. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث الغار، رقم ٣٤٧٥.
  119. سورة النساء، الآية ٦٥.
  120. انظر: جامع البيان، الطبري ٨/٥١٨.
  121. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج١، ص٤٨٣.
  122. سورة المائدة، الآية ٥٠.
  123. انظر: المصدر السابق ١٠/٣٩٤.
  124. سورة النحل، الآية ٥٩.
  125. انظر: مدارك التنزيل، النسفي ٢/٢١٨.
  126. سورة الأنعام، الآية ١٣٩.
  127. انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٣/١٢١٤.
  128. سورة التوبة، الآية ٣٧.
  129. انظر: الوجيز، الواحدي، ص٤٦٣.
  130. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج١، ص٤٨٣.
  131. انظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ٧/٣.
  132. انظر: موسوعة الفقه الإسلامي، التويجري ٤/٤٦١.
  133. سورة المائدة، الآية ٤٤.
  134. انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٤/٢٢٠٤.
  135. سورة المائدة، الآية ٤٥.
  136. سورة المائدة، الآية ٤٧.
  137. انظر: التيسير في أحاديث التفسير، محمد مكي الناصري ٢/٦١.
  138. انظر: التيسير في أحاديث التفسير، محمد مكي الناصري ٢/٦١.
  139. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج١، ص٤٨٣.
  140. انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٥/٤٥٤.
  141. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب علامة المنافق١/١٦، رقم ٣٤.
  142. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/١٧٦، تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٤٢.
  143. سورة النور، الآية ٤٧-٥٠.
  144. انظر: التفسير المنير، وهبة الزحيلي ١٨/٢٧٢.
  145. سورة النساء، الآية ٦٠.
  146. انظر: جامع البيان، الطبري ٨/٥٠٧.
  147. سورة النساء، الآية ١٤٠.
  148. سورة هود، الآية ١١٣-١١٤.
  149. انظر: جامع البيان، الطبري ١٥/٥٠٠.
  150. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج١، ص٤٨٣.
  151. سورة الجاثية، الآية ٢٣.
  152. انظر: مدارك التنزيل، النسفي ٣/٣٠٣.
  153. سورة القصص، الآية ٥٠.
  154. انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٨/١٧٧.
  155. سورة النساء، الآية ١٣٥.
  156. انظر: جامع البيان، الطبري ٩/٣٠٢.
  157. سورة المائدة، الآية ٤٨.
  158. انظر: الهداية، مكي بن أبي طالب ٣/١٧٧١، تفسير القرآن العزيز، العز بن عبدالسلام ١/٣٩٠.
  159. سورة ص، الآية ٢٦.
  160. انظر: مدارك التنزيل، النسفي٣/١٥٢.
  161. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج١، ص٤٨٣.
  162. سورة البقرة، الآية ٢٨٥.
  163. انظر: جامع البيان، الطبري ٦/١٢٤.
  164. سورة الأحزاب، الآية ٣٦.
  165. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/٣٧٧.
  166. سورة النساء، الآية ٦٥.
  167. انظر: تفسير السمرقندي ١/٣١٥.
  168. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج١، ص٤٨٣.
  169. سورة المائدة، الآية ٤٩.
  170. انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٣/٤٧.
  171. سورة آل عمران، الآية ٢٣.
  172. انظر: التفسير الواضح، محمد محمود حجازي ١/٢١٩.
  173. سورة النساء، الآية ٦٠-٦١.
  174. انظر: تفسير السمرقندي ١/٣١٣.
  175. انظر: المصباح المنير، الفيومي ٢/٤٠٢.
  176. انظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ٨/٢٦١، الكليات، الكفوي ص٣٠٩.
  177. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج١، ص٤٨٣.
  178. سورة المائدة، الآية ٨.
  179. انظر: لباب التأويل، الخازن ٢/٢٠.
  180. سورة النساء، الآية ٧٥.
  181. انظر: أوضح التفاسير، محمد الخطيب، ص١٠٤، التفسير الميسر، مجمع الملك فهد ص٩٠.
  182. سورة آل عمران، الآية ١٠٣.
  183. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤/٣١.
  184. سورة الحجرات، الآية ١٣.
  185. انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٨/١٢٣.
  186. سورة البقرة، الآية ٢٧٣-٢٧٤.
  187. انظر: التفسير المنير، د. وهبة الزحيلي ٣/٧١.
  188. سورة الزمر، الآية ٩.
  189. انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٧/٢٤٥.
  190. سورة النور، الآية ٣٠-٣١.
  191. انظر: المصدر السابق ٦/١٧٠، التفسير الميسر، مجمع الملك فهد ص٣٥٣.
  192. سورة الأعراف، الآية ٣١.
  193. انظر: التفسير الميسر، مجمع الملك فهد ص ١٥٤.
  194. سورة الأنفال، الآية ٦٠-٦١.
  195. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٣٢٤-٣٢٥.
  196. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج١، ص٤٨٣.