أبو ذر الغفاري في التاريخ الإسلامي

من إمامةبيديا

نبذة

جندب بن جنادة هو أبوذر الغفاري، أحد الأركان الأربعة[١]، وهو الزاهد المشهور، والصادق المتهجّد بشهادة النبي(ص)[٢]، وكان خامس من أسلم[٣]، وتوفّي بالربذة سنة ٣١ أو سنة ٣٢، وصلّى عليه ابن مسعود ثم مات بعده في ذلك العام[٤].

قال ابن الأثير في أُسد الغابة: أبو ذرّ، أسلم والنبي(ص) بمكة أول الإسلام، وكان رابع أربعة، وقيل: خامس خمسة، واختلف في اسمه ونسبه اختلافاً كثيراً، وهو أول من حيّا رسول الله بتحية الإسلام.

ولما أسلم رجع إلى بلاد قومه فأقام بها، حتى هاجر النبي(ص) فأتاه بالمدينة بعد ما ذهبت بدر و أُحد والخندق، وصحبه إلى أن مات، وكان يعبد الله قبل مبعث النبي بثلاث سنين، وبايع النبي على أن لا تأخذه في الله لومة لائم، وعلى أن يقول الحق وإن كان مرّاً.

وعن أبي الأسود الدولي، عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله(ص) يقول: "مَا أَظَلَّتِ اَلْخَضْرَاءُ وَ لاَ أَقَلَّتِ اَلْغَبْرَاءُ أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ "[٥].

أقول: ويأتي هذا الخبر بطرقنا[٦].

قال: وروي أن النبي قال: " أَبُو ذَرٍّ يَمْشِي فِي اَلْأَرْضِ بِزُهْدِ عِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ".

ثم قال: وروى عنه عمر بن الخطاب وابنه عبد الله، و ابن عباس، وغيرهم من الصحابة، ثم هاجر إلى الشام بعد وفاة أبي بكر، فلم يزل بها حتى ولّي عثمان، فاستقدمه لشكوى معاوية منه، فأسكنه الربذة حتى مات بها.

وعن أبي إدريس، عن أبي ذرّ، عن رسول الله(ص)، عن جبرئيل، عن الله تبارك وتعالى أنه قال: " يا عِبادي، إنِّي حَرَّمتُ الظُّلمَ على نَفسي، وجَعَلتُه بينَكُم مُحَرَّمًا، فلا تَظالَموا، يا عِبادي، كُلُّكُم ضالٌّ إلَّا مَن هَدَيتُه، فاستَهدوني أهدِكُم، يا عِبادي، كُلُّكُم جائِعٌ إلَّا مَن أطعَمتُه، فاستَطعِموني أُطعِمكُم، يا عِبادي، كُلُّكُم عارٍ إلَّا مَن كَسَوتُه، فاستَكسوني أكسُكُم، يا عِبادي، إنَّكُم تُخطِئونَ باللَّيلِ والنَّهارِ، وأنا أغفِرُ الذُّنوبَ جَميعًا، فاستَغفِروني أغفِرْ لَكُم، يا عِبادي، إنَّكُم لَن تَبلُغوا ضَرِّي فتَضُرُّوني، ولَن تَبلُغوا نَفعي فتَنفَعوني، يا عِبادي، لو أنَّ أوَّلَكُم وآخِرَكُم وإنسَكُم وجِنَّكُم كانوا على أتقى قَلبِ رَجُلٍ واحِدٍ مِنكُم، ما زادَ ذلك في مُلكي شيئًا، يا عِبادي، لو أنَّ أوَّلَكُم وآخِرَكُم وإنسَكُم وجِنَّكُم كانوا على أفجَرِ قَلبِ رَجُلٍ واحِدٍ ما نَقَصَ ذلك مِن مُلكي شيئًا، يا عِبادي، لو أنَّ أوَّلَكُم وآخِرَكُم وإنسَكُم وجِنَّكُم قاموا في صَعيدٍ واحِدٍ فسَألوني، فأعطَيتُ كُلَّ إنسانٍ مَسألَتَه، ما نَقَصَ ذلك ممَّا عِندي إلَّا كما يَنقُصُ المِخيَطُ إذا أُدخِلَ البَحرَ، يا عِبادي، إنَّما هي أعمالُكُم أُحصيها لَكُم، ثُمَّ أوفِّيكُم إيَّاها، فمَن وجَدَ خَيرًا فليَحمَدِ اللَّهَ، ومَن وجَدَ غيرَ ذلك فلا يَلومَنَّ إلَّا نَفسَه".

وبإسناده عن إبراهيم بن الأشتر، عن أبيه، عن زوجة أبي ذرّ: أن أبا ذر حضره الموت وهو بالربذة، فبكت امرأته فقال: ما يبكيك؟ فقالت: أبكي أنه لابدّ لي من تكفينك وليس عندي ثوبٌ يسع لك كفناً، فقال: لا تبكي، فإني سمعت رسول الله(ص) ذات يوم - وأنا عنده في نفر - يقول: " لَيَمُوتَنَّ رَجُلٌ مِنْكُمْ بِفَلاَةٍ مِنَ اَلْأَرْضِ تَشْهَدُهُ عِصَابَةٌ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ" فكلُّ من كان معي في ذلك المجلس مات في جماعة وقريةٍ، ولم يبق غيري وقد أصبحت بالفلاة أموت، فراقبي الطريق فإنك سوف ترين ما أقول لك، وإني والله ما كذبت ولا كذّبت، قالت: وأتى ذلك وقد انقطع الحاجّ؟ قال: راقبي الطريق، فبينما هي كذلك إذ هي بقوم تخبّ بهم رواحلهم كأنهم الرَخَم[٧]، فأقبل القوم حتى وقفوا عليها فقالوا: مالك؟ فقالت: امرؤٌ من المسلمين تكفّنونه وتؤجرون فيه، قالوا: ومن هو؟ قالت: أبو ذرّ قال: ففدّوه بآبائهم وأمهاتهم، ثم وضعوا سياطهم في نحورها يبتدرونه فقال: أبشروا فأنتم النفر الذين قال فيكم رسول الله(ص)، ثم قال: أصبحت اليوم حيث ترون، ولو أنّ لي ثوباً من ثيابي يسعني لم أكفّن إلا فيه، فأنشدكم بالله لا يكفّنني رجل كان أميراً أو عريفاً أو بريداً، فكل القوم نال من ذلك شيئاً، إلا فتى من الأنصار كان مع القوم قال: أنا صاحبه، الثوبان في عيبتي من غزل أُمّی، وأحد ثوبيّ هذين اللذين عليَّ، قال: أنت صاحبي فكفّنّي.

وتوفّي أبو ذرّ سنة اثنتين وثلاثين بالربذة، وصلّى عليه عبد الله بن مسعود[٨]؛ فإنّه كان مع أولئك النفر الذين شهدوا موته وحملوا عياله إلى عثمان بن عفان بالمدينة، فضمّ ابنته إلى عياله وقال: يرحم الله أبا ذر. وكان آدم طويلاً أبيض الرأس واللحية[٩].

أقول: أبو ذرّ - هو جندب، بضمّ جيم المعجمة وسكون النون وفتح الدال - ابن جنادة - بضمّ الجيم - مهاجري، وهو أحد الأركان الأربعة في الإسلام، وله خطبة يشرح فيها الأمور بعد رسول الله(ص)[١٠].

والمراد من الأربعة هم: سلمان الفارسي وأبو ذرّ و المقداد و حذيفة.

واتّفق الفريقان على جلالته وعظم شأنه وصدق لهجته وحسن سيرته وزهده ووثاقته وتقواه، وأنه من الثابتين على منهاج رسول الله، ولم يخطر بباله ما يخالف القرآن.

ويشهد لذلك ما رواه الكشي: "عَنْ عَلِيُّ بْنُ اَلْحَكَمِ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ اَلْحَضْرَمِيِّ قَالَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ : اِرْتَدَّ اَلنَّاسُ إِلاَّ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ سَلْمَانُ وَ أَبُو ذَرٍّ وَ اَلْمِقْدَادُ قَالَ قُلْتُ فَعَمَّارٌ قَالَ قَدْ كَانَ جَاضَ جَيْضَةً ثُمَّ رَجَعَ ثُمَّ قَالَ إِنْ أَرَدْتَ اَلَّذِي لَمْ يَشُكَّ وَ لَمْ يَدْخُلْهُ شَيْءٌ فَالْمِقْدَادُ فَأَمَّا سَلْمَانُ فَإِنَّهُ عَرَضَ فِي قَلْبِهِ أَنَّ عِنْدَ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ اِسْمَ اَللَّهِ اَلْأَعْظَمَ لَوْ تَكَلَّمَ بِهِ لَأَخَذَتْهُمُ اَلْأَرْضُ وَ هُوَ هَكَذَا فَلُبِّبَ وَ وُجِئَتْ عُنُقُهُ حَتَّى تُرِكَتْ كَالسِّلْعَةِ فَمَرَّ بِهِ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَالَ لَهُ يَا بَا عَبْدِ اَللَّهِ هَذَا مِنْ ذَاكَ بَايِعْ فَبَايَعَ وَ أَمَّا أَبُو ذَرٍّ فَأَمَرَهُ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ بِالسُّكُوتِ وَ لَمْ يَأْخُذْهُ فِي اَللَّهِ لَوْمَةُ لاَئِمٍ فَأَبَى إِلاَّ أَنْ يَتَكَلَّمَ فَمَرَّ بِهِ عُثْمَانُ فَأَمَرَ بِهِ ثُمَّ أَنَابَ اَلنَّاسُ بَعْدَهُ وَ كَانَ أَوَّلَ مَنْ أَنَابَ أَبُو سَاسَانَ اَلْأَنْصَارِيُّ وَ أَبُو عَمْرَةَ وَ شُتَيْرَةُ فَكَانُوا سَبْعَةً وَ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ حَقَّ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ إِلاَّ هَؤُلاَءِ اَلسَّبْعَةُ "[١١].[١٢]

كتاب أبي ذر الغفاري إلى حذيفة اليماني

عن أبي أمامة قال: كتب أبو ذرّ إلى حذيفة بن اليمان يشكو إليه ما صنع به عثمان بن عفان:

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؛ أما بعد يا أخي، فخف الله مخافةً يكثر منها بكاء عينيك، وحرّر قلبك وأسهر ليلك وانصب بدنك في طاعة ربك، فحق لمن علم أن النار مثوى من سخط الله عليه أن يطول بكاؤه ونصبه وسهر ليله، حتى يعلم أنه قد رضي الله عنه، وحق لمن علم أن الجنة، مثوى من رضي الله عنه أن يستقبل الحقّ كي يفوز بها، ويستصغر في ذات الله الخروج من أهله وماله وقيام ليله وصيام نهاره وجهاد الظالمين الملحدين بيده ولسانه، حتى يعلم أن الله أوجبها له، وليس بعالم ذلك دون لقاء ربه. وكذلك ينبغي لكل من رغب في جوار الله ومرافقة أنبيائه أن يكون.

يا أخي، أنت ممن استريحُ إلى التصريح إليه ببثّي وحزني، وأشكو إليه تظاهر الظالمين عليَّ؛ إني رأيت الجور يعمل به بعيني، وسمعته يقال فرددته، فَحُرِمتُ العطاء، وسُيِّرتُ إلى البلاد، وغُرِّبتُ عن العشيرة والإخوان وحرم الرسول(ص)، وأعوذ بربي العظيم أن يكون هذا منّي شكوى أن رُكِبَ منّي ما رُكب، بل أنبأتك أني قد رضيت ما أحبّ لي ربّي وقضاء عليَّ، وأفضيت ذلك إليك لتدعو الله لي ولعامّة المسلمين بالروح والفرج وبما هو أعمّ نفعاً وخير مغبَّةً وعقبى، والسلام.

فكتب إليه حذيفة:

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؛ أما بعد يا أخي، فقد بلغني كتابك تخوّفني به وتحذّرني فيه منقلبي، وتحثّني فيه على حَظِّ نفسي، فقديماً يا أخي ما كنت بي وبالمؤمنين حفيّاً[١٣] لطيفاً، وعليهم حدباً؟[١٤] شفيقاً، ولهم بالمعروف آمراً وعن المنكر ناهياً، وليس يهدي إلى رضوان الله إلا هو لا إله إلا هو، ولا يتناهي من سخطه إلا بفضل رحمته وعظيم منّه، فنسأل الله ربنا لأنفسنا وخاصّتنا وعامّتنا وجماعة أُمّتنا، مغفرة عامة ورحمة واسعة.

وقد فهمت ما ذكرت من تسييرك يا أخي وتغريبك وتطريدك، فعزّ والله عليّ يا أخي ما وصل إليك من مكروه، ولو كان يفتدى ذلك بمال لأعطيت فيه مالي، طيبة بذلك نفسي، يصرف الله عنك بذلك المكروه - إلى أن قال: - فكأنّي وإياك قد دعينا فأجبنا، وعرضنا على أعمالنا فاحتجنا إلى ما أسلفنا.

يا أخي، ولا تأس على ما فاتك، ولا تحزن على ما أصابك، واحتسب فيه الخير، وارتقب فيه من الله أسنى الثواب.

يا أخي، لا أرى الموت لي ولك إلا خيراً من البقاء، فإنه قد أظلّتنا فتن يتلو بعضها بعضاً كقطع الليل المظلم، قد ابتعثت من مركبها ووطئت في حطامها، تشهر فيها السيوف وينزل فيها الحتوف، يقتل فيها من اطّلع لها والتبس بها وركض فيها، ولا تبقى قبيلة من قبائل العرب، من الوبر والمدر، إلا دخلت عليهم، فأعزّ أهل ذلك الزمان أشدّهم عتوّا، وأذلّهم أتقاهم.

فأعاذنا الله تعالى وإياك، من زمان هذه حال أهله فيه؛ لن أدع الدعاء لك في القيام والقعود والليل والنهار، وقد قال الله ولا خلف لموعوده: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ[١٥] فنستجير بالله من التكبّر عن عبادته والاستنكاف عن طاعته، جعل الله لنا ولك فرجاً ومخرجاً عاجلاً برحمته، والسلام عليك[١٦].

روى الشيخ: "عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ: بَكَى أَبُو ذَرٍّ رَحِمَهُ اَللَّهُ مِنْ خَشْيَةِ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ حَتَّى اِشْتَكَى بَصَرَهُ فَقِيلَ لَهُ يَا أَبَا ذَرٍّ لَوْ دَعَوْتَ اَللَّهَ أَنْ يَشْفِيَ بَصَرَكَ فَقَالَ إِنِّي عَنْهُ لَمَشْغُولٌ وَ مَا هُوَ مِنْ أَكْبَرِ هَمِّي قَالُوا وَ مَا يَشْغَلُكَ عَنْهُ قَالَ اَلْعَظِيمَتَانِ اَلْجَنَّةُ وَ اَلنَّارُ "[١٧].

وروى الثقة الجليل الحسين بن سعيد الأهوازي، "عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ قَالَ: أَتَى أَبَا ذَرٍّ رَجُلٌ فَبَشَّرَهُ بِغَنَمٍ لَهُ قَدْ وَلَدَتْ فَقَالَ يَا أَبَا ذَرٍّ أَبْشِرْ فَقَدْ وَلَدَتْ غَنَمُكَ وَكَثُرَتْ فَقَالَ مَا يَسُرُّنِي كَثْرَتُهَا فَمَا أُحِبُّ ذَلِكَ فَمَا قَلَّ وَكَفَى أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَى إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ يَقُولُ عَلَى حَافَتَيِ اَلصِّرَاطِ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ اَلرَّحِمُ وَاَلْأَمَانَةُ فَإِذَا مَرَّ عَلَيْهِ اَلْوَصُولُ لِلرَّحِمِ اَلْمُؤَدِّي لِلْأَمَانَةِ لَمْ يُتَكَفَّأْ بِهِ فِي اَلنَّارِ "[١٨].

وفي رواية أُخرى: "وَإِذَا مَرَّ اَلْخَائِنُ لِلْأَمَانَةِ اَلْقَطُوعُ لِلرَّحِمِ لَمْ يَنْفَعْهُ مَعَهُمَا عَمَلٌ وَيَكْفَأُ [يُلْقِي] بِهِ اَلصِّرَاطُ فِي اَلنَّارِ "[١٩].

وفي البحار عن الدعائم:"عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ أَنَّهُ قَالَ: وَقَفَ أَبُو ذَرٍّ رَحِمَهُ اَللَّهُ عِنْدَ بَابِ اَلْكَعْبَةِ فَقَالَ أَيُّهَا اَلنَّاسُ أَنَا جُنْدَبُ بْنُ اَلسَّكَنِ اَلْغِفَارِيُّ إِنِّي لَكُمْ نَاصِحٍ شَفِيقٌ فَهَلُمُّوا فَاكْتَنَفَهُ اَلنَّاسُ فَقَالَ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَوْ أَرَادَ سَفَراً لاَتَّخَذَ مِنَ اَلزَّادِ مَا يُصْلِحُهُ وَ لاَ بُدَّ مِنْهُ فَطَرِيقُ يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ أَحَقُّ مَا تَزَوَّدْتُمْ لَهُ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ فَأَرْشِدْنَا يَا أَبَا ذَرٍّ فَقَالَ حُجَّ حِجَّةً لِعَظَائِمِ اَلْأُمُورِ وَ صُمْ يَوْماً لِزَجْرَةِ اَلنُّشُورِ وَ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ فِي سَوَادِ اَللَّيْلِ لِوَحْشَةِ اَلْقُبُورِ وَ كَلِمَةُ حَقٍّ تَقُولُهَا أَوْ كَلِمَةُ سَوْءٍ تَسْكُتُ عَنْهَا [أَوْ] صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى مِسْكِينٍ فَعَلَّكَ تَنْجُو مِنْ يَوْمٍ عَسِيرٍ اِجْعَلِ اَلدُّنْيَا كَلِمَةً فِي طَلَبِ اَلْحَلاَلِ وَ كَلِمَةً فِي طَلَبِ اَلْآخِرَةِ وَ اُنْظُرْ كَلِمَةً تَضُرُّ وَ لاَ تَنْفَعُ فَدَعْهَا اِجْعَلِ اَلْمَالَ دِرْهَمَيْنِ دِرْهَماً قَدَّمْتَهُ لِآخِرَتِكَ وَ دِرْهَماً أَنْفَقْتَهُ عَلَى عِيَالِكَ كُلَّ يَوْمٍ صَدَقَةً"[٢٠].

وفي البحار عن الكشي، بإسناده: "عَنْ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ فُضَيْلٍ اَلرَّسَّانِ عَنْ أَبِي عُمَرَ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يَقُولُ وَ هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِحَلْقَةِ بَابِ اَلْكَعْبَةِ أَنَا جُنْدَبٌ لِمَنْ عَرَفَنِي وَ أَنَا أَبُو ذَرِّ بْنُ جُنَادَةَ لِمَنْ لَمْ يَعْرِفْنِي إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ هُوَ يَقُولُ مَنْ قَاتَلَنِي فِي اَلْأُولَى وَ فِي اَلثَّانِيَةِ فَهُوَ فِي اَلثَّالِثَةِ مِنْ شِيعَةِ اَلدَّجَّالِ إِنَّمَا مَثَلُ أَهْلِ بَيْتِي فِي هَذِهِ اَلْأُمَّةِ مَثَلُ سَفِينَةِ نُوحٍ فِي لُجَّةِ اَلْبَحْرِ مَنْ رَكِبَهَا نَجَا وَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ".

قال المجلسي: لعل المراد بالثانية الخروج على أمير المؤمنين(ع)[٢١].[٢٢]

تقبيل أبي ذر سيّدي شباب أهل الجنة وأنّه أصدق الناس

في البحار عن المفيد، رفعه إلى أنس بن مالك قال: «كُنْتُ أَنَا وَ أَبُو ذَرٍّ وَ سَلْمَانُ وَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ عِنْدَ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ إِذْ دَخَلَ اَلْحَسَنُ وَ اَلْحُسَيْنُ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ فَقَبَّلَهُمَا رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ قَامَ أَبُو ذَرٍّ فَانْكَبَّ عَلَيْهِمَا وَ قَبَّلَ أَيْدِيَهُمَا ثُمَّ رَجَعَ فَقَعَدَ مَعَنَا فَقُلْنَا لَهُ سِرّاً يَا أَبَا ذَرٍّ أَنْتَ رَجُلٌ شَيْخٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ تَقُومُ إِلَى صَبِيَّيْنِ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ فَتَنْكَبُّ عَلَيْهِمَا وَ تُقَبِّلُ أَيْدِيَهُمَا فَقَالَ نَعَمْ لَوْ سَمِعْتُمْ مَا سَمِعْتُ فِيهِمَا مِنْ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ لَفَعَلْتُمْ بِهِمَا أَكْثَرَ مِمَّا فَعَلْتُ - فَقُلْنَا وَ مَا ذَا سَمِعْتَ فِيهِمَا مِنْ رَسُولِ اَللَّهِ يَا أَبَا ذَرٍّ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ لِعَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَ لَهُمَا يَا عَلِيُّ وَ اَللَّهِ لَوْ أَنَّ رَجُلاً صَامَ وَ صَلَّى حَتَّى يَصِيرَ كَالشَّنِّ اَلْبَالِي إِذاً مَا تَنْفَعُهُ صَلاَتُهُ وَ لاَ صَوْمُهُ إِلاَّ بِحُبِّكَ يَا عَلِيُّ مَنْ تَوَسَّلَ إِلَى اَللَّهِ بِحُبِّكُمْ فَحَقٌّ عَلَى اَللَّهِ أَنْ لاَ يَرُدَّهُ يَا عَلِيُّ مَنْ أَحَبَّكُمْ وَ تَمَسَّكَ بِكُمْ فَقَدْ تَمَسَّكَ بِالْعُرْوَةِ اَلْوُثْقَى قَالَ ثُمَّ قَامَ أَبُو ذَرٍّ وَ خَرَجَ وَ تَقَدَّمْنَا إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اَللَّهِ أَخْبَرَنَا أَبُو ذَرٍّ عَنْكَ بِكَيْتَ وَ كَيْتَ فَقَالَ صَدَقَ أَبُو ذَرٍّ وَ اَللَّهِ مَا أَظَلَّتِ اَلْخَضْرَاءُ وَ لاَ أَقَلَّتِ اَلْغَبْرَاءُ عَلَى ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ »[٢٣].

وقال العلامة الطباطبائي: إنّ أبا ذر رابع الإسلام وخادم رسول الله وأحد الحواريّين الذين مضوا على منهاج سيد المرسلين؛ كان بدء إسلامه أنّ ذئباً عدا على غنم له من جانب فهشَّ عليه أبو ذرّ بعصاه، فتحوّل إلى الجانب الآخر، فهشّ عليه وقال: ما رأيت ذئباً أخبث منك، فأنطق الله الذئب فقال: شرّ منّي - والله - أهل مكة، بعث الله إليهم نبيّاً فكذّبوه وشتموه! فخرج أبو ذرّ من أهله على رجليه يريد مكّة ليعلم ما أخبره به الذئب، فدخلها وقد تعب وعطش، فأتى زمزم فاستسقى دلواً فخرج له لبناً، فكانت تلك له آية أُخرى.

ثمّ مرّ بجوانب المسجد فإذن بقريش يشتمون النبي(ص) كما قال الذئب، فأتى النبي وأسلم، ثم إن رسول الله أمره بالرجوع إلى أهله وقال له: «يَا أَبَا ذَرٍّ اِنْطَلِقْ إِلَى بِلاَدِكَ فَإِنَّكَ تَجِدُ اِبْنَ عَمٍّ لَكَ قَدْ مَاتَ وَ لَيْسَ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُكَ فَخُذْ مَالَهُ وَ أَقِمْ عِنْدَ أَهْلِكَ حَتَّى يَظْهَرَ أَمْرُنَا » فرجع وأخذ المال، وأقام عند أهله حتّى ظهر أمر رسول الله(ص) فهاجر إلى المدينة.

وآخى النبي(ص) بينه وبين المنذر بن عمرو في المؤاخاة الثانية، وهي مؤاخاة الأنصار مع المهاجرين، وكانت بعد الهجرة بثمانية أشهر.

ثم شهد مشاهد رسول الله، ولزم بعده أمير المؤمنين.

وكان من المتجاهرين بمناقب أهل البيت ومثالب أعدائهم، لم تأخذه في الله لومة لائم عند ظهور المنكر وانتهاك المحارم.

وهو الذي قال فيه رسول الله(ص): «مَا أَظَلَّتِ اَلْخَضْرَاءُ وَلاَ أَقَلَّتِ اَلْغَبْرَاءُ عَلَى ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ ».

وقال(ص): « أَبُو ذَرٍّ فِي أُمَّتِي شَبِيهُ عِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ فِي زُهْدِهِ».

وقال أمير المؤمنين: «وَعَى أبو ذرّ علماً عجز الناس عنه، ثم أوكى[٢٤] عليه فلم يخرج شيئاً».

وكان بينه وبين عثمان مشاجرة في مسألة من مسائل الزكاة، فتحاكما عند رسول الله(ص)، فحكم لأبي ذرّ على عثمان، إلى أن قال: وروي أنه لما اشتدّ إنكار أبي ذرّ على عثمان في بدعه وأحداثه، نفاه إلى الشام، فأخذ في النكير على عثمان ومعاوية في أحداثهما، وكان يقول: والله إني لأرى حقّاً يطفأ وباطلاً يحيى وصادقاً مكذّباً وإثرة بغير تقى وصالحاً مستأثراً عليه. فكتب معاوية إلى عثمان: إنّ أبا ذر قد حرف قلوب أهل الشام وبغّضك إليهم، فما يستفتون غيره ولا يقضى بينهم إلا هو، فكتب إلى معاوية: أن احمل أبا ذر على ناب[٢٥] صعبة وقتب، ثم ابعث به من ینجش[٢٦] به نجشاً عنيفاً حتى يقدم به عليَّ[٢٧].

وقد روى الكشي وغيره أخبار كثيرة في مناقبه، ونذكر بعضاً منها تتميماً للفائدة.

فمنها: ما رواه الكشّي بإسناده إلى أحمد بن حماد المروزي، رفعه قال: أبو ذرّ الذي قال رسول الله(ص) في حقّه: «مَا أَظَلَّتِ اَلْخَضْرَاءُ وَ لاَ أَقَلَّتِ اَلْغَبْرَاءُ ذَا لَهْجَةٍ أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ يَعِيشُ وَحْدَهُ وَ يَمُوتُ وَحْدَهُ وَ يُبْعَثُ وَحْدَهُ وَ يَدْخُلُ اَلْجَنَّةَ وَحْدَهُ» وهو الهاتف بفضائل أمير المؤمنين ووصيّ رسول الله(ص) واستخلافه إيّاه، فنفاه القوم عن حرم وحرم رسوله بعد حملهم إياه من الشام على قتب بلا وطاء وهو يصيح فيهم: قد خاب القطّان (قد جاء القطار يحمل النار ظ) بحمل النار. سمعت رسول الله يقول: «إِذَا بَلَغَ بَنُو أَبِي اَلْعَاصِ ثَلاَثِينَ رَجُلاً جَعَلُوا مَالَ اَللَّهِ دُوَلاً، وَ عِبَادَ اَللَّهِ خَوَلاً ، وَ دِينَ اَللَّهِ دَخَلاً»[٢٨].

ومنها: ما رواه بإسناده:« عَنْ أَبِي خَدِيجَةَ اَلْجَمَّالِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ: دَخَلَ أَبُو ذَرٍّ عَلَى رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ مَعَهُ جَبْرَئِيلُ فَقَالَ جَبْرَئِيلُ مَنْ هَذَا يَا رَسُولَ اَللَّهِ قَالَ أَبُو ذَرٍّ قَالَ أَمَا إِنَّهُ فِي اَلسَّمَاءِ أَعْرَفُ مِنْهُ فِي اَلْأَرْضِ وَ سَلْهُ عَنْ كَلِمَاتٍ يَقُولُهُنَّ إِذَا أَصْبَحَ قَالَ فَقَالَ يَا أَبَا ذَرٍّ كَلِمَاتٌ تَقُولُهُنَّ إِذَا أَصْبَحْتَ فَمَا هُنَّ قَالَ أَقُولُ يَا رَسُولَ اَللَّهِ اَللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ اَلْإِيمَانَ بِكَ وَ اَلتَّصْدِيقَ بِنَبِيِّكَ وَ اَلْعَافِيَةَ مِنْ جَمِيعِ اَلْبَلاَءِ وَ اَلشُّكْرَ عَلَى اَلْعَافِيَةِ وَ اَلْغِنَى عَنِ اَلنَّاسِ»[٢٩].

وفي بشارة المصطفى بإسناده: «عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ اَلسَّبِيعِيِّ قَالَ سَمِعْتُ اَلْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ وَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ قَالاَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ وَ نَحْنُ نَرْفَعُ أَغْصَانَ اَلشَّجَرِ عَنْ رَأْسِهِ فَقَالَ لَعَنَ اَللَّهُ مَنِ اِدَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَ لَعَنَ اَللَّهُ مَنْ تَوَالَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ وَ اَلْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَ لَيْسَ لِلْوَارِثِ وَصِيَّةٌ إِلاَّ وَ قَدْ سَمِعْتُمْ مِنِّي وَ رَأَيْتُمُونِي أَلاَ مَنْ كَذَّبَ عَلِيّاً مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ اَلنَّارِ أَلاَ إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَ أَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى اَلْحَوْضِ فَمُكَاثِرٌ بِكُمُ اَلْأُمَمَ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ فَلاَ تَسْوَدُّ وَجْهِي أَلاَ لَأَسْتَنْقِذَنَّ رِجَالاً مِنَ اَلنَّارِ وَ لَيُسْتَنْقَذَنَّ مِنْ يَدِي آخَرُونَ وَ لَأَقُولَنَّ يَا رَبِّ أَصْحَابِي فَيُقَالُ إِنَّكَ لاَ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ أَلاَ وَ إِنَّ اَللَّهَ وَلِيِّي وَ أَنَا وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ فَمَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ اَللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاَهُ وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ اَلثَّقَلَيْنِ كِتَابَ اَللَّهِ وَ عِتْرَتِي طَرَفُهُ بِيَدِي وَ طَرَفُهُ بِأَيْدِيكُمْ فَاسْأَلُوهُمْ وَ لاَ تَسْأَلُوا غَيْرَهُمْ »[٣٠].

وعن الكافي بإسناده: « عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى اَلْخَثْعَمِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ قَالَ: إِنَّ أَبَا ذَرٍّ أَتَى رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ مَعَهُ جَبْرَئِيلُ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ فِي صُورَةِ دِحْيَةَ اَلْكَلْبِيِّ وَ قَدِ اِسْتَخْلاَهُ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَلَمَّا رَآهُمَا اِنْصَرَفَ عَنْهُمَا وَ لَمْ يَقْطَعْ كَلاَمَهُمَا فَقَالَ جَبْرَئِيلُ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ يَا مُحَمَّدُ هَذَا أَبُو ذَرٍّ قَدْ مَرَّ بِنَا وَ لَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْنَا أَمَا لَوْ سَلَّمَ لَرَدَدْنَا عَلَيْهِ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ لَهُ دُعَاءً يَدْعُو بِهِ مَعْرُوفاً عِنْدَ أَهْلِ اَلسَّمَاءِ فَسَلْهُ عَنْهُ إِذَا عَرَجْتُ إِلَى اَلسَّمَاءِ فَلَمَّا اِرْتَفَعَ جَبْرَئِيلُ جَاءَ أَبُو ذَرٍّ إِلَى اَلنَّبِيِّ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ مَا مَنَعَكَ يَا أَبَا ذَرٍّ أَنْ تَكُونَ سَلَّمْتَ عَلَيْنَا حِينَ مَرَرْتَ بِنَا فَقَالَ ظَنَنْتُ يَا رَسُولَ اَللَّهِ أَنَّ اَلَّذِي كَانَ مَعَكَ دِحْيَةُ اَلْكَلْبِيُّ قَدِ اِسْتَخْلَيْتَهُ لِبَعْضِ شَأْنِكَ فَقَالَ ذَاكَ جَبْرَئِيلُ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ يَا أَبَا ذَرٍّ وَ قَدْ قَالَ أَمَا لَوْ سَلَّمَ عَلَيْنَا لَرَدَدْنَا عَلَيْهِ فَلَمَّا عَلِمَ أَبُو ذَرٍّ أَنَّهُ كَانَ جَبْرَئِيلَ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ دَخَلَهُ مِنَ اَلنَّدَامَةِ حَيْثُ لَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِ مَا شَاءَ اَللَّهُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ مَا هَذَا اَلدُّعَاءُ اَلَّذِي تَدْعُو بِهِ فَقَدْ أَخْبَرَنِي جَبْرَئِيلُ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ أَنَّ لَكَ دُعَاءً تَدْعُو بِهِ مَعْرُوفاً فِي اَلسَّمَاءِ فَقَالَ نَعَمْ يَا رَسُولَ اَللَّهِ أَقُولُ اَللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ اَلْأَمْنَ وَ اَلْإِيمَانَ بِكَ وَ اَلتَّصْدِيقَ بِنَبِيِّكَ وَ اَلْعَافِيَةَ مِنْ جَمِيعِ اَلْبَلاَءِ وَ اَلشُّكْرَ عَلَى اَلْعَافِيَةِ وَ اَلْغِنَى عَنْ شِرَارِ اَلنَّاسِ »[٣١].

أقول: ويستفاد منه الحثّ على السلام، ووجوب الردّ عليه، ويفهم من قوله: «ما شاء الله»، أنّ الله أراد ردّ التحية على أبي ذر لو سلّم عليهما، وهذا منقبة أُخرى له قلَّما اتّفقت لأحد من الصحابة، فتنبه.

ومنها: ما رواه أيضاً بإسناده: « عَنْ عَبْدِ اَلْمَلِكِ بْنِ أَبِي ذَرٍّ اَلْغِفَارِيِّ قَالَ: بَعَثَنِي أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ يَوْمَ مَزَّقَ عُثْمَانُ اَلْمَصَاحِفَ فَقَالَ لِي اُدْعُ أَبَاكَ فَجَاءَ أَبِي إِلَيْهِ مُسْرِعاً فَقَالَ يَا بَا ذَرٍّ أَتَى اَلْيَوْمَ فِي اَلْإِسْلاَمِ أَمْرٌ عَظِيمٌ مُزِّقَ كِتَابُ اَللَّهِ وَ وُضِعَ فِيهِ اَلْحَدِيدُ وَ حَقٌّ عَلَى اَللَّهِ أَنْ يُسَلِّطَ اَلْحَدِيدَ عَلَى مَنْ مَزَّقَ كِتَابَهُ بِالْحَدِيدِ فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ يَقُولُ إِنَّ أَهْلَ اَلْجَبَرِيَّةِ مِنْ بَعْدِ مُوسَى قَاتَلُوا أَهْلَ اَلنُّبُوَّةِ فَظَهَرُوا عَلَيْهِمْ فَقَتَلُوهُمْ زَمَاناً طَوِيلاً ثُمَّ إِنَّ اَللَّهَ بَعَثَ فِتْيَةً فَهَاجَرُوا إِلَى غَيْرِ آبَائِهِمْ فَقَاتَلَتْهُمْ فَقَتَلُوهُمْ وَ أَنْتَ بِمَنْزِلَتِهِمْ يَا عَلِيُّ فَقَالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَتَلْتَنِي يَا بَا ذَرٍّ فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ أَمَا وَ اَللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ سَيُبْدَأُ بِكَ »[٣٢]

أقول: يستفاد منه أنّ عثمان مزّق القرآن بالحديد، وهو يخالف ما ورد من أنّه طبخ القرآن، ويمكن الجمع بأنّه مزّقه بالحديد ثم طبخه، ويستفاد أيضاً أنه أهان القرآن بهذا العمل فاستحقّ حرّ الحديد، وأنّ من أهان وهتك القرآن فإن الله له بالمرصاد.

ومنها: ما رواه الكشي أيضاً بإسناده: « عَنْ أَبِي سُخَيْلَةَ ، قَالَ: حَجَجْتُ أَنَا وَ سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ ، قَالَ فَمَرَرْنَا بِالرَّبَذَةِ ، قَالَ فَأَتَيْنَا أَبَا ذَرٍّ فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَنَا إِنْ كَانَتْ بَعْدِي فِتْنَةٌ وَ هِيَ كَائِنَةً فَعَلَيْكُمْ بِكِتَابِ اَللَّهِ وَ اَلشَّيْخُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ هُوَ يَقُولُ: عَلِيٌّ أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِي وَ صَدَّقَنِي وَ هُوَ أَوَّلُ مَنْ يُصَافِحُنِي يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ وَ هُوَ اَلصِّدِّيقُ اَلْأَكْبَرُ وَ هُوَ اَلْفَارُوقُ بَعْدِي يُفَرِّقُ بَيْنَ اَلْحَقِّ وَ اَلْبَاطِلِ وَ هُوَ يَعْسُوبُ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمَالُ يَعْسُوبُ اَلظَّلَمَةِ »[٣٣].

ومنها: ما رواه بإسناده: «عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يَقُولُ وَ هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِحَلْقَةِ بَابِ اَلْكَعْبَةِ أَنَا جُنْدَبٌ لِمَنْ عَرَفَنِي وَ أَنَا أَبُو ذَرِّ بْنُ جُنَادَةَ لِمَنْ لَمْ يَعْرِفْنِي إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ هُوَ يَقُولُ مَنْ قَاتَلَنِي فِي اَلْأُولَى وَ فِي اَلثَّانِيَةِ فَهُوَ فِي اَلثَّالِثَةِ مِنْ شِيعَةِ اَلدَّجَّالِ إِنَّمَا مَثَلُ أَهْلِ بَيْتِي فِي هَذِهِ اَلْأُمَّةِ مَثَلُ سَفِينَةِ نُوحٍ فِي لُجَّةِ اَلْبَحْرِ مَنْ رَكِبَهَا نَجَا وَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ »[٣٤].

أقول: هذا الخبر من غوامض الأخبار، ولعلّ المراد من القتال الأول خلافة الأوّل، ومن الثاني خلافة الثاني، ومن الثالث خلافة الثالث؛ ليناسب قوله في آخر الخبر: «إِنَّمَا مَثَلُ أَهْلِ بَيْتِي فِي هَذِهِ اَلْأُمَّةِ مَثَلُ سَفِينَةِ نُوحٍ ...» ولا شكّ أنّ غصب الخلافة وانتزاعها من اهل بيته محاربة لله ورسوله، فتدبّر.

وهذا الخبر ردّ على من اختلف في اسم أبي ذرّ وأبيه، وأنّ اسمه سكن أو غير ذلك، وقد سبق في الرواية عن البحار، أنّ أبا ذر قال: أنا جندب بن سكن، عند باب الكعبة[٣٥]. والترجيح لرواية الكشّي ظاهر.

ومنها: ما رواه أيضاً بإسناده إلى أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله(ع) يقول: « أَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى أَبِي ذَرٍّ مَوْلَيَيْنِ لَهُ وَمَعَهُمَا مِائَتَيْ دِينَارٍ فَقَالَ لَهُمَا اِنْطَلِقَا بِهَا إِلَى أَبِي ذَرٍّ فَقُوَلا لَهُ عُثْمَانُ يُقْرِئُكَ اَلسَّلاَمَ وَهُوَ يَقُولُ لَكَ هَذِهِ مائتي[مِائَتَا]دِينَارٍ فَاسْتَعِنْ بِهَا عَلَى مَا نَابَكَ فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ فَهَلْ أَعْطَى أَحَداً مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ مِثْلَ مَا أَعْطَانِي فَقَالاَ لاَ قَالَ فَأَنَا رَجُلٌ مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ يَسَعُنِي مَا يَسَعُ اَلْمُسْلِمِينَ فَقَالاَ لَهُ إِنَّهُ يَقُولُ هَذَا مِنْ صُلْبِ مَالِي وَ بِاللَّهِ اَلَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ مَا أُخَالِطُهَا حَرَاماً وَ لاَ بَعَثْتُ بِهَا إِلَيْكَ إِلاَّ مِنْ حَلاَلٍ فَقَالَ لاَ حَاجَةَ لِي فِيهَا وَقَدْ أَصْبَحْتُ يَوْمِي هَذَا وَأَنَا مِنْ أَغْنَى اَلنَّاسِ فَقَالاَ لَهُ عَافَاكَ اَللَّهُ وَ أَصْلَحَكَ مَا نَرَى فِي بَيْتِكَ قَلِيلاً وَ لاَ كَثِيراً مِمَّا تَسْتَمْتِعُ بِهِ فَقَالَ بَلَى تَحْتَ هَذَا اَلْإِكَافِ اَلَّذِي تَرَوْنَ رَغِيفَا شَعِيرٍ قَدْ أَتَى عَلَيْهِمَا أَيَّامٌ فَمَا أَصْنَعُ بِهَذِهِ اَلدَّنَانِيرِ لاَ وَ اَللَّهِ حَتَّى يَعْلَمَ اَللَّهُ وَ أَنِّي لاَ أَقْدِرُ عَلَى قَلِيلٍ وَ لاَ كَثِيرٍ وَ لَقَدْ أَصْبَحْتُ غَنِيّاً بِوَلاَيَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَ عِتْرَتِهِ اَلْهَادِينَ اَلْمَهْدِيِّينَ اَلرَّاضِينَ اَلْمَرْضِيِّينَ اَلَّذِينَ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ فَكَذَلِكَ سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ يَقُولُ إِنَّهُ لَقَبِيحٌ بِالشَّيْخِ أَنْ يَكُونَ كَذَّاباً فَرُدَّاهَا عَلَيْهِ وَ أَعْلِمَاهُ أَنَّهُ لاَ حَاجَةَ لِي فِيهَا وَ لاَ فِيمَا عِنْدَهُ حَتَّى أَلْقَى اَللَّهَ رَبِّي فَيَكُونَ هُوَ اَلْحَاكِمَ فِيمَا بَيْنَهُ وَ بَيْنِي »[٣٦].

ومنها: ما رواه الكشي بإسناده: «كَانَ اَلنَّاسُ أَهْلَ رِدَّةٍ بَعْدَ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ إِلاَّ ثَلاَثَةً فَقُلْتُ وَ مَنِ اَلثَّلاَثَةُ فَقَالَ اَلْمِقْدَادُ بْنُ اَلْأَسْوَدِ وَ أَبُو ذَرٍّ اَلْغِفَارِيُّ وَ سَلْمَانُ اَلْفَارِسِيُّ رَحْمَةُ اَللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَرَفَ أُنَاسٌ بَعْدَ يَسِيرٍ وَ قَالَ هَؤُلاَءِ اَلَّذِينَ دَارَتْ عَلَيْهِمُ اَلرَّحَى وَ أَبَوْا أَنْ يُبَايِعُوا حَتَّى جَاءُوا بِأَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ مُكْرَهاً فَبَايَعَ وَ ذَلِكَ قَوْلُ اَللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ[٣٧]»[٣٨].

ومنها: ما رواه أيضاً بإسناده عن زرارة، عن أبي جعفر، عن أبيه، عن جدّه، عن علي بن أبي طالب(ع) قال: « عَنْ زُرَارَةَ : عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ قَالَ: قَالَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ : خُلِقَتِ اَلْأَرْضُ لِسَبْعَةٍ، بِهِمْ يُرْزَقُونَ وَ بِهِمْ يُنْصَرُونَ وَ بِهِمْ يُمْطَرُونَ، مِنْهُمْ: سَلْمَانُ اَلْفَارِسِيُّ وَ اَلْمِقْدَادُ وَ أَبُو ذَرٍّ وَ عَمَّارٌ وَ حُذَيْفَةُ . وَ كَانَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ يَقُولُ: وَ أَنَا إِمَامُهُمْ وَ هُمُ الذي [اَلَّذِينَ] صَلَّوْا عَلَى فَاطِمَةَ عَلَيْهَا اَلسَّلاَمُ»[٣٩].

ومنها: ما رواه أيضاً بإسناده عن أبي حمزة قال: سمعت أبا جعفر(ع) يقول: « عَنْ أَبِي حَمْزَةَ ، قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) يَقُولُ: لَمَّا مَرُّوا بِأَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وَ فِي رَقَبَتِهِ حَبْلُ آلِ زُرَيْقٍ ضَرَبَ أَبُو ذَرٍّ بِيَدِهِ عَلَى اَلْأُخْرَى ثُمَّ قَالَ لَيْتَ اَلسُّيُوفُ قَدْ عَادَتْ بِأَيْدِينَا ثَانِيَةً، وَ قَالَ مِقْدَادُ لَوْ شَاءَ لَدَعَا عَلَيْهِ رَبَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ، قَالَ سَلْمَانُ مَوْلاَنَا أَعْلَمُ بِمَا هُوَ فِيهِ»[٤٠].

ومنها: ما رواه[٤١] بإسناده: « عَنْ أَبِي بَصِيرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) قَالَ: جَاءَ اَلْمُهَاجِرُونَ وَ اَلْأَنْصَارُ وَ غَيْرُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فَقَالُوا لَهُ: أَنْتَ وَ اَللَّهِ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ أَنْتَ وَ اَللَّهِ أَحَقُّ اَلنَّاسِ وَ أَوْلاهُمْ بِالنَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) هَلُمَّ يَدَكَ نُبَايِعْكَ فَوَ اَللَّهِ لَنَمُوتَنَّ قُدَّامَكَ! فَقَالَ عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) : إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَاغْدُوا غَداً عَلَيَّ مُحَلِّقِينَ! فَحَلَقَ عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وَ حَلَقَ سَلْمَانُ وَ حَلَقَ مِقْدَادُ وَ حَلَقَ أَبُو ذَرٍّ وَ لَمْ يَحْلِقْ غَيْرُهُمْ ثُمَّ اِنْصَرَفُوا فَجَاءُوا مَرَّةً أُخْرَى بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالُوا لَهُ أَنْتَ وَ اَللَّهِ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ أَنْتَ أَحَقُّ اَلنَّاسِ وَ أَوْلاهُمْ بِالنَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) هَلُمَّ يَدَكَ نُبَايِعْكَ وَ حَلَفُوا! فَقَالَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَاغْدُوا عَلَيَّ مُحَلِّقِينَ! فَمَا حَلَقَ إِلاَّ هَؤُلاَءِ اَلثَّلاَثَةَ. قُلْتُ: فَمَا كَانَ فِيهِمْ عَمَّارٌ فَقَالَ: لاَ. قُلْتُ: فَعَمَّارٌ مِنْ أَهْلِ اَلرَّدَّةِ فَقَالَ: إِنَّ عَمَّاراً قَدْ قَاتَلَ مَعَ عَلِيٍّ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ بَعْدُ »[٤٢].

وفي البحار عن أبي ذر قال: «عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا أَنْ سُيِّرَ أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ اِجْتَمَعَ هُوَ وَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَ اَلْمِقْدَادُ بْنُ اَلْأَسْوَدِ قَالَ أَ لَسْتُمْ تَشْهَدُونَ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قَالَ أُمَّتِي تَرِدُ عَلَيَّ اَلْحَوْضَ عَلَى خَمْسِ رَايَاتٍ أَوَّلُهَا رَايَةُ اَلْعِجْلِ فَأَقُومُ فَآخُذُ بِيَدِهِ فَإِذَا أَخَذْتُ بِيَدِهِ اِسْوَدَّ وَجْهُهُ وَ رَجَفَتْ قَدَمَاهُ وَ خَفَقَتْ أَحْشَاؤُهُ وَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ تَبِعَهُ فَأَقُولُ مَا ذَا خَلَفْتُمُونِي فِي اَلثَّقَلَيْنِ بَعْدِي فَيَقُولُونَ كَذَّبْنَا اَلْأَكْبَرَ وَ مَزَّقْنَاهُ وَ اِضْطَهَدْنَا اَلْأَصْغَرَ وَ اِبْتَزَزْنَاهُ حَقَّهُ فَأَقُولُ اُسْلُكُوا ذَاتَ اَلشِّمَالِ فَيُصْرَفُونَ ظِمَاءً مُظْمَئِينَ مُسْوَدَّةً وُجُوهُهُمْ لاَ يَطْعَمُونَ مِنْهُ قَطْرَةً ثُمَّ تَرِدُ عَلَيَّ رَايَةُ فِرْعَوْنِ أُمَّتِي فِيهِمْ أَكْثَرُ اَلنَّاسِ وَ هُمُ اَلْمُبَهْرَجُونَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اَللَّهِ وَ مَا اَلْمُبَهْرَجُونَ أَ بَهْرَجُوا اَلطَّرِيقَ قَالَ لاَ وَ لَكِنَّهُمْ بَهْرَجُوا دِينَهُمْ وَ هُمُ اَلَّذِينَ يَغْضَبُونَ لِلدُّنْيَا وَ لَهَا يَرْضَوْنَ وَ لَهَا يَسْخَطُونَ وَ لَهَا يَنْصِبُونَ فَآخُذُ بِيَدِ صَاحِبِهِمْ فَإِذَا أَخَذْتُ بِيَدِهِ اِسْوَدَّ وَجْهُهُ وَ رَجَفَتْ قَدَمَاهُ وَ خَفَقَتْ أَحْشَاؤُهُ وَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ تَبِعَهُ فَأَقُولُ مَا خَلَفْتُمُونِي فِي اَلثَّقَلَيْنِ بَعْدِي فَيَقُولُونَ كَذَّبْنَا اَلْأَكْبَرَ وَ مَزَّقْنَاهُ وَ قَاتَلْنَا اَلْأَصْغَرَ وَ قَتَلْنَاهُ فَأَقُولُ اُسْلُكُوا طَرِيقَ أَصْحَابِكُمْ فَيَنْصَرِفُونَ ظِمَاءً مُظْمَئِينَ مُسْوَدَّةً وُجُوهُهُمْ لاَ يَطْعَمُونَ مِنْهُ قَطْرَةً ثُمَّ تَرِدُ عَلَيَّ رَايَةُ فُلاَنٍ وَ هُوَ إِمَامُ خَمْسِينَ أَلْفاً مِنْ أُمَّتِي فَأَقُومُ فَآخُذُ بِيَدِهِ فَإِذَا أَخَذْتُ بِيَدِهِ اِسْوَدَّ وَجْهُهُ وَ رَجَفَتْ قَدَمَاهُ وَ خَفَقَتْ أَحْشَاؤُهُ وَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ تَبِعَهُ فَأَقُولُ مَا خَلَفْتُمُونِي فِي اَلثَّقَلَيْنِ بَعْدِي فَيَقُولُونَ كَذَّبْنَا اَلْأَكْبَرَ وَ عَصَيْنَاهُ وَ خَذَلْنَا اَلْأَصْغَرَ وَ خُذِلْنَا عَنْهُ فَأَقُولُ اُسْلُكُوا سَبِيلَ أَصْحَابِكُمْ فَيَنْصَرِفُونَ ظِمَاءً مُظْمَئِينَ مُسْوَدَّةً وُجُوهُهُمْ لاَ يَطْعَمُونَ مِنْهُ قَطْرَةً ثُمَّ يَرِدُ عَلَيَّ اَلْمُخْدَجُ بِرَايَتِهِ وَ هُوَ إِمَامُ سَبْعِينَ أَلْفاً مِنْ أُمَّتِي فَإِذَا أَخَذْتُ بِيَدِهِ اِسْوَدَّ وَجْهُهُ وَ رَجَفَتْ قَدَمَاهُ وَ خَفَقَتْ أَحْشَاؤُهُ وَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ تَبِعَهُ فَأَقُولُ مَا ذَا خَلَفْتُمُونِي فِي اَلثَّقَلَيْنِ بَعْدِي فَيَقُولُونَ كَذَّبْنَا اَلْأَكْبَرَ وَ عَصَيْنَاهُ وَ قَاتَلْنَا اَلْأَصْغَرَ فَقَتَلْنَاهُ فَأَقُولُ اُسْلُكُوا سَبِيلَ أَصْحَابِكُمْ فَيَنْصَرِفُونَ ظِمَاءً مُظْمَئِينَ مُسْوَدَّةً وُجُوهُهُمْ لاَ يَطْعَمُونَ مِنْهُ قَطْرَةً ثُمَّ يَرِدُ عَلَيَّ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ قَائِدُ اَلْغُرِّ اَلْمُحَجَّلِينَ فَأَقُومُ فَآخُذُ بِيَدِهِ فَيَبْيَضُّ وَجْهُهُ وَ وُجُوهُ أَصْحَابِهِ فَأَقُولُ مَا ذَا خَلَفْتُمُونِي فِي اَلثَّقَلَيْنِ بَعْدِي فَيَقُولُونَ اِتَّبَعْنَا اَلْأَكْبَرَ وَ صَدَّقْنَاهُ وَ وَازَرْنَا اَلْأَصْغَرَ وَ نَصَرْنَاهُ وَ قُتِلْنَا مَعَهُ فَأَقُولُ رَوُّوا فَيَشْرَبُونَ شَرْبَةً لاَ يَظْمَئُونَ بَعْدَهَا أَبَداً إِمَامُهُمْ كَالشَّمْسِ اَلطَّالِعَةِ وَ وُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ اَلْبَدْرِ أَوْ كَانُوا كَأَضْوَإ نَجْمٍ فِي اَلسَّمَاءِ قَالَ أَ لَسْتُمْ تَشْهَدُونَ عَلَى ذَلِكَ قَالُوا بَلَى قَالَ: ﴿وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ[٤٣] »[٤٤].

أقول: نقلنا الرواية عن البحار، ونقلها المجلسي في البحار عن الخصال وعن كشف الغمّة، بأسانيد متعدّدة[٤٥].

تسيير أبي ذر إلى الربذة

ثم اعلم أنّ الروايات قد تواترت عن العامة والخاصة من أهل السير والأخبار، بنقل قصة أبي ذر، ونفيه أولاً إلى الشام وأخيراً إلى الربذة، وحيث إنّ في نقلها فوائد جمّة، فنتيمّن بذكر بعضها.

منها: ما رواها الواقدي و المسعودي و البلاذري، و اليعقوبي الشيعي، و ابن أبي الحديد المعتزلي، وغيرهم، ولما لم يكن غير شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد وكتاب الغدير موجوداً عندي حين كتابتي هذه السطور، لذا قمت بنقلها عنه، وعن كتاب الغدير باعتباره مصدراً جامعاً ومتتبعاً لأحوال الأفذاذ من أمثاله، ويروي عن المصادر المذكورة (جزى الله مصنّفه عنّا وعن الإسلام والمسلمين خير جزاء الصالحين).

قال في الجزء الثامن: روى البلاذري[٤٦] أنه لما أعطى عثمان مروان بن الحكم ما أعطاه، وأعطى الحارث بن الحكم بن أبي العاص ثلاثمائة ألف درهم، وأعطى زيد بن ثابت الأنصاري مائة ألف درهم، جعل أبو ذر يقول: بشّر الكانزين بعذاب أليم، ويتلو قول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ[٤٧] فرفع ذلك مروان بن الحكم إلى عثمان، فأرسل إلى أبي ذر مولاه أن انته عمّا يبلغني عنك!

فقال: أينهاني عثمان عن قراءة كتاب الله وعيب من ترك أمر الله؟! فوالله، لئن أُرضي الله بسخط عثمان، أحبّ إليّ وخير لي من أن أُسخط الله برضاه.

فأغضب عثمان ذلك وأحفظه، فتصابر وكفّ.

وقال عثمان يوماً: أيجوز للإمام أن يأخذ من المال، فإذا أيسر قضى؟ فقالكعب الأحبار: لا بأس بذلك، فقال أبو ذر: يابن اليهوديين! أتعلّمنا ديننا؟! فقال عثمان: ما أكثر أذاك لي، وأولعك بأصحابي! إلحق بمكتبك، وكان مكتبه بالشام؛ إلا أنه كان يقدم حاجّاً ويسأل عثمان الإذن له في مجاورة قبر رسول الله(ص) فيأذن له في ذلك.

وإنما صار مكتبه بالشام؛ لأنه قال لعثمان حين رأى البناء قد بلغ سلعاً[٤٨]: إني سمعت رسول الله(ص) يقول: «إذا بلغ البناء سلعاً فالهرب» فائذن لي آتي الشام فأغزو هناك، فأذن له.

وكان أبو ذر ينكر على معاوية أشياء يفعلها، وبعث إليه معاوية بثلاثمائة دينار، فقال: إن كانت من العطاء الذي حرمتمونيه عامي هذا قبلتها، وإن كانت صلة فلاحاجة لي فيها.

وبعث إليه حبيب بن مسلمة الفهري[٤٩] بمائتي دينار فقال: أما وجدت أهون عليك منّي حين تبعث إليّ بمال؟! وردّها.

وبنی معاوية الخضراء بدمشق، فقال: يا معاوية، إن كانت هذه الدار من مال الله فهي الخيانة، وإن كانت من مالك فهو الإسراف، فسكت معاوية، وكان أبو ذر يقول: والله، لقد حدثت أعمال ما أعرفها؛ والله ما هي في كتاب الله ولا في سنة نبيه؛ والله، إني لأرى حقّاً يطفأ وباطلاً يحيى وصادقاً يكذب وأثرةً بغير تقى، وصالحاً مستأثراً عليه، فقال حبيب بن مسلمة لمعاوية: إنّ أبا ذر يفسد عليك بالشام، فتدارك أهله إن كانت لكم به حاجة، فكتب معاوية إلى عثمان فيه، فكتب عثمان إلى معاوية: أمّا بعد، فاحمل جندباً إليّ على أغلظ مركب وأوعره[٥٠]، فوجّه معاوية من سار به الليل والنهار، فلما قدم أبو ذر المدينة جعل يقول: تستعمل الصبيان وتحمي الحمى، وتقرّب أولاد الطلقاء؟! فبعث إليه عثمان: ألحق بأيّ أرض شئت، فقال: بمكة؟ فقال: لا، قال: فبيت المقدس؟ قال: لا، قال: فبأحد المصرين؟ قال: لا، ولكنّي مسيّرك إلى الربذة، فسيّره إليها، فلم يزل بها حتّى مات[٥١].

وعن المسعودي قال: إنه حضر مجلس عثمان ذات يوم، فقال عثمان: أرأيتم من زكّى ماله هل فيه حق لغيره، فقال كعب: لا يا أمير المؤمنين، فدفع أبو ذر في صدر كعب وقال له: كذبت ابن اليهودي، ثم تلا: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا[٥٢].

فقال عثمان: أترون بأساً أن نأخذ مالاً من بيت مال المسلمين فننفقه فيما ينوبنا من أُمورنا ونعطيكموه، فقال كعب: لا بأس بذلك، فرفع أبو ذر العصا فدفع بها في صدر كعب وقال: يابن اليهودي، ما أجرأك على القول في ديننا! فقال له عثمان: ما أكثر أذاك لي، غيّب وجهك عنّي فقد آذيتني، فخرج أبو ذر إلى الشام.

فكتب معاوية إلى عثمان: إنّ أبا ذر تجتمع إليه الجموع، ولا آمن أن يفسدهم عليك، فإن كان لك في القوم حاجة فاحمله إليك، فكتب إليه عثمان بحمله، فحمله على بعير عليه قتب[٥٣] يابس، معه خمسة من الصقالبة[٥٤] يطيرون به حتى أتوا به المدينة قد تسلّخت بواطن أفخاذه، وكاد أن يتلف، فقيل له: إنك تموت من ذلك، فقال: هيهات، لن أموت حتى أُنفى، وذكر جوامع ما نزل به بعد، ومن يتولّى دفنه، فأحسن إليه عثمان في داره أياماً، ثم دخل إليه فجلس على ركبتيه وتكلّم بأشياء، وذكر الخبر في ولد أبي العاص: «إذا بلغوا ثلاثين رجلاً، اتخذوا عباد الله خولاً، ومال الله دولاً» وتكلم بكلام كثير.

وكان في ذلك اليوم قد أُتي عثمان بتركة عبد الرحمن بن عوف الزهري من المال، فنثرت البدر[٥٥] حتى حالت بين عثمان وبين الرجل القائم، فقال عثمان: إني لأرجو لعبد الرحمن خيراً، لأنه كان يتصدّق ويقري الضيف، وترك ما ترون، فقال كعب الأخبار: صدقت يا أمير المؤمنين، فشال[٥٦] أبو ذر العصا فضرب بها رأس كعب، ولم يشغله ما كان فيه من الألم، وقال: يابن اليهودي، تقول لرجل مات وترك هذا المال إن الله أعطاه خير الدنيا وخير الآخرة، وتقطع على الله بذلك! وأنا سمعت رسول الله(ص) يقول: «ما يسرّني أن أموت وأدع ما يزن قيراطاً» فقال له عثمان: وارِ عنّي وجهك، فقال: أسير إلى مكة؟ قال: لا والله. قال: فتمنعني من بيت ربي أعبده فيه حتى أموت؟! قال: إي والله! قال: فإلى الشام، قال: لا والله! قال: البصرة؟ قال: لا والله، فاختر غير هذه البلدان. قال: لا والله، ما أختار غير ما ذكرت لك، ولو تركتني في دار هجرتي ما أردت شيئاً من البلدان، فسيِّرني حيث شئت من البلاد. قال: فإنّي مسيّرك إلى الربذة. قال: الله أكبر، صدق رسول الله(ص)، قد أخبرني بكلّ ما أنا لاقٍ. قال عثمان: وما قال لك؟ قال: أخبرني بأنّي أُمنع عن مكة والمدينة وأموت بالربذة، ويتولّى مواراتي نفر ممن يردون من العراق نحو الحجاز.

وبعث أبو ذر إلى جمل له، فحمل عليه امرأته، وقيل: ابنته، وأمر عثمان أن يتجافاه الناس حتى يسير إلى الربذة.

فلما طلع عن المدينة ومروان يسيّره عنها، إذ طلع عليه علي بن أبي طالب، ومعه ابناه وعقيل أخوه و عبد الله بن جعفر و عمار بن ياسر، فاعترض مروان فقال: يا علي، إنّ أمير المؤمنين قد نهى الناس أن يصحبوا أبا ذر في مسيره ويشيّعوه، فإن كنت لم تدر بذلك فقد أعلمتك، فحمل عليه علي بن أبي طالب بالسوط بين أُذني راحلته وقال: «تَنَحَّ! نَحَّاكَ اَللَّهُ إِلَى اَلنَّارِ ».

ومضى مع أبي ذر فشيّعه ثمّ ودّعه وانصرف، فلما أراد الانصراف بكى أبو ذر وقال: رحمكم الله أهل البيت، إذا رأيتك يا أبا الحسن وولديك، ذكرتُ بكم رسول الله(ص).

فشكا مروان إلى عثمان ما فعل به علي بن أبي طالب، فقال عثمان: يا معشر المسلمين، من يعذرني من علي؛ رد رسولي عما وجّهته له، وفعل كذا، والله لنعطينّه حقّه!

فلما رجع علي استقبله الناس فقالوا: إنّ أمير المؤمنين عليك غضبان لتشييعك أبا ذر، فقال علي: «غَضَبُ اَلْخَيْلِ عَلَى اَللُّجُمِ»[٥٧].

ثم جاء، فلما كان بالعشيّ جاء إلى عثمان، فقال له: ما حملك على ما صنعت بمروان، واجترأت عليَّ، ورددت رسولي وأمري؟! قال: «أَمَّا مَرْوَانُ فَاسْتَقْبَلَنِي بِرَدِّي فَرَدَدْتُهُ عَنْ رَدِّي، وَ أَمَّا أَمْرَكَ لَمْ أَرُدَّهُ». قال عثمان: أو لم يبلغك أني قد نهيت الناس عن أبي ذر وعن تشييعه؟ فقال علي: «أَ وَ كُلَّ مَا أَمَرْتَنَا بِهِ مِنْ شَيْءٍ نَرَى طَاعَةَ اَللَّهِ وَ اَلْحَقَّ فِي خِلاَفِهِ اِتَّبَعْنَا فِيهِ أَمْرَكَ، لَعَمْرُ اَللَّهِ مَا نَفْعَلُ». قال عثمان: أقِد مروان! قال: «وَ مِمَّ أُقِيدُهُ؟». قال: ضربت بين أُذني راحلته. قال علي: «أَمَّا رَاحِلَتِي فَهِيَ تِلْكَ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَضْرِبَهَا كَمَا ضَرَبْتُ رَاحِلَتَهُ فَعَلَ ، وَ أَمَّا أَنَا فَوَ اَللَّهِ لَئِنْ شَتَمَنِي لَأَشْتِمَنَّكَ بِمِثْلِهِ لاَ كَذِبَ فِيهِ وَ لاَ أَقُولُ إِلاَّ حَقّاً».

قال عثمان: ولِمَ لا يشتمك إذا شتمته؟! فوالله ما أنت عندي بأفضل منه. فغضب علي بن أبي طالب وقال: « لِي تَقُولُ هَذَا اَلْقَوْلَ؟! أَ مَرْوَانُ يُعْدَلُ بِي؟!!! فَلاَ وَ اَللَّهِ أَنَا أَفْضَلُ مِنْكَ وَ أَبِي أَفْضَلُ مِنْ أَبِيكَ، وَ أُمِّي أَفْضَلُ مِنْ أُمِّكَ، وَ هَذِهِ نَبْلِي قَدْ نَثَلْتُهَا فَانْثُلْ نَبْلَكَ».

فغضب عثمان واحمرّ وجهه، فقام ودخل داره، وانصرف علي فاجتمع إليه أهل بيته ورجال من المهاجرين والأنصار. فلما كان من الغد واجتمع الناس إلى عثمان، شكا إليهم عليّاً وقال: إنه يعيبني ويظاهر من يعيبني - يريد بذلك أبا ذر وعمّار بن ياسر وغيرهما- فدخل الناس بينهما، وقال له علي: «وَ اَللَّهِ مَا أَرَدْتُ بِتَشْيِيعِي أَبَا ذَرٍّ إِلاَّ اَللَّهَ تَعَالَى»[٥٨].

وفي رواية الواقدي، من طريق صهبان مولى الأسلميّين قال: رأيت أبا ذر يوم دخل به على عثمان فقال له: أنت الذي فعلت ما فعلت، فقال له أبو ذر: نصحتك فاستغششتني، ونصحت صاحبك فاستغشَّني، فقال عثمان: كذبت! ولكنك تريد الفتنة وتحبّها، قد أنغلتَ[٥٩] الشام علينا، فقال له أبو ذر: اتّبع سنّة صاحبيك، لا يكن لأحد عليك كلام، قال عثمان: ما لك وذلك لا أُمّ لك! قال أبو ذر: والله، ما وجدت لي عذراً إلّا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فغضب عثمان وقال: أشيروا عليَّ في هذا الشيخ الكذّاب؛ إما أن أضربه أو أحبسه أو أقتله فإنه قد فرّق جماعة المسلمين! أو أنفيه من أرض الإسلام؟

فتكلّم علي - وكان حاضراً - وقال: أُشير عليك بما قاله مؤمن آل فرعون ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ[٦٠]. قال: فأجابه عثمان بجواب غليظ لا أحب ذكره، وأجابه عليّ بمثله. قال: ثم إن عثمان حظر على الناس أن يقاعدوا أبا ذر ويكلموه، فمكث كذلك أياما، ثم أمر أن يؤتى به فأُتي به، فلما وقف بين يديه قال: ويحك يا عثمان، أما رأيت رسول الله(ص) ورأيت أبا بكر وعمر؟! هل رأيت هذا هديهم؟! أما إنك لتبطش بي بطش الجبار، فقال: أُخرج عنّا من بلادنا! فقال أبو ذر: ما أبغض إلىّ جوارك! فإلى أين أخرج؟ قال: حيث شئت. قال: فأخرج إلى الشام أرض الجهاد؟ قال: إنما جلَبتُك من الشام لما قد أفسدتها، أفأردك إليها؟! قال: فأخرج إلى العراق؟ قال: لا. قال[٦١]: ولِمَ؟ قال: تقدم على قوم أهل شُبَه وطعنٍ في الأمة! قال: فأخرج إلى مصر؟ قال: لا. قال: فإلى أين أخرج؟ قال: حيث شئت. قال أبو ذر: فهو إذن التَعَرُّب بعد الهجرة؛ أخرج إلى نجد؟ فقال عثمان: الشرق الأبعد، أقصى فالأقصى، امض على وجهك هذا، ولا تعدونّ الربذة فسر إليها، فخرج إليها[٦٢].

وقال اليعقوبي: وبلغ عثمان أنّ أبا ذر يقعد في مجلس رسول الله(ص) ويجتمع إليه الناس، فيحدّث بما فيه الطعن عليه، وأنه وقف بباب المسجد فقال: أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أبو ذر الغفاري، أنا جندب بن جنادة الربذي؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ[٦٣] محمد الصفوة من نوح، فالأول من إبراهيم، والسلالة من إسماعيل، والعترة الهادية من محمد(ص)، إنه شرف شريفهم واستحقّوا الفضل، في قوم هم فينا كالسماء المرفوعة، وكالكعبة المستورة، أو كالقبلة المنصوبة، أو كالشمس الضاحية، أو كالقمر الساري، أو كالنجوم الهادية، أو كالشجرة الزيتونيّة أضاء زيتها وبورك زبدها، ومحمد وارث علم آدم وما فضّلت به النبيون.

-إلى أن قال: - وبلغ عثمان أنّ أبا ذر يقع فيه، ويذكر ما غيّر وبدّل من سنن رسول الله(ص)، وسنن أبي بكر وعمر، فسيّره إلى الشام إلى معاوية، وكان يجلس في المسجد فيقول كما كان يقول، ويجتمع إليه الناس، حتى كثر من يجتمع إليه ويسمع منه، وكان يقف على باب دمشق إذا صلى صلاة الصبح فيقول: جاءت القطار تحمل النار، لعن الله الآمرين بالمعروف التاركين له، ولعن الله الناهين عن المنكر والآتين له.

وكتب معاوية إلى عثمان: إنك قد أفسدت الشام على نفسك بأبي ذر: فكتب إليه أن احمله على قتب بغير وطاء، فقدم به إلى المدينة وقد ذهب لحم فخذيه.

فلما دخل إليه وعنده جماعة قال: بلغني أنك تقول: سمعت رسول الله(ص): «إذا کملت بنو أمية ثلاثين رجلاً، اتخذوا بلاد الله دولاً، وعباد الله خولاً، ودين الله دغلاً» فقال: نعم، سمعت رسول الله يقول ذلك، فقال لهم: أسمعتم رسول الله يقول ذلك؟ فبعث إلى علي بن أبي طالب فأتاه، فقال با أبا الحسن، أسمعت رسول الله يقول ما حكاه أبو ذر؟ وقصّ عليه الخبر، فقال عليّ: «نعم» قال: فكيف تشهد؟ قال: {{نص حديث|لقول رسول الله(ص): «مَا أَظَلَّتِ اَلْخَضْرَاءُ وَ لاَ أَقَلَّتِ اَلْغَبْرَاءُ ذَا لَهْجَةٍ أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ » فلم يقم بالمدينة إلا أياماً حتى أرسل إليه عثمان: والله لتخرجنّ عنها. قال: أتخرجني من حرم رسول الله(ص)؟ قال: نعم، وأنفك راغم! قال: فإلى مكة؟ قال: لا. قال: فإلى البصرة؟ قال: لا. قال: فإلى الكوفة؟ قال: لا، ولكن إلى الربذة التي خرجت منها حتى تموت فيها، يا مروان أخرجه ولا تدع أحدا يكلّمه حتى يخرج، فأخرجه على جمل ومعه امرأته وابنته.

فخرج علي و الحسن و الحسين و عبد الله بن جعفر و عمار بن ياسر ينظرون، فلما رأى أبو ذر عليّاً قام إليه فقبّل يده، ثم بكى وقال: إني إذا رأيتك ورأيت ولديك ذكرت قول رسول الله(ص)، فلم أصبر حتى أبكي، فذهب علي يكلّمه، فقال مروان: إنّ أمير المؤمنين قد نهى أن يكلّمه أحد، فرفع علي السوط وضرب وجه ناقة مروان قال: «تَنَحَّ! نَحَّاكَ اَللَّهُ إِلَى اَلنَّارِ» ثم شيّعه وكلّمه بكلام يطول شرحه، وتكلّم كلّ رجل من القوم، وانصرفوا، وانصرف مروان إلى عثمان، فجرى بينه وبين علي في هذا بعض الوحشة، وتلاحيا كلاماً[٦٤].

وأخرج ابن سعد من طريق الأحنف بن قيس قال: أتيت المدينة ثم أتيت الشام فجمِّعت[٦٥]، فإذن أنا برجل لا ينتهي إلى سارية إلا فرّ[٦٦] أهلها، يصلّي ويخفّف صلاته، قال: فجلست إليه فقلت: يا عبد الله، من أنت؟ قال: أنا أبو ذر، فقال لي: فأنت من أنت؟ قال قلت: أنا الأحنف بن قيس، قال: قم عنّي لا أعدك بشرّ، فقلت له: كيف تعدني بشرّ؟ قال: إنّ هذا - يعني معاوية - نادى مناديه أن لا يجالسني أحد[٦٧].

وأخرج أبو يعلى من طريق ابن عباس قال: استأذن أبو ذر على عثمان فقال: إنه يؤذينا! فلما دخل قال له عثمان: أنت الذي تزعم أنك خير من أبي بكر وعمر؟ قال: لا، ولكن سمعت رسول الله(ص) يقول: «إنّ أحبّكم إليّ وأقربكم منّي من بقي على العهد الذي عاهدته عليه» وأنا باقٍ على عهده. قال: فأمره أن يلحق بالشام، وكان يحدّثهم ويقول: لا يبيتنّ عند أحدكم دينار ولا درهم إلا ما ينفقه في سبيل الله أو يعدّه لغريم.

فكتب معاوية إلى عثمان: إن كان لك بالشام حاجة فابعث إلى أبي ذر، فكتب إليه عثمان: أن أقدم عليَّ، فقدم[٦٨].

ولما أُخرج أبو ذر إلى الربذة[٦٩] قال علي أمير المؤمنين: « يَا بَا ذَرٍّ إِنَّكَ غَضِبْتَ لِلَّهِ فَارْجُ مَنْ غَضِبْتَ لَهُ إِنَّ اَلْقَوْمَ خَافُوكَ عَلَى دُنْيَاهُمْ وَ خِفْتَهُمْ عَلَى دِينِكَ فَاتْرُكْ فِي أَيْدِيهِمْ مَا خَافُوكَ عَلَيْهِ وَ اُهْرُبْ مِنْهُمْ بِمَا خِفْتَهُمْ عَلَيْهِ فَمَا أَحْوَجَهُمْ إِلَى مَا مَنَعْتَهُمْ وَ أَغْنَاكَ عَمَّا مَنَعُوكَ وَ سَتَعْلَمُ مَنِ اَلرَّابِحُ غَداً وَ اَلْأَكْثَرُ حَسَداً وَ لَوْ أَنَّ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضَ كَانَتَا عَلَى عَبْدٍ رَتْقاً ثُمَّ اِتَّقَى اَللَّهَ لَجَعَلَ اَللَّهُ لَهُ مِنْهُمَا مَخْرَجاً لاَ يُؤْنِسَنَّكَ إِلاَّ اَلْحَقُّ وَ لاَ يُوحِشَنَّكَ إِلاَّ اَلْبَاطِلُ فَلَوْ قَبِلْتَ دُنْيَاهُمْ لَأَحَبُّوكَ وَ لَوْ قَرَضْتَ مِنْهَا لَآمَنُوكَ »[٧٠].

ونقل ابن أبي الحديد في شرحه على النهج واقعة أبي ذر وإخراجه إلى الربذة، قال: هي أحد الأحداث التي نقمت على عثمان، وقد روى هذا الكلام أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري، في كتاب السقيفة عن عبد الرزاق، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما أخرج أبو ذر إلى الربذة، أمر عثمان فنودي في الناس أن لا يكلم أحد أبا ذر ولا يشيّعه، وأمر مروان بن الحكم أن يخرج به، فخرج به وتحاماه[٧١] الناس، إلا علي بن أبي طالب[٧٢] وعقيلاً أخاه والحسن والحسين وعمّاراً، فإنهم خرجوا معه يشيّعونه وجعل الحسن يكلّم أبا ذر، فقال له مروان: إیهاً يا حسن! ألا تعلم أنّ أمير المؤمنين قد نهى عن كلام هذا الرجل؟! فإن كنت لا تعلم فاعلم ذلك.

فحمل عليٌّ على مروان فضرب بالسوط بين أُذني راحلته وقال: «تَنَحَّ! نَحَّاكَ اَللَّهُ إِلَى اَلنَّارِ».

فرجع مروان مغضباً إلى عثمان فأخبره الخبر، فتلظّى على عليٍّ، ووقف أبو ذر فودّعه القوم، ومعه ذكوان مولى أم هانئ بنت أبي طالب.

قال ذكوان: فحفظت كلام القوم - وكان حافظاً - فقال علي: « يَا بَا ذَرٍّ إِنَّكَ غَضِبْتَ لِلَّهِ فَارْجُ مَنْ غَضِبْتَ لَهُ إِنَّ اَلْقَوْمَ خَافُوكَ عَلَى دُنْيَاهُمْ وَ خِفْتَهُمْ عَلَى دِينِكَ فَاتْرُكْ فِي أَيْدِيهِمْ مَا خَافُوكَ عَلَيْهِ وَ اُهْرُبْ مِنْهُمْ بِمَا خِفْتَهُمْ عَلَيْهِ فَمَا أَحْوَجَهُمْ إِلَى مَا مَنَعْتَهُمْ وَ أَغْنَاكَ عَمَّا مَنَعُوكَ وَ سَتَعْلَمُ مَنِ اَلرَّابِحُ غَداً وَ اَلْأَكْثَرُ حَسَداً وَ لَوْ أَنَّ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضَ كَانَتَا عَلَى عَبْدٍ رَتْقاً ثُمَّ اِتَّقَى اَللَّهَ لَجَعَلَ اَللَّهُ لَهُ مِنْهُمَا مَخْرَجاً لاَ يُؤْنِسَنَّكَ إِلاَّ اَلْحَقُّ وَ لاَ يُوحِشَنَّكَ إِلاَّ اَلْبَاطِلُ»، ثم قال لأصحابه: «ودّعوا عمّكم» وقال لعقيل: «ودّع أخاك».

فتكلّم عقيل فقال: ما عسى ما نقول يا أبا ذر، وأنت تعلم أنا نحبّك وأنت تحبّنا، فاتّق الله فإنّ التقوى نجاة، واصبر فإنّ الصبر كرم، واعلم أنَّ استثقالك الصبر من الجزع، واستبطاءك العافية من اليأس، فدع اليأس والجزع.

ثم تكلّم الحسن فقال: «يَا عَمَّاهْ، لَوْ لاَ أَنَّهُ لاَ يَنْبَغِي لِلْمُوَدِّعِ أَنْ يَسْكُتَ، وَ لِلْمُشَيِّعِ أَنْ يَنْصَرِفَ لَقُصِرَ اَلْكَلاَمُ وَ إِنْ طَالَ اَلْأَسَفُ، وَ قَدْ أَتَى اَلْقَوْمُ إِلَيْكَ مَا تَرَى، فَضَعْ عَنْكَ اَلدُّنْيَا بِتَذَكُّرِ فَرَاغِهَا، وَ شِدَّةِ مَا اِشْتَدَّ مِنْهَا بِرَجَاءِ مَا بَعْدَهَا، وَ اِصْبِرْ حَتَّى تَلْقَى نَبِيَّكَ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ هُوَ عَنْكَ رَاضٍ.».

ثم تكلّم الحسين فقال: «يَا عَمَّاهْ، إِنَّ اَللَّهَ تَعَالَى قَادِرٌ أَنْ يُغَيِّرَ مَا قَدْ تَرَى، وَ اَللَّهُ« كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ  »، وَ قَدْ مَنَعَكَ اَلْقَوْمُ دُنْيَاهُمْ، وَ مَنَعْتَهُمْ دِينَكَ، فَمَا أَغْنَاكَ عَمَّا مَنَعُوكَ، وَ أَحْوَجَهُمْ إِلَى مَا مَنَعْتَهُمْ، فَأَسْأَلُ اَللَّهَ اَلصَّبْرَ وَ اَلنَّصْرَ، وَ اِسْتَعِذْ بِهِ مِنَ اَلْجَشَعِ وَ اَلْجَزَعِ، فَإِنَّ اَلصَّبْرَ مِنَ اَلدِّينِ وَ اَلْكَرَمِ، وَ إِنَّ اَلْجَشَعَ لاَ يُقَدِّمُ رِزْقاً، وَ اَلْجَزَعَ لاَ يُؤَخِّرُ أَجَلاً».

تم تكلّم عمّار مغضباً فقال: لا آنس الله من أوحشك، ولا آمن من أخافك، أما والله لو أردت دنيا هم لأمّنوك، ولو رضيت أعمالهم لأحبّوك، وما منع الناس أن يقولوا بقولك إلا الرضى بالدنيا والجزع من الموت، ومالوا إلى ما [هو] سلطان جماعتهم عليه، والملك لمن غلب، فوهبوا لهم دينهم، ومنحهم القوم دنياهم، فخسروا الدنيا والآخرة؛ ﴿أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ[٧٣].

فبكى أبو ذر - وكان شيخاً كبيراً - فقال: رحمكم الله يا أهل بيت الرحمة، إذا رأيتكم ذكرت بكم رسول الله(ص)، ما لي بالمدينة سكن ولا شجن غيركم، إنّي ثقلت على عثمان بالحجاز كما ثقلت على معاوية بالشام، وكره أن أُجاور أخاه وابن خاله بالمصرين فأُفسد الناس عليهما، فسيّرني إلى بلد ليس لي به ناصر ولا دافع إلا الله؛ والله، ما أريد إلا الله صاحباً، وما أخشى مع الله وحشة.

ورجع القوم إلى المدينة، فجاء علي إلى عثمان، فقال له: ما حملك على ردّ رسولي وتصغير أمري؟ فقال علي: « أَمَّا رَسُولُكَ، فَأَرَادَ أَنْ يَرُدَّ وَجْهِي فَرَدَدْتُهُ، وَ أَمَّا أَمْرُكَ فَلَمْ أُصَغِّرْهُ» قال: أما بلغك نهیي عن كلام أبي ذر؟ قال: « أَ وَ كُلَّمَا أَمَرْتَ بِأَمْرِ مَعْصِيَةٍ أَطَعْنَاكَ فِيهِ؟!». قال عثمان: أقِد مروان من نفسك. قال: «مِمَّ ذَا؟» قال: من شتمه وجذب راحلته. قال: «أَمَّا رَاحِلَتُهُ فَرَاحِلَتِي بِهَا، وَ أَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ، فَوَ اَللَّهِ لاَ يَشْتِمُنِي شَتْمَةً إِلاَّ شَتَمْتُكَ مِثْلَهَا، لاَ أَكْذِبُ عَلَيْكَ». فغضب عثمان وقال: لِمَ لا يشتمك؟ كأنك خير منه! قال علىٌّ: « إِي وَ اَللَّهِ وَ مِنْكَ ».

ثمّ قام فخرج، فأرسل عثمان إلى وجوه المهاجرين والأنصار، وإلى بني أمية يشكو إليهم عليّاً، فقال القوم: أنت الوالي عليه وإصلاحه أجمل، قال: وددت ذلك، فأتوا عليّاً فقالوا: لو اعتذرت إلى مروان وأتيته! فقال: «كَلاَّ، أَمَّا مَرْوَانُ فَلاَ آتِيهِ، وَ لاَ أَعْتَذِرُ مِنْهُ، وَ لَكِنْ إِنْ أَحَبَّ عُثْمَانُ أَتَيْتُهُ». فرجعوا إلى عثمان فأخبروه، فأرسل عثمان إليه، فأتاه ومعه بنو هاشم، فتكلم علي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أَمَّا مَا وَجَدْتَ عَلَيَّ فِيهِ مِنْ كَلاَمِ أَبِي ذَرٍّ وَ وَدَاعِهِ، فَوَ اَللَّهِ مَا أَرَدْتُ مَسَاءَتَكَ وَ لاَ اَلْخِلاَفَ عَلَيْكَ، وَ لَكِنْ أَرَدْتُ بِهِ قَضَاءَ حَقِّهِ، وَ أَمَّا مَرْوَانُ فَإِنَّهُ اِعْتَرَضَ، يُرِيدُ رَدِّي عَنْ قَضَاءِ حَقِّ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ، فَرَدَدْتُهُ رَدَّ مِثْلِي مِثْلَهُ، وَ أَمَّا مَا كَانَ مِنِّي إِلَيْكَ، فَإِنَّكَ أَغْضَبْتَنِي، فَأَخْرَجَ اَلْغَضَبُ مِنِّي مَا لَمْ أَوَدَّهُ».

فتكلّم عثمان فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما ما كان منك إلىّ فقد وهبته لك، وأما ما كان منك إلى مروان فقد عفا الله عنك، وما حلفت عليه فأنت البرّ الصادق، فادن يدك، فأخذ يده فضمّها إلى صدره، فلما نهض قالت قريش وبنو أميّة لمروان: أأنت رجل؟! جبهك علي وضرب راحلتك! وقد تفانت وائل في ضرع ناقة، وذبيان وعَبس في لطمة فرس، والأوس والخزرج في نِسعَة، أفتحمل لعليّ ما أتاه إليك؟! فقال مروان: والله، لو أردت ذلك لما قدرت عليه[٧٤].

قال ابن أبي الحديد: واعلم أنّ الذي عليه أكثر أرباب السيرة، وعلماء الأخبار والنقل، أنّ عثمان نفى أبا ذر أولاً إلى الشام، ثم استقدمه إلى المدينة لما شكى منه معاوية، ثم نفاه من المدينة إلى الربذة لما عمل بالمدينة نظير ما كان يعمل بالشام.

أصل هذه الواقعة أن عثمان لما أعطى مروان بن الحكم وغيره بيوت الأموال، واختص زيد بن ثابت بشيء منها، جعل أبو ذر يقول بين الناس، وفي الطرقات والشوارع: بشّر الكافرين بعذاب أليم، ويرفع بذلك صوته، ويتلو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ[٧٥]، فرفع ذلك إلى عثمان مراراً وهو ساكت، ثم إنه أرسل إليه مولى من مواليه أن أنته عمّا بلغني عنك، فقال أبو ذر: أينهاني عثمان عن قراءة كتاب الله تعالى وعيب من ترك أمر الله تعالى؟! فو الله، لأن أرضي الله يسخط عثمان أحبّ إليّ وخير لي من أن أُسخط الله برضى عثمان، فأغضب عثمان ذلك وأحفظه وتصابر وتماسك، إلى أن قال عثمان يوماً، والناس حوله: أيجوز للإمام أن يأخذ من المال شيئاًً قرضاً، فإذا أيسر قضى؟ فقال كعب الأحبار: لا بأس بذلك[٧٦].

وساق القصة نحو ما ذكرنا عن البلاذري بأدنى تفاوت.

وقال أيضاً: وروى شيخنا أبو عثمان الجاحظ، في كتاب السفيانية، عن جلام بن جندل الغفاري قال: كنت عاملاً لمعاوية على قنَّسرين[٧٧] والعواصم[٧٨] في خلافة عثمان، فجئت إليه يوماً أسأله عن حال عملي، إذ سمعت صارخاً على باب داره يقول: أتتكم القطار بحمل النار، اللهم العن الآمرين بالمعروف التاركين له، اللهم العن الناهين عن المنكر المرتكبين له، فازبأرّ معاوية (أي تهيّأ للشرّ) وتغيّر لونه وقال: يا جلّام أتعرف الصارخ؟ فقلت: اللهم لا، قال: من عذيري[٧٩] من جندب بن جنادة؟! یأتینا کلّ یوم فيصرخ على باب قصرنا بما سمعت! ثم قال: أدخلوه عليَّ، فجيء بأبي ذر بين قوم يقودونه حتّى وقف بين يديه، فقال له معاوية: يا عدوّ الله وعدوّ رسوله، تأتينا في كل يوم فتصنع ما تصنع! أما إنّي لو كنت قاتل رجل من أصحاب رسول الله(ص) من غير إذن أمير المؤمنين عثمان لقتلتك، ولكنّي أستأذن فيك.

قال جلّام: وكنت أُحبّ أن أرى أبا ذر؛ لأنه رجل من قومي، فالتفتُّ إليه فإذن رجل أسمر، ضَرب[٨٠] من الرجال، خفيف العارضين، في ظهره جَنأ[٨١].

فأقبل على معاوية وقال: ما أنا بعدوّ لله ولا لرسوله، بل أنت وأبوك عدوّان لله ولرسوله؛ أظهر تما الإسلام وأبطنتما الكفر، ولقد لعنك رسول الله(ص) وقال: «إذا وُلّي الأُمّة الأعين، الواسع البلعوم [٨٢]، الذي يأكل ولا يشبع، فلتأخذ الأمة حِذرها منه» فقال معاوية: ما أنا ذاك الرجل، قال أبو ذر: بل أنت ذاك الرجل؛ أخبرني بذلك رسول الله(ص)، وسمعته يقول، وقد مررت به: «اللهم العنه ولا تشبعه إلا بالتراب» وسمعته يقول: «إست[٨٣] معاوية في النار» فضحك معاوية وأمر بحبسه.

وكتب إلى عثمان فيه - فكتب عثمان إلى معاوية-: أن احمل جندباً إلىّ على أغلظ مركب وأوعره، فوجّه به مع من سار به الليل والنهار، وحمله على شارف[٨٤] ليس عليها إلا قتب، حتى قدم به المدينة وقد سقط لحم فخذيه من الجهد، فلما قدم بعث إليه. وساق الحديث نحو ما ذكرنا سابقاً.

وفي رواية الواقدي: أنّ أبا ذر لما دخل على عثمان قال له:

لا أنعم الله بِقَينٍ عَيناًنعم، ولا لقّاهُ یوماً زیناً
تحيّة السخطِ إذا التَقَينا


فقال أبو ذر: ما عرفت اسمي قيناً قطّ.

وفي رواية أخرى: لا أنعم الله بك عيناً يا جنيدب! فقال أبو ذر: أنا جندب، وسمّاني رسول الله: عبد الله، فاخترت اسم رسول الله(ص) الذي سماني به على اسمي.

فقال له عثمان: أنت الذي تزعم أنّا نقول: يد الله مغلولة، وإن الله فقير ونحن أغنیاء؟

فقال أبو ذر: لو كنتم لا تقولون هذا لأنفقتم مال الله على عباده، ولكني أشهد أني سمعت رسول الله يقول: «إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا، جعلوا مال الله دوَلاً، وعباده خوَلاً، ودينه دَخَلاً» وساقه نحو ما هو مذكور آنفاً[٨٥].

وروى الواقدي أيضاً، عن مالك بن أبي الرجال، عن موسى بن ميسرة، أنّ أبا الأسود الدؤلي قال: كنت أُحبّ لقاء أبي ذر لأسأله عن سبب خروجه إلى الربذة، فجئته فقلت له ألا تخبرني، أخرجت من المدينة طائعاً أم خرجت كرهاً؟ فقال: كنت في ثغر من تغور المسلمين أُغني عنهم، فأُخرجت إلى المدينة، فقلت: دار هجرتي وأصحابي، فأُخرجت من المدينة إلى ما ترى.

ثم قال: بينا أنا ذات ليلة نائم في المسجد على عهد رسول الله(ص)، إذ مرّ بي(ص) فضربني برجله وقال: «لا أراك نائماً في المسجد» فقلت: بأبي أنت وأمي، غلبتني عيني فنمت فيه، قال: «فكيف تصنع إذا أخرجت؟» قلت: أرجع إلى المسجد، قال: «فكيف تصنع إذا أخرجوك منه؟» قلت: آخذ سيفي فأضربهم به، فقال: «ألا أدلّك على خير من ذلك؟ انسق معهم حيث ساقوك، وتسمع وتطيع». فسمعت وأطعت، وأنا أسمع وأطيع، والله ليلقينّ الله عثمان وهو آثم في جنبي.

ثم إن ابن أبي الحديد شرع في الذبّ عن فعل عثمان بأبي ذر، واعتذر عنه فقال: والوجه أن يقال في الاعتذار عن عثمان وحسن الظنّ بفعله: إنه خاف الفتنة واختلاف كلمة المسلمين، فغلب على ظنّه أن إخراج أبي ذر إلى الربذة أحسم للشغب[٨٦]، وأقطع لأطماع من يشرئبّ[٨٧] إلى شقّ العصاء، فأخرجه مراعاةً للمصلحة، ومثل ذلك يجوز للإمام؛ هكذا يقول أصحابنا المعتزلة، وهو الأليق بمكارم الأخلاق.

ثم قال: وإنما يتأوّل أصحابنا لمن يحتمل حاله التأويل كعثمان، فأما من لم يحتمل حاله التأويل - وإن كانت له صحبة سالفة- كمعاوية وأضرابه، فإنهم لا يتأولون لهم إذا كانت أفعالهم وأحوالهم لا وجه لتأويلها، ولا تقبل العلاج والإصلاح[٨٨].[٨٩]

مواقف أبي ذر بالشام وروايته فضائل أهل البيت(ع)

في البحار عن مجالس المفيد، بإسناده عن أبي جهضم الأزدي، عن أبيه - وكان من أهل الشام - قال: لما سيّر عثمان أبا ذر من المدينة إلى الشام، كان يقصّ علينا؛ فيحمد الله، فيشهد شهادة الحقّ ويصلّي على النبي(ص) فيقول: أما بعد، فإنّا كنّا في جاهليتنا قبل أن ينزل علينا الكتاب ويبعث فينا الرسول، ونحن نوفي بالعهد ونصدّق الحديث ونحسن الجوار ونقري الضيف ونواسي الفقير.

فلما بعث الله فينا رسول الله(ص) وأنزل علينا كتابه، كانت تلك الأخلاقي يرضاها الله ورسوله، وكان أحقّ بها أهل الإسلام وأولى أن يحفظوها، فلبثوا بذلك ما شاء الله أن يلبثوا.

ثمّ إنّ الولاة قد أحدثوا أعمالاً قباحاً لا نعرفها، من سنّة تُطفى، وبدعة تحيى، وقائلٍ بحقّ مُكَذَّب، وأثَرة لغير تقيّ، وأمين مستأثر عليه من الصالحين، اللهم إن كان ما عندك خيراً لي فاقبضني إليك غير مبدّل ولا مغيّر، وكان يعيد هذا الكلام ويبديه.

فأتى حبيب بن مسلمة معاوية بن أبي سفيان فقال: إنّ أبا ذر يفسد عليك الناس بقوله: كيت وكيت، فكتب معاوية إلى عثمان بذلك، فكتب عثمان: أخرجه إليّ، فلما صار إلى المدينة نفاه إلى الربذة[٩٠].

وعنه بهذا الإسناد عن أبي جهضم، عن أبيه قال: لما أخرج عثمان أبا ذر الغفاري من المدينة إلى الشام، كان يقوم في كلّ يوم فيعظ الناس ويأمرهم بالتمسك بطاعة الله، ويحذّرهم من ارتكاب معاصيه، ويروي عن رسول الله(ص) ما سمعه منه في فضائل أهل بيته ويحضّهم على التمسك بعترته، فكتب معاوية إلى عثمان: أما بعد، فإنّ أبا ذر يصبح إذا أصبح ويمسي إذا أمسى وجماعة من الناس كثيرة عنده، فيقول كيت وكيت، فإن كان لك حاجة في الناس قبلي فأقدم أبا ذر إليك، فإني أخاف أن يفسد الناس عليك، والسلام.

فكتب إليه عثمان: أما بعد، فأشخص إليّ أبا ذر حين تنظر كتابي هذا، والسلام.

فبعث معاوية إلى أبي ذر ودعاه، وأقرأه كتاب عثمان وقال له: النجاء الساعة، فخرج أبو ذرّ إلى راحلته فشدّها بكورها[٩١] وأنساعها، فاجتمع إليه الناس فقالوا له: يا أبا ذر (رحمك الله)، أين تريد؟ قال أخرجوني إليكم غضباً عليَّ، وأخرجوني منكم إليهم الآن عبثاً بي، ولا يزال هذا الأمر - فيما أرى - شأنهم، فيما بيني وبينهم، حتّى يستريح برّ أو يستراح من فاجر، ومضى.

وسمع الناس بمخرجه فأتبعوه حتى خرج من دمشق، فساروا مع معه حتى انتهى إلى دير مُرّان[٩٢] فنزل، ونزل معه الناس واستقدم فصلّى بهم، ثم قال: أيها الناس، إني موصيكم بما ينفعكم وتارك الخطب والتشقيق؛ أحمدوا الله عزّ وجلّ. قالوا: الحمد لله. قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، فأجابوه بمثل ما قال، فقال: أشهد أنّ البعث حق وأنّ الجنة حق وأنّ النار حق، وأُقرّ بما جاء من عند الله فاشهدوا عليَّ بذلك. قالوا: نحن على ذلك من الشاهدين. قال ليبشرّ من مات منكم على هذه الخصال برحمة الله وكرامته ما لم يكن للمجرمين ظهيراً، ولا لأعمال الظلمة مصلحاً ولا لهم معيناً.

أيها الناس، اجمعوا مع صلاتكم وصومكم غضباً لله عزّ وجلّ إذا عصي في الأرض، ولا تُرضوا أئمتكم بسخط الله، وإن أحدثوا ما لا تعرفون فجانبوهم وأزروا[٩٣] عليهم وإن عذّبتم وحرمتم وسيّرتم، حتى يرضى الله عزّ وجلّ، فإن الله أعلى وأجلّ، لا ينبغي أن يُسخط برضى المخلوقين، غفر الله لي ولكم، أستودعكم الله وأقرأ عليكم السلام ورحمة الله.

فناداه الناس أن سلّم الله عليك ورحمك يا أبا ذر، يا صاحب رسول الله، ألا نردّك إن كان هؤلاء القوم أخرجوك؟ ألا نمنعك؟ فقال لهم ارجعوا (رحمكم الله)، فإني أصبر منكم على البلوى، وإياكم والفرقة والاختلاف، فمضى حتى قدم إلى عثمان.

فلما دخل عليه قال له: لا قرّب الله بعمرو عيناً، فقال أبو ذرّ: والله ما سمّاني أبواي عمراً، ولكن لا قرب الله من عصاه وخالف أمره وارتكب هواه، فقام إليه كعب الأحبار فقال له: ألا تتّقي الله يا شيخ، تجبه[٩٤] أمير المؤمنين بهذا الكلام، فرفع أبو ذرّ عصا كانت في يده فضرب بها رأس كعب ثم قال له: يابن اليهوديّين، ما كلامك مع المسلمين؟! فوالله ما خرجت اليهوديّة من قلبك بعد.

فقال عثمان: والله لا جمعتني وإياك دار، قد خرفت وذهب عقلك، أخرجوه من بين يديَّ حتى تركبوه قتب ناقة بغير وطاء[٩٥] ثم انجوا[٩٦] به الناقة وتعتعوه[٩٧] حتى توصلوه الربذة، فنزّلوه بها من غير أنيس حتى يقضي الله فيه ما هو قاض، فأخرجوه متعتعاً ملهوزاً[٩٨] بالعصيِّ.

فبلغ ذلك أمير المؤمنين(ع) فبكي حتى بلّ دموعه لحيته، ثم قال: «أَ هَكَذَا يُصْنَعُ بِصَاحِبِ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ ؟! ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ[٩٩]»، ثم نهض ومعه الحسن و الحسين(ع) و عبد الله بن عباس والفضل وقثم وعبيد الله[١٠٠] حتى لحقوا أبا ذر فشيّعوه.

فلما بصر بهم أبو ذرّ حنّ إليهم، وبكى عليهم وقال: بأبي وجوه إذا رأيتها ذكرت بها رسول الله(ص)، وشملتني البركة برؤيتها، ثم رفع يديه إلى السماء وقال: اللهم إني أُحبّهم، ولو قطّعت إرباً إرباً في محبّتهم ما زلت عنها ابتغاء وجهك والدار الآخرة، فارجعوا (رحمكم الله)، والله أسأل أن يخلفني فيكم أحسن الخلافة، فودّعه القوم ورجعوا وهم يبكون على فراقه[١٠١].[١٠٢]

الأشتر يصلّي على أبي ذر

وفيه: عن محمد بن علقمة بن الأسود النخعي قال: خرجت في رهط أُريد الحجّ منهم مالك بن الحارث[١٠٣] الأشتر حتى قدمنا الربذة، فإذن امرأة على قارعة الطريق تقول: يا عباد الله المسلمين، هذا أبا ذر صاحب رسول الله(ص) قد هلك غريباً، ليس لي أحد يعينني عليه، قال: فنظر بعضنا إلى بعض، وحمدنا الله على ما ساق إلينا، واسترجعنا على عظم المصيبة، ثم أقبلنا معها فجهّزناه وتنافسنا في كفنه، حتى خرج من بيننا بالسواء، ثم تعاونّا على غسله حتى فرغنا منه، ثم قدمنا مالك الأشتر فصلّى بنا عليه، ثم دفنّاه، فقام الأشتر على قبره ثم قال: اللهم هذا أبو ذرّ صاحب رسول الله(ص)، عبدك في العابدين، وجاهد فيك المشركين، لم يغيّر ولم يبدّل، لكنّه رأى منكراً فغيّره بلسانه وقلبه، حتى جُفي ونُفي وحُرِم واحتُقر، ثم مات وحيداً غريباً، اللهم فاقصم من حرمه ونفاه من مهاجره وحرم رسولك، قال: فرفعنا أيدينا جميعاً وقلنا: آمين، ثم قدّمت الشاة التي صنعت، فقالت: إنه قد أقسم عليكم أن لا تبرحوا حتى تتغدّوا، فتغدّينا وارتحلنا[١٠٤].[١٠٥]

زُهد أبي ذر

قيل له عند الموت يا أبا ذر، ما مالك؟ قال: عملي، قالوا: إنما نسألك عن الذهب والفضّة، قال: ما أصبح ولا أمسي، وما أمسي ولا أصبح لنا كندوج[١٠٦] فيه حُرّ[١٠٧] متاعنا؛ سمعت خليلي رسول الله(ص) يقول: « كُنْدُوجُ اَلْمَرْءِ قَبْرُهُ»[١٠٨]، وروى الكشي، عن موسى بن بكر مثله[١٠٩].

وفيه عن الكافي، بإسناده: « عَنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ قَالَ أَبُو ذَرٍّ رَحِمَهُ اَللَّهُ: جَزَى اَللَّهُ اَلدُّنْيَا عَنِّي مَذَمَّةً بَعْدَ رَغِيفَيْنِ مِنَ اَلشَّعِيرِ أَتَغَدَّى بِأَحَدِهِمَا وَ أَتَعَشَّى بِالْآخَرِ وَ بَعْدَ شَمْلَتَيِ اَلصُّوفِ أَتَّزِرُ بِإِحْدَاهُمَا وَ أَرْتَدِي بِالْأُخْرَى»[١١٠]. وروى الكشّي وشيخ الطائفة مثله[١١١].

وفيه عن الكافي، بإسناده: « عَنْ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ كَانَ أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: يَا مُبْتَغِيَ اَلْعِلْمِ كَأَنَّ شَيْئاً مِنَ اَلدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ شَيْئاً إِلاَّ مَا يَنْفَعُ خَيْرُهُ وَ يَضُرُّ شَرُّهُ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ اَللَّهُ يَا مُبْتَغِيَ اَلْعِلْمِ لاَ يَشْغَلُكَ أَهْلٌ وَ لاَ مَالٌ عَنْ نَفْسِكَ أَنْتَ يَوْمَ تُفَارِقُهُمْ كَضَيْفٍ بِتَّ فِيهِمْ ثُمَّ غَدَوْتَ عَنْهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ وَ اَلدُّنْيَا وَ اَلْآخِرَةُ كَمَنْزِلٍ تَحَوَّلْتَ مِنْهُ إِلَى غَيْرِهِ وَ مَا بَيْنَ اَلْمَوْتِ وَ اَلْبَعْثِ إِلاَّ كَنَوْمَةٍ نِمْتَهَا ثُمَّ اِسْتَيْقَظْتَ مِنْهَا يَا مُبْتَغِيَ اَلْعِلْمِ قَدِّمْ لِمَقَامِكَ بَيْنَ يَدَيِ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَإِنَّكَ مُثَابٌ بِعَمَلِكَ كَمَا تَدِينُ تُدَانُ يَا مُبْتَغِيَ اَلْعِلْمِ»[١١٢].

اعلم أنّ الأشياء إما أن يكون لها جهة خير وإما جهة شرّ، فالإنسان العاقل يختار خيره ويحترز عن شرّه، وعليه يحمل قوله (رضي الله عنه): كأنّ شيئاً من الدنيا إلى آخره.

وفيه عن الكافي: «عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي ذَرٍّ فَقَالَ يَا بَا ذَرٍّ مَا لَنَا نَكْرَهُ اَلْمَوْتَ فَقَالَ لِأَنَّكُمْ عَمَرْتُمُ اَلدُّنْيَا وَ أَخْرَبْتُمُ اَلْآخِرَةَ فَتَكْرَهُونَ أَنْ تُنْقَلُوا مِنْ عُمْرَانٍ إِلَى خَرَابٍ فَقَالَ لَهُ فَكَيْفَ تَرَى قُدُومَنَا عَلَى اَللَّهِ فَقَالَ أَمَّا اَلْمُحْسِنُ مِنْكُمْ فَكَالْغَائِبِ يَقْدَمُ عَلَى أَهْلِهِ وَ أَمَّا اَلْمُسِيءُ فَكَالْآبِقِ يَرِدُ عَلَى مَوْلاَهُ قَالَ فَكَيْفَ تَرَى حَالَنَا عِنْدَ اَللَّهِ قَالَ اِعْرِضُوا أَعْمَالَكُمْ عَلَى اَلْكِتَابِ إِنَّ اَللَّهَ يَقُولُ ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ[١١٣] ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ[١١٤] قَالَ فَقَالَ اَلرَّجُلُ فَأَيْنَ رَحْمَةُ اَللَّهِ قَالَ رَحْمَةُ اَللَّهِ: ﴿قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ[١١٥] قَالَ أَبُو عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَ كَتَبَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ يَا بَا ذَرٍّ أَطْرِفْنِي بِشَيْءٍ مِنَ اَلْعِلْمِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنَّ اَلْعِلْمَ كَثِيرٌ وَ لَكِنْ إِنْ قَدَرْتَ عَلَى أَنْ لاَ تُسِيءَ إِلَى مَنْ تُحِبُّهُ فَافْعَلْ فَقَالَ لَهُ اَلرَّجُلُ وَ هَلْ رَأَيْتَ أَحَداً يُسِيءُ إِلَى مَنْ يُحِبُّهُ فَقَالَ نَعَمْ نَفْسُكَ أَحَبُّ اَلْأَنْفُسِ إِلَيْكَ فَإِذَا أَنْتَ عَصَيْتَ اَللَّهَ فَقَدْ أَسَأْتَ إِلَيْهَا »[١١٦].

وفيه عن الكافي: « عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ: أَتَى أَبُو ذَرٍّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اَللَّهِ إِنِّي قَدِ اِجْتَوَيْتُ اَلْمَدِينَةَ أَ فَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَخْرُجَ أَنَا وَ اِبْنُ أَخِي إِلَى مُزَيْنَةَ فَنَكُونَ بِهَا فَقَالَ إِنِّي أَخْشَى أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكَ خَيْلٌ مِنَ اَلْعَرَبِ فَيُقْتَلَ اِبْنُ أَخِيكَ فَتَأْتِيَنِي شَعِثاً فَتَقُومَ بَيْنَ يَدَيَّ مُتَّكِئاً عَلَى عَصَاكَ فَتَقُولَ قُتِلَ اِبْنُ أَخِي وَ أُخِذَ اَلسَّرْحُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اَللَّهِ بَلْ لاَ يَكُونُ إِلاَّ خَيْراً إِنْ شَاءَ اَللَّهُ فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَخَرَجَ هُوَ وَ اِبْنُ أَخِيهِ وَ اِمْرَأَتُهُ فَلَمْ يَلْبَثْ هُنَاكَ إِلاَّ يَسِيراً حَتَّى غَارَتْ خَيْلٌ لِبَنِي فَزَارَةَ فِيهَا عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ فَأَخَذَ اَلسَّرْحَ وَ قَتَلَ اِبْنَ أَخِيهِ وَ أُخِذَتِ اِمْرَأَتُهُ مِنْ بَنِي غِفَارٍ وَ أَقْبَلَ أَبُو ذَرٍّ يَشْتَدُّ حَتَّى وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ بِهِ طَعْنَةٌ جَائِفَةٌ فَاعْتَمَدَ عَلَى عَصَاهُ وَ قَالَ صَدَقَ اَللَّهُ وَ رَسُولُهُ أُخِذَ اَلسَّرْحُ وَ قُتِلَ اِبْنُ أَخِي وَ قُمْتُ بَيْنَ يَدَيْكَ عَلَى عَصَايَ فَصَاحَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فِي اَلْمُسْلِمِينَ فَخَرَجُوا فِي اَلطَّلَبِ فَرَدُّوا اَلسَّرْحَ وَ قَتَلُوا نَفَراً مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ »[١١٧].

وفي كتاب الخرائج مثله[١١٨].

بيان للمجلسي: «اجتوى البلد!»: كره المقام فيه؛ و«الجائفة»: الطعنة التي تنفذ إلى الجوف. قال: ولعلّ هذا كان قبل كمال أبي ذر في الإيمان، أو فهم من كلامه(ص) أنه راض بخروجه، وإنما أخبره بذلك ليقوّي إيمانه، أو كان يحتمل أن يكون هذا من الأخبار البدائيّة[١١٩].

أقول: قوله(ص): «إِنِّي أَخْشَى» إلى آخره ليس على سبيل الجزم حتى يقال: إنه إخبار، وعدم تصديقه إما كفر إن اعتقد أنه نبيّ، وإما عصيان لو احتمل غير ذلك؛ فالأولى أن يحمل على أنه(ص) احتمل - من القرائن والشواهد الموجودة عنده - ذلك، ففي مقام المشورة أخبره بأنه يمكن أن يصير مآل أمرك هكذا، وحيث إنه لا جزم في القضية، فرجّح أبو ذرّ المسير، وإن كان إطاعة النبي أولى؛ لقرينة أنه نبي، ولكنّ قوله: «بل لا يكون إلا خيراً»، يوحي بأنّه جازم على وجود المصلحة في سيره، فلذا رضي النبي بخروجه وأذن له، بعد أن بيّن أبو ذرّ وجه الترجيح له.

وفيه عن الكافي: «عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ بِالْمَدِينَةِ يَدْخُلُ مَسْجِدَ اَلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَقَالَ اَللَّهُمَّ آنِسْ وَحْشَتِي وَ صِلْ وَحْدَتِي وَ اُرْزُقْنِي جَلِيساً صَالِحاً فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ فِي أَقْصَى اَلْمَسْجِدِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَ قَالَ لَهُ مَنْ أَنْتَ يَا عَبْدَ اَللَّهِ فَقَالَ أَنَا أَبُو ذَرٍّ فَقَالَ اَلرَّجُلُ اَللَّهُ أَكْبَرُ اَللَّهُ أَكْبَرُ فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ وَ لِمَ تُكَبِّرُ يَا عَبْدَ اَللَّهِ فَقَالَ إِنِّي دَخَلْتُ اَلْمَسْجِدَ فَدَعَوْتُ اَللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يُؤْنِسَ وَحْشَتِي وَ أَنْ يَصِلَ وَحْدَتِي وَ أَنْ يَرْزُقَنِي جَلِيساً صَالِحاً فَقَالَ لَهُ أَبُو ذَرٍّ أَنَا أَحَقُّ بِالتَّكْبِيرِ مِنْكَ إِذْ كُنْتُ ذَلِكَ اَلْجَلِيسَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ يَقُولُ أَنَا وَ أَنْتُمْ عَلَى تُرْعَةٍ [١٢٠]يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ حَتَّى يَفْرُغَ اَلنَّاسُ مِنَ اَلْحِسَابِ قُمْ يَا بَا عَبْدِ اَللَّهِ فَقَدْ نَهَى اَلسُّلْطَانُ عَنْ مُجَالَسَتِي »[١٢١].

وفيه بإسناده عن شقيق البلخي، عمن أخبره من أهل العلم قال: قيل لأبي ذر: كيف أصبحت يا صاحب رسول الله؟ قال: أصبحت بين نعمتين؛ بين ذنب مستور، وثناءٍ من اغترّ به فهو مغرور[١٢٢].

وفيه بإسناده: «عَنْ سَالِمٍ اَلْجَيْشَانِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ اَلنَّبِيَّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قَالَ: يَا بَا ذَرٍّ إِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفاً فَلاَ تَأَمَّرَنَّ عَلَى اِثْنَيْنِ وَ لاَ تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ »[١٢٣].

وفيه عن كتاب العلل: « عَنْ عَبَّادِ بْنِ صُهَيْبٍ قَالَ: قُلْتُ لِلصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ أَخْبِرْنِي عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَ هُوَ أَفْضَلُ أَمْ أَنْتُمْ أَهْلَ اَلْبَيْتِ فَقَالَ يَا اِبْنَ صُهَيْبٍ كَمْ شُهُورُ اَلسَّنَةِ فَقُلْتُ اِثْنَا عَشَرَ شَهْراً فَقَالَ وَ كَمِ اَلْحُرُمُ مِنْهَا قُلْتُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ قَالَ فَشَهْرُ رَمَضَانَ مِنْهَا قُلْتُ لاَ قَالَ فَشَهْرُ رَمَضَانَ أَفْضَلُ أَمِ اَلْأَشْهُرُ اَلْحُرُمُ فَقُلْتُ بَلْ شَهْرُ رَمَضَانَ قَالَ فَكَذَلِكَ نَحْنُ أَهْلَ اَلْبَيْتِ لاَ يُقَاسُ بِنَا أَحَدٌ وَ إِنَّ أَبَا ذَرٍّ كَانَ فِي قَوْمٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَتَذَاكَرُوا فَضَائِلَ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ أَفْضَلُ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَ هُوَ قَسِيمُ اَلْجَنَّةِ وَ اَلنَّارِ وَ هُوَ صِدِّيقُ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ وَ فَارُوقُهَا وَ حُجَّةُ اَللَّهِ عَلَيْهَا فَمَا بَقِيَ مِنَ اَلْقَوْمِ أَحَدٌ إِلاَّ أَعْرَضَ عَنْهُ بِوَجْهِهِ وَ أَنْكَرَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ وَ كَذَّبَهُ فَذَهَبَ أَبُو أُمَامَةَ اَلْبَاهِلِيُّ مِنْ بَيْنِهِمْ إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَأَخْبَرَهُ بِقَوْلِ أَبِي ذَرٍّ وَ إِعْرَاضِهِمْ عَنْهُ وَ تَكْذِيبِهِمْ لَهُ فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ مَا أَظَلَّتِ اَلْخَضْرَاءُ وَ لاَ أَقَلَّتِ اَلْغَبْرَاءُ يَعْنِي مِنْكُمْ يَا أَبَا أُمَامَةَ مِنْ ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ »[١٢٤].

وفيه عن معاني الأخبار: «عَنْ أَيُّوبَ بْنِ نُوحٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ اَلْفَرَّاءِ عَنْ رَجُلٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فِي أَبِي ذَرٍّ مَا أَظَلَّتِ اَلْخَضْرَاءُ وَ مَا أَقَلَّتِ اَلْغَبْرَاءُ أَصْدَقَ لَهْجَةٍ مِنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ بَلَى قُلْتُ فَأَيْنَ رَسُولُ اَللَّهِ وَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْحَسَنُ وَ اَلْحُسَيْنُ عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ قَالَ فَقَالَ لِي كَمْ فِيكُمُ اَلسَّنَةُ شَهْراً قُلْتُ اِثْنَا عَشَرَ شَهْراً قَالَ كَمْ مِنْهَا حَرَامٌ قُلْتُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ قَالَ شَهْرُ رَمَضَانَ مِنْهَا قُلْتُ لاَ قَالَ إِنَّ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لَيْلَةً اَلْعَمَلُ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ لاَ يُقَاسُ بِنَا أَحَدٌ»[١٢٥].

أقول: وروى المفيد رحمه الله في الاختصاص مثله[١٢٦].


وفيه عن كتاب: « اِبْنُ مَحْبُوبٍ عَنِ اَلثُّمَالِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ قَالَ: إِنَّ أَبَا ذَرٍّ عَيَّرَ رَجُلاً عَلَى عَهْدِ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ بِأُمِّهِ فَقَالَ لَهُ يَا اِبْنَ اَلسَّوْدَاءِ وَ كَانَتْ أُمُّهُ سَوْدَاءَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ تُعَيِّرُهُ بِأُمِّهِ يَا بَا ذَرٍّ قَالَ فَلَمْ يَزَلْ أَبُو ذَرٍّ يُمَرِّغُ[١٢٧] وَجْهَهُ فِي اَلتُّرَابِ وَ رَأْسَهُ حَتَّى رَضِيَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ عَنْهُ»[١٢٨].

وفيه عن الكشي، بإسناده: «عَنْ زَيْدٍ اَلشَّحَّامِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ يَقُولُ: طَلَبَ أَبُو ذَرٍّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَقِيلَ إِنَّهُ فِي حَائِطِ كَذَا وَ كَذَا فَتَوَجَّهَ فِي طَلَبِهِ فَوَجَدَهُ نَائِماً فَأَعْظَمَهُ أَنْ يُنَبِّهَهُ فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَبْرِئَ نَوْمَهُ مِنْ يَقَظَتِهِ فَتَنَاوَلَ عَسِيباً يَابِساً فَكَسَرَهُ لِيُسْمِعَهُ صَوْتَهُ لِيَسْتَبْرِئَ نَوْمَهُ فَسَمِعَهُ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ يَا بَا ذَرٍّ تَخْدَعُنِي أَ مَا عَلِمْتَ أَنِّي أَرَى أَعْمَالَكُمْ فِي مَنَامِي كَمَا أَرَاكُمْ فِي يَقَظَتِي إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَ لاَ يَنَامُ قَلْبِي»[١٢٩].

قال ابن أبي الحديد في شرحه على النهج: روى أبو عمر بن عبد البر في كتاب الاستيعاب: «لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا ذَرٍّ اَلْوَفَاةُ وَ هُوَ بِالرَّبَذَةِ - بَكَتْ زَوْجَتُهُ أُمُّ ذَرٍّ قَالَتْ فَقَالَ لِي مَا يُبْكِيكِ فَقَالَتْ مَا لِي لاَ أَبْكِي وَ أَنْتَ تَمُوتُ بِفَلاَةٍ مِنَ اَلْأَرْضِ وَ لَيْسَ عِنْدِي ثَوْبٌ يَسَعُكَ كَفَناً وَ لاَ بُدَّ لِي مِنَ اَلْقِيَامِ بِجِهَازِكَ فَقَالَ أَبْشِرِي وَ لاَ تَبْكِي فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ يَقُولُ لاَ يَمُوتُ بَيْنَ اِمْرَءَيْنِ مُسْلِمَيْنِ وَلَدَانِ أَوْ ثَلاَثٌ فَيَصْبِرَانِ وَ يَحْتَسِبَانِ فَيَرَيَانِ اَلنَّارَ أَبَداً وَ قَدْ مَاتَ لَنَا ثَلاَثَةٌ مِنَ اَلْوَلَدِ وَ سَمِعْتُ أَيْضاً رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ يَقُولُ لِنَفَرٍ أَنَا فِيهِمْ لَيَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ بِفَلاَةٍ مِنَ اَلْأَرْضِ يَشْهَدُهُ عِصَابَةٌ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ لَيْسَ مِنْ أُولَئِكَ اَلنَّفَرِ أَحَدٌ إِلاَّ وَ قَدْ مَاتَ فِي قَرْيَةٍ وَ جَمَاعَةٍ فَأَنَا لاَ أَشُكُّ أَنِّي ذَلِكَ اَلرَّجُلُ وَ اَللَّهِ مَا كَذَبْتُ وَ لاَ كُذِبْتُ فَانْظُرِي اَلطَّرِيقَ قَالَتْ أُمُّ ذَرٍّ فَقُلْتُ أَنَّى وَ قَدْ ذَهَبَ اَلْحَاجُّ وَ تَقَطَّعَتِ اَلطُّرُقُ فَقَالَ اِذْهَبِي فَتَبَصَّرِي قَالَتْ فَكُنْتُ أَشْتَدُّ إِلَى اَلْكَثِيبِ فَأَصْعَدُ فَأَنْظُرُ ثُمَّ أَرْجِعُ إِلَيْهِ فَأُمَرِّضُهُ فَبَيْنَا أَنَا وَ هُوَ عَلَى هَذِهِ اَلْحَالَةِ إِذَا أَنَا بِرِجَالٍ عَلَى رِكَابِهِمْ كَأَنَّهُمُ اَلرَّخَمُ[١٣٠] تَخُبُّ بِهِمْ[١٣١] رَوَاحِلُهُمْ فَأَسْرَعُوا إِلَيَّ حَتَّى وَقَفُوا عَلَيَّ وَ قَالُوا يَا أَمَةَ اَللَّهِ مَا لَكِ فَقُلْتُ اِمْرُؤٌ مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ يَمُوتُ تُكَفِّنُونَهُ قَالُوا وَ مَنْ هُوَ قُلْتُ أَبُو ذَرٍّ قَالُوا صَاحِبُ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قُلْتُ نَعَمْ فَفَدَوْهُ بِآبَائِهِمْ وَ أُمَّهَاتِهِمْ وَ أَسْرَعُوا إِلَيْهِ حَتَّى دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُمْ أَبْشِرُوا فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ يَقُولُ لِنَفَرٍ أَنَا فِيهِمْ لَيَمُوتَنَّ رَجُلٌ مِنْكُمْ بِفَلاَةٍ مِنَ اَلْأَرْضِ تَشْهَدُهُ عِصَابَةٌ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ لَيْسَ مِنَ أُولَئِكَ اَلنَّفَرِ أَحَدٌ إِلاَّ وَ قَدْ هَلَكَ فِي قَرْيَةٍ وَ جَمَاعَةٍ وَ اَللَّهِ مَا كَذَبْتُمْ وَ لاَ كُذِبْتُمْ وَ لَوْ كَانَ عِنْدِي ثَوْبٌ يَسَعُنِي كَفَناً لِي أَوْ لاِمْرَأَتِي لَمْ أُكَفَّنْ إِلاَّ فِي ثَوْبٍ لِي أَوْ لَهَا وَ إِنِّي أَنْشُدُكُمُ اَللَّهَ أَنْ لاَ يُكَفِّنَنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ كَانَ أَمِيراً أَوْ عَرِيفاً أَوْ بَرِيداً أَوْ نَقِيباً قَالَتْ وَ لَيْسَ فِي أُولَئِكَ اَلنَّفَرِ أَحَدٌ إِلاَّ وَ قَدْ قَارَفَ بَعْضَ مَا قَالَ إِلاَّ فَتًى مِنَ اَلْأَنْصَارِ قَالَ لَهُ أَنَا أُكَفِّنُكَ يَا عَمِّ فِي رِدَائِي هَذَا وَ فِي ثَوْبَيْنِ مَعِي فِي عَيْبَتِي مِنْ غَزْلِ أُمِّي فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ أَنْتَ تُكَفِّنُنِي فَمَاتَ فَكَفَّنَهُ اَلْأَنْصَارِيُّ وَ غَسَّلَهُ فِي اَلنَّفَرِ اَلَّذِينَ حَضَرُوهُ وَ قَامُوا عَلَيْهِ وَ دَفَنُوهُ فِي نَفَرٍ كُلُّهُمْ يَمَانٍ»

روى أبو عمر بن عبد البر، قبل أن يروي هذا الحديث كان النفر الذين حضروا موت أبي ذر في الربذة مصادفة، جماعة منهم حجر بن الأدبر، و مالك بن الحارث الأشتر.

قلت: حجر بن الأدبر هو حجر بن عدي الذي قتله معاوية، وهو من أعلام الشيعة وعظمائها، وأما مالك بن الحارث الأشتر فهو أشهر في الشيعة من أبي الهذيل في المعتزلة. وقرئ كتاب الاستيعاب على شيخنا عبد الوهاب بن سكينة المحدث وأنا حاضر، فلما انتهى القارئ إلى هذا الخبر قال أستاذي عمر بن عبد الله الدباس - وكنت أحضر معه سماع الحديث: لتقل الشيعة بعد هذا ما شاءت، فما قال المرتضى والمفيد إلا بعض ما كان حجر والأشتر يعتقدانه في عثمان ومن تقدّمه، فأشار الشيخ إليه بالسكوت فسكت[١٣٢].

أقول: انظر وتبصر وازدد يقيناً!

ويأتي في ترجمة عبد الله بن مسعود أنه المتكفّل لدفن أبي ذر.

وفيه: قال ابن عبد البر - بعد نقل الرواية الطويلة -: روى عنه جماعة من الصحابة، وكان من أوعية العلم المبرّزين في الزهد والورع والقول بالحق، سُئل علي(ع) عن أبي ذر فقال: «ذَلِكَ رَجُلٌ وَعَى عِلْماً عَجَزَ عَنْهُ اَلنَّاسُ ثُمَّ أَوْكَأَ عَلَيْهِ وَ لَمْ يُخْرِجْ شَيْئاً مِنْهُ ».

وروي عن النبي(ص) أنه قال: «أبو ذرّ في أمّتي شبيه عيسى بن مريم في زهده». وبعضهم يرويه: «من سرّه أن ينظر إلى تواضع عيسى بن مريم فلينظر إلى أبي ذر».

وعن أبي ذر أنه قال: كان قوتي على عهد رسول الله(ص) صاعاً من تمر، فلست بزائد عليه حتى ألقى الله[١٣٣].

في البحار عن نوادر الراوندي، بإسناده: «عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ آبَائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ : أَنَّ أَبَا ذَرٍّ اَلْغِفَارِيَّ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ تَمَعَّكَ فَرَسُهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَحَمْحَمَ فِي تَمَعُّكِهِ فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ هِيَ حَسْبُكَ اَلْآنَ فَقَدِ اُسْتُجِيبَ لَكَ فَاسْتَرْجَعَ اَلْقَوْمُ وَ قَالُوا خُولِطَ أَبُو ذَرٍّ فَقَالَ لِلْقَوْمِ مَا لَكُمْ قَالُوا تُكَلِّمُ بَهِيمَةً مِنَ اَلْبَهَائِمِ فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ يَقُولُ إِذَا تَمَعَّكَ اَلْفَرَسُ دَعَا بِدَعْوَتَيْنِ فَيُسْتَجَابُ لَهُ يَقُولُ اَللَّهُمَّ اِجْعَلْنِي أَحَبَّ مَالِهِ إِلَيْهِ وَ اَلدَّعْوَةُ اَلثَّانِيَةُ اَللَّهُمَّ اُرْزُقْهُ عَلَى ظَهْرِي اَلشَّهَادَةَ وَ دَعْوَتَاهُ مُسْتَجَابَتَانِ»[١٣٤].

وفيه بإسناده: «عَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ ذَاتَ يَوْمٍ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ وَ عِنْدَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ عَلَيْكُمُ اَلسَّاعَةَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اَلْجَنَّةِ فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ قَامَ نَفَرٌ مِنْهُمْ فَخَرَجُوا وَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُحِبُّ أَنْ يَعُودَ لِيَكُونَ هُوَ أَوَّلَ دَاخِلٍ فَيَسْتَوْجِبَ اَلْجَنَّةَ فَعَلِمَ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ ذَلِكَ مِنْهُمْ فَقَالَ لِمَنْ بَقِيَ عِنْدَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ سَيَدْخُلُ عَلَيْكُمْ جَمَاعَةٌ يَسْتَبِقُونِي فَمَنْ بَشَّرَنِي بِخُرُوجِ آزَارَ[١٣٥] فَلَهُ اَلْجَنَّةُ فَعَادَ اَلْقَوْمُ وَ دَخَلُوا وَ مَعَهُمْ أَبُو ذَرٍّ فَقَالَ لَهُمْ فِي أَيِّ شَهْرٍ نَحْنُ مِنَ اَلشُّهُورِ اَلرُّومِيَّةِ فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ قَدْ خَرَجَ آزَارُ يَا رَسُولَ اَللَّهِ فَقَالَ قَدْ عَلِمْتُ ذَلِكَ يَا بَا ذَرٍّ وَ لَكِنْ أَحْبَبْتُ أَنْ يَعْلَمَ قَوْمِي أَنَّكَ رَجُلٌ مِنَ اَلْجَنَّةِ وَ كَيْفَ لاَ تَكُونُ كَذَلِكَ وَ أَنْتَ اَلْمَطْرُودُ عَنْ حَرَمِي بَعْدِي لِمَحَبَّتِكَ لِأَهْلِ بَيْتِي فَتَعِيشُ وَحْدَكَ وَ تَمُوتُ وَحْدَكَ وَ يَسْعَدُ بِكَ قَوْمٌ يَتَوَلَّوْنَ تَجْهِيزَكَ وَ دَفْنَكَ أُولَئِكَ رُفَقَائِي فِي جَنَّةِ ﴿الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ[١٣٦]»[١٣٧].

وفيه بإسناده عن نعيم بن قعنب قال: أتيت الربذة ألتمس أبا ذر، فقالت لي امرأته: ذهب يمتهن[١٣٨]، قال: فإذن أبو ذرّ قد أقبل يقود بعيرين، قد قطر أحدهما بذنب الآخر، وقد علّق في عنق كلّ واحد منهما قربة، قال: فقمت فسلّمت عليه ثم جلست، فدخل منزله وكلّم امرأته بشيء، فقال: أو ما تزيدين على ما قال رسول الله(ص): «إنما المرأة كالضلع إن أقمتها كسرتها، وفيها بلغة» أي انتفاع، وهي من تتمة قول النبي(ص)، وفي المرأة انتفاع إذا صبر الرجل على سوء خلقها.

وقال المجلسي: يحتمل أن يكون من كلام أبي ذر، فالضمير راجع إلى الكلمة، أي في تلك الكلمة بلغة وكفاية لمن عمل بالمقصود منها.

أقول: وهذا الاحتمال بعيد.

ثم جاء بصحفة فيها مثل القطاة، فقال: كل، فإنّي صائم، ثم قام فصلّى ركعتين، ثم جاء فأكل، فقال: قلت: سبحان الله! ما ظننت أن يكذبني من الناس، فلم أظنّ أنك تكذبني! قال: وما ذاك؟ قلت: إنك قلت لي: أنا صائم، ثم جئت فأكلت، قال: وأنا الآن أقول: إني صمت من هذا الشهر ثلاثاً، فوجب لي صومه وحلّ لي فطره[١٣٩].

بيان: قوله: «فوجب» أي ثبت، و«حلّ لي»: أي لزم لي ثواب صومه، كذا ذكره المجلسي[١٤٠].[١٤١]

احتجاج أبي ذر على عثمان بفعل رسول الله(ص) في الفيء

وفيه عن تفسير القمي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ[١٤٢] ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ[١٤٣] إنها نزلت في أبي ذر و عثمان بن عفان.

«اَلْآيَةَ فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَبِي ذَرٍّ وَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَ كَانَ سَبَبُ ذَلِكَ لَمَّا أَمَرَ عُثْمَانُ بِنَفْيِ أَبِي ذَرٍّ رَحِمَهُ اَللَّهُ إِلَى اَلرَّبَذَةِ دَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو ذَرٍّ وَ كَانَ عَلِيلاً مُتَوَكِّياً عَلَى عَصَاهُ وَ بَيْنَ يَدَيْ عُثْمَانَ مِائَةُ أَلْفِ دِرْهَمٍ قَدْ حُمِلَتْ إِلَيْهِ مِنْ بَعْضِ اَلنَّوَاحِي وَ أَصْحَابُهُ حَوْلَهُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَ يَطْمَعُونَ أَنْ يَقْسِمَهَا فِيهِمْ فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ لِعُثْمَانَ مَا هَذَا اَلْمَالُ فَقَالَ عُثْمَانُ مِائَةُ أَلْفِ دِرْهَمٍ حُمِلَتْ إِلَيَّ مِنْ بَعْضِ اَلنَّوَاحِي أُرِيدُ أَنْ أَضُمَّ إِلَيْهَا مِثْلَهَا ثُمَّ أَرَى فِيهَا رَأْيِي فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ يَا عُثْمَانُ أَيُّمَا أَكْثَرُ مِائَةُ أَلْفِ دِرْهَمٍ أَوْ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ فَقَالَ عُثْمَانُ بَلْ مِائَةُ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَقَالَ أَ مَا تَذْكُرُ أَنَا وَ أَنْتَ وَ قَدْ دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ عَشِيّاً فَرَأَيْنَاهُ كَئِيباً حَزِيناً فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا اَلسَّلاَمَ فَلَمَّا أَصْبَحْنَا أَتَيْنَاهُ فَرَأَيْنَاهُ ضَاحِكاً مُسْتَبْشِراً فَقُلْنَا لَهُ بِآبَائِنَا وَ أُمَّهَاتِنَا دَخَلْنَا عَلَيْكَ اَلْبَارِحَةَ فَرَأَيْنَاكَ كَئِيباً حَزِيناً وَ عُدْنَا إِلَيْكَ اَلْيَوْمَ فَرَأَيْنَاكَ فَرِحاً مُسْتَبْشِراً فَقَالَ نَعَمْ كَانَ قَدْ بَقِيَ عِنْدِي مِنْ فَيْءِ اَلْمُسْلِمِينَ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ لَمْ أَكُنْ قَسَمْتُهَا وَ خِفْتُ أَنْ يُدْرِكَنِي اَلْمَوْتُ وَ هِيَ عِنْدِي وَ قَدْ قَسَمْتُهَا اَلْيَوْمَ فَاسْتَرَحْتُ مِنْهَا فَنَظَرَ عُثْمَانُ إِلَى كَعْبِ اَلْأَحْبَارِ فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا إِسْحَاقَ مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ أَدَّى زَكَاةَ مَالِهِ اَلْمَفْرُوضَةَ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ فِيهَا شَيْءٌ قَالَ لاَ وَ لَوِ اِتَّخَذَ لَبِنَةً مِنْ ذَهَبٍ وَ لَبِنَةً مِنْ فِضَّةٍ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَرَفَعَ أَبُو ذَرٍّ عَصَاهُ فَضَرَبَ بِهِ رَأْسَ كَعْبٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ يَا اِبْنَ اَلْيَهُودِيَّةِ اَلْكَافِرَةِ مَا أَنْتَ وَ اَلنَّظَرَ فِي أَحْكَامِ اَلْمُسْلِمِينَ قَوْلُ اَللَّهِ أَصْدَقُ مِنْ قَوْلِكَ حَيْثُ قَالَ: ﴿الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ[١٤٤] ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ[١٤٥] فَقَالَ عُثْمَانُ يَا بَا ذَرٍّ إِنَّكَ شَيْخٌ خَرِفْتَ وَ ذَهَبَ عَقْلُكَ وَ لَوْ لاَ صُحْبَتُكَ لِرَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ لَقَتَلْتُكَ فَقَالَ كَذَبْتَ يَا عُثْمَانُ أَخْبَرَنِي حَبِيبِي رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَقَالَ لاَ يَفْتِنُونَكَ يَا أَبَا ذَرٍّ وَ لاَ يَقْتُلُونَكَ وَ أَمَّا عَقْلِي فَقَدْ بَقِيَ مِنْهُ مَا أَحْفَظُ حَدِيثاً سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فِيكَ وَ فِي قَوْمِكَ قَالَ وَ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فِيَّ وَ فِي قَوْمِي قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ إِذَا بَلَغَ آلُ أَبِي اَلْعَاصِ ثَلاَثِينَ رَجُلاً صَيَّرُوا مَالَ اَللَّهِ دُوَلاً وَ كِتَابَ اَللَّهِ دَغَلاً وَ عِبَادَهُ خَوَلاً وَ اَلْفَاسِقِينَ حِزْباً وَ اَلصَّالِحِينَ حَرْباً فَقَالَ عُثْمَانُ يَا مَعْشَرَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ هَلْ سَمِعَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اَللَّهِ فَقَالُوا لاَ مَا سَمِعْنَا هَذَا فَقَالَ عُثْمَانُ اُدْعُ عَلِيّاً فَجَاءَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ يَا أَبَا اَلْحَسَنِ اُنْظُرْ مَا يَقُولُ هَذَا اَلشَّيْخُ اَلْكَذَّابُ فَقَالَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ مَهْ يَا عُثْمَانُ لاَ تَقُلْ كَذَّابٌ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ يَقُولُ مَا أَظَلَّتِ اَلْخَضْرَاءُ وَ مَا أَقَلَّتِ اَلْغَبْرَاءُ عَلَى ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ صَدَقَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَدْ سَمِعْنَا هَذَا مِنْ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَبَكَى أَبُو ذَرٍّ عِنْدَ ذَلِكَ فَقَالَ وَيْلَكُمْ كُلُّكُمْ قَدْ مَدَّ عُنُقَهُ إِلَى هَذَا اَلْمَالِ ظَنَنْتُمْ أَنِّي أَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ مَنْ خَيْرُكُمْ فَقَالَ أَنْتَ تَقُولُ أَنَّكَ خَيْرُنَا قَالَ نَعَمْ خَلَّفْتُ حَبِيبِي رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فِي هَذِهِ اَلْجُبَّةِ وَ هِيَ عَلَيَّ بَعْدُ وَ أَنْتُمْ قَدْ أَحْدَثْتُمْ أَحْدَاثاً كَثِيرَةً - وَ اَللَّهُ سَائِلُكُمْ عَنْ ذَلِكَ وَ لاَ يَسْأَلُنِي فَقَالَ عُثْمَانُ يَا أَبَا ذَرٍّ أَسْأَلُكَ بِحَقِّ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ إِلاَّ مَا أَخْبَرْتَنِي عَنْ شَيْءٍ أَسْأَلُكَ عَنْهُ فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ وَ اَللَّهِ لَوْ لَمْ تَسْأَلْنِي بِحَقِّ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ أَيْضاً لَأَخْبَرْتُكَ فَقَالَ أَيُّ اَلْبِلاَدِ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ تَكُونَ فِيهَا فَقَالَ مَكَّةُ حَرَمُ اَللَّهِ وَ حَرَمُ رَسُولِهِ أَعْبُدُ اَللَّهَ فِيهَا حَتَّى يَأْتِيَنِي اَلْمَوْتُ فَقَالَ لاَ وَ لاَ كَرَامَةَ لَكَ فَقَالَ اَلْمَدِينَةُ حَرَمُ رَسُولِ اَللَّهِ قَالَ لاَ وَ لاَ كَرَامَةَ لَكَ قَالَ فَسَكَتَ أَبُو ذَرٍّ فَقَالَ عُثْمَانُ أَيُّ اَلْبِلاَدِ أَبْغَضُ إِلَيْكَ أَنْ تَكُونَ فِيهَا قَالَ اَلرَّبَذَةُ اَلَّتِي كُنْتُ فِيهَا عَلَى غَيْرِ دِينِ اَلْإِسْلاَمِ فَقَالَ عُثْمَانُ سِرْ إِلَيْهَا فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ قَدْ سَأَلْتَنِي فَصَدَقْتُكَ وَ أَنَا أَسْأَلُكَ فَاصْدُقْنِي قَالَ نَعَمْ فَقَالَ أَخْبِرْنِي لَوْ بَعَثْتَنِي فِي بَعْثٍ مِنْ أَصْحَابِكَ إِلَى اَلْمُشْرِكِينَ فَأَسَرُونِي فَقَالُوا لاَ نَفْدِيهِ إِلاَّ بِثُلُثِ مَا تَمْلِكُ قَالَ كُنْتُ أَفْدِيكَ قَالَ فَإِنْ قَالُوا لاَ نَفْدِيهِ إِلاَّ بِنِصْفِ مَا تَمْلِكُ قَالَ كُنْتُ أَفْدِيكَ قَالَ فَإِنْ قَالُوا لاَ نَفْدِيهِ إِلاَّ بِكُلِّ مَا تَمْلِكُ قَالَ كُنْتُ أَفْدِيكَ قَالَ أَبُو ذَرٍّ اَللَّهُ أَكْبَرُ قَالَ لِي حَبِيبِي رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ يَوْماً يَا بَا ذَرٍّ كَيْفَ أَنْتَ إِذَا قِيلَ لَكَ أَيُّ اَلْبِلاَدِ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ تَكُونَ فِيهَا فَتَقُولُ مَكَّةُ حَرَمُ اَللَّهِ وَ حَرَمُ رَسُولِهِ أَعْبُدُ اَللَّهَ فِيهَا حَتَّى يَأْتِيَنِي اَلْمَوْتُ فَيُقَالُ لَكَ لاَ وَ لاَ كَرَامَةَ لَكَ فَتَقُولُ اَلْمَدِينَةُ حَرَمُ رَسُولِ اَللَّهِ فَيُقَالُ لَكَ لاَ وَ لاَ كَرَامَةَ لَكَ ثُمَّ يُقَالُ لَكَ فَأَيُّ اَلْبِلاَدِ أَبْغَضُ إِلَيْكَ أَنْ تَكُونَ فِيهَا فَتَقُولُ اَلرَّبَذَةُ اَلَّتِي كُنْتُ فِيهَا عَلَى غَيْرِ دِينِ اَلْإِسْلاَمِ فَيُقَالُ لَكَ سِرْ إِلَيْهَا فَقُلْتُ وَ إِنَّ هَذَا لَكَائِنٌ يَا رَسُولَ اَللَّهِ فَقَالَ إِي وَ اَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ لَكَائِنٌ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اَللَّهِ أَ فَلاَ أَضَعُ سَيْفِي هَذَا عَلَى عَاتِقِي فَأَضْرِبَ بِهِ قُدُماً قُدُماً قَالَ لاَ اِسْمَعْ وَ اُسْكُتْ وَ لَوْ لِعَبْدٍ حَبَشِيٍّ وَ قَدْ أَنْزَلَ اَللَّهُ فِيكَ وَ فِي عُثْمَانَ آيَةً فَقُلْتُ وَ مَا هِيَ يَا رَسُولَ اَللَّهِ فَقَالَ قَوْلُهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ[١٤٦] ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ[١٤٧]»

بيان: «دُوَلاً»: جمع دُوَلَةٍ، بالضمّ، وهي ما يتداول من المال فيكون لقوم دون قوم[١٤٨]، و«الدَخَل»، بالتحريك: العيب والغشّ والفساد[١٤٩]، وحقيقة الحديث أن يدخلوا في الدين أموراً لم تجربها السنّة، و«خِوَلاً»: أي خدماً وعبيداً، يعني بذلك أنهم يستخدمونهم ويستعبدونهم[١٥٠]، و«قُدُماً»، بضمّتين: أي لم يُعرِّج ولم ينثَن[١٥١]، كذا في البحار، عن النهاية[١٥٢].

وفيه عن تفسير القمي: «كَانَ أَبُو ذَرٍّ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَ ذَلِكَ أَنَّ جَمَلَهُ كَانَ أَعْجَفَ فَلَحِقَ بَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ وَ وَقَفَ عَلَيْهِ جَمَلُهُ فِي بَعْضِ اَلطَّرِيقِ فَتَرَكَهُ وَ حَمَلَ ثِيَابَهُ عَلَى ظَهْرِهِ فَلَمَّا اِرْتَفَعَ اَلنَّهَارُ نَظَرَ اَلْمُسْلِمُونَ إِلَى شَخْصٍ مُقْبِلٍ فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ كَأَنَّ أَبَا ذَرٍّ فَقَالُوا هُوَ أَبُو ذَرٍّ فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ أَدْرِكُوهُ بِالْمَاءِ فَإِنَّهُ عَطْشَانُ فَأَدْرَكُوهُ بِالْمَاءِ وَ وَافَى أَبُو ذَرٍّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ مَعَهُ إِدَاوَةٌ فِيهَا مَاءٌ فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ يَا بَا ذَرٍّ مَعَكَ مَاءٌ وَ عَطِشْتَ فَقَالَ نَعَمْ يَا رَسُولَ اَللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي اِنْتَهَيْتُ إِلَى صَخْرَةٍ وَ عَلَيْهَا مَاءُ اَلسَّمَاءِ فَذُقْتُهُ فَإِذَا هُوَ عَذْبٌ بَارِدٌ فَقُلْتُ لاَ أَشْرَبُهُ حَتَّى يَشْرَبَهُ حَبِيبِي رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ يَا أَبَا ذَرٍّ رَحِمَكَ اَللَّهُ تَعِيشُ وَحْدَكَ وَ تَمُوتُ وَحْدَكَ وَ تُبْعَثُ وَحْدَكَ وَ تَدْخُلُ اَلْجَنَّةَ وَحْدَكَ يَسْعَدُ بِكَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ اَلْعِرَاقِ يَتَوَلَّوْنَ غُسْلَكَ وَ تَجْهِيزَكَ وَ اَلصَّلاَةَ عَلَيْكَ وَ دَفْنَكَ فَلَمَّا سَيَّرَ بِهِ عُثْمَانُ إِلَى اَلرَّبَذَةِ فَمَاتَ بِهَا اِبْنُهُ ذَرٌّ وَقَفَ عَلَى قَبْرِهِ فَقَالَ رَحِمَكَ اَللَّهُ يَا ذَرُّ لَقَدْ كُنْتَ كَرِيمَ اَلْخُلُقِ بَارّاً بِالْوَالِدَيْنِ وَ مَا عَلَيَّ فِي مَوْتِكَ مِنْ غَضَاضَةٍ وَ مَا لِي إِلَى غَيْرِ اَللَّهِ مِنْ حَاجَةٍ وَ قَدْ شَغَلَنِي اَلاِهْتِمَامُ لَكَ عَنِ اَلاِغْتِمَامِ بِكَ وَ لَوْ لاَ هَوْلُ اَلْمُطَّلَعِ لَأَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ مَكَانَكَ فَلَيْتَ شِعْرِي مَا قَالُوا لَكَ وَ مَا قُلْتَ لَهُمْ ثُمَّ قَالَ اَللَّهُمَّ إِنَّكَ فَرَضْتَ لَكَ عَلَيْهِ حُقُوقاً وَ فَرَضْتَ لِي عَلَيْهِ حُقُوقاً فَإِنِّي قَدْ وَهَبْتُ لَهُ مَا فَرَضْتَ عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِي فَهَبْ لَهُ مَا فَرَضْتَ عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِكَ فَإِنَّكَ أَوْلَى بِالْحَقِّ وَ أَكْرَمُ مِنِّي وَ كَانَتْ لِأَبِي ذَرٍّ غُنَيْمَاتٌ يَعِيشُ هُوَ وَ عِيَالُهُ مِنْهَا فَأَصَابَهَا دَاءٌ يُقَالُ لَهَا اَلنِّقَابُ[١٥٣] فَمَاتَتْ كُلُّهَا فَأَصَابَ أَبَا ذَرٍّ وَ اِبْنَتَهُ اَلْجُوعُ وَ مَاتَتْ أَهْلُهُ فَقَالَتِ اِبْنَتُهُ أَصَابَنَا اَلْجُوعُ وَ بَقِينَا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ لَمْ نَأْكُلْ شَيْئاً فَقَالَ لِي أَبِي يَا بُنَيَّةِ قُومِي بِنَا إِلَى اَلرَّمْلِ نَطْلُبُ اَلْقَتَّ وَ هُوَ نَبْتٌ لَهُ حَبٌّ فَصِرْنَا إِلَى اَلرَّمْلِ فَلَمْ نَجِدْ شَيْئاً فَجَمَعَ أَبِي رَمْلاً وَ وَضَعَ رَأْسَهُ عَلَيْهِ وَ رَأَيْتُ عَيْنَيْهِ قَدْ اِنْقَلَبَتْ فَبَكَيْتُ فَقُلْتُ لَهُ يَا أَبَهْ كَيْفَ أَصْنَعُ بِكَ وَ أَنَا وَحِيدَةٌ فَقَالَ يَا بِنْتِي لاَ تَخَافِي فَإِنِّي إِذَا مِتُّ جَاءَكِ مِنْ أَهْلِ اَلْعِرَاقِ مَنْ يَكْفِيكِ أَمْرِي فَإِنِّي أَخْبَرَنِي حَبِيبِي رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَقَالَ لِي يَا بَا ذَرٍّ تَعِيشُ وَحْدَكَ وَ تَمُوتُ وَحْدَكَ وَ تُبْعَثُ وَحْدَكَ وَ تَدْخُلُ اَلْجَنَّةَ وَحْدَكَ يَسْعَدُ بِكَ أَقْوَامٌ مِنْ أَهْلِ اَلْعِرَاقِ يَتَوَلَّوْنَ غُسْلَكَ وَ تَجْهِيزَكَ وَ دَفْنَكَ فَإِذَا أَنَا مِتُّ فَمُدِّي اَلْكِسَاءَ عَلَى وَجْهِي ثُمَّ اُقْعُدِي عَلَى طَرِيقِ اَلْعِرَاقِ فَإِذَا أَقْبَلَ رَكْبٌ فَقُومِي إِلَيْهِمْ وَ قُولِي هَذَا أَبُو ذَرٍّ صَاحِبُ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قَدْ تُوُفِّيَ قَالَتْ فَدَخَلَ إِلَيْهِ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ اَلرَّبَذَةِ فَقَالُوا يَا أَبَا ذَرٍّ مَا تَشْتَكِي قَالَ ذُنُوبِي قَالُوا فَمَا تَشْتَهِي قَالَ رَحْمَةَ رَبِّي قَالُوا هَلْ لَكَ بِطَبِيبٍ قَالَ اَلطَّبِيبُ أَمْرَضَنِي قَالَتِ اِبْنَتُهُ فَلَمَّا عَايَنَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ مَرْحَباً بِحَبِيبٍ أَتَى عَلَى فَاقَةٍ لاَ أَفْلَحَ مَنْ نَدِمَ اَللَّهُمَّ خَنِّقْنِي خِنَاقَكَ فَوَ حَقِّكَ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّ لِقَاءَكَ قَالَتِ اِبْنَتُهُ فَلَمَّا مَاتَ مَدَدْتُ اَلْكِسَاءَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ قَعَدْتُ عَلَى طَرِيقِ اَلْعِرَاقِ فَجَاءَ نَفَرٌ فَقُلْتُ لَهُمْ يَا مَعْشَرَ اَلْمُسْلِمِينَ هَذَا أَبُو ذَرٍّ صَاحِبُ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قَدْ تُوُفِّيَ فَنَزَلُوا وَ مَشَوْا يَبْكُونَ فَجَاءُوا فَغَسَّلُوهُ وَ كَفَّنُوهُ وَ دَفَنُوهُ وَ كَانَ فِيهِمُ اَلْأَشْتَرُ فَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ كَفَّنْتُهُ فِي حُلَّةٍ كَانَتْ مَعِي قِيمَتُهَا أَرْبَعَةُ آلاَفِ دِرْهَمٍ فَقَالَتِ اِبْنَتُهُ فَكُنْتُ أُصَلِّي بِصَلاَتِهِ وَ أَصُومُ بِصِيَامِهِ فَبَيْنَا أَنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ نَائِمَةٌ عِنْدَ قَبْرِهِ إِذْ سَمِعْتُهُ يَتَهَجَّدُ بِالْقُرْآنِ فِي نَوْمِي كَمَا كَانَ يَتَهَجَّدُ بِهِ فِي حَيَاتِهِ فَقُلْتُ يَا أَبَهْ مَا ذَا فَعَلَ بِكَ رَبُّكَ قَالَ يَا بِنْتِي قَدِمْتُ عَلَى رَبٍّ كَرِيمٍ رَضِيَ عَنِّي وَ رَضِيتُ عَنْهُ وَ أَكْرَمَنِي وَ حَيَّانِي فَاعْمَلِي وَ لاَ تَغْتَرِّي»[١٥٤].

وفيه، عن تفسير القمي: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ[١٥٥].[١٥٦] ﴿وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ[١٥٧] قَالَ اَلصَّادِقُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ هَكَذَا نَزَلَتْ وَ هُمْ أَبُو ذَرٍّ وَ أَبُو خَيْثَمَةَ وَ عَمْرُو بْنُ وَهْبٍ اَلَّذِينَ تَخَلَّفُوا ثُمَّ لَحِقُوا بِرَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ »[١٥٨].

وفي الخصال بإسناده عن أبي عبد الله(ع) قال: «كَانَ أَكْثَرُ عِبَادَةِ أَبِي ذَرٍّ رَحْمَةُ اَللَّهِ عَلَيْهِ خَصْلَتَيْنِ اَلتَّفَكُّرَ وَ اَلاِعْتِبَارَ »[١٥٩].

وفي أمالي الطوسي بإسناده: «عَنْ مُوسَى بْنِ بَكْرٍ عَنِ اَلْعَبْدِ اَلصَّالِحِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ: بَكَى أَبُو ذَرٍّ رَحْمَةُ اَللَّهِ عَلَيْهِ مِنْ خَشْيَةِ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ حَتَّى اِشْتَكَى بَصَرَهُ فَقِيلَ لَهُ يَا أَبَا ذَرٍّ لَوْ دَعَوْتَ اَللَّهَ أَنْ يَشْفِيَ بَصَرَكَ فَقَالَ إِنِّي عَنْهُ لَمَشْغُولٌ وَ مَا هُوَ مِنْ أَكْبَرِ هَمِّي قَالُوا وَ مَا يَشْغَلُكَ عَنْهُ قَالَ اَلْعَظِيمَتَانِ اَلْجَنَّةُ وَ اَلنَّارُ»[١٦٠].

في البحار، عن كشف اليقين بإسناده: « عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ اَللَّيْثِيِّ[١٦١] قَالَ: أَ لاَ أُحَدِّثُكَ بِحَدِيثٍ لَمْ يَخْتَلِطْ قُلْتُ بَلَى قَالَ مَرِضَ أَبُو ذَرٍّ فَأَوْصَى إِلَى عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَالَ بَعْضُ مَنْ يَعُودُهُ لَوْ أَوْصَيْتَ إِلَى أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ كَانَ أَجْمَلَ لِوَصِيَّتِكَ مِنْ عَلِيٍّ قَالَ وَ اَللَّهِ لَقَدْ أَوْصَيْتُ إِلَى أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ حَقَّ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَللَّهِ إِنَّهُ لَلرَّبِيعُ اَلَّذِي يُسْكَنُ إِلَيْهِ وَ لَوْ قَدْ فَارَقَكُمْ لَقَدْ أَنْكَرْتُمُ اَلنَّاسَ وَ أَنْكَرْتُمُ اَلْأَرْضَ قَالَ قُلْتُ يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ أَحَبَّهُمْ إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ أَحَبُّهُمْ إِلَيْكَ قَالَ أَجَلْ قُلْنَا فَأَيُّهُمْ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ هَذَا اَلشَّيْخُ اَلْمَظْلُومُ اَلْمُضْطَهَدُ حَقَّهُ يَعْنِي عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ »[١٦٢].

وفيه عن كشف اليقين، بإسناده عن معاوية بن ثعلبة[١٦٣] قال: دخلنا على أبي ذر نعوده في مرضه الذي مات فيه، فقلنا: أوصِ يا أبا ذر، قال: قد أوصيت، قلنا: إلى من، قال: إلى أمير المؤمنين، قال، قلنا: عثمان؟ قال: لا، ولكن إلى أمير المؤمنين حقِاً أمير المؤمنين، والله إنه لَرِبِّيُّ الأرض وإنه لربّاني هذه الأمة، ولو قد فقدتموه لأنكرتم الأرض ومن عليها[١٦٤].

بيان: «الرِّبيّ» و«الربّاني»، كلاهما منسوبان إلى الربّ، أي العالم الراسخ في العلم والدين[١٦٥].

وفيه عن المحاسن: «عَنْ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ: رُئِيَ أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ يَسْقِي حِمَاراً لَهُ بِالرَّبَذَةِ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ اَلنَّاسِ أَ مَا لَكَ يَا بَا ذَرٍّ مَنْ يَسْقِي لَكَ هَذَا اَلْحِمَارَ فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ يَقُولُ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ وَ هِيَ تَسْأَلُ كُلَّ صَبَاحٍ اَللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي مَلِيكاً صَالِحاً يُشْبِعُنِي مِنَ اَلْعَلَفِ وَ يُرْوِينِي مِنَ اَلْمَاءِ وَ لاَ يُكَلِّفُنِي فَوْقَ طَاقَتِي فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَسْقِيَهُ بِنَفْسِي»[١٦٦].[١٦٧]

بغض عثمان لأبي ذر وإخبار النبي(ص) بأنه ظالم له

في البحار عن الخرائج أنه «رُوِيَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ وَ عُثْمَانَ نَمْشِي وَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ مُتَّكِئٌ فِي اَلْمَسْجِدِ فَجَلَسْنَا إِلَيْهِ ثُمَّ قَامَ عُثْمَانُ وَ أَبُو ذَرٍّ جَالِسٌ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ لَهُ بِأَيِّ شَيْءٍ كُنْتَ تُنَاجِي عُثْمَانَ قَالَ كُنْتُ أَقْرَأُ سُورَةً مِنَ اَلْقُرْآنِ قَالَ أَمَا إِنَّهُ سَيُبْغِضُكَ وَ تُبْغِضُهُ وَ اَلظَّالِمُ مِنْكُمَا فِي اَلنَّارِ قُلْتُ ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ[١٦٨] اَلظَّالِمُ مِنِّي وَ مِنْهُ فِي اَلنَّارِ فَأَيُّنَا اَلظَّالِمُ فَقَالَ يَا أَبَا ذَرٍّ قُلِ اَلْحَقَّ وَ إِنْ وَجَدْتَهُ مُرّاً تَلْقَنِي عَلَى اَلْعَهْدِ»[١٦٩].

وفيه «عَنْ دَعَوَاتُ اَلرَّاوَنْدِيِّ ، عَنْ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ: وُعِكَ[١٧٠] أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اَللَّهِ إِنَّ أَبَا ذَرٍّ قَدْ وُعِكَ فَقَالَ اِمْضِ بِنَا إِلَيْهِ نَعُودُهُ فَمَضَيْنَا إِلَيْهِ جَمِيعاً فَلَمَّا جَلَسْنَا قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا أَبَا ذَرٍّ قَالَ أَصْبَحْتُ وَعِكاً يَا رَسُولَ اَللَّهِ فَقَالَ أَصْبَحْتَ فِي رَوْضَةٍ مِنْ رِيَاضِ اَلْجَنَّةِ قَدِ اِنْغَمَسْتَ فِي مَاءِ اَلْحَيَوَانِ وَ قَدْ غَفَرَ اَللَّهُ لَكَ مَا يَقْدَحُ فِي دِينِكَ فَأَبْشِرْ يَا أَبَا ذَرٍّ »[١٧١].[١٧٢]

دعاء أبي ذر لإبنه عند موته

في البحار عن الكافي بإسناده، رفعه قال: لما مات ذرّ بن أبي ذر، مسح أبو ذرّ القبر بيده ثم قال: رحمك الله يا ذرّ، والله إن كنت بي بارّاً، ولقد قبضت وإني عنك لراض، أما والله ما بي فقدك وما عليَّ من غضاضة، ومالي إلى أحد سوى الله من حاجة، ولولا هول المطلع لسرنّي أن أكون مكانك، ولقد شغلني الحزن لك عن الحزن عليك، والله ما بكيت لك ولكن بكيت عليك، فليت شعري ماذا قلت وماذا قيل لك؟ ثم قال: اللهم إني قد وهبت له ما افترضت عليه من حقي، فهب له ما افترضت عليه من حقّك فأنت أحقّ بالجود منّي[١٧٣].[١٧٤]

رؤيا أبي ذر وتصديق النبي(ص)

في كتاب معاني الأخبار للصدوق، باب معنى قول النبي(ص) في حقّ أبي ذر: «حَدَّثَنَا أَبُو اَلْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ اَلْبَصْرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اَللَّهِ عَبْدُ اَلسَّلاَمِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ اَلْهَاشِمِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ اَلشَّيْبَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو اَلْقَاسِمِ اَلْخَضِرُ بْنُ أَبَانٍ عَنْ أَبِي هَدِيَّةَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَدِيَّةَ اَلْبَصْرِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَتَى أَبُو ذَرٍّ يَوْماً إِلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَقَالَ مَا رَأَيْتُ كَمَا رَأَيْتُ اَلْبَارِحَةَ قَالُوا وَ مَا رَأَيْتَ اَلْبَارِحَةَ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ بِبَابِهِ فَخَرَجَ لَيْلاً فَأَخَذَ بِيَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَ خَرَجَا إِلَى اَلْبَقِيعِ فَمَا زِلْتُ أَقْفُو أَثَرَهُمَا إِلَى أَنْ أَتَيَا مَقَابِرَ مَكَّةَ فَعَدَلَ إِلَى قَبْرِ أَبِيهِ فَصَلَّى عِنْدَهُ رَكْعَتَيْنِ فَإِذَا بِالْقَبْرِ قَدِ اِنْشَقَّ وَ إِذَا بِعَبْدِ اَللَّهِ جَالِسٌ وَ هُوَ يَقُولُ أَنَا أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ فَقَالَ لَهُ مَنْ وَلِيُّكَ يَا أَبَتِ فَقَالَ وَ مَا اَلْوَلِيُّ يَا بُنَيَّ فَقَالَ هُوَ هَذَا عَلِيٌّ فَقَالَ وَ إِنَّ عَلِيّاً وَلِيِّي - قَالَ فَارْجِعْ إِلَى رَوْضَتِكَ ثُمَّ عَدَلَ إِلَى قَبْرِ أُمِّهِ آمِنَةَ فَصَنَعَ كَمَا صَنَعَ عِنْدَ قَبْرِ أَبِيهِ فَإِذَا بِالْقَبْرِ قَدِ اِنْشَقَّ وَ إِذَا هِيَ تَقُولُ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ وَ أَنَّكَ نَبِيُّ اَللَّهِ وَ رَسُولُهُ فَقَالَ لَهَا مَنْ وَلِيُّكِ يَا أُمَّاهْ فَقَالَتْ وَ مَا اَلْوَلاَيَةُ يَا بُنَيَّ قَالَ هُوَ هَذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَتْ وَ أَنَّ عَلِيّاً وَلِيِّي فَقَالَ اِرْجِعِي إِلَى حُفْرَتِكِ وَ رَوْضَتِكِ فَكَذَّبُوهُ وَ لَبَّبُوهُ وَ قَالُوا يَا رَسُولَ اَللَّهِ كَذَبَ عَلَيْكَ اَلْيَوْمَ فَقَالَ وَ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ قَالُوا إِنَّ جندب [جُنْدَباً] حَكَى عَنْكَ كَيْتَ وَ كَيْتَ فَقَالَ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ مَا أَظَلَّتِ اَلْخَضْرَاءُ وَ لاَ أَقَلَّتِ اَلْغَبْرَاءُ عَلَى ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ »[١٧٥].

أقول: قوله: «الخضراء كناية عن السماء و«الغبراء» كناية عن الأرض، وقوله: «أقلّت» أي حملت ورفعت.

قال مصنّف هذا الكتاب: إن قلت: إنّ الرواية لا يمكن الركون إليها؛ لاشتمالها على حصر الأصدقيّة في أبي ذر مع أن النبي(ص)، ومن بعده من الأئمة(ع) كانوا أصدق منه، بل هم(ع) لا يقاسون بغيرهم؛ لأنّهم معصومون.

قلنا: إنّ الرواية وإن كانت ظاهرة في ذلك، إلا أن المستفاد من الخارج أن الأئمة(ع) لا يقاس بهم أحد، فإن لهم أرواحا خمسة، وفيهم ملكة العصمة من جهة مقام الولاية والروح الجبروتي والقدسي.

وفي البحار عن أمالي الشيخ: «بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ عَنْ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ اَلْأَنْصَارِيِّ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ أَبُو ذَرٍّ عَلَى عُثْمَانَ قَالَ أَخْبِرْنِي أَيُّ اَلْبِلاَدِ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ مُهَاجَرِي قَالَ لَسْتَ بِمُجَاوِرِي قَالَ فَأَلْحَقُ بِحَرَمِ اَللَّهِ فَأَكُونُ فِيهِ قَالَ لاَ قَالَ فَالْكُوفَةُ أَرْضٌ بِهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قَالَ لاَ قَالَ فَلَسْتُ بِمُخْتَارٍ غَيْرَهُنَّ فَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى اَلرَّبَذَةِ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قَالَ لِيَ اِسْمَعْ وَ اِلْمَعْ وَ اُنْفُذْ حَيْثُ قَادُوكَ وَ لَوْ لِعَبْدٍ حَبَشِيٍّ مُجَدَّعٍ فَخَرَجَ إِلَى اَلرَّبَذَةِ وَ أَقَامَ مُدَّةً ثُمَّ أَتَى اَلْمَدِينَةَ فَدَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ وَ اَلنَّاسُ عِنْدَهُ سِمَاطَيْنِ فَقَالَ يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ إِنَّكَ أَخْرَجْتَنِي مِنْ أَرْضِي إِلَى أَرْضٍ لَيْسَ بِهَا زَرْعٌ وَ لاَ ضَرْعٌ إِلاَّ شُوَيْهَاتٌ وَ لَيْسَ لِي خَادِمٌ إِلاَّ مُحَرَّرَةٌ وَ لاَ ظِلٌّ يُظِلُّنِي إِلاَّ ظِلُّ شَجَرَةٍ فَأَعْطِنِي خَادِماً وَ غُنَيْمَاتٍ أَعِيشُ فِيهَا فَحَوَّلَ وَجْهَهُ عَنْهُ فَتَحَوَّلَ إِلَى اَلسِّمَاطِ اَلْآخَرِ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ حَبِيبُ بْنُ سَلَمَةَ لَكَ عِنْدِي يَا أَبَا ذَرٍّ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَ خَادِمٌ وَ خَمْسُمِائَةِ شَاةٍ قَالَ أَبُو ذَرٍّ أَعْطِ خَادِمَكَ وَ أَلْفَكَ وَ شُوَيْهَاتِكَ مَنْ هُوَ أَحْوَجُ إِلَى ذَلِكَ مِنِّي فَإِنِّي إِنَّمَا أَسْأَلُ حَقِّي فِي كِتَابِ اَللَّهِ فَجَاءَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ أَ لاَ تُغْنِي عَنَّا سَفِيهَكَ هَذَا قَالَ أَيُّ سَفِيهٍ قَالَ أَبُو ذَرٍّ قَالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ لَيْسَ بِسَفِيهٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ يَقُولُ مَا أَظَلَّتِ اَلْخَضْرَاءُ وَ لاَ أَقَلَّتِ اَلْغَبْرَاءُ أَصْدَقَ لَهْجَةً مِنْ أَبِي ذَرٍّ أَنْزَلَهُ بِمَنْزِلَةِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ ﴿إِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ[١٧٦]»[١٧٧].

وفي روضة الكافي، بسنده: «عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ بِالْمَدِينَةِ يَدْخُلُ مَسْجِدَ اَلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَقَالَ اَللَّهُمَّ آنِسْ وَحْشَتِي وَ صِلْ وَحْدَتِي وَ اُرْزُقْنِي جَلِيساً صَالِحاً فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ فِي أَقْصَى اَلْمَسْجِدِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَ قَالَ لَهُ مَنْ أَنْتَ يَا عَبْدَ اَللَّهِ فَقَالَ أَنَا أَبُو ذَرٍّ فَقَالَ اَلرَّجُلُ اَللَّهُ أَكْبَرُ اَللَّهُ أَكْبَرُ فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ وَ لِمَ تُكَبِّرُ يَا عَبْدَ اَللَّهِ فَقَالَ إِنِّي دَخَلْتُ اَلْمَسْجِدَ فَدَعَوْتُ اَللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يُؤْنِسَ وَحْشَتِي وَ أَنْ يَصِلَ وَحْدَتِي وَ أَنْ يَرْزُقَنِي جَلِيساً صَالِحاً فَقَالَ لَهُ أَبُو ذَرٍّ أَنَا أَحَقُّ بِالتَّكْبِيرِ مِنْكَ إِذْ كُنْتُ ذَلِكَ اَلْجَلِيسَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ يَقُولُ أَنَا وَ أَنْتُمْ عَلَى تُرْعَةٍ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ حَتَّى يَفْرُغَ اَلنَّاسُ مِنَ اَلْحِسَابِ قُمْ يَا بَا عَبْدِ اَللَّهِ فَقَدْ نَهَى اَلسُّلْطَانُ عَنْ مُجَالَسَتِي »[١٧٨].

أقول: أراد من السلطان عثمان بن عفان، وإنما لم يعبّر عنه بالخليفة؛ تعريضاً به لإساءته الأدب في حقه، بنفيه وتبعيده.

ونقل أيضاً في روضة الكافي بسنده: «عَنْ شُعَيْبٍ اَلْعَقَرْقُوفِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ شَيْءٌ يُرْوَى عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ ثَلاَثٌ يُبْغِضُهَا اَلنَّاسُ وَ أَنَا أُحِبُّهَا أُحِبُّ اَلْمَوْتَ وَ أُحِبُّ اَلْفَقْرَ وَ أُحِبُّ اَلْبَلاَءَ فَقَالَ إِنَّ هَذَا لَيْسَ عَلَى مَا يَرْوُونَ إِنَّمَا عَنَى اَلْمَوْتُ فِي طَاعَةِ اَللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ اَلْحَيَاةِ فِي مَعْصِيَةِ اَللَّهِ وَ اَلْبَلاَءُ فِي طَاعَةِ اَللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ اَلصِّحَّةِ فِي مَعْصِيَةِ اَللَّهِ وَ اَلْفَقْرُ فِي طَاعَةِ اَللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ اَلْغِنَى فِي مَعْصِيَةِ اَللَّهِ »[١٧٩].[١٨٠]

النص على الأئمة الاثني عشر

«حَدَّثَنَا أَبُو اَلْمُفَضَّلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اَللَّهِ اَلشَّيْبَانِيُّ رَحِمَهُ اَللَّهُ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رِيَاحٍ اَلْأَشْجَعِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبِ بْنِ اَلْحَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَمْرٍو اَلْبَجَلِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اَلْكَرِيمِ عَنْ أَبِي اَلْحَسَنِ عَنْ أَبِي اَلْحَرْثِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ يَقُولُ: مَنْ أَحَبَّنِي وَ أَهْلَ بَيْتِي كُنَّا نَحْنُ وَ هُوَ كَهَاتَيْنِ وَ أَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَ اَلْوُسْطَى ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ أَخِي خَيْرُ اَلْأَوْصِيَاءِ وَ سِبْطِي [سِبْطَايَ] خَيْرُ اَلْأَسْبَاطِ وَ سَوْفَ يُخْرِجُ اَللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى مِنْ صُلْبِ اَلْحُسَيْنِ أَئِمَّةً أَبْرَاراً وَ مِنَّا مَهْدِيُّ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ قُلْتُ يَا رَسُولَ اَللَّهِ وَ كَمِ اَلْأَئِمَّةُ بَعْدَكَ قَالَ عَدَدَ نُقَبَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ».

«حَدَّثَنَا اَلْقَاضِي أَبُو اَلْفَرَجِ اَلْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا اَلْبَغْدَادِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ هَمَّامِ بْنِ سُهَيْلٍ اَلْكَاتِبُ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُعَافًى السَّلْمَاسِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اَللَّهِ بْنُ زَاهِرٍ عَنْ عَبْدِ العُدُّوسِ عَنِ اَلْأَعْمَشِ عَنْ حَنَشِ بْنِ اَلْمُعْتَمِرِ قَالَ قَالَ أَبُو ذَرٍّ اَلْغِفَارِيُّ رَحْمَةُ اَللَّهِ عَلَيْهِ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فِي مَرَضِهِ اَلَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَقَالَ يَا أَبَا ذَرٍّ اِيتِنِي بِابْنَتِي فَاطِمَةَ قَالَ فَقُمْتُ وَ دَخَلْتُ عَلَيْهَا وَ قُلْتُ يَا سَيِّدَةَ اَلنِّسْوَانِ أَجِيبِي أَبَاكِ قَالَ فلبت [فَلَبِسَتْ] منحلها [جِلْبَابَهَا] وَ أَبْرَزَتْ [اِتَّزَرَتْ] وَ خَرَجَتْ حَتَّى دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَلَمَّا رَأَتْ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ اِنْكَبَّتْ عَلَيْهِ وَ بَكَتْ وَ بَكَى رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ لِبُكَائِهَا وَ ضَمَّهَا إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَ يَا فَاطِمَةُ لاَ تَبْكِيِنَّ فِدَاكِ أَبُوكِ فَأَنْتِ أَوَّلُ مَنْ تَلْحَقِينَ بِي مَظْلُومَةً مَغْصُوبَةً وَ سَوْفَ يَظْهَرُ بَعْدِي حَسِيكَةُ اَلنِّفَاقِ وَ سَمَلَ جِلْبَابُ اَلدِّينِ وَ أَنْتِ أَوَّلُ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ اَلْحَوْضَ قَالَتْ يَا أَبَهْ أَيْنَ أَلْقَاكَ قَالَ تَلْقَيْنِي عِنْدَ اَلْحَوْضِ وَ أَنَا أَسْقِي شِيعَتَكِ وَ مُحِبِّيكِ وَ أَطْرُدُ أَعْدَاَكِ وَ مُبْغِضِيكِ قَالَتْ يَا رَسُولَ اَللَّهِ فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عِنْدَ اَلْحَوْضِ قَالَ تَلْقَيْنِي عِنْدَ اَلْمِيزَانِ قَالَتْ يَا أَبَهْ وَ إِنْ لَمْ أَلْقَكَ عِنْدَ اَلْمِيزَانِ قَالَ تَلْقَيْنِي عِنْدَ اَلصِّرَاطِ وَ أَنَا أَقُولُ سَلِّمْ سَلِّمْ شِيعَةَ عَلِيٍّ قَالَ أَبُو ذَرٍّ فَسَكَنَ قَلْبُهَا ثُمَّ اِلْتَفَتَ إِلَيَّ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَقَالَ يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّهَا بَضْعَةٌ مِنِّي فَمَنْ آذَاهَا فَقَدْ آذَانِي أَلاَ إِنَّهَا سَيِّدَةُ نِسَاءِ اَلْعَالَمِينَ وَ بَعْلَهَا سَيِّدُ اَلْوَصِيِّينَ وَ اِبْنَيْهَا اَلْحَسَنَ وَ اَلْحُسَيْنَ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ اَلْجَنَّةِ وَ إِنَّهُمْ إِمَامَانِ إِنْ قَامَا أَوْ قَعَدَا وَ أَبُوهُمَا خَيْرٌ مِنْهُمَا وَ سَوْفَ يَخْرُجُ مِنْ صُلْبِ اَلْحُسَيْنِ تِسْعَةٌ مِنَ اَلْأَئِمَّةِ مَعْصُومُونَ قَوَّامُونَ بِالْقِسْطِ وَ مِنَّا مَهْدِيُّ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اَللَّهِ فَكَمِ اَلْأَئِمَّةُ بَعْدَكَ قَالَ عَدَدَ نُقَبَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ».

«حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ اَلْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْدَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ هَارُونُ بْنُ مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو اَلْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ اَلْأَزْدِيُّ عَنِ اَلْحَسَنِ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ اَلْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ اَلْغِفَارِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ : اَلْأَئِمَّةُ بَعْدِي اِثْنَا عَشَرَ تِسْعَةٌ مِنْ صُلْبِ اَلْحُسَيْنِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ تَاسِعُهُمْ قَائِمُهُمْ أَلاَ إِنَّ مَثَلَهُمْ فِيكُمْ مَثَلُ سَفِينَةِ نُوحٍ مَنْ رَكِبَهَا نَجَا وَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا هَلَكَ وَ مَثَلُ بَابِ حِطَّةٍ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ».

«وَ بِإِسْنَادِهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ : لاَ يَزَالُ اَلدُّعَاءُ مَحْجُوباً حَتَّى يُصَلَّى عَلَيَّ وَ عَلَى أَهْلِ بَيْتِي»[١٨١].

وفي الخصال: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ اَلْحَسَنِ بْنِ سَعِيدٍ اَلْهَاشِمِيُّ اَلْكُوفِيُّ بِالْكُوفَةِ قَالَ حَدَّثَنَا فُرَاتُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ فُرَاتٍ اَلْكُوفِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ اَلْحَسَنِ وَ عَبَّادُ بْنُ يَعْقُوبَ وَ مُحَمَّدُ بْنُ اَلْجُنَيْدِ قَالُوا حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ اَلْمَسْعُودِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي اَلْحَارِثُ بْنُ حَصِيرَةَ عَنِ اَلصَّخْرِ بْنِ اَلْحَكَمِ اَلْفَزَارِيِّ عَنْ حَيَّانَ بْنِ اَلْحَارِثِ اَلْأَزْدِيِّ عَنِ اَلرَّبِيعِ بْنِ جَمِيلٍ اَلضَّبِّيِّ عَنْ مَالِكِ بْنِ ضَمْرَةَ اَلرُّؤَاسِيِّ قَالَ: لَمَّا سِيرَ أَبُو ذَرٍّ رَحِمَهُ اَللَّهُ اِجْتَمَعَ هُوَ وَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَ اَلْمِقْدَادُ بْنُ اَلْأَسْوَدِ وَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَ حُذَيْفَةُ بْنُ اَلْيَمَانِ وَ عَبْدُ اَللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ رَحِمَهُ اَللَّهُ حَدِّثُوا حَدِيثاً نَذْكُرُ بِهِ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ نَشْهَدُ لَهُ وَ نَدْعُو لَهُ وَ نُصَدِّقُهُ بِالتَّوْحِيدِ فَقَالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ مَا هَذَا زَمَانَ حَدِيثِي قَالُوا صَدَقْتَ فَقَالَ حَدِّثْنَا يَا حُذَيْفَةُ فَقَالَ لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي سَأَلْتُ اَلْمُعْضِلاَتِ وَ خُبِّرْتُهُنَّ لَمْ أُسْأَلْ عَنْ غَيْرِهَا قَالَ حَدِّثْنَا يَا اِبْنَ مَسْعُودٍ قَالَ لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي قَرَأْتُ اَلْقُرْآنَ لَمْ أُسْأَلْ عَنْ غَيْرِهِ وَ لَكِنْ أَنْتُمْ أَصْحَابُ اَلْأَحَادِيثِ قَالُوا صَدَقْتَ قَالَ حَدِّثْنَا يَا مِقْدَادُ قَالَ لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي إِنَّمَا كُنْتُ صَاحِبَ اَلسَّيْفِ لاَ أُسْأَلُ عَنْ غَيْرِهِ وَ لَكِنْ أَنْتُمْ أَصْحَابُ اَلْأَحَادِيثِ قَالُوا صَدَقْتَ فَقَالَ حَدِّثْنَا يَا عَمَّارُ قَالَ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي رَجُلٌ نَسِيٌّ إِلاَّ أَنْ أُذَكَّرَ فَأَذْكُرَ فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ رَحْمَةُ اَللَّهِ عَلَيْهِ أَنَا أُحَدِّثُكُمْ بِحَدِيثٍ قَدْ سَمِعْتُمُوهُ وَ مَنْ سَمِعَهُ مِنْكُمْ قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ أَ لَسْتُمْ تَشْهَدُونَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اَللَّهِ ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ[١٨٢] وَ أَنَّ اَلْبَعْثَ حَقٌّ وَ أَنَّ اَلْجَنَّةَ حَقٌّ وَ اَلنَّارَ حَقٌّ قَالُوا نَشْهَدُ قَالَ ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ[١٨٣] ثُمَّ قَالَ أَ لَسْتُمْ تَشْهَدُونَ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قَالَ شَرُّ اَلْأَوَّلِينَ وَ اَلْآخِرِينَ اِثْنَا عَشَرَ سِتَّةٌ مِنَ اَلْأَوَّلِينَ وَ سِتَّةٌ مِنَ اَلْآخِرِينَ ثُمَّ سَمَّى اَلسِّتَّةَ مِنَ اَلْأَوَّلِينَ اِبْنَ آدَمَ اَلَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ وَ فِرْعَوْنَ وَ هَامَانَ وَ قَارُونَ وَ اَلسَّامِرِيَّ وَ اَلدَّجَّالَ اِسْمُهُ فِي اَلْأَوَّلِينَ وَ يَخْرُجُ فِي اَلْآخِرِينَ وَ أَمَّا اَلسِّتَّةُ مِنَ اَلْآخِرِينَ فَالْعِجْلُ وَ هُوَ نَعْثَلٌ وَ فِرْعَوْنُ وَ هُوَ مُعَاوِيَةُ وَ هَامَانُ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ وَ هُوَ زِيَادٌ وَ قَارُونُهَا وَ هُوَ سَعِيدٌ وَ اَلسَّامِرِيُّ وَ هُوَ أَبُو مُوسَى عَبْدُ اَللَّهِ بْنُ قَيْسٍ لِأَنَّهُ قَالَ كَمَا قَالَ سَامِرِيُّ قَوْمِ مُوسَى ﴿لَا مِسَاسَ[١٨٤] أَيْ لاَ قِتَالَ وَ اَلْأَبْتَرُ وَ هُوَ عَمْرُو بْنُ اَلْعَاصِ أَ فَتَشْهَدُونَ عَلَى ذَلِكَ قَالُوا نَعَمْ قَالَ وَ أَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ اَلشَّاهِدِينَ ثُمَّ قَالَ أَ لَسْتُمْ تَشْهَدُونَ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قَالَ إِنَّ أُمَّتِي تَرِدُ عَلَيَّ اَلْحَوْضَ عَلَى خَمْسِ رَايَاتٍ أَوَّلُهَا رَايَةُ اَلْعِجْلِ فَأَقُومُ فَآخُذُ بِيَدِهِ فَإِذَا أَخَذْتُ بِيَدِهِ اِسْوَدَّ وَجْهُهُ وَ رَجَفَتْ قَدَمَاهُ وَ خَفَقَتْ أَحْشَاؤُهُ وَ مَنْ فَعَلَ فِعْلَهُ يَتْبَعُهُ فَأَقُولُ بِمَا ذَا خَلَّفْتُمُونِي فِي اَلثَّقَلَيْنِ مِنْ بَعْدِي فَيَقُولُونَ كَذَّبْنَا اَلْأَكْبَرَ وَ مَزَّقْنَاهُ وَ اِضْطَهَدْنَا اَلْأَصْغَرَ وَ أَخَذْنَا حَقَّهُ فَأَقُولُ اُسْلُكُوا ذَاتَ اَلشِّمَالِ فَيَنْصَرِفُونَ ظِمَاءً مُظْمَئِينَ قَدِ اِسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ لاَ يَطْعَمُونَ مِنْهُ قَطْرَةً ثُمَّ تَرِدُ عَلَيَّ رَايَةُ فِرْعَوْنِ أُمَّتِي وَ هُمْ أَكْثَرُ اَلنَّاسِ وَ مِنْهُمُ اَلْمُبَهْرَجُونَ قِيلَ يَا رَسُولَ اَللَّهِ وَ مَا اَلْمُبَهْرَجُونَ بَهْرَجُوا اَلطَّرِيقَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ لاَ وَ لَكِنْ بَهْرَجُوا دِينَهُمْ وَ هُمُ اَلَّذِينَ يَغْضَبُونَ لِلدُّنْيَا وَ لَهَا يَرْضَوْنَ فَأَقُومُ فَآخُذُ بِيَدِ صَاحِبِهِمْ فَإِذَا أَخَذْتُ بِيَدِهِ اِسْوَدَّ وَجْهُهُ وَ رَجَفَتْ قَدَمَاهُ وَ خَفَقَتْ أَحْشَاؤُهُ وَ مَنْ فَعَلَ فِعْلَهُ يَتْبَعُهُ فَأَقُولُ بِمَا خَلَّفْتُمُونِي فِي اَلثَّقَلَيْنِ بَعْدِي فَيَقُولُونَ كَذَّبْنَا اَلْأَكْبَرَ وَ مَزَّقْنَاهُ وَ قَاتَلْنَا اَلْأَصْغَرَ فَقَتَلْنَاهُ فَأَقُولُ اُسْلُكُوا سَبِيلَ أَصْحَابِكُمْ فَيَنْصَرِفُونَ ظِمَاءً مُظْمَئِينَ مُسْوَدَّةً وُجُوهُهُمْ لاَ يَطْعَمُونَ مِنْهُ قَطْرَةً قَالَ ثُمَّ تَرِدُ عَلَيَّ رَايَةُ هَامَانِ أُمَّتِي فَأَقُومُ فَآخُذُ بِيَدِهِ فَإِذَا أَخَذْتُ بِيَدِهِ اِسْوَدَّ وَجْهُهُ وَ رَجَفَتْ قَدَمَاهُ وَ خَفَقَتْ أَحْشَاؤُهُ وَ مَنْ فَعَلَ فِعْلَهُ يَتْبَعُهُ فَأَقُولُ بِمَا ذَا خَلَّفْتُمُونِي فِي اَلثَّقَلَيْنِ بَعْدِي فَيَقُولُونَ كَذَّبْنَا اَلْأَكْبَرَ وَ مَزَّقْنَاهُ وَ خَذَلْنَا اَلْأَصْغَرَ وَ عَصَيْنَاهُ فَأَقُولُ اُسْلُكُوا سَبِيلَ أَصْحَابِكُمْ فَيَنْصَرِفُونَ ظِمَاءً مُظْمَئِينَ مُسْوَدَّةً وُجُوهُهُمْ لاَ يَطْعَمُونَ مِنْهُ قَطْرَةً ثُمَّ تَرِدُ عَلَيَّ رَايَةُ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ قَيْسٍ وَ هُوَ إِمَامُ خَمْسِينَ ألف [أَلْفاً] مِنْ أُمَّتِي فَأَقُومُ فَآخُذُ بِيَدِهِ فَإِذَا أَخَذْتُ بِيَدِهِ اِسْوَدَّ وَجْهُهُ وَ رَجَفَتْ قَدَمَاهُ وَ خَفَقَتْ أَحْشَاؤُهُ وَ مَنْ فَعَلَ فِعْلَهُ يَتْبَعُهُ فَأَقُولُ بِمَا خَلَّفْتُمُونِي فِي اَلثَّقَلَيْنِ بَعْدِي فَيَقُولُونَ كَذَّبْنَا اَلْأَكْبَرَ وَ عَصَيْنَاهُ وَ خَذَلْنَا اَلْأَصْغَرَ وَ عَدَلْنَا عَنْهُ فَأَقُولُ اُسْلُكُوا سَبِيلَ أَصْحَابِكُمْ فَيَنْصَرِفُونَ ظِمَاءً مُظْمَئِينَ مُسْوَدَّةً وُجُوهُهُمْ لاَ يَطْعَمُونَ مِنْهُ قَطْرَةً ثُمَّ تَرِدُ عَلَيَّ اَلْمُخْدَجُ بِرَايَتِهِ فَآخُذُ بِيَدِهِ فَإِذَا أَخَذْتُ بِيَدِهِ اِسْوَدَّ وَجْهُهُ وَ رَجَفَتْ قَدَمَاهُ وَ خَفَقَتْ أَحْشَاؤُهُ وَ مَنْ فَعَلَ فِعْلَهُ يَتْبَعُهُ فَأَقُولُ بِمَا خَلَّفْتُمُونِي فِي اَلثَّقَلَيْنِ بَعْدِي فَيَقُولُونَ كَذَّبْنَا اَلْأَكْبَرَ وَ عَصَيْنَاهُ وَ قَاتَلْنَا اَلْأَصْغَرَ وَ قَتَلْنَاهُ فَأَقُولُ اُسْلُكُوا سَبِيلَ أَصْحَابِكُمْ فَيَنْصَرِفُونَ ظِمَاءً مُظْمَئِينَ مُسْوَدَّةً وُجُوهُهُمْ لاَ يَطْعَمُونَ مِنْهُ قَطْرَةً ثُمَّ تَرِدُ عَلَيَّ رَايَةُ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ إِمَامِ اَلْمُتَّقِينَ وَ قَائِدِ اَلْغُرِّ اَلْمُحَجَّلِينَ فَأَقُومُ فَآخُذُ بِيَدِهِ فَإِذَا أَخَذْتُ بِيَدِهِ اِبْيَضَّ وَجْهُهُ وَ وُجُوهُ أَصْحَابِهِ فَأَقُولُ بِمَا خَلَّفْتُمُونِي فِي اَلثَّقَلَيْنِ مِنْ بَعْدِي قَالَ فَيَقُولُونَ اِتَّبَعْنَا اَلْأَكْبَرَ وَ صَدَّقْنَاهُ وَ وَازَرْنَا اَلْأَصْغَرَ وَ نَصَرْنَاهُ وَ قَاتَلْنَا مَعَهُ فَأَقُولُ رِدُوا رِوَاءً مَرْوِيِّينَ فَيَشْرَبُونَ شَرْبَةً لاَ يَظْمَئُونَ بَعْدَهَا أَبَداً وَجْهُ إِمَامِهِمْ كَالشَّمْسِ اَلطَّالِعَةِ وَ وُجُوهُ أَصْحَابِهِ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ اَلْبَدْرِ وَ كَأَضْوَاءِ نَجْمٍ فِي اَلسَّمَاءِ ثُمَّ قَالَ أَ لَسْتُمْ تَشْهَدُونَ عَلَى ذَلِكَ قَالُوا نَعَمْ قَالَ وَ أَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ اَلشَّاهِدِينَ قَالَ يَحْيَى وَ قَالَ عَبَّادٌ اِشْهَدُوا عَلَيَّ بِهَذَا عِنْدَ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَنَّ أَبَا عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا بِهَذَا وَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ اِشْهَدُوا عَلَيَّ بِهَذَا عِنْدَ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَنَّ اَلْحَارِثَ بْنَ حَصِيرَةَ حَدَّثَنِي بِهَذَا وَ قَالَ اَلْحَارِثُ اِشْهَدُوا عَلَيَّ بِهَذَا عِنْدَ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَنَّ صَخْرَ بْنَ اَلْحَكَمِ حَدَّثَنِي بِهَذَا وَ قَالَ صَخْرُ بْنُ اَلْحَكَمِ اِشْهَدُوا عَلَيَّ هَذَا عِنْدَ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَنَّ حَيَّانَ حَدَّثَنِي بِهَذَا وَ قَالَ حَيَّانُ اِشْهَدُوا عَلَيَّ بِهَذَا عِنْدَ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَنَّ اَلرَّبِيعَ بْنَ جَمِيلٍ حَدَّثَنِي بِهَذَا وَ قَالَ اَلرَّبِيعُ اِشْهَدُوا عَلَيَّ بِهَذَا عِنْدَ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَنَّ مَالِكَ بْنَ ضَمْرَةَ حَدَّثَنِي بِهَذَا وَ قَالَ مَالِكُ بْنُ ضَمْرَةَ اِشْهَدُوا عَلَيَّ بِهَذَا عِنْدَ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ اَلْغِفَارِيَّ حَدَّثَنِي بِهَذَا وَ قَالَ أَبُو ذَرٍّ مِثْلَ ذَلِكَ وَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ حَدَّثَنِي بِهِ جَبْرَئِيلُ عَنِ اَللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى»[١٨٥].[١٨٦]

المراجع والمصادر

  1. محمد علي أحمديان النجف آبادي، الصحابة الكرام ج ١

الهوامش

  1. الاختصاص، ص٦؛ الفهرست، الطوسي، ص١١٧، الرقم ١٦٠؛ رجال الطوسي، ص٥٩، الرقم ٤٩٦؛ رجال ابن داوود، ص٩٣، الرقم ٩٣؛ خلاصة الأقوال، ص٩٦، الرقم ٢١٥؛ وفي الكشي ما يدل على ذلك. راجع اختيار معرفة الرجال، ص٦، ح١٢؛ معجم رجال الحديث، ج٥، ص١٣٨-١٤٤، الرقم ٢٣٩٣.
  2. اختيار معرفة الرجال، ص٢٤، ح٤٨؛ الاحتجاج، ج١، ص١٥٤؛ کتاب سلیم، ص١٣١.
  3. الاستيعاب، ج١، ص٣٢١، الرقم ٣٤٣.
  4. أُسد الغابة، ج١، ص٣٥٨، الرقم ٨٠٠؛ وج٦، ص١٠١، الرقم ٥٨٦٢.
  5. سنن ابن ماجة، ج١، ص٥٥، ح١٥٦؛ الجامع الصحيح، ج٥، ص٦٦٩، ح٣٨٠١.
  6. معاني الأخبار، ص١٧٨-١٧٩ باب معنی قول النبي(ص): ما اظلّت الخضراء...، ح١ و٢؛ اختيار معرفة الرجال، ص٢٤، ح٤٨.
  7. الرخَم: جمع رَخَمَة، وهو طائرٌ أبقع على شكل النسر، لسان العرب، ج١٢، ص٢٣٥ «رخم».
  8. أقول: قد ذكر العلامة الحلي في كتابه نهج الحق، ص٢٩٥-٢٩٦، من جملة مطاعن عثمان ضربه لعبد الله بن مسعود أربعين سوطاً على دفنه أبا ذر، وأنكر عليه الفضل بن روزبهان أشدّ الإنكار، ولم يأت على إنكاره بدليل إلا الاستبعاد، وأنّه مخالف للنصوص التاريخيّة، مع أنّ قصّة دفنه بمباشرة ابن مسعود مذكورة في كتب السير، وذكرها محمد بن إسحاق وغيره، وسنذكرها فيما يأتي إن شاء الله. ثم بعد إنكاره دفن ابن مسعود أبا ذر مباشرةً استشهد بالرواية المذكورة في المتن، وصححها في محاولة لدفع الطعن عن عثمان بضربه لابن مسعود على دفن أبي ذر، وما درى أنه كالمستجير من الرمضاء بالنار؛ فإن الرواية التي اختارها قد اشتملت على أنواع المطاعن، منها: دلالتها على فقر أبي ذر بحيث لا كفن له مع امتلاء بيت المال وإسراف عثمان وبني أمية فيه، فهل يا ترى أن الله تعالى أحل ماله للوزغ الطريد وأبنائه، وحرّمه على أبي ذرّ وأهله؟! ومنها: قول أبي ذرّ: أيكم لم يولّ من الإمارة أو الجباية شيئا، أو من أمور الولاية، وهذا دليل على جور أولئك الولاة وبطلان تلك الولايات وحرمة أُجورهم وأموالهم، فتبطل حينئذ إمامة عثمان وأمثاله؛ ومنها: أن الرواية صرّحت بأنّ أولئك الركب ممن يحبّهم الله تعالى، وإن الأشتر منهم، فيكون الأشتر ممن شهد له النبي(ص) بأن الله يحبه، وأنت تعلم كيف كان اعتقاده بعثمان وحاله معه، من حيث إنه كان يراه مهدور الدم، بل قيل إنه هو الذي قتله، فكيف يجتمع حبّ الله لقاتل عثمان مع القول بإمامته وظلم قاتلیه؟! راجع دلائل الصدق، ج٣، ص٢٨١. (المؤلف رحمه الله).
  9. أُسد الغابة، ج١، ص٣٥٧-٣٥٨، الرقم ٨٠٠.
  10. راجع رجال ابن داوود، ص٩٣، الرقم ٣٤٥؛ رجال الطوسي، ص٣٢، الرقم ١٤٣؛ الفهرست، الطوسي، ص١١٧، الرقم ١٦٠.
  11. اختیار معرفة الرجال، ص١١-١٢، ح٢٤؛ ورواه في بحار الأنوار، عن كتاب الفصول للسيد المرتضى قال: حدّثني الصلت عن زيد بن كثير، عن أبي أُمامة.... المؤلف رحمه الله)، راجع بحار الأنوار، ج٢٢، ص٤٤٠، ح٩. ولكن نقله عن الكشّي.
  12. محمد علي أحمديان النجف آبادي، الصحابة الكرام، ج١، ص ٢٤٠.
  13. حفي بالرجل حَفاوَةً وحِفاوَةً وحِفايَةً، وتَحَفَّى به واحتَفَى؛ بالَغَ في إكرامه، لسان العرب، ج١٤، ص١٨٧ «حفا».
  14. حدب فلان على فلان حَدَباً، أي عطف عليه وحنا، وإنه كالوالد. كتاب العين، ج٣، ص١٨٦ «حدب».
  15. سورة غافر، الآية ٦٠.
  16. بحار الأنوار، ج٢٢، ص٤٠٨-٤١٠، ح٢٦، نقلاً عن السيد المرتضى في كتاب الفصول. ولا يخفى أنّ في الهامش ٣ من الصفحة ٤١٠ أورد؛ «لم نجده في كتاب الفصول».
  17. الخصال، ص٤٠، باب الاثنين، ح٢٥.
  18. الكافي، ج٢، ص١٥٢، باب صلة الرحم، ح١١؛ عدّة الداعي، ص١١١ مع تفاوت يسير؛ بحار الأنوار، ج٢٢، ص٤١٠، ح٢٧، نقلاً عن كتابي الحسين بن سعيد الأهوازي.
  19. الكافي، ج٢، ص١٥٢، باب صلة الرحم، ح١١؛ عدّة الداعي، ص١١١.
  20. بحار الأنوار، ج٩٣، ص٢٥٨، ح٤١؛ دعائم الإسلام، ج١، ص٢٧٠.
  21. بحار الأنوار، ج٢٢، ص٤٠٨، ح٢٥؛ اختيار معرفة الرجال، ص٢٦-٢٧، ح٥٢.
  22. محمد علي أحمديان النجف آبادي، الصحابة الكرام، ج١، ص ٢٤٤.
  23. بحار الأنوار، ج٣٦، ص٣٠١-٣٠٢، ح١٤٠؛ إرشاد القلوب، ج٢، ص٣١٢؛ كفاية الأثر، ص٧٠.
  24. الوِكاءُ: كلُّ سَيرٍ أو خيطٍ يشدُّ به فم السقاء أو الوِعاء. وأَوكی علیه: شدَّهُ، لسان العرب، ج١٥، ص٤٠٥ «وكي».
  25. الناب والنيوب: الناقة المسنَّة. لسان العرب، ج١، ص٧٧٦ «نیب».
  26. النَجش: السوقُ السریع الحثیث. لسان العرب، ج٦، ص٣٥١ «نجش».
  27. الفوائد الرجالية، ج٢، ص١٤٣؛ تنقيح المقال، ج١، ص٢٣٤. أقول: نقلت الرواية من السيد الطباطبائي والمامقاني (رحمهما الله)، وبعد نقلها من العلمين رأيتها في روضة الكافي، وإليك نصّها: أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن عبد الله بن محمد، عن سلمة اللؤلؤي، عن رجل، عن أبي عبد الله(ع) قال: «ألا أخبركم كيف كان إسلام سلمان وأبي ذرّ؟» فقال الرجل وأخطأ: أما إسلام سلمان فقد عرفته، فأخبرني بإسلام أبي ذر، فقال: «إن أبا ذر كان في بطن مرٍّ يرعى غنماً له، فأتي ذئبٌ عن يمين غنمه فهشّ بعصاه على الذئب، فجاء الذئب عن شماله فهش عليه أبو ذر، ثم قال أبو ذر: ما رأيت ذئبا أخبث منك ولا شرا، فقال له الذئب: شر والله منِّي أهل مكة؛ بعث الله عز وجل إليهم نبيا فكذبوه وشتموه، فوقع في أُذن أبي ذر فقال لامرأته: هلمّي مزودي وإداوتي وعصاي، ثم خرج على رجليه يريد مكة ليعلم خبر الذئب وما أتاه به، حتى بلغ مكة فدخلها في ساعة حارة، وقد تعب ونصب، فأتى زمزم وقد عطش، فاغترف دلوا فخرج لبن، فقال في نفسه: هذا والله يدلني على أن ما خبرني به الذئب وما جئت له حق، فشرب وجاء إلى جانب من جوانب المسجد، فإذن حلقة من قريش، فجلس إليهم فرآهم يشتمون النبي(ص) كما قال الذئب، فما زالوا في ذلك من ذكر النبي(ص) والشتم له حتى جاء أبو طالب من آخر النهار، فلما رأوه قال بعضهم لبعض: كفّوا فقد جاء عمّه، قال: فكفّوا، فما زال يحدّثهم ويكلّمهم حتى كان آخر النهار، ثم قام وقمت على أثره، فالتفت إلىّ فقال: اذكر حاجتك، فقلت: هذا النبي المبعوث فيكم، قال: وما تصنع به؟ قلت: أو من به وأصدقه وأعرض عليه نفسي، ولا يأمرني بشيء إلا أطعته، فقال: وتفعل؟ فقلت: نعم، قال: فتعال غدا في هذا الوقت إلىّ حتى أدفعك إليه، قال: بتُّ تلك الليلة في المسجد حتى إذا كان الغد جلست معهم، فما زالوا في ذكر النبي(ص) وشتمه، حتى إذا طلع أبو طالب فلما رأوه قال بعضهم لبعض؛ أمسكوا فقد جاء عمُّه، فأمسكوا، فما زال يحدِّثهم حتى قام فتبعته، فسلَّمت عليه فقال: اذكر حاجتك، فقلت: النبي المبعوث فيكم، قال: وما تصنع به؟ فقلت: أو من به وأصدقه وأعرض عليه نفسي، ولا يأمرني بشيء إلا أطعته، قال: وتفعل؟ قلت: نعم فقال: قم معي، فتبعته فدفعتي إلى بيت فيه حمزة(ع)، فسلَّمت عليه وجلست، فقال لي: ما حاجتك؟ فقلت: هذا النبي المبعوث فيكم، فقال: وما حاجتك إليه؟ قلت: أؤمن به وأصدّقه وأعرض عليه نفسي، ولا يأمرني بشيء إلا أطعته، فقال: تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، قال: فشهدت، قال: فدفعني حمزة إلى بيت فيه جعفر(ع)، فسلمت عليه وجلست، فقال لي جعفر(ع): ما حاجتك؟ فقلت: هذا النبي المبعوث فيكم، قال: وما حاجتك إليه؟ فقلت: أؤمن به وأصدّقه وأعرض عليه نفسي، ولا يأمرني بشيء إلا أطعته، فقال: تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، قال: فشهدت، فدفعني إلى بيت فيه عليٌّ(ع)، فسلّمت وجلست فقال: ما حاجتك؟ فقلت: هذا النبي المبعوث فيكم، قال: وما حاجتك إليه؟ قلت: أؤمن به وأصدقه وأعرض عليه نفسي، ولا يأمرني بشيء إلا أطعته، فقال: تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قال فشهدت فدفعني إلى بيت فيه رسول الله(ص) فسلّمت وجلست فقال لي رسول الله(ص): ما حاجتك قلت: النبي المبعوث فيكم، قال وما حاجتك إليه؟ قلت: أؤمن به وأصدقه ولا يأمرني بشيء إلا أطعته، فقال: تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فقال لي رسول الله(ص): «يا أبا ذر، انطلق إلى بلادك، فإنك تجد ابن عمٍّ لك قد مات وليس له وارثٌ غيرك، فخذ ماله وأقم عند أهلك حتى يظهر أمرنا»، قال: فرجع أبو ذرّ فأخذ المال وأقام عند أهله، حتى ظهر أمر رسول الله(ص)» فقال أبو عبد الله(ع): «هذا حديث أبي ذرّ وإسلامه (رضي الله عنه)». الكافي، ج٨، ص٢٩٧-٢٩٨، ح٤٥٧. بيان: «بطن مر»، بالفتح: موضع إلى مرحلة من مكة. «وهش الورق»: إذا خبط الشجر بعصا ليتحات، واستعمل هنا مجازا كناية عن ضربه بآلة الهش. والإداوة المطهرة. وروي في الأمالي بسند آخر قال: حدثني أبي وابن الوليد وابن مسرور جميعا، عن ابن عامر، عن عمه، عن ابن أبي عمير، عن مرازم بن حكيم، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله الصادق(ع) مثله. (المؤلف رحمه الله). راجع الأمالي، الصدوق، ص٤٧٩، المجلس ٧٣، ح١.
  28. اختيار معرفة الرجال، ص٢٤-٢٥، ح٤٨.
  29. اختيار معرفة الرجال، ص٢٥، ح٤٩.
  30. بشارة المصطفى، ص١٣٦.
  31. الكافي، ج٢، ص٥٨٧، باب دعوات موجزات لجميع الحوائج للدنيا والآخرة، ح٢٥.
  32. اختيار معرفة الرجال، ص٢٥-٢٦، ح٥٠.
  33. اختیار معرفة الرجال، ص٢٦، ح٥١.
  34. اختيار معرفة الرجال، ص٢٦-٢٧، ح٥٢؛ الأمالي، الطوسي، ص٦٠، المجلس ٢، ح٨٨/٥٧؛ بشارة المصطفى، ص٨٨؛ الطرائف، ج١، ص١٣٢، ح٢٠٦-٢٠٩؛ عمدة الطالب، في أنساب آل أبي طالب، ص٣٥٩؛ كشف الغمّة، ج١، ص٤٠٨؛ كشف اليقين، ص٣٢٢؛كنز الفوائد، ج٢، ص٦٧.
  35. سبق في ص٢٤٧.
  36. اختيار معرفة الرجال، ص٢٧-٢٨، ح٥٣؛ روضة الواعظين، ج٢، ص٦٤-٦٥، ح٦٥٠.
  37. سورة آل عمران، الآية ١٤٤.
  38. اختيار معرفة الرجال، ص٦، ح١٢؛ الكافي، ج٨، ص ٢٤٥-٢٤٦، ح٣٤١.
  39. اختيار معرفة الرجال، ص٦- ٧، ح١٣.
  40. اختیار معرفة الرجال، ص٧-٨، ح١٦.
  41. أقول: نقل هذا الحديث بأدنى تفاوت في روضة الكافي، وفيه أنه قال: اغدوا عليّ عند أحجار الزيت، وهو مكان بالمدينة، (المؤلف رحمه الله) [راجع الكافي، ج٨، ص٣١-٣٣، ح٥].
  42. اختيار معرفة الرجال، ص٨-٩، ح١٨.
  43. سورة الأنبياء، الآية ٥٦.
  44. بحار الأنوار، ج٨، ص١٤-١٥، ح١٩؛ وج ٣٧، ص٣٢٨-٣٢٩، ح٦٣؛ کشف اليقين، ص٢٧٥.
  45. الخصال، ص٤٥٨-٤٦٠، أبواب الاثني عشر، ح٢؛ كشف الغمة، ج١، ص٢٧١، وفيه مع تفاوت ونقيصته.
  46. هو أبو جعفر أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي، شاعر، كاتب، مترجم، له من الكتب فتوح البلدان، وأنساب الأشراف، وكتاب أردشير؛ نشأ ببغداد، وكان مقرّباً عند خُلفاء عصره؛ المتوكل، والمستعين، والمعتزّ، وكان أحد المهتمّين بالنقل من الفارسية إلى العربية، توفّي سنة ٢٩٧ ق. الكني والألقاب، ج٢، ص٨٢.
  47. سورة التوبة، الآية ٣٤.
  48. السلع: جبل بسوق بالمدينة، قال الأزهري: سلع موضع بقرب المدينة. معجم البلدان، ج٢، ص٢٣٧.
  49. حبيب بن مسلمة بن مالك الأكبر الشيباني القرشي، يكنّى أبا عبد الرحمن، ولّاه عمر بن الخطّاب أعمال الجزيرة حين عزل عياض بن غنم، ثم ضم إليه إرمينيّة وآذربيجان، ثم عزله، وقيل: لم يستعمله عمر وإنما سيّره عثمان إلى آذربيجان من الشام، وبعث سلمان بن ربيعة من الكوفة، أمدّ به حبيب، فاختلفا في الفيء فتوعّد بعضهم بعضا وهدّدوا سلمان بالقتل، وهذا أول اختلاف كان بين أهل العراق وأهل الشام، وكان أهل الشام يثنون عليه ثناءً كثيراً، ويقولون: هو مجاب الدعوة، ولما حصر عثمان أمدّه معاوية بجيش واستعمل عليه حبيب بن مسلمة لينصروه، فلما بلغ وادي القرى وصله الخبر بقتل عثمان فرجع، ولم يزل مع معاوية في حروبه كلّها بصفّين وغيرها، وسيّره معاوية والياً إلى إرمينية ومات بها سنة ٤٢ ولم يبلغ ٥٠ سنة، وقيل: توفّى بدمشق وليس له صحبة للنبي(ص)، وإن قیل به فهو وهم (المؤلف رحمه الله). [راجع الاستيعاب، ج١، ص٣٨١-٣٨٢، الرقم ٤٨٨؛ أُسد الغابة، ج١، ص٤٤٨-٤٤٩، الرقم ١٠٦٨].
  50. الوعر: المكان الصُلب، والوعر: الموضع المخيف الموحش. لسان العرب، ج٥، ص٢٨٥ «وعر».
  51. الغدير، ج٨، ص٢٩٢؛ أنساب الأشراف، ج٥، ص٥٤٢؛ الطبقات الكبرى، ج٤، ص١٧١-١٧٢؛ تاريخ اليعقوبي، ج٢، ص١٧١-١٧٣.
  52. سورة البقرة، الآية ١٧٧.
  53. القِتبُ والقَتَبُ: إكاف البعير. لسان العرب، ج١، ص٦٦٠ «قتب».
  54. الصقالبة: جيل حمر الألوان، صهب الشعور، يتاخمون الخزر وبعض جبال الروم. لسان العرب، ج١، ص٥٢٦ «صقلب».
  55. النثر: نترُك الشيء بيدك ترمي به متفرّقاً مثل نثر الجوز واللوز والسكّر، وكذلك نثر الحبِّ إذا بذر. لسان العرب، ج٥، ص١٩١ «نثر». والبدرة: جلد السخلة إذا فُطِمَ، والجمع بُدورٌ وبِدُر، لسان العرب، ج٤، ص٤٩ «بدر».
  56. شالت الناقة بذنبها تشوله شَولاً...، أي رفعته...، وشال ذنبها أي ارتفع. لسان العرب، ج١١، ص٣٧٤.
  57. غضب الخيل على اللُجم، مثل يضرب لمن يغضب غضباً لا ينتفع به ولا موضع له. ونصب «غضب» على المصدر، أي غَضِبَ غَضَبَ الخيل. مجمع الأمثال، ج٢، ص٥٦.
  58. مروج الذهب، ج٢، ص٣٣٩-٣٤٢.
  59. النغل: الجلد الفاسد في دباغه... والنغل: ولد زنية. كتاب العين، ج٤، ص٤١٨ «نغل». ونَغِلَ الجرج نغلاً فسد. لسان العرب، ج١١، ص٦٧٠ «نغل».
  60. سورة غافر، الآية ٢٨.
  61. وفي نقل آخر: قال: إلى العراق، قال: لا، إنك إن تخرج إليها تقدم على قوم أُولي شقّة وطعن على الأئمة والولاة. (المؤلف رحمه الله).
  62. شرح نهج البلاغة، ج٨، ص٢٥٩؛ الغدير، ج٨، ص٢٩٧.
  63. سورة آل عمران، الآية ٣٣-٣٤.
  64. تاريخ اليعقوبي، ج٢، ص١٧١؛ الغدير، ج٨، ص٢٩٨.
  65. فجمعت: أي حضرتُ الصلاة يوم الجمعة.
  66. في المصدر: «خرّ»، وهو سهو. راجع تاريخ مدينة دمشق، ج٦٦، ص١٩٥.
  67. الطبقات الكبرى، ج١، ص١٧٣.
  68. الغدير، ج٨، ص٣٠٠؛ فتح الباري، ج٣، ص٢٧٤-٢٧٥، ذيل الحديث ١٤٠٨.
  69. وإنما نذكر هذه القصة بطولها لتعلم أنّ قبائح أعمال عثمان، الذي أدعى أنه أمير المؤمنين، وطغيانه على صحابي مجمع على صدقه في دينه وثقته وأمانته، متواتر ومتّفق عليه بين الفريقين. (المؤلف رحمه الله).
  70. نهج البلاغة، ص٢٤٦-٢٤٧، الخطبة ١٣٠؛ الغدير، ج٨، ص٣٠٠.
  71. تحاماه الناس، أي توقَّوه واجتنبوه، لسان العرب، ج١٤، ص٢٠٠ «حما».
  72. وبهذا المضمون روي في روضة الكافي [ج٨، ص٢٠٦-٢٠٨، ح٢٥١]، ويأتي فيما بعد. (المؤلف رحمه الله).
  73. سورة الزمر، الآية ١٥.
  74. شرح نهج البلاغة، ج٨، ص٢٥٢-٢٥٥.
  75. سورة التوبة، الآية ٣٤.
  76. شرح نهج البلاغة، ج٨، ص٢٥٥-٢٥٦.
  77. قنَّسرين: بكسر أوله وفتح ثانيه وتشديده، وقد كسره قوم، ثم سين مهملة، قال بطليموس: مدينة قنسرين طولها...، وفي جبلها مشهد يقال: إنه قبر صالح النبي(ص)...، وكان فتح قنّسرين على يدأبي عبيدة بن الجرّاح في سنة ١٧، وكانت حمص وقنّسرين شيئاًً واحداً. معجم البلدان، ج٤، ص٤٠٣.
  78. العواصم: حصون موانع وولاية تحيط بها بين حلب وأنطاكية، وقصبتها أنطاكية. معجم البلدان، ج٤، ص١٦٥.
  79. من عذيري من فلان، أي من يعذرني منه. كتاب العين، ج٢، ص٩٢ «عذر».
  80. الضرب: الرجل الخفيف اللحم، ليس بجسيم كتاب العين، ج٧، ص٣٢ «ضرب».
  81. الجَنَأُ: مَيَلٌ في الظَهر، وقيل: في العُنُق. لسان العرب، ج١، ص٥٠ «جنأ».
  82. البلعوم: مجرى الطعام في الحلق، وهو المريء. لسان العرب، ج١٢، ص٥٥ «بلعم».
  83. الإست: العجز، وقد يراد به حُلقَة الدُبُر، وأصلها سَتَهُ على فَعَل بالتحريك. الصحاح، ج٤، ص٢٢٣٣ «سته».
  84. الشارف: الناقة المُسِنَّة، دون الناب. لسان العرب، ج٦، ص٢٥٣ «شرف».
  85. شرح نهج البلاغة، ج٨، ص٢٥٧-٢٦١.
  86. الشَغبُ والشَغَبُ والتشغيبُ: تهييج الشرّ. لسان العرب، ج١، ص٥٠٤ «شغب».
  87. واشرأَبَّ الرجل للشيء وإلى الشيء اشرئیاباً: مُدَّ عُنُقَه إليه، وقيل: هو إذا ارتفع وعلا. لسان العرب، ج١، ص٤٩٣ «شرب».
  88. شرح نهج البلاغة، ج٨، ص٢٦٠-٢٦٢.
  89. محمد علي أحمديان النجف آبادي، الصحابة الكرام، ج١، ص ٢٥٨.
  90. بحار الأنوار، ج٢٢، ص٣٩٥، ح٢؛ الأمالي، ص١٢١-١٢٢، المجلس ١٤، ح٥ (ضمن مصنّفات الشيخ المفيد، ج١٣).
  91. بالضمّ: الرحل، والأنساع: جمع نِسعة، بكسر النون، وهو سَيرٌ يُنسج عريضاً على هيئة أعنّة البغال، يشدّ به الرحال (المؤلف رحمه الله). [راجع كتاب العين، ج١، ص٣٣٨ «نسع»].
  92. دير مُرّان: بضمّ أوّله، بلفظ تثنية المرّ، والذي بالحجاز: مَرّان بالفتح، قال الخالدي: هذا الدير بالقرب من دمشق، على تلّ مُشرف على مزارع الزعفران ورياض حسنة، وبناءه بالجصّ، وأكثر فرشه بالبلاط الملوّن، وهو دير كبير وفيه رهبان كثيرة. معجم البلدان، ج٢، ص٥٣٣.
  93. زَرَى عليه زَرياً وزِرايَةً؛ عابَهُ وعاتَبَهُ وعَنَّفَه. لسان العرب، ج١٤، ص٣٥٦ «زري».
  94. في الأمالي: «تجيب».
  95. الوطيءُ من كل شيء: ما سهل ولان، حتى أنهم يقولون: رجل وطيء ودابة وطيئة ليّنة الوطاءَة. لسان العرب، ج١، ص١٩٨ «وطأ».
  96. ناقة ناجية: سريعة. العين، ج٦، ص١٨٦ «نجو» والنجاء: السرعة في السير. لسان العرب، ج١٥، ص٣٠٦ «نجا».
  97. التعتعة: الحركة العنيفة، وقد تعتعه إذا عَتَّله وأقلَقَه. وتعتعت الرجل وتلتلته: وهو أن تقبل به وتدبر به وتعنّف عليه في ذلك. لسان العرب، ج٨، ص٣٥ «تعع».
  98. اللهز: الضرب بجمع اليد في الصدر والحنك. كتاب العين، ج٤، ص١٤ «لهز».
  99. سورة البقرة، الآية ١٥٦.
  100. هم أبناء العباس بن عبد المطلب الهاشمي، عَمّ رسول الله(ص) وصنو أبيه.
  101. بحار الأنوار، ج٢٢، ص٣٩٥-٣٩٧، ح٣؛ الأمالي، ص١٦١-١٦٥، المجلس ٢٠، ح٤ (ضمن مصنّفات الشيخ المفيد، ج١٣).
  102. محمد علي أحمديان النجف آبادي، الصحابة الكرام، ج١، ص ٢٩٢.
  103. ويأتي في ترجمة ابن مسعود عن السيد المرتضى، أنّ المتكفّل بدفنه هو ابن مسعود. (المؤلف رحمه الله).
  104. ويأتي عن العامة ما يرتبط بهذا المقام (المؤلف رحمه الله). [راجع بحار الأنوار، ج٢٢، ص٣٩٩-٤٠٠، ح٧؛ اختيار معرفة الرجال، ص٦٥-٦٦، ح١١٨].
  105. محمد علي أحمديان النجف آبادي، الصحابة الكرام، ج١، ص ٢٩٥.
  106. الظاهر أنّ كندوج معرّب كندو، وهو كلمة فارسيّة بمعنى بيت النحل؛ قال في تاريخ الإسلام، ج٢٧، ص١٣ الهامش ٣: كندوج: بالفارسية صندوق أو مخزن، أصله «كندو» وعرِّب بإضافة الجيم، انظر نهاية الأرب، ج٣، ص٢١٠، الهامش ١.
  107. والحُرُّ من كلِّ شيءٍ: أعتَقُه...، وحرُّ الفاكهه: خيارها...، والحُرُّ: كلّ شيء فاخر من شعر أو غيره. لسان العرب، ج٤، ص١٨٢ «حرر». والعتيق: الكريم الرائع من كل شيء، والخيار من كل شيء. لسان العرب، ج١٠، ص٢٣٦ «عتق».
  108. بحار الأنوار، ج٢٢، ص٤٠٠، ح٨؛ روضة الواعظين، ج٢، ص٦٥، ح٦٥٢.
  109. اختيار معرفة الرجال، ص٢٨، ح٥٤.
  110. بحار الأنوار، ج٢٢، ص٤٠١، ح١٠؛ الكافي، ج٢، ص١٣٤، باب ذمّ الدنيا والزهد فيها، ح١٧.
  111. اختيار معرفة الرجال، ص٢٨، ح٥٤؛ الأمالي، الطوسي، ص٧٠٢، المجلس ٤٠، ح١٥٠٢/ ٥.
  112. بحار الأنوار، ج٢٢، ص ٤٠١-٤٠٢، ح١١؛ الكافي، ج٢، ص١٣٤، باب ذمّ الدنيا والزهد فيها، ح١٨.
  113. سورة الإنفطار، الآية ١٣.
  114. سورة الإنفطار، الآية ١٤.
  115. سورة الأعراف، الآية ٥٦.
  116. بحار الأنوار، ج٢٢، ص٤٠٢، ح١٢؛ الكافي، ج٢، ص٤٥٨، باب محاسبة العمل، ح٢٠.
  117. بحار الأنوار، ج٢٢، ص٤٠٢-٤٠٣، ح١٣؛ الكافي، ج٨، ص١٢٦-١٢٧، حديث نادر، ح٩٦.
  118. الخرائج والجرائح، ج١، ص١٠٥، ح١٧١.
  119. بحار الأنوار، ج٢٢، ص٤٠٣، ذيل الحديث ١٣.
  120. الترعة: الروضة، وقيل: المكان المرتفع، ومَسيل الماء يقال له ترعه. لسان العرب، ج٨، ص٣٣ «ترع».
  121. بحار الأنوار، ج٢٢، ص٤٠٣-٤٠٤، ح١٤؛ الكافي، ج١، ص٣٠٧، ح٤٧٨. والسلطان كناية عن عثمان، قاله للتعريض به.
  122. بحار الأنوار، ج٢٢، ص٤٠٥، ح١٦.
  123. بحار الأنوار، ج٢٢، ص٤٠٦، ح٢٠؛ الأمالي، الطوسي، ص٣٨٤، المجلس ١٣، ح٨٣٣/٨٤.
  124. بحار الأنوار، ج٢٢، ص٤٠٦، ح٢١؛ علل الشرائع، ج١، ص١٧٧-١٧٨. باب ١٤١، ح٢.
  125. بحار الأنوار، ج٢٢، ص٤٠٦-٤٠٧، ح٢٢؛ معاني الأخبار، ص١٧٩، ح٢.
  126. الاختصاص، ص١٢-١٣.
  127. مرَّغه في التراب تمريغاً فتمرّغ، أي معّكه فتمعّك، لسان العرب، ج٨، ص٤٥٠ «مرغ». والمعك: دلكك الشيءَ في التراب، كتاب العين، ج١، ص٢١٠ «معك».
  128. بحار الأنوار، ج٢٢، ص٤١١، ح٢٨، نقلاً عن كتابي الحسين بن سعيد الأهوازي.
  129. بحار الأنوار، ج٢٢، ص٤١١، ح٢٩؛ اختيار معرفة الرجال، ص٢٩، ح٥٥.
  130. الرخَم: جمع رَخَمة، وهو طائر أبقع على شكل النسر خِلقَةً إلا أنه مبقع بسواد وبياض، يقال له: الأُنوق. لسان العرب، ج١٢، ص٢٣٥ «رخم».
  131. الخبب: ضربٌ من العدو... وقيل: الخبب السرعة. لسان العرب، ج١، ص٣٤١ «خبب». في الاستيعاب: «تَحُثُّ بهم».
  132. شرح نهج البلاغة، ج١٥، ص٩٩-١٠١: الاستيعاب، ج١، ص٣٢١، الرقم ٣٤٣.
  133. الاستيعاب، ج١، ص٣٢٣، الرقم ٣٤٣.
  134. بحار الأنوار، ج٢٢، ص٤٢١، ح٣١؛ راجع نوادر الراوندي، ص١٥.
  135. هو الشهر الثالث من الشهور الروميّة.
  136. سورة الفرقان، الآية ١٥.
  137. بحار الأنوار، ج٢٢، ص٤٢٣-٤٢٤، ح٣٣؛ علل الشرائع، ج١، ص١٧٥- ١٧٦، باب ١٤٠، ح١؛ معاني الأخبار، ص٢٠٤-٢٠٥، ح١.
  138. امتهنه: استعمله للمهنة. لسان العرب، ج١٣، ص٤٢٥. «مهن». والمَهنة والمِهنة والمَهَنة والمَهِنَة كلّه: الحذق بالخدمة والعمل ونحوه. راجع لسان العرب، ج١٣، ص٤٢٤ «مهن».
  139. بحار الأنوار، ج٢٢، ص٤٢٥، ح٣٥؛ معاني الأخبار، ص٣٠٥-٣٠٦، ح١.
  140. بحار الأنوار، ج٢٢، ص٤٢٦، ذيل الحديث ٣٥.
  141. محمد علي أحمديان النجف آبادي، الصحابة الكرام، ج١، ص ٢٩٦.
  142. سورة البقرة، الآية ٨٤.
  143. سورة البقرة، الآية ٨٥.
  144. سورة التوبة، الآية ٣٤.
  145. سورة التوبة، الآية ٣٥.
  146. سورة البقرة، الآية ٨٤.
  147. سورة البقرة، الآية ٨٥.
  148. النهاية في غريب الحديث والأثر، ج٢، ص١٤٠ «دول».
  149. النهاية في غريب الحديث والأثر، ج٢، ص١٠٨ «دخل».
  150. النهاية في غريب الحديث والأثر، ج٢، ص٨٨ «خول».
  151. النهاية في غريب الحديث والأثر، ج٤، ص٢٦ «قدم».
  152. بحار الأنوار، ج٢٢، ص٤٢٩، ذيل الحديث ٣٦، وتقدّم آنفاً مصادر النهاية في غريب الحديث والأثر.
  153. في تفسير القمي: «النِقار»، بالمهملة، والظاهر أنّ ما أثبتناه هو الصحيح، قال ابن منظور؛ النقاز: داءٌ يأخذ الغنم فتثغو الشاة منه ثغوة واحدة، وتنزو وتنقز فتموت. لسان العرب، ج٥، ص٤١٩ «نقز».
  154. بحار الأنوار، ج٢٢، ص٤٢٩-٤٣١، ح٣٧؛ تفسير القمي، ج١، ص٢٩٤-٢٩٥ ذيل الآية ٩٣ من التوبة (٩).
  155. سورة التوبة، الآية ١١٧.
  156. وفي الرواية، كما في بحار الأنوار وتفسير القمّي هكذا: «لقد تاب الله بالنبي على المهاجرين والأنصار...» وذكر أن أبا عبد الله الصادق(ع) قال: «هكذا انزلت...» ولكن ما أثبتناه هو القرآن الموجود بأيدينا.
  157. سورة التوبة، الآية ١١٧.
  158. بحار الأنوار، ج٢٢، ص٤٣١، ح٣٨؛ تفسير القمي، ج١، ص٢٩٧، ذيل الآية ١١٧ من سورة التوبة (٩).
  159. الخصال، ص٤٢، باب الاثنين، ح٣٣.
  160. الأمالي، الطوسي، ص٧٠٢، المجلس ٤٠، ح١٥٠٠/٣.
  161. هو معاوية بن ثعلبة. (المؤلف رحمه الله).
  162. بحار الأنوار، ج٢٢، ص٤٣٢-٤٣٣، ح٤٣، لم نعثر عليه في كشف اليقين، ووجدناه بنصّه في كشف الغمة في معرفة الأئمة، ج١، ص٦٢٠.
  163. وهو الليثي الذي وقع في سند الحديث السابق.
  164. بحار الأنوار، ج٢٢، ص٤٣٣، ح٤٤؛ كشف اليقين، ص١٤٦، الباب ١٤.
  165. بحار الأنوار، ج٢٢، ص٤٣٣، ذيل الحديث ٤٤.
  166. بحار الأنوار، ج٢٢، ص٤٣٤، ح٤٦؛ المحاسن، ج٢، ص٤٦٧، ح٢٦١٩/ ٩٢.
  167. محمد علي أحمديان النجف آبادي، الصحابة الكرام، ج١، ص ٣٠٥.
  168. سورة البقرة، الآية ١٥٦.
  169. بحار الأنوار، ج٢٢، ص٤٣٤، ح٤٧؛ الخرائج والجرائح، ج٢، ص٤٩٠.
  170. ورد في الحديث ذكر «الوعك»، وهو الحُمَّى، وقيل: ألمها، وقد وعكه المرض وعكاً ووُعِك، فهو موعوك. لسان العرب، ج١٠، ص٥١٤ «وعك».
  171. بحار الأنوار، ج٢٢، ص٤٣٤، ح٤٨؛ الدعوات الراوندي، ص١٦٧-١٦٨.
  172. محمد علي أحمديان النجف آبادي، الصحابة الكرام، ج١، ص ٣١٢.
  173. بحار الأنوار، ج٢٢، ص٤٣٥، ح٥٠؛ الكافي، ج٣، ص٢٥٠-٢٥١، باب النوادر، ح٤.
  174. محمد علي أحمديان النجف آبادي، الصحابة الكرام، ج١، ص ٣١٣.
  175. معاني الأخبار، ص١٧٨-١٧٩، ح١.
  176. سورة غافر، الآية ٢٨.
  177. بحار الأنوار، ج٢٢، ص٤٠٤، ح١٥. وليس فيه ذيل الحديث؛ الأمالي، الطوسي، ص٧١٠، المجلس ٤٢. ح١٥١٤/٤.
  178. الكافي، ج٨، ص٣٠٧، ح٤٧٨.
  179. الكافي، ج٨، ص٢٢٢، ح٢٧٩.
  180. محمد علي أحمديان النجف آبادي، الصحابة الكرام، ج١، ص ٣١٣.
  181. كفاية الأثر، ص٣٥-٣٩.
  182. سورة الحج، الآية ٧.
  183. سورة آل عمران، الآية ٨١.
  184. سورة طه، الآية ٩٧.
  185. الخصال، ص٤٥٧-٤٦٠، أبواب الاثني عشر، ح٢.
  186. محمد علي أحمديان النجف آبادي، الصحابة الكرام، ج١، ص ٣٢٢.