أفضلية الإمام علي في علم الكلام
تمهيد
تُمثل أفضليّة الإمام - بحسب معتقد الإمامية - شرطاً لإمامته، وباعتراف كلّ من الشيعة والسنّة؛ لم يكن بين أصحاب النبي (ص) شخص يضاهي أمير المؤمنين (ع) في الأفضلية. وقد أورد كلّ من المحقق الطوسي في كتابه «تجريد الاعتقاد» والعلّامة الحلي في «كشف المراد» خمسة وعشرين نموذجاً لأفضليّة الإمام عليّ (ع)[١]. ويلازم بيان الأمثلة والنماذج التي تظهر أفضليّة الإمام عليّ (ع) الإثبات العقلي على إمامته؛ إذ من الواجب أن يكون خليفة الرسول (ص) والقائم مقامه من بعده هو الأفضل بين صحابته، وطالما أنّ علياً (ع) هو الأفضل بينهم جميعاً، فقد وجب أن يكون هو الخليفة.
ويمكن استعراض فضائل أمير المؤمنين (ع) في أربعة عهود من حياته الشريفة؛ امتدّت لثلاثة وستّين عاماً؛ وهي على التفصيل الآتي:
العهد الأول: الفترة التي قضاها في كنف الرسول الأكرم (ص)، يتربّى في أحضانه، وينهل من نمير علومه؛ وهي فترة امتدّت لعشرة أعوام.
العهد الثاني: الفترة التي أمضاها بعد إعلان نبوّة رسول الله (ص) سعى فيها جاهداً لخدمة الدين وتثبيت أركان الشريعة؛ وهي فترة امتدّت ثلاثة وعشرين عاماً.
العهد الثالث: الفترة التي حافظ فيها أمير المؤمنين (ع) على شوكة الإسلام ووحدة المسلمين بعد أن لم تُنفّذ الأمة وصيّة النبي (ص) فيه، فقعد عن المطالبة بحقّه؛ وهي فترة امتدّت خمسة وعشرين عاماً.
العهد الرابع: الفترة التي عاد فيها العدل إلى نصابه، وتولّى فيها الإمام سدّة الحكم، وهي فترة لم تتجاوز الأربعة أعوام وتسعة أشهر طبق خلالها معالم العدالة في حكومته الراشدة.
وقد عرض كلّ من المحقق الطوسي في كتابه «تجريد الاعتقاد» والعلّامة الحلي في «كشف المراد»فضائل الإمام عليّ (ع) في العهود الأربعة من حياته، ضمن خمسة وعشرين نقطة نستعرضها فيما يأتي:
الفضيلة الأولى
أنّ عليّاً (ع) كان أكثر جهاداً وأعظم بلاء في غزوات النبي (ص) بأجمعها، ولم يبلغ أحد درجته في ذلك؛ منها:
- في غزوة بدر؛ وهي أوّل حرب امتحن بها المؤمنون لقلّتهم وكثرة المشركين، فقتل عليّ (ع) الوليد بن عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، ثمّ العاص بن سعيد بن العاص، ثمّ حنظلة بن أبي سفيان ثمّ طعيمة بن عدي، ثم نوفل بن خويلد - وكان شجاعاً - وسأل النبي (ص) أن يكفيه أمره فقتله عليّ (ع)، ولم يزل يقاتل حتى قتل نصف المشركين المقتولين والباقي من المسلمين وثلاثة آلاف من الملائكة مسوّمين قتلوا النصف الآخر، ومع ذلك كانت الراية في يد عليّ (ع).
- في غزوة أحد؛ حيث جمع له الرسول (ص) بين اللواء والراية، وكانت راية المشركين مع طلحة بن أبي طلحة؛ وكان يسمّى كبش الكتيبة، فقتله عليّ (ع)، فأخذ الراية غيره فقتله (ع)، ولم يزل يقتل واحداً بعد واحد حتى قتل تسعة نفر، فانهزم المشركون واشتغل المسلمون بالغنائم فحمل خالد بن الوليد بأصحابه على النبي (ص) فضربوه بالسيوف والرماح والحجر حتى غشي عليه فانهزم الناس عنه سوى عليّ (ع) فنظر إليه النبي (ص) بعد إفاقته، فقال له: «فَاكْفِنِي هَؤُلاَءِ»، فهزمهم عنه، وكان أكثر المقتولين بسيفه (ع).
- يوم الأحزاب؛ وقد بالغ في قتل المشركين، وقتل عمرو بن عبدود الذي كان بطل المشركين، ودعا إلى البراز مراراً، فامتنع عنه المسلمون، وعليّ (ع) يروم مبارزته، والنبيّ (ص) يمنعه من ذلك لينظر صنع المسلمين، فلمّا رأى امتناعهم أذن له، وعمّمه بعمامته، ودعا له. قال حذيفة: لمّا دعا عَمْراً إلى المبارزة أحجم المسلمون عنه كافّة، ما خلا عليّاً (ع)؛ فإنّه برز إليه، فقتله الله على يديه والذي نفس حذيفة بيده لعمله في ذلك اليوم أعظم أجراً من عمل أصحاب محمّد(ص) إلى يوم القيامة، وكان الفتح في ذلك اليوم على يدي عليّ (ع)، وقال النبي (ص): «لَضَرْبَةُ عَلِيٍّ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ اَلثَّقَلَيْنِ».
- في غزوة خيبر، وصيت جهاده فيها غير خفيّ، وقد نصر الله الإسلام على يديه، فإنّ النبي (ص) حصر حصنهم بضعة عشر يوماً، وكانت الراية بيد علي (ع) فأصابه الرمد، فسلّم النبي (ص) الراية إلى أبي بكر ومعه جماعة، فرجعوا منهزمين خائفين، فدفعها في الغد إلى عمر بن الخطاب، فصنع كالذي سبقه، فقال (ص): «لَأُعْطِيَنَّ اَلرَّايَةَ غَداً رَجُلاً يُحِبُّ اَللهَ وَ رَسُولَهُ وَ يُحِبُّهُ اَللهُ وَ رَسُولُهُ كَرَّاراً غَيْرَ فَرَّارٍ لاَ يَرْجِعُ حَتَّى يَفْتَحَ اَللهُ عَلَى يَدَيْهِ»، فلمّا أصبح قال: ايتوني بعليّ (ع) فقيل: به رمد، فتفل في عينه، (ع) ودفع الراية إليه، فقتل مرحباً، فانهزم أصحابه وغلقوا الأبواب، ففتح عليّ (ع) الباب، واقتلعه وجعله جسراً على الخندق وعبروا وظفروا، فلمّا انصرفوا أخذه بيمينه ودحاه أذرعاً، وكان يغلقه عشرون وعجز المسلمون عن نقله حتى نقله سبعون رجلاً. وقد روي عنه أنّه قال (ع): «وَاللهِ مَا قُلِعَتْ بَابُ خَيْبَرَ وَرَمَيْتَ بِهَا خَلْفَ ظَهْرِي أَرْبَعِينَ ذِرَاعاً بِقُوَّةٍ جسديّة، وَلَا حَرَكَةٍ غذائيّة، لَكِنِّي أَيَّدْتَ بِقُوَّةٍ ملكوتيّة»[٢].
الفضيلة الثانية
أنّ عليّاً (ع) كان أعلم هذه الأمة؛ فقد أطبق المسلمون على أنّه كان في أعلى مراتب الذكاء وقوّة الفكر والحدس، وقد نشأ في حجر رسول الله (ص) ملازماً له، مستفيداً منه؛ قال (ع): ««عَلَّمَنِي رَسُولُ الله أَلْفَ بَابٍ مِنَ العلم، فَفَتَحَ (فَانفَتَحَ) لِيْ مِنْ كُلُّ بَابٍ أَلْف تبب»[٣].
والرسول (ص) كان أكمل الناس وأفضلهم، ومع حصول القبول التام والمؤثر الكامل يكون الفعل أقوى وأتمّ، وهذا برهان لمّي. أضف إلى ذلك أنّ الأحكام الشرعية كانت تشتبه أحياناً على الصحابة، وربّما أفتى بعضهم خطأ، وقد كانوا يراجعونه في ذلك، ولم يُنقَل أنّه (ع) راجع أحداً منهم في شيء البتة، وذلك يدلّ على أنّه أفضل من غيره.
وممّا روي من ذلك أنّ رجلاً من اليهود لقي أبا بكر، فقال له: أين الله تعالى؟ فقال: على العرش فقال اليهودي: خلت الأرض منه حيث اختصّ ببعض الأمكنة، فانصرف اليهودي متهكّماً بالإسلام، فلقيه عليّ (ع)، فقال له: «إنّ الله جلّ وعزّ أيّن الأين فلا أين له، وجلّ عن أن يحويه مكان، وهو في كلّ مكان بغير مماسّة ولا مجاورة،يحيط علماً بما فيها ولا يخلو شيء منها»، فأسلم على يده.
وسئل أبو بكر عن «الكلالة»[٤]، و«الأبّ»[٥] فحار جواباً، حتّى فسرّهما الإمام له.
وسُئل عمر بن الخطاب عن أحكام كثيرة فحكم فيها بغير الصواب، فاعترضه عليّ (ع) فيها، فرجع عمّا قال. وقد روي عنه أيضاً إسقاط حدّ الشرب عن قدامة بن مظعون لما تلا عليه قوله عز وجل: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾[٦]، فقال عليّ (ع) «الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا يَسْتَحِلُّونَ مُحْرِماً»، وأمره بردّه، واستتابته؛ فإن تاب فاجلده وإلّا فاقتله، فتاب ولم يدرِ عمر كم يحدّه، فأمره (ع) بحدّه ثمانين جلدة.
وفي واقعة أخرى أمر عمر برجم مجنونة زنت، فردّه (ع) بقوله: «رَفَعَ اَلْقَلَمَ عَنِ اَلْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ»، فقال الخليفة الثاني: «لولا عليّ لهلك عمر».
وروي أيضاً أنّ امرأةً ولدت لستّة أشهر، فأمر عمر برجمها، فقال (ع) له: «أَقَلُّ اَلْحَمْلِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ بقوله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾[٧] وقوله: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً﴾[٨]».
وقد أمر الخليفة الثاني أيضاً برجم امرأة حامل فقال (ع) له: «إِنْ كَانَ لَكَ سَبِيلٌ عَلَيْهَا فَلَيْسَ لَكَ سَبِيلٌ عَلَى مَا فِي بَطْنِهَا» فامتنع. وغير ذلك من الوقائع الشهيرة.
هذا، وقد اتّفق المسلمون في رواية أنّ رسول الله (ص) قد قال في حقّه (ع): «أَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ»، والقضاء يستلزم العلم، فيكون أفضل منهم.
أضف إلى ذلك استناد العلماء بأسرهم إليه؛ فإنّ علم النحو مستند إليه، وكذا «أصول المعارف الإلهية» و«علم الأصول»؛ فإنّ أبا الحسن الأشعري تلميذ أبي علي الجبائي من المعتزلة وجميع المعتزلة ينتسبون إليه، ويدعون أخذ معارفهم منه، وأهل التفسير رجعوا إلى ابن عباس فيه وهو تلميذ عليّ (ع)، والفقهاء ينتسبون إليه، والخوارج مع بعدهم عنه ينتسبون إلى أكابرهم؛ وهم تلامذة عليّ (ع).
الفضيلة الثالثة
أنّ علياًّ (ع) كان نفس النبي (ص)؛ فقد قال عز وجل: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾[٩].
وأطبق المفسرون على أنّ «الأبناء» إشارة إلى الحسن و الحسين(ع)، و«النساء» إشارة إلى فاطمة (ع)، و«الأنفس» إشارة إلى عليّ (ع) ولا يمكن أن يقال: إنّ نفسيهما واحدة؛ فلم يبق المراد من ذلك إلّا المساوي. ولا شكّ في أنّ رسول الله (ص) أفضل الناس، فمساويه كذلك أيضاً.
الفضيلة الرابعة
أنّ عليّاً (ع) كان كثير السخاء على غيره، فقد روي أنّه كان (ع) أسخى الناس بعد رسول الله (ص)؛ حتى أنّه جاد بقوته وقوت عياله، وبات طاوياً هو وإيّاهم ثلاثة أيام؛ حتى أنزل الله سبحانه وتعالى في حقّهم: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً﴾[١٠].
وتصدّق مرّة أخرى بجميع ما يملكه، وقد كان حينئذ لا يملك أكثر من أربعة دراهم؛ فتصدّق بدرهم ليلاً، وبدرهم نهاراً، وبدرهم سراً، وبدرهم علانية، فأنزل الله تبارك وتعالى في حقه: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾[١١].
وكان يعمل بالأجرة ويتصدّق بها، ويشدّ على بطنه الحجر من شدّة الجوع، وشهد له بذلك أعداؤه فضلاً عن أوليائه؛ قال معاوية: «لو ملك علي (ع) بيتاً من تبر وبيتاً من تبن؛ لأنفد تبره قبل تبنه، ولم يخلف شيئاً أصلاً».
الفضيلة الخامسة
كان (ع) أزهد الناس بعد النبي (ص)؛ وبيانه أنّه كان سيّد الأبدال، وإليه تُشدّ الرحال في معرفة الزهد والتسليك فيه وترتيب أحوال الرياضات، وذكر مقامات العارفين. وكان أخشن الناس مأكلاً وملبساً، ولم يشبع من طعام قطّ، قال عبيد الله بن أبي رافع: دخلت عليه يوماً فقدّم جراباً مختوماً فوجدنا فيه خبز شعير يابساً مرضوضاً، فأكل منه، فقلت: يا أمير المؤمنين كيف تختمه؟ فقال: «خفت هذين الولدين يلتّانه بزيت أو سمن»، وهذا شيء اختصّ به عليّ (ع) لم يشاركه فيه غيره، ولم ينل أحد بعض درجته. وكان نعلاه من ليف، ويرقع قميصه بجلد تارة، وبليف أخرى. وقلّ أن يأتدّم، فإن فعل فبالملح أو بالخلّ، فإن ترقّى فبنبات الأرض، فإن ترقّى فبلبن، وكان لا يأكل اللحم إلّا قليلاً ويقول: «لا تجعلوا بطونكم مقابر الحيوان».
الفضيلة السادسة
كان (ع) أعبد الناس بعد النبي(ص)؛ ومنه تعلّم الناس صلاة الليل، واستفادوا منه ترتيب النوافل والدعوات وكانت جبهته كثفنة البعير لطول سجوده، وكان يحافظ على النافلة؛ حتى إنّه بسط له بين الصفين نطع ليلة الهرير؛ فصلّى (ع) النافلة والسهام تقع بين يديه وإلى جوانبه وكانوا يستخرجون النصول من جسده وقت الصلاة لالتفاته بالكليّة إلى الله سبحانه وتعالى حتى لا يبقى له التفات إلى غيره.
الفضيلة السابعة
كان (ع) أحلم الناس بعد رسول الله (ص)؛ فلم يقابل أحداً بإساءته. فعفا عن مروان بن الحكم يوم الجمل وكان شديد العداوة له (ع) وعفا عن عبد الله بن الزبير لما استأسره يوم الجمل، وكان يشتمه (ع) ظاهراً، وقال: (ع): «لَمْ يَزَلِ الزُّبَيْرُ رَجُلاً مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ حَتَّى شَبَّ عَبْدِ اللهِ»، وعفا عن سعيد بن العاص وكان عدوّاً له (ع)، وأكرم عائشة، وبعثها إلى المدينة مع عشرين امرأة عقيب حربها له. وصفح عن أهل البصرة مع محاربتهم له، ولما حارب معاوية سبق أصحاب معاوية إلى الشريعة فمنعوه من الماء، فلما اشتدّ العطش بأصحابه حمل عليهم، وفرّقهم، وملك الشريعة، فأراد أصحابه أن يفعلوا بهم كذلك، فنهاهم عن ذلك، وقال: «أفسحوا بعض الشريعة ففي حدّ السيف ما يغني عن ذلك».
الفضيلة الثامنة
كان (ع) أشرف الناس خلقاً، وأطلقهم وجهاً؛ قال صعصعة بن صوحان: «كان فينا كأحدنا، لين جانب، وشدّة تواضع، وسهولة قياد، وكنّا نهابه مهابة الأسير المربوط للسيّاف الواقف على رأسه». وقال معاوية لـ قيس بن سعد رحم الله أبا حسن؛ فلقد كان هشّاً بشّاً ذا فكاهة، فقال قيس: «أما والله لقد كان مع تلك الفكاهة والطلاقة أهيب من ذي لبدتين قد مسّه الطوى، تلك هيبة التقوى ليس كما يهابك طغام الشام.
الفضيلة التاسعة
أنّه (ع) كان أقدم الناس إيماناً. وقد روى سلمان الفارسي عن النبي(ص) أنّه قال: «أَوَّلُكُمْ وُرُوداً عَلَيَّ اَلْحَوْضَ أَوَّلُكُمْ إِسْلاَماً عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ». وقال أنس: بعث النبي (ص) يوم الاثنين، وأسلم عليّ (ع) يوم الثلاثاء. وقال رسول الله (ص) لفاطمة (ع) «زَوَّجْتُكِ مَنْ أَقْدَمُهُمْ سِلْماً وَ أَكْثَرُهُمْ عِلْماً».
ولا يُقال: إنّ إسلامه (ع) كان قبل البلوغ، فلا اعتبار به؛ فلأنّ سنّ عليّ (ع) كان ستّاً وستين سنة أو خمساً وستّين، والنبيّ(ص) بقي بعد الوحي ثلاثاً وعشرين سنة، وعليّ (ع) بقي بعد النبي نحواً من ثلاثين سنة، فيكون سنّ علي (ع) وقت نزول الوحي فيما بين اثنتي عشرة سنة وبين ثلاث عشرة سنة، والبلوغ في هذا الوقت ممكن، فيكون واقعاً لقوله (ص): «زَوَّجْتُكِ مَنْ أَقْدَمُهُمْ سِلْماً وَ أَكْثَرُهُمْ عِلْماً».
الفضيلة العاشرة
أنّه (ع) كان أبلغ الناس في الفصاحة، وأعظمهم منزلة فيها بعد رسول الله؛ حتى قال البلغاء كافّة: «إنّ كلامه دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق»، ومنه تعلّم الناس أصناف البلاغة، حتى قال معاوية: «ما سنّ الفصاحة لقريش غيره»، وقال ابن نباتة حفظت من خطبه مئة خطبة». وقال عبد الحميد بن يحيى حفظت سبعين خطبة من خطبه.
الفضيلة الحادية عشر
أنّه (ع) كان أسدّ الناس رأياً بعد رسول الله (ص)، وأجودهم تدبيراً، وأعرفهم بمزايا الأمور ومواقعها؛ وهو الذي أشار على عمر بالتخلف عن حرب الروم والفرس، وبَعْث نوّابه، ففي وجود الخليفة في الجيش وعلم العدو بذلك مدعاة لهم للاستبسال في القتال، ساعين في ذلك إلى قتله، وكسر شوكة الإسلام، وتفريق كلمة المسلمين. وأمّا بالبقاء في مركز الدولة الإسلامية، فيبقى دائماً إمكان إرسال جيش آخر إن هُزم الأول. وأشار على عثمان بما فيه صلاحه وصلاح المسلمين، فخالفه حتّى قُتِل.
الفضيلة الثانية عشر
أنّه (ع) كان أكثر الناس حرصاً على إقامة حدود الله تعالى، لم يراقب في ذلك أحداً، ولم يلتفت إلى قرابة؛ بل كان شديد السياسة، خشناً في ذات الله جل وعلا، لم يراقب ابن عمّه ولا أخاه، ولم يساوه في ذلك أحد من الصحابة.
الفضيلة الثالثة عشر
أنّه (ع) كان أوّلهم وأتقنهم حفظاً لكتاب الله؛ فقد كان يحفظ كتاب الله تبارك وتعالى على عهد رسول الله (ص)، ولم يكن أحد يحفظه. وهو أوّل من جمعه، ونقل الجمهور أنّه تأخّر عن البيعة بسبب اشتغاله بجمع القرآن العظيم، وأئمّة القراء يسندون قراءاتهم إليه؛ كـ أبي عمرو بن أبي العلاء، وعاصم، وغيرهما؛ لأنّهم يرجعون إلى أبي عبدالرحمن السلمي؛ وهو تلميذه (ع).
الفضيلة الرابعة عشر
أنّه (ع) كان يُخبر بالغيب، وقد روي عنه ذلك في مواضع كثيرة، ولم تحصل هذه المرتبة لأحد من الصحابة فيكون أفضل منهم قطعاً. ذلك كإخباره بقتل ذي الثدية، ولما لم يجده أصحابه بين القتلى؛ قال: «وَ اَللهِ مَا كَذَبْتُ وَ لاَ كُذِبْتُ»، فاعتبرهم (ع) حتى وجده وشقّ قميصه ووجد على كتفه سلعة كثدي المرأة عليها شعرات تنحدر كتفه مع جذبها وترجع مع تركها. وقال له أصحابه: إنّ أهل النهروان قد عبروا، فقال (ع): لم يعبروا، فأخبروه مرّة ثانية فقال: لم يعبروا، فقال جندب بن عبد الله الأزدي في نفسه: إن وجدت القوم قد عبروا كنت أوّل من يقاتله، فلمّا وصلنا النهر لم نجدهم عبروا، فقال (ع): «يا أخا الأزد! أتبيّن لك الأمر؟»، وذلك يدلّ على اطلاعه على ما في ضميره.
وأخبر (ع) بقتل نفسه في شهر رمضان وبولاية الحجاج وانتقامه، وبقطع يد جويرية بن مسهر ورجله وصلبه على جذع؛ ففعل به ذلك في أيام معاوية، وبصلب ميثم التمار على باب عمرو بن حريث؛ عاشر عشرة وأراه النخلة التي يُصلَب على جذعها فكان كما قال وبذبح قنبر، فذبحه الحجاج.
وقيل له: قد مات خالد بن عرفطة بوادي القرى، فقال: «إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ ولاَ يَمُوتُ حَتَّى يَقُودَ جَيْشَ ضَلاَلَةٍ صَاحِبُ لِوَائِهِ حَبِيبُ ابن جمّاز»، فقام رجل من تحت المنبر فقال: والله إنِّي لك لمحبّ وأنا حبيب، قال: «إِيَّاكَ أَنْ تَحْمِلَهَا، ولَتَحْمِلَنَّهَا فَتَدْخُلُ مِنْ هَذَا اَلْبَابِ»، وأومأ إلى باب الفيل. فلمّا بعث ابن زياد عمر بن سعد إلى قتال الحسين (ع) جعل على مقدّمته خالداً وحبيب صاحب رايته، فسار بها حتى دخل المسجد من باب الفيل.
وقال (ع) يوماً على المنبر: «سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي فَوَ اَللهِ لاَ تَسْأَلُونِي عَنْ فِتْنَةٍ تَضِلُّ مِائَةً وَ تَهْدِي مِائَةً إِلاَّ أَنْبَأْتُكُمْ بِنَاعِقِهَا وَ سَائِقِهَا إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ»، فقام إليه رجل فقال: أخبرني كم في رأسي ولحيتي من طاقة شعر؟! فقال أمير المؤمنين (ع): «لَقَدْ حَدَّثَنِي خَلِيلِي رَسُولُ اَللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ بِمَا سَأَلْتَ عَنْهُ وَ أَنَّ عَلَى كُلِّ طَاقَةِ شَعْرٍ فِي رَأْسِكَ مَلَكاً يَلْعَنُكَ وَ عَلَى كُلِّ طَاقَةِ شَعْرٍ فِي لِحْيَتِكَ شَيْطَاناً يَسْتَفِزُّكَ وَ إِنَّ فِي بَيْتِكَ لَسَخْلاً يَقْتُلُ اِبْنَ رَسُولِ اَللهِ» فلما كان من أمر الحسين (ع) ما كان؛ تولّى قتله.
والأحاديث في ذلك أكثر من أن تحصى؛ نقلها المخالف والمؤالف.
الفضيلة الخامسة عشر
أنّه (ع) كان مستجاب الدعوة سريعاً؛ دون غيره من الصحابة؛ ومنها أنّه (ع) دعا على بسر بن أرطأة فقال: «اَللهُمَّ إِنَّ بُسْراً بَاعَ دِينَهُ بِالدُّنْيَا فَاسْلُبْهُ عَقْلَهُ وَ لاَ تُبْقِ لَهُ مِنْ دِينِهِ مَا يَسْتَوْجِبُ بِهِ عَلَيْكَ رَحْمَتَكَ»؛ فاختلط عقله. واتُّهِم العيزار برفع أخباره (ع) إلى معاوية؛ فأنكر فقال (ع) له: «إِنْ كُنْتَ كَاذِباً فَأَعْمَى اَللهُ بَصَرَكَ»، فعمي قبل أسبوع.
واستشهد (ع) جماعة من الصحابة عن حديث الغدير؛ فشهد له اثنا عشر رجلاً من الأنصار وسكت أنس بن مالك؛ فقال له: «يَا أَنَسُ مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَشْهَدَ وَ قَدْ سَمِعْتَ مَا سَمِعُوا» فقال: يا أمير المؤمنين كبرت ونسيت، فقال: «اَللهُمَّ إِنْ كَانَ كَاذِباً فَاضْرِبْهُ بِبَيَاضٍ أَوْ بِوَضَحٍ لاَ تُوَارِيهِ اَلْعِمَامَةُ» فصار أبرص وكتم زيد بن أرقم فذهب بصره، وغير ذلك من الوقائع المشهورة.
الفضيلة السادسة عشر
كرامته (ع) وظهور المعجزات عنه؛ وهي كثيرة منها: حديثه مع الحية، وخلعه باب خيبر، وردّ الشمس، والحرب مع الجن.
الفضيلة السابعة عشر
اختصاصه (ع) بالقرابة؛ فقد كان (ع) أقرب الناس نسباً إلى رسول الله (ص)، فيكون أفضل من غيره، ولأنّه كان هاشمياًّ فيكون أفضل لقوله (ع): «إِنَّ اَللهَ اِصْطَفَى إِسْمَاعِيلَ مِنْ وُلْدِ إِبْرَاهِيمَ، وَ اِصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ، وَ اِصْطَفَى قُرَيْشاً مِنْ بَنِي كِنَانَةَ، وَ اِصْطَفَى هَاشِماً مِنْ قُرَيْشٍ».
الفضيلة الثامنة عشر
أُخوته (ع) مع النبي وبيانه أنّ النبي(ص) لمّا واخى بين الصحابة وقرن كل شخص إلى مماثله في الشرف والفضيلة، رأى عليّاً (ع) متكدّراً، فسأله عن سبب ذلك فقال: «إنّك آخيت بين الصحابة وجعلتني منفرداً»، فقال له رسول الله (ص): «مَا أَخَّرْتُكَ إِلاَّ لِنَفْسِي، أَ مَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ أَخِي وَ أَنَا أَخُوكَ أَنْتَ أَخِي فِي اَلدُّنْيَا وَ اَلْآخِرَةِ وَ أَنْتَ وَصِيِّي وَ وَزِيرِي وَ خَلِيفَتِي فِي أُمَّتِي، تَقْضِي دَيْنِي وَ تُنْجِزُ عِدَاتِي وَ تَتَوَلَّى غُسْلِي، وَ لاَ يَلِيهِ غَيْرُكَ، وَ أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلاَّ أَنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي» فقال: «بَلَى يَا رَسُولَ اَللهِ» فواخاه من دون الصحابة.
الفضيلة التاسعة عشر
وجوب المحبة له (ع) على الآخرين؛ فقد كان محبّته (ع) ومودّته واجبة دون غيره من الصحابة فيكون أفضل منهم قطعاً، وذلك أنّه (ع) كان من أولي القربى؛ فتكون مودّته واجبة لقوله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾[١٢].
الفضيلة العشرون
النصرة للنبيّ (ص)؛ فقد اختصّ بهذه الفضيلة دون غيره من الصحابة؛ فيكون أفضل منهم، وبيانه هو قوله عز وجل: ﴿فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾[١٣]. وقد اتّفق المفسرون على أنّ المراد بصالح المؤمنين هو عليّ (ع)، و«المولى» هنا هو الناصر؛ لأنّه القدر المشترك بين الله جل وعلا وجبرئيل (ع)، وجعله ثالثهم، وحصر المولى في الثلاثة بلفظة «هو» في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾.
الفضيلة الحادية والعشرون
مساواته (ع) الأنبياء (ع)؛ وبيانه أنّه كان مساوياً للأنبياء المتقدمين؛ فيكون أفضل من غيره من الصحابة بالضرورة؛ لأنّ المساوي للأفضل أفضل، ودليله ما رواه البيهقي عن النبي (ص) أنّه قال: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى آدَمَ فِي عِلْمِهِ وَ إِلَى نُوحٍ فِي تَقْوَاهُ وَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ فِي حِلْمِهِ وَ إِلَى مُوسَى فِي هَيْبَتِهِ وَ إِلَى عِيسَى فِي عِبَادَتِهِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ»
لذا فإنّ عليّاً (ع) واجد لعلم آدم (ع)، وتقوى نوح (ع)، وحلم إبراهيم (ع)، وهيبة موسى (ع)، وعبادة عيسى (ع)؛ وليس لأحد من الصحابة مثل هذا الفضل.
الفضيلة الثانية والعشرون
تحديث النبي (ص) بفضائله (ع)؛ فقد أخبر النبي (ص) في مواضع كثيرة ببيان فضله وزيادة كماله على غيره ونصّ على إمامته؛ منها على سبيل المثال: ما ورد في خبر الطائر؛ وهو أنّه (ع) قال: «اَللهُمَّ اِئْتِنِي بِأَحَبِّ خَلْقِكَ إِلَيْكَ يَأْكُلُ مَعِي مِنْ هَذَا اَلطَّائِرِ»، فجاء علىّ بن أبي طالب (ع) فأكل معه، وفي رواية: «اللهُمَّ أَدْخِلْ إِلَيَّ أَحَبُّ أَهْلِ الْأَرْضِ إِلَيْكَ»، رواه أنس و سعد بن أبي وقاص و أبو رافع مولى رسول الله (ص) و ابن عباس، وعوّل أبو جعفر الإسكافي و أبو عبد الله البصري على هذا الحديث في أنّه (ع) أفضل من غيره، وادّعى أبو عبد الله شهرة هذا الحديث، وظهوره بين الصحابة، ولم ينكره أحد منهم؛ فيكون متواتراً.
وخبر المنزلة؛ وهو قوله (ص): «أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلاَّ أَنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي»، وقد كان هارون أفضل أهل زمانه عند أخيه، فكذا عليّ (ع) عند محمّد (ص).
وخبر الغدير؛ وهو قوله (ص) لمّا خطب الناس بغدير خم في عوده من حجة الوداع: «مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ أَ لَسْتَ أَوْلَى مِنْكُمْ بِأَنْفُسِكُمْ؟» «قالوا: بلى يا رسول الله»، فأخذ بيد عليّ (ع) وقال: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا عَلِيِّ مَوْلَاهُ اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ وَ انْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ وأخذل مَنْ خَذَلَهُ وَ أَدَرُّ الْحَقُّ مَعَ عَلِيٍّ كَيْفَ مَا دَارٍ».
والمراد بالمولى هاهنا: الأولى بالتصرّف، وإذا كان عليّ (ع) أولى من كل أحد بالتصرف في نفس المؤمنين ومالهم، فهو أفضل منهم قطعاً، ووجب أن يكونوا جميعاً تحت إمرته وولايته.
الفضيلة الثالثة والعشرون
انتفاء سبق الكفر عنه (ع)؛ وبيانه أنّه (ع) لم يكفر بالله عز وجل أصلاً؛ بل من حين بلوغه كان مؤمناً موحّداً؛ بخلاف باقي الصحابة، فإنّهم كانوا في زمن الجاهلية كفرة، ولا ريب في فضل من لم يزل موحّداً على من سبق كفره على إيمانه.
الفضيلة الرابعة والعشرون
كثرة انتفاع الإسلام به والمسلمين؛ فقد انتفع به (ع) المسلمون أكثر من نفعهم بغيره؛ فيكون ثوابه أكثر، وفضله أعظم، وقد تقدّم من كثرة حروبه، وشدّة بلائه في الإسلام، وفتح الله البلاد على يديه، وقوة شوكة الإسلام به؛ لذا فإنّه (ع) الأفضل عند الله سبحانه وتعالى وعند رسوله وعند الناس والشاهد على هذا المدعى ما كان منه (ع) من تضحيات جسيمة في العهود الأربعة من حياته الشريفة.
الفضيلة الخامسة والعشرون
تميّزه (ع) بالكمالات جميعها. وبيانه أنّ الكمالات إمّا نفسانية وإما بدنيّة وإما خارجيّة: أمّا الكمالات النفسانية والبدنيّة فقد بينّا بلوغه فيها إلى حدّ الذروة والغاية؛ فقد كان العلم والزهد والشجاعة والسخاء وحسن الخلق والعفّة فيه أبلغ من غيره، بل لا يجاريه في واحد منها أحد بعد رسول الله (ص). وبلغ في القوة البدنية والشدّة مبلغاً لا يساويه أحد حتى قيل: إنّه (ع) كان يقطّ الهام قط الأقلام، لم يخط في ضربه قط ولم يحتج إلى المعاودة، وقلع باب خيبر وقد عجز عن نقلها سبعون رجلاً من أشدّ الناس قوّة مع أنّه (ع) كان قليل الغذاء جداً بأخشن مأكل وملبس كثير الصوم مداوم العبادة.
وأمّا الخارجية فمنها: النسب الشريف الذي لا يساويه أحد في القرب من رسول الله (ص) فإنّه كان أقرب الناس إليه؛ فإنّ العباس كان عمّ رسول الله (ص) من الأب خاصّة، وعليّ (ع) كان ابن عمّه من الأب والأمّ، ومع ذلك فإنّه كان هاشمياً من الأب والأمّ؛ لأنّه علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم وأمّه فاطمة بنت أسد بن هاشم.
ومنها: المصاهرة ولم يحصل لأحد ما حصل له منها؛ فإنّه زوج سيدة نساء العالمين (ع)، وعثمان وإن شاركه في كونه ختناً لرسول الله (ص) إلّا أنّ فاطمة أشرف بناته، وكان لها من المنزلة والقرب من قلب الرسول (ص) مبلغ عظيم وكان يعظّمها حتى أنّه كان إذا جاءت إليه نهض لها قائماً ولم يفعل ذلك بأحد من النساء، وقال رسول الله (ص): سيّدة نساء العالمين في الجنة أربع وعدّ منهنّ فاطمة (ع).
ومنها: الأولاد؛ ولم يحصل لأحد من المسلمين مثل أولاده في الشرف والكمال؛ فإنّ الحسن و الحسين (ع) إمامان سيّدا شباب أهل الجنة، وكان حبّ رسول الله (ص) لهما في الغاية حتّى أنّه (ع) كان يتطأطأ لهما ليركباه ويبعبع لهما. ثمّ أولد كل واحد منهما أولاداً بلغوا في الشرف إلى الغاية؛ فالحسن (ع) أولد مثل الحسن المثنى والمثلّث و عبد الله بن الحسن المثنى و النفس الزكية وغيرهم، وأولد الحسين (ع) مثل زين العابدين، و الباقر، و الصادق و الكاظم و الرضا و الجواد و الهادي، و العسكري، و المهدي(ع)، وقد نشروا من العلم والفضل والزهد والانقطاع والترك شيئاً عظيماً [١٤].[١٥]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، العلامة الحلي، ص ٢١٢ -٢٣٨؛ شرح كشف المراد،عليّ محمديّ، ص ٤٥٧ -٤٩٤. إثبات الوصية للإمام عليّ بن أبي طالب،(ع)، أبو الحسن المسعودي، ص: ٢٣٩. تجدر الإشارة إلى أنّ جميع القضايا المذكورة هنا في خصوص فضائل أمير المؤمنين (ع) وأفضليّته وردت في تعليقات العلامة السبحاني على كشف المراد مسندةً لمصادر أهل السنة.
- ↑ الأمالي الشيخ الصدوق، ص ٦٠٤. [م]
- ↑ الأربعين في أصول الدين،الفخر الرازي، ص ٤٧٥. لاحظ أيضاً: ينابيع المودة، القندوزي، ص ٧٢؛ كنز العمال، المتقي الهندي، ج٦، ص ٣٩٢. [م]
- ↑ في قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ (سورة النساء، الآية ١٧٦.)
- ↑ في قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾(سورة عبس، الآية ٣١).
- ↑ سورة المائدة، الآية ٩٣.
- ↑ سورة لقمان، الآية ١٤.
- ↑ سورة الأحقاف، الآية ١٥.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ٦١.
- ↑ سورة الإنسان، الآية ٨.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٧٤.
- ↑ سورة الشورى، الآية ٢٣.
- ↑ سورة التحريم، الآية ٤.
- ↑ لاحظ: كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، العلامة الحلي، ص ٢١٢-٢٣٨، شرح كشف المراد، ج٨، ص ٣٦٥.
- ↑ عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٣، ص ١٤٧.