علم الإمام بالغيب
شبهة إنكار علم الأئمة للغيب
إن من بين الصفات اللازمة للإمام صفة العلم الكامل والجامع بتعاليم الدين والشريعة، والتي تم التعبير عنها في بعض الروايات بـ «علم الغيب» أو «العلم اللدني».
وقد ذهب أهل السنة[١] وبعض المعاصرين[٢] إلى إنكار مثل هذا العلم، وقالوا بأن علم الإمام هو علم مادي كعلم أي إنسان آخر، وليس لعلمه أيّ مزية على العلوم التي يكتسبها سائر الناس، ومن ثُمَّ فإن علم الأئمة هو علم اجتهادي خاضع لأصل القبض والبسط في المعارف البشرية وقابل للخطأ وإن بنسبة قليلة. وقد ذهب هؤلاء إلى نسبة العلم بالغيب وغير المحدود وما إلى ذلك إلى الأئمة الأطهار لغلاة الشيعة، واقتصروا على وصف الأئمة بـ العلماء الأبرار»[٣].
مناقشة وتحليل
في معرض تحليل هذه الشبهة وتقييمها لابد من التأمل في المسائل الآتية:
القراءة المختلفة لحقيقة الإمامة
إن أول مسألة تبدو للناظر بشأن اعتبار أو عدم اعتبار علم الغيب في الإمامة وشخص الإمام، وجود قراءتين مختلفتين عن حقيقة الإمامة عند أهل السنة والشيعة. فإن أهل السنة حيث ينظرون إلى الإمام وحقيقة الإمامة بوصفه مجرد حاكم تنفيذي منتخب من قبل الناس بالبيعة أو الشورى بل وحتى القهر والغلبة، لا يرون أي صلة له بالغيب وعالم ما وراء الطبيعة، وغاية ما يثبتونه للحاكم هو القول بأنه عالم بمسائل الدين على مستوى الاجتهاد، بل وأدنى من ذلك.
من خلال التأمل فى آراء علماء أهل السنة، وخاصة مع الالتفات إلى مصاديق خلفائهم، يتضح أن هذه القراءة متطابقة مع خلفائهم؛ لأن أفضلهم هو أبو بكر وعمر، ومع ذلك فقد اعترفا بعجزهما العلمي، خاصة بالقياس إلى الإمام علي(ع)، وقد سمع الناس في الكثير من المواطن اعتراف عمر بن الخطاب القائل: «لولا علي لهلك عمر».
أما الشيعة فبالالتفات إلى فلسفة الحاجة إلى الإمامة في عصر الخاتمية ووجود أئمة مثل الإمام علي(ع)، لديهم قراءة مختلفة عن قراءة أهل السنة لحقيقة الإمامة، وفي ضوء ذلك يرون أن الإمام هو الشخص الأعلم من سواه وهو الذي يتمتع بعلم الغيب.
وهناك من الشيعة المعاصرين من ابتلى بهذه الآفة. فإنه من خلال تنزيله مقام الإمامة والأئمة إلى مستوى العلماء العاديين، وأنهم من ثَمَّ قد يخطئون! تخلّف عن إدراك مقام الإمامة والأئمة. تقدم أن ذكرنا في الصفحات السابقة العديد من الروايات المأثورة عن الأئمة والنبي الأكرم(ص) بشأن المقام السامي للإمامة.
وهنا نكتفي بطرح هذا السؤال: أليس سماع صوت جبرائيل(ع) ومشاهدته من قبل الإمام علي(ع) وتأييد ذلك من قبل النبي الأكرم(ص)، والعديد من الأخبار الغيبية المأثورة عن الإمام علي(ع)،خیر دليل على مدعى الشيعة القائل بأن جوهر الإمامة وشخصيّة الأئمة لا يمكن أن تقاس بغيرهم من الأشخاص الاعتياديين؟!
اعتبار علم الغيب في حقل الدين
أما المسألة الثانية فهي أن العلم بالغيب والعلم اللدنّي الذي يؤكد الشيعة على اعتباره وضرورته بالنسبة إلى الإمام، فهو ليس مطلقاً وغير عام، وإنما يختص بحقل الدين وتعاليمه الأعم من الدائرة المعرفية والتشريعية، بمعنى أن الإمام - فيما يتعلق بتعاليم الدين والشريعة - يجب أن يتحلى بالعلم المؤيَّد من قبل الله تعالى، بحيث لا تكون هناك من شاردة وواردة في الدين إلا ويعلمها. وأما في غير الحقل الديني من قبيل العلم بالغيب فيما يتعلق بالأحداث الماضية والمقبلة، والأمور الغيبية بشكل عام والتى لا صلة لها بالدين، مثل علم الإمام الحسين(ع) باستشهاده في يوم عاشوراء، أو علم الإمام علي(ع) بجرحه واستشهاده في ليلة التاسع عشر والحادي والعشرين من شهر رمضان، هناك اختلاف في الآراء بين علماء الإمامية، ولمّا كان الشيعة لا يعتبرون مثل هذا العلم شرطاً في حقيقة الإمامة[٤]، فإن نفيه أو إثباته لن يؤثر في أصل تحقق الإمامة، ولذلك فإننا لا نرى ضرورة هنا إلى الدخول في تفاصيل هذه المسألة[٥].
فلسفة الإمامة الملازمة لعلم الغيب
لقد أشرنا في الفصل الأول إلى بعض المسائل والنقاط بشأن ضرورة وجود الإمام بعد رحيل النبي الأكرم(ص) بوصفه خاتم الأنبياء والمرسلين، حيث ذكرنا هناك: بعد رحيل رسول الله - حيث لا يكون هناك نبي بعده بحسب الفرض - سيكون المجتمع والدين بحاجة إلى إمام يكون شبه رسول الله في كل شيء باستثناء نزول الوحي والنبوة، لكي يعمل على صيانة الإسلام الفتي من أيّ آفة من تحريف أو بدعة، وأن يقف في وجه أعداء الإسلام، وأن يجيب عن المسائل المستحدثة بشكل صحيح (مطابق للواقع).
ذلك لأن فلسفة وجود الإمام هي التفسير الصحيح للتعاليم الدينية، فإذا كان علم الإمام عادياً، ويجوز عليه الخطأ في تفسير الدين - خاصة بالنظر إلى أن هذا الدين هو خاتم الأديان وأنه الدين الكامل والخالد - فإنه سيكون عرضة للآفات والمشاكل قد تصل إلى مستوى التحريف والبدع، وعليه سوف تتعرض فلسفة الخاتمية والخلود إلى الضياع والزوال[٦].
علم الغيب ثمرة الولاية الباطنية للإمام
سبق أن أشرنا إلى أن أهل السنة قد فسّروا الإمام والخليفة بأنه لا يتجاوز الإنسان العادي، وغاية ما أثبتوا له من العلم والمعرفة ما كان في حدّ الاجتهاد والعدالة، في حين ذهب الشيعة إلى رفع الإمامة إلى مستوى النبوة بل إلى ما هو أسمى منها، واستدلوا لذلك بإعطاء النبي إبراهيم(ع) مقام الإمامة بعد مقام النبوة، على ما مرّ توضيحه في الفصل الأول في معرض تفسير الإمامة من وجهة نظر أهل السنة والشيعة. وعلى هذا الأساس فإن للإمام عند الشيعة مقاماً معنوياً خاصاً، حيث يتمكن من الارتباط بعالم الغيب، ويحصل على علمه من هذا الطريق. وقد تقدم ذكر روايات وتوضيحات هذا البحث في فصل شبهة تعارض الإمامة والخاتمية تحت عنوان «علم الغيب ثمرة الولاية الباطنية».
إن ارتباط الأئمة الأطهار(ع) بالملائكة والتعبير عن ذلك في الروايات بأن بيوتهم كانت «مختلف الملائكة»، والتعبير عن الأئمة أنفسهم بأنهم «محدثون»[٧]، يثبت ارتباطهم بالغيب ومن ثُمَّ أخذهم علمهم من هذه القناة.
لقد كانت مسألة علم الأئمة مطروحة في عصر الأئمة الأطهار(ع) أنفسهم، إذ كان يُقال إن مصدر علم الأئمة هو الارتباط الغيبي مع الملائكة، ولذلك كان أصحاب الأئمة لتأييد هذا الرأي والحصول على الاطمئنان القلبي بهذا الأمر يسألون الأئمة، وكان الأئمة(ع) على ما جاء في مختلف الروايات يؤيدون مضمون ذلك بعبارات متنوعة. ومن ذلك النماذج الآتية:
- «عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله، قَالَ: قُلْتُ: أَخبرْنِي عَنْ عِلم عَالِمِكُمْ قَالَ: وِرَاثَةَ مِنْ رَسُولِ الله، وَمِنْ علي. قَالَ قُلْتُ: إِنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ يُقْذَفُ فِي قُلُوبِكُمْ وَيُنْكَتُ فِي آذَانِكُمْ؟ قَالَ: أَوْ ذَاكَ»[٨].
- «حَدَّثَنَا اَلْحَسَنُ بْنُ مُوسَى اَلْخَشَّابُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي سَمَّاكٍ عَنْ دَاوُدَ عَنِ اَلْحَرْثِ اَلنَّضْرِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ اَلْإِمَامُ يُسْأَلُ اَلشَّيْءَ اَلَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ أَيْنَ يَعْلَمُهُ قَالَ يُنْكَتُ فِي اَلْقَلْبِ نَكْتاً وَ يُنْقَرُ فِي اَلْأُذُنِ نَقْراً»[٩]
- «عَنْ عَلِيَّ السَّائِي، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْأَوَّلِ مُوسَى، قَالَ: مَبْلَغ عِلْمِنَا عَلَى ثَلَاثَةِ وُجُوهِ: مَاضٍ وَغَابِرٍ وَحَادِثٍ، فَأَمَّا الْمَاضِي فَمُفَسَّرْ، وَأَمَّا الْغَابِرُ فَمَزْبُورٌ، وَأَمَّا الْحَادِثُ فَقَذْفٌ فِي الْقُلُوبِ، وَنَقْرٌ فِي الْأَسْمَاعِ، وَهُوَ أَفْضَلُ عِلْمِنَا . وَلَا نَبِيَّ بَعْدَ نَبِيِّنَا»[١٠].
- وقد أقام الإمام الرضا(ع) ملازمة بين الإمامة بمعنى المرجعية العلمية والدينية وبين العلم الذي هو من نوع الإلهام، وأكد على ذلك قائلاً: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اخْتَارَهُ الله عَزَّ وَجَلَّ لِأُمُورِ عِبَادِهِ شَرَحَ صَدْرَهُ لِذَلِكَ، وَأَوْدَعَ قَلْبَهُ يَنَابِيعَ الحِكْمَةِ، وَأَهْمَهُ الْعِلْمَ الْمَاماً، فَلَمْ يَعْيَ بَعْدَهُ بِجَوَابٍ، وَلَا يُخَيَّرُ فِيهِ عَنِ الصَّوَابِ، فَهُوَ مُؤَيَّدٌ مُوَفَّقٌ مُسَدَّدٌ، قَدْ أَمِنَ مِنَ الْخَطَايَا وَالزَّلَلِ وَالْعِثَارِ، يَخْصُّهُ الله بِذَلِكَ لِيَكُونَ حُجَّتَهُ عَلَى عِبَادِهِ، وَشَاهِدَهُ عَلَى خَلْقِهِ»[١١].
علم الغيب من لوازم العصمة والحجة الإلهية
تم التعبير في كثير من الروايات النبوية عن الإمام - وخاصة الإمام علي(ع) - بتعبيرات من قبيل: وجوب الاتباع، وأنه حجة الله، وإثبات العصمة له، وأنه ميزان الحق، وأن الحق يدور معه حيثما دار، وأنه مع الحق والحق معه، وإن الاهتداء بأهل البيت ملازم للنجاة، وأنه معدن العلم، مما لازمه العلم الإلهي الخاص الممتنع عن الخطأ، وإلا فإن نسبة هذه الصفات المذكورة للإمام الذي يجوز عليه الخطأ في الأحكام والآراء لن يكون صحيحاً ولا مبرراً.
الروايات الدالة على علم الأئمة للغيب
فضلاً عن الأدلة المتقدمة فإنه قد تم التأكيد على علم الأئمة للغيب والعلم الإلهي في الروايات المأثورة عن النبي الأكرم(ص) والإمام علي(ع) أيضاً. ولو غضضنا الطرف عن الأدلة العقلية السابقة، وكان ملاكنا هو مجرد الروايات، فإن هذا المعنى من العلم بالنسبة إلى الإمام سيكون قابلا للإثبات أيضاً، وفيما يأتي نشير إلى بعض هذه الروايات:
- روي عن النبي الأكرم(ص) أنه قال في رواية متفق عليها من قبل الفريقين (من أهل السنة والشيعة): «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى آدَمَ فِي عِلْمِهِ وَ إِلَى نُوحٍ فِي تَقْوَاهُ وَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ فِي حِلْمِهِ وَ إِلَى مُوسَى فِي هَيْبَتِهِ وَ إِلَى عِيسَى فِي عِبَادَتِهِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ»[١٢]. وحيث كان علم آدم بالأسماء فوق علم الملائكة، يتضح أن علمه كان علماً خاصاً ومن قبيل العلم اللدنّي، وتبعاً لذلك كان علم الإمام علي(ع) من سنخ علم آدم، وأنه من العلم الإلهي اللدني.
- روي عن الإمام الصادق(ع) أنه قال: « نَحْنُ خُزَّانُ عِلْمِ اللَّهِ، وَ نَحْنُ مَعْدِنِ وَحْيِ اللَّهِ »[١٣]، وقال أيضاً: «نَحْنُ وَلَاهُ أَمْرِ الله وَخَزَنَةٌ عِلْم الله، وَعَيْبَةٌ وَحْي الله»[١٤].
- لقد أخبر الإمام الباقر(ع) عن وجود روح خاص بالأنبياء والأوصياء يتعرفون من خلاله على جميع ما يحدث من أخبار ووقائع ما بين العرش والأرض، ومن ذلك قوله: «فَبِرُوحِ اَلْقُدُسِ يَا جَابِرُ عَرَفُوا مَا تَحْتَ اَلْعَرْشِ إِلَى مَا تَحْتَ اَلثَّرَى»[١٥].
- وعنه(ع) أيضاً في رواية أخرى: « اَلْإِمَامُ وَاحِدُ دَهْرِهِ لاَ يُدَانِيهِ أَحَدٌ وَ لاَ يُعَادِلُهُ عَالِمٌ وَ لاَ يُوجَدُ مِنْهُ بَدَلٌ وَ لاَ لَهُ مِثْلٌ وَ لاَ نَظِيرٌ مَخْصُوصٌ بِالْفِعْلِ كُلِّهِ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ مِنْهُ لَهُ وَ لاَ اِكْتِسَابٍ بَلِ اِخْتِصَاصٌ مِنَ اَلْمُفْضِلِ اَلْوَهَّابِ فَمَنْ ذَا اَلَّذِي يَبْلُغُ مَعْرِفَةَ اَلْإِمَامِ وَ يُمْكِنُهُ اِخْتِيَارُهُ ... اَلْإِمَامُ عَالِمٌ لاَ يَجْهَلُ ...»[١٦].
ومع الالتفات إلى هذه الروايات وما تقدّم من الأدلة هل يمكن الادعاء بأن علم الأئمة(ع) من جميع الجهات مثل علم سائر البشر، بمعنى أنه علم اجتهادي، ومن ثُمَّ يجوز عليهم الخطأ؟ أليست هذه الدعوى مخالفة للواقعية التاريخية والنصوص الدينية القطعية؟.[١٧]
شبهة إن علم الأئمة بالغيب من اختلاقات المتكلمين
أن القول بأنه من موضوعات المتكلمين الشيعة في القرون الأولى التي أعقبت عصر الغیبة[١٨]، هو في حد ذاته مختلق، فهو لا يعدو أن يكون تحريفاً للحقائق الدينية والتاريخية، والتي نشأت من تأمّل من صاغ هذه الشبهة في النصوص الروائية.
إن السؤال عما إذا كان المتكلمون يتفقون في تفسير علم الأئمة ومدى سعة هذا العلم، أو أنهم يختلفون في الآراء بهذا الشأن؟ يحتاج إلى بحث مستقل، ولكن يكفي هنا التذكير بأنهم متفقون على امتلاك الأئمة(ع) ما يعرف بالعلم اللدني في حقل الدين. وأن القول بأن علم الأئمة بالغيب لا وجود له في المصادر الدينية الأصيلة، وأنه من وضع المتكلمين واختلاقهم فهو لا ينسجم مع المصادر التاريخية والروائية، فهو في حد ذاته مجرد ادعاء واختلاق.[١٩]
شبهة نفي علم الغيب في بعض الروايات
ربما تم طرح هذه الشبهة أو التساؤل هنا، وهو: لو أن أصل العلم بالغيب، أو بعبارة أدق: العلم اللدني للأئمة(ع)، كان أصلاً ثابتاً، فلماذا تمّ نفيه في بعض الروايات، حيث أنكره بعض الأئمة في سياق الإجابة عن تساؤلات أصحابهم؟
مناقشة وتحليل
في معرض نقد هذه الشبهة لا بدّ من الإشارة إلى الأمور الآتية:
رعاية القدرة الاستيعابية للمخاطب المقصر[٢٠]
ورد في القرآن الكريم أن علم الغيب من مختصات الله سبحانه وتعالى، إذ يقول الله عزّ وجل: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾[٢١].
إن بعض الناس - وحتى بعض عوام الشيعة - لم يكونوا يستطيعون استيعاب أن يكون للأئمة القدرة على العلم بالغيب وهو من مختصات الله سبحانه حيث يعلمه بشكل ذاتي واستقلالي، حتى ولو قلنا بأن علم الأئمة بتعليم من الله، فإنهم على كل حال لا يطيقون أن يكون الإمام عالماً بالغيب سواء على نحو الاستقلال أو التبعية. من هنا كان الأئمة يراعون هذه الجماعة من الشيعة التي لم تكن لديها القدرة على التحليل العقلاني لمسألة الغيب؛ فكانوا لذلك ينكرون وينفون نسبة علم الغيب إليهم.
ومن الأمثلة على ذلك ما ورد في ذكر الإمام علي(ع) بعض أخبار الملاحم والفتن حيث أثار استغراب بعض أصحابه ودهشتهم إذ يقول: « لَقَدْ أُعْطِيتَ يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عِلْمَ اَلْغَيْبِ فَضَحِكَ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ وَ قَالَ لِلرَّجُلِ- وَ كَانَ كَلْبِيّاً-: يَا أَخَا كَلْبٍ لَيْسَ هُوَ بِعِلْمِ غَيْبٍ، وَ إِنَّمَا هُوَ تَعَلُّمٌ مِنْ ذِي عِلْمٍ»[٢٢].
رعاية القدرة الاستيعابية للمخاطب الغالي
كان بعض الشيعة من مخاطبي الأئمة(ع) من ناحية أخرى يعانون من سذاجة وبساطة من نوع آخر، حيث لا يدركون حقيقة علم الغيب، وتبعية علم الأئمة بالغيب لعلم الله، ولذلك كانوا لدى أدنى مشاهدة لما يثبت علم الأئمة الخارق يرفعونهم إلى مستوى النبوة، بل قد يصل بهم الأمر إلى حد الغلو والتأليه أحياناً من هنا عندما كان الأئمة(ع) يستشعرون من السائل وجود أرضية للغلو، كانوا يبادرون إلى مواجهة هذه الظاهرة الخطيرة، ويسعون إلى القضاء عليها في مهدها، ولتحقيق ذلك لم يكن أمامهم من بد أحياناً غير إنكار علمهم بالغيب. وإليك مثلاً الحادثة الآتية:
«عَنْ سَدِيرٍ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأَبُو بَصِيرٍ، وَيَحْيَى الْبَزَّازُ، وَدَاوُدُ بْنُ كَثِيرِ، فِي مَجْلِسِ أَبِي عَبْدِ الله إِذْ خَرَجَ إِلَيْنَا وَهُوَ مُغْضَبٌ، فَلَما أَخَذَ تَجْلِسَهُ قَالَ: يَا عَجَبا لا قوامٍ ير أَنَّا نَعْلَمُ الْغَيْبَ مَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ إِلَّا الله عَزَّ وَجَلَّ، لَقَدْ هَمَمْتُ بِضَرْبِ جَارِيَتِي فُلَانَةَ فَهَرَبَتْ مِنِّي، فَما عَلِمْتُ فِي أَيِّ بُيُوتِ الدَّارِ هِيَ. قَالَ سَدِيرٌ: فَلَما أَنْ قَامَ مِنْ تَجْلِسِهِ وَصَارَ فِي مَنْزِلِهِ دَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو بَصِيرٍ وَمُيَسِّرٌ، وَقُلْنَا لَهُ: جُعِلْنَا فِدَاكَ سَمِعْنَاكَ وَأَنْتَ تَقُولُ كَذَا وَكَذَا فِي أَمْرِ جَارِيَتِكَ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّكَ تَعْلَمُ عِلْماً كَثِيراً، وَلَا نَنْسُبُكَ إِلَى عِلْمِ الْغَيْبِ. قَالَ فَقَالَ: يَا سَدِيرُ أَلَمْ تَقْرَأ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: بَلَى . قَالَ: فَهَلْ وَجَدْتَ فِيمَا قَرَأْتَ مِنْ كِتَابِ الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾[٢٣]؟ قَالَ قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ قَدْ قَرَأْتُهُ. قَالَ: فَهَلْ عَرَفْتَ الرَّجُلَ؟ وَهَلْ عَلِمْتَ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ عِلْمِ الْكِتَابِ؟ قَالَ قُلْتُ: أَخْبِرْنِي بِهِ. قَالَ: قَدْرُ قَطْرَةِ مِنَ الماءِ فِي الْبَحْرِ الْأَخْضَرِ، فَمَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ عِلْمِ الْكِتَابِ؟ قَالَ قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، مَا أَقَلَّ هَذَا؟ فَقَالَ: يَا سَدِيرُ مَا أَكْثَرَ هَذَا أَنْ يَنْسُبَهُ الله - عَزَّ وَجَلَ - إِلَى الْعِلْمِ الَّذِي أُخْبِرُكَ بِهِ يَا سَدِيرُ فَهَلْ وَجَدْتَ فِيمَا قَرَأْتَ مِنْ كِتَابِ الله - عَزّ وَجَلَّ - أَيْضاً: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾[٢٤]؟ قَالَ قُلْتُ: قَدْ قَرَأْتُهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ. قَالَ: أَفَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ الْكِتَابِ كُلُّهُ أَفْهَمُ أَمْ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ بَعْضُهُ؟ قُلْتُ: لَا، بَلْ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ كُلُّهُ. قَالَ: فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى صَدْرِهِ وَقَالَ: عِلْمُ الْكِتَابِ وَالله عِنْدَنَا، عِلْمُ الْكِتَابِ وَالله كُلُّهُ عِنْدَنَا»[٢٥].
يتبين لنا من هذا النص بوضوح تام أن الإمام(ع) كان يراعي القدرة الاستيعابية لدى المخاطب، ويوازن ما بين العامة والخاصة من شيعته وأصحابه.
نفي العلم الاستقلالي دون التبعي
أما الوجه الثالث في تفسير الروايات النافية لعلم الأئمة الأطهار(ع) بالغيب، فهو أن مراد الأئمة من هذا النفي هو علم الغيب الاستقلالي، بمعنى أن يدعي الأئمة علمهم بالغيب من عندهم ومن دون عناية أو إذن من الله سبحانه وتعالى، فهذا النوع من العلم هو المنفي في الروايات المأثورة عن الأئمة الأطهار(ع) في هذا الشأن، وحتى علم النبي الأكرم(ص) كان علماً تبعياً يتنزل عليه برعاية وعناية من السماء ومخزون العلم الإلهي، وإن قول الله تعالى على لسان النبي الأكرم: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾[٢٦]، إنما ينفي عنه هذا النوع من العلم الاستقلالي بالغيب دون العلم الذي يفتحه الله عليه .
ولحسن الحظ فقد جاء بيان التفريق بين هذين النوعين من علم الغيب في الروايات المأثورة عن الأئمة الأطهار(ع)، ومن ذلك الرواية التي تقدمت الإشارة إليها في بيان بعض المغيّبات على لسان الإمام علي(ع)، وإليك تفصيلها من كتاب نهج البلاغة: «يَا أَحْنَفُ، كَأَنِّي بِهِ وَقَدْ سَارَ بِالْجُيْشِ الَّذِي لَا يَكُونُ لَهُ غُبَارٌ وَلَا تَجَبٌ، وَلَا قَعْقَعَةُ مُجمٍ، وَلَا حَمْحَمَةٌ خَيْلٍ، يُثِيرُونَ الْأَرْضَ بِأَقْدَامِهِمْ كَأَنَّهَا أَقْدَامُ النَّعَامِ ... ثم قال: وَيْلٌ لِسِكَكِكُمُ الْعَامِرَةِ، وَدُورِكم المُزَخْرَفَةِ الَّتِي لَهَا أَجْنِحَةُ لا كَأَجْنَحَةِ النُّسُورِ، وَخَرَاطِيمُ كَخَرَاطِيمِ الْفِيَلَةِ، مِنْ أُولئِكَ الَّذِينَ لَا يُنْدَبُ قَتِيلُهُمْ، وَلاَ يُفْقَدُ غَائِبُهُمْ. أَنَا كَابُّ الدُّنْيَا لِوَجْهِهَا، وَقَادِرُهَا بِقَدْرِهَا، وَنَاظِرُهَا بِعَيْنِهَا ... كَأَنِّي أَرَاهُمْ قَوْماً كَأَنَّ وَجُوهَهُمُ المَجَانُ المُطَرَّقَةُ، يَلْبَسُونَ السَّرَقَ وَالدِّيباج، وَيَعْتَقِبُونَ الْخَيْلَ الْعِتَاقَ، وَيَكُونُ هُنَاكَ اسْتِحْرَارُ قَتْلِ، حَتَّى يَمْشِيَ المَجْرُوحُ عَلَى المُقْتُولِ، وَيَكُونَ الْمُفْلِتُ أَقَلَّ مِنَ المَأْسُورٍ!» فقال له بعض أصحابه: لقد أعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب! فضحك(ع)، وقال للرجل - وكان كلبياً: «يَا أَخَا كَلْبِ، لَيْسَ هُوَ بِعِلْمٍ غَيْبٍ، وَإِنَّمَا هُوَ تَعَلُّمٌ مِنْ ذِي عِلْمٍ، وَإِنَّمَا عِلْمُ الْغَيْبِ عِلْمُ السَّاعَةِ»[٢٧].
ثم أردف الإمام علي(ع) قائلاً: «فَهذَا عَلْمُ الْغَيْبِ الَّذِي لاَ يَعْلَمُهُ أَحَدٌ إِلا اللهُ، وَمَا سِوَى ذلِكَ فَعِلْمٌ عَلَّمَهُ اللهُ نَبِيَّهُ فَعَلَّمَنِيهِ، وَدَعَا لِي بِأَنْ يَعِيَهُ صَدْرِي، وَتَضْطَمَّ عَلَيْهِ جَوَانِحِي»[٢٨].
نفي العلم الفعلي دون مطلق العلم
المسألة الأخرى التي تستنتج من بعض الروايات هي أن الأئمة الأطهار(ع) لا يحيطون بجميع الأمور والعلوم بشكل فعلي، وإنما يعلمون ذلك إذا أرادوا بتعليم من الله. وهذا ما يظهر جلياً من سؤال عمار الساباطي الإمام الصادق(ع) عن علم الغيب، فقال له الإمام(ع): «لَا وَلَكِنْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْلَمَ الشَّيْءَ أَعْلَمَهُ الله ذَلِكَ»[٢٩].[٣٠]
شبهة عدم اعتبار علم الغيب في الإمام والإمامة
إن الذين تنزلوا بمقام الإمامة والإمام إلى مستوى الحاكم أو إلى مجرد عالم في الدين، يطرحون شبهة حول اعتبار علم الغيب في الإمام والإمامة، حيث قالوا بعدم اشتراط علم الغيب أو العلم اللدني في مقام الإمامة وشخص الإمام. وقد كان أهل السنة منذ البداية من المنكرين للعلم اللدني بالنسبة إلى الأئمة.
وقد عاد تداول هذه الشبهة بين بعضهم في الآونة الأخيرة، حيث يتمسكون بمقتطفات من الروايات والكلمات المروية عن الأئمة الأطهار(ع)، ومن بينها كلمات أمير المؤمنين في نهج البلاغة، من قبيل قوله: «أَمَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ لَوْلاَ حُضُورُ الْحَاضِرِ، وَقِيَامُ الْحُجَّةِ، بِوُجُودِ النَّاصِرِ، وَمَا أَخَذَ اللهُ عَلَى العُلَمَاءِ أَلا يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِمٍ، وَلا سَغَبِ مَظْلُومِ، لَأَلْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا، وَلَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسٍ أَوَّلِها»[٣١]. ليثبتوا بذلك أن الإمام علي(ع) لم يكن سوى عالم دين، إذ إنّه يعرف نفسه في هذه الكلمات بوصفه مصداقاً لـ العلماء»، وهذا يتنافى مع اعتبار اشتراط علم الغيب في الإمامة.
وقد ذكر الشيخ محسن كديور مستنداً إلى هذه الفقرة من نهج البلاغة: «إن الإمام علي(ع) يعرف نفسه في هذه الكلمة بأنه سيّد العلماء ... إنّ الإمام علي(ع) في نهج البلاغة بدلاً من أن يعرف نفسه بامتلاكه لعلم الغيب (كما يحلو للمتكلمين أن يصفوه بهذه الصفة)، يتحدث عن العهد الذي أخذه الله على العلماء، ونحن نؤمن بأن الإمام علي(ع) هو أعلم العلماء إن بحثنا يدور حول ما إذا كان «علم الغيب» شرط في الإمامة أم لا؟ وعلى أي حال فإن أصل علمه بالغيب ليس محور بحثنا، وإنما الذي يشكل محور بحثنا هو شرطيته في الإمامة»[٣٢].
نقد ورأي
في معرض نقد هذه الشبهة لا بد من التذكير بالأمور الآتية:
التنزل بمقام الإمامة إلى مستوى الحاكم والفرد العادي
أهل السنة قد نظروا إلى موضوع الإمامة بنظرة سطحية، وقد تنزلوا بمقام الإمام إلى مستوى الحاكم الديني، ومن ثم إلى مجرد العالم والمجتهد الذي يجوز عليه الخطأ. أما الإمامية فقد استلهموا من آيات القرآن الكريم، من قبيل الآية التي تثبت رفع الله سبحانه للنبي إبراهيم الخليل(ع) إلى مستوى الإمامة بعد أن أعطاه النبوة[٣٣]، ليجعلوا شأن الإمامة مساوياً لشأن النبوّة أو أعلى منها، ولمّا كان الإمام علي(ع) وسائر الأئمة الأطهار(ع) قد انتخبوا لمنصب الإمامة من قبل النبي الأكرم(ص)،فإنهم سيكونون قد تحلوا بالضرورة بصفات الإمام وحالاته، هذا فضلاً عن أن الروايات النبوية قد صرحت بالصفات العليا للإمام على(ع)، من قبيل: العصمة، والعلم اللدني أيضاً.
مخالفة الروايات
ربما أمكن القول هنا إن لازم ما تقدّم من القول بالتنزل بمقام الإمامة إلى مستوى الفرد العادي، هو ما يدعيه المنكرون ويلتزمون به، وفي هذه الحالة يرد إشكال آخر على هذه الشبهة، وهو أنه لا بد من تحديد المعيار والملاك في تعريف الإمام والإمامة والشرائط والصفات الداخلة والمؤثرة فيهما.
فهل يمكن لكل شخص أن يعرف الإمام وصفاته وينكر الصفات الأخرى كما يحلو له؟
نقول لأصحاب هذه الشبهة والمخالفين لصفات من قبيل: العلم اللدني والعصمة: إننا في تعريف الإمام والإمامة يجب أن نرجع إما إلى القرآن والروايات المأثورة عن النبي الأكرم(ص) والأئمة المعصومين(ع) أنفسهم، أو أن نتعرف على حقيقة الإمامة من خلال توظيفنا للتحليل العقلي.
وبعبارة أخرى: إن الطريق إلى كشف حقيقة الإمام والإمامة من خلال مقام النقل أو العقل.
أما إذا دخلنا من قناة العقل، فقد ذكرنا في الفصل الأول في معرض الحديث عن فلسفة الإمامة أن المجتمع الإسلامي بحاجة ماسة ومبرمة لإمام يتمتع بصفات العصمة والعلم اللدني في عصر ما بعد رحيل خاتم الأنبياء(ص)، كيما تواصل شجرة الإسلام الفتية نموها وتقدمها وازدهارها.
وأما إذا أردنا بحث اعتبار الصفات الخاصة (العلم اللدني والعصمة) في الإمامة من خلال النقل، فيجب القول: هناك لحسن الحظ كثير من الروايات الواردة في هذا الشأن. إن القول بعدم ورود هذه الصفات في النصوص الروائية، والقول بأنها من مبتدعات المتكلمين فى القرن الهجري الثالث ناشئ عن الجهل والغفلة عن الروايات، وفيما يأتي نشير إلى بعض الروايات الواردة في هذا المعنى على سبيل التمثيل دون الحصر:
- عن الإمام زين العابدين و سيد الساجدين(ع) في رواية مطولة يثبت فيها الصفات الاستثنائية والخاصة بالإمامة والأئمة(ع)، إذ يقول: «نَحْنُ أَئِمَّةُ اَلْمُسْلِمِينَ وَ حُجَجُ اَللَّهِ عَلَى اَلْعَالَمِينَ وَ سَادَةُ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ قَادَةُ اَلْغُرِّ اَلْمُحَجَّلِينَ وَ مَوَالِي اَلْمُؤْمِنِينَ وَ نَحْنُ أَمَانُ أَهْلِ اَلْأَرْضِ كَمَا أَنَّ اَلنُّجُومَ أَمَانٌ لِأَهْلِ اَلسَّمَاءِ وَ نَحْنُ اَلَّذِينَ بِنَا ﴿يُمَسِّكُ﴾[٣٤] اَللَّهُ ﴿السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾[٣٥] وَ بِنَا يُمْسِكُ اَلْأَرْضَ أَنْ تَمِيدَ بِأَهْلِهَا وَ بِنَا ﴿يُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾[٣٦] وَ بِنَا يَنْشُرُ اَلرَّحْمَةَ وَ تَخْرُجُ بَرَكَاتُ أَهْلِ اَلْأَرْضِ وَ لَوْ لاَ مَا فِي اَلْأَرْضِ مِنَّا لَسَاخَتْ بِأَهْلِهَا.»[٣٧]
- وعن الإمام الرضا(ع) في تعريف الإمام، قال: «اَلْإِمَامُ وَاحِدُ دَهْرِهِ لاَ يُدَانِيهِ أَحَدٌ وَ لاَ يُعَادِلُهُ عَالِمٌ وَ لاَ يُوجَدُ مِنْهُ بَدَلٌ وَ لاَ لَهُ مِثْلٌ وَ لاَ نَظِيرٌ مَخْصُوصٌ بِالْفِعْلِ كُلِّهِ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ مِنْهُ لَهُ وَ لاَ اِكْتِسَابٍ بَلِ اِخْتِصَاصٌ مِنَ اَلْمُفْضِلِ اَلْوَهَّابِ ... اَلْإِمَامُ عَالِمٌ لاَ يَجْهَلُ، وَ أَوْدَعَ قَلْبَهُ يَنَابِيعَ اَلْحِكْمَةِ وَ أَلْهَمَهُ اَلْعِلْمَ إِلْهَاماً»[٣٨].
إن الإمام (ع) في هذه الرواية بصدد التعريف والتشريح الدقيق والتخصصي لحقيقة الإمام وماهيّته ومقام الإمامة، وقد تم التصريح في مستهل الرواية أن الإمامة من حيث علوّ شانها ومنزلتها أكبر وأجلّ من أن تدرك كنهها وحقيقتها عقول البشر. يصف الإمام في هذه الرواية علم الإمام بأنه علم خاص ليس له نظير، بل لا يمكن لأيّ عالم أن يقترب أو يدنو منه. إن علم الإمام لا يتطرق إليه الشك. ومن ثَمَّ فإن علم الإمام إن هو إلا تفضّل من الله اختص به الأئمة وألهمه إليهم إلهاماً .
وعليه هل يمكن القول بعد هذا أن الأئمة لم يستخدموا الصفات الميتافيزيقية وما فوق البشرية في وصف أنفسهم؟! وهل يمكن القول بأن علم الإمام هو مثل سائر العلوم الاعتيادية، وإن الإمام واحد من بين سائر العلماء الآخرين، غاية ما هنالك أنه أعلمهم؟! هل هذا الكلام حري بأن يصدر من محقق؟ وهل هو ينسجم مع منزلة الأئمة الأطهار(ع)؟!
وأما كلام الإمام علي(ع) في نهج البلاغة في خصوص أخذ الله العهد من العلماء والذي يقول فيه: «أَمَا وَالَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، لَوْلاَ حُضُورُ الْحَاضِرِ، وَقِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ، وَمَا أَخَذَ اللهُ عَلَى العُلَمَاءِ أَلأَيْقَارُوا عَلَى كِظَلَّةِ ظَالِمٍ، وَلا سَغَبِ مَظْلُوم»[٣٩].
وتطبيقه على الإمام علي(ع) نفسه؛ فيجب القول فيه: إن الإمام هنا بصدد بيان فلسفة القبول بتولي مقاليد الحكم، والقول بأن تولي السلطة والدفاع عن حقوق الجياع والوقوف مع المظلومين بوجه الظالمين، لا يقتصر على «الإمام» فقط، وإنما هو واجب على جميع العلماء، ولذلك لا يمكن الاستناد إلى هذا الكلام والقول بأن الإمام علي(ع) كان بصدد تعريف الإمامة بالعلم فقط. إن هذا النوع من الاستدلال يذكرنا بالمثل القائل: «إن الغريق يتشبّث بكل حشيش». وإلى ذلك لنا أن نسأل صاحب هذه الشبهة: لماذا تجاهلت الروايات والنصوص الأخرى الواردة عن الإمام علي(ع) نفسه والتي يذكر فيها الصفات الخارقة التي يتمتع بها والتي لا يمكن للإنسان الاعتيادي أن يتصف بها؟! ومن ذلك حيث يشتكي من تجاهل الصحابة وأبناء عصره لمقام الإمامة وحقيقتها وأصلها الواردة في القرآن الكريم.
ومن ذلك قوله: «قَدْ عَمِلَتِ الْوُلَاةُ قَبْلِي أَعْمَالَا خَالَفُوا فِيهَا رَسُولَ الله، مُتَعَمِّدِينَ لخلافِهِ، نَاقِضِينَ لِعَهْدِهِ، مُغَيّرِينِ لِسُتَّهِ . وَلَوْ حَمَلْتُ النَّاسَ عَلَى تَرْكِهَا وَحَوَّلْتُهَا إِلَى مَوَاضِعِهَا وَإِلَى مَا كَانَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ الله، لَتَفَرَّقَ عَنِّي جُنْدِي حَتَّى أَبْقَى وَحْدِي أَوْ قَلِيلٌ مِنْ شِيعَتِيَ الَّذِينَ عَرَفُوا فَضْلِي وَفَرْضَ إِمَامَتِي مِنْ كِتَابِ الله عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةِ رَسُولِ الله»[٤٠].
وعشرات بل مئات الروايات الأخرى التي تحدث فيها الإمام علي(ع) عن خلقته الخاصة، واتحاد روحه بروح النبي الأكرم(ص)، والتي تحدث فيها عن حقيقة أصل التنصيب.
عدم الانسجام مع فلسفة الإمامة
لو نفينا العلم اللدنّي والإلهي عن الأئمة الأطهار(ع)، وتنزلنا بهم إلى مستوى العلماء الأبرار - الذين لا يتجاوز علمهم العلم البشري العادي - فإن مثل هذه الرؤية إلى الإمامة سوف تمثل تجاهلاً لفلسفة الإمامة. وقد أشرنا في الفصل الأول بالتفصيل - في معرض بيان فلسفة الإمامة وتقريرها - إلى شؤون مثل الهداية، والمرجعية الدينية، وتشريع الأحكام الفرعية، وتحقيق هذه الأمور رهن باتصاف الإمام وتمتعه بالعلم الإلهي الخاص.[٤١]
شبهة عدم انسجام علم الغيب مع بعض أفعال الأئمة الأطهار(ع)
لو قلنا بالصفات ما فوق البشرية للأئمة الأطهار(ع)، من قبيل: العلم بالغيب في جميع الأمور وجزئيات الأحداث في الماضي والمستقبل، فإننا سنواجه عجزاً في تبرير وتفسير بعض أفعال وأعمال الأئمة الأطهار بحسب الظاهر. مثل توجّه الإمام علي(ع) إلى مسجد الكوفة، مع أن الفرض يقضي بأنه يجب أن يعلم - عن طريق علم الغيب - أنه سيتعرض لعملية اغتيال سينفذها ابن ملجم المرادي.
وكذلك الأمر بالنسبة إلى إرسال الإمام الحسين(ع) سفيره مسلم بن عقيل إلى الكوفة، وكذلك خروجه إلى كربلاء رغم علمه - بحسب الفرض - أن ذلك سيقوده وسيقود ابن عمه إلى القتل والشهادة.
ومن سنخ هذه الشبهة شبهة تناول الأئمة الأطهار(ع) للسم، وقد كان أكثرهم قد تمت تصفيته من قبل الخلفاء بدس السم إليهم في الطعام.
مناقشة وتحليل
إن بحث موضوع علم الأئمة(ع) بالغيب في حد ذاته يحتاج إلى كتاب مستقل، ولكننا سنكتفي هنا بذكر بعض الأمور باختصار لغرض الإجابة عن هذه الشبهة:
الآراء المختلفة بشأن علم الإمام بالغيب
الشيعة يذهبون إلى اعتبار أصل علم الإمام بالغيب شرطا في الإمام في الجملة وليس بالجملة، ولكن هل الأئمة بالإضافة إلى الأحكام والتعاليم الدينية يعلمون بالغيب في كل ما يتعلق بأمور العالم الأعم من الماضي والمستقبل، وذلك بشكل مطلق وعام وبجميع الأمور الجزئية والكلية وعلى نحو فعلي؟
أولاً: إن هذا النوع من العلم ليس شرطاً في تحقق الإمامة.
وثانياً: إن بعض علماء الإمامية رفضوا ذلك، وأضافوا له بعض القيود، وحاصل ذلك تعدد الآراء والأقوال في هذا الشأن، ويمكن بيان هذه الأقوال على النحو الآتي:
- علم الغيب المطلق والفعلي بلوح المحو والإثبات واللوح المحفوظ.
- علم الغيب المطلق والفعلي بلوح المحو والإثبات فقط.
- علم الإمام بالغيب منوط بطلبه من الله.
- نظرية توقف علم الأئمة بجزئيات الأمور إلى الأئمة الأطهار أنفسهم[٤٢].
يمكن طرح أصل الشبهة بناء على القول بالرأي الأول والثاني. وأما بناء على الرأي الثالث، فإن الإمام لا يعلم بأحداث الماضي والمستقبل بالفعل، وإنما تنفتح عليهم أبواب العلم بالغيب من خلال طلبهم ذلك من الله واستجابة الله لهم، وليس من اللازم أن يطلب الأئمة علماً إلهياً خاصاً لكل أمر، ومن هنا يُحتمل أن تكون الموارد المذكورة في الشبهة هي من الأمور التي لم يطلب الأئمة علمها من الله، وبذلك يرتفع أصل الإشكال.
محاذير العمل بعلم الغيب
على الرغم من علم الأئمة الأطهار(ع) بالغيب وأحداث وأعمال الناس وتصرفاتهم، كان الأئمة مكلفين بالعمل على طبق علمهم الظاهري والعادي، وإلا لزم من ذلك اختلال الأمور، وفيما يأتي نشير إلى بعض المحاذير المترتبة على عمل الأئمة على طبق علمهم بالغيب:
- لو لزم ترتيب الآثار على علم الأئمة بالغيب، وخاصة الإمام علي(ع) الذي تمكن من ممارسة الحكم، للزم من ذلك أن يُبادر الإمام في الحد الأدنى إلى أن يزج في السجن كل من علم بأنه سوف يقترف اليوم أو في المستقبل جريمة مثل: السرقة أو الزنا أو القتل وما إلى ذلك، وذلك للحيلولة دون وقوع الجرم. وفي هذه الصورة كان يتعين على الإمام علي(ع) أن يزج كثيراً من الناس في السجن على أمور لم يرتكبوها بعد، ولا يخفى ما في ذلك من المحاذير المضرة بالمجتمع والحكومة والسلطة الدينية على السواء. وفيما يتعلق بهذا النوع من ترتيب الآثار على علم الأئمة بالغيب يتمّ طرح سؤال جديد، وهو أيّ الأفراد الذين سيرتكبون المعصية في المستقبل سيتم حبسهم؟ هل أولئك الذين سيركتبون الجرم غداً، فيتم إلقاء القبض عليهم اليوم؟ أم حيث أن علم الإمام بالغيب مطلق ويشمل حتى آخر يوم من حياة الأفراد، يتم القبض على جميع الذين سيرتكبون الذنوب حتى بعد خمسين سنة؟ فهل يمكن تصور إمكان هاتين الفرضيتين؟
- إن هذا النوع من المواجهة مع المذنبين والعصاة، ينافي أصل القول باختيار الإنسان. ذلك لأن بلوغ الإنسان مقام الخلافة الإلهية إنما يتم من خلال الابتعاد عن الذنوب واجتناب المعاصي عن حرية واختيار. وأما بناء على الفرض المذكور فإن الناس سيبتعدون عن ارتكاب الذنوب بسبب علم الإمام بالغيب وما ينتظرهم من العقوبة المعجّلة، ومثل هذا الأمر لا يستحق عليه الإنسان أن يكون خليفة الله .
- إن مثل هذا التعامل مع من يفترض فيه علم الإمام بأنه سيقترف الذنب، قد يحمله على الاعتراض والقول إنه ربما ندم في المستقبل على ما اقترفت يداه وأنه سيتوب إلى الله توبة نصوحاً، ولا يمكن لعلم الإمام الغيبي أن يكون مقنعاً بالنسبة له في الحد الأدنى.
- إن معاقبة المذنبين سيشمل الاعتياديين من الناس والأصحاب المقربين وحتى المسؤولين في سلك الدولة، وفي هذه الحال فإن انكشاف أمرهم وفضحهم وزجهم في السجون سيضعف جبهة الإمام والمسؤولين في حكومته الدينية.
- والمشكلة الأخرى تكمن فيما يتعلق بأولئك الذين ارتكبوا المعاصي والذنوب في السابق، فيلزم من ذلك أن يعمل الإمام علي حبس أعداد غفيرة من الناس ومعاقبتهم.
- يضاف إلى المشاكل والمحاذير السابقة المذنبين الذين يسكنون في المدن النائية، فكيف للإمام والحاكم الدينى أن يجمعهم ويسجنهم؟ فعلى سبيل المثال هل يعمد الإمام إلى إعداد قائمة في كل يوم بأسماء الذين سيقترفون الذنوب غداً ويرسلها إلى جميع عماله في الأمصار ليقوموا بإلقاء القبض عليهم؟! وهل يجب أن تتضمن القائمة عناوينهم الدقيقة كي لا يفلت منهم أحداً؟ إذا كان الأمر كذلك، سوف لا يكون لدى الإمام من مهام سوى إعداد هذه القوائم. فهل يكون ذلك عملياً؟ أليس للإمام من شأن ومنزلة غير الإنشغال بهذه السفاسف؟!
- وأما إذا قيل: إن على الإمام أن يرتب الآثار فيما يتعلق بعلمه بالغيب على الأمور الخاصة به فقط، كأن يسارع الإمام علي(ع) - مثلاً - إلى إلقاء القبض على قاتله عبد الرحمن بن ملجم، فلا بد من القول في هذا الشأن:
- يمكن لابن ملجم أن ينكر إضماره هذه النية الغاشمة.
- هل يمكن اعتقال شخص لمجرد الاستناد إلى علم الإمام بالغيب؟ فإذا كان الجواب بالإيجاب، فما هي المدة التي يجب أن يقضيها في السجن؟ في المحاكم الاعتيادية حيث لا يكون هناك علم بما يضمره المرء في خبيئته، يتم الحكم عليه لفترة من الزمن ثم يُطلق سراحه، أما بالنسبة إلى الإمام حيث يقوم الفرض على أنه يعلم الغيب ويعلم بالنوايا الفاسدة التي تنطوي عليها صدور الناس، ويعلم عدم توبة أمثال ابن ملجم، فعليه أن يسجن كثيراً من الناس ويحكم عليهم بالحبس المؤبد؟ وعلاوة على الشخص المنفذ نفسه ألا يجب اعتقال المتواطئين معه وقدموا له المساعدة لتحقيق غايته الدنيئة؟!
- يمكن للمعتقل أو المعتقلين أن يدعوا احتمال توبتهم، وعدم قيامهم بما كانوا بصدد القيام به في اللحظة الأخيرة. وعليه هل يمكن عندها هل يصح التمسك بعلم الغيب دليلاً دامغاً لإدانة المتهمين في المحاكم القضائية، وهل يمكن اعتماد هذا الدليل للحكم عليهم بالقصاص أو الحبس المؤبد أو المؤقت؟
- مضافاً إلى القاتل، هل يجب على الإمام أن يُلقي القبض على الذين يسعون أو يهمون بإلحاق أنواع الضرر بالإمام، من قبيل: الجرح في الحرب، والاتهام وأنواع الإيذاء الأخرى أيضاً؟ عندها سيكون عدد المعتقلين كثيراً جداً!
- لو اقتصر الإمام علي معاقبة الخاطئين بحقه الخاص والشخصي فقط استناداً لعلمه الغيبي، عندها يحق للمجتمع أن يعترض على الإمام ويقول له: ما هذه المحاباة، إذ تعاقب من يضمرون السوء لك، ولا تعاقب الذين يضمرون الشرِّ للأمة وابنائها والذين يعبثون بقوت الناس وبيت المال؟!
شبهة علم الإمام الحسين(ع) بالغيب
فيما يتعلق بإرسال الإمام الحسين(ع) سفيره مسلم بن عقيل إلى الكوفة، وتوجهه شخصيّاً إلى كربلاء، يمكن القول: إنه(ع) كان مأموراً بالعمل بحسب العلم الظاهري، ولم يكن بإمكانه تجنّب إرسال مسلم أو يمتنع عن التوجه إلى كربلاء استناداً إلى علم الغيب؛ إذ إنّ أهل الكوفة - في مثل هذه الحالة - سوف يسجلون موقفهم وشهادتهم للتاريخ بأنهم رغم استعدادهم لإقامة الحكومة الدينية وإرسال الرسائل والكتب العديدة إلى الإمام الحسين بهذا الشأن للقدوم إليهم وتولي قيادة ثورتهم، إلا أنه لم يستجب لدعوتهم وندائهم، وسوف يُتهم الإمام - والعياذ بالله - بأنه خاف على نفسه وعلى أسرته؟
في حالة ترتيب الآثار على علم الغيب سيعمد المؤرخون من أهل السنة وغير المسلمين من الذين لا يعترفون بعلم الغيب للإمام، سيرسمون صورة سلبية عن الإمام، ولما تم الحصول على كل النتائج والآثار المباركة لثورة كربلاء. وعليه فقد أدرك الإمام الحسين(ع) أن مصلحته ومصلحة المجتمع تكمن في عدم ترتيب الآثار على علمه بالغيب.
تناول الأئمة(ع) للسم
وأما فيما يتعلق بشبهة تناول الإمام للطعام المسموم، فيجب القول: إن الإمام رغم علمه بكون الطعام مسموماً، ولكنه حيث كان مكرهاً على تناوله، لم يكن له بد من تناوله.
مضافاً إلى أنه لو أصرّ على عدم تناول السم، فإن الخليفة والحاكم كان يقتله بطريقة أخرى، فرأى الإمام أن المصلحة في أن يكون استشهاده بتناول السم. وإن كان السرّ في ذلك خافياً علينا. وربما أمكن القول مثلاً: إن اختيار الإمام هذه الطريقة لاغتياله من قبل الحاكم، لأنها تنطوي على شيء من التكتم، وعدم افتضاح أمر الحاكم وجريمته النكراء، ولما كان الحاكم إنما يختار هذه الطريقة في التخلّص من الإمام(ع)، فإنه سوف يستمر في الحفاظ على الشكليات الظاهرية، فلا يتعرّض لأتباعه وأسرته، بمن فيهم ابن الإمام(ع) - الذي سيتولى مقاليد الإمامة بعده - ويوفر لهم الحماية، أو أن لا يظهر العداء لهم علناً في الحد الأدنى. الأمر الذي يوفر الأرضية المناسبة لاستمرار حياة الشيعة في الوسط المخالف.
حمل الاعتراف والأعمال المخالفة لعلم الغيب على العلم الظاهري
اتضح مما تقدم، كما تم التأكيد أيضاً على أن الأئمة(ع) كانوا يعملون بمقتضى علمهم الاعتيادي والظاهري. وعلى هذا الأساس لو اعترف الأئمة أنفسهم في بعض الروايات بعدم علمهم بأمور من قبيل: موضع اختباء العدو[٤٣]، أو الموضع الذي أختبأت فيه الجارية[٤٤]، أو الاعتماد على صلاح الأشخاص بحسب الظاهر[٤٥]، أمكن تفسير ذلك وحمله على القاعدة السابقة، والقول بأن الأئمة فى هذه الموارد بصدد العمل على طبق علمهم الظاهري، وإن الأئمة طبقاً لعلمهم العادي والظاهري لم يكونوا يعلمون بموضع اختباء العدو أو الجارية أو معرفة الأشخاص على حقيقتهم، رغم علمهم بجميع ذلك بواسطة علمهم الغيبي. وفي تأس أييد هذا القول يمكن الإشارة إلى قضية إرسال أبي موسى الأشعري بوصفه حكماً وممثلاً من قبل الإمام علي في قضية التحكيم المشهورة بعد حرب صفين للتفاوض مع عمرو بن العاص، حيث تنبأ الإمام بأن عمراً سيخدعه، فقال: «وكأني به وقد خُدع». وهنا قام أحد أصحابه (ويدعى عبد الله ابن أبي رافع) حيث لم يستوعب عدم ترتيب الإمام لأثر علمه بالغيب؛ فسأل الإمام عن سبب إرساله أبي موسى الأشعري رغم علمه بأنه سينخدع، فأشار الإمام في جوابه إلى فلسفة إرسال الله سبحانه وتعالى للرسل والأنبياء والسفراء إلى الناس. إن الله رغم علمه الأزلي بأن قوم يونس وغيرهم من الأمم الأخرى مثلاً سوف لا يؤمنون وأنهم سيتعرضون للعذاب الدنيوي، إلا أنه مع ذلك لم يرتب الآثار على علمه الأزلي، وأرسل إليهم الرسل ليتم الحجة عليهم. وإليك بيان هذه الرواية على لسان ابن أبي رافع نفسه: «عن عبد الله بن أبي رافع قال حضرت أمير المؤمنين(ع) وقد وجه أبا موسى الأشعري، فقال له: أحكم بكتاب الله ولا تجاوزه، فلما أدبر قال: كأني به وقد خدع، قلت: يا أمير المؤمنين فلم توجهه وأنت تعلم أنه مخدوع؟ فقال(ع): يا بني لو عمل الله في خلقه بعلمه ما احتج عليهم بالرسل»[٤٦].
أما المؤيد الآخر نراه في الحديث الذي يُصرّح فيه الإمام الصادق(ع) بعدم علمه بموضع اختباء جاريته. إذ قال سدير الصيرفي بعد ذلك: «فَلَمَّا أَنْ قَامَ مِنْ تَجْلِسِهِ وَصَارَ فِي مَنْزِلِهِ دَخَلْتُ أَنا وَأَبُو بَصِيرٍ وَمُيَسِّر، وَقُلْنَا لَهُ: جُعِلْنَا فِدَاكَ سَمِعْنَاكَ وَأَنتَ تَقُولُ كَذَا وَكَذَا فِي أَمْرِ جَارِيَتِكَ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّكَ تَعْلَمُ عِلْا كَثِيراً، وَلَا نَنْسُبُكَ إِلَى عِلْمِ الْغَيْبِ. قَالَ فَقَالَ: يَا سَدِيرُ أَلَمْ تَقْرَأ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: بَلَى . قَالَ: فَهَلْ وَجَدْتَ فِيمَا قَرَأْتَ مِنْ كِتَاب الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾[٤٧]؟ قَالَ قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ قَدْ قَرَأْتُهُ. قَالَ: فَهَلْ عَرَفْتَ الرَّجُلَ؟ وَهَلْ عَلِمْتَ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ عِلْمِ الْكِتَابِ؟ قَالَ قُلْتُ: أَخْبِرْنِي بِهِ. قَالَ: قَدْرُ قَطْرَةٍ مِنَ الْمَاءِ فِي الْبَحْرِ الْأَخْضَرِ».يتضح من تتمة هذا الحديث أن إنكار الإمام لعلمه بالغيب في بداية الحديث كان بداعي رعاية مقتضى حال المخاطبين، وإلا فإن خاتمة الحديث سوف تتهافت مع بدايته.[٤٨].[٤٩]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ يذهب أهل السنة إلى القول بأن علم الإمام لا يتجاوز حدود علم الفقيه والمجتهد، انظر: البغدادي، كتاب أصول الدين، ص ٢٧٧؛ التفتزاني، شرح المقاصد، ج ٣، ص ٤٨٠ - ٤٨٢؛ عضد الدين الإيجي، شرح المواقف، ج ٨، ص ٣٨٠.
- ↑ انظر: محسن کدیور، مجلة مدرسة، العدد: ٣،اردیبهشت، ١٣٨٥ ه_ ش، ص ٩٦؛ إعادة قراءة الإمامة في ضوء الثورة الحسينية، روزنامه شرق، العدد: ١٤ و١٥، اسفند، ١٣٨٤ ه_ ش ؛ عبد الكريم سروش، بسط تجربه نبوي، ص ١٣٥ و١٤٨ و١٥٩ .
- ↑ انظر: حسين مدرسي طباطبائي، مکتب در فرایند تکامل، ص ١٤ و٣١ و٣٩ و٤٣ و٤٨ و٥٤ .
- ↑ انظر: أوائل المقالات، ص ٣١٣.
- ↑ انظر: الصافي الگلپایگانی، شهید آگاه؛ صالحی نجف آبادي، شهيد جاويد؛ المؤلف، كلام فلسفي، مقالة: علم الإمام الحسين باستشهاده.
- ↑ انظر: الشافي في الإمامة، ج ١، ص ١٧٩.
- ↑ انظر: الدرّ المنثور، ج ٥، ص٣٧٨، تفسير الآية ٣٣ من سورة الأحزاب؛ ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ٢، ص ٢٨٣ ؛ الكليني، الكافي، ج ١، ص ٢٢١ و٢٧٠ .
- ↑ الكافي، ج ١، ص ٢٦٤؛ بصائر الدرجات، ص ٣١٧ و٣٢٧.
- ↑ أمالي الطوسي، ص ٤٠٨؛ بصائر الدرجات، ص ٣١٦ ومثله عن أبي بصير أيضاً، انظر: بصائر الدرجات، ص ٣١٦ .
- ↑ الكافي، ج ١، ص ٢٦٤.
- ↑ الكافي، ج ١، ص ٢٠٢؛ عيون أخبار الرضا، ج ١، ص ٢٢١؛ معاني الأخبار، ص ١٠١؛ وانظر أيضاً: الري شهري، أهل البيت في الكتاب والسنة، ص ٢٣٠ - ٢٣٦ .
- ↑ انظر: الفخر الرازي، التفسير الكبير، ج ٧، ص ٨٦،تفسير آية المباهلة؛ ينابيع المودة، ص ٢١٤؛ شرح نهج البلاغة، ج ٢، ص ٢٢٩؛ ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، ج ٥،ص٥١٠ . ما بين المعقوفتين لم نجده في ينابيع المودة، المعرّب.
- ↑ أمالي الصدوق، ص ٢٥٢؛ بصائر الدرجات، ص ١٠٣، ب ١٩.
- ↑ الكافي، ج ١، ص ١٩٢ .
- ↑ السيد هاشم البحراني، ينابيع المعاجز، ص ٧٠.
- ↑ انظر: عيون أخبار الرضا، ج ٢، ص ٦ - ١٩٥.
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٥٥٥-٥٦٣.
- ↑ «إن العصمة، والعلم بالغيب، والنص الإلهي، والنصّ من قبل النبي، أربع مسائل قالها متكلمونا المحترمون منذ القرنين الثالث والرابع للهجرة فما بعد ... ولكننا لا نذكر أن سيد الشهداء والإمام علي وسائر الأئمة عمدوا إلى تعريف أنفسهم من خلال الاستناد إلى المناحي ما فوق البشرية». (محسن كديور، مجلة مدرسة، اردیبهشت، ١٣٨٥، العدد: ٣، ص ٩٥).
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٥٦٣-٥٦٤.
- ↑ المقصر مصطلح في علم الكلام يطلق على تلك الجماعة من الشيعة التي تخلفت عن إدراك الصفات المعنوية والكمالية للأئمة، ولا يستطيعون وصف الأئمة بصفات خاصة، من قبيل: العصمة والعلم اللدني والإلهام وما إلى ذلك.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٥٩؛وأيضاً النمل: ٦٥؛الأعراف: ١٨٨. وانظر أيضاً: العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٢٥، ص ٢٦٧ و٣٢٢؛ الأحاديث الغيبية للأئمة الإثنى عشر (ثلاث مجلدات).
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة رقم: ١٢٨؛ ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ٨، ص ٢١٥ .
- ↑ سورة النمل، الآية ٤٠.
- ↑ سورة الرعد، الآية ٤٣.
- ↑ الكليني، الكافي، ج ١، ص ٢٥٧ .
- ↑ سورة الأعراف، الآية ١٨٨.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة رقم: ١٢٨؛ ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ٨، ص ٢١٥ .
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة رقم: ١٢٨ .
- ↑ الكافي، ج ١، ص ٢٥٨، باب أن الأئمة إذا شاؤوا علموا.
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٥٦٤-٥٦٩.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة رقم: ٣.
- ↑ محسن كديور، مجلة مدرسة، العدد: ٣، ص ٩٥، بتاریخ: شهر اردیبهشت ١٣٨٥ هش.
- ↑ انظر: البقرة: ١٢٤ .
- ↑ سورة الأعراف، الآية ١٧٠.
- ↑ سورة الحج، الآية ٦٥.
- ↑ سورة لقمان، الآية ٣٤.
- ↑ العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٢٣، ص ٥.
- ↑ انظر: عيون أخبار الرضاء(ع)، ج ٢، ص ٦- ١٩٥.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة رقم: ٣.
- ↑ الكافي، ج ٨، ص ٥٩ .
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٥٦٩-٥٧٥.
- ↑ للتعرّف على القائلين بهذا الرأي، انظر: الصافي الگلبایگانی، شهید آگاه؛ وكتابنا: كلام فلسفي، مقال: علم الإمام الحسين(ع) باستشهاده.
- ↑ انظر: ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ٣، ص ١٣٢.
- ↑ انظر الكليني، الكافي، ج ١، ص ٢٥٧ .
- ↑ انظر: نهج البلاغة، الكتاب رقم: ٧٢.
- ↑ محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٤١، ص ٣١٠؛ المناقب، ج ٢، ص ٢٦١.
- ↑ سورة النمل، الآية ٤٠.
- ↑ انظر: الكليني، الكافي، ج ١، ص ٢٥٧؛العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٢٦، ص ٢٣٠.
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٥٧٥-٥٨٤.