نقاش:الصفات السلبية

محتويات الصفحة غير مدعومة بلغات أخرى.
من إمامةبيديا

الصفحات السلبية

ويبحث فيها عن:

  1. نفي التجسيم.
  2. نفي الاتحاد.
  3. نفي الحلول.
  4. نفي الرؤية.

نفي التجسيم

يراد بالتجسيم هنا:

  1. التشبيه: وهو الاعتقاد بأنّ الله تعالى علی صورة تشبه صورة الإنسان.
  2. التجسيم: وهو الاعتقاد بأنّ الله جسم.
  3. التحيّز: وهو الاعتقاد بأنّ الله متحيّز، أي في مكانٍ.

ومنشأ هذه الأقوال وأمثالها، المتشابه الوارد في القرآن والحديث فقد جاء منه آيات وروايات يتراءى من ظاهرها التجسيم، أمثال:

  1. من القرآن:
    1. ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ[١].
    2. ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ[٢].
    3. ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا[٣].
    4. ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا[٤].
    5. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ[٥].
    6. ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ[٦].
    7. ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى[٧].
    8. ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ[٨].
  2. من الحديث:
    1. «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِه‏»[٩].
    2. «فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ اللهُ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى، رِجْلَهُ‏‏»[١٠].
    3. «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ اسْمُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟»[١١].
    4. «خَمَّرَ طِينَةَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا»[١٢].
    5. «فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّ، قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الأَعْلَى؟ قُلْتُ: لاَ أَدْرِي رَبِّ، قَالَهَا ثَلاَثًا قَالَ: فَرَأَيْتُهُ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ بَيْنَ ثَدْيَيَّ»[١٣].

وكان الموقف الفكري المشار إليه من هذه النصوص وأمثالها علمياً وعقائدياً يتلّخص في التالي:

  1. الأخذ بظواهرها من غير تأويل. وهو ما نهجه المجسمة.
  2. تأويلها بحمل ألفاظها التي يظهر منها التجسيم على معنى مجازي يلتقي وطبيعة سياق النص وقرائنه، وبشكل يتمشى وأصل التوحيد وهو ما نهجه الإمامية والمعتزلة ومن اليهما.
  3. التوقف عن الأخذ بالظاهر وعن التأويل. وهو ما التزمه أهل الحديث.

ويبرر الشهرستاني الموقف الأخير بقوله: إعلم أن السلف من أصحاب الحديث لما رأوا توغل المعتزلة في علم الكلام ومخالفة السنة التي عهدوها من الأئمة الراشدين، ونصرهم جماعة من امراء بني أمية على قولهم بالقدر، وجماعة من خلفاء بني العباس على قولهم بنفي الصفات وخلق القرآن، تحيروا في تقرير مذهب أهل السنة والجماعة في متشابهات الكتاب الحكيم واخبار النبي الأمين (ص).

فأما أحمد بن حنبل و داوود بن علي الأصفهاني، وجماعة من أئمة السلف، فجروا على منهاج السلف المتقدمين عليهم من أصحاب الحديث مثل مالك بن أنس ومقاتل بن سليمان. وسلكوا طريق السلامة، فقالوا: نؤمن بما ورد به الكتاب والسنة، ولا نتعرض للتأويل بعد أن نعلم قطعا أن الله عز وجل لا يشبه شيئاً من المخلوقات، وان كل ما تمثل في الوهم فإنه خالقه ومقدره. وقالوا: انما توقفنا في تفسير الآيات وتأويلها لأمرين:

  1. المنع الوارد في التنزيل في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ[١٤] فنحن نتحرر من الزيغ.
  2. أن التأويل أمر مظنون بالاتفاق، والقول في صفات الباري بالظن غير جائز، فربما أولنا الآية على غير مراد الباري تعالى فوقعنا في الزيغ، بل نقول كما قال الراسخون في العلم ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا[١٥] آمنا بظاهره وصدقنا بباطنه، ووكلنا علمه إلى الله تعالى، ولسنا مكلفين بمعرفة ذلك، إذ ليس ذلك من شرائط الايمان وأركانه [١٦]

وناقشهم السيد الطباطبائي بقوله: «للناس في معنى العرش بل في معنى قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ[١٧] والآيات التي في هذا المساق مسالك مختلفة. فأكثر السلف على أنها وما يشاكلها من الآيات هي من المتشابهات التي يجب أن يرجع علمها إلى الله سبحانه. وهؤلاء يرون البحث عن الحقائق الدينية والتطلع إلى ما وراء ظواهر الكتاب والسنة بدعة. والعقل يخطئهم في ذلك، والكتاب والسنة لا يصدقانهم، فآيات الكتاب تحرض كل التحريض على التدبر في آيات الله، وبذل الجهد في تكميل معرفة الله ومعرفة آياته بالتذكر والتفكر والنظر فيها، والاحتجاج بالحجج العقلية، ومتفرقات السنة المتواترة معنى توافقها، ولا معنى للأمر بالمقدمة والنهي عن النتيجة. وهؤلاء هم الذين كانوا يحرمون البحث عن حقائق الكتاب والسنة حتى البحث الكلامي الذي بناؤه على تسليم الظواهر الدينية ووضعها على ما تفيده بحسب الفهم العامي ثم الدفاع عنها بما تيسر من المقدمات المشهورة والمسلمة عند أهل الدين - ويعدونها بدعة»[١٨].

ويبرر القائلون بالحمل على الظاهر، لزوم الحمل على الظاهر بعدم وجود مجاز في كلام العرب أو في القرآن والسنة على الأقل.

وشبهتهم كما يقول السيوطي:

  1. ان المجاز أخو الكذب، والقرآن منزه عنه.
  2. وان المتكلم لا يعدل اليه الا إذا ضاقت به الحقيقة فيستعير، وذلك محال على الله تعالى [١٩]

ثم يردهم (أعني السيوطي) بقوله: وهذه شبهة باطلة، إذ لو سقط المجاز من القرآن سقط منه شطر الحسن، فقد اتفق البلغاء على أن المجاز أبلغ من الحقيقة. ولو وجب خلو القرآن من المجاز وجب خلوه من الحذف والتوكيد وتشبيه القصص وغيرها [٢٠]واستدل السيوطي في (المزهر) [٢١] على وقوع المجاز في لغة العرب بقوله: وعمدتنا في ذلك النقل المتواتر عن العرب، لأنهم يقولون: (استوى فلان على متن الطريق) ولا متن لها، و (فلان على جناح السفر) ولا جناح للسفر، و (شابت لمة الليل) و (قامت الحرب على ساق)، وهذه كلها مجازات. ومنكر المجاز في اللغة جاحد للضرورة، ومبطل محاسن لغة العرب.

أما القائلون بالتأويل فذهبوا إلى أن الآية الكريمة ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ[٢٢].

تفيد تقسيم آيات القرآن الكريم إلى قسمين: المحكمات والمتشابهات. وهي (أعني الآية المذكورة) من المحكمات. وليس فيها ما ينص أو يظهر منه المنع من تأويل المتشابه على نحو الاطلاق الذي يشمل من كان في قلبه زيغ ومن ليس في قلبه زيغ. نعم، هي تمنع من تأويل المتشابه لمن كان في قلبه زيغ لأنه يقصد من تأويله على طريقته - أي من غير الرجوع به إلى المحكم - إثارة الفتنة وإثارة تأويله للتأويل وبغية الجدل.

أما تأويله للفهم والافهام لا منع فيها له. وعليه فتأويل المتشابه جائز. ولكن يجب أن يكون بارجاعه إلى المحكم، ويدل على هذا ما ورد في (عيون أخبار الرضا) من قوله (ع): «مَنْ رَدَّ مُتَشَابِهَ الْقُرْآنِ إِلَى مُحْكَمِهِ هُدِيَ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيم‏».

يقول السيد الطباطبائي: المراد بالمتشابه كون الآية بحيث لا يتعين مرادها لفهم السامع بمجرد استماعها بل يتردد بين معنى ومعنى حتى يرجع إلى محكمات الكتاب فتعين هي معناها وتبينها بيانا فتصير الآية المتشابهة عند ذلك محكمة بواسطة الآية المحكمة، والآية المحكمة محكمة بنفسها. كما في قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى[٢٣] يشتبه المراد منه على السامع أول ما يسمعه، فإذا رجع إلى مثل قوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ[٢٤] استقر الذهن على أن المراد به التسلط على الملك والإحاطة على الخلق، دون التمكن والاعتماد على المكان المستلزم للتجسيم المستحيل على الله سبحانه [٢٥]

هذا مضافاً إلى ما استدلوا به من بطلان التشبيه، قال الصدوق: الدليل على أن الله سبحانه لا يشبه شيئاً من خلقه من جهة من الجهات انه لا جهة لشئ من افعاله الا محدثة، ولا جهة محدثة الا وهي تدل على حدوث من هي له، فلو كان الله جل ثناؤه يشبه شيئاً منها لدلت على حدوثه من حيث دلت على حدوث من هي له إذ المتماثلان في العقول يقتضيان حكما واحدا من حيث الجهة التي تماثلاً منها، وقد قام الدليل على أن الله عز وجل قديم ومحال أن يكون قديما من جهة وحادثا من جهة أخرى [٢٦]

ومن هنا نجدهم يتأولون كل ما ورد من المتشابه مما ظاهره التجسيم. ومن أمثلة هذا: تأويلات القاضي المعتزلي، قال: مسألة: فان قال: فقد قال الله تعالى ما يدل على أنه جسم، فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى[٢٧]﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ[٢٨]و ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ[٢٩] ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ[٣٠]. إلى غير ذلك من الآيات التي فيها ذكر الجنب والساق والعين والوجه.

قيل له: ان أول ما ينبغي أن تعلمه أنه لاحق بعد أن تتقدم للإنسان معرفة الله تعالى، ويعلم انه لا يشبه الأجسام ولا يفعل القبائح، فالاحتجاج به في نصرة الجسمية لا يجوز. يبين هذا أنه لو كان جسماً فالحاجة تجوز عليه، ومن هذا حاله لا يعلم أن قوله حق، فكيف يحتج بكلامه!. على أنه قد ثبت بالقرآن والاجماع أنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ[٣١] ولا يقول أحد إنا نقول هذا القول على جهة المجاز، فيجب أن نتأول ما ذكر من الآية: فتأويل قوله تعالى: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ[٣٢] انه استولى واقتدر وملك.

ولم يرد تعالى بذلك انه تمكن على العرش جالساً، وهذا كما يقال في اللغة (استوى البلد للأمير) و (استوت هذه المملكة لفلان). ولولا أن الأمر كما قلنا لم يكن ذلك تمدحاً عظيماً، لأن كلاً يصح أن يجلس على سريره وعلى مكانه. وإنما خص العرش بالذكر لأنه أعظم خلقه، فنبه به على أنه على غيره أشد اقتدارا، كما قال: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ[٣٣] ونبه بذلك على أنه أن يكون ربا لغيره أولى.

وتأويل قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ[٣٤] ان في السماء نقماته وضروب عقابه، لأن عادته أن ينزلها من هناك، ولهذا قال: ﴿أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ[٣٥] فنبه به على ذلك.

وتأويل قوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ[٣٦] أنه عالم بهما، حافظ عليهما عن التغير والزوال، مدبر لهما، ولهذا قال: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ[٣٧]

وتأويل قوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ[٣٨] أنه يرتفع إلى حيث لا حاكم سواه، كما يقال في الحادثة (ارتفع امرها إلى الأمير) إذا صار لا يحكم فيها سواه.

وتأويل قوله: (خلقته بيدي) خلقته أنا، فأكد ذلك بذكر اليدين، كما يقال للملوم: (هذا ما جنته يداك)، وكما قال: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ[٣٩] و ﴿بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ[٤٠]. وقيل: ان فائدة ذلك أنه تعالى خلقه ابتداء، لا تدريجا، على حسب ما خلق ذريته من نطفة ثم درجه حالا بعد حال.

وتأويل قوله تعالى ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ[٤١] - في ذات الله وفي طاعة الله، كما يقال: (ملك فلان في جنب فلان مالا فاكتسب جاها).

وتأويل قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ[٤٢] يعني شدة أهوال يوم القيامة، كما يقال: (كشفت الحرب لنا عن ساقها).

وتأويل قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ[٤٣] يعني نفسه، وهو كقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ[٤٤] وقد عبر عن نفسه بذكر الوجه، يقال: (هذا وجه الرأي) و (وجه الأمر) و (وجه الطريق)، وهذا ظاهر.

وتأويل قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ[٤٥] أي لممنوعون من رحمته، لأن الحجاب منع، ولهذا يقال لمن يمنع الوصول إلى الأمير إنه حاجب، وقال أصحاب الفرائض: إن الولد يحجب الأم عن الثلث إلى السدس.

وتأويل قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ[٤٦] يعني أمر ربك كما يقال عند الاختلاف في مسألة نحو: (هذا سيبويه قد جاءنا) يعني كتابه ودلائله.

وتأويل قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ[٤٧] نعمتاه، كما يقال: (لفلان عندي يد) و (يدان) و (أياد)، وأراد الله تعالى بذلك نعم الدنيا والدين، إبطالاً لقول اليهود: ان يده مغلولة، لأنهم أرادوا أنه بخيل يقتر الأرزاق على خلقه، ويبين ذلك قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا[٤٨] أراد أن انفق قصداً، لا إسرافاً ولا إقتاراً.

وتأويل قوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا[٤٩] انها تجري ونحن بحالها عالمون، فكنى بالأعين عن علمه بأحوالها، كما يقال: (هذا بمرأى من فلان ومسمع)، ويقال: (لفلان عين) إذا تجسس الخبر ليعرف، ويقال: (لا تفعل ذلك الا بعيني) أي بعلمي. إلى غير ذلك. وحمله على ظاهره يمتنع لأنه يوجب أن لله عيونا كثيرة، لا عينين - كما يزعمون. ويقال لهم: إن جازت الأعضاء على الله تعالى، على ما تعلقتم به، فيجب ان يكون بمنزلة الواحد منا، وأن يكون ذكرا أو أنثى، وأن يكون محتاجا، تعالى عن ذلك علوا كبيرا [٥٠]

وبعد فان عمدة ما دار حوله الخلاف وجرى فيه النزاع هو الاستواء على العرش واننا في ضوء ما تقدم لنستطيع أن نفسر الفعل (استوى) بالاستقرار، وذلك لما يأتي:

  1. ان اقتران الفعل (استوى) من قوله (استوى على العرش) في آية سورة يونس ٣ وفي آية سورة الرعد ٢ بقوله (يدبر الأمر) دليل على أن الاستواء هنا بمعنى (الاستيلاء) و (السلطة) لأنه المناسب لتدبير الأمر، والقرآن يفسر بعضه بعضا، وتقرن آية الأخرى.
  2. كما أن تفسير ﴿ثُمَّ اسْتَوَى[٥١] ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ[٥٢] بـ عمد وقصد إلى السماء ليسويها سبع سماوات) - كما هو ظاهرها يؤيد تفسيره هنا بالاستيلاء فيكون معنى الآية: قصد إلى العرش ملكا يدبر الأمر.
  3. ان التعليل الوارد في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا[٥٣] دليل آخر وقرينة أخرى على أن الاستواء على العرش يدبر أمر خلقه كان لأجل اختبارهم أيهم أحسن عملاً. وهذا يتم من غير شبهة يثيرها - في تفسير الاستواء باظهار سلطانه وسلطته تعالى. وهذا التفسير للاستواء بالاستيلاء في ضوء القرائن القرآنية ليس تفسيراً بالمجاز ولا بالتأويل. بل هو تفسير بمعنى لغوي أفيد من استعمالات القرآن الكريم اللغوية.

يقول أبو حامد الغزالي: العلم بأنه تعالى مستو على عرشه بالمعنى الذي أراده الله تعالى بالاستواء، وهو الذي لا ينافي وصف الكبرياء ولا يتطرق اليه سمات الحدوث والفناء، وهو الذي أريد بالاستواء إلى السماء حيث قال في القرآن ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ[٥٤] وليس ذلك الا بطريق القهر والاستيلاء. واضطر أهل الحق إلى التأويل، كما اضطر أهل الباطل إلى تأويل قوله تعالى ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ[٥٥] إذ حمل ذلك بالاتفاق على الإحاطة والعلم، وحمل قوله (ص): «قَلْبُ الْمُؤْمِنِ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ»على القدرة والقهر، وحمل قوله (ص): «الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ يَمِينُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ» على التشريف والإكرام. لأنه لو ترك على ظاهره للزم منه المحال. فكذا الاستواء لو ترك على الاستقرار والتمكن لزم منه كون المتمكن جسماً مماساً للعرض، إما مثله أو أكبر منه أو أصغر، وذلك محال، وما يؤدي إلى المحال فهو محال [٥٦]. [٥٧]

وجاء في وصية أبي حنيفة لأصحابه ما نصه: نقر بأن الله سبحانه وتعالى على العرش استوى أي استولى من غير أن يكون جارحة واستقرار، وهو حافظ للعرش وغير العرش من غير احتياج، فلو كان محتاجا لما قدر على ايجاد العالم وتدبيره، ولو كان محتاجا إلى الجلوس والقرار لكان قبل خلق العرش، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا [٥٨]

ويرجع أبو الفتح الشهرستاني جذور وعوامل فكرة التجسيم عند المسلمين إلى الفكر اليهودي، قال: التشبيه والنزول والاستواء والرؤية يهودية [٥٩]وقال أيضا: وقد أجمعت اليهود عن آخرهم على أن الله تعالى لما فرغ من خلق السماوات والأرض استوى على عرشه مستلقيا على قفاه واضعا احدى رجليه على الأخرى [٦٠]

ويؤكد ما ذكره الشهرستاني من أن التجسيم فكرة يهودية ما جاء في العهد القديم (التوراة): جاء في سفر التكوين، الأصحاح الأول: وقال الله: نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا. . . فخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه، ذكرا وأنثى خلقهم ونحن إذا رجعنا إلى حديث أبي هريرة «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِه‏» نراه وبوضوح صدى للنص المذكور.

وجاء في سفر التكوين، الأصحاح الثالث: وسمعنا صوت الرب الاله ماشيا في الجنة عند هبوب ريح النهار فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الاله في وسط شجر الجنة، فنادى الرب الاله آدم وقال له: أين أنت؟ فقال: سمعت صوتك في الجنة فخشيت لأني عريان فاختبأت. والنص واضح في دلالته على أن الله تعالى جسم له لوازم الجسم الإنساني من المشي والصوت.

وأيضا في سفر التكوين، الأصحاح الحادي عشر: وقالوا: هلم نبن لأنفسنا مدينة وبرجا رأسه بالسماء ونصنع لأنفسنا اسما لئلا نتبدد على وجه كل الأرض، فنزل الرب لينظر إلى المدينة والبرج اللذين بنو آدم يبنونهما ومثله في سفر الخروج، الأصحاح التاسع عشر: لأنه في اليوم الثالث ينزل الرب امام عيون جميع الشعب على جبل سيناء. . . وكان جبل سيناء كله يدخن من أجل أن الرب نزل عليه بالنار وهنا أيضاً رجعنا إلى حديث أبي هريرة (ان الله ينزل كل ليلة) «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ» وتمثيل ابن تيمية نزول الباري تعالى بنزوله من أعلى درج المنبر إلى ما دونها نجد قول الأول وفعل الثاني صدى بينا لهذين النصين وفي سفر الخروج، الأصحاح الثالث عشر: وقال لموسى: اصعد إلى الرب أنت وهارون وناداب وأبيهو وسبعون من شيوخ إسرائيل. واسجدوا من بعيد، ويقترب موسى وحده إلى الرب، وهم لا يقتربون، وأما الشعب فلا يصعد معه،. . . ثم صعد موسى وهارون وناداب وأبيهو وسبعون من شيوخ إسرائيل ورأوا إله إسرائيل وتحت رجليه شبه صنعة من العقيق الأزرق الشفاف وكذات السماء في النقاوة، ولكنه لم يمد يده إلى اشراف بني إسرائيل فرأوا الله وأكلوا وشربوا وفي السفر نفسه، الأصحاح الثالث والثلاثون: فقال: أرني مجدك. . . وقال: لا تقدر أن ترى وجهي، لأن الإنسان لا يراني ويعيش. وقال الرب: هوذا عندي مكان فتقف على الصخرة ويكون متى أجاز مجدي ان أضعك في نقرة من الصخرة وأسترك بيدي حتى أجتاز، ثم ارفع يدي فتنظر ورائي، وأما وجهي فلا يرى وهما - كما ترى - ناطقان بالرؤية وبوضوح.

ويرجع تاريخ الوقوف في وجه هؤلاء المشبهة والإشارة إلى تأثرهم بالفكر اليهودي إلى عهد مبكر من تاريخ الفكر الاسلامي. فقد جاء في خطبة للإمام الحسين (ع): «أيُّهَا النّاسُ ! اتَّقوا هؤُلاءِ المارِقَةَ الَّذينَ يُشَبِّهونَ اللّه َ بِأَنفُسِهِم، يُضاهِئونَ قَولَ الَّذينَ كَفَروا مِن أهلِ الكِتابِ، بَل هُوَ اللّه ُ لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وهُوَ السَّميعُ البَصيرٌ، لا تُدرِكُهُ الأَبصارُ وهُوَ يُدرِكُ الأَبصارَ وهُوَ اللَّطيفُ الخَبيرُ» [٦١]. [٦٢]

نفي الاتحاد

الاتحاد: هو أن يصير شيئان أو أكثر شيئاً واحداً من غير زيادة ولا نقصان. هذا علمياً. واعتقاداً: هو الايمان باتحاد ولي من أولياء الله نبياً كان أو إماماً أو غيرهما بالله تعالى. وممن قال به من المسلمين:

١. النصيرية: قالوا: إن الله اتحد بعلي [٦٣]واستدلوا على ذلك بأن ظهور الروحاني بالجسد الجسماني أمر لا ينكره عاقل. أما في جانب الخير فكظهور جبرئيل (ع) ببعض الاشخاص والتصور بصورة اعرابي، والتمثل بصورة البشر.

وأما في جانب الشر فكظهور الشيطان بصورة إنسان حتى يعمل الشر بصورته، وظهور الجن بصورة بشر حتى يتكلم بلسانه. فكذلك نقول: ان الله تعالى ظهر بصورة اشخاص. ولما لم يكن بعد رسول الله (ص) شخص أفضل من علي (ع) وبعده أولاده المخصوصون، وهم خير البرية، فظهر الحق بصورتهم، ونطق بلسانهم وأخذ بأيديهم. فعن هذا أطلقنا اسم الإلهية عليهم.

وإنما أثبتنا هذا الاختصاص لعلي (ع) دون غيره، لأنه كان مخصوصاً بتأييد إلهي من عند الله تعالى فيما يتعلق بباطن الاسرار، قال النبي (ص): «أنا أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر». وعن هذا كان قتال المشركين إلى النبي (ص) وقتال المنافقين إلى علي (ع). وعن هذا شبهه بعيسى بن مريم (ع) فقال النبي (ص): «لَوْلَا أَن يَقُول النَّاس فِيك مَا قَالُوا فِي عِيسَى بن مَرْيَم لَقلت فِيك مقَالاً»

٢. الصوفية: قالوا: إن الله اتحد بالعارفين [٦٤]والاتحاد عندهم يعني وصول العارف إلى مرحلة الفناء التي يريدون بها فناء العارف في الله وفناءه عما سوى الله. وهذه المرحلة أعلى مقامات النفس عندهم. وعرفه العارف السهروردي بقوله: الفناء المطلق: هو ما يستولي من أمر الحق سبحانه وتعالى على العبد فيغلب كون الحق سبحانه وتعالى على كون العبد [٦٥]ويقصد السهرودي بتعريفه هذا ما عناه بعضهم بتعريفه (الاتصال) من أنه أن لا يشهد العبد غير خالقه ولا يتصل بسره خاطر لغير صانعه [٦٦].

والدليل على استحالته في نفسه: ان الشيئين المتحدين - بعد فرض اتحادهما - إن بقيا موجودين فلا اتحاد بينهما، لأنهما - والحالة هذه - اثنان متمايزان لا واحد. وان لم يبقيا موجودين بأن انعدما معاً، ووجد شئ ثالث غيرهما أيضاً لا اتحاد هنا لان المعدوم لا يتحد بالمعدوم. وإن انعدم أحدهما وبقي الآخر، فلا اتحاد بينهما أيضاً لان المعدوم لا يتحد بالموجود.

أما الدليل على استحالة اثباته لغيره فكما يقرره الشيخ المفيد بقوله: ان الواجب لو اتحد بغيره لكان ذلك الغير إما واجباً أو ممكناً: فإن كان واجباً لزم تعدد الواجب، وهو محال. وإن كان ممكناً فالحاصل بعد الاتحاد إن كان واجباً صار الممكن واجباً، وإن كان ممكناً صار الواجب ممكناً،وكلاهما خلاف المفروض، وباطل. فثبت بطلان اتحاد الباري بغيره [٦٧]

ولأننا نعلم أن للتصوف لغته الخاصة التي تسمى بـ (الإشارات) تدور في محاورات الصوفية شفهياً وتحريرياً.

وفحوى هذه اللغة: انهم لا يريدون بالألفاظ الخاصة التي يستعملونها مداليلها اللغوية أو ظواهرها الاستعمالية، وانما يرمزون بها إلى معان خاصة ذات مدلولات خاصة قد تعارفوا وتواضعوا عليها. لا نقوى على اتهامهم بالقول بالاتحاد الباطل الا إذا لمسناه واضحا في لغتهم وببيانهم.

وممن احتاط في المسألة الفاضل المقداد، قال: فان عنوا غير ما ذكرناه فلا بد من تصوره أولاً ثم يحكم عليهم، وان عنوا ما ذكرناه فهو باطل قطعا [٦٨]والذي يظهر من تصريحات بعضهم: انهم لا يعنون بالفناء الاتحاد المحال. جاء في عوارف المعارف [٦٩] وقال إبراهيم بن شيبان: علم الفناء والبقاء يدور على اخلاص الوحدانية وصحة العبودية، وما كان غير هذا فهو من المغاليط والزندقة. وعليه لا بد من تحليل عباراتهم في هدي إشاراتهم ثم الحكم لهم أو عليهم. ومع هذا قد نجد في عبارات بعضهم - وهم الغلاة منهم - ما يشطح إلى الاتحاد كما سيأتي.

وأما الاتحاد بمعنى التجلي أو ظهور الروحاني بالجسماني لها ما يشبهها عند بعض النصارى، فربما كان في البين تأثر. فمن النصارى - كما يقول الشهرستاني - من قال: ظهر اللاهوت بالناسوت، فصار ناسوت المسيح مظهر الجواهر، لا على طريق حلول جزء فيه، ولا على سبيل اتحاد الكلمة التي هي في حكم الصفة، بل صار هو هو. وهذا كما يقال: (ظهر الملك بصورة إنسان) أو (ظهر الشيطان بصورة حيوان). . . [٧٠]كما أنه من المؤسف أن نجد في الصوفية أمثال الحلاج الذي قال بوجود روح ناطقة غير مخلوقة تتحد بروح الزاهد المخلوقة، فيصبح الولي الدليل الذاتي الحي على الله (هو هو). ومن ثم يقول الحلاج: أنا الحق [٧١] ومثله ما نقل عن أبي يزيد البسطامي: أنه كان يقول: (لا إله الا أنا فاعبدوني) و (سبحاني ما أعظم شاني) [٧٢]والفكرة الحلاجية هذه - كما ترى - متأثرة ومن غير ريب بفكرة الاتحاد المسيحي التي قال بها أكثر اليعاقبة، فقد زعم أكثر اليعقوبية أن المسيح جوهر واحد، أقنوم واحد، الا أنه من جوهرين. وربما قالوا: طبيعة واحدة من طبيعتين. فجوهر الإله القديم، وجوهر الإنسان المحدث، تركباً تركيباً كما تركبت النفس والبدن فصارا جوهراً واحداً، أقنوماً واحداً، وهو إنسان كله وإله كله.

فيقال: الإنسان صار إلهاً، ولا ينعكس، فلا يقال: الإله صار إنساناً. كالفحمة تطرح في النار فيقال: صارت الفحمة ناراً، ولا يقال: صارت النار فحمة. وهي في الحقيقة لا نار مطلقة ولا فحمة مطلقة، بل هي جمرة [٧٣] وهذه هي الفكرة التي شجبها القرآن الكريم وكفر من قالوا بها، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ[٧٤]. [٧٥]

نفي الحلول

الحلول: هو قيام موجود بموجود آخر على سبيل التبعية، وبشرط امتناع قيامه بذاته. ومعنى قيد (على سبيل التبعية) أن تكون الصلة بين الحال والمحل صلة تبعية كالصلة بين الجسم ومكانه، أو بين العرض والجوهر.

وهو ما يعرف بالحلول الوضعي بمعنى أن يكون المحل موضعا للحال. والمراد بقيد (بشرط امتناع قيامه بذاته) عدم استقلالية الحال. أي أن وجود الحال مرتبط بوجود المحل ارتباطاً تبعياً كارتباط وجود العرض بوجود الجوهر. والحلول في واقعه - امتداد آخر لفكرة (الفناء) الصوفية.

فقد قال بعض الصوفية بجواز حلول الله تعالى في قلوب العارفين. نقول هنا: كذلك لا بد من التأكد من أنهم يعتقدون فكرة الحلول الباطل. وممن احتاط لهذا ودرأ الحد بالشبهة النصير الطوسي، قال: وذهب بعض الصوفية إلى جواز حلوله في قلوب أوليائه. ولعل مرادهم غير ما نعني به من حلول الاعراض في محالها [٧٦]

ومثلما رأينا في موضوع الاتحاد أن من الصوفية من فسر الفناء بما لا يتنافى وأصل التوحيد الخالص.

وأن منهم من شط عن المزار وهام في فيافي القفار. كذلك الشأن هنا حذو النعل بالنعل. فالسهروردي وأمثاله كان فناؤهم هناك، وكذلك هو هنا فناء وحدانيا. والحلاج وأضرا به كان فناؤهم في الموضوعين غير وحداني، فقد غلا (هنا) الحلاج ونادى بالحلول الذي قال به بعض المسيحيين من قبل، وزعم أن الإله قد يحل في جسم عدد من عباده. أو بعبارة أخرى: إن اللاهوت يحل في الناسوت. وقال قولته المشهورة التي كانت من أسباب تعذيبه حتى الموت، وهي: ما في الجبة الا الله [٧٧]

واستدل المتكلمون على بطلان الحلول بأنه مستحيل على الواجب تعالى، لأن الحال في الشئ يحتاج اليه فيلزم امكانه، والا امتنع حلوله [٧٨]قال الإمام أمير المؤمنين (ع): «حَدَّ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا عِنْدَ خَلْقِهِ إِبَانَةً لَهَا مِنْ شَبَهِهِ وَ إِبَانَةً لَهُ مِنْ شَبَهِهَا لَمْ يَحْلُلْ فِيهَا فَيُقَالَ هُوَ فِيهَا كَائِن‏»

ويلتقي حلول الحلاج بالحلول المسيحي فيما ذهب اليه بعض النصارى من أن الكلمة كانت تداخل جسم المسيح (ع) أحياناً فتصدر عنه الآيات من إحياء الموتى وابراء الأكمه والأبرص، وتفارقه في بعض الأوقات فترد عليه الآلام والأوجاع [٧٩].[٨٠]

نفي الرؤية

لا خلاف لغوياً واستعمالياً في أن الرؤية -وهي مصدر: رأى يرى ويرآى (على قلة في الاستعمال)-: النظر أو البصر بحاسة العين. وكلامياً: تعني رؤية الله تعالى بالعين الباصرة.

الأقوال في المسألة: وقد اختلف المتكلمون في وقوعها نفياً واثباتاً:

  1. فذهب أهل السنة إلى إمكانها. واختلفوا في وقوعها على أقوال هي:
    1. وقوعها في الدنيا للنبي محمد (ص) خاصة. . وكان هذا في حادثة المعراج.
    2. وقوعها في الدنيا للأنبياء والأولياء خاصة.
    3. وقوعها في الآخرة فقط، وللمؤمنين خاصة.
  2. فذهبت الأشاعرة إلى أنه يرى على تجرده وبساطته، ولا في جهة، ولا في مكان، ولا في ما يستلزم منه منافاة التوحيد الخالص.
  3. وذهبت الطوائف المسلمة الأخرى إلى نفي الرؤية واستحالة وقوعها مطلقاً في الدنيا والآخرة. وهم:
    1. المعتزلة
    2. الإمامية
    3. الزيدية
    4. الإباضية.

وعرف القول الأول بمذهب الأشاعرة، والثاني بمذهب المعتزلة، وهما أهم الأقوال في المسألة. ومن هنا رأيت الاقتصار عليهما استعراضاً واستدلالاً.

مذهب الأشاعرة

هو: اثبات الرؤية.

أدلتهم على الاثبات

وعمدة ما استدل به الأشاعرة على ثبوت الرؤية الآيات والروايات، أي الأدلة النقلية.

أدلة الأشاعرة على الرؤية من القرآن

١ . ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ[٨١] ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ[٨٢]قال أبو الحسن الأشعري: قال الله عز وجل: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ[٨٣] يعني مشرقة ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ[٨٤] يعني رائية.

وليس يخلو (النظر) من وجوه نحن ذاكروها:

إما ان يكون الله عز وجل عنى نظر الاعتبار، كقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ[٨٥]

أو يكون عنى نظر الانتظار، كقوله: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً[٨٦]

أو يكون عنى نظر الرؤية.

فلا يجوز ان يكون الله عز وجل عنى نظر التفكير والاعتبار لأن الآخرة ليست بدار اعتبار.

ولا يجوز أن يكون عنى نظر الانتظار لأن النظر إذا ذكر مع ذكر (الوجه) فمعناه نظر العينين اللتين في الوجه، كما إذا ذكر أهل اللسان نظر القلب، فقالوا: (انظر في هذا الأمر بقلبك) لم يكن معناه نظر العينين.

ولذلك إذا ذكر النظر مع الوجه لم يكن معناه نظر الانتظار الذي بالقلب.

وأيضاً فان نظر الانتظار لا يكون في الجنة لان الانتظار معه تنغيص وتكدير، وأهل الجنة لهم في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت من العيش السليم والنعيم المقيم.

وإذا كان هذا هكذا لم يجز أن يكونوا منتظرين لأنهم كلما خطر ببالهم شئ أتوا به مع خطوره ببالهم.

وإذا كان ذلك كذلك فلا يجوز ان يكون الله عز وجل أراد نظر التعطف لأن الخلق لا يجوز أن يتعطفوا على خالقهم.

وإذا فسدت الأقسام الثلاثة صح القسم الرابع من أقسام النظر وهو أن معنى قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ[٨٧] انها رائية ترى ربها عز وجل [٨٨]

٢. ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي[٨٩] بتقريب ان الله عز وجل لما كان قادراً على أن يجعل الجبل مستقراً كان قادراً على الأمر الذي لو فعله لرآه موسى، فدل ذلك على أن الله تعالى قادر على أن يري عباده نفسه وأنه جائز رؤيته [٩٠]

٣. ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ[٩١] قال الأشعري: قال أهل التأويل: النظر إلى الله عز وجل، ولم ينعم الله عز وجل على أهل جنانه بأفضل من نظرهم اليه: رؤيتهم له [٩٢]

٤. ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ[٩٣] قال الأشعري: قيل: النظر إلى الله عز وجل [٩٤]

٥. ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ[٩٥]قال الأشعري: وإذا لقيه المؤمنون رأوه [٩٦]

وقال أبو شامة: وكذلك سائر ما ورد من آيات اللقاء. . . قد حمل جماعة معنى اللقاء فيها على رؤية الله تعالى [٩٧]

٦. ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ[٩٨] فسرها الأشعري بقوله: فحجبهم عن رؤيته، ولا يحجب عنها المؤمنين[٩٩]

وقال أبو شامة: قال أبو بكر السمعاني: استدل مالك بن أنس وابن عيينة والشافعي وأحمد بن حنبل وجماعة من أئمتنا بهذه الآية على أن المؤمنين يرون الله تعالى في الجنة. قلت: ووجه الاستدلال أن يقال: تخصيص الكفار بهذا الحجب دليل على أن المؤمنين لا يكونون محجوبين[١٠٠] [١٠١]

أدلة الأشاعرة على الرؤية من الأحاديث

  1. «ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضارون في رؤيته» ووجه الاستدلال، كما قرر الأشعري: إن الرؤية إذا أطلقت إطلاقاً ومثلت برؤية العيان لم يكن معناها الا الرؤية بالعيان [١٠٢]
  2. «قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ[١٠٣] قَالَ: " إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ نَادَ مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِدًا يُرِيدُ أَنْ يُنْجِزَكُمُوهُ فَيَقُولُونَ: مَا هُوَ؟ أَلَمْ تُثَقِّلْ مَوَازِينَنَا؟ وَتُبَيِّضْ وُجُوهَنَا وَتُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّينَا مِنَ النَّارِ، فَيُكْشَفُ لَهُمُ الْحِجَابُ فَيَنْظُرُونَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَمَا مِنْ شَيْءٍ أُعْطَوْهُ هُوَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ وَهُوَ الزِّيَادَةُ» [١٠٤]
  3. ﴿انكم سترون ربكم جل ثناؤه عيانا [١٠٥].[١٠٦]

ألأدلة العقليه للأشاعرة علي الرؤية

واستدل أبو الحسن الأشعري بالعقل مضافاً إلى النقل المذكور ومترتباً عليه. . . ومنه:

  1. قال: ومما يدل على رؤية الله عز وجل بالأبصار: أنه ليس موجود الا وجائز أن يريناه الله عز وجل. فلما كان الله عز وجل موجودا مثبتاً كان غير مستحيل أن يرينا نفسه عز وجل[١٠٧]
  2. قال: ومما يدل على رؤية الله سبحانه بالأبصار: ان الله عز وجل يرى الأشياء. وإذا كان للأشياء رائياً، ولا يرى الأشياء الا من يرى نفسه، لأن من لا يرى نفسه لا يرى الأشياء. وإذا كان لنفسه رائيا فجائز أن يرينا نفسه[١٠٨]
  3. قال: إن الرؤية لا تؤثر في المرئي لأن رؤية الرائي تقوم به. فإذا كان هذا هكذا. وكانت الرؤية غير مؤثرة في المرئي. لم توجب شبيهاً ولا انقلاباً عن حقيقة. ولم يستحل على الله عز وجل أن يري عباده المؤمنين نفسه في جنانه [١٠٩]

حقيقة الرؤية وكيفيتها عند الأشاعرة

قالوا: الرؤية معنى لا يتأثر به المرئي ولا يتأثر منه لا بإفعال ولا بانفعال [١١٠] وذلك المعنى هو (الادراك).

وعرفه الآمدي بأنه عبارة عن كمال يحصل به مزيد كشف على ما يخيل في النفس من الشئ المعلوم من جهة التعقل بالبرهان أو الخبر[١١١]

وقال الغزالي: الرؤية: نوع كشف وعلم، إلا أنه أتم وأوضح من العلم [١١٢]

ويوضح الآمدي المقصود من زيادة الكشف التي تحصل من الادراك، ليصل منه إلى بيان مقصودهم من الرؤية، فيقول: : وبهذا نجد التفرقة بين كون الصورة معلومة للنفس مع قطع النظر عن تعلق الحاسة الظاهرة بها، وبين كونها معلومة مع تعلق الحاسة بها.

فإذا هذا الكمال الزائد على ما حصل في النفس بكل واحدة من الحواس هوالمسمى ادراكاً.

وقد بينا أن هذه الادراكات - فيما مضى - ليست بخروج شئ من الآلة الدراكة إلى الشئ المدرك، ولا بانطباع صورة المدرك فيها. وانما هو معنى يخلقه الله تعالى في تلك الحاسة.

وقد بينا أن البنية المخصوصة ليست بشرط له - كما مضى -، بل لو خلق الله ذلك المعنى في القلب أو غيره من الأعضاء لكنا نسمي ذلك مدركاً.

وإذا جاز أن يخلق الله تعالى في الحاسة زيادة كشف وبيان بالنسبة إلى ما حصل في النفس، فلا محالة أن العقل لا يحيل أن يخلق الله تعالى للحاسة زيادة كشف وايضاح بالنسبة إلى ما حصل في النفس من العلم به، وأن تسمى تلك الزيادة من الكشف إدراكاً.

والجاحد لذلك خارج عن العدل والانصاف، منتهج منهج الزيغ والانحراف.

ومن عرف سر هذا الكلام عرف غور كلام أبي الحسن في قوله: ان الادراك نوع مخصوص من العلم لكنه لا يتعلق الا بالموجودات.

وإذا عرف ذلك فالعقل يجوز أن يخلق الله تعالى في الحاسة المبصرة، بل وفي غيرها، زيادة كشف بذاته وصفاته، على ما حصل منه بالعلم القائم في النفس، من غير أن يوجب حدوثا ولا نقصاً، وذلك هو الذي سماه أهل الحق ادراكاً [١١٣]

واستدلوا على هذه الرؤية العلمية أو لادراكية بما ورد من أحاديث تقول إن النبي (ص) كان يرى من ورائه كما يرى من أمامه.

ومنها: ما جاء في (صحيح البخاري) في كتاب الصلاة:

  1. باب عظة الإمام الناس في اتمام الصلاة وذكر القبلة. عن أبي هريرة. أن رسول الله (ص) قال: «هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي هَاهُنَا؟ فَوَاللَّهِ مَا يَخْفَى عَلِيَّ خُشُوعُكُمْ وَلَا رُكُوعُكُمْ وَلَا سُجُودُكُمْ؛ إِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي».
  2. باب تسوية الصفوف عند الإقامة وبعدها: عن أنس: أن النبي (ص) قال: «أقيموا الصفوف فاني أراكم خلف ظهري». قال المحشي: أي كما أرى من بين يدي.
  3. إقبال الإمام على الناس عند تسوية الصفوف: عن أنس: قال: «أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وآله بوجهه فقال: أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري» .
  4. باب الصاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم في الصف: عن أنس عن النبي (ص) قال: «أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءَ ظَهْرِي» [١١٤].[١١٥]

مذهب المعتزلة

وهو مذهب النفاة من الحكماء ومن سوى أهل السنة من المسلمين.

ومن البداية، وقبل عرض الأدلة، يقولون: ان الرؤية بالمعرفة والعلم جائزة.

والرؤية بالبصر مستحيلة، لبداهة منافاتها لخلوص الوحدانية، وأصل التوحيد الخالص.

دليل المعتزلة على نفي الرؤية

وعمدة دليلهم العقل.

الاستدلال العقلی

ويتلخص ما استدلوا به عقلياً بأن قالوا: إن الله تعالى واجب الوجود ووجوب الوجود يقتضي تجرده تعالى ونفي الجهة والحيز عنه.والمشروط فيمن تراد رؤيته أن يكون في جهة وحيز، وأن يكون غير مجرد لأنها من أساسيات وقوع الرؤية عليه.ولما كان الله تعالى متجردا ومنزها عن الجهة والحيز يستحيل وقوع الرؤية عليه.وباختصار شديد ومفيد: دليل الوجوب هو دليل نفي الرؤية.وقالوا أيضاً: ان الذي تقع عليه الرؤية البصرية هو اللون والشكل من الأجسام المنظورة، وهما من الأعراض. والله منزه عن ذلك. والى المعنى يشير ما رواه الصدوق عن إسماعيل بن الفضل قال: «سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الصَّادِقَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى هَلْ يُرَى فِي الْمَعَادِ؟ فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ،وَ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ عُلُوّاً كَبِيراً-يَا ابْنَ الْفَضْلِ-إِنَّ الْأَبْصَارَ لاَ تُدْرِكُ إِلاَّ مَا لَهُ لَوْنٌ وَ كَيْفِيَّةٌ»

واستدلوا أيضاً بالآيات الكريمة

  1. ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ[١١٦]وهي عمدة ما استدلوا به من النقول.قال القاضي المعتزلي: إدراك البصر ورؤية البصر في اللغة لا يختلفان.فإذا صح ذلك فيجب أن نقطع بأنه تعالى لا يرى بالابصار [١١٧]وذلك لظهور الآية في ذلك، ولقرينة العقل التي تلزم بعدم صرفها عن هذا الظهور وحملها على معنى آخر غير هذا الذي هو ظاهرها.وقرره الفاضل المقداد بشكل آخر، قال: تمدح تعالى بنفي إدراك الأبصار له فيكون اثباته له نقصا [١١٨].وذهب الزمخشري إلى أن قوله تعالى: (اللطيف) معناه: أنه تعالى يلطف عن أن تدركه الابصار لتجرده وبساطته كمال وتمام التجرد والبساطة، و (الخبير) أنه تعالى خبير بكل لطيف مهما لطف ودق.فهما قرينة على أنه تعالى يدرك لابصار، لا تلطف عن إدراكه، وهي لا تدركه للطفه.وهذا من باب اللف [١١٩]وهي التفاتة أدبية خبيرة، ونكتة علمية لطيفة.وجمع السيد شرف الدين أطراف الاستدلال بالآية الكريمة على نفي الرؤية بقوله: ولنا من الكتاب الحكيم آيات محكمات تؤيد حكم العقل بامتناع الرؤية: الآية الأولى قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ[١٢٠]فان الادراك متى قرن بالبصر لا يفهم منه إلا الرؤية بالعين، وكما أنه إذا قرن بآلة السمع فقيل (أدركته باذني) لا يفهم منه إلا السماع.وكذلك إذا أضيف إلى كل واحدة من الحواس أفاد ما تلك الحاسة آلة فيه، فقولهم (أدركته بفمي) معناه: وجدت طعمه، و (أدركته بأنفي) معناه: وجد ترائحته.وقد دلت هذه الآية على أنه سبحانه وتعالى قد تعالى على جميع الموجودات بمجموع هذين الأمرين اللذين اشتملت عليهما الآية الكريمة لأن من الأشياء: ما يرى ويرى كالأحياء من الناس.ومنها: ما يرى ولا يرى كالجمادات والأعراض المرئية.ومنها: ما لا يرى ولا يرى كالاعراض التي لا ترى.فالله تعالى خالقها جميعهاً، وتعالى عليها، وتفرد بان يرى ولا يرى، وتمدح بمجموع الأمرين، كما تمدح بقوله: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ[١٢١] وقوله: ﴿يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ[١٢٢]وحسبنا من التعليق على هذه الآية ما أخرجه العياشي بسنده المتصل: أن الفضل بن سهل ذا الرئاستين سأل الإمام أبا الحسن علي بن موسى الرضا (ع) فقال: «أَخْبِرْنِي عَمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ النَّاسُ مِنَ الرُّؤْيَةِ،فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ يُرَى. ؟!مَنْ وَصَفَ اللَّهَ بِخِلاَفِ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فَقَدْ عَظَّمَ الْفِرْيَةَ عَلَى اللَّهِ،قَالَ اللَّهُ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ[١٢٣]،لاَ يَقَعُ عَلَيْهِ الْأَوْهَامُ،وَ لاَ يُدْرَكُ كَيْفَ هُوَ» [١٢٤]
  2. . ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا[١٢٥]قال السيد شرف الدين: فإنها في معناها على حد الآية الأولى ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ[١٢٦].وحسبنا من التعليق عليها ما أخرجه ثقة الاسلام في باب إبطال الرؤية من كتاب التوحيد من أصول الكافي بسنده إلى صفوان بن يحيى، «سَأَلَنِي‏ أَبُو قُرَّةَ الْمُحَدِّثُ أَنْ أُدْخِلَهُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا ع فَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي ذَلِكَ فَأَذِنَ لِي فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنِ الْحَلَالَ وَ الْحَرَامِ وَ الْأَحْكَامِ حَتَّى بَلَغَ سُؤَالُهُ إِلَى التَّوْحِيدِ فَقَالَ أَبُو قُرَّةَ إِنَّا رُوِّينَا أَنَّ اللَّهَ قَسَمَ الرُّؤْيَةَ وَ الْكَلَامَ بَيْنَ نَبِيَّيْنِ فَقَسَمَ الْكَلَامَ لِمُوسَى وَ لِمُحَمَّدٍ الرُّؤْيَةَ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ ع فَمَنِ الْمُبَلِّغُ عَنِ اللَّهِ إِلَى الثَّقَلَيْنِ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْس‏ ِ ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ[١٢٧] وَ ﴿لَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا[١٢٨] ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ[١٢٩] أَ لَيْسَ مُحَمَّدٌ? قَالَ: بَلَى قَالَ: كَيْفَ يَجِي‏ءُ رَجُلٌ إِلَى الْخَلْقِ جَمِيعاً فَيُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَ أَنَّهُ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ بِأَمْرِ اللَّهِ فَيَقُولُ ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ[١٣٠] وَ ﴿لَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا[١٣١] وَ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ[١٣٢] ثُمَّ يَقُولُ أَنَا رَأَيْتُهُ بِعَيْنِي وَ أَحَطْتُ بِهِ عِلْماً وَ هُوَ عَلَى صُورَةِ الْبَشَرِ أَ مَا تَسْتَحُونَ? مَا قَدَرَتِ الزَّنَادِقَة ُ أَنْ تَرْمِيَهُ بِهَذَا أَنْ يَكُونَ يَأْتِي مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِشَيْ‏ءٍ ثُمَّ يَأْتِي بِخِلَافِهِ مِنْ وَجْهٍ ٍآخَرَ قَالَ أَبُو قُرَّةَ فَإِنَّهُ يَقُولُ- ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى[١٣٣] فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ ع إِنَّ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا رَأَى حَيْثُ قَالَ ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى[١٣٤] يَقُولُ مَا كَذَبَ فُؤَادُ مُحَمَّدٍ مَا رَأَتْ عَيْنَاهُ ثُمَّ أَخْبَرَ بِمَا رَأَى فَقَالَ ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى[١٣٥] فَآيَاتُ اللَّهِ غَيْرُ اللَّهِ وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا[١٣٦] فَإِذَا رَأَتْهُ الْأَبْصَارُ فَقَدْ أَحَاطَتْ بِهِ الْعِلْمَ وَ وَقَعَتِ الْمَعْرِفَةُ فَقَالَ أَبُو قُرَّةَ فَتُكَذِّبُ بِالرِّوَايَاتِ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ ع إِذَا كَانَتِ الرِّوَايَاتُ مُخَالِفَةً لِلْقُرْآنِ كَذَّبْتُهَا وَ مَا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ أَنَّهُ ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا[١٣٧] وَ ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ[١٣٨] وَ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ[١٣٩]}

قلت: هذا هو فصل الخطاب ومفصل الصواب، وإنه للحد الفاصل بين الحق والباطل، لا يرد على سمع ذي لب فيصدر الا عن إذعان، ذلك فضل الله يؤتيه عترة نبيه وأعدال كتابه، والله ذو الفضل العظيم»[١٤٠].

  1. ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ[١٤١] ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ[١٤٢]قال السيد شرف الدين: هاتان آيتان متصلتان - كما أوردناهما والحجة على ما نحن فيه من امتناع الرؤية انما هي الآية الثانية، وإنما أوردنا الأولى لأن لها دخلا في بيان الوجه في الاحتجاج بوضوح، وذلك أن أولاهما نصت على عقوبة متخذي العجل بقتل أنفسهم، ونصت الثانية على عقوبة الطالبين رؤية الله جهرة بالصاعقة تأخذهم وهم ينظرون.وهذا بمجرد يوجب القطع بتساوي الجرمين في الكفر لتساويهما في العقوبة من الله تعالى الملك الحق العدل المبين، وليس شئ أدل من هذا على امتناع الرؤية، ووجوب الانكار على القائلين بها، بل وجوب كفرهم إذا أصروا عليها عناداً بعد أن تتم عليهم الحجة بامتناعها كما تمت على أصحاب الصاعقة من قوم موسى فإنه عليه الصلاة والسلام حين سألوه الرؤية أخبرهم بامتناعها فألحوا عليه ولجوا في طغيانهم، فعرفهم أن رؤية الله تستلزم تحيزه وتكيفه، والإشارة اليه، والله تعالى منزه عن ذلك، وأوضح لهم أن من استجاز الرؤية على الله عز وجل فقد جهله وجعله من جملة الأجسام أو الاعراض، فعتوا وأصروا على طلبها عناداً فكانوا بذلك كعبدة العجل، فأخذتهم الصاعقة بأمر الله كما أخذ القتل أولئك بأمره تعالى لتساوي الجرمين.هذا ما استفدته من الآيتين في توجيه الاستدلال على امتناع الرؤية [١٤٣]
  2. ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ[١٤٤]يقول السيد شرف الدين: وحسبنا من التعليق على هذه الآية الكريمة ما أخرجه الشيخ الصدوق أبو جعفر محمد بن علي بن الحسن بن بابويه القمي في باب ما جاء في الرؤية من كتاب التوحيد بسنده إلى علي بن محمد بن الجهم، قال: «حَضَرْتُ مَجْلِسَ الْمَأْمُونِ وَ عِنْدَهُ الرِّضَا عَلِيُّ بْنُ مُوسَى(ع)فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَ لَيْسَ مِنْ قَوْلِكَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ? قَالَ: بَلَى. فسأله عن آيات من القرآن.فكان مما سأله أن قال له: فَمَا مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‌ ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ[١٤٥]قال: كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ(ع)لَا يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الرُّؤْيَةُ حَتَّى يَسْأَلَهُ هَذَا السُّؤَالَ ؟فَقَالَ الرِّضَا(ع)إِنَّ كَلِيمَ اللَّهِ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ(ع)عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعَزُّ أَنْ يُرَى بِالْأَبْصَارِ وَ لَكِنَّهُ لَمَّا كَلَّمَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ قَرَّبَهُ نَجِيّاً رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ كَلَّمَهُ وَ قَرَّبَهُ وَ نَاجَاهُ فَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ‌ حَتَّى نَسْتَمِعَ كَلَامَهُ كَمَا سَمِعْتَ وَ كَانَ الْقَوْمُ سَبْعَمِائَةِ أَلْفِ رَجُلٍ فَاخْتَارَ مِنْهُمْ سَبْعِينَ أَلْفاً ثُمَّ اخْتَارَ مِنْهُمْ سَبْعَةَ آلَافٍ ثُمَّ اخْتَارَ مِنْهُمْ سَبْعَمِائَةٍ ثُمَّ اخْتَارَ مِنْهُمْ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِ رَبِّهِمْ فَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى طُورِ سَيْنَاءَفَأَقَامَهُمْ فِي سَفْحِ الْجَبَلِ وَ صَعِدَ مُوسَى إِلَى الطُّورِ وَ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُكَلِّمَهُ وَ يُسْمِعَهُمْ كَلَامَهُ فَكَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَ سَمِعُوا كَلَامَهُ مِنْ فَوْقُ وَ أَسْفَلُ وَ يَمِينُ وَ شِمَالُ وَ وَرَاءُ وَ أَمَامُ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَحْدَثَهُ فِي الشَّجَرَةِ وَ جَعَلَهُ مُنْبَعِثاً مِنْهَا حَتَّى سَمِعُوهُ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ فَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ‌ بِأَنَّ هَذَا الَّذِي سَمِعْنَاهُ كَلَامُ اللَّهِ‌ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَلَمَّا قَالُوا هَذَا الْقَوْلَ الْعَظِيمَ وَ اسْتَكْبَرُوا وَ عَتَوْا بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَيْهِمْ صَاعِقَةً فَأَخَذَتْهُمْ بِظُلْمِهِمْ فَمَاتُوا فَقَالَ مُوسَى يَا رَبِّ مَا أَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِذَا رَجَعْتُ إِلَيْهِمْ وَ قَالُوا إِنَّكَ ذَهَبْتَ بِهِمْ فَقَتَلْتَهُمْ لِأَنَّكَ لَمْ تَكُنْ صَادِقاً فِيمَا ادَّعَيْتَ مِنْ مُنَاجَاةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ إِيَّاكَ فَأَحْيَاهُمُ اللَّهُ وَ بَعَثَهُمْ مَعَهُ فَقَالُوا إِنَّكَ لَوْ سَأَلْتَ اللَّهَ أَنْ يُرِيَكَ نَنْظُرُ إِلَيْهِ لَأَجَابَكَ وَ كُنْتَ تُخْبِرُنَا كَيْفَ هُوَ فَنَعْرِفُهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ فَقَالَ مُوسَى‌ يَا قَوْمِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُرَى بِالْأَبْصَارِ وَ لَا كَيْفِيَّةَ لَهُ وَ إِنَّمَا يُعْرَفُ بِآيَاتِهِ وَ يُعْلَمُ بِأَعْلَامِهِ فَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ‌ حَتَّى تَسْأَلَهُ فَقَالَ مُوسَى يَا رَبِّ إِنَّكَ قَدْ سَمِعْتَ مَقَالَةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَ أَنْتَ أَعْلَمُ بِصَلَاحِهِمْ فَأَوْحَى اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ يَا مُوسَى سَلْنِي مَا سَأَلُوكَ فَلَنْ أُؤَاخِذَكَ بِجَهْلِهِمْ فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ مُوسَى(ع)﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ[١٤٦] قالَ لَنْ تَرانِي وَ لكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ‌ وَ هُوَ يَهْوِي‌ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ‌ بِآيَةٍ مِنْ آيَاتِهِ‌ جَعَلَهُ دَكًّا وَ خَرَّ مُوسى‌ صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ‌ يَقُولُ رَجَعْتُ إِلَى مَعْرِفَتِي بِكَ عَنْ جَهْلِ قُومِي‌ وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ‌ مِنْهُمْ بِأَنَّكَ لَا تُرَى فَقَالَ الْمَأْمُونُ لِلَّهِ دَرُّكَ يَا أَبَا الْحَسَنِ» [١٤٧]

من أحاديث أهل البيت

احتج بها أصحابنا الإمامية خاصة، لتمسكهم بأهل البيت (ع) أخذا بقول رسول الله (ص): «إنّي تارِكٌ فيكم ما إن تَمسّكتُم به لن تَضِلّوا بَعدِي أحدُهما أَعظَمُ من الآخَر، كتابُ اللَّهِ حَبلٌ مَمدودٌ من السّماء إلى الأرضِ، وعِترَتي أهلَ بَيتِي ولَن يَفتَرقا حتّى يَرِدا عليَّ الحَوضَ فانظُروا كيفَ تَخلُفوني فيهما».وقد عرف عن أهل البيت أنهم قاوموا فكرة التجسيم وشبهاتها، مقاومة شديدة لاهوادة فيها ولا مهادنة.[١٤٨] ويكفينا أن أنقل منها هنا بعض ما روي عن أمير المؤمنين (ع) في نهج البلاغة:

١.«إِلَّا أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ حَيٌّ قَيُّومُ لَا تَأْخُذُكَ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ‏ لَمْ يَنْتَهِ إِلَيْكَ نَظَرٌ وَ لَمْ يُدْرِكْكَ بَصَرٌ أَدْرَكْتَ الْأَبْصَارَ وَ أَحْصَيْتَ الْأَعْمَالَ وَ أَخَذْتَ بِالنَّوَاصِي وَ الْأَقْدَام‏» [١٤٩]

٢.«لَا تُدْرِكُهُ الْعُيُونُ بِمُشَاهَدَةِ الْعِيَان»[١٥٠]

٣.«الْحَمْدُ لِلَّهِ الْكَائِنِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ كُرْسِيٌّ أَوْ عَرْشٌ أَوْ سَمَاءٌ أَوْ أَرْضٌ أَوْ جَانٌّ أَوْ إِنْسٌ لَا يُدْرَكُ بِوَهْمٍ وَ لَا يُقَدَّرُ بِفَهْمٍ وَ لَا يَشْغَلُهُ سَائِلٌ وَ لَا يَنْقُصُهُ نَائِلٌ وَ لَا يَنْظُرُ بِعَيْن»[١٥١]

٤ .«الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا تُدْرِكُهُ الشَّوَاهِدُ وَ لَا تَحْوِيهِ الْمَشَاهِدُ وَ لَا تَرَاهُ النَّوَاظِر»[١٥٢]

٥.«لَا يُشْمَلُ بِحَدٍّ وَ لَا يُحْسَبُ بِعَدٍّ وَ إِنَّمَا تَحُدُّ الْأَدَوَاتُ أَنْفُسَهَا وَ تُشِيرُ الْآلَاتُ إِلَى نَظَائِرِهَا مَنَعَتْهَا مُنْذُ الْقِدْمَةَ وَ حَمَتْهَا قَدُ الْأَزَلِيَّةَ وَ جَنَّبَتْهَا لَوْلَا التَّكْمِلَةَ بِهَا تَجَلَّى صَانِعُهَا لِلْعُقُولِ وَ بِهَا امْتَنَعَ عَنْ نَظَرِ الْعُيُون‏» [١٥٣]

«لَا تَنَالُهُ الْأَوْهَامُ فَتُقَدِّرَهُ وَ لَا تَتَوَهَّمُهُ الْفِطَنُ فَتُصَوِّرَهُ وَ لَا تُدْرِكُهُ الْحَوَاسُّ فَتُحِسَّه‏»[١٥٤]

حقيقة الرؤية وكيفيتها عندهم

الرؤية عندهم هي الرؤية الطبيعية المعروفة، وكيفيتها هي الكيفية الطبيعية المعروفة أيضاً.وتتحقق عن طريق (العين) التي هي عضو البصر وحاسته. ويتم الابصار بها عندما يدخل الضوء العين من طريق البؤبؤ، فتركزه العدسة في بؤرة بحيث تتشكل صورة تقع على الشبكية، فينقلها العصب البصري مقلوبة رأساً على عقب إلى الدماغ حيث تعكس بطريقة لا يزال العلماء عاجزين عن فهمها/// ومدركات القوة الباصرة هي الأضواء والألوان والاشكال.وذكرت لتحقق الرؤية والابصار شروط هي:

  1. المقابلة بين الرائي والمرئي.
  2. المسافة الكافية بينهما قربا وبعدا.
  3. ان يكون حجم المرئي بالقدر الذي يمكن أن يقع عليه الابصار، بمعنى أن لا يبلغ غاية الصغر واللطف أو أن يكون مجردا.
  4. أن يكون الجسم المرئي كثيفا.
  5. أن يكون الجسم المرئي مضيئا أو مضاءا.

المناقشات

ناقش كل من الطرفين المثبت والنافي طرفه الآخر، ولأن في جزء منها شيئاً من الموضوعية والاصطباغ بالطابع العلمي، رأيت أن اذكر بعضها.والمناقشات هذه وأمثالها تأتي في الغالب تطبيقاً للمنهج المتبع لدى كل فريق من فريقي النقاش.وربما جاءت هجوماً أو دفاعاً لا لإثبات المدعي أو نفيه، وانما جدلاً لأجل الجدل، وإثارة التشكيك في مسلمات ونتائج الطرف المقابل.وأهم ما دار فيه وحوله النقاش في مسألتنا هذه، هو ماهية الرؤية وكيفيتها، ودلالة كل من الآيتين الكريمتين ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ[١٥٥] التي كانت عمدة أدلة النفاة، و﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ[١٥٦] التي هي عمدة أدلة المثبتين.واليك طرفاً منها:

  1. ناقش أبو الحسن الأشعري حمل النافين آية ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ[١٥٧] على أن ﴿لَا تُدْرِكُهُ[١٥٨] مطلقة بمعنى أن الأبصار لا تدركه في الدنيا وفي الآخرة، وعلى أن كلمة ﴿الْأَبْصَارُ[١٥٩] فيها عامة لأنها جمع محلى بأل، فتشمل أبصار جميع مخلوقاته من غير استثناء.فقال: فان قال قائل: فما معنى قوله ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ[١٦٠]؟.قيل له: يحتمل أن يكون: لا تدركه في الدنيا، وتدركه في الآخرة، لأن رؤية الله تعالى أفضل اللذات، وأفضل اللذات يكون في أفضل الدارين.ويحتمل أن يكون الله عز وجل أراد بقوله ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ[١٦١] يعني لا تدركه أبصار الكافرين المكذبين، وذلك أن كتاب الله يصدق بعضه بعضاً، فلما قال في آية ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ[١٦٢] ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ[١٦٣]، وقال في آية أخرى ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ[١٦٤] علمنا أنه إنما أراد أبصار الكفار لا تدركه [١٦٥].

والذي يمكن أن يلاحظ عليه هو: ان ظهور ﴿لَا تُدْرِكُهُ[١٦٦] في الاطلاق واضح.وكذلك ظهور كلمة ﴿الْأَبْصَارُ[١٦٧] في العموم. ولكن الأشعري طرح الاحتمالين اللذين ذكرهما ليثر غبار الشك أمام الاستدلال بالآية على نفي الرؤية من باب إذا تطرق الاحتمال بطل الاستدلال.والذي حدا به إلى ذلك هو قرينة النقل (الأحاديث الظاهرة في الدلالة على وقوع الرؤية يوم القيامة). ولأنه فسر آية ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ[١٦٨] في هدي تلك الأحاديث بالرؤية.فأراد أن يرفع التعارض بين الآية الأولى النافية والآية الثانية المثبتة فكان منه أن طرح هذين الاحتمالين.والشئ الطبيعي والذي ينبغي أن يتبع منهجياً في المناقشة: هو أن يناقش من يريد مناقشة دلالة الآية على نفي الرؤية في:

  1. ظهور ﴿تُدْرِكُهُ[١٦٩] في الاطلاق، وظهور ﴿الْأَبْصَارُ[١٧٠] في العموم، بابطال الدليل العقلي المؤيد لهما والمؤكد عليهما.
  2. لا يرفع اليد عن الاطلاق والعموم بالاحتمال، لأنه ما من ظهور الا وفي مقابله احتمال، والا كان نصا لا ظاهرا، وانما ترفع اليد عن الظهور بظهور أقوى منه، أي أظهر منه.وكلا الأمرين لم يكونا منه (أعني الأشعري).

٢ - وناقش القاضي المعتزلي الاستدلال بآية ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ[١٧١] على إثبات الرؤية بقوله: فان قال: فقد قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ[١٧٢] ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ[١٧٣] ففي هذا اثبات الرؤية. قيل له: لم يقل ناظرة بالبصر.وقد يكون الناظر ناظرا على وجوه: بان يكون مفكرا.ومنتظرا للرحمة.وطالبا للرؤية.فهو محتمل إذا، ولا يترك به ما لا يحتمل.وتأويله: منتظرة لرحمة ربها، وناظرة إلى ثوابه ونعيمه في الجنة، على ما روي عن أمير المؤمنين (ع) وابن عباس وغيرهما من الصحابة والتابعين .[١٧٤]. [١٧٥]

المراجع والمصادر

  1. عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الكلام

الهوامش

  1. سورة ص، الآية ٧٥.
  2. سورة الزمر، الآية ٦٧.
  3. سورة الفجر، الآية ٢٢.
  4. سورة النساء، الآية ١٦٤.
  5. سورة الحج، الآية ٦١.
  6. سورة القصص، الآية ٨٨.
  7. سورة طه، الآية ٥.
  8. سورة فاطر، الآية ١٠.
  9. بحار الأنوار ١١: ١١١
  10. صحيح مسلم ٤: ٢١٨٧
  11. مسند أحمد ١٣: ٣٥
  12. حلية الأولياء وطبقات الأصفياء٨: ٢٦٣
  13. سنن الترمذي ٥: ٢٢١
  14. سورة آل عمران، الآية ٧.
  15. سورة آل عمران، الآية ٧.
  16. الملل والنحل، ج ١، ص ١٠٣ - ١٠٤
  17. سورة الأعراف، الآية ٥٤.
  18. الميزان ج ٨، ص ١٥٣
  19. الاتقان، ج ٢، ص ٣٦
  20. الاتقان، ج ٢، ص ٣٦
  21. المزهر، ج ١، ص ٣٦٤
  22. سورة آل عمران، الآية ٧.
  23. سورة طه، الآية ٥.
  24. سورة الشورى، الآية ١١.
  25. الميزان، ج ٣، ص ٢١
  26. التوحيد، ص ٨٠ - ٨١
  27. سورة طه، الآية ٥.
  28. سورة الأنعام، الآية ٣.
  29. سورة فاطر، الآية ١٠.
  30. سورة ص، الآية ٧٥.
  31. سورة الشورى، الآية ١١.
  32. سورة الرعد، الآية ٢.
  33. سورة التوبة، الآية ١٢٩.
  34. سورة الملك، الآية ١٦.
  35. سورة الملك، الآية ١٦.
  36. سورة الأنعام، الآية ٣.
  37. سورة الأنعام، الآية ٣.
  38. سورة فاطر، الآية ١٠.
  39. سورة آل عمران، الآية ١٨٢.
  40. سورة الأعراف، الآية ٥٧.
  41. سورة الزمر، الآية ٥٦.
  42. سورة القلم، الآية ٤٢.
  43. سورة الرحمن، الآية ٢٧.
  44. سورة القصص، الآية ٨٨.
  45. سورة المطففين، الآية ١٥.
  46. سورة الفجر، الآية ٢٢.
  47. سورة المائدة، الآية ٦٤.
  48. سورة الإسراء، الآية ٢٩.
  49. سورة القمر، الآية ١٤.
  50. المختصر في أصول الدين، ص ٣٣٢ - ٣٣٥
  51. سورة البقرة، الآية ٢٩.
  52. سورة البقرة، الآية ٢٩.
  53. سورة هود، الآية ٧.
  54. سورة فصلت، الآية ١١.
  55. سورة الحديد، الآية ٤.
  56. قواعد العقائد ص ١٦٧ - ١٦٨
  57. عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الكلام، ص232
  58. الطبقات السنية، ج ١، ص ١٥٧
  59. الملل والنحل، ج ١، ص ٢١٢
  60. الملل والنحل، ج ١، ص ٢١٩
  61. تحف العقول ص ١٧٥
  62. عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الكلام، ص٢٣٤
  63. النافع يوم الحشر: ٣٦
  64. النافع يوم الحشر ٣٦
  65. عوارف المعارف، ص ٣٥٩
  66. عوارف المعارف، ص ٣٥٩
  67. النكت الاعتقادية، ص ٣٩٦
  68. النافع ليوم الحشر، ص ٣٦
  69. عوارف المعارف، ص ٣٦٢
  70. الملل والنحل، ص ١، ص ٢٢٦
  71. الموسوعة العربية الميسرة: مادة حلاج
  72. الموسوعة العربية الميسرة: مادة بسطامي
  73. الملل والنحل، ج ١، ص ٢٢٦
  74. سورة المائدة، الآية ١٧.
  75. عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الكلام، ص٢٤٢
  76. قواعد العقائد، ص ٤٥٠
  77. المعجم الفلسفي: مادة: حلول
  78. التحقيق التام، ص ٨٨
  79. الملل والنحل، ج ١، ص ٢٢٧
  80. عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الكلام، ص٢٤٥
  81. سورة القيامة، الآية ٢٢.
  82. سورة القيامة، الآية ٢٣.
  83. سورة القيامة، الآية ٢٢.
  84. سورة القيامة، الآية ٢٣.
  85. سورة الغاشية، الآية ١٧.
  86. سورة يس، الآية ٤٩.
  87. سورة القيامة، الآية ٢٣.
  88. الإبانة، ص ١٢ - ١٣
  89. سورة الأعراف، الآية ١٤٣.
  90. الإبانة، ص ١٤
  91. سورة يونس، الآية ٢٦.
  92. الإبانة، ص ١٤
  93. سورة ق، الآية ٣٥.
  94. الإبانة، ص ١٤
  95. سورة الأحزاب، الآية ٤٤.
  96. الإبانة، ص ١٤
  97. ضوء الساري، ص ٧٣
  98. سورة المطففين، الآية ١٥.
  99. الإبانة، ص ١٤
  100. ضوء الساري، ص ٦٨
  101. عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الكلام، ص٢٥٠
  102. الإبانة، ص ١٤
  103. سورة يونس، الآية ٢٦.
  104. ضوء الساري، ص ٨٠ - ٨١
  105. ضوء الساري، ص٨٣
  106. عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الكلام (كتاب)|خلاصة علم الكلام، ص٢٥١
  107. الإبانة، ص ١٦
  108. الإبانة، ص ١٦
  109. الإبانة، ص ١٧
  110. غاية المرام ١٦٦
  111. غاية المرام ١٦٦
  112. قواعد العقائد ١٧١
  113. غاية المرام ١٦٦
  114. وانظر: هامش رقم ٤ من قواعد العقائد للغزالي ص ١٧١
  115. عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الكلام، ص٢٥٣
  116. سورة الأنعام، الآية ١٠٣.
  117. المختصر في أصول الدين، ص ٣٣٧
  118. النافع يوم الحشر، ص ٣٩
  119. الكشاف: تفسير الآية المذكورة
  120. سورة الأنعام، الآية ١٠٣.
  121. سورة الأنعام، الآية ١٤.
  122. سورة المؤمنون، الآية ٨٨.
  123. سورة الأنعام، الآية ١٠٣.
  124. كلمة حول الرؤية ٢٩٨ - ٣٠٠
  125. سورة طه، الآية ١١٠.
  126. سورة الأنعام، الآية ١٠٣.
  127. سورة الأنعام، الآية ١٠٣.
  128. سورة طه، الآية ١١٠.
  129. سورة الشورى، الآية ١١.
  130. سورة الأنعام، الآية ١٠٣.
  131. سورة طه، الآية ١١٠.
  132. سورة الشورى، الآية ١١.
  133. سورة النجم، الآية ١٣.
  134. سورة النجم، الآية ١١.
  135. سورة النجم، الآية ١٨.
  136. سورة طه، الآية ١١٠.
  137. سورة طه، الآية ١١٠.
  138. سورة الأنعام، الآية ١٠٣.
  139. سورة الشورى، الآية ١١.
  140. كلمة حول الرؤية ٣٠٥ - ٣٠٧
  141. سورة البقرة، الآية ٥٤.
  142. سورة البقرة، الآية ٥٥.
  143. كلمة حول الرؤية ٣٠٥ - ٣٠٧
  144. سورة الأعراف، الآية ١٤٣.
  145. سورة الأعراف، الآية ١٤٣.
  146. سورة الأعراف، الآية ١٤٣.
  147. كلمة حول الرؤية ص ٣١١ - ٣١٣، والتوحيد(للصدوق): ص ١٢١ - ١٢٢.
  148. عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الكلام، ص٢٣٦
  149. خطبة ١٦٠
  150. خطبة ١٧٩
  151. خطبة ١٨٢
  152. خطبة ١٨٥
  153. خطبة ١٨٦
  154. خطبة ١٨٦
  155. سورة الأنعام، الآية ١٠٣.
  156. سورة القيامة، الآية ٢٣.
  157. سورة الأنعام، الآية ١٠٣.
  158. سورة الأنعام، الآية ١٠٣.
  159. سورة الأنعام، الآية ١٠٣.
  160. سورة الأنعام، الآية ١٠٣.
  161. سورة الأنعام، الآية ١٠٣.
  162. سورة القيامة، الآية ٢٢.
  163. سورة القيامة، الآية ٢٣.
  164. سورة الأنعام، الآية ١٠٣.
  165. الإبانة ص ١٥
  166. سورة الأنعام، الآية ١٠٣.
  167. سورة الأنعام، الآية ١٠٣.
  168. سورة القيامة، الآية ٢٣.
  169. سورة الأنعام، الآية ١٠٣.
  170. سورة الأنعام، الآية ١٠٣.
  171. سورة القيامة، الآية ٢٣.
  172. سورة القيامة، الآية ٢٢.
  173. سورة القيامة، الآية ٢٣.
  174. المختصر في أصول الدين ص ٣٣٧
  175. عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الكلام، ص٢٤٠