الإمام موسی الكاظم في التاريخ الإسلامي

من إمامةبيديا

تمهيد

اسمه «موسى» لقبه «كاظم»، أُمّه امرأة فاضلة تدعى «حميدة»، وأبوه الصادق الإمام السادس(ع)، ولد عام ١٢٨ من الهجرة في الأبواء ـ قرية على مقربة من المدينة ـ واستشهد في عام ١٨٣ أو ١٨٦هـ.[١]

الخلفاء المعاصرون للإمام

منذ ان استشهد الإمام الصادق عام ١٤٨هـ بدأ عهد إمامة الإمام الكاظم، وقد عاصر من الخلفاء:

  1. المنصور الدوانيقي (١٣٦ـ ١٥٨هـ).
  2. المهدي العباسي (١٥٨ـ ١٦٩هـ).
  3. الهادي العباسي(١٦٩ـ ١٧٠هـ).
  4. هارون الرشيد(١٧٠ـ ١٩٣هـ).

وعندما رحل الإمام الصادق(ع) كان المنصور الدوانيقي الخليفة العباسي المعروف والظالم في قمة قدرته وسيطرته.

والمنصور هو الذي قتل الكثير من الناس لتوطيد سلطانه، ولم يكتف في سبيل ذلك بإيذاء الشيعة والتضييق عليهم بل راح يضطهد حتى فقهاء السنة وشخصياتهم البارزة ممّن كانوا يخالفونه كما جلد أباحنيفة وسجنه لكونه أفتى بتأييد إبراهيم[٢] والخروج عليه.[٣]

واجه الإمام الكاظم بعد وفاة أبيه وهو في العشرين من عمره هذا الحاكم الظالم الذي كان يعد حاكم البلاد الإسلامية بلا منازع.

وعندما اطّلع المنصور من خلال عامله على المدينة محمد بن سليمان على رحيل الإمام كتب إليه: إذا كان جعفر بن محمد قد عيّن أحداً خليفة له، فاحضره واضرب عنقه.

ولم تمض فترة طويلة حتى جاء كتاب من عامله على المدينة إلى بغداد بهذا المضمون: إنّ جعفر بن محمد قد عيّن في وصيته خمسة أوصياء له، وهم:

  1. الخليفة المنصور الدوانيقي.
  2. محمد بن سليمان (عامل المدينة).
  3. عبد الله بن جعفر بن محمد (أخو الإمام الكاظم الأكبر).
  4. موسى بن جعفر(ع).
  5. حميدة زوجته.

وكان عامل المدينة قد سأل في آخر الرسالة عن الشخص الذي يجب قتله من بين هؤلاء، فصاح المنصور الذي لم يتوقع ذلك وغضب بشدة: لا يمكن قتل هؤلاء .

ومن المؤكد كانت وصية الإمام هذه حركة سياسية، لأنّه كان قد عين الإمام التالي من بعده وعرّفه ـ أي الإمام الكاظم ـ لخاصته من الشيعة والعلويين، غير انّه وبسبب علمه بمخططات المنصور المشؤومة والخطيرة أوصى بهذه الوصية حفاظاً على الإمام السابع.[٤]

حارس الجامعة الجعفرية وحاميها

إنّ دراسة الأوضاع والظروف تدلّ على أنّ القيام بأي عمل خطير وتخطيط يثير حساسية جهاز المنصور من البداية فليس من الصحيح فعله، ومن هنا واصل الإمام الكاظم سيرة أبيه العلمية وأسّس مدرسة ـ وإن لم تكن بضخامة الجامعة الجعفرية ـ وراح يربّي شخصيات علمية كبيرة.

وكتب السيد ابن طاووس: انّه كان جماعة من خاصة أبي الحسن موسى(ع) من أهل بيته وشيعته يحضرون مجلسه ومعهم في أكمامهم ألواح ابنوس لطاف وأميال فإذا نطق(ع) بكلمة وأفتى في نازلة أثبت القوم ما سمعوا منه فيها.[٥]

وكتب السيد أمير علي: قد توفّي الإمام جعفر الصادق(ع) عام ١٤٨ في المدينة غير انّ مدرسته ولحسن الحظ لم تنته بل حافظت على ازدهارها بقيادة خليفته وابنه موسى الكاظم(ع) .[٦]

ولم يلق موسى بن جعفر بظلّه من الناحية العلمية على جميع العلماء والشخصيات العلمية فقط، بل كان معروفاً لدى الخاصة والعامة بفضائله الأخلاقية وصفاته وخصاله الإنسانية البارزة، لدرجة انّ جميع العلماء الذين كان لهم اطّلاع على حياة الإمام المقرونة بالاعتزار كانوا يتواضعون أمام منزلته الأخلاقية العظيمة ومقامه الروحي.

وكتب ابن حجر الهيتمي: موسى الكاظم هو وارث أبيه علماً ومعرفة وكمالاً وفضلاً، سمّي الكاظم لكثرة تجاوزه وحلمه، وكان معروفاً عند أهل العراق بباب قضاء الحوائج عند الله، وكان أعبد أهل زمانه وأعلمهم وأسخاهم.[٧][٨]

صحيفة أعمال الخلافة السوداء في عصر الإمام الكاظم(ع)

المهدي العباسي

انتهى عصر خلافة المنصور الأسود الذي كان ظلّه المشؤوم يشكل عبأً على أرجاء العالم الإسلامي بموته، وتنفس الناس الصعداء بعد ٢٢ عاماً من تحمّل الاضطهاد والعناء، وتقلّد بعده الخلافة ابنه محمد المعروف بالمهدي، وقد تلقّى حكم المهدي ترحاباً كبيراً من قبل الناس في البداية حيث تظاهر لهم بحسن السيرة، ثمّ أمر بإخراج من في السجون من الطالبيين وغيرهم من سائر الناس، وبذلك أنهى عمليات القتل والتعذيب والإبادة التي كان يقوم بها الجهاز الحاكم بحقّ الناس، وأمر برد جميع الأموال المنقولة والغير منقولة التي صادرها أبوه المنصور إلى أصحابها، ووزّع الكثير من الأموال التي كانت في بيت المال بين الناس.[٩]

ووفقاً لما كتبه المسعودي المؤرخ الشهير فإنّ مجموع الأموال التي غصبها المنصور من الناس بالقوة قد ناهز الستمائة مليون درهم وأربعة عشر مليون دينار سوى ما جباه في أيامه من الضرائب والخراج من المزارعين [١٠]. ولأنّه كان يحتفظ بهذه الأموال باعتبارها أموال المظالم في موضع خاص يكتب اسم صاحب المال على ماله، حرّر المهدي جميعها وردّها إلى أصحابها أو ورثتها.[١١]

ولعل أحد أسباب موقف المهدي هذا هو انّه لمّا تقلّد الخلافة كانت الانتفاضات العلوية والحركات النهضوية المضادة للاستبداد قد قمعت على يد المنصور، وكان الهدوء والاستقرار متفشيّين نسبياً، وعلى أية حال استقطب الرفاه الاقتصادي والوضع الأمني المستقر رضا طبقات المجتمع جميعاً، وأوجب أن يجري دم طازج في عروق الحياة الاجتماعية والاقتصادية للناس.

ومن المؤكد انّه لو كان هذا الوضع يستمر ويدوم لكان يترك آثاراً ونتائج رائعة، غير انّه وللأسف انّ هذه السيرة قد تبدّلت وكشف الخليفة الجديد عن حقيقته وراحت السياسة اللا إسلامية تبدأ من جديد.

مركز الفساد والمجون

كان المهدي في أوّل أمره يحتجب عن الندماء تشبيهاً بالمنصور، ولم يستغرق ذلك سنة واحدة حتى غيّر سيرته وراح يحيي مجالس اللهو والمجون، واستجمع ندماءه وقرّبهم وقد أشير عليه أن يحتجب عنهم وحذّروه من مغبة ذلك فقال: إنّما اللذة مع مشاهدتهم.[١٢]

وقد أفرط المهدي في ممارسة ذلك كثيراً لدرجة انّه لم يأخذ بنصائح وزيره الفاضل والحكيم يعقوب بن داوود على الرغم من أنّه فوض الأمور إليه كلّها وكان يأخذ برأيه في جميع القضايا التي تخص أمر السلطة وكان يعرض عن سماع كلماته المنطقية التي كان يقولها عن حسن نية، وقد كان يعقوب يعاني الكثير من مشاهدة الانحراف والفساد واللهو ومظاهر التحلل التي كانت متفشية في بلاط الخلافة، وعندما كان يشاهد أصحاب المهدي يشربون عنده النبيذ في قصر الخلافة ينهى المهدي عن ذلك ويعظه ويقول: ألهذا استوزرتني؟ أبعد الصلوات في المسجد تفعل هذا؟

غير انّ أصحاب المهدي الذين اعتادوا على أن يلهوا ويلعبوا ويعبثوا بأموال المسلمين ليلاً ونهاراً كانوا يستهزئون بكلام يعقوب ويشجّعون المهدي على معاقرة الخمرة ويقولون له شعراً:

فدع عنك يعقوب بن داوود جانباًوأقبل على صهباء طيبة النشر[١٣]


وشاع اللهو في عهد المهدي وانتشر المجون وسادت الميوعة والتحلّل في المجتمع الإسلامي، فقد ذاع شعر بشار وحفظ الناس تغزّله بالنساء، وقد ضجّ الأشراف والغيارى من ذلك.[١٤]

وانشغل المهدي بلهوه وملذّاته عن رعيته، فأهمل شؤونها، فأخذ ذئاب عماله ينهبون الأموال ويسلبون الثروات، وانتشرت الرشوة انتشاراً هائلاً عند جميع الموظفين، وأمر المهدي بجباية أسواق بغداد للمرة الأولى[١٥]، وشدّد في أخذ الخراج، وعمد إلى ظلم الناس والإجحاف بحقهم، واشتد الضغط على المواطنين، ونال أهل الخراج والمزارعون من الشدة والعذاب مالا يمكن تصوره.[١٦][١٧]

المبالغة في التضييق على العلويين

كان سلوك المهدي يختلف عن سلوك أبيه المنصور من عدّة جهات، ولكنّهما كانا يتشابهان من جهة واحدة وهي التضييق على العلويين والمبالغة في ذلك، وقد ورث المهدي من أبيه العداء الشديد للعلويّين، وكان لا يألو جهداً في مضايقتهم، وكانت قمعيته تتجاوز قمعية المنصور أحياناً، وكان على استعداد دائم لقمع أي حركة تظهر من جانبهم، لأنّه كان يرى في أولاد علي خطراً على سلطانه، وحارب التشيّع والقادة العلويين بشكل كبير.

وكتب المؤرّخون انّ القاسم بن مجاشع التميمي بعث عند احتضاره بوصيته إلى المهدي ليشهد فيها، ولما قرأ بعد الإقرار بوحدانية الله ونبوة نبي الإسلام(ص) الفقرات التي يقول فيها انّ علي بن أبي طالب(ع) وصي رسول الله ووارث الإمامة بعده، رماها من يده ولم ينظر في باقيها.[١٨].[١٩]

تحريم الخمر في القرآن

المثال الآخر لعداء المهدي للشيعة والتشيع هو الحوار الذي دار بينه وبين الإمام موسى الكاظم في المدينة.

وفي سنة من السنين قدم المهدي المدينة وبعد زيارة قبر النبي التقى بالإمام الكاظم وأراد أن يختبر علم الإمام ومعرفته، فتناول موضوع حرمة الخمر في القرآن وسأل: «هَلْ هِيَ مُحَرَّمَةٌ فِي كِتَابِ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ، فَإِنَّ اَلنَّاسَ إِنَّمَا يَعْرِفُونَ اَلنَّهْيَ عَنْهَا، وَ لاَ يَعْرِفُونَ اَلتَّحْرِيمَ لَهَا؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو اَلْحَسَنِ (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ) : «بَلْ هِيَ مُحَرَّمَةٌ فِي كِتَابِ اَللَّهِ » . فَقَالَ: فِي أَيِّ مَوْضِعٍ [هِيَ] مُحَرَّمَةٌ فِي كِتَابِ اَللَّهِ جَلَّ اِسْمُهُ، يَا أَبَا اَلْحَسَنِ ؟ فَقَالَ: «قَوْلُ اَللَّهِ جَلَّ وَ عَزَّ: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ[٢٠] . فَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا[٢١] يَعْنِي اَلزِّنَا اَلْمُعْلَنَ، وَ نَصْبَ اَلرَّايَاتِ اَلَّتِي كَانَتْ تُعْرَفُ بِهَا اَلْفَوَاحِشُ فِي اَلْجَاهِلِيَّةِ . وَ أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا بَطَنَ[٢٢] يَعْنِي مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ ؛ لِأَنَّ اَلنَّاسَ كَانُوا قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ اَلنَّبِيُّ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ زَوْجَةٌ وَ مَاتَ عَنْهَا، تَزَوَّجَ بِهَا اِبْنُهُ مِنْ بَعْدِهِ، إِذَا لَمْ تَكُنْ أُمَّهُ، فَحَرَّمَ اَللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ ذَلِكَ. وَ أَمَّا ﴿الْإِثْمِ[٢٣]: فَإِنَّهَا اَلْخَمْرَةُ بِعَيْنِهَا، وَ قَدْ قَالَ اَللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ[٢٤] فَأَمَّا ﴿الْإِثْمِ[٢٥] فِي كِتَابِ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَهِيَ اَلْخَمْرَةُ وَ ﴿الْمَيْسِرِ[٢٦] وَ إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ، كَمَا قَالَ اَللَّهُ تَعَالَى». فَقَالَ اَلْمَهْدِيُّ : يَا عَلِيَّ بْنَ يَقْطِينٍ، هَذِهِ وَ اَللَّهِ فَتْوَى هَاشِمِيَّةٌ. قَالَ: قُلْتُ لَهُ: صَدَقْتَ - وَ اَللَّهِ - يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ، اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي لَمْ يُخْرِجْ هَذَا اَلْعِلْمَ مِنْكُمْ أَهْلَ اَلْبَيْتِ. قَالَ: فَوَ اَللَّهِ، مَا صَبَرَ اَلْمَهْدِيُّ أَنْ قَالَ لِي: صَدَقْتَ، يَا رَافِضِيُّ .»[٢٧].[٢٨]

الهادي العباسي

كان عام ١٦٩ من الهجرة عاماً يعج بالأزمات والظلام والاضطراب والأحزان، لأنّه قد تقلّد فيه الهادي ابن المهدي منصب الخلافة، وهو ذلك الشاب الخليع الماجن الطائش، وكان حكمه مصدراً لأحداث مريرة دفع المجتمع الإسلامي ثمنها باهظاً، وبالطبع ليس جلوس الهادي على كرسي أبيه بالأمر الجديد،لأنه قد صار الحكم الإسلامي على يد الخلفاء الظالمين نظاماً وراثياً منذ فترة طويلة، وكان ينتقل من شخص إلى آخر بين الأسرة العباسية، وأصبح انتقاله بهذه الطريقة ـ وهو ما كان يقارنه صمت الناس الإجباري والمرير ـ أمراً عادياً.

إنّ هذا الأمر الجديد جعل مصير المسلمين في يد شاب غير ناضج فاقد للمؤهّلات وخليع ماجن كالهادي حيث قد تقلّد الخلافة ولمايبلغ الخامسة والعشرين.[٢٩] ولم يكن متمتعاً بالمؤهّلات الأخلاقية لتولّي منصب الخلافة الهام واستلام قيادة المجتمع الإسلامي وقد كان شاباً يتناول المسكر طائشاً خليعاً، وراح يمارس أعماله تلك حتى بعد تقلّد الخلافة ودون مرعاة لحرمتها. [٣٠] وكان مع ذلك قاسي القلب، سيء الأخلاق، صعب المرام.[٣١]

تربّى الهادي في بيئة البلاط العباسي الملوثة، ورضع من ثدي هذا النظام المستبد والظالم الغاصب، وبهذه التربية التي تربّى بها الهادي لو لم يصبح خليفة لكان من أُولئك الشباب المتغطرسين الطائشين الذين لا هدف لهم غير اتّباع الملذات والشهوات.

المجالس الشائنة

فقد كان في عهد خلافة أبيه يدعو هو وأخوه هارون مجموعة من المغنين إلى مجلسهم الارستقراطي الذي كان يقام بأموال بيت المال، ويلهون ويسكرون ويطربون، وقد أفرط في ذلك وبالغ لدرجة انّه أثار غضب أبيه المهدي: فعاقب ندماءه ومغنّيه الذين كان يحبهم[٣٢]، كما منع يوماً إبراهيم الموصلي، المغني الشهير آنذاك من المشاركة في مجلسه، ولكن الهادي كان يواصل ذلك، فسجن المهدي إبراهيم لهذا السبب.[٣٣]

وراح الهادي الذي كان يواجه معارضة أبيه أحياناً بسبب سلوكه الشائن في عهده يمارس مجونه ولهوه بعد تقلّد الخلافة ويصرف أموال المسلمين العامة في مجالسه الليلية الملوثة.

ويروي المؤرّخون انّه كان يدعو إبراهيم الموصلي إلى قصر الخلافة ويستمع إلى غنائه ساعات طويلة، وقد بلغت درجة شغفه به ان أهدى له أموالاً طائلة، وقد بلغ المال الذي حصل عليه إبراهيم من الخليفة يوماً مائة وخمسين ألف دينار.

وكان ابن إبراهيم يقول: لو عاش لنا الهادي لبنينا حيطان دورنا بالذهب والفضة.[٣٤]

وقد غنّى إبراهيم الموصلي يوماً له بأغنيات أطربته بشدة، فطلب منه أن يغنّيها مرة أُخرى، وأمر في نهاية المجلس أحد خدمه بأن يقود إبراهيم إلى خزينة بيت المال ليأخذ ما يشاء منها (من أموال المسلمين)، بل لو أراد أن يأخذ كلّ ما فيها فلا يمنعه من ذلك! وقال إبراهيم: دخلت خزانة بيت المال وأخذت ثلاثين ألف دينار فقط![٣٥]

وكان من الواضح من سيرته هذه انّه غير قادر على تحمّل مسؤولية قيادة المجتمع الإسلامي، ولهذا السبب ساد الاضطراب في البلاد الإسلامية التي كانت مستقرة في البداية والأقطار راضخة للحكم المركزي، وتسبّب سلوكه الشائن وسيرته وأعماله القبيحة في ذلك أكثر، وراحت تظهر موجة غضب عارمة في جميع الأرجاء.

ومن المؤكد هناك أسباب عديدة تسببت في حدوث هذه الأوضاع غير انّ السبب الذي أثار غضب الناس أكثر من أي شيء آخر هو التضييق على بني هاشم والعلويين.

فقد ضغط على العلويين وبني هاشم وضيّق عليهم منذ بداية خلافته، ومنعهم حقوقهم التي كانوا يتقاضونها من بيت المال منذ عهد المهدي، وأحدث الرعب والخوف بينهم من خلال مطاردته المستمرة لهم، وأمر باعتقالهم في جميع الإرجاء وبإحضارهم إلى بغداد.[٣٦].[٣٧]

مأساة فخ الدامية

أثارت هذه المضايقات الأحرار والشجعان من رجال بني هاشم ودفعتهم إلى مواجهة الاضطهاد والقمع المستمر الذي يقوم به الحكم العباسي، وراحت تنمو بذرة حركة مناهضة للحكم العباسي بقيادة واحد من أحفاد الإمام الحسن المجتبى يسمّى الحسين صاحب فخ.[٣٨]

ولم يكن قد آن أوان تشكيل هذه الحركة، ولم يأت موعد ظهورها الذي هو موسم الحج، غير انّ مضايقات عامل المدينة الشديدة آنذاك تسبّبت في أن تندلع نارها بشكل أسرع، وكان عامل المدينة الذي هو من المعادين لأهل بيت النبوة يعامل ـ ليكون قد خدم جهاز الخلافة بشكل جيد ولعله لإثبات جدارته ـ سادات الهاشميين وشخصياتهم المرموقة معاملة قاسية كلّ يوم بذريعة ما، ومن ذلك إجبارهم على تسجيل حضورهم في قصر الأمارة كلّ يوم، ولم يقتصر على ذلك فقط بل راح يجعل بعضهم يضمن حضور الآخر، ويعاقب ويسجن البعض بسبب عدم حضور الآخر.[٣٩]

وقد عاقب يوماً حسيناً صاحب فخ و يحيى بن عبد الله بسبب عدم حضور أحد سادات بني هاشم بشدة واعتقلهم كرهائن عنده، وأصبح ذلك كشرر أصاب مخزناً للبارود، فتسبب في انفجار غضب الهاشميين وثورتهم، وسرّع في ظهور حركتهم، واندلعت نار الحرب في المدينة.[٤٠]

من هو شهيد فخ؟

وكما أشرنا قاد هذه الانتفاضة الحسين بن علي المعروف بشهيد فخ حفيد الإمام الحسن، وكان من رجال بني هاشم وسادتهم وفضلائهم، وكان شهماً كريماً، وقد اجتمعت فيه جميع الصفات الحميدة من العلم والصلاح والزهد في الدنيا والسخاء والصفات الإنسانية الراقية. [٤١]

فقد ترعرع في ظل أبوين صالحين يتمتعان بكلّ الصفات الكريمة والإنسانية العالية وكان يقال لهما الزوج الصالح لعبادتهما. واستشهد أبوه وخاله وجدّه وعمه من ناحية أُمّه وبعض آخر من أقاربه على يد المنصور الدوانيقي، وعاشت أُسرته الكبيرة التي ضحت بعدة رجال في سبيل مقارعة أعداء الإسلام وقتالهم في ظل الآلام والأحزان[٤٢] فانطوت نفسه على حزن وأسى عميق، ولم يكن ينسى ذكرى استشهاد أبيه وأقربائه على يد جلادي المنصور، وكانت ذكراهم تبعث في روحه الأبية والمفعمة بمشاعر العداء للعباسيين مرارتها، غير انّ الظروف الغير مناسبة كانت تضطره إلى السكوت الأليم، ولكن دفعته أعمال الظلم التي كان يقوم بها الهادي العباسي لا سيما عامله على المدينة إلى الثورة ضد الحكم العباسي إذ قد ضاق ذرعاً بذلك.[٤٣]

فشل الثورة

ما إن ثار الحسين التحق به الكثير من الهاشميين وأهل المدينة وبايعوه وقاتلوا قوات الهادي، وبعد أن أجبروا قوات الهادي على التراجع قاموا بتجهيز أنفسهم وأخذوا استعداداتهم، وانطلقوا نحو مكة كي يستغلوا اجتماع المسلمين هناك خلال موسم الحج، وجعلوا مكة مركز انطلاقتهم لتوسيع رقعة الثورة.

أُخبر الهادي بثورة المدينة وتحرّك الثوار باتجاه مكة، فأرسل إليهم جيشاً لمقاتلتهم والتقى الجيشان في أرض فخ، ونشبت بينهما حرب طاحنة، فاستشهد فيها الحسين وجماعة أُخرى من الرجال وسادات بني هاشم، وتفرّق بقية جيشه، وأُسر بعض آخر منهم وقتلوا في بغداد بعد نقلهم إليها، ولم يكتف جلاوزة الهادي بقتلهم، بل تركوهم دون أن يدفنوهم، وفصلوا رؤوسهم عن أجسادهم، فأرسلوها لؤماً إلى الهادي في بغداد، وقد تعدّى عددهم المائة كما يقول بعض المؤرخين.[٤٤]

إن فشل ثورة شهيد فخ مأساة مريرة ومؤلمة أوجعت قلوب شيعة أهل البيت(ع) بشكل خاص وذكّرتهم بمأساة كربلاء المفجعة.

وقد بلغ أثر هذه المأساة وفداحتها حداً دفع بـالإمام الجواد(ع) أن يقول بعد عدة سنوات: «لَمْ يَكُنْ لَنَا بَعْدَ اَلْطَّفِّ مَصْرَعٌ أَعْظَمُ مِنْ فَخٍّ ».[٤٥].[٤٦]

الإمام السابع وشهيد فخ

لم يكن هذا الحدث بلا اتصال وعلاقة بالإمام السابع ونهجه، ولم يكن(ع) يعلم بالثورة منذ ولادتها حتى اكتمالها فحسب، بل كانت تربطه بالحسين شهيد فخ علاقة وطيدة، ومع أنّ الإمام السابع كان يتنبّأ بفشل الثورة، غير انّه عندما شعر بأن الحسين ماض فيما هو مصمّم عليه قال له: «إِنَّكَ مَقْتُولٌ فَأَجِدَّ اَلضِّرَابَ فَإِنَّ اَلْقَوْمَ فُسَّاقٌ يُظْهِرُونَ إِيمَاناً وَ يَسْتُرُونَ شِرْكاً وَ ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ[٤٧] أَحْتَسِبُكُمْ عِنْدَ اَللَّهِ مِنْ عُصْبَةٍ».[٤٨]

ومن ناحية أُخرى انّ الهادي غضب غضباً شديداً بعد وقعة فخّ، لأنّه كان يعلم أنّ الإمام موسى أكبر شخصية في آل النبي، وهو الملهم والمرشد الروحي لبني هاشم، وانّه هو المخطط الوحيد لهذه الثورة والأحداث لكن بشكل غير علني، ولهذا هدّد الهادي الإمام بالقتل وقال: «وَ اَللَّهِ مَا خَرَجَ حُسَيْنٌ إِلاَّ عَنْ أَمْرِهِ لاَ اِتَّبَعَ إِلاَّ مَحَبَّتَهُ لِأَنَّهُ صَاحِبُ اَلْوَصِيَّةِ فِي أَهْلِ هَذَا اَلْبَيْتِ قَتَلَنِيَ اَللَّهُ إِنْ أَبْقَيْتُ عَلَيْهِ ».[٤٩]

وعلى الرغم من أنّ هذا التهديد قد جوبه ببرودة وهدوء من قبل الإمام غير انّه قد أوجد رعباً شديداً بين أهل البيت وشيعتهم والموالين للإمام، ولكن وقبل أن ينفذ وعيده وهدفه الوضيع انطوت صفحة عمره، وأحدث نبأ وفاته موجة من البهجة والفرج في المدينة.[٥٠]

هارون الرشيد

حاول الحكام الأمويون والعباسيون الذين حكموا المجتمع الإسلامي لعدة قرون أن يكون لهم نفوذ روحي في القلوب، وأن يجلبوا ثقة واحترام الناس لهم، كي يرضوا بحكمهم روحاً وقلباً، ويروا في طاعتهم لهم واجباً دينياً، كلّ ذلك من أجل توطيد سلطانهم، وتثبيت قواعد حكمهم حتى يسيطروا على الناس أكثر، غير انّ الاعتقاد القلبي والروحي ليس بالأمر الذي يحدث أو يعدم بالقوة والإجبار، لذلك راح كلّ منهم يتوسّل بوسائل الخداع لاستغفال عامة الناس وحياكة الدسائس لاكتساب تعاطفهم والنفوذ فيهم روحياً.

وطبعاً كان للعباسيّين الورقة الرابحة ـ ظاهراً ـ دون الأمويين، وتلك هي صلة القرابة التي تربطهم بنبي الإسلام(ص)، فقد كانوا يستغلون وهم من أحفاد عم النبي العباس بن عبد المطلب صلتهم هذه إعلامياً، ويقدّمون أنفسهم على أنّهم هم ورثة الخلافة.[٥١]

ومع ذلك كان سيفهم الإعلامي هذا مسلولاً على أئمة الشيعة الكبار، ذلك انّ الوراثة أمر مستبعد من موضوع الخلافة وانّ الأمر الهام فيها هو جدارة وعظمة القائد والإمام وطهارته أوّلاً.

وثانياً حتى لو كان للوراثة دخل فيها فإنّ أولاد أمير المؤمنين هم المفضلون على غيرهم، لأنّهم أقرب إلى رسول الله(ص) وقد كان أئمّة الشيعة الكبار الذين كانوا يتمتعون بجدارة ذاتية وقرابة للرسول يحظون باهتمام الناس واحترامهم دائماً، وعلى الرغم من محاولات الحكام الأمويين والعباسيين في اكتساب عطف الناس والنفوذ الروحي فيهم، فإنّ الكفة الراجحة والثقيلة في ميزان التمتع بحب الناس وتقديرهم هي كفة أئمّة الدين الكبار.[٥٢]

إمامة القلوب

وقد تجلّى هذا الأمر من بين الخلفاء العباسيين في عصر هارون الرشيد أكثر من غيره، وعلى الرغم ممّا كان تحت ملكه من الحدود كان يشعر بأنّ قلوب الناس مع الإمام السابع موسى بن جعفر بن محمد(ع)، وكان ذلك يؤلمه كثيراً، وحاول محاولات يائسة في التقليل من مكانة الإمام الروحية بين الناس ونفوذه فيهم، لم يكن بالأمر الذي يسكت عليه أن يصله خبر دفع الناس الضرائب الإسلامية للإمام موسى بن جعفر بشكل سري ممّا يعني في الواقع هو الرضا بحكمه رسمياً ورفض الحكم العباسي.

وعلى هذا الأساس قال هارون ذات يوم للإمام وقد رآه في جانب الكعبة: هل أنت من بايعه الناس خفية ورضوا به إماماً؟! فقال الإمام: « أَنَا إِمَامُ الْقُلُوبِ وَ أَنْتَ إِمَامُ الجسوم ».[٥٣].[٥٤]

من هو ابن النبي؟

وكما أشرنا مسبقاً كان هارون يعوّل كثيراً وعلناً على صلة القرابة التي تربطه بالرسول(ص)، وكان يؤكد على ذلك في كلّ مناسبة، وقد قدم المدينة يوماً وزار قبر نبي الإسلام ولما وصل إليه كان هناك جموع كثيرة من قريش والقبائل الأخرى، فتوجّه إلى القبر الشريف وقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا ابن عم. ليذكّر الناس بالصلة التي تربطه بنبي الإسلام، وكان يتفاخر بذلك عمداً ليعلم الناس أنّه ابن عمّ النبي.

وفي تلك اللحظة قال الإمام السابع، وقد كان حاضراً هناك، وعرف هدف الرشيد من ذلك، بصوت عال قرب الضريح: «اَلسَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اَللَّهِ، اَلسَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا أَبَهْ». فتغيّر وجه هارون وتبيّن الغيط فيه، فقال: هذا هو الفخر حقاً.[٥٥]

ولم يكتف هارون بالتأكيد على صلة القرابة التي تربطه بالرسول فحسب، بل أراد أن ينكر انتساب الأئمّة(ع) وبنوتهم له أيضاً، فقد قال للإمام السابع يوماً: لمَ يقولون لكم يا بني رسول الله وأنتم بنو علي، وإنّما ينسب المرء إلى أبيه وفاطمة إنّما هي وعاء والنبي جدكم من قبل أُمّكم؟! فأجابه الإمام وقرأ له آية يقول الله تعالى ضمنها: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ[٥٦] ثمّ قال الإمام: «إِنَّمَا أُلْحِقَ عِيسَى بِذَرَارِيِّ اَلْأَنْبِيَاءِ مِنْ قِبَلِ مَرْيَمَ وَ أُلْحِقْنَا بِذَرَارِيِّ اَلْأَنْبِيَاءِ مِنْ قِبَلِ فَاطِمَةَ لاَ مِنْ قِبَلِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ».[٥٧] فلم يحر هارون جواباً.

وفي حوار مماثل ومثير وأكثر تفصيلاً للإمام السابع(ع) مع هارون حيث قال: «لِمَ جَوَّزْتُمْ لِلْعَامَّةِ وَ اَلْخَاصَّةِ أَنْ يَنْسُبُوكُمْ إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ يَقُولُونَ لَكُمْ يَا بَنِي رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ أَنْتُمْ بَنُو عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَ إِنَّمَا يُنْسَبُ اَلْمَرْءُ إِلَى أَبِيهِ وَ فَاطِمَةُ إِنَّمَا هِيَ وِعَاءٌ وَ اَلنَّبِيُّ جَدُّكُمْ مِنْ قِبَلِ أُمِّكُمْ فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ لَوْ أَنَّ اَلنَّبِيَّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ نُشِرَ فَخَطَبَ إِلَيْكَ كَرِيمَتَكَ هَلْ كُنْتَ تُجِيبُهُ فَقَالَ سُبْحَانَ اَللَّهِ وَ لِمَ لاَ أُجِيبُهُ بَلْ أَفْتَخِرُ عَلَى اَلْعَرَبِ وَ اَلْعَجَمِ وَ قُرَيْشٍ بِذَلِكَ فَقُلْتُ لَكِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ لاَ يَخْطُبُ إِلَيَّ وَ لاَ أُزَوِّجُهُ فَقَالَ وَ لِمَ فَقُلْتُ لِأَنَّهُ وَلَدَنِي وَ لَمْ يَلِدْكَ فَقَالَ أَحْسَنْتَ يَا مُوسَى».[٥٨].[٥٩]

لمن هذا القصر؟

دخل الإمام الكاظم(ع) ذات مرة أحد قصور هارون الفخمة في بغداد، فراح هارون الذي كان مغروراً بسلطته يتساءل ما هذه الدار؟ وقد أراد بذلك أن يستعرض قوته وشوكته أمام الإمام(ع)، فأجابه(ع) بدون اكتراث بما حوله بصراحة. فقال(ع): « هَذِهِ دَارُ اَلْفَاسِقِينَ قَالَ اَللَّهُ تَعَالَى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا[٦٠] اَلْآيَةَ فَقَالَ لَهُ هَارُونُ فَدَارُ مَنْ هِيَ قَالَ هِيَ لِشِيعَتِنَا فَتْرَةٌ وَ لِغَيْرِهِمْ فِتْنَةٌ قَالَ فَمَا بَالُ صَاحِبِ اَلدَّارِ لاَ يَأْخُذُهَا فَقَالَ أُخِذَتْ مِنْهُ عَامِرَةً وَ لاَ يَأْخُذُهَا إِلاَّ مَعْمُورَةً».[٦١].[٦٢]

هارون رجل متعدّد الشخصيات

لكلّ إنسان ميزات خاصة تميّزه من ناحية طريقة التفكير والخصوصيات الأخلاقية، وانّ صفاته الأخلاقية وسلوكه يمثلان ـ كشكله ومظهره ـ شخصية محددة، غير انّ لبعض الناس نوعاً من التضاد النفسي وعدم الانسجام في شخصيتهم وأُسسهم الفكرية نتيجة الحرمان التربوي وأسباب أُخرى، فتراهم لا يتمتعون بشخصية واحدة من ناحية الطبيعة والمميزات الشخصية، بل تجد انّ لهم شخصيتين أو شخصيات متعدّدة، ولذلك تصدر منهم أعمال متضادة تبعث على التعجب أحياناً، وبالرغم من أنّ قبول هذا النوع من التضاد قد يكون أمراً عسيراً في الوهلة الأولى، لكنّه ونظراً إلى طبيعة الإنسان يتضح انّ هذا ليس ممكناً فقط، بل انّ كثيراًمن الناس يعانون من ذلك، ونحن اليوم نقرأ في كتب علم النفس انّه من الممكن وبسهولة أن تنتاب الإنسان المشاعر الكاذبة والنزوات والرغبات الغير المستقرة والملتهبة، أي أن يكون حسّاساً وعديم المشاعر في الوقت ذاته، وصادقاً وكاذباً، ومخلصاً ومخادعاً حتى مع نفسه في آن واحد، وهذه الأضداد ليس اجتماعها في الإنسان أمر ممكن فحسب، بل انّها من خصوصيات عالمي الشعور واللا شعور في النفس البشرية.[٦٣]

إنّ لهذا الصنف من الناس مشاعر زائفة ومتضادة، ولهذا السبب لا يتمتعون بسلوك متوازن، فانّهم في الوقت الذي يتشبّثون فيه بالبذخ والارستقراطية تراودهم نزعات زهدية صوفية، وتشغل التعاليم الدينية قسماً من فكرهم بينما يكون القسم الآخر منه مسرحاً لطلب اللذة والخلاعة والمجون، وإذا مرّوا بالمسجد صدفة يقفون في صفوف العباد، وكلّما وقعت عينهم على حانات الخمور لا يتعدّونها دون ارتشاف خمرتها، فمرة يضطهدون وأُخرى يذرفون دموع العطف والإشفاق.

ويحتفظ التاريخ لنا بنماذج لهذا الصنف من الناس ممّن لهم شخصيات متعددة والتي منهم شخصية هارون الرشيد.

ولد هارون في بلاط الخلافة وقد اعتاد منذ الصغر على اللهو والمجون والخلاعة، وكان ميالاً بطبيعته إلى طلب الملذات والارستقراطية واللهث وراءها، ومن ناحية أُخرى كانت البيئة الإسلامية ومكانته توجب أن يكون شخصية مسلمة ملتزمة بتعاليم الإسلام، ومن هنا كانت شخصيته خليطاً من الصفات الطيبة والسيئة والقبيحة والجميلة، فقد كان يتمتع بصفات غريبة متضادة قلّما توجد في الإنسان، وقد اختلط الظلم والعدل، الرحمة والقسوة، الإيمان والكفر، والليونة والغلظة بشكل عجيب في شخصيته.

فمن جهة كان لا يعبأ بالظلم الذي يقوم به ويريق الدماء الطاهرة للناس الأبرياء لا سيما دماء أبناء رسول الله الأحرار بلا أدنى مبالاة، ومن ناحية كان عندما يستمع إلى نصائح وعظات العلماء والزهّاد ويستذكر يوم القيامة يبكي بشدة، فقد كان يصلّي ويلهو ويشرب الخمرة ويطرب أيضاً، وكان يبدو أكثر الناس زهداً وإيماناً عند استماع المواعظ ونصائح العلماء، غير انّه عندما كان يجلس على كرسي الخلافة ويتناول قضايا الحكم والدولة لا يكون أقلّ من نيرون وجنكيز!!

وكتب المؤرّخون: انّ هارون ذهب ذات مرة إلى لقاء الفضيل بن عياض، وهو من الرجال المعروفين بالعلم والورع والفضل في ذلك الزمان، فراح الفضيل يعظه ويخوّفه حتى بكى هارون بكاءً شديداً، وقد أُغمي عليه اثر ذلك، فلمّا أفاق طلب من الفضيل أن يعظه ثانياً، فراح يعظه وينصحه، فكان بكاء الرشيد وإغماؤه يتكرر عدّة مرات، ثمّ أعطاه ألف دينار ليصرفها عند الضرورة.

يجسد لنا هارون بسلوكه هذا مثالاً كاملاً للإزدواجية في الشخصية، لأنّه قد يكون معتقداً بأنّه يكفي أن يبكي المرء ويغمى عليه خوفاً من الله ليفعل بعد ذلك ما يحلو له دون مبالاة لأي شيء، وقدكان عنده ألفا جارية، ثلاثمائة منهنّ مختصات للغناء والرقص والأناشيد.[٦٤]

ويروى أنّه قد طرب ذات مرة بشدة، فأمر بأن ينثر ثلاثة ملايين درهم على رؤوس الحاضرين في مجلسه، ولمّا طرب مرة أُخرى أمر بأن يجعلوا المطرب الذي أطربه حاكماً على مصر!![٦٥]

واشترى جارية بمائة ألف دينار وأُخرى بستة وثلاثين ألفاً غير انّه لم يحتفظ بالثانية إلاّ ليلة واحدة وقد أهداها في اليوم التالي إلى أحد ندمائه، وأمّا سبب هذا الإهداء والسخاء، الله أعلم!![٦٦]

ومن الواضح كان هذا الإسراف الذي يقوم به هارون من بيت المال وأموال المسلمين، لأنّه حينما تقلّد جدّه المنصور الخلافة لم يكن يملك في السماوات التسع حتى نجمة واحدة. كما يقول المثل وعليه كانت تلك الأموال هي حاصل كدح المزارعين الفقراء والطبقات الفقيرة المعدمة ومن عرق جبينهم، وهكذا كانت تصرف فيما يرضى الله تعالى![٦٧]

ولكنّه ومع كلّ هذه الخيانة للمسلمين وأموالهم يذرف دموع التماسيح ويرى نفسه أمرئ صالحاً ورعاً مثل بقية الصالحين.[٦٨]

شخصية هارون الحقيقية

كتب أحمد أمين الكاتب المصري ـ بعد ان ذكر علّتين لتوجه هارون وأهل زمانه إلى اللهو والمجون ـ:

  1. الرفاهية العامة في عهده.
  2. نفوذ الإيرانيين ـ الذين يعتقد هو انّهم ميّالون إلى اللهو والمجون منذ القدم ـ في بلاطه ـ قائلاً:

وسبب ثالث يرجع إلى طبيعة الرشيد نفسه وتربيته، فيظهر لي انّه كان شاباًحادّ العاطفة، ولكن ليس من هذا النوع الذي يستسلم كلّ الاستسلام لشهواته، بل هو مع ذلك قوي النفس، جندي بالغريزة وبالتربية، طالما قاد الجيوش وشرّق وغرّب، هذه الحدة في العاطفة وقوة النفس ونضارة الشباب أظهرته بمظاهر مختلفة، يوعظ فيتأثر بالموعظة إلى أن يجهش بالبكاء، ويسمع الغناء فيطرب له كلّ الطرب، يسمع إبراهيم الموصلي يغنّي وبرصوما يزمر وزلزلاً يضرب بالدف، فيدعوه الطرب أن يتكلم بكلمة فيها شيء من عدم التورع الديني، يقول: يا آدم لو رأيت من يحضرني من ولدك اليوم لسرّك.[٦٩]

نمت عنده العاطفة الدينية ونمت بجانبها أيضاً عاطفة الفنون، فهو يصلّي ويكثر من الصلاة، وهو يسمع الغناء فيستجيده، والشعر فيطرب له، تتجه عواطفه إلى جهات مختلفة فيصل فيها إلى نهايتها....

ويرضى عن البرامكة فيعجب بهم كلّ الإعجاب ويقرّبهم كلّ القرب، ثمّ يغضب عليهم ويستفز الحساد عواطفه عليهم فينكل بهم كلّ التنكيل.

ويعجبه الغناء فيقرّب إبراهيم الموصلي تقريبه للعلماء والقضاة ولا يسأل نفسه أي مجوّز شرعي يجعله ينفق من بيت مال المسلمين على المطربين وأمثالهم.

تعجبني جملة لصاحب الأغاني يصف بها الرشيد تمثّل خير تمثيل قوة عاطفته، إذ يقول: «كان الرشيد من أغزر الناس دموعاً في وقت الموعظة، وأشدهم عسفاً في وقت الغضب والغلظة» من أجل ذلك لاعجب أن تراه متديّناً شديد التدين يصلّي في اليوم مائة ركعة، وان تراه حيناً غضوباً يسفك الدم لشيء لا يستحق سفك الدم، وطروباً يملك الطرب عليه نفسه ومشاعره، وهذه صفات ليس من السهل أن تتصوّر اجتماعها في شخص واحد.[٧٠]

ويتضح ممّا قلنا وجه هارون الحقيقي وحقيقته، وقد كتم بعض المؤرخين ـ وللأسف ـ الحقائق عند الحديث عن نفسيته وسيرته وحكمه وحكم أمثاله، وقدّموا النصف المضيء ـ كما يقال ـ من شخصيته وحقيقته من حيث يدرون ولا يدرون، وأمّا النصف الآخر فقد عرضوه بشكل مقلوب مع أنّ البحث العلمي المستقل يلزمه أن يدرس جميع جوانب شخصية الإنسان وسلوكه.[٧١]

مكر هارون وتظاهره بالتديّن

وكما قلنا قبل عدة صفحات بأنّ الخلفاء الأمويين والعباسيين كانوا يشتركون في تحريف الحكم الإسلامي عن خطه الأصيل والتموضع أمام أهل بيت النبوة، ويفترقون عن بعضهم في أنّ الأمويين ـ باستثناء معاوية وبعض آخر منهم ـ لم يكونوا على اتصال بالعلماء ورجال الدين، ولم يتدخلوا في شؤونهم، بل عطفوا توجّههم إلى القضايا السياسية من قبيل قمع الانتفاضات الداخلية والفتوحات، وتعديل الأمور المالية، وغير ذلك بشكل متزايد، وكانوا كثيراً ما يدعون العلماء وشأنهم، ومن هنا لم يكن حكمهم يتمتع بالصبغة الدينية.

ولكن عندما انهار حكمهم وجاء العباسيون تغيّر الحال وانقلب، فقد أضفى الحكم العباسي على نفسه صبغة دينية وبدأت المحاولات في استغلال العوامل الدينية لصالح السلطة، وساد التظاهر بالتديّن، وتوطّدت علاقتهم برجال الدين والعلماء الإسلاميين، والسبب في ذلك هو انّ العباسيين لم يرغبوا في أن ينظر إليهم كزعماء سياسيين، بل أرادوا مضافاً إلى الزعامة السياسية أن يتمتعوا بطابع ديني أيضاً حتى ينالوا التقدير والاحترام في الرأي العام، وتوجد هناك أمثلة عديدة لتظاهر الخلفاء العباسيين بالتديّن والدين واستلفات عواطف الناس الدينية التي تمثل محاولاتهم المخادعة والمزيفة لاكتساب الطابع الديني .[٧٢]

كتب جرجي زيدان: وانظر إلى الدول العربية التي جمعت بين الخلافة والسلطة كالعباسيين والفاطميين والأمويين في الأندلس مع ما طرأ عليها من أسباب فقد صبرت وطال جهادها، كذلك كان دوام الحكومات الغير عربية كالحكم العثماني الذي كان له طابع ديني أكثر من بقية الحكومات...، وكان هؤلاء ولأجل أن يحظوا بحب الناس يرفعون من شأنهم ويعدّون أنفسهم عباد الله المقربين وحكمهم حكماً منزلاً من قبل الله تعالى.

ويضيف جرجي زيدان حول تأثير إعلام الخلفاء المخادع على عامة الناس ومدى اعتقاد الناس بهذا الكلام وتصديقهم: واعتقدوا انّ خلافتهم تبقى أبد الدهر حتى يأتي السيد المسيح، وغرس في أذهان الناس بتوالي الازمان انّ الخليفة إذا قتل اختل نظام العالم واحتجبت الشمس وامتنع المطر وجف النبات.[٧٣]

وقد صدق العباسيون هذه الخزعبلات على أنفسهم أيضاً حتى هارون ـ الذي كان رجلاً فطناً وترقّت الثقافة الإسلامية في عهده ـ كانت تعجبه هذه التملقات... وإذا كان الخلفاء يعجبهم التملق لهذه الدرجة وهم في عصر رقي الإسلام وعظمته، فمن الواضح انّ الأوهام ستكون في موضع الحقيقة في عصر الفساد والانحطاط ويأتي المتملقون ويرضى الحكام والملوك بالكلام أكثر من العمل، ومن هنا كان نفس هؤلاء المتملقين يعدّون المتوكل العباسي ظل الله، ويقولون: إنّ ظل الرحمة هذا قد انتشر من السماء ليقي الناس حرقة الحر.

ومدح ابن هاني شاعر البلاط المتملق المعز الفاطمي: ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار![٧٤]

ولعلّه لم يهتم من بين العباسيين أكثر من هارون الرشيد بهذا الجانب، ولم يستغل ذلك التظاهر مثل ما تظاهر هو.

وكان لهارون إصرار غريب على أن يضفي على جميع أعماله وسلوكه صفة دينية، وكان يضع على جميع جرائمه وخلاعته ومجونه غطاء دينياً، ويعتبرها ومن خلال مجموعة من التبريرات مطابقة للمعايير الدينية.

ويقولون: إنّه قد ذهب إلى مكة في سنة من سني خلافته وخلال أدائه لمناسك الحج دعا كثيراً لطبيبه المسيحي جبريل بن بختيشوع، فانزعج بنو هاشم من ذلك، وقال في مقابل اعتراضهم بأنّه رجل ذمّي غير مسلم لا يجوز الدعاء له: هذا صحيح غير انّ سلامتي وصحتي بيده، وصلاح المسلمين منوط بسلامتي، وعليه فإنّ خير المسلمين وصلاحهم منوط بطول عمره وسلامته، ولا عيب في الدعاء له.[٧٥]

إنّ منطق هارون هذا منطق غريب، فإنّ جميع المصالح العليا للمجتمع الإسلامي منوطة بوجوده هو وحده وفقاً لمنطقه هذا وتجب التضحية بكلّ شيء حفاظاً على نفسه، لأنّه وحسب ما يقتضيه استدلاله لم يكن مجرّد حاكم بل وجوده ضرورة حيوية للمجتمع الإسلامي، وقد يتصوّر انّ تبرير جميع أعمال شخص كهارون وأفعاله لأمر عسير في ضوء المنطق الديني، ولكنّه قد سهل الأمر على نفسه في تبرير أعماله بشراء ذمم المرتزقة من الفقهاء والقضاة المتهالكين على حب الدنيا.[٧٦]

مجلس القضاء

ومن مصاديق مكر هارون البارزة وتظاهره بالديّن والتدين هي قضية استشهاد وقتل يحيى بن عبد الله. وقد كان يحيى بن عبد الله وهو من أحفاد الإمام الحسن من سادات بني هاشم وشخصية ممتازة ومن أصحاب الإمام الصادق وخاصته.[٧٧]

وخلال أحداث ثورة الحسين شهيد فخ على الحكم العباسي الظالم شارك يحيى في جيشه، وقد عدّ من قادة جيشه الكبار، وقد ذهب بعد هزيمة الحسين واستشهاده إلى الديلم برفقة جماعته، ونشط هناك وانضم إليه الناس وشكّل قوات معتد بها.

ثمّ أرسل هارون الفضل بن يحيى البرمكي مع جيش إلى الديلم وبعد ان دخل الديلم بدأ ـ وبأمر من هارون ـ يراسل يحيى ويعده الوعود الجميلة واقترح عليه بأن يمنحه الأمان، فقبل يحيى الذي ـ كان يرى أنصاره وأصحابه يتخلّون عنه نتيجة المؤمرات التي حاكها هارون والفضل ـ ذلك الاقتراح مكرهاً.

وبعد ان كتب هارون كتاب الأمان بخطه إليه وأشهد عليه جماعة من الشخصيات الكبيرة دخل يحيى بغداد، فعامله هارون بكل رفق وليونة في البداية، وأعطاه أموالاً جزيلة، غير انّه كان يخطط لقتله بشكل سري، فاتهمه بشق عصا الطاعة وتحريض الناس ضدّ الحكم، ولكن ولأجل منحه الأمان لم يكن قتله بالأمر الهين، ولذلك قرر أن يتسلّح بفتوى من فتاوى الفقهاء لينقض بها الأمان ويحصل على الإذن الشرعي في ذلك، فاستدعى فقهاء العصر وعرض عليهم الأمان الذي أعطاه له، فأجمعوا ـ وهم: محمد بن الحسن الشيباني، و الحسن بن زياد اللؤلؤي، و أبو البختري ـ أن لا طريق إلى نقضه سوى أبي البختري.[٧٨]

وبعد إحضار الفقهاء وتشكيل مجلس قضاء قرأ [٧٩] محمد بن الحسن الذي كان عالماً مستقلاً نسبياً ولم يبع نفسه مثل أُستاذه أبي يوسف إلى الرشيد [٨٠] كتاب الأمان وقال: كتاب صحيح وأيمان مغلظة لا سبيل إلى نقضه[٨١] وأمّا أبو البختري فانّه نظر إلى الأمان وقال: هذا باطل منتقض قد شقّ يحيى عصاالطاعة وسفك الدماء فاقتله ودمه في عنقي.

فقال له الرشيد: خرّقه إن كان باطلاً بيدك.

فأخذه وبصق فيه ومزّقه قطعة قطعة، فوهب له الرشيد عوض فعله ألف ألف وستمائة وولاّه القضاء، وكان هارون قد سرّ بهذه الفتيا كثيراً، وقد أجمع على إعدامه استناداً إلى هذه الفتيا.[٨٢]

وقد حظر على محمد بن الحسن الفتيا[٨٣] عقب رأيه الذي أبداه، وحكم على يحيى بالقتل استناداً إلى قرار مجلس القضاء.[٨٤].[٨٥]

فتيا مصلحية!

وكما قلنا كان القاضي أبو يوسف من القضاة المأجورين الذي تولّى القضاء من قبل هارون.[٨٦] وكان ملازماً لهارون دائماً، وكان يضفي وبما يتمتع به من قوة الاستدلال وطاقة عجيبة في التبرير على أعمال هارون اللا شرعية صفة الشرعية من خلال مجموعة من التبريرات والتوجيهات ويظهرها بشكل يتناسب مع المعايير الدينية، وسنشير هنا إلى نموذجين من ذلك:

  1. لمّا أفضت الخلافة إلى الرشيد وقعت في نفسه جارية من جواري المهدي، فراودها عن نفسها، فقالت: لا أصلح لك انّ أباك قد طاف بي، فشغف هارون بها ولم يكن ليدعها، فأرسل إلى أبي يوسف فسأله: أعندك في هذا شيء؟ فقال: يا أمير المؤمنين أو كلّما ادّعت أمة شيئاً ينبغي أن تصدق!! لا تصدّقها فإنّها ليست بمأمونة.[٨٧] مع أنّ الشريعة الإسلامية تقبل في هذه الحالات إقرار المرأة على نفسها بذلك ويكون هو الأساس الذي يرتّب الأثر عليه .
  2. دعا الرشيد يوماً طبّاخه فقال: أعندك في الطعام لحم جزور؟ وطلب منه إعداد ذلك.

وبعد تناول الطعام قال جعفر البرمكي: إنّ هذا الطعام من لحم الجزور يقوّم عليك بأربعمائة ألف درهم، فتعجب هارون من ذلك!!

فقال جعفر إنّك طلبت من طباخك لحم جزور قبل هذا اليوم بمدة طويلة، فلم يوجد عنده، ومنذ ذلك الحين ينحر كلّ يوم جزوراً لأجل مطبخ أمير المؤمنين، فصرف في لحم الجزور من ذلك اليوم إلى هذا اليوم أربعمائة ألف درهم، ولم يطلب الخليفة لحم جزور إلاّفي هذااليوم، فتكون كلّ لقمة بأربعمائة ألف.

هارون الذي كان يعبث ببيت المال ويصرف أموال المسلمين في مجالس لهوه ومجونه ولم يأل جهداً في هدر أموال المسلمين المعدمين، ولا يأسف على ذلك أراد هذه المرة أن يتظاهر بأنّه حريص وذو ضمير حي ومتعاطف مع شعبه، فأظهر الحزن من ذلك وأمر ـ ولتدارك ما فاته ـ بتوزيع عدة ملايين من الدراهم بين الفقراء تصدّقاً عليهم مع أنّ هذا المال ليس من ماله الخاص، بل من أموال المسلمين، ذلك المال الذي كان عليه أن يوزعه على المسلمين بشكل عادل ولا يسوغ عنونة عمله هذا بعنوان التصدق أو هبات الخليفة.

وعلى أية حال وصل نبأ ذلك إلى أبي يوسف ـ الذي كانت فلسفة وجوده تتبلور في جهاز هارون في هذه الموارد ـ فأعدّ خطة رائعة لتبرير عمل الخليفة هذا، وحضر لديه وسأل عن سبب حزنه وبكائه، فذكر هارون أمره.

فقال أبو يوسف: هل كان ما تذبحونه من الجزور يفسد أو يأكله الناس؟ فأجاب جعفر ـ ويبدو انّه عرف ما يرمي إليه أبو يوسف ـ: بل يأكله الناس.

فقال أبو يوسف مسروراً: أبشر يا أمير المؤمنين بثواب الله فيما صرفته من المال الذي أكله المسلمون في الأيام الماضية، وبما يسرّه الله عليك من الصدقة.[٨٨]

نعم انّ لحم الجزور التي تنحر كل يوم لمائدة الخليفة كانت تقدم أحياناً ـ وقبل فسادها وتقديمها إلى كلاب بغداد ـ إلى بعض الجياع وتكون صدقة في منطق أبي يوسف، ويكون ما قام به هارون من الأعمال الخيرية لا إسرافاً وعبثاً بأموال المسلمين وتفريغاً لخزانة بيت المال تحت عنوان الصدقة.

وممّا تقدّم من الحقائق يتضح جيّداً مدى صعوبة عمل الإمام موسى بن جعفر(ع)، لأنّه كان يواجه خليفة مخادعاً مثل هارون الذي يتستر بمجموعة كبيرة من المظاهر المخادعة والحيل والرياء ويقدم نفسه بصفته خليفة عادلاً ورعاً.

ولكي يمزّق الإمام السابع هذا الستار المزركش بالحيل والمظاهر الخادعة ويكشف ماهية الخليفة الخبيثة كان يجب عليه أن يبذل قصارى جهده في إجلاء حقيقته، وفي الواقع لولا شخصية الإمام الممتازة والعظمة التي يتمتع بها لما كان يمكن التسليم بنجاح مثل هذا النضال.[٨٩]

علي بن يقطين صاحب الإمام في بلاط هارون

كان علي بن يقطين أحد تلامذة الإمام السابع البارزين والرائعين. وكان شخصية نزيهة وذا مكانة قديرة وشأن كبير لدى الإمام، وهو يتمتع بمكانة عظيمة وقيّمة عند الشيعة أيضاً.[٩٠]

فقد وُلد عام ١٢٤هـ في الكوفة نهايات الحكم الأموي، وكان أبوه يقطين من أنصار العباسيين الكبار، لذلك كان مطارداً من قبل مروان الحمار الخليفة الأموي لاعتقاله فيختفي عنه. ورحلت زوجة يقطين إلى المدينة برفقة ابنيهما «علي» و«عبيد» في غيابه، ورجع يقطين بعد انهيار الحكم الأموي وظهور العباسيين إلى الكوفة وانضم إلى أبي العباس السفاح، والتحقت به زوجته مع ابنيهما[٩١]، وعلى أيّة حال ترعرع علي بن يقطين في الكوفة وأصبح من أصحاب الإمام السابع.[٩٢]

مكانة علي بن يقطين العلمية

وبشهادة علماءعلم الرجال والمؤرّخين كان علي من أصحاب وتلامذة الإمام السابع البارزين وأفاد منه كثيراً، وروى عنه الكثير من الروايات، غير انّه لم ينقل عن الإمام الصادق(ع) سوى رواية واحدة.[٩٣]

وقد كان ذائع الصيت وذا شخصية اجتماعية، مرموقة مضافاً إلى أنّه كان يعدّ من العلماء ورجال العلم في عصره، وله مؤلفات هي:

  1. ما سئل عنه الصادق(ع) من الملاحم.[٩٤]
  2. مناظرة الشاك بحضرته.[٩٥]
  3. مسائل تعلّمها من الإمام الكاظم(ع) .[٩٦]

قدّم علي بن يقطين وبسبب ما يتمتع به من موقع اجتماعي وسياسي خدمات قيّمة للشيعة، وكان ـ كما سنبحثه آتياً ـ ملاذاً منيعاً للشيعة.[٩٧]

وزارة علي بن يقطين مظلة وقائية للشيعة

كانت الانتفاضات المسلحة المتوالية التي يقوم بها العلويون والهاشميون أبّان عهد المنصور وهارون تمنى بالفشل دائماً، وثبت فعلاً بأنّ أي تحرك حاد ومسلح في تلك الظروف فإنّ مصيره الفشل، فينبغي بدء الجهاد والنضال على صعيد آخر؛ ولذلك غض الإمام السابع الطرف عن القيام بتحركات شديدة وحادة، وكرّس وقته لتربية الشخصيات، وتنوير الأفكار، وكشف حقيقة الحكم العباسي الخبيث، ونشر الثقافة الشيعية على نطاق أوسع في المجتمع.

وتنفيذاً لهذا المنهاج لم يكن الإمام يخالف في أن يتقلّد رجال الشيعة الصالحون والمؤهّلون المناصب الهامة والحسّاسة على الرغم من حظره العام من التعاون مع تلك السلطة الجائرة، لأنّ ذلك يجعلهم ينفذون في الجهاز الحاكم من ناحية، ومن ناحية أُخرى يوجب ذلك انضواء الناس والشيعة خاصة تحت مظلتهم الوقائية.

وكان نفوذ علي بن يقطين في جهاز هارون الحاكم جزءاً من هذا المخطط أيضاً، كان علي بن يقطين من الشيعة الواعين الثابتة أقدامهم، ورؤيته رؤية شيعية حقّة صادقة، وعلى العكس من أبيه الذي كان من أنصار العباسيين والذين لا يعتقدون بالإمامة، أي قيادة الأمة من وجهة نظر الشيعة[٩٨] لدرجة انّ موضوع الانتظار ـ أي الأمل بظهور دولة الحقوالعدل الذي يستلزم نفي مشروعية الحكومة الجائرة الموجودة ـ شكّل محور تفكيره.

واتّضح ذلك من الحوارات التي دارت يوماً بينه وبين أبيه بشكل جيد.

فقد قال يقطين لابنه يوماً: كيف تحقّق ما تنبّأ به أئمّتكم حولنا ـ بني العباس ـ ولكن لم يتحقّق ما قيل وتنبّأ به عنكم ـ الشيعة وظهـور الـدولة الموعودة ـ؟!

فأجاب علي: ما قيل عنكم وعنّا من موضع واحد، ولكن سلطانكم في هذا الزمان، فقد أُخبر عنكم بوضوح، وقد تحقّق ذلك، ولأنّ دولتنا لم يحن موعدها بعد، لذلك نأمل ونتمنى أن تظهر، ولو كان أئمتنا يقولون إنّ دولة أهل البيت ستظهر بعد مائتين أو ثلاثمائة عام لربما ـ وبسبب طول المدة ـ ضاقت القلوب، وقلّ إيمان الناس بها، ولكن ـ ولأجل أن يبقى أمل الناس ـ قال أئمتنا ـ ودون توقيت لهاـ ستظهر عاجلاً ليمنحوا الناس الأمل، ويقرّبوا موعد ظهور الإمام.[٩٩] ونظراً إلى هذه الخلفية يتّضح مدى أهمية نفوذ علي بن يقطين في جهاز هارون الحاكم بشكل جيد.[١٠٠]

موافقة الإمام المشروطة

قبل علي بن يقطين وزراة هارون بعد موافقة الإمام(ع) [١٠١] وقد طلب فيما بعد الاستقالة عدّة مرات غير انّ الإمام كان يردعه عن ذلك.[١٠٢]

ودافع الإمام من ترغيب علي في تولّـي الوزارة وتشجيعه هو الحفاظ على أرواح الشيعة وأموالهم وحقوقهم ودعم حركتهم السرية.

وقال الإمام الكاظم(ع): «اِضْمَنْ لِي خَصْلَةً أَضْمَنْ لَكَ ثَلاَثاً! فَقَالَ عَلِيٌّ : جُعِلْتُ فِدَاكَ وَ مَا اَلْخَصْلَةُ اَلَّتِي أَضْمَنُهَا لَكَ وَ مَا اَلثَّلاَثُ اَللَّوَاتِي تَضْمَنُهُنَّ لِي قَالَ، فَقَالَ أَبُو اَلْحَسَنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) اَلثَّلاَثُ اَللَّوَاتِي أَضْمَنُهُنَّ لَكَ: أَنْ لاَ يُصِيبَكَ حَرُّ اَلْحَدِيدِ أَبَداً بِقَتْلٍ، وَ لاَ فَاقَةٍ وَ لاَ سِجْنُ حَبْسٍ، قَالَ، فَقَالَ عَلِيٌّ : وَ مَا اَلْخَصْلَةُ اَلَّتِي أَضْمَنُهَا لَكَ قَالَ، فَقَالَ: تَضْمَنُ أَنْ لاَ يَأْتِيَكَ وَلِيٌّ أَبَداً إِلاَّ أَكْرَمْتَهُ، قَالَ، فَضَمِنَ عَلِيٌّ اَلْخَصْلَةَ وَ ضَمِنَ لَهُ أَبُو اَلْحَسَنِ اَلثَّلاَثَ»[١٠٣]

وقد قال الإمام خلال تلك الحوارات: « فَإِنَّ لَنَا بِكَ أُنْساً وَ لِإِخْوَانِكَ بِكَ عِزّاً وَ عَسَى أَنْ يَجْبُرَ اَللَّهُ بِكَ كَسْراً وَ يَكْسِرَ بِكَ نَائِرَةَ اَلْمُخَالِفِينَ عَنْ أَوْلِيَائِهِ».

وعلى كلّ وفّى علي بن يقطين بعهده، وكان طوال مدة تصدّيه لهذا المنصب حصناً منيعاً وملاذاً آمناً للشيعة، ولعب دوراً كبيراً في تلك الظروف العسيرة لتوفير الظروف المناسبة واللازمة للحفاظ على حياة الشيعة واستقلالهم.[١٠٤]

مهمة سرية خطيرة

وكان علي بن يقطين يرسل خمس أمواله بشكل سري إلى الإمام السابع، ويدعمه مالياً في الظروف الحرجة والخطيرة أحياناً.

ويروي لنا اثنان من أصحابه انّ علي بن يقطين بعث إلينا فقال: «بَعَثَ إِلَيْنَا عَلِيُّ بْنُ يَقْطِينٍ فَقَالَ اِشْتَرِيَا رَاحِلَتَيْنِ وَ تَجَنَّبَا اَلطَّرِيقَ وَ دَفَعَ إِلَيْنَا أَمْوَالاً وَ كُتُباً حَتَّى تُوصِلاَ مَا مَعَكُمَا مِنَ اَلْمَالِ وَ اَلْكُتُبِ إِلَى أَبِي اَلْحَسَنِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَ لاَ يَعْلَمْ بِكُمَا أَحَدٌ قَالَ فَأَتَيْنَا اَلْكُوفَةَ وَ اِشْتَرَيْنَا رَاحِلَتَيْنِ وَ تَزَوَّدْنَا زَاداً وَ خَرَجْنَا نَتَجَنَّبُ اَلطَّرِيقَ حَتَّى إِذَا صِرْنَا بِبَطْنِ اَلرُّمَّةِ شَدَدْنَا رَاحِلَتَنَا وَ وَضَعْنَا لَهَا اَلْعَلَفَ وَ قَعَدْنَا نَأْكُلُ فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ رَاكِبٌ قَدْ أَقْبَلَ وَ مَعَهُ شَاكِرِيٌّ فَلَمَّا قَرُبَ مِنَّا فَإِذَا هُوَ أَبُو اَلْحَسَنِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقُمْنَا إِلَيْهِ وَ سَلَّمْنَا عَلَيْهِ وَ دَفَعْنَا إِلَيْهِ اَلْكُتُبَ وَ مَا كَانَ مَعَنَا فَأَخْرَجَ مِنْ كُمِّهِ كُتُباً فَنَاوَلَنَا إِيَّاهَا فَقَالَ هَذِهِ جَوَابَاتُ كُتُبِكُمْ قَالَ فَقُلْنَا إِنَّ زَادَنَا قَدْ فَنِيَ فَلَوْ أَذِنْتَ لَنَا فَدَخَلْنَا اَلْمَدِينَةَ فَزُرْنَا رَسُولَ اَللَّهِ وَ تَزَوَّدْنَا زَاداً فَقَالَ هَاتَا مَا مَعَكُمَا مِنَ اَلزَّادِ فَأَخْرَجْنَا اَلزَّادَ إِلَيْهِ فَقَلَّبَهُ بِيَدِهِ فَقَالَ هَذَا يُبَلِّغُكُمَا إِلَى اَلْكُوفَةِ وَ أَمَّا رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَقَدْ رَأَيْتُمَا أَنِّي صَلَّيْتُ مَعَهُمُ اَلْفَجْرَ وَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُصَلِّيَ مَعَهُمُ اَلظُّهْرَ اِنْصَرِفَا فِي حِفْظِ اَللَّهِ»[١٠٥].[١٠٦]

تقوية بنية الشيعة الاقتصادية

لا شكّ انّ كلّ حركة ومجموعة لها هدف مشترك تحتاج لتنظيم قواتها إلى مصادر مالية تحقيقاً لتلك الأهداف حيث تصاب جميع نشاطاتها وفعالياتها بالشلل عند انقطاع الدعم المالي عنها.

فكانت الشيعة ووفقاً لهذا المبدأ العام تحتاج دائماً إلى دعم مالي لاستمراريتها وتحقيق أهدافها المقدسة غير انّ رموزها المناضلة كانت وفي مختلف مراحل التاريخ تعاني من الضغط الاقتصادي، وكثيراً ما كانت الحكومات ولأجل القضاء عليهم تمارس ذلك الضغط ومن خلال طرق عديدة.

وفي هذا المجال توجد مضافاً إلى سلب فدك من فاطمة الزهراء(ع) الذي كان بدافع سياسي ولأجل زعزعة موقف أمير المؤمنين وبني هاشم الاقتصادي نماذج كثيرة في تاريخ الإسلام، والتي منها سياسة معاوية ازاء الشيعة لا سيما بني هاشم، ومن الأساليب التي تمسّك بها معاوية لأخذ البيعة من الحسين بن علي(ع) لولاية عهد ابنه هو امتناعه من دفع العطاء إلى بني هاشم من بيت المال خلال سفره إلى المدينة حتى يضغط عليه من خلال ذلك ويجبره على البيعة.[١٠٧]

والنموذج الآخر هو الحظر الاقتصادي الذي فرضه أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي الثاني، فقد طبّق سياسة التجويع وإفقار الرعية على نطاق واسع، وكان دافعه من وراء ذلك هو أن يجعل الناس جياعاً وفي فاقة وحاجة إليه، وأن يكون شغلهم الشاغل هو ملء بطونهم حتى لا يبقى لديهم مجال للتفكير في القضايا الاجتماعية الكبرى.

وقد بيّن ذات يوم وبحضور جمع من خاصته من رجال البلاط وبلهجة مشينة دافعه من تجويع الناس وقال: صدق الأعرابي حيث يقول أجع كلبك يتبعك.[١٠٨]

وكان نصيب الشيعة العلويين من سياسة الضيق والحظر الاقتصادي أكثر من غيرهم، لأنّهم كانوا دائماً على رأس المخالفين والمناضلين للخلفاء الظالمين.

وعلى كلّ لم تكن خلافة هارون مستثناة من هذه الخطة العامة أيضاً، لأنّه وبعد ان استولى على بيت المال وصرفها على ملذّاته ولهوه ورغباته هو ومن حوله، راح يمنع الشيعة من حقوقهم المشروعة ليضعفهم من خلال ذلك .

وكسب علي بن يقطين صاحب الإمام المخلص الوفي ثقة هارون على الرغم من سعاية أعداء الشيعة به لديه وتسلّم وزارة العالم الإسلامي الكبير ويعرف خطورة هذا الأمر وأهميته فلم يأل جهداً في توظيف جميع الامكانيات لأجل دعم الشيعة وحمايتهم خاصة دعمهم مالياً وإيصال خمس ماله ـ الذي كان يشكل مبلغاً ضخماً ويبلغ المائة والثلاثمائة ألف درهم أحياناًـ [١٠٩] إلى الإمام الكاظم، ونحن نعلم انّ الخمس دعامة مالية للحكومة الإسلامية. وقال ابن علي بن يقطين: كان أبو الحسن الكاظم ـ إذا أراد شيئاً من الحوائج لنفسه أو ممّا يعني به من أموره كتب إلي أبي (يعني علياً) اشتر لي كذا وكذا واتخذ لي كذا وكذا وليتول ذلك هشام بن الحكم ولم يذكر هشاماً إلاّ فيما يعنى به من أُموره.[١١٠]

ولما قدم موسى بن جعفر(ع) العراق قال علي بن يقطين: أما ترى حالي وما أنا فيه (يشتكي إليه من عمله في الوزارة) فقال(ع): « يَا عَلِيُّ إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْلِيَاءَ مَعَ أَوْلِيَاءِ اَلظَّلَمَةِ لِيَدْفَعَ بِهِمْ عَنْ أَوْلِيَائِهِ وَ أَنْتَ مِنْهُمْ يَا عَلِيُّ .»[١١١]

وقد سأل علي بن يقطين الإمام مرة أُخرى وقال: ما تقول في أعمال هؤلاء؟ قال(ع): « إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَاتَّقِ أَمْوَالَ الشِّيعَةِ »؛ فأطاع علي الإمام وكان يجيبها من الشيعة علانية ويردها عليهم في السر.[١١٢] وسبب ذلك هو انّ حكم هارون لم يكن حكماً إسلامياً ليجب امتثال قوانينها على المسلمين فقد كانت الولاية والخلافة لموسى بن جعفر(ع) الذي كان ابن يقطين يعيد الأموال إلى الشيعة بأمره.[١١٣]

النيابة في الحجّ

ومن افتخارات علي بن يقطين في التاريخ هو انّه كان يرسل كلّ عام عدة إلى الحج نيابة عنه، وكان يدفع لكلّ منهم عشرة إلى عشرين ألف درهم، [١١٤] وكان يبلغ عدد المبعوثين في العام ١٥٠ شخصاً وأحياناً ٢٥٠ أو ٣٠٠.[١١٥]

ويعبر هذا العمل ونظراً إلى أهمية وفضيلة الحج في الدين الإسلامي مدى ورع وإيمان علي بن يقطين الخاص غير انّ التدقيق في عدد هؤلاء المبعوثين ونظراً للمبالغ الكبيرة التي كانت تدفع إليهم يعطي عمقاً أكبر لهذا الموضوع.

ولو أخذنا عدد المبعوثين والمبالغ التي تدفع إليهم بشكل متوسط ونعتبر عددهم ٢٠٠ شخص في السنة مثلاً ولكلّ واحد عشرة آلاف، لكان مجموع المبلغ المدفوع إليهم قرابة المليونين درهم.

ومن ناحية أُخرى كان هذا المبلغ الذي يدفع في كلّ عام هو قسماً من مؤونة علي بن يقطين السنوية والفائض عن مصارفه بعد دفع الحقوق الشرعية كالزكاة والخمس والصدقات المستحبة والهبات وغيرها.

وعليه كم ينبغي أن تكون إيرادات علي بن يقطين السنوية حتى تكفي لكلّ ذلك؟!

ويبدو أنّ الشيخ البهائي هو الوحيد من بين علماء الشيعة قد التفت إلى هذه النقطة، وقد بيّن هذه النقطة الدقيقة بهذا النحو: ظنّي انّ الكاظم(ع) قد أحلّ التصرف في الخراج وهو ـ علي بن يقطين ـ جعل أجر الحجّ وسيلة لدفع هذا المال إلى الشيعة الأطهار لئلاّ يطعن عليه أعداؤه.[١١٦]

وممّا يؤيد هذا الأمر وجود شخصيات كبيرة كـ عبد الرحمان بن الحجاج و عبد الله بن يحيى الكاهلي،[١١٧] وهما من أصحاب الإمام ومقرّبيه، ومن المغضوب عليهم من قبل السلطة.[١١٨]

والنقطة الأخرى التي يمكن ملاحظتها في خطة علي بن يقطين هذه هو إشراك الشيعة لا سيما شيوخهم في موسم الحجّ بدافع التعريف بالمذهب الشيعي والمناظرة مع الفرق الدينية الأخرى وإيجاد موجة ثقافية شيعية.[١١٩]

حافظ على هذه الثوب

وقد كان علي بن يقطين وفي ضوء هذه الخدمات مؤيداً ومدعوماً من قبل الإمام الكاظم(ع) دائماً، وقد نجا عدة مرات من خطر الموت المحقق بسبب تدخل الإمام وتدبيره، والتي منها: حمل الرشيد في بعض الأيام إلى علي بن يقطين ثياباً أكرمه بها، وكان في جملتها دراعة خز سوداء من لباس الملوك مثقلة بالذهب، فأنفذ علي بن يقطين جل تلك الثياب إلى موسى بن جعفر(ع) وأنفذ في جملتها تلك الدراعة، وأضاف إليها مالاً كان أعدّه على رسم له فيما يحمله إليه من خمس ماله، فلمّا وصل ذلك إلى أبي الحسن(ع) قبل ذلك المال والثياب وردّالدراعة على يد الرسول إلى علي بن يقطين، وكتب إليه احتفظ بها ولا تخرجها عن يدك، فسيكون لك بها شأن تحتاج إليها معه.

فارتاب علي بردّها عليه، ولم يدر ما سبب ذلك واحتفظ بالدراعة، فلمّا كان بعد أيام تغير علي بن يقطين على غلام كان يختص به، فصرفه عن خدمته، وكان الغلام يعرف ميل علي بن يقطين إلى أبي الحسن موسى بن جعفر(ع) ويقف على ما يحمله إليه في كلّ وقت من مال وثياب وألطاف، فسعى به إلى الرشيد فقال: إنّه يقول بإمامة موسى بن جعفر، ويحمل إليه خمس ماله في كلّ سنة، وقد حمل إليه الدراعة التي أكرمه بها الخليفة في وقت كذا وكذا.

فاستشاط الرشيد لذلك، وغضب غضباً شديداً وقال: لأكشفن عن هذه الحال، فإن كان الأمر كما تقول أزهقت نفسه؛ وأنفذ في الوقت بإحضار علي بن يقطين، فلمّا مثل بين يديه، قال له: ما فعلت بالدراعة التي كسوتك بها؟

قال: هي يا أمير المؤمنين عندي في سفط مختوم وفيه طيب قد احتفظت بها قلّما أصبحت إلاّ وفتحت السفط ونظرت إليها تبركاً و...

فقال: احضرها الساعة.

فاستدعى ابن يقطين بعض خدمه، فقال له: امض إلى البيت الفلاني من داري، فخذ مفاتحه من خازني وافتحه، ثمّ افتح الصندوق الفلاني، فجئني بالسفط الذي فيه بختمه، فلم يلبث الغلام ان جاء بالسفط مختوماً، فوضع بين يدي الرشيد، فأمر بكسر ختمه وفتحه، فلمّا فتح نظر إلى الدراعة فيه بحالها مطوية مدفونة في الطيب.

فسكن الرشيد من غضبه، ثمّ قال لعلي بن يقطين: أرددها إلى مكانها، وانصرف راشداً، فلن أصدق عليك بعدها ساعياً، وأمر أن يتبع بجائزة سنية، وتقدّم بضرب الساعي به ألف سوط.[١٢٠][١٢١]

أهداف تشكيل الحكومة الإسلامية

كان هارون يعلم بأنّ موسى بن جعفر(ع) وأتباعه يرونه غاصباً لخلافة الرسول، وحاكماً ظالماً مسك مصير المسلمين بيده قسراً وبالقوة، وانّهم لو تجهّزوا من الناحية العسكرية يوماً لما كانوا ينتظرون لحظة واحدة في القضاء على حكمه.

ويكشف الحوار التالي الذي دار بين الإمام السابع وهارون عن أهداف الإمام جيداً فيما يتعلّق بتشكيل الحكومة الإسلامية وعن نوايا هارون الخبيثة.

فقد أعلن هارون ـ ولعلّه بدافع الاختبار ولمعرفة أهداف الإمام ـ للإمام بأنّه على استعداد لأن يرد إليه فدك. فقال الإمام:« لاَ آخُذُهَا إِلاَّ بِحُدُودِهَا قَالَ وَ مَا حُدُودُهَا قَالَ إِنْ حَدَدْتُهَا لَمْ تَرُدُّهَا قَالَ بِحَقِّ جَدِّكَ إِلاَّ فَعَلْتَ قَالَ أَمَّا اَلْحَدُّ اَلْأَوَّلُ فَعَدَنُ فَتَغَيَّرَ وَجْهُ اَلرَّشِيدِ وَ قَالَ إِيهاً قَالَ وَ اَلْحَدُّ اَلثَّانِي سَمَرْقَنْدُ فَارْبَدَّ وَجْهُهُ وَ اَلْحَدُّ اَلثَّالِثُ إِفْرِيقِيَةُ فَاسْوَدَّ وَجْهُهُ وَ قَالَ هِيهِ قَالَ وَ اَلرَّابِعُ سِيفُ اَلْبَحْرِ مِمَّا يَلِي اَلْجُزُرَ وَ أَرْمِينِيَةَ قَالَ اَلرَّشِيدُ فَلَمْ يَبْقَ لَنَا شَيْءٌ فَتَحَوَّلْ إِلَى مَجْلِسِي قَالَ مُوسَى قَدْ أَعْلَمْتُكَ أَنَّنِي إِنْ حَدَدْتُهَا لَمْ تَرُدَّهَا».[١٢٢]

أراد بهذا الجواب أن يقول لهارون انّ فدك رمز لمجموع حدود الحكومة الإسلامية، وانّ عمل أصحاب السقيفة بسلبهم فدك من بنت الرسول وصهره هو في الواقع مظهر من مظاهر مصادرة حقّ سيادة أهل بيت العصمة والطهارة سلام الله عليهم أجمعين، وعليه إذاكان من المقرر أن ترد حقنا إلينا فعليك أن تضع جميع حدود الحكومة الإسلامية في قبضتنا. عبّـر هذا الحوار عن أهداف الإمام الكبيرة بشكل جيد.[١٢٣]

جمع الأموال

ومن ناحية أُخرى فانّ هارون وإن كان يمتلك السلطة والقوة في الظاهر غير انّ سلطته كانت على الأبدان فقط، ولم يكن له مكان في قلوب الناس، وأمّا سلطة القلوب والسيطرة عليها فقد كانت من نصيب الإمام السابع وفي ضوء شعبيته الواسعة ومكانته في الرأي العام كان المجاهدون والمتنوّرون من المسلمين يبعثون بخمس أموالهم والأموال الأخرى التي تتعلّق ببيت المال إلى الإمام، ولم يكن ذلك خافياً على هارون، لأنّه ومن خلال تقارير جواسيسه كان يعرف بأنّ الأموال والحقوق الشرعية تصل الإمام من أقطار العالم الإسلامي الكبيرة لدرجة انّه شكل صندوقاً لبيت المال.[١٢٤].[١٢٥]

المراجع والمصادر

  1. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة

الهوامش

  1. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٧٣.
  2. ابن عبد الله المحض صاحب الانتفاضة ضد العباسيين.
  3. تاريخ الخلفاء: ٢٥٩.
  4. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٧٣.
  5. الأنوار البهية: ١٧٠.
  6. مختصر تاريخ العرب: ٢٠٩.
  7. الصواعق المحرقة: ٢٠٣.
  8. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٧٥.
  9. تاريخ اليعقوبي: ٣ /١٣٢.
  10. مروج الذهب: ٣ /٣١٢.
  11. مختصر تاريخ العرب ص٢١٣.
  12. تاريخ الخلفاء: ٢٧٧.
  13. الكامل في التاريخ: ٦ /٧٣؛ الفخري: ١٨٥.
  14. حياة الإمام موسى بن جعفر(ع): ١ /٤٣٦.
  15. تاريخ اليعقوبي: ٣ /١٣٧.
  16. حياة الإمام موسى بن جعفر: ١ /٤٤٢.
  17. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٧٦.
  18. الكامل في التاريخ: ٦ /٨٤.
  19. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٧٩.
  20. سورة الأعراف، الآية 33.
  21. سورة الأنعام، الآية 151.
  22. سورة الأنعام، الآية 151.
  23. سورة البقرة، الآية 85.
  24. سورة البقرة، الآية 219.
  25. سورة البقرة، الآية 85.
  26. سورة البقرة، الآية 219.
  27. الفروع من الكافي: ٦ /٤٠٦.
  28. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٧٩.
  29. مروج الذهب: ٣ /٣٢٤.
  30. مروج الذهب: ٣ /٣٢٥؛الأغاني: ٥ /١٨٤.
  31. مروج الذهب: ٣ /٣٢٥؛ تاريخ الخلفاء: ٢٧٩.
  32. الكامل في التاريخ: ٦ /١٠٢.
  33. الأغاني: ٥ /١٦٠.
  34. الأغاني: ٥ /١٦٣.
  35. الأغاني: ٥ /١٨٥.
  36. تاريخ اليعقوبي: ٣ /١٤٢.
  37. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٨٠.
  38. وهو الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب وحيث قد قتل بأرض تسمّى فخ على بعد ٦ أميال من مكة في حربه مع جيش العباسيين اشتهر بصاحب فخ أو شهيد فخ.
  39. تاريخ الطبري: ١٠ /٢٥ ؛ مقاتل الطالبيين ص٢٩٤ـ٢٩٥؛ الكامل في التاريخ: ٦ /٩٠.
  40. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٨٣.
  41. وعندما جاءوا برأس الحسين بن علي بعد استشهاده إلى المدينة حزن الإمام السابع(ع) كثيراً من مشاهدته فقال ـ والألم والحزن العميق يعلوه ـ: والله كان مسلماً صالحاً صواماً، كثير الصلاة، محارباً للفساد، آمراً بالمعروف، وناهياً عن المنكر، ولم يكن مثله بين أهله (مقاتل الطالبيين، ص ٣٠٢).
  42. مقاتل الطالبيين، ص ٢٨٥.
  43. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٨٤.
  44. الكامل في التاريخ: ٦/٩٣؛ تاريخ الطبري: ١٠/٢٨، وقد ذهب يحيى بن عبد الله مع جماعة إلى الديلم بعد استشهاد الحسين صاحب فخ وهزيمة جيشه ونشط هناك وانضم إليه الناس وكون قوات معتد بها غير انّ هارون ـ وبتدبير الدسائس ـ أحضره إلى بغداد وقتله بشكل فظيع، وسنورد ذلك في فصل حيل هارون.
  45. بحار الأنوار: ٤٨ /١٦٥.
  46. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٨٥.
  47. سورة البقرة، الآية ١٥٦.
  48. بحار الأنوار: ٤٨ /١٦٩؛ أُصول الكافي: ١ /٣٦٦؛ مقاتل الطالبيين، ص ٢٩٨.
  49. بحار الأنوار: ٤٨ /١٥١.
  50. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٨٦.
  51. ومع أنّ بني أُمية لم يكونوا يتمتعون بهذه الذريعة لتقلّد الخلافة، ولكنّهم حاولوا وبطرق أُخرى أن يكتسبوا عطف الناس نحوهم فانّ مبادرات معاوية المحتالة في وضع الحديث لصالحه وشراء ذمم الرواة الكذّابين والوضّاعين تمثل محاولات الحكم الأموي الماكرة في ذلك.
  52. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٨٧.
  53. الصواعق المحرقة، ص ٢٠٤.
  54. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٨٨.
  55. الإرشاد، ص ٢٩٨؛ الكامل في التاريخ: ٦ /١٦٤؛ البداية والنهاية: ١٠ /١٨٣؛ الصواعق المحرقة، ص ٢٠٤.
  56. سورة الأنعام، الآية 84-85.
  57. نور الأبصار، ص ١٤٩؛ الفصول المهمة ص ٢٢٠؛ الصواعق المحرقة، ص ٢٠٣، وقداستدلّ الإمام في هذا الحوار بآية المباهلة أيضاً حيث اعتبر الحسن والحسين (ولاستخدام عبارة أبنائنا) من أبناء النبي.
  58. بحار الأنوار: ٤٨ /١٢٧.
  59. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٨٩.
  60. سورة الأعراف، الآية ١٤٦.
  61. بحار الأنوار: ٤٨ /١٣٨؛ تفسير العياشي: ٢ /٣٠.
  62. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٩٠.
  63. آنسوى چهرهها، الدكتور ناصر الدين صاحب الزماني، ص ٣١.
  64. تاريخ التمدن الإسلامي، جرجي زيدان: ٥ /١٦٢.
  65. تاريخ التمدن الإسلامي، جرجي زيدان: ٥ /١٧٣.
  66. تاريخ التمدن الإسلامي: ٥ /١٦١.
  67. وعاظ السلاطين للوردي، ص ٣٩.
  68. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٩١.
  69. وقد نقل أحمد أمين هذه العبارة عن الاصفهاني، الأغاني: ٥/٢٤١.
  70. ضحى الإسلام، أحمد أمين: ١ /١١٢ ـ ١١٣.بتصرف يسير.
  71. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٩٤.
  72. ضحى الإسلام، أحمد أمين: ٢ /١٦٢ـ١٦٣
  73. ويقصد جرجي زيدان بذلك أهل السنّة، لأنّ الشيعة يرون ومنذ البداية انّ الخلفاء الثلاثة والأمويين والعباسيين والعثمانيين وغيرهم غاصبين للخلافة ولم يؤمنوا بهم.
  74. تاريخ التمدن الإسلامي: ٤ /٢٤٢.
  75. وعاظ السلاطين، الوردي ص ٥٥.
  76. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٩٦.
  77. مقاتل الطالبيين ص ٣٠٨ . وينقل المرحوم الكليني في الكافي(١ /٣٦٦) رسالة من يحيى بن عبد الله إلى الإمام موسى بن جعفر(ع) ينتقد خلالها أسلوب الإمام وأسلوب أبيه القدير الإمام الصادق، ويجيب عليه الإمام إجابة حادة. وقال المرحوم العلامة المامقاني في كتابه (تنقيح المقال: ج٣ مادة يحيى) مشيراً إلى هذه الرسالة: لا يمكن الطعن في سند هذه الرواية غير انّ مضمونها يخالف ما نعرفه عن يحيى (أي قد يكون الخطأ من المحدّثين). وقد أثبت مؤلف كتاب حياة الإمام موسى بن جعفر انّ هذه الرواية لا يمكن التعويل عليها، لأنّها مرسلة أوّلاً وفي سندها مجاهيل ليس لهم ذكر في الكتب الرجالية ـ حياة الإمام موسى بن جعفر: ٢ /٩٩.
  78. وهب بن وهب أبو البختري القرشي المدني، سكن بغداد، وولي قضاء عسكر المهدي ثمّ قضاء المدينة، كان متهماً في الحديث كذّاباً يضع الحديث. ميزان الاعتدال: ٣ /٢٧٨.
  79. وكان يحيى بن عبد الله قد عرض الأمان على مالك بن أنس وآخرين من الفقهاء وقد أيّدوا صحته.
  80. ضحى الإسلام: ٢ /٢٠٣.
  81. ضحى الإسلام: ٢ /٢٠٤.
  82. حياة الإمام موسى بن جعفر: ٢ /١٠٠؛ وعاظ السلاطين: ٥٢.
  83. اضافة إلى ذلك فقد عزله عن القضاء(ضمن الإسلام: ٢ /٢٠٤).
  84. اختلف المؤرخون في كيفية استشهاد يحيى(حياة الإمام موسى بن جعفر: ٢ /١٠٠) وكتب اليعقوبي: انّه مات جوعاً، وخبرني رجل من موالي بني هاشم قال: كنت محبوساً في الدار التي فيها يحيى بن عبد الله فكنت إلى جانب البيت الذي هو فيه، فربما كلّمني من خلف حائط قصير، فقال لي يوماً: إنّي قد منعت الطعام والشراب منذ تسعة أيام، فلمّا كان اليوم العاشر دخل الخادم الموكل به ففتش البيت ثمّ نزع عنه ثيابه، ثمّ حل سراويله فإذا بأنبوبة قصب شدّها في بطن فخذه فيها سمن بقر كان يلحس منه الشيء بعد الشيء يقيم رمقه، فلمّاأخذها لم يزل يفحص برجله حتى مات.تاريخ اليعقوبي: ٣ /١٤٥.
  85. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٩٩.
  86. يقولون: إنّ لقب قاضي القضاة كان يطلق في ذلك العصر على من كان يتولى ـ بلغة اليوم ـ وزارة العدل ورئاسة الديوان الأعلى للدولة والمدّعي العام ومناصب القضاء في الجيش والمحاكم العسكرية في آن واحد، ونظراً إلى أهمية هذه المناصب تتضح أهمية القاضي أبي يوسف في جهاز هارون الحاكم جيداً، ومن الواضح انّ هذه المناصب والاختيارات لا تمنح مجاناً.
  87. تاريخ الخلفاء، ص ٢٩١.
  88. البداية والنهاية: ١٠/ ٢١٦.
  89. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٠١.
  90. الفهرست، الشيخ الطوسي، ص ٢٣٤.
  91. الفهرست ٢٣٤، فهرست أسماء مصنّفي الشيعة: ١٩٤.
  92. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٠٤.
  93. فهرست أسماء مصنفي الشيعة: ١٩٥.
  94. هي نبوءات الإمام الصادق(ع) حول الأحداث والفتن المستقبلية جواباً على أسئلة طرحت عليه في ذلك.
  95. مناظرة مع أحد المشكّكين بحضور الإمام.
  96. الفهرست، الطوسي، ص ٢٣٤.
  97. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٠٤.
  98. واعتبر ابن النديم في فهرسته يقطين أبا علي شيعياً وقد تابعه في ذلك بعض علماء الشيعة قديماً وحديثاً بدون ذكر الدليل والمصدر غير انّ بعض الباحثين المعاصرين أثبت انّه لم يكن شيعياً ـ قاموس الرجال: ٧ /٩٠.
  99. الغيبة النعماني: ٢٩٥. وقد اعتمد علي بن يقطين في هذه الرؤية على الإمام السابع، لأنّه كان قد سأل نفس هذا السؤال من الإمام وأجابه بنفس هذا الجواب. الغيبة ٢٩٦ـ الهامش ـ نقلاً عن علل الشرائع.
  100. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٠٥.
  101. اختيار معرفة الرجال: ٤٣٣.
  102. بحار الأنوار: ٤٨ /١٥٨.
  103. بحار الأنوار: ٤٨ / ١٣٦؛ اختيار معرفة الرجال: ٤٣٣.
  104. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٠٧.
  105. اختيار معرفة الرجال: ٤٣٦ـ ٤٣٧.
  106. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٠٨.
  107. الكامل في التاريخ: ٣/٥٥١؛ الإمامة والسياسة: ١ /١٩١.
  108. وقد أشرنا إلى ذلك في سيرة الإمام الصادق.
  109. اختيار معرفة الرجال، ص ٤٣٤.
  110. اختيار معرفة الرجال، ص ٢٦٩.
  111. اختيار معرفة الرجال، ص ٤٣٣.
  112. بحار الأنوار: ٤٨/ ١٥٨.
  113. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٠٩.
  114. اختيار معرفة الرجال: ٤٣٤.
  115. اختيار معرفة الرجال: ٤٣٧ و٤٣٤.
  116. تنقيح المقال: ٢ /٣١٧.
  117. عبد الرحمان بن الحجاج أفاد من الإمامين الصادق والكاظم وكان ثقة ثقة ثبتاً وجهاً؛ فهرست أسماء مصنّفي الشيعة؛ رجال النجاشي، ٦٥؛ تنقيح المقال: ٢ /١٤١. وقد قال له الإمام الصادق(ع): «يا عبد الرحمان كلم أهل المدينة فانّي أحبّ أن يرى في رجال الشيعة مثلك». ـ جامع الرواة ـ الأردبيلي: ١ /٤٤٧؛ اختيار معرفة الرجال: ٤٤٢. وكان عبد الله بن يحيى الكاهلي يحظى باهتمام خاص من قبل الإمام الكاظم(ع) حتى أنّه كان يوصي علي بن يقطين به كما قال له يوماً: «اضمن لي الكاهلي وعياله أضمن لك الجنة». اختيار معرفة الرجال، ص ٤٠٢. فكان علي رحمه الله لم يزل يجري عليهم الطعام والدراهم وجميع النفقات مستغنين حتى مات الكاهلي. نفس المصدر، ٤٤٨.
  118. اختيار معرفة الرجال: ٤٣٥.
  119. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤١١.
  120. الإرشاد: ٢٩٣؛ نور الأبصار الشبلنجي: ١٥٠؛ الفصول المهمة، المالكي: ٢١٨؛ مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب: ٤ /٢٨٩.
  121. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤١٣.
  122. تذكرة الخواص، ابن الجوزي: ٣٥٠؛ المناقب ابن شهر آشوب: ٤ /٣٢٠؛ مقاتل الطالبيين: ٣٥٠.
  123. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤١٤.
  124. بحار الأنوار: ٤٨ /٢٣٢؛ نور الأبصار: ١٥١؛ الفصول المهمة، المالكي: ٢٢٠؛ الصواعق المحرقة، ابن حجر الهيتمي: ٢٠٤. ولكي تعرف مقدار الأموال التي كانت تصل الإمام وترسل إليه يكفي أن نلاحظ الأرقام التالية: مات موسى بن جعفر (ع) وعند زياد بن مروان القندي سبعون ألف دينار من ماله، وعند علي بن أبي حمزة ثلاثون ألف دينار، وقد كانا من نواب الإمام، مضافاً إلى ذلك كان عند عثمان بن أبي عيسى الرواسي نائب الإمام في مصر ثلاثون ألف دينار أيضاً. البحار: ٤٨ /٢٥٢ـ ٢٥٣.
  125. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤١٦.