نهضة الإمام الحسين

موقف الإمام الحسين من الخلافة

كان الحسين (ع) في زمان أبيه وأخيه مأموماً مطيعاً لإمام زمانه - أبيه ثمّ أخيه - ولذلك لم يكن يبدي رأياً خاصّاً غير ما كان يراه أبوه أو أخوه.

ولمّا توفّي الحسن بن علي تحرّكت الشيعة بالعراق [١] وكتبوا إلى الحسين (ع) في أن يخلع معاوية ويبايعوه، فامتنع عليهم، وذكر: أنّ بينه وبين معاوية عهداً وعقداً لا يجوز له نقضه حتّى تمضي المدّة، فإن مات معاوية نظر في ذلك.

ولمّا مات معاوية كتب يزيد إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان - وكان واليه على المدينة - أن يأخذ البيعة من الحسين (ع) لنفسه وأمره أن يضرب عنقه إن امتنع منها، فأنفذ الوليد إلى الحسين (ع) ليلاً فاستدعاه وطلب منه البيعة، فذهب إليه الحسين (ع) مع جماعة من مواليه، فنعى الوليد موت معاوية، فاسترجع الحسين (ع)، ثمّ قرأ كتاب يزيد وما أمره فيه بأخذ البيعة، فاعتذر إليه الحسين (ع) بأنّ البيعة سرّاً لا فائدة فيها، فوافق الوليد، ولكن حرّضه مروان بأخذ البيعة منه أو ضرب عنقه، فقال له الحسين (ع): «أَنْتَ يَا اِبْنَ اَلزَّرْقَاءِ تَقْتُلُنِي أَوْ هُوَ كَذَبْتَ وَ اَللهِ وَ أَثِمْتَ» وخرج حتّى أتى منزله.

فأقام تلك الليلة وفي عصر اليوم الثاني بعث الوليد الرجال لأخذ البيعة فقال لهم الحسين (ع): «أَصْبِحُوا ثُمَّ تَرَوْنَ وَ نَرَى» فكفّوا تلك الليلة، فخرج مع أهل بيته متوجّها نحو مكّة، وهو يقرأ: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ[٢].

وبعد ما علم أهل الكوفة بموت معاوية وما فعله الحسين (ع) اجتمعوا وتشاوروا فيما بينهم فأرسلوا إلى الحسين (ع) الرسائل والكتب يدعونه فيها للمسير إليهم، فأرسل إليهم ابن عمّه مسلم بن عقيل وأمره بتقوى الله وكتمان أمره، فإن رأى الناس مجتمعين أخبره بذلك.

وحينما ورد مسلم الكوفة بايعه من أهلها ثمانية عشر ألفا، فكتب مسلم إلى الحسين (ع) يخبره بذلك.

ولمّا وصل النبأ إلى يزيد استشار سرجون مولى معاوية، فأشار عليه أن يعزل النعمان بن بشير عن الكوفة، ويعهد لـ عبيد الله بن زياد بولاية الكوفة، ويضمّ إليها ولاية البصرة.

وعندما وصل ابن زياد الكوفة أخذ العرفاء والناس أخذاً شديداً، ودسّ جواسيسه بين الموالين للحسين (ع) وأنصاره ليأتوه بالأخبار، وأمر رؤساء القبائل أن يخذّلوا الناس عن مسلم بن عقيل، ويعلموهم بوصول الجند من الشام.

فلمّا سمع الناس ذلك تفرّقوا عن مسلم وخذلوه، حتّى انتهى الأمر إلى إلقاء القبض عليه بعد قتال بينه وبين جند ابن زياد، ثمّ استشهاده بأمر الطاغية عبيد الله بن زياد، واستشهد معه هانئ بن عروة رئيس قبيلة مذحج باتّهام إيوائه مسلم بن عقيل، فجرّوا جسديهما في أسواق الكوفة [٣].

وسار الحسين (ع) من مكّة بعد تواتر الرسائل والرسل إليه، وعلمه ببيعة الناس لمسلم بن عقيل.

وفي الطريق وصله نبأ استشهاد مسلم وما فعله به أهل الكوفة، فلم يحل دون مسيره إليها؛ لأنّ الرسالة والمسؤولية التي كان يتحمّلها الحسين (ع) كانت عظيمة جدّا.

والتقى في طريقه الحر بن يزيد الرياحي الذي أرسله ابن زياد في ألف فارس لإلقاء القبض عليه، وقد جهدهم العطش، فسقاهم الحسين (ع) وأصحابه.

ولمّا حضرت الصلاة خطب الإمام (ع) الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: «أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنِّي لَمْ آتِكُمْ حَتَّى أَتَتْنِي كُتُبُكُمْ وَ قَدِمَتْ عَلَيَّ رُسُلُكُمْ أَنِ اِقْدَمْ عَلَيْنَا فَإِنَّهُ لَيْسَ لَنَا إِمَامٌ لَعَلَّ اَللهَ أَنْ يَجْمَعَنَا بِكَ عَلَى اَلْهُدَى وَ اَلْحَقِّ فَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ جِئْتُكُمْ فَأَعْطُونِي مَا أَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ مِنْ عُهُودِكُمْ وَ مَوَاثِيقِكُمْ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ كُنْتُمْ لِمَقْدَمِي كَارِهِينَ اِنْصَرَفْتُ عَنْكُمْ إِلَى اَلْمَكَانِ اَلَّذِي جِئْتُ مِنْهُ إِلَيْكُمْ».

فسكتوا ولم يتكلّم أحد منهم بكلمة.

فصلّى الحسين (ع) وصلّى الحرّ وأصحابه بصلاته.

وصلّى بهم العصر أيضاً ثمّ خطبهم فقال بعد الحمد والثناء على الله تعالى: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا اَلنَّاسُ فَإِنَّكُمْ إِنْ تَتَّقُوا اَللهَ وَ تَعْرِفُوا اَلْحَقَّ لِأَهْلِهِ يَكُنْ أَرْضَى لِلَّهِ عَنْكُمْ وَ نَحْنُ أَهْلُ بَيْتِ مُحَمَّدٍ وَ أَوْلَى بِوَلاَيَةِ هَذَا اَلْأَمْرِ عَلَيْكُمْ مِنْ هَؤُلاَءِ اَلْمُدَّعِينَ مَا لَيْسَ لَهُمْ وَ اَلسَّائِرِينَ فِيكُمْ بِالْجَوْرِ وَ اَلْعُدْوَانِ وَ إِنْ أَبَيْتُمْ إِلاَّ كَرَاهِيَةً لَنَا وَ اَلْجَهْلَ بِحَقِّنَا وَ كَانَ رَأْيُكُمُ اَلْآنَ غَيْرَ مَا أَتَتْنِي بِهِ كُتُبُكُمْ وَ قَدِمَتْ بِهِ عَلَيَّ رُسُلُكُمْ اِنْصَرَفْتُ عَنْكُمْ».

فقال له الحرّ: أنا والله لا أدري ما هذه الكتب!

فأمر الحسين (ع) بإخراجها.

فقال الحرّ: إنّا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك.

ثمّ كانت محاورات قال فيها الحرّ: إنّه مأمور ألّا يفارق الحسين (ع) حتّى يقدمه الكوفة.

ثمّ توافقا على أن يسيرا مسيراً لا ينتهي إلى الكوفة حتّى يرون ماذا سيكون.

وانتهى بهم المسير إلى أرض نينوى، وإذا بالكتاب من عبيد الله بن زياد: «أمّا بعد: فجعجع بالحسين حين يبلغك كتابي ويقدم عليك رسولي، ولا تنزله إلّا بالعراء في غير حصن وعلى غير ماء، فقد أمرت رسولي أن يلزمك ولا يفارقك حتّى يأتيني بإنفاذك أمري. والسلام».

ففعل الحرّ بما امر به وأنزلهم حيث لم يكن ماء.

فلمّا كان من الغد قدم عليهم عمر بن سعد بن أبي وقاص من الكوفة في أربعة آلاف فارس.

وراسل عمر بن سعد الحسين (ع) يسأله عن سبب مجيئه، فأجابه: بأنّهم كتبوا إليه في ذلك، فإذا تغيّر رأيهم فسينصرف عنهم.

فكتب عمر بذلك إلى ابن زياد، فأجابه: «... اعرض على الحسين أن يبايع ليزيد هو وجميع أصحابه، فإذا فعل ذلك رأينا رأينا، والسلام».

وتمّ لقاء بين الحسين (ع) وابن سعد بين المعسكرين، وتناجيا فيه طويلاً، ثمّ كتب عمر إلى ابن زياد كتابا جاء فيه: «إنّ الله قد أطفأ النائرة وجمع الكلمة وأصلح أمر الامّة، هذا حسين قد أعطاني أن يرجع إلى المكان الذي أتى منه، أو أن يسير إلى ثغر من الثغور، فيكون رجلا من المسلمين...».

فلمّا قرأ عبيد الله بن زياد الكتاب، قال: «هذا كتاب ناصح مشفق على قومه».

فقام إليه شمر بن ذي الجوشن، فقال: «أتقبل هذا منه وقد نزل بأرضك وإلى جنبك؟ والله لئن رحل من بلادك ولم يضع يده في يدك، ليكوننّ أولى بالقوّة، ولتكوننّ أولى بالضعف والعجز...».

قال له ابن زياد: «نعم ما رأيت، الرأي رأيك، اخرج بهذا الكتاب إلى عمر بن سعد، فليعرض على الحسين وأصحابه النزول على حكمي، فإن فعلوا فليبعث بهم إليّ سلما، وإن هم أبوا فليقاتلهم، فإن فعل فاسمع له وأطع، وإن أبى أن يقاتلهم، فأنت أمير الجيش، واضرب عنقه وابعث إليّ برأسه».

وكتب ابن زياد إلى ابن سعد كتاباً جاء فيه: «انظر فإن نزل حسين وأصحابه على حكمي واستسلموا فابعث بهم إليّ سلما، وإن أبوا فازحف إليهم حتّى تقتلهم وتمثّل بهم فإنّهم لذلك مستحقّون، وإن قتل الحسين فأوطئ الخيل صدره وظهره...».

ولمّا أقبل شمر بكتاب عبيد الله إلى عمر بن سعد، قال له عمر: «ما لك ويلك؟! لا قرّب الله دارك، قبّح الله ما قدمت به عليّ، والله إنّي لأظنّك أنت نهيته أن يقبل ما كتبت به إليه، وأفسدت علينا أمرنا، قد كنّا رجونا أن يصلح، لا يستسلم والله حسين، إن نفس أبيه لبين جنبيه...».

وحاولوا إيقاع الحرب عصر اليوم التاسع من المحرم - أي تاسوعاء - ولكنّ الحسين (ع) استمهلهم ليلة العاشر؛ ليعبد الله فيها، فكان له ولأصحابه في تلك الليلة دويّ كدويّ النحل، فهم ما بين راكع وساجد وقارئ للقرآن، وبين مستعدّ للّقاء.

ولمّا أصبح الحسين (ع) عبّأ أصحابه بعد صلاة الغداة، وكان معه اثنان وثلاثون فارساً، وأربعون راجلاً، فجعل زهير بن القين على الميمنة، وحبيب بن مظاهر على الميسرة، وأعطى رايته العبّاس أخاه، وجعلوا البيوت في ظهورهم.

وروي عن علي بن الحسين زين العابدين أنّه قال: «لَمَّا صَبَّحَتِ اَلْخَيْلُ اَلْحُسَيْنَ [عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ] رَفَعَ اَلْحُسَيْنُ يَدَيْهِ فَقَالَ: اَللهُمَّ أَنْتَ ثِقَتِي فِي كُلِّ كَرْبٍ، وَ رَجَائِي فِي كُلِّ شِدَّةٍ، وَ أَنْتَ لِي فِي كُلِّ أَمْرٍ نَزَلَ بِي ثِقَةٌ وَ عُدَّةٌ، كَمْ مِنْ هَمٍّ يَضْعُفُ فِيهِ اَلْفُؤَادُ وَ تَقِلُّ فِيهِ اَلْحِيلَةُ، وَ يَخْذُلُ فِيهِ اَلصَّدِيقُ وَ يَشْمَتُ فِيهِ اَلْعَدُوُّ، أَنْزَلْتُهُ بِكَ وَ شَكَوْتُهُ إِلَيْكَ، رَغْبَةً مِنِّي عَمَّنْ سِوَاكَ، فَفَرَّجْتَهُ وَ كَشَفْتَهُ، فَأَنْتَ وَلِيُّ كُلِّ نِعْمَةٍ، وَ صَاحِبُ كُلِّ حَسَنَةٍ وَ مُنْتَهَى كُلِّ رَغْبَةٍ».

ثمّ خطبهم ووعظهم وعرّفهم نفسه، ثمّ ساء لهم ما الذي جعلهم يستحلّون دمه؟!

ولكنّ الله قد طبع على قلوبهم، فلم تؤثّر فيهم الموعظة والنصيحة إلّا في من كان أهلا لها.

وانحاز الحر بن يزيد الرياحي - وهو أوّل من لقى الحسين (ع) من قبل ابن زياد - من عسكر ابن سعد وتوجّه نحو الحسين (ع)[٤] وهو يرتعد ويقول لمن سأله عمّا به وعن سبب قدومه: «إني والله اخيّر نَفْسِي بَيْنَ اَلْجَنَّةِ واَلنَّارِ، فَوَ اَللهِ مَا أَخْتَارُ عَلَى اَلْجَنَّةِ شَيْئاً ولَوْ قُطِّعْتُ وحُرِقْتُ».

جاء إلى الحسين (ع) فقال له: «جعلت فداك يا بن رسول الله، أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع، وسايرتك في الطريق، وجعجعت بك في هذا المكان، وما ظننت أنّ القوم يردّون عليك ما عرضته عليهم... وإنّي لتائب إلى الله ممّا صنعت فترى لي من ذلك توبة؟».

فقال له الحسين (ع): «نَعَمْ يَتُوبُ اَللهُ عَلَيْكَ فَانْزِلْ».

ثمّ رمى ابن سعد وقال: «اشهدوا أنّي أوّل من رمى».

نعم، بدأ القتال بين جيشين: أحدهما يقارب المئة أو يتجاوزها قليلاً لكنّهم لبسوا القلوب على الدروع منتظرين لقاء الله تعالى، والآخر أقلّ ما قيل فيه: إنّه كان أربعة آلاف[٥] مقاتل، يعلمون أنّهم يقاتلون ابن بنت نبيّهم (ص).

وعندئذ وقعت الواقعة الكبرى، والكارثة العظمى التي ما زال يعرق لها جبين الإنسانية خجلا ممّا جنته أيدي الطغاة اللئام.

نعم، استشهد الإمام الحسين (ع) وولداه[٦]، وإخوته[٧]، وبنو أخيه الحسن (ع)[٨]، وبنو عمومته [٩]، وأصحابه [١٠] بأبشع ما يتصوّره الإنسان، واحتزّوا رؤوسهم، وسلبوهم، وأجروا الخيل على صدورهم، وأحرقوا بيوتهم، وسبوا الأطفال والنساء، وساقوهنّ كما تساق الإماء، لم تراع لرسول الله (ص) فيهم حرمة، ولم يمتثل قول الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى[١١]، بل امتثلوا قول ابن مرجانة لعنة الله عليه وعلى من ولّاه وتولّاه إلى يوم الدين، آمين ربّ العالمين.

دوافع النهضة الحسينيّة

أمّا الدوافع التي حدت بالحسين (ع) إلى النهوض، فهي:

أوّلاً: تولّي الخلافة عن رسول الله (ص) من قبل رجل فاسق فاجر لا يعرف عن الإسلام شيئا، وهو يزيد بن معاوية.

وقد أشار الإمام الحسين (ع) إلى ذلك مراراً أثناء رسائله وخطبه، فمن ذلك:

ما كتبه جوابا عمّا أرسله إليه معاوية، وقد جاء فيه: «واعلم: أنّ الله ليس بناس لك قتلك بالظنّة، وأخذك بالتهمة، وإمارتك صبيّا يشرب الشراب ويلعب بالكلاب [١٢]، وما أراك إلّا وقد أوبقت نفسك وأهلكت دينك، وأضعت الرعية، والسلام» [١٣].

ما قاله جوابا لـ الوليد بن عتبة: «أيّها الأمير، إنّا أهل بيت النبوّة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، ومهبط الوحي، بنا فتح الله وبنا ختم، ويزيد رجل فاسق شارب الخمور قاتل نفس محرّمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله...» [١٤].

ثانياً: أنّه (ع) كان يرى نفسه أحقّ بالخلافة من يزيد، وقد أشار إلى ذلك كراراً في خطبه أيضاً، فمن ذلك: ما قاله عند لقائه للـ حر بن يزيد الرياحي، وجاء فيه: «وَ نَحْنُ أَهْلُ بَيْتِ مُحَمَّدٍ وَ أَوْلَى بِوَلاَيَةِ هَذَا اَلْأَمْرِ عَلَيْكُمْ مِنْ هَؤُلاَءِ اَلْمُدَّعِينَ مَا لَيْسَ لَهُمْ وَ اَلسَّائِرِينَ فِيكُمْ بِالْجَوْرِ وَ اَلْعُدْوَانِ»[١٥].

وما جاء في رسالته إلى رؤوس الأخماس [١٦] بالبصرة، وأشرافها، وهو قوله (ع): «أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ اَللهَ اِصْطَفَى مُحَمَّداً صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ [وَ آلِهِ] وَ سَلَّمَ عَلَى خَلْقِهِ، وَ أَكْرَمَهُ بِنُبُوَّتِهِ، وَ اِخْتَارَهُ لِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ قَبَضَهُ اَللهُ إِلَيْهِ وَ قَدْ نَصَحَ لِعِبَادِهِ وَ بَلَّغَ مَا أُرْسِلَ بِهِ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ [وَ آلِهِ] وَ سَلَّمَ وَ كُنَّا أَهْلَهُ وَ أَوْلِيَاءَهُ وَ أَوْصِيَاءَهُ وَ وَرَثَتَهُ وَ أَحَقَّ اَلنَّاسِ بِمَقَامِهِ فِي اَلنَّاسِ، فَاسْتَأْثَرَ عَلَيْنَا قَوْمُنَا بِذَلِكَ، فَرَضِينَا وَ كَرِهْنَا اَلْفُرْقَةَ وَ أَحْبَبْنَا اَلْعَافِيَةَ، وَ نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّا أَحَقُّ بِذَلِكَ اَلْحَقِّ اَلْمُسْتَحَقِّ عَلَيْنَا مِمَّنْ تَوَلاَّهُ» [١٧].

ثالثاً: كثرة الرسائل والكتب التي أرسلت إليه من قبل أهل الكوفة، وقد أشار إلى ذلك في خطبه واحتجاجاته، منها عند لقائه للحرّ، ويوم عاشوراء، فممّا قاله يوم عاشوراء: «يَا شَبَثَ بْنَ رِبْعِيٍّ يَا حَجَّارَ بْنَ أَبْجَرَ يَا قَيْسَ بْنَ اَلْأَشْعَثِ يَا يَزِيدَ بْنَ اَلْحَارِثِ أَ لَمْ تَكْتُبُوا إِلَيَّ أَنْ قَدْ أَيْنَعَتِ اَلثِّمَارُ وَ اِخْضَرَّ اَلْجَنَابُ وَ إِنَّمَا تَقْدَمُ عَلَى جُنْدٍ لَكَ مُجَنَّدٍ» [١٨].

وكانت الكتب الموجّهة إليه - من شيعته وغيرهم، ممّن ثبت على ولايته وممّن انحرف - كثيرة جدّاً [١٩]، فكتب في جوابهم: «بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ مِنَ اَلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ إِلَى اَلْمَلَإِ مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ وَ اَلْمُؤْمِنِينَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ هَانِئاً وَ سَعِيداً قَدِمَا عَلَيَّ بِكُتُبِكُمْ وَ كَانَ آخِرَ مَنْ قَدِمَ عَلَيَّ مِنْ رُسُلِكُمْ وَ قَدْ فَهِمْتُ كُلَّ اَلَّذِي قَصَصْتُمْ وَ ذَكَرْتُمْ وَ مَقَالَةَ أَجِلاَّئِكُمْ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْنَا إِمَامٌ فَأَقْبِلْ لَعَلَّ اَللهَ يَجْمَعُنَا بِكَ عَلَى اَلْهُدَى وَ أَنَا بَاعِثٌ إِلَيْكُمْ أَخِي وَ اِبْنَ عَمِّي وَ ثِقَتِي مِنْ أَهْلِ بَيْتِي فَإِنْ كَتَبَ إِلَيَّ أَنَّهُ قَدْ أَجْمَعَ رَأْيُ أَجِلاَّئِكُمْ وَ ذَوِي اَلْحِجَى وَ اَلْفَضْلِ مِنْكُمْ عَلَى مِثْلِ مَا قَدِمَتْ بِهِ رُسُلُكُمْ وَ قَرَأْتُ كُتُبَكُمْ قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ وَشِيكاً إِنْ شَاءَ اَللهُ فَلَعَمْرِي مَا اَلْإِمَامُ إِلاَّ اَلْحَاكِمُ بِالْكِتَابِ اَلْقَائِمُ بِالْقِسْطِ وَ اَلدَّائِنُ بِدِينِ اَللهِ اَلْحَابِسُ نَفْسَهُ عَلَى ذَاتِ اَللهِ وَ اَلسَّلاَمُ»[٢٠].

رابعاً: هذا كلّه بحسب ظواهر الأمور، وأمّا بحسب الواقع فكلّ إمام - في معتقد الإمامية - مأمور بأمور يسير وفقها، والإمام الحسين (ع) كذلك، وقد كان هذا الأمر ظاهرا من كلماته وخطبه في طول طريقه من مكّة إلى كربلاء؛ لأنّه أقدم على ما فعله مع علم مسبق بما سيؤول إليه الأمر الذي أخبره به جدّه وأبوه عليهما السّلام [٢١].

نتائج النهضة

لقد استشهد الإمام الحسين (ع) هو وأهل بيته وأصحابه، وأسرت نساؤه وسائر أهل بيته، إلّا أنّ الآثار التي ترتّبت على قيامه ضدّ السلطة الأموية عظيمة جدّا، من أهمّها:

أوّلاً: زعزعة السلطة الأموية بإيجاد الشكّ في مشروعيّتها، وكان من آثار هذا التزلزل:

١. امتناع معاوية بن يزيد بن معاوية عن الاستخلاف من بعده، وانتقال الحكم من بني اميّة إلى مروان وبنيه[٢٢].
٢. ظهور الثورات العديدة ضدّ الحكم الأموي، وقد بدأ ذلك بقيام أهل المدينة بقيادة عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة سنة ٦٢ ه، بهدف خلع يزيد؛ لمّا شاهدوا فسقه وفجوره وهتكه حرم الله وحرم رسوله (ص).

ثمّ قيام التوّابين - الذين ندموا على عدم التحاقهم بالحسين (ع) وعدم نصرتهم له - سنة ٦٥ ه بقيادة سليمان بن صرد الخزاعي.

ثمّ قيام المختار بهدف الأخذ بثأر الحسين (ع) سنة ٦٦ ه [٢٣]. وثورات أخرى.

ثانياً: بيان انحطاط الحكم الأموي لارتكابه أبشع الجرائم وأفضعها تجاه أهل بيت النبيّ (ص) الذين أمر الله تعالى بمودّتهم، ووصّى النبيّ (ص) بمحبّتهم.

ثالثاً: الدروس والعبر التي خلّفتها النهضة والتي تجلّت بها المثل العليا في الخطّ العلوي مقابل الانحطاط في الخطّ الأموي، ومن نماذجها:

١. التضحية بكلّ ما يملكه الإنسان من غال ونفيس - حتّى الطفل الرضيع - في سبيل الله وإعلاء كلمته.
٢. الإباء عن قبول الضيم والذلّ مهما كانت النتيجة، وقد أشار إلى ذلك الإمام الحسين (ع) نفسه في قوله يوم عاشوراء - حينما قال له قيس بن الأشعث: «انزل على حكم بني عمّك، فإنّهم لم يريدوا بك إلّا ما تحبّ» -: «لاَ وَ اَللهِ لاَ أُعْطِيكُمْ بِيَدِي إِعْطَاءَ اَلذَّلِيلِ وَ لاَ أُقِرُّ لَكُمْ إِقْرَارَ اَلْعَبِيدِ» [٢٤].

وقال أيضا: «أَلاَ وَ إِنَّ اَلدَّعِيَّ اِبْنَ اَلدَّعِيِّ قَدْ رَكَزَ بَيْنَ اِثْنَتَيْنِ اَلسِّلَّةِ وَ اَلذِّلَّةِ وَ هَيْهَاتَ مِنَّا اَلذِّلَّةُ يَأْبَى اَللهُ لَنَا ذَلِكَ وَ رَسُولُهُ وَ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ حُجُورٌ طَابَتْ وَ حُجُورٌ طَهُرَتْ وَ نُفُوسٌ أَبِيَّةٌ»[٢٥].

وقال عمر بن سعد لشمر: «.. لا يستسلم والله حسين، إنّ نفس أبيه لبين جنبيه...» [٢٦].

٣. ظهور التقابل والتباين التامّ بين الإمام الحسين (ع) وبين أعدائه، ومن نماذجه:
أ. التقابل في الهدف، فإنّ الدافع الذي كان يقود الإمام الحسين (ع) وأصحابه نحو الجهاد والتضحية إنّما كان دافعاً إلهيّا لا غير، وحتّى الرسائل التي أرسلت إليه إنّما كانت محفّزا وحجّة للقيام، لا داعياً واقعياً، بل كان الدافع الواقعي هو إصلاح أمر الخلافة والامّة كما صرّح بذلك مرارا.

في حين كان دافع من حاربه ومن ألّبهم على ذلك هو الدفاع عن السلطة الأموية في مقابل الوعود والتهديدات التي كانوا يتلقّونها من ذوي السلطة، وقد قال معاوية مخاطبا أهل الكوفة بعد الصلح بينه وبين الإمام الحسن (ع): «إِنِّي وَ اَللهِ مَا قَاتَلْتُكُمْ لِتُصَلُّوا وَ لاَ لِتَصُومُوا وَ لاَ لِتَحُجُّوا وَ لاَ لِتُزَكُّوا إِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَ لَكِنِّي قَاتَلْتُكُمْ لِأَتَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ وَ قَدْ أَعْطَانِيَ اَللهُ ذَلِكَ وَ أَنْتُمْ لَهُ كَارِهُونَ»[٢٧].

إذا كان هذا هو الدافع لمعاوية في حربه للحسن (ع)، فإنّ دافع يزيد كان ذلك بطريق أولى.

ب. التقابل في السيرة والعمل، فإنّ الحسين (ع) كان عاملاً بجميع المبادئ الإنسانية، في الوقت الذي فقد أعداؤه كلّ تلك المبادئ ومثلها، ومن أمثلة ذلك:

عدم بدء الإمام الحسين (ع) بالقتال مهما كثرت الحركات الاستفزازية من أعدائه [٢٨].

وهذه كانت سيرة أخيه وأبيه من قبل. في حين كان أعداؤه هم البادئين بالحرب.

سقيه (ع) جيش الحرّ وقد أجهدهم العطش وبلغ عددهم الألف، مع أنّه كان قد جاء لإلقاء القبض على الحسين (ع) [٢٩].

في حين أنّ أعداءه منعوا الماء عنه وعن أهل بيته وفيهم النساء والأطفال والرضّع عدّة أيام [٣٠].

وقد سبقت هذه السجية يوم عاشوراء، فإنّ معاوية لمّا استولى على ماء الفرات في صفّين منع أصحاب عليّ (ع) الشرب منه، ولكن لمّا استولى عليّ وأصحابه عليه وهزموا أصحاب معاوية أذن لهم أن يشربوا منه [٣١].

أمر ابن زياد عمر بن سعد أن يمثّل بالحسين (ع) وأصحابه، وأن يوطئ الخيل صدره وظهره، وهو سبط الرسول (ص) [٣٢].

وفي مقابله نرى نهي عليّ (ع) لأولاده عن التمثيل بقاتله عبد الرحمن بن ملجم؛ لأنّ الرسول (ص) نهى عن المثلة ولو بالكلب العقور[٣٣].

والنماذج من هذا القبيل كثيرة جدّاً، وهي بحاجة إلى استقراء وبحث مستقلّ - ليتبيّن للناس بشكل أوضح حقيقة المنهجين: منهج عليّ وبنيه (ع)، ومنهج أعدائه، وتتّضح معالمهما وفوارقهما، وتفوّق المنهج العلوي - الذي ينبع من عين الحقيقة الإلهيّة - والإسلام الأصيل - على غيره من المناهج.

خلفيات النهضة الحسينية

من جملة العوامل والخلفيات التي أدت إلى نهضة الإمام الحسين العظيمة وخلقت المأساة المؤلمة التي حدثت في كربلاء ما يلي:

  1. انعدام شرعية الحاكم: لم تتفق المذاهب الإسلامية بأسرها على معايير شرعية الحكم في الإسلام؛ هل هي إلهية بحتة؛ ليست بيد الناس كما تقول الإمامية؟ أم فوّض الله أمرها إلى الناس، فتأتي مثلاً من خلال الشورى ومبايعة أهل الحل والعقد من المسلمين للحاكم على أساس الاختيار والرضا كما تقول مذاهب أهل السنة. ولم تتفق كلمة المسلمين أيضاً على الصفات اللازمة والمؤهلات الضرورية في الحاكم؛ كالعدالة (ومنها: الالتزام بأحكام الشريعة)، والكفاءة، والقدرة على إدارة شؤون المسلمين، ومراعاة مصلحةالمسلمين وعدم إضراره بهم، وغير ذلك. ومع هذا، فإنّ أدنى درجات هذه المعايير لم تكن تنطبق على زعيم المجتمع الإسلامي في ذلك العصر؛ ألا وهو يزيد بن معاوية، فهو لم يكن فقط لا يمتلك الشروط اللازمة لتولي منصب الحكم بل كان يزاول الفسق والفجور في وضح النهار. وهذا ما أفقده الشرعية عند السواد الأعظم من المسلمين إلا أولئك الذين اختلقوا نظرية الطاعة العمياء لمن يستولي على سدة الحكم بأي وجه كان.
  2. تراجع المثل والقيم: ابتليت أمة الإسلام في العهود التي تلت عصر الرسالة بآفات وتحديات كبرى؛ لا سيما بعد استيلاء بني أمية على الحكم في عهد عثمان بن عفان، ومعاوية بن أبي سفيان، ووصولاً إلى يزيد. من بين تلك الآفات والتحديات: عدم التزام الحكام والأمراء والقادة بالضوابط الدينية والقيم الأخلاقية التي جاء بها الإسلام؛ فقد صلى أمير الكوفة على عهد عثمان (الوليد بن عقبة) بالناس وهو سكران، ولم يخف يزيد إدمانه الخمر ومجالس اللهو، وانحرف كثير من أمراء بني أمية وولاتهم عن السلوك القويم، وتفشى الظلم والفساد المالي في صفوف كبار رجال الدولة كما ينقله التاريخ عن ممارسات المغيرة بن شعبة وزياد بن أبيه وابنه عبيد الله، وقد طغت المصالح الشخصية والفئوية على مصلحة المجتمع؛ حيث رجّح الأمويون بني قرابتهم على الكفاءات من غيرهم، وغابت القدوات والنماذج الحسنة التي يحتذي بها الناس، وتناسى المجتمع تدريجياً القيم الروحية والمعنوية.
  3. تفشي الفساد الإداري: ابتنى النظام الحكومي الأموي سواء على عهد عثمان، أو معاوية ويزيد على الاستئثار بالسلطة وانعدام الحكم القائم على احترام القانون المتمثل بالشريعة المتخذة من الكتاب والسنة، فغابت القواعد والضوابط التي تؤطر سياسات الأمراء، ولم تكن هناك قوانين أو معايير تُطبَّق على الولاة والمسؤولين. وبناء على ذلك: انعدمت الرقابة على أداء رجال الدولة، ولم يكونوا يخشون المساءلة عن ممارساتهم وسوء استخدامهم للسلطة، وتفشت المحسوبيات والعصبيات القبلية وإيثار الأقارب والأخلاء في التعيينات الإدارية، وانتشرت ظاهرة شراء الذمم بالمال لقاء تقديم خدمات لرجال الدولة، ولم يتوانوا عن استغلال السلطة لتحقيق مكاسب شخصية ومآرب حزبية وفئوية ضيقة، فأدى كل ذلك إلى انتشار الظلم والفساد الإداري في جميع مفاصل الدولة الأموية.
  4. انتشار البدع في الدين: انتشرت البدع والإضافات في الدين، وأصبح المذهب وسيلة لتخدير الناس وتحقيق رغبات الحكام والفاسدين.
  5. طغيان حب الدنيا: حب الدنيا والمادية طرد الآخرة والقيم الدينية من الأذهان.
  6. تغلل روح الخوف والانهزامية: الخوف وحب الدنيا أضعف المتدينين وجعلهم يستسلمون للأحداث، ولم يعد هناك مجال للشجاعة والفروسية سوى في الأساطير.

وكنتيجة لما تقدم: كانت مبادئ المجتمع الذي أسسه النبي محمد(ص) على شفا الزوال، ونُسيت التقاليد والقيم الدينية. وبلغ الانحطاط الديني والأخلاقي والثقافي للمجتمع ذروته، خاصة في النصف الأول من القرن الرابع الهجري. فمنذ عهد الخليفة الثالث، انتشر الإقطاع والهبات اللامحدودة من بيت المال للأقارب والمقربين، وفُرض سيطرة المنفيين في عهد النبوة على شؤون المجتمع الإسلامي، وفي النهاية مُنح الحزب الأموي السلطة مما حوّل الخلافة الإسلامية إلى ملك كسرى وقيصر.

فمن عليه أن يقوم بالإصلاح؟ شخص ثوري وإصلاحي! ولكن من يعترض على مفاسد المجتمع ويدّعي الإصلاح، يجب أن يكون صالحاً قبل أن يصبح مصلحاً. لأن المثالية والإصلاحية لا تقتصر على الكلام والشعارات، بل تتطلب مواجهة المشكلات والآفات.

لذلك، يجب أن يكون المصلح واعياً ومجتهداً وحكيماً قادراً على الإدارة والتدبير، لأن الإصلاح الإسلامي حركة ثورية. إنها ثورة في الأفكار والثقافة والأخلاق وعقلية البشر، وفي الوقت نفسه تغيير للأنظمة الاجتماعية الفاسدة السائدة. لذلك، الإصلاح الإسلامي هو تغيير يهدف لنمو الإنسان وكماله، يتطلب محاربة العادات السيئة، وفي الوقت نفسه إلزام الأنظمة الاجتماعية باحترام الحقوق والعدالة.

لهذا أوجب النبي الأكرم(ص) على المسلمين الملتزمين جهادَين: الجهاد الأكبر أو الكفاح ضد تجاوزات النفس وغطرستها، والجهاد الأصغر أو الكفاح ضد أعداء المجتمع الإسلامي الداخليين والخارجيين. وعندما كان المجتمع البشري غارقاً في الفساد، كان الأئمة يدعون أتباعهم إلى الجهادين من أجل الإصلاح. فالإمام الحسين(ع) بقيامه ضد الظلم والفساد، أعدّ الأرضية للثورة الاجتماعية، وفي الوقت نفسه دعا أنصاره إلى تزكية النفس والتقوى.

وهذا مهم ليس فقط من أجل الهدف الذي يسعى إليه الإسلام وهو تربية البشر الطاهرين الإلهيين، ولكن أيضاً من الناحية العقلانية؛ لأنه إذا لم يكن المصلحون أنفسهم أصلحين، فلن يفهموا معنى الإصلاح بشكل صحيح ولن يتمكنوا من القضاء على الفساد. ففي مسار النضال قد يستسلمون للفساد قبل أن يصلحوا الآخرين، كما حدث لكثير من المناضلين والمصلحين الذين استسلموا للعدو بسبب قلة التزكية والتقوى، أو بعد النصر أسسوا أنظمة فاسدة بسبب الرذائل الأخلاقية، وفي بعض الأحيان أصبحوا أسوأ من الأنظمة السابقة. فانتصار العباسيين على الأمويين وما تبعه من فساد في أجهزتهم، شاهد واضح على ذلك.

ومن ناحية أخرى، فإن الإصلاح الفردي بمعزل عن الإصلاح الاجتماعي لا يؤدي إلى شيء. لأن نمو الإنسان وتطوره مرهون بهذه النضالات الاجتماعية.

لذلك، يؤكد الإسلام على إصلاح القيادة السياسية للمجتمع، ويحرّض أتباعه على الحكام الفاسدين لتهديد الأنظمة الظالمة وإعادة القيادة إلى الصالحين المتقين. كما بيّن الإمام الحسين(ع) دافع قيامه قائلاً: «أَيُّهَا النّاسُ؛ إِنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: «مَنْ رَأى سُلْطاناً جائِراً مُسْتَحِلاًّ لِحُرُمِ اللهِ، ناكِثاً لِعَهْدِ اللهِ، مُخالِفاً لِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ، يَعْمَلُ فِي عِبادِاللهِ بِالاِثْمِ وَ الْعُدْوانِ فَلَمْ يُغَيِّرْ عَلَيْهِ بِفِعْل، وَ لاَ قَوْل، كانَ حَقّاً عَلَى اللهِ أَنْ يُدْخِلَهُ مَدْخَلَهُ».

فالإسلام يؤكد الإصلاح السياسي من خلال تغيير الحكام الفاسدين، وهو ما قام به الإمام الحسين(ع).

قال الإمام الحسين: «أَيُّهَا النّاسُ؛ ألا وَ إِنَّ هؤُلاءِ قَدْ لَزِمُوا طاعَةَ الشَّيْطانِ، وَ تَرَكُوا طاعَةَ الرَّحْمنِ، وَ اَظْهَرُوا الْفَسادَ، وَ عَطَّلُوا الْحُدُودَ وَاسْتَأْثَرُوا بِالْفَيءِ، وَ أَحَلُّوا حَرامَ اللهِ، وَ حَرَّمُوا حَلالَ اللهِ، وَ أَنَا أَحَقُّ مَنْ غَيَّرَ»[٣٤].[٣٥]

ثورة أم تمرد

كانت حركة الإمام الحسين(ع) على شكل امتناع عن مبايعة يزيد وهجرة إلى مكّة ومنها إلى كربلاء. وهي حركة مستمدة من القرآن ومن سنة الرسول (ص)، وعلى اساس العمل بالتكليف في مقابل حكومة الجور والولاة الفسقة، ولمحاربة البدع ومحاولات اعادة التقاليد الجاهلية.

وهذا ما يتّضح جليا من مجموع أحاديثه وخطبه وماهية ثورته، ومن خلال الاسلوب الذي انتهجه الامويون. وبما ان تلك الحركة قائمة على مبدأ «ولاية الصالحين» والفلسفة السياسية الأصيلة للإسلام، وانه قد قام اداء لواجبه في الإمامة ونهيا عن المنكر واحياء لسيرة الرسول (ص)، فقد اتّخذت ثورته طابعاً عقائدياٌ، إلّا ان اتباع بني أميّة في تلك العصور أو في العصور اللاحقة وحتّى وقتنا الحالي سعوا إلى ابراز ثورته وكأنها نوع من التمرد، والفتنة، وتفرقة الامّة، والعصيان على الخلافة، لأجل اعطاء الحق ليزيد في قتله، والادعاء بأنه قد قتل عاصيا متمرّدا ضد الخلافة، ويستندون في ادعائهم ذاك إلى أحاديث وردت عن الرسول (ص) امر فيها بقتل من يشقّ وحدة الامة، ويقولون: «قُتل الحسين بسيف جدّه»، في حين ان هذا الحديث على فرض صحته ـ يختص بحالة كون الحكومة إسلامية، والحاكم ملتزماً وعادلاً، ويريد المتمرد اثارة الفتنة والفرقة، ولكن لا الحكومة الأموية كانت مشروعة ولا بيعة الناس كانت بالحرية والاختيار، ولا الحكام كانوا يعملون وفقا للدين والعدل، ولا كانوا يتورعون عن الفسق والفجور والمحرمان، ولا اموال ونفوس واعراض المسلمين المخلصين كانت في مأمن من ظلم يزيد وولاته، وعلى هذا فان الجهاد ضد مثل هذه الحكومة كان تكليفا شرعيا على الإمام الحسين (ع).

على الرغم من ان الحسين(ع) كان يدرك انّه لن يحقق نصراً عسكرياً سريعاً في تلك الظروف، إلّا انّه لم يلق بنفسه إلى الموت بلا تفكير أو برنامج تخطيط، فالنتائج البعيدة المدى لتلك الثورة الدامية ودورها في توعية الناس، وكشف الوجه الظالم للحكام، واثارة دوافع الجهاد لدى ابناء الامّة وصيانة الدين من الضياع، والاهم من كل ذلك وان اريقت دماؤه ودماء انصاره على هذا الطريق. وبما انّه كان يعلم انّه سيقتل على كل حال لذلك فكر بان يستشهد على افضل طريقة مؤثّرة لتكون درسا للاجيال. وفي الواقع ان سلاحه كان الشهادة، وكان «النصر للدم على السيف» على المدى البعيد.[٣٦]

فلسفة قيام الإمام الحسين

أهداف قيام الإمام الحسين

دوافع قيام الإمام الحسين

منهجية قيام الإمام الحسين

عناصر قيام الإمام الحسين

الاهتمام بالدين

تشكيل حكومة دينية

نبذ الفردية والقيام الإلهي

وحدة قراءة الدين كأساس للإصلاح الحسيني

الإصلاح الشامل

آثار قيام الإمام الحسين

أسس التجديد في حركة الإمام الحسين

إحياء الدين والإصلاح الاجتماعي

الإصلاح السياسي ومحاربة سلطة بني أمية

الإصلاح الاجتماعي ومحاربة البدع والخرافات وإحياء سنة النبي

الإصلاح الثقافي ومواجهة الانحرافات

أسباب عدم قيام الإمام الحسين في عهد معاوية

المراجع والمصادر

  1.   جواد المحدثي، موسوعة عاشوراء

الهوامش

  1. ما ذكرناه في هذا الموضوع مقتبس من كتاب الإرشاد (للمفيد) ٢: ٣٢ - ١٢٢، وإعلام الورى (للطبرسي) ٢: ٤٣٤ - ٤٧٧. ويلاحظ أيضا تاريخ الطبري: حوادث السنتين: ٦٠ و٦١.
  2. سورة القصص، الآية ٢١.
  3. وفيهما قال عبد الله بن الزبير الأسدي:
    إن كنت لا تدرين ما الموت فانظريإلى هانئ في السوق وابن عقيل‏


    إلى آخر الأبيات، انظر الإرشاد ٢: ٦٤.

  4. انحاز إلى الحسين (ع) من جيش عمر بن سعد أشخاص آخرون أيضا.
  5. هؤلاء جاءوا مع ابن سعد، وقد جاء قبلهم ألف مع الحرّ، وكان يأتي المدد باستمرار، وقد قيل في عددهم: - - إنّهم كانوا ثلاثين ألفا.
  6. وهما: عليّ وعبد الله الرضيع عليهما السّلام.
  7. وهم: العبّاس، وعبد الله، وجعفر، وعثمان، امّهم امّ البنين؛ وعبيد الله، وأبو بكر، امّهما ليلى بنت مسعود الثقفية.
  8. وهم: القاسم، وأبو بكر، وعبد الله.
  9. وهم: محمّد وعون ابنا عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وامّهما زينب بنت عليّ عليها السّلام؛ وعبد الله وجعفر وعبد الرحمن أبناء عقيل بن أبي طالب؛ ومحمّد بن أبي سعيد بن عقيل بن أبي طالب سلام الله ورحمته عليهم أجمعين.
  10. ومنهم: حبيب بن مظاهر الأسدي، ومسلم بن عوسجة، وزهير بن القين، وبرير بن خضير الهمداني، والحرّ بن يزيد الرياحي، و...
  11. سورة الشورى، الآية ٢٣.
  12. قال المسعودي: «وكان يزيد صاحب طرب وجوارح وكلاب وقرود وفهود ومنادمة على الشراب، وجلس ذات يوم على شرابه، وعن يمينه ابن زياد، وذلك بعد قتل الحسين، فأقبل على ساقيه، فقال:
    اسقني شربة تروّي مشاشيثمّ مل فاسق مثلها ابن زياد‏
    صاحب السرّ والأمانة عنديولتسديد مغنمي وجهادي‏


    ثمّ أمر المغنّين فغنّوا به. -

    - وغلب على أصحاب يزيد وعمّاله ما كان يفعله من الفسوق. وفي أيامه ظهر الغناء بمكّة والمدينة، واستعملت الملاهي، وأظهر الناس شرب الشراب...». مروج الذهب ٣: ٦٧.

  13. الإمامة والسياسة: ١٥٧.
  14. مقتل الخوارزمي: ١٨٤، نقلا عن أحمد بن أعثم الكوفي.
  15. الإرشاد ٢: ٧٩، وتاريخ الطبري ٤: ٣٠٣.
  16. قسّمت البصرة خمسة أخماس: العالية، وبكر بن وائل، وتميم، وعبد القيس، والأزد. انظر لسان العرب: «خمس».
  17. وقعة الطفّ: ١٠٧.
  18. الإرشاد ٢: ٩٨.
  19. انظر الإرشاد ٢: ٣٦ - ٣٨.
  20. الإرشاد ٢: ٣٩.
  21. انظر: الإرشاد ٢: ١٢٩ - ١٣٢، ومقتل المقرّم: ٥٢ - ٥٥ و١٤٩ و١٥١ و١٩٤ و١٩٦ و٢٠٥ و٢١٣ و٢١٧ و٢١٩.
  22. قال المسعودي: «وملك معاوية بن يزيد بن معاوية بعد أبيه، فكانت أيّامه أربعين يوما إلى أن مات، وقيل: شهرين...». ثمّ قال: «ولمّا حضرته الوفاة اجتمعت إليه بنو اميّة فقالوا له: اعهد إلى من رأيت من أهل بيتك، فقال: والله ما ذقت حلاوة خلافتكم، فكيف أتقلّد وزرها؟ وتتعجّلون أنتم حلاوتها، وأتعجّل مرارتها، اللهمّ إنّي بريء منها، متخلّ عنها...». ثمّ قال: «فقالت له امّه: ليت أنّي خرقة حيضة ولم أسمع منك هذا الكلام، فقال لها: وليتني يا امّاه خرقة حيض ولم أتقلّد هذا الأمر، أتفوز بنو اميّة بحلاوتها وأبوء بوزرها ومنعها أهلها؟ كلّا! إنّي لبريء منها». ثمّ ذكر الاختلاف في سبب موته. انظر مروج الذهب ٣: ٧٢ - ٧٣.
  23. انظر شرح هذه الثورات في تاريخ الطبري: حوادث السنوات ٦٢ و٦٥ و٦٦.
  24. انظر: الإرشاد ٢: ٩٨، وإعلام الورى ١: ٤٥٩، وتاريخ الطبري ٤: ٣٢٣، والكامل في التاريخ ٤: ٦٢ - ٦٣.
  25. انظر: شرح النهج ٣: ٢٤٩ - ٢٥٠، وأعيان الشيعة ١: ٦٠٣.
  26. انظر: الإرشاد ٢: ٨٩، وإعلام الورى ١: ٤٥٤، وتاريخ الطبري ٤: ٣١٥، وفيه: «... نفسا أبيّة».
  27. شرح النهج ١٦: ٤٦، وانظر الإرشاد ٢: ١٤.
  28. قاله أكثر من مرّة، فمن ذلك: عند لقائه جيش الحرّ واقتراح زهير بن القين قتالهم، ويوم عاشوراء. انظر الإرشاد ٢: ٨٤ و٩٦.
  29. انظر الإرشاد ٢: ٧٨.
  30. انظر الإرشاد ٢: ٨٦.
  31. انظر تاريخ الطبري ٣: ٥٦٦ - ٥٦٩.
  32. كتب ابن زياد إلى ابن سعد: «وإن قتل الحسين فأوطئ الخيل صدره وظهره...». الإرشاد ٢: ٨٨.
  33. قال الإمام (ع) في وصيّته: «انظروا إذا أنا متّ من ضربته هذه، فاضربوه ضربة بضربة، ولا تمثّلوا بالرجل، فإنّي سمعت رسول الله (ص) يقول: " إيّاكم والمثلة ولو بالكلب العقور "». نهج البلاغة: ٤٢٢، قسم الرسائل، الرسالة ٤٧.
  34. محمد بن جرير طبري، تاريخ الطبري، ج٥، ص ٤٠٢.
  35. مقالة «نهضة الإمام الحسين»، موسوعة الإمامة والولاية (الصفحة الفارسية).
  36. جواد المحدثي، موسوعة عاشوراء، ص ١١٤.