العدل في علم الكلام

تمهيد

تعتد مسألة «العدل» كلامياً من المسائل الفوارق بين القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين والقائلين بالتحسين والتقبيح الشرعيين.

فقد ركز وأكد الأولون من الفريقين عليها بكل ما أوتوا من حول علمي، وعلى رأس هؤلاء المعتزلة والامامية، وسار في خطهم الزيدية والأباضية، ومن أبرز آيات ذلك ان وجدناهم يفردونها بالبحث والعنوان من بين سائر الصفات الثبوتية الكمالية.

وفي مقابل هذا اهملها الآخرون فلا بحث خاصاً بها، ولا عنوان تعنون به، غير قليل من كلام في بعض أطرافها يتبعثر هنا وهناك عند ذكرهم أفعال العباد، وفي طليعة القائمة من هؤلاء: الأشاعرة ومن سلك سبيلهم.

ولأهميتها كمسألة فارقة سمي الفريق الأول ب (العدلية) نسبة إلى القول بالعدل القائم على فكرة التحسين والتقبيح العقليين.وذلك لان القول بالتحسين والتقبيح الَعقليين يعطي العدل مفهوما محدداً مستقراً ومستقلاً. وبخلافه القول بالتحسين والتقبيح الشرعيين، كما سنتبينه فيما يلي: [١].

تعريف العدل

قالت كتب اللغة في تعريف العدل: إنه القصد في الأمور وهو خلاف الجور. التعادل والتساوى والتسوية بين الشيئين. والأمر المتوسّط بين طرفي الإفراط والتفريط والاستقامة والتقصيد على السواء[٢]. ولأجل الاختلاف في بيان تعريف العدل في التفسير، وجب لحاظ معناه الدقيق أيضاً. فمثلاً قيل في موضع: إن العدالة تتحقق بمجرّد المساواة. وقيل في موضع آخر: العدالة تتحقق بإعطاء كلّ ذي حقٍّ حقّه. توضيح ذلك: لو كان عندنا من الماء ما يكفي لشخصين فقط، وكان هناك ستة أشخاص بحاجة إلى الماء بنسب متفاوتة، كأن يكون هناك اثنان من هؤلاء الستة مشرفين على الإغماء بسبب العطش. فإنّ العدل هنا لا يتحقق بتقسيم الماء على هؤلاء الستة بالسوية، بل لابد من إعطائه لمن هو أحوج من غيره إليه. وفي فرض المثال فإن الإثنين المشرفين على التلف أحق بكمية الماء المتوفر عندنا من غيرهم. وبسبب اختلاف المعنى اللغوي للعدل، وكذلك الاختلاف في ملاك حقيقة العدل، قدّم العلماء بدورهم آراء مختلفة في تعريف العدل، نُشير إليها على النحو الآتي:

التوازن والاستقامة

لو توفّرت أجزاء مجموعةٍ ما على التناسب والانسجام اللازم للوصول إلى الهدف المحدّد، تحقق العدل والاعتدال والتوازن والتناسب والاستقامة. ويمكن لهذه المجموعة والكل المتكامل أن تكون مجموعة حقيقية وتكوينية، من قبيل الطائرة والجسم، أو مجموعة اعتبارية من قبيل: المجتمع، أو ما يحتوي عليه المجتمع من الفئات والطبقات مثل: طبقة المهندسين، وطبقة التجار، وطبقة المثقفين وما إلى ذلك.

إن الملاك الرئيس في اتصاف مجموعة ما بالعدل والاعتدال هو تحقيق الانسجام بين جميع أجزائها من أجل تحقيق الغاية والهدف المنشود لهذه المجموعة. من باب المثال إذا كانت أجزاء الطائرة وعناصرها موضوعة في أماكنها وقامت بالدور المطلوب منها على خير وجه، اتصف ذلك الكل بالاعتدال والتوازن. وإن حصل خلل ما في عناصر أو أجزاء ذلك الكل، سُلب عنه وصف الاعتدال واتصف بما يقابله من عدم التناسب وعدم التوازن قال الفيض الكاشاني: «العدل بأن وفر على كل مستعد مُستحقه، ووفر كلّ ذي حقٍّ حقه، حتى انتظم أمر العالم واستقام كماله»[٣].

والمراد أن خلق الإنسان سواء في بُعده الجسماني أو بُعده الروحي، واتصافه بصفات الكمال كائن على حدّ الاعتدال والاستقامة.

وقد استفاد علماء الأخلاق والعرفان من ذلك معنى العدل، وفسّروا اعتدال القوى (الشهوية والغضبية والشيطانية)، وتحقق الصفات الكمالية بحدّ الاعتدال والاتزان[٤].

ويمكن لتعريف بعضهم للعدل بأنه «وضع الشيء في موضعه» أن يكون ناظراً إلى المعنى المتقدّم، وأما إذا كانت الدائرة الإنسانية مرادة أيضاً؛ فإنه يعود على ما يبدو إلى رعاية الحقوق والاستحقاق، وهو مضمون التعريف الثالث[٥]

التساوي ونفي المحاباة

إن هذا المعنى من العدل أشبه بمعناه اللغوي ولكن علينا أن نلتفت - كما تقدّمت الإشارة في المعنى اللغوي - إلى أن مجرّد رعاية التساوي من دون الالتفات إلى عنصر الاستحقاق، لا ينسجم مع روح العدالة، وأما إذا أخذنا عنصر الاستحقاق بنظر الاعتبار في هذا التعبير، فإنه سيعود إلى التعريف التالي[٦].[٧]

رعاية وإعطاء حق المستحق

إن لجميع الأفراد على مختلف الجهات حقوقاً يجب رعايتها. من باب المثال: إن لكل شخص الحق في الحياة، والحرية في العيش والانتقال من مكان إلى آخر وما إلى ذلك من الحريات من قبيل الحرية السياسية والاجتماعية والمدنية؛ فيجب احترام هذه الحقوق، وإن تم تقييد هذه الحريات بشكل غير مبرّر، فإن حقّ صاحب الحق سيتعرّض للهضم، ويقال في حقه إنه تعرّض للظلم والجور.

وحيث يصدق الظلم في الاعتداء على حقوق الآخرين، من هنا كان شرط تحقق هذا المعنى من العدالة هو امتلاك الاستحقاق، وبعبارة أخرى: الحق السابق الذي يكون إعطاؤه عدلاً، وعدم إعطائه ظلما وجوراً. فمثلاً: تقسيم الأرباح على الشركاء في المضاربة بنسبة رؤوس أموالهم، وبذلك تتحقق العدالة، وأما تقسيم الأرباح بينهم بالتساوي من دون أخذ مقدار ما أسهم به كل واحد منهم في مجموع رأس المال، فإنه يستتبع وقوع الظلم على من أسهم بنسبة أكبر من الأموال. قال القاضي عبد الجبار المعتزلي في تعريف العدل: «توفير حق الغير، واستيفاء الحق منه»[٨].[٩]

ملازمة ترك العدل للظلم

قد يُشكل على هذا التعريف بالقول: إن ترك العدل في بعض الأحيان لا يلازم فعل القبيح وارتكاب الظلم.

من باب المثال: إن معاقبة المجرم والمذنب - سواء من قبل المظلوم في الدنيا، أو من قبل الله في الآخرة - يُعدّ من العدل، وقد ورد في بعض النصوص الدينية وصف العقوبة الإلهية بالعدل والصفح الإلهي بالتفضّل: «يَا مَنْ لاَ يُرْجَى إِلاَّ فَضْلُهُ وَ لاَ يُخَافُ إِلاَّ عَدْلُهُ»[١٠]. وأما الصفح والعفو عن المذنب والمجرم من قبل الله أو من وقع عليه الظلم، فهو حسن وممدوح ولا يُعدّ ظلماً أو أمراً- قبيحاً .

إن أخذ الظرفيات والاستحقاقات في منح الوجود والكمال بنظر الاعتبار يمكن وضعه في إطار التعريف السابق من باب المثال: إن سقي النباتات لا يكون بشكل متساو، وإنما يتم سقيها بمقدار حاجتها فهناك من النباتات ما يحتاج إلى مزيد من الماء، وبعضها لا يحتاج إلا لمقدار قليل من الماء. وهكذا الأمر بالنسبة إلى العفو والصفح عن المجرمين، فإنه يتوقف على استحقاقهم وحجم توبتهم.

في الإجابة عن هذا الإشكال يجب القول إن تحقيق معنى العدل رهن بوجود الحق السابق، إذ إن رعايته هي التي تحقق،العدل وإن انتهاك هذا الحق هو الظلم والجور بعينه إلا إذا عفا صاحب الحق أو تنازل عن حقه لصالح فرد آخر أو نقله إلى موضع آخر. فمثلاً لو أن المضارب في مشروع تجاري مشترك، صرّح بتنازله عن حقه إلى شخص آخر، أو إلى المضاربين الآخرين، ففي هذا الفرض لا يكون إعطاء حقه لمن تنازل له عملاً جائراً، بل هو عين العدل وإعطاء ذي الحق حقه؛ لأنه قد تنازل عن حقه لصالح غيره، ولذلك يكون العمل بذلك رعاية لحقه ورغبته.

وفيما يتعلق بالعفو عن العقوبة يمكن القول أيضاً: إن أصل العقوبة على الذنب أمر عادل، وهو حق لمن وقع عليه الظلم. ومن ناحية أخرى، إن الحق الثاني يتمثل في التناسب بين الجناية والعقوبة، وبالعكس، بمعنى أن العقوبة يجب أن تتناسب وحجم المعصية، فإذا كانت العقوبة أشد من المعصية، كان في ذلك ظلم يُرتكب في حق المدان، وإذا كانت العقوبة أخفٌ من المعصية والجرم، كان في ذلك جور على المظلوم وهضم لحقّه.

يمكن تصوّر فرضيات في مسألة العقوبة:

  1. تناسب العقوبة والمعصية: مسألة عقلانية وعادلة ومبنائية، ولا يتمّ تحديدها من قبل المظلوم.
  2. شدّة العقوبة فيها ظلم للمذنب.
  3. ترك العقوبة أو تخفيفها: لازمها حكم العقل بهضم حقّ المظلوم، وهو أمر مخالف للعدل.
  4. العفو من قبل المظلوم عندما يتنازل المظلوم عن حقه أو يرضى بتخفيف العقوبة، كان المناط هو العمل على وفق رغبته؛ لأن ذلك من جملة حقوقه.

إن الملاك في وصف الفرضيات المتقدّمة بالعدل، هو إعطاء الحق وممارسته. ففي الفرض الأول حيث التناسب بين الحق والعقوبة، فإن العدل قائم. وفي الفرضيات الثلاثة التالية، حيث يُهضم حق أحد الطرفين - الأعم من المظلوم والظالم - نكون قد استبدلنا العدل بالظلم. وفي الفرض الخامس يجب القول: حيث إنّ عقوبة المجرم ليست حكماً تكليفياً، ولا إلزاماً عقلياً أو شرعياً، بل هو مجرّد حق ثابت للمظلوم فله أن يتنازل عنه وأن يعفو، بل إنّ في كثير من الموارد يعدُّ أمراً ممدوحاً ويستحق فاعله الثناء.

وبعبارة أخرى: إن الملاك في اتصاف الفعل بالحُسنُ والثواب هو العدل. بيد أن ترك العدل لا يمكنه أن يكون موضوعاً وملاكاً لاتصاف الفعل بالقبح والظلم، ومن ثَمَّ موجباً للعقاب؛ لأن ترك العدل أعم من الظلم والعدوان على حقوق الآخرين. وإن ملاك المعصية والجناية هو العدوان على حقوق الآخرين وارتكاب الظلم. وأما على فرض العفو عن المذنب، فإنه لا يكون من العدوان وإنما هو عفو وتنازل طوعي من قبل المظلوم عن حق من حقوقه. وهكذا الأمر بالنسبة إلى العفو والغفران من قبل الله أو الشفاعة في يوم القيامة، حيث يتنازل الباري تعالى عن حق من حقوقه[١١].[١٢]

الجود يختلف عن العدل

هناك اختلاف بين العدل والإحسان، نشير إليه على النحو الآتي:

١. يقوم تحقق معنى العدل على وجود حق سابق، يؤدي عدم رعايته إلى ارتكاب الجور والظلم. ولكن ثمة موارد يعطى فيها الشخص نعمة وفضلا من دون أن يكون هناك حق سابق.

من باب المثال: أن يبادر شخص إلى إخراج مقدار من حر ماله ويتبرع به إلى محتاج في هذا المثال لا يتصف فعله بالعدل، بل هو فوق التفضل؛ إذ هو من الجود والإحسان وإنه إذا ترك هذا الإحسان لا يتصف تركه له بالظلم وعدم العدل، وإنما غاية ما يقال في حقه إنه ترك فعل الخير. وفي ذلك يقول العلامة محمد حسين الطباطبائي: إن العدل يُساوق الحسن ويلازمه؛ إذ لا نعني بالحسن إلا ما من طبعه أن تميل إليه النفس وتنجذب نحوه وإقرار الشيء في موضعه الذي ينبغي أن يقرّ عليه من حيث هو كذلك مما يميل إليه الإنسان ويعترف بحسنه ويقدم العذر لو خالفه إلى من يُقرعه باللوم، لا يختلف في ذلك اثنان، وإن اختلف الناس في مصاديقه كثيراً باختلاف مسالكهم في الحياة[١٣]

يبدو أن هذا الفارق موضع تأييد النصوص الدينية المقدّسة، فقد روي عن الإمام على (ع) أنه قال في جوابه عندما سُئل عن أفضلية العدل أو الجود: «الْعَدْلُ يَضَعُ الْأَمُورَ مَوَاضِعَهَا، والْجُودُ يُخْرِجُهَا عَنْ جِهَتِهَا، وَالْعَدْلُ سَائِسُ عَامٌ، وَالْجُودُ عَارِضٌ خَاصٌ فَالْعَدْلُ أَشْرَفُهُما وَأَفْضَلُهُمَا»[١٤].

وقال الأستاذ الشهيد مرتضى مطهري في شرح هذا الحديث: سأل أحد الأذكياء أمير المؤمنين علي (ع): «العدل أفضل أم الجود؟». ويبدو أن الإجابة عن هذا السؤال فى غاية البساطة؛ فالجواب الذي يبدو للوهلة الأولى هو: إن الجود والكرم أفضل من العدل؛ لأنّ العدل يعني رعاية حقوق الآخرين وعدم العدوان على حقوقهم [وهذا أمر طبيعي]. أما الجود فيعني أن يتبرّع المرء بحقوقه الطبيعية ويقدّمها للآخرين عن طيب نفس، ففي العدل أداء الواجب وفي الجود تضحية طوعية، وعليه لا شك في أن الجود أفضل. وهذا هو الجواب الصحيح إذا قصرنا النظر على المعايير الأخلاقية والفردية بمعنى أن الجود يُعبّر عن كمال النفس وسموّ الروح أكثر من تعبير العدل عن ذلك إلا أن الإمام على (ع) يجيب بعكس ذلك تماماً، ويقول إن العدل أفضل من الجود ويقيم على ذلك دليلين:

الدليل الأول: «الْعَدْلُ يَضَعُ الْأَمُورَ مَوَاضِعَهَا، وَالْجُودُ يُخْرِجُهَا عَنْ جِهَتِهَا». بمعنى أن العدل يضع مسار الأمور في مجاريها الطبيعية، أما الجود فإنه يخرج الأمور عن مجاريها الطبيعية؛ لأن مفهوم العدالة هو أن تؤخذ الاستعدادات الطبيعية والواقعية بنظر الاعتبار، وأن يُعطى كل فرد ما يتناسب مع نشاطه واستعداده وكفاءته إن المجتمع بمثابة السيارة التي يؤدّي كل جزء منها وظيفته الخاصة، وأما الجود، فصحيح أنه على مستوى شخص الكريم - الذي يجود بماله على غيره - يُعد أمراً يستحق ثناءً كبيراً، ولكن يجب الالتفات إلى أنه يبقى أمراً غير طبيعي فهو مثل الجسم الذي يشتكي بعض أعضائه من علة، فيضطرّ سائر الأعضاء الأخرى إلى ترك وظائفها، والتفرّغ لإصلاحه من الأفضل للمجتمع أن يكون جميع أعضائه أصحّاء (بفعل العدل)، على أن يكون فيه عضو مريض، فيحتاج إلى من يسعفه بالمساعدة والتكّرم عليه (بسبب غياب العدل).

الدليل الثاني: «الْعَدْلُ سَائِسُ عَامٌ، وَالْجُودُ عَارِضُ خَاصٌ». بمعنى أن العدل قانون عام، وإدارة شاملة تعمّ جميع أفراد المجتمع. وأما الجود والكرم فهو حالة خاصة واستثنائية غير عامة وعليه لا يمكن التعويل والاعتماد عليها. وفي الأساس إذا تحوّل الجود إلى حالة قانونية عامة، وأضحى أمراً شاملاً، فإنه لا يعود جوداً ومن هنا يصل أمير المؤمنين إلى النتيجة الآتية: «فَالْعَدْلُ أَشْرَفُهُمَا وَأَفْضَلُهُمَا»[١٥].

وقد جاء في الدعاء المروي عن أمير المؤمنين علي (ع) وصف عفو الله بالفضل، وعذابه بالعدل، إذ يقول: «إِلَهِي إِنْ عَفَوْتَ فَبِفَضْلِكَ وَ إِنْ عَذَّبْتَ فَبِعَدْلِكَ فَيَا مَنْ لاَ يُرْجَى إِلاَّ فَضْلُهُ وَ لاَ يُخَافُ إِلاَّ عَدْلُهُ»[١٦].

٢. إن الأمر الذي يبدو من خلال تحليل مثل هذا الفعل هو أنه رغم أن ترك الإحسان والجود وعدم رفع حاجة المحتاج عند الإمكان، لا يُعدّ فعلاً ظالماً وغير عادل؛ لعدم حصول ظلم وعدوان على حق أحد. بيد أننا هنا لا نشاهد المعنى الأول من العدل الذي هو التوازن والاعتدال في الشخص المذكور؛ إذ إنما يطلق وصف العادل على فرد إذا كان من ناحية الاتصاف بالصفات الكمالية الأخلاقية - من قبيل الصبر والصدق والشجاعة ومساعدة الآخرين - قد بلغ بهذه الصفات مرحلة الفعلية والازدهار في حدود الاعتدال وبما يتناسب مع مواضع الحاجة. من هنا فإن عدم الإحسان وعدم تقديم العون للشخص المحتاج مع فرض الإمكان، وإن كان من بعض النواحي - (عدم ارتكاب فعل جائر وقبيح)، وبعبارة أخرى من الناحية الحقوقية - لا يكون مرتكباً لعمل إجرامي فلا يعد غير عادل إلا أنه من ناحية أخرى (الناحية الأخلاقية والمعنى الأول للعدل)، لا من حيث الفعل، بل من حيث فاعله، وليس في محكمة الحقوق، بل في محكمة الضمير والوجدان، يحكم عليه بعدم الاتصاف بصفة العدل.

بعبارة أخرى: يمكن تقسيم العدل من زاوية إلى قسمين: العدل الفعلي، والعدل الفاعلي على غرار تقسيم علماء الأصول لبحث الحسن والقبح إلى قسمين: حسن وقبح فعلي، وحسن وقبح فاعلي[١٧]. بمعنى أن ترك فعل الإحسان والجود وإن كان من الناحية الفعلية لا يعد ظلماً، ولا يتصف بعدم،العدل، إلا أنه يُعبّر عن عدم الاعتدال وعدم استقامة الصفات الكمالية والأخلاقية لدى مثل هذا الفرد، ويمكن وصفه بأنه ليس عادلاً.

٣. رغم أن الإحسان والجود أفضل من العدل، بيد أنه يجب في الإحسان رعاية القواعد الأخلاقية، بحيث لا يؤدّي إلى إيذاء الآخرين وإثارة أحزانهم.

من باب المثال: أن يجلب الوالد لأحد ولديه الصغيرين لعبة، ويترك الآخر دون أن يشتري له شيئاً؛ فينظر الطفل المحروم إلى لعبة أخيه من خلال دموعه المنهمرة[١٨]. فهنا لا يمكن تبرير فعل الأب بالقول: إنه مجرّد جود وتفضّل، وإحسان وله أن يفعل بحر ماله ما يشاء.[١٩]

الإفاضة بحسب الاستعداد والقابلية

إن المعنى والمرتبة الأخرى للعدل، هي رعاية الكفاءات والقابليات، وقد سبق أن أشرنا،له، حيث قلنا: إن العدل يعود إلى رعاية الاستحقاق.

تقييم

  1. بعد التأمل في التعاريف الآنفة، نستنتج من سعة رقعة الموارد التي يحتويها العدل وشموله للفعل والفاعل والتكوينيات والاعتباريات، صعوبة إبداء تعريف واحد جامع لحدود العدل. فمثلاً: إن الاعتدال والعدل في السيارة يختلف عن العدل والاعتدال في الإنسان من هنا يتمّ التعبير عن العدل في الأمور التكوينية - الأعم من الحدوث والاستمرار - بالاتزان والاعتدال والاستقامة و«العدالة التكوينية»، وعن العدل في شخص الإنسان بالاعتدال في الصفات الكمالية والأخلاقية والقوى النفسانية و«العدل الفاعلي»، وعلى حدّ تعبير العلامة الطباطبائي بـ «العدل الفردي»، إذ قال: «فالعدل وإن كان منقسماً إلى عدل الإنسان في نفسه وإلى عدله بالنسبة إلى غيره، وهما العدل الفردي والعدل الاجتماعي»[٢٠].
  2. إن التعريف الثاني للعدل بـ (التساوي والمساواة ونفي المحاباة) لا يمكن أن يكون ملاكاً للعدل دون دعوة إلى رعاية الحقوق والاستحقاقات.
  3. التعريف الثالث (رعاية الحقوق والاستحقاقات) يعود إلى العدل في أفعال الإنسان الذي يحتاج إلى الآخرين وإلى المجتمع، والذي يعبّر عنه العلامة الطباطبائي بـ «العدل الاجتماعي»[٢١].

خلاصة القول: يجب أن نحصل على تعريف جامع للعدل كي يشمل جميع أقسامها وأنواعها من هنا يمكن القول: «إن العدل عبارة عن الاتزان والاستقامة وإعطاء الآخرين حقوقهم، أو إفاضة الفيض عليهم بحسب ظرفياتهم وكفاءاتهم».

وعلى هذا الاتجاه سار العلامة الطباطبائي في تعريف العدل؛ إذ قال: «فإن حقيقة العدل هي إقامة المساواة والموازنة بين الأمور بأن يُعطى كل من السهم ما ينبغي أن يُعطاه، فيتساوى في أن كلاً منها واقع موضعه الذي يستحقه، فالعدل في الاعتقاد أن يؤمن بما هو الحق والعدل في فعل الإنسان في نفسه أن يفعل ما فيه سعادته، ويتحرّز مما فيه شقاؤه باتباع هوى النفس، والعدل في الناس وبينهم أن يوضع كل موضعه الذي يستحقه في العقل أو في الشرع أو في العرف؛ فيُثاب المحسن بإحسانه ويُعاقب المسيء على إساءته، ويُنتصف للمظلوم من الظالم ولا يبعّض في إقامة القانون ولا يستثنى» [٢٢].

بيان العدل الإلهى

بعد اتضاح المعاني المختلفة للعدل، ندخل الآن في تعريف وبيان مرادنا من العدل الإلهى.

تناسب واستقامة مقام الذات والأسماء والصفات الإلهية

إنّ المعنى الأول للعدل هو التناسب والاستقامة، وإن هذا المعنى في الذات الإلهية (مقام الأحدية) يبلغ حدّ الكمال المطلق. بمعنى أن الذات الإلهية تتصف بالوجود التام وصرف الوجود الشامل لجميع الكمالات على نحو بسيط، ويهب الوجود لسائر الكائنات.

وبالإضافة إلى مقام الذات (مقام الأحدية)، فإن الله سبحانه وتعالى يتصف أيضاً - بلحاظ الصفات والأسماء (مقام الأحدية) - بأكمل الصفات والأسماء الكمالية بشكل موزون ومتناسب وعلى نحو بسيط. ولذلك فإن صفات من قبيل: القدرة والعلم والخير والحكمة موجودة في ذات الله على النحو الأسمى ومن خلال المبنى وهذا التعريف للعدل يمكن لنا من خلاله أن نجيب عن أكثر شبهات الشرور.

التناسب والاتزان في إفاضة الفيض

إن المراد من ان الله يفيض الفيض على الممكنات، هو أنه يراعي التناسب والتوازن لا في مجموعة واحدة بل يراعى التوازن والقابلية في كل ظواهر الوجود.

يرى بعض الفلاسفة، من أمثال صدر المتألهين أن معنىّ خاصاً من العدل يختص به الله سبحانه وتعالى وهو إعطاء الوجود إلى العوالم الممكنة في بداية،الخلق ومن ثم استمرار الفيض إلى الوجودات الممكنة بحسب استعدادها وقابليتها؛ إذ يحصل للمادة من طريق حدوث الصور المختلفة[٢٣].

وفي الحقيقة فإنّ شرط امتلاك الحق السابق في تحقق وصف العدل بالنسبة إلى الله سبحانه وتعالى يُعدُّ منتفياً؛ إذ ليس هناك كائن له حق سابق على الله (المعنى الثالث المساوي لإعطاء الحق للمستحق)، كي يكون الله ملزماً بأدائه وإعطائه له.

قال الأستاذ الشهيد مرتضى مطهري في هذا الشأن: «إن العدل الإلهي في نظام التكوين طبقاً لهذه النظرية يعني حصول كل كائن الدرجة والكمال الوجودي الذي يستحقه. وفي رؤية الحكماء الإلهيين إن صفة العدل كما تليق بذات الباري تعالى بعدّها صفة كمال، تثبت لذات الأحدية بهذا المعنى. وهكذا تسلب عنه صفة الظلم الذي هو نقص بهذا المعنى أيضاً.

يرى الحكماء أن ليس لكائن أي حق على الله، حتى يكون إعطاؤه وفاء بذلك الحق و«أداء للتكليف»، أو «تسديداً لدين». وإن الله إنّما يتصف بالعدل ويعدُّ عادلاً؛ لأنه يقوم بجميع أعماله تجاه الآخرين بدقة كاملة واتقان تام. وإن عدل الله هو عين فضله وجوده. بمعنى أن عدل الله عبارة عن أن الله لا يبخل بفضله عن أي كائن وموجود، يمكن له تقبّل الفضل المفاض عليه من الله»[٢٤].

إن تحقيق هذا المعنى من العدل ونسبته إلى الله في الدنيا مع اقترانه بالشرور الطبيعية، من قبيل: الزلازل أو خلق الأطفال المشوّهين، يقع موضعاً للاستفهام ويكون مثاراً للتساؤل. وعلى حدّ تعبير الأستاذ الشهيد مرتضى مطهري: «لو أردنا القياس بهذا المقياس - الذي هو وحده المقياس الصحيح - وجب علينا أن نرى من بين جميع الأشياء التي هي «شر» و«محاباة» و«ظلم» وما إلى ذلك، هل هناك كائن من الكائنات كان له إمكان الوجود في نظام الوجود،برمّته، ولم يوجد؟ أو كان له إمكان الكمال الوجودي في النظام العام، وسُلب منه ذلك؟ وهل أعطي كائن شيئاً لم يكن ينبغي أن يُعطى له؟ بمعنى هل صدر عن ذات الله بدلاً من الخير والرحمة، والإفاضة ما ليس خيراً ولا رحمة، بل شرّاً، ونقمة، وليس كمالاً، بل عين النقص؟[٢٥].

التناسب والتوازن في الخلق

إن اتصاف الله بالصفات الكمالية من قبيل: الجود والخير والقدرة على نحو الكمال والتوازن يستوجب أن يكون صنعه وخلقه كاملاً ومتناسباً مع مقامه المفيض للوجود بعبارة أخرى: إن مقتضى أصل السنخية والتناسب بين العلة والمعلول هو خلق المخلوقات على نحو كامل ومتناسب مع قابلياتها.

ويمكن لهذا المعنى أن يكون أحد معاني العدل الذي يُنسب إلى الله في خلق العالم. فقد ورد في الحديث النبوي الشريف أنه صلي الله عليه وآله وسلم قال: «بِالْعَدْلِ قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَ الْأَرْضُ»[٢٦].

بمعنى أن خلق الله وتدبير العالم يتمّ بالعدل وملاحظة التناسب بين الأجزاء من حيث الكميات والكيفيات والغايات. وقد نُسب هذا المعنى من العدل في القرآن الكريم إلى خلق الإنسان أيضاً؛ إذ قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ[٢٧].

إن هذا المعنى من العدل ليس في قبال الظلم والجور، بل في قبال انعدام النظم والشرور والكوارث الطبيعية مثل الزلازل والبراكين. بمعنى أنه من الممكن لشخص أن يسأل: إذا كان الله عادلاً، وكان العالم الذي خلقه متوازناً ومتعادلاً.

فما معنى كل هذه الكوارث والشرور الطبيعية مثل الزلازل والسيول والعواصف المدمّرة؟ وهل تنسجم هذه الأمور مع توازن نظام الخلق واعتداله؟

رعاية التساوي وحقوق الأفراد

تقدم أن ذكرنا أن الإنسان حيث يحصل على أصل وجوده وحقوقه الطبيعية والفطرية مثل حق الحياة والصحة وكونه مديناً إلى الله سبحانه وتعالى فى ذلك، وأن استمراره فى الحياة - لافتقاره الوجودي واحتياجه - رهن بنعم الله من قبيل: الهواء والماء والطعام، وكذلك إفاضة الفيض، لذلك تكون النسبة فى الحق بين الله وعبده ذات طرف واحد؛ حيث تفاض ذات طرف واحد؛ حيث تفاض جميع الحقوق من قبل الله على العبد. وليس للعبد أيّ حق على الله، وعليه فإنه بإزاء جميع هذه الحقوق لا يكون العبد أمام الله إلا مكلفاً وحيث ليس للمكلف أيّ حق على الله، لذلك لا يكون الله سبحانه وتعالى مكلفاً تجاه العبد[٢٨].

وهذا ما أشار إليه الإمام علي (ع) بقوله: «لايَجْرِي لِأَحَدٍ إِلا جَرَى عَلَيْهِ، وَلاَ يَجْرِي عَلَيْهِ إِلَّا جَرَى لَهُ. وَلَوْ كَانَ لِأَحَدٍ يَجْرِيَ لَهُ وَلاَ يَجْرِيَ عَلَيْهِ، لَكَانَ ذلِكَ خَالِصاً لله سُبْحَانَهُ دُونَ خَلْقِهِ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَلِعَدْلِهِ فِي كُلِّ مَا جَرَتْ عَلَيْهِ صُرُوفُ فَضَائِهِ»[٢٩].

إذن فالمراد من عدل الله أنه لا يبخل بفيضه على المستحق الذي لديه القابلية والاستعداد لتقبّل الفيض. وفي الحقيقة فإن العدل بهذا المعنى هو عين الجود والفضل والإحسان الذي يكون منشؤه ومصدره هو العدل والاعتدال في ذات الله وصفاته.

إن فيض الله بمثابة نور الشمس الذي يسطع على النباتات بالتساوي. وبطبيعة الحال فإن هذا لا ينافي أن يصل مقدار أكبر من النور للذوات التي تتمتع بقابلية واستعداد أوسع، فتستلم من النور ما يتناسب وقابليتها. من قبيل إعداد الإمكانات الدراسية الخاصة للكفاءات اللامعة من قبل الدولة أو الأسرة.

يتمّ التعبير عن تنوّع واختلاف الفيض والإمكانات بحسب اختلاف القابليات بـ «التفاوت» وهو أمر مقبول، خلافاً لـ «المحاباة» التي يكون فيها إعمال التفاوت وإعطاء المزايا أو الحد منها، من دون رعاية الاستحقاق والجدارة.[٣٠]

المكافأة والثواب الإلهى، هل هو استحقاق أو تفضّل؟

أما البحث الآخر فيدور حول إمكان العدل وصحة نسبته - بالمعنى المتقدّم - إلى الله لا في العقاب، بل في الأعمال الحسنة وإعطاء الثواب والمكافأة، بمعنى: هل عدل الله يعني إعطاء الثواب للمحسن بوصفه حقاً له، بحيث لو منعه اتصف - والعياذ بالله - بالظلم وعدم العدل؟ بعبارة أخرى: هل إعطاء الثواب والمكافأة من قبل الله للعبد يوم القيامة من باب الاستحقاق أم هو من باب التفضّل؟

قدّم العلماء إجابتين عن هذا السؤال:

الأولى: هناك من يذهب إلى الاعتقاد بأن الله حيث هو المالك المطلق وواهب النعم والحقوق فهو مالك للإنسان وهو الذي وهبه حتى الحقوق من قبيل حق الحياة، من هنا لا يكون للإنسان أيّ حقٌّ على الله؛ ليكون الله ملزماً برعايته وإعطائه كي يتحقق العدل وفي صورة عدم ذلك يكون هنالك ظلم وجور. إن عموم الأشاعرة الذين ينكرون الحسن والقبح العقلي، لا يجوّزون أي إلزام على الله حتى على المستوى العقلي، ومن هنا فقد ذهبوا إلى إنكار استحقاق العبد لأيّ ثواب على الله فيما يقوم به تجاهه من الأعمال والعبادات[٣١].

الثانية: هناك من ذهب إلى الاعتقاد بأن الإنسان في مرحلة الخلق والحياة لا يمتلك أيّ حقّ على الله سبحانه وتعالى، ولكن حيث يكلّفه الله بجملة من الأمور، ويتكلف الإنسان في أدائها ويبذل مشقة في القيام بها على أحسن وجه يترتّب له حقُّ على الله فيجب على الله أن يثيبه وإن استنكف العبد عن الطاعة وآثر العصيان كان مستحقاً للعقاب.

وهذا البحث مطروح في علم الكلام تحت عنوان: هل الثواب الأخروي يأتي من باب الاستحقاق أو هو من باب التفضّل، وقد دافع عنه المعتزلة وجماعة من الإمامية[٣٢].

يبدو أن عدم امتلاك العبد أي حق على الله إنما يخصّ أولئك الذين توفّرت لهم كل الظروف والمستلزمات الإيجابية في الحياة وحصلوا على جميع أو أكثر الحقوق والنعم الإلهية من قبيل إعطائه الروح والجسم السليم والحياة الدنيوية المقبولة في الجملة. أما أولئك الذين ابتلاهم الله بالأمراض الوراثية أو الذين تعرّضوا لحادثة أصابتهم بإعاقة أو عاهة أقعدتهم عن التمتع بالحياة وأخذوا يعانون من أنواع العذابات الروحية والجسدية بحيث أخذوا يؤثرون الموت على الحياة، أو الطفل الذي ولد مشوّهاً في قرية نائية من قرى الصين الشيوعية، وعاش على هذه الحالة ثمانين سنة جاهلاً قاصراً لا يمكنه اختيار الدين الحق والصحيح.

فهل هناك حق لمثل هؤلاء على الله سبحانه وتعالى؟ كأن يطالبوه بالتعويض عن كل الألم الذي كابدوه والمحن التي قاسوها؟ إن القول بأن مثل هؤلاء لا يذهبون إلى جهنم أو إن الله يدخلهم الجنة تفضّلاً وإحساناً، ليس جواباً مناسباً عن السؤال المتقدّم.

بعبارة أخرى إن تحقيق العدل يقتضي على الله أن يعوض عن الآلام التي تنتج عن مصائب لا دخل للفرد في حصولها، وإنما هي حصيلة النظام المادي والدنيوي التى تنتهى سلسله العلل فيه إلى العلة الأولى المتمثلة بالله عزّ وجلّ.[٣٣]

أصل الانتصاف والتعويض

ذكر المتكلمون المسلمون أصلاً باسم «الانتصاف»، ويعني أن كل ظلم يتعرّض له الفرد من قبل،ظالم، يجب على الله أن ينتقم وينتصف له من الظالم، ويكون هذا الانتصاف في يوم القيامة على شكل تبادل الذنوب أو الحسنات. وإذا افتقر الظالم إلى الحسنات، فإن الله سيعطي المظلوم حسنات من عنده حتى يُرضيه.

كما ذكر المتكلمون أصلاً آخر باسم «الأعواض»، بمعنى أن الفرد إذا أصيب في الدنيا بعاهة لا دخل له فيها، وجب على الله أن يُثيبه عليها من باب (التعويض والأعواض)، حتى يرضيه.[٣٤]

معاني العدل في اللغة وفي القرأن الكريم

ولكلمة (العدل) في اللغة أكثر من مدلول، واستعملت في القرآن الكريم في أكثر من مدلول أيضاً.

ومن أهمها المدلولان التاليان المرتبطان بموضوعنا وهما:

أولاً: العدل بمعنى الاستقامة

«العدل» بمعنى «الاستقامة» في الفعل بوضع الشئ في موضعه، فلا ظلم ولا جور.وعرف بأنه خلاف الجور والظلم.ويأتي هذا في الحكم والقضاء. ومما يدل عليه من الاستعمال القرآني أمثال: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ[٣٥]. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا[٣٦] ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ[٣٧] ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ[٣٨] ومن الحديث الشريف:« مَن الْمُنْجِيَاتُ كَلِمَةُ الْعَدْلِ فِي الرِّضَا وَ السَّخَطِ» [٣٩]

ثانياً: العدل بمعنى الإنصاف

«العدل» بمعنى «الإنصاف» الذي يأتي وسطاً بين الظلم والتفضل (الاحسان). ويكون هذا في المعاملة، فلا جور بإنقاص الحق، ولا تفضل بالزيادة عليه. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ[٤٠]

ومن كلام الشيخ الصدوق هنا ما نصه: ان الله أمر بالعدل وعاملنا بما فوقه وهو التفضل، وذلك أنه تعالى يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ[٤١].والعدل: هو أن يثيب على الحسنة الحسنة، ويعاقب على السيئة السيئة.[٤٢].

والعدل: اسم من أسمائه الحسنى، وهو مصدر إلا أننا نستطيع أن نستخلص تعريف العدل كصفة من مضمون التعريف المذكور، بأنه: عدم فعل القبيح، وعدم الاخلال بالواجب، وعدم التكليف بما لا مصلحة فيه.

وعرفه الفاضل المقداد بأنه تنزيه الباري تعالى عن فعل القبيح والاخلال بالواجب [٤٣] فاقتصر في تعريفه على بيان معنى العدل باعتباره صفة من صفات الله تعالى، وهو المطلوب هنا.

والعدل من صفات الفعل كما هو واضح من التعريف، وأيضاً هو من الصفات الثبوتية لأنه وصف وجودي، ومما يتطلبه الكمال المطلق للذات الإلهية.

وقد يوهم تعريفه المذكور أعلاه بأنه من الصفات السلبية، لأنه اشتمل على ألفاظ سلبية مثل: التنزيه والعدم.

لكن لعلمنا بأنهم غالباً ما يستخدمون الطريقة السلبية في التعريفات ندرك أنه ليس من مقصودهم ادراج العدل في قائمة الصفات السلبية لأننا نستطيع أن نستعمل الطريقة الايجابية في تعريفه، فنقول: العدل: هو فعل الحسن والاتيان بالواجب.[٤٤].

شرح التعريف

ومن هنا لا بد لنا لمعرفة معنى العدل من معرفة المفاهيم التي اشتمل عليها التعريف، وهي: الفعل، الواجب. الحسن والقبح.

أولاً: الفعل

عرفه بعضهم كالقاضي المعتزلي بقوله: الفعل: هو ما يحدث من القادر[٤٥]

وبه نفسه عرفه أبو الحسين البصري.

وأورد عليه العلامة الحلي في كشف المراد[٤٦] بأنه يلزم منه الدور لتعريفهم القادر بأنه الذي يصح أن يفعل وأن لا يفعل، ثم قال: الفعل أعم من الصادر عن قادر أو غيره. ولم يعرفه لأنه من المتصورات الضرورية كما نص على ذلك.

وهو - في الواقع - من المفاهيم التي هي أعرف من أن تعرف، ومن هنا لم يحده الكثير من المتكلمين، واكتفوا بأن قالوا: الفعل ضروري التصور، أو هو من المتصورات الضرورية. فالفعل هو ما نفهمه من مدلول لهذه الكلمة.

وقسموا الفعل الحادث إلى قسمين هما: [٤٧].

  1. ما لا يكون له صفة زائدة على حدوثه، مثل: حركة الساهي والنائم.
  2. ما يكون له صفة زائدة على حدوثه.

ثم قسموا القسم الثاني إلى قسمين أيضاً هما: الحسن والقبيح.

وقسموا الحسن إلى قسمين أيضاً هما:

  1. ما لا يكون له صفة زائدة على حسنه، وهو المباح.وعرفوه بأنه: ما لا مدح في فعله ولا تركه ولا ذم فيهما[٤٨]
  2. ما يكون له صفة زائدة على حسنه.وقسموه إلى قسمين هما: الواجب والمندوب.
  3. الواجب: وهو ما يستحق فاعله المدح بفعله والذم على تركه.
  4. المندوب: وهو ما يستحق فاعله المدح بفعله، ولا يستحق الذم بتركه.

الخلاصة: الفعل ما ليس له صفة ما له صفة زائدة زائدة على حدوثه على حدوثه حسن قبيح ما ليس له صفة ما له صفة زائدة زائدة على حسنه على حسنه واجب مندوب الواجب: ومن التقسيم هذا عرفنا معنى الواجب بأنه ما يستحق فاعله المدح بفعله، والذم على تركه.

ثانياً: الحسن والقبيح

رأينا انهما يقتسمان الفعل الحادث الذي له صفة زائدة على حدوثه. ومن هنا كان البحث في تحديد معنييهما أساسياً من ناحية منهجية، لتوقف فهم معنى العدل الذي هو فعل على فهم معناهما.

ولأن لهما أكثر من معنى ذكروا المعاني التي يطلقان عليها، ثم حرروا محل النزاع منها، فقالوا: تطلق كلمتا الحسن والقبح على معان ثلاثة متقابلة هي:

  1. يطلق الحسن ويراد به (الملاءمة للطبع)، ويطلق القبح في مقابله فيراد به (عدم الملاءمة للطبع)، مثل: (هذا الصوت حسن) بمعنى أنه ملائم للطبع و (ذلك الصوت قبيح) بمعنى أنه غير ملائم للطبع.
  2. يطلق الحسن ويراد به (الكمال)، ويطلق القبح في مقابله فيراد به (النقص) أو (عدم الكمال)، مثل: (العلم حسن) بمعنى انه كمال للنفس، و (الجهل قبيح) على اعتبار أنه نقص للنفس.
  3. يطلق الحسن ويراد به ادراك أن هذا الشئ أو ذاك مما ينبغي أن يفعل بحيث لو أقدم عليه الفاعل لكان موضع مدح العقلاء بما هم عقلاء، والقبح بخلافه، مثل: (العدل حسن) و (الظلم قبيح).

والمراد بالحسن والقبيح في موضوعنا هو القسم الثالث، ويمكن تعريفهما بالتالي:

  1. الفعل الحسن: هو الذي يمدح فاعله على فعله.
  2. الفعل القبيح: هو الذي يذم فاعله على فعله.

وقد اتفق المتكلمة والفلاسفة من المسلمين على امكان ادراك العقل للمعنيين الأولين للحسن والقبح.

واختلفوا في المعنى الثالث، فوقع محلا للنزاع بين الأشاعرة والعدلية ونقطة الخلاف فيه هي:[٤٩]. هل أن للأفعال قيماً ذاتية عند العقل مع قطع النظر عن حكم الشارع؟. أي: هل أن الحسن والقبح وصفان ذاتيان للأفعال، أو أنهما ليسا بذاتيين، وإنما يعرضان للأفعال بسبب حكم الشارع بحسن الفعل أو قبحه؟؟.

فقالت الأشاعرة: لا حكم للعقل في حسن الأفعال وقبحها، وليس الحسن والقبح عائدين إلى أمر حقيقي حاصل فعلاً قبل ورود بيان الشارع، بل إن ما حسنه الشارع فهو حسن، وما قبحه الشارع فهو قبيح.

وقالت العدلية: ان للأفعال قيماً ذاتية عند العقل مع قطع النظر عن حكم الشارع، فمنها ما هو حسن في نفسه، ومنها ما هو قبيح في نفسه، ومنها ما ليس له هذان الوصفان، والشارع لا يأمر الا بما هو حسن ولا ينهى الا عما هو قبيح.

وعرف الأول أعني قول الأشاعرة - ب (التحسين والتقبيح الشرعيين) وعرف الرأي الثاني - أعني قول العدلية ب (التحسين والتقبيح العقليين) انظر: [٥٠][٥١].

مذهب الأشاعرة ودليله

قال العضد الإيجي: القبيح: ما نهي عنه شرعاً. والحسن بخلافه. ولا حكم للعقل في حسن الأشياء وقبحها. وليس ذلك عائداً إلى أمر حقيقي في الفعل يكشف عنه الشرع، بل الشرع هو المثبت له والمبين. ولو عكس القضية فحسن ما قبحه، وقبح ما حسنه، لم يكن ممتنعاً، وانقلب الأمر [٥٢]

ثم قال مستدلاً: لنا وجهان:

  1. أن العبد مجبور في أفعاله.. وإذا كان كذلك لم يحكم العقل فيها بحسن ولا قبح، اتفاقاً. بيانه:أن العبد ان لم يتمكن من الترك فذاك هو الجبر، وإن تمكن ولم يتوقف على مرجح، بل صدر عنه تارة ولم يصدر عنه أخرى من غير سبب كان ذلك اتفاقياً. وان توقف على مرجح لم يكن ذلك من العبد، والا تسلسل، ووجب الفعل عنده، والا جاز معه الفعل والترك فاحتاج إلى مرجح آخر وتسلسل، فيكون اضطرارياً. وعلى التقادير فلا اختيار للعبد فيكون مجبوراً [٥٣]
  2. لو كان قبح الكذب ذاتيا لما تخلف عنه، لأن ما بالذات لا يزول، واللازم باطل، فإنه قد يحسن إذا كان فيه عصمة دم نبي، بل يجب، ويذم تاركه قطعاً، وكذا إذا كان فيه انجاء متوعد بالقتل [٥٤]

مذهب العدلية ودليلهم

قال النصير الطوسي: وعند المعتزلة ان بديهة العقل تحكم بحسن بعض الأفعال. كالصدق النافع والعدل، وقبح بعضها كالظلم والكذب الضار.

والشرع أيضاً يحكم بهما في بعض الأفعال.

والحسن العقلي: ما لا يستحق فاعل الفعل الموصوف به الذم.

والقبح العقلي: ما يستحق به الذم.

والحسن الشرعي: ما لا يستحق به العقاب.

والقبح (الشرعي): ما يستحق به (العقاب).

وبإزاء القبح: الوجوب: وهو ما يستحق تارك الفعل الموصوف به الذم أو العقاب. ويقولون بان الله لا يخل بالواجب العقلي، ولا يفعل القبح العقلي البتة.

وان من يخل بالواجب، ويرتكب القبح بالاختيار جاهل أو محتاج [٥٥]

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن الذي يدرك حسن الافعال وقبحها في رأي الحكماء هو العقل العملي لا العقل النظري.

والى هنا ننتهي إلى أن العدل عند الأشاعرة هو ما يفعله الله تعالى لأن ما يفعله هو الحسن.

وأن العدل عند العدلية: هو أن الله لا يفعل الا ما هو حسن عقلا.

دليل العدل

الدليل على وجوب اتصافه بالعدل هو: انه لو لم يكن الله عادلا لكان ناقصا، والنقص منتف بالضرورة فيثبت كونه عادلاً.

وأيضاً لو جاز عليه فعل القبيح لجاز عليه الكذب، فيرتفع الوثوق بوعده ووعيده، وترتفع الأحكام الشرعية، وينقض الغرض المقصود من بعث الأنبياء والرسل النكت [٥٦]

وقرره شيخنا المظفر بالتالي: فلو كان يفعل الظلم والقبح - تعالى عن ذلك - فان الأمر في ذلك لا يخلو عن أربع صور:

  1. ان يكون جاهلا بالأمر فلا يدري أنه قبيح.
  2. ان يكون عالما به ولكنه مجبور على فعله وعاجز عن تركه.
  3. ان يكون عالما به وغير مجبور عليه ولكنه محتاج إلى فعله.
  4. ان يكون عالما به وغير مجبور عليه ولا يحتاج اليه فينحصر في أن يكون فعله له تشهيا وعبثا ولهوا.

وكل هذه الصور محال على الله تعالى، وتستلزم النقص فيه، وهو محض كمال، فيجب أن نحكم أنه منزه عن الظلم وفعل ما هو قبيح [٥٧]

الموازنة: من المكابرة أن ننكر أن يكون لمثل العدل والظلم قيم ذاتية يدركها العقلاء بما هم عقلاء، إذ لا أدل على ذلك من وضع القوانين والأنظمة واتباع الأعراف في مختلف المجتمعات حاضرة وبادية.

فلولا إدراك أبنائها أن العدل بما هو عدل حسن، وأن الظلم بما هو ظلم قبيح لما تواضعوا فيما بينهم ووضعوا الأنظمة لحفظ الحقوق وإقرار العدل.

فالقضية من البداهة والوضوح بمكان. وعليه:

  1. للعدل مفهوم محدد، وهو فعل الحسن العقلي.
  2. ان معنى أن الله تعالى عدل: لا يفعل القبيح العقلي.
  3. ان صفة العدل تساوق كونه حكيما، والحكمة وضع الشئ في موضعه، والاتيان بالفعل في محله.[٥٨].

عقيدة العدل في القرآن الكريم

جاء تقرير عقيدة العدل في أكثر من آية من القرآن الكريم، منها:

  1. ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ[٥٩]
  2. ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ[٦٠]
  3. ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ[٦١]
  4. ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ[٦٢]
  5. ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[٦٣]
  6. ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ[٦٤]
  7. ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا[٦٥]
  8. ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا[٦٦]
  9. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ[٦٧]
  10. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ[٦٨][٦٩].

المراجع

  1.   عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الكلام
  2.   محمد حسن قدردان قراملكي، العدل أجوبة الشبهات الكلامية

الهوامش

  1. عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الكلام، ص 163
  2. انظر: أبو العباس الفيومي المصباح المنير، ج ١، ص ٥١؛ سعيد الخوري الشرتوني، أقرب الموارد، ج ٢، ص ٧٥٣؛ الراغب الإصفهاني، المفردات ص ٣٢٥ .
  3. الملا محسن الفيض الكاشاني، تفسير الصافي، ج ٥ ص١٠٧.
  4. انظر: السيد روح الخميني، عدل إلهي (العدل الإلهي)، ص ٣.
  5. محمد حسن قدردان قراملكي، العدل أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٢٠.
  6. انظر: مرتضى مطهري مجموعه آثار الأعمال الكاملة، ج ١، ص ٨٢ - ٨٦؛ ناصر كاتوزيان فلسفه حقوق (فلسفة الحقوق)، ج ١، ص ٦١٧.
  7. محمد حسن قدردان قراملكي، العدل أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٢١.
  8. القاضي عبد الجبار المعتزلي شرح الأصول الخمسة ص ١٣١ كما عرف الأستاذ الشهيد مرتضى مطهّري العدل في بعض كتبه على النحو الآتي: (رعاية الاستحقاق، ورعاية الحقوق)، انظر: مجموعه آثار (الأعمال الكاملة)، ج ٢١ ص ٢١٢ .
  9. محمد حسن قدردان قراملكي، العدل أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٢٢.
  10. محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٩١، ص ١٠٧؛ إبراهيم الكفعمي، ص ٣٧٦ .
  11. لا يخفى على القارئ الكريم أن هذا الفرض ينسجم مع القول باعتبارية العقوبة الأخروية (وقد تقدم البحث التفصيلي حول تكوينية أو اعتبارية العذاب الأخروي في كتاب المعاد هذه السلسلة انظر أيضاً محمد حسن قدر دان قراملكي (مفهوم الجحيم)، الفصل الأول والثاني.
  12. محمد حسن قدردان قراملكي، العدل أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٢٢.
  13. العلامة محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج ١٢، ص ٣٣٢.
  14. نهج البلاغة، الحكمة رقم ٤٣٧؛ محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٧٢، ص ٣٥٠ - ٣٥٧؛ مرتضى مطهري، مجموعه آثار (الأعمال الكاملة)، ج ١٦، ص٤٣٦. وقد يذهب التصور ببعضهم إلى القول بأن الحكم السابق بتفضيل الجود على العدل يتنافى مع مضمون هذه الرواية والحكمة العلوية ولكننا نقول في الجواب: إن جهات البحث تختلف. فإن أفضلية الجود على العدل إنما تكون من زاوية النظرة الجزئية والشخصية والأخلاقية، والتي يكون فيها الشخص الكريم والجواد خيراً من الشخص العادل. وأما إذا ذهبنا إلى ما هو الأخلاق الشخصية، وقمنا بالمقارنة بين هذين المفهومين على المستوى الاجتماعي والعام وقلنا هل العدل هو الأفضل على مستوى الواقع الاجتماعي أم الجود؟ وجب القول: حيث يُدار المجتمع على أساس القوانين العامة، فإنه يفتقر إلى تحقيق العدالة أكثر من افتقاره إلى الجود إن تحقيق العدالة على جميع المستويات يغني عن الجود والترحم والإحسان الشخصي الذي يلعب دور المسكن فحسب. المزيد من التوضيح انظر مرتضى مطهري، مجموعه آثار الأعمال الكاملة)، ج ١٦، ص ٤٣٦).
  15. مرتضى مطهري، مجموعه آثار (الأعمال الكاملة)، ج ١٦، ص ٤٣٦ - ٤٣٧.
  16. محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٩١، ص ١٠٧ و٣٨٦.
  17. الفعل الذي يرتكبه الفاعل ظناً منه أنه حسن - من قبيل حكم القاضي لصالح المظلوم - ثم يتبيّن أنه لم يكن مظلوماً، وإنما كان ظالماً. إن مثل هذا الفعل يشتمل على حسن فاعلي لا على حسن فعلي. وبعكس ذلك الفاعل الذي يرتكب فعلاً بتصور أنه معصية أو فعل قبيح، من قبيل: مساعدة الظالم، ثم يتبين أنه مظلوم. إن مثل هذا الفعل قد يتصف بالحسن، والصلاح ولكن حيث أن نية وسريرة الفاعل كانت سيئة وقبيحة، لا يمكن أن يتصف بالحسن الفاعلي.
  18. لحسن الحظ تمة في هذا الخصوص روايات غاية في الدقة والروعة. من قبيل الروايات الواردة بمضمون أن الوالد قد تختلف محبته لأولاده شدة وضعفاً، ولكنه يجب أن يساوي بينهم في إبرازها ولا يفرّق بينهم من هذه الناحية.
  19. محمد حسن قدردان قراملكي، العدل أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٢٢.
  20. العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج ١٢، ص ٣٣٢.
  21. العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج ١٢، ص ٣٣٢.
  22. العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج ١٢، ص ٣٣٢.
  23. انظر: صدر المتألهين، الأسفار الأربعة، ج ٥، ص ١٩١ - ١٩٢؛ عبد الله الزنوزي، لمعات إلهية، ص ٤٥٦ السبزواري، أسرار الحكم، ص ٤٣٩ السبزواري، مجموعة رسائل رسائل الحكيم السبزواري)، ص ٢٦٧.
  24. مرتضى مطهري، مجموعه آثار (الأعمال الكاملة)، ج ١، ص ٨٢.
  25. مرتضى مطهري، مجموعه آثار (الأعمال الكاملة)، ج ١، ص ٨٢.
  26. ابن أبي جمهور الأحسائي عوالي اللآلي، ج ٤، ص ١٠٢.
  27. سورة الإنفطار، الآية ٧.
  28. قال الأستاذ الشهيد مرتضى المطهري في هذا الشأن إن ذات الحق المقدسة التي هي كمال مطلق، وخير مطلق، وفيض مطلق، تعطي الوجود لكل كائن بما يستحقه ويستوعبه من كمال الوجود، ولا يمسكه عنه. إن العدل الإلهي في نظام التكوين - طبقاً لهذه النظرية - يعني أن ينال كل موجود أي درجة من الوجود والكمال الوجودي الذي يستحقه بحدود إمكانه. والظلم يعني منع الفيض وإمساك الجود عن الوجود المستحق. ويرى الحكماء الإلهيين أن صفة العدل كما تليق بذات الخالق - بوصفها نعت كمال . تثبت لذات الأحدية وبهذا المعنى يُسلب عنه وصف الظلم الذي هو نقص يرى الحكماء أن ليس لموجود أي حق (على الله بحيث يُعد أداء ذلك الحق امتثالاً للتكليف) و(أداء للدين). وإن الله إنما يُعدّ عادلاً؛ لأنه يقوم بعمله تجاه الخلق على أدق الوجوه وأتمها. إن عدل الله هو عين الفضل وعين الجود. بمعنى أن الله عبارة عن أن لا يبخل بفضله على أي كائن في أي حد من حدود إمكان التفضّل عليه)، انظر: مرتضى،مطهري (الأعمال الكاملة) ج ١، ص ٨٢.
  29. الشريف الرضي، نهج البلاغة الخطبة رقم ٢١٦؛ المحدّث الكليني، الكافي، ج ٨، ص ٣٥٣؛ محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٢٧، ص ١٥١.
  30. محمد حسن قدردان قراملكي، العدل أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٢٩.
  31. انظر: القاضي الإيجي، شرح المواقف، ج ٨، ص ١٨٣ و٢٠٥؛ مرتضى مطهري، (الأعمال الكاملة) ج ١، ص ٨١.
  32. انظر الشيخ الطوسي، الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد، ص ١١١ - ١١٩ و١٢٨؛ العلامة الحلي الباب الحادي عشر، ص ٢١٥؛ العلامة الحلي أنوار الملكوت، ص ١٧٠؛ محمد باقر الأسترآبادي البراهين القاطعة، ج،٤ ص ٢٢٤ العلامة الحلي، معارج الفهم في شرح النظم، ص ٥٨٣؛ المحقق الكراجكي كنز الفوائد ص ٢١٦؛ الشيخ الحر العاملي الجواهر السنية ص ٤٩.
  33. محمد حسن قدردان قراملكي، العدل أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٣٥.
  34. محمد حسن قدردان قراملكي، العدل أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٣٧.
  35. سورة النساء، الآية ٥٨.
  36. سورة الأنعام، الآية ١١٥.
  37. سورة الأعراف، الآية ١٥٩.
  38. سورة الأعراف، الآية ١٨١.
  39. الخصال: ج 1، ص 85
  40. سورة النحل، الآية ٩٠.
  41. سورة الأنعام، الآية ١٦٠.
  42. عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الكلام،، ص ١٦4
  43. النافع يوم الحشر ص ٤٣
  44. عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الكلام،ص 166
  45. المختصر في أصول الدين ص٣٤٧
  46. ص ٢٣٥
  47. عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الكلام،ص 166
  48. نهج المسترشدين ٤٥
  49. عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الكلام، ص168
  50. مبادئ أصول الفقه ص ٨٥ - ٨٦
  51. عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الكلام، ص 169
  52. المواقف ص ٣٢٣
  53. المواقف ص ٣٢٤
  54. المواقف ص ٣٢٥
  55. قواعد العقائد ص ٤٥٢
  56. الاعتقادية ص ٤٠١
  57. عقائد الإمامية ص ٦٤ - ٦٥
  58. عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الكلام، ص172
  59. سورة آل عمران، الآية ١٠٨.
  60. سورة غافر، الآية ٣١.
  61. سورة البقرة، الآية ٢٠٥.
  62. سورة الدخان، الآية ٣٨.
  63. سورة الذاريات، الآية ٥٦.
  64. سورة المؤمنون، الآية ١١٥.
  65. سورة ص، الآية ٢٧.
  66. سورة البقرة، الآية ٢٨٦.
  67. سورة الأعراف، الآية ٢٨.
  68. سورة النحل، الآية ٩٠.
  69. عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الكلام، ص 172