بعثة النبي في نهج البلاغة
تمهيد
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾[١].[٢]
أولاً: تعريف البعثة
البعثة كمصطلح ديني تعني قيام النبي (ص) بدعوته الإلهية من قبل ربه تبارك وتعالى، وإظهار أمر دينه وتبليغ رسالة ربه.
ويوم البعثة هو السابع والعشرون من شهر رجب، وقد جاء في فضلها وشرفها حديث عن الإمام الجواد (ع): « إِنَّ فِي رَجَبٍ لَيْلَةً هِيَ خَيْرٌ لِلنَّاسِ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَهِيَ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَ عِشْرِينَ مِنْهُ نُبِّئَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وسَلَّمْ) فِي صَبِيحَتِهَا»[٣].[٤]
ثانيًا: مهمات النبي (ص)
قال أمير المؤمنين (ع)[٥]: «إِلَى أَنْ بَعَثَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مُحَمَّداً رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وسَلَّمْ) لِإِنْجَازِ عِدَتِهِ وَ إِتْمَامِ نُبُوَّتِهِ مَأْخُوذاً عَلَى النَّبِيِّينَ مِيثَاقُهُ ...».
فبمقتضى إنجاز الوعد الإلهي بُعِثَ رسولُ اللهِ (ص) وكأنما هذا المبعث هو تمام الحلقة والبشارة والتكميل الإلهي لرسالات الأنبياء والمرسلين (ع)، وعبرَّ عنها بأنها إتمام لنبوة الله أي لولاها لكانت النبوة ناقصة والعروة منفصمة، ومن تمام الفضل أن يختم الله هذه السلسلة المباركة بخیر الأنبياء وأشرف المرسلين (ص) وعليهم أجمعين.
وقال (ع) عن هذا الحدث الأعظم[٦]: « حَتَّى أَوْرَى قَبَساً لِقَابِس، وَأَنَارَ عَلَماً لِحَابِس فَهُوَ أَمِينُكَ الْمَأْمُونُ، وَشَهِيدُكَ يَوْمَ الدِّينِ، وَبَعِيثُكَ نِعْمةً وَرَسُولُكَ بِالْحقِّ رَحْمَةً»[٧].
فهو المأمون من قبل الله تعالى على التنزيل وهذه رتبة سامية أن يكون الحامل للقرآن العظيم بما يحويه من آثار الله وعلمه وأسراره، وبما يحمل من هداية للبشر، وهو الشهيد، والشهادة مهمة كبیرة جدًّا تعني الحضور والمراقبة لعمل الخلق ومدى اتباعهم للحق، وهذه المهمة أيضًا من اللطف الإلهي أن تكون هذه الرحمة المهداة وهذا النور قائماً بن أظهر الناس يرعى شؤونهم ويخط لهم درب السعادة، ويتلافى أخطاءهم ويستدرك عليهم، وتلك نعمة كبیرة. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾[٨]، فهو يشهد لهم في الدنيا ويشهد لهم وعليهم في الآخرة.
وقوله (ع) «وَبَعِيثُكَ نِعْمةً» إشارة إلى أن بعثة النبي في حد ذاتها نعمة جليلةمن الله تعالى، ورحمة واسعة للعباد.
وقال (ع)[٩]: « حَتّىٰ بَعَثَ اللهُ مَحَمَّدًا (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وسَلَّمْ) شَهِيدًا وَبَشِيرًا وَنَذِيرًا».
وينبغي الالتفات إلى أن هذه ليست فقط صفات للنبي، بل هي في واقعها مهمات أُوكلت إليه فقام بها خیر قيام.
وقال (ع) حول بعض مهام هذه الدعوة[١٠]: «فَبَعَثَ اللهُ مُحَمَّدا (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وسَلَّمْ) بِالحَقِّ، لِيُخرِجَ عِبادَهُ مِن عِبادَةِ الأَوثانِ إلى عِبادَتِهِ، ومِن طاعَةِ الشَّيطانِ إلى طاعَتِهِ...».
وفي الواقع يمكن أن يقال إن هذا هو السر، والأمر الأهم في البعثة المباركة،فإن الإنسان ما لم يعبد الله ويهتدِ بهداه فإنه يعبد الوثن، لأنه إما الله وإما الشيطان،سواءً كان ذلك الوثن متمثلاً في صنم يصنعه الإنسان بيده من حجارة أو خشب ثم يسجد له ويقدم له القرابین، أو كان هواه يتبعه، أو كانت الدنيا يعبدها ويعبد حُكَّامها، فكل تلك أوثان مآل صاحبها إلى الهلاك، ولا منجى ولا مخلص إلا بعبادة الله تعالى، ولهذا لاحظوا التعبیر: «لِيُخرِجَ عِبادَهُ» فهم في مأزقٍ وبلاء مبرم وهوَّةٍ سحيقة، فأخرجهم من الظلمات إلى النور، كما سنذكر ذلك في حديث لاحق عن الجاهلية، إن شاء الله تعالى.
وأخيرًا قال (ع) معممًا دور بعثة الرسل[١١]: «وَبَعَثَ إِلَى الْجِنِّ وَالاِْنْسِ رُسُلَهُ، لِيَكْشِفُوا لَهُمْ عَنْ غِطَائِهَا، وَلِيُحَذِّرُوهُمْ مِنْ ضَرَّائِهَا، وَلِيَضْرِبُوا لَهُمْ أَمْثَالَهَا، وَلِيُبَصِّرُوهُم عُيُوبَهَا، وَلِيَهْجُمُوا عَلَيْهِمْ بِمُعْتَبَر مِنْ تَصَرُّفِ مَصَاحِّهَا وَأَسْقَامِهَا، وَحَلاَلِهَا وحَرَامِهَا، وَمَا أَعَدَّ سُبْحَانَهُ لِلْمُطِيعِينَ مِنْهُمْ وَالْعُصَاةِ مِنْ جَنَّة وَنَار، وَكَرَامَة وَهَوَان...».
والرسول (ص) هو خاتم الأنبياء وسيدهم وقد تجلت في نبوته هذه المهمات وهذه الجامعية بنحو أكمل.[١٢]
ثالثًا: دعامة أمره وركن دعوته
للرسول الأكرم جنبتان: جنبة مع الخَلْق، وجنبة مع الحق، مع الله تبارك وتعالى، وهذا معنى جامعيته للنبوة والرسالة كما تقدم، فالنبوة هي جنبته مع الحق، فهو يتلقى الوحي منه تعالى بطريق الأمین جبرئيل (ع) بل إن له ما هو فوق ذلك، فله مع خالقه مناجاة وخلوات وانقطاعات خاصة بغیر واسطة ملَك ووحي، وهذه الناحية هي إحدى دعائم أمره.
ومن أركان دعوته القرآن الكريم ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾[١٣] ولا يُطلَبُ بعده شيء، وقد أحاط رسول الله (ص) بأسراره ومعارفه.
وفي هذا المجال تحدث الإمام (ع)[١٤]: «إِنَّ اللهَ بَعَثَ رَسُولًا هَادِياً بِكِتَابٍ نَاطِقٍ وَأَمْرٍ قَائِمٍ».
فالقرآن الكريم إذن هو الدعامة الأولى للدعوة، وقد عبر عنه الإمام (ع) بأنه «ناطق» وهذا خلاف ما يعهد من الروايات من التعبیر عن القرآن الكريم بأنه كتاب الله الصامت، والإمام كتاب الله الناطق لأنه ترجمان للقرآن يخبر عنه ويجسد تعاليمه عمليًّا، وهذا التعبیر هنا عن القرآن الكريم بأنه «ناطق» قد يكون لعدة اعتبارات: منها، أنه ناطق بالنسبة للنبي، وصامت بالنسبة لغیره، وذلك أن النبي محيط بما فيه من علم فتنطق حروفه وكلماته له بكل ما فيه من أسرار وحكم، بينما هو صامت بالنسبة للآخرين لعدم إحاطتهم بمعارفه وأسراره ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾[١٥]
يضاف إلى ذلك أن النبي سمع الوحي بالقرآن قبل أن يكتب فهو في حقه ناطق بهذا الاعتبار أيضًا، ولعل قوله (ع) «وأمر قائم» إشارة إلى أن سائر تشريعات الإسلام أمور معلومة واضحة جلية عند النبي (ص)
وقال (ع)[١٦]: «ابْتَعَثَهُ بِالنُّورِ الْمُضِيءِ، وَالْبُرْهَانِ الْجَلِيِّ، وَالْمِنْهَاجِ الْبَادِي وَالْكِتَابِ الْهَادِي»:
وهذه إشارة إلى ركائز الدعوة سواءً كانت هذه الصفات مترادفات تشیر إلى القرآن الكريم، أو كانت تعني ما زُوِّدَ به الرسول الأعظم (ص) من قوة الحجة وتمام البرهان على دعوته العظيمة، وهذه الحجة هي الركيزة الأخرى في دعوته وأمره، لأن من يتكفل بهذه الدعوة الكبیرة ويدعي أنه وحده المبعوث من قبل الله تعالى إلى جميع الأمم- لا بد وأن يكون له من البينات والحجج الظاهرة ما يثبت دعواه، فالناس أشتات فيهم العقلاء والمفكرون وعلماء الديانات السابقة من اليهود والنصارى لهم علم بالكتب السماوية ومعرفة بالأديان، ولديهم احتجاجات لا بد وأن يظهر عليها بحججه القوية الواضحة «والمنهاج البادي والكتاب الهادي».
ولذلك قال (ع) في نفس الخطبة[١٧]: «أَرْسَلَهُ بِحُجَّةٍ كَافِيَةٍ، وَمَوْعِظَةٍ شَافِيَةٍ، وَدَعْوَةٍ مُتَـلاَفِيَةٍ ...»: فهنا يجمع الإمام (ع) جملة من دعائم أمر البعثة وما كان عليه النبي (ص) من عدة ومدد إلهي في هذا الأمر.
ومن هذه النصوص قوله (ع)[١٨]: «أرسَلَهُ بِالدِّينِ المَشهورِ، وَالعَلَمِ المَأثورِ، وَالكِتابِ المَسطورِ، وَالنُّورِ السَّاطِعِ، وَالضِّياءِ اللاَّمِعِ، وَالأمرِ الصَّادِعِ، إزاحَةً لِلشُّبُهاتِ، وَاحتِجاجا بِالبَيِّناتِ...»: ولا أعتقد أن هذه كلها مترادفات وإن كانت تصب في أمر الدعوة والإرشاد، بل إن بعضها يشیر إلى القرآن، كما يشیر بعضها إلى عقل النبي الكبیر، وملكاته وكمالاته التي أهَّلته للدعوة.[١٩]
رابعًا: البلاء الحسن الجميل
في هذه الناحية يجب أن لا يغفل كما نبهنا من قبل أننا نتحدث في إطار كلمات أمیر المؤمنین (ع) وإلا فالروايات الكثیرة فيها تفصيل أكثر -بطبيعة الحال- حول بلاء النبي والأذى الكبیر والعناء الذي تحمله، والصعوبات التي اعترضته، في سبيل الدعوة، وقد جاء عنه (ص): «ما أُوْذِيَ نبيٌّ مثلَ ما أُوْذِيت».
وفي هذا الفلك قال (ع)[٢٠]: «فَبَالَغَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وسَلَّمْ) فِي النَّصِيحَةِ ومَضَى عَلَى الطَّرِيقَةِ ودَعَا إِلَى الْحِكْمَةِ والْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ»: وموضع شاهدنا قوله (ع): «بَالَغَ» وهذا لا يعني -بالطبع- ما نفهم نحن من أن المبالغة خلاف الحقيقة، بل يعني أنه بذل جهده وابتلي كل البلاء في سبيل دعوته، فهو لم يكتفِ بدعوة الناس بصدق وعزم، ولهم بعد ذلك أن يختاروا فيهتدوا أو لا يهتدوا، بل أكد دعوته وأصرَّ عليها رغم التكذيب، وتحمل كل عناءحبًّا في هداية من أُرْسِلَ إليهم وهم الناس كافة.
وقد بين ذلك (ع) بقوله[٢١]: «فَجَاهَدَ فِي اللهِ الْمُدْبِرِينَ عَنْهُ، وَالْعَادِلِينَ بِهِ»: ولا سيما وأن الكافرين والمعارضین كانوا هم الغالبية وأصحاب العدد والعدة، فتحمل منهم الأذى في مكة بكل أنواعه، ثم الطائف، ثم ما باشره من المدينة بنفسه من حروب ضد الكفار جرح فيها الجراحات الشديدة وكسرت رباعيته وانشقت شفته وأدميت ركبته؛ هذا وهو يحمل الهداية والخیر والرحمة للناس.
ونختم بقوله (ع)[٢٢]: «خاضَ إلى رضوانِ اللهِ كلَّ غمرة، وتجرَّع فيه كلَّ غُصَّة، وقد تلوَّنَ له الأدْنَوْن، وتأَلَّبَ عليهِ الأقصَوْن، وخلَعَتْ إليهِ العربُ أعِنَّتَها، وضربتْ إلى محاربتِهِ بطونَ رواحلِها، حتى أنزلتْ بساحتِهِ عداوتَها، من أبعدِ الدار، وأسحقِ المزار».
وهذا تصوير مهم ورائع ومثیر، فإن تجرُّعه الغصص وخوضه الغمرات مع طول المدة كان طلبًا لرضوان الله تعالى عنه، وأي جهاد وأي صدق في الدعوة أعظم من هذا؟ وقد تلوَّن له الأدنون فكان أبو لهب وأبو جهل والأقربون منه، وما أسلم بعضهم إلا بعد عناء شديد وفترة مريرة، وبعد أن أخذ الإسلام زمام الأمور وحقق انتصاراته، وتألَّب عليه الأقصون البعيدون فكان اليهود والنصارى والعرب وكل قد أتى لحربه، وأجهد في ذلك واشتد، وأنزلوا بساحته عداوتهم فقصدوه بالإيذاء قصدًا من أقصى الأرض، وكان الله تعالى ناصره ومسدِّده، صلى الله عليه وآل بيته الطيبین الطاهرين.[٢٣]
الجاهلية
قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾[٢٤].[٢٥]
أولاً: تعريف الجاهلية
الجاهلية كمصطلح لا ترتبط فقط بتلك الفترة التي كانت قبل البعثة، ولا ترتبط بأمة معينة، بل حتى في زماننا هذا إذا لم يكن الفكر سليمًا والعقل نیرِّاً وحياة الأمم والشعوب على وفق النظام الإلهي فتلك هي الجاهلية وإن كانت جاهلية حديثة.[٢٦]
ثانيًا: أسباب الجاهلية
من ضمن الظروف التي تهيء لظهور الجاهلية هو ما يبتلى به البشر من فترة ينقطع فيها إرسال الرسل، وليس في ذلك اعتراض على الله تعالى فقد بعث الأنبياء والمرسلين وجعل الأولياء، ولكن ابتعاد الناس عن منهج الأنبياء في حياتهم وبعد موتهم يؤدِّي إلى ظهور الجاهلية، ولهذا يذكر في هذه الفترة فترة انقطاع الرسل أن نبيًّا من الأنبياء كان قائماً بین الناس وهو آخر الأنبياء العرب وهو خالد بن سنان، وقد جاء في «بحار الأنوار»[٢٧] حديث عنه في أربع روايات تتحدث عن شيء من سیرته وأن رسول الله (ص) أدرك ابنته وكان يكرمها ويشیر إلى أنها ابنة نبي ضيعه قومه، مما يدل على أن عهده قريب من عهد الرسول الأكرم (ص)، ويناقش البعض في نبوته أو حجمها، ولكن حجم النبوة لا يضر بكونه نبيًّا.[٢٨]
ثالثًا: مظاهر الجاهلية
مظاهر الجاهلية كثرة ونحن نستمد التعريف بها من كلام أمیر المؤمنین (ع) والذي تحدث عن ذلك كثیرًا وفي مناسبات عديدة لا يمكن الإحاطة بها جميعًا في مبحث واحد.
وقيمة حديث الإمام هنا عالية جدًّا ومهمة باعتبار أنه أدقُّ المؤرخین -إن صح التعبیر- وأصدق المتحدثن عن هذه الفترة لمعايشته لها وعلمه بالقوم، وعلمه بحقيقتها من رسول الله، ولعلمه الإلهي الذي يستطيع به أن يخبر عن هذا الكون وما يحويه من حقائق.
فمن تلك المظاهر التي ذكرها الإمام (ع):
- الاعتقاد، والحديث فيه شبه خاص بالعرب باعتبار أن رسول الله (ص) بُعث فيهم.
- الفتن الكثيرة التي كانت نارها متأجِّجة بينهم.
- الضياع الذي كانوا يعيشونه بتمام ما لكلمة «الضياع» من معنى.
- اتباعهم للشيطان في أهوائهم وميولهم وعواطفهم.
- ما كانوا عليه من أمِّيَّة مستقطبة.
- إطباق الجهل الذي كان عندهم وانعكاسه على ممارساتهم.
ومن أسباب قيمة الحديث من الإمام (ع) أنه البطل الذي واجه الجاهلية بسيفه فقتل أقطابها بین يدي الرسول، وبفكره فحارب بدعها وجهلها، وأرشد الطلاب الأعزاء إلى مراجعة فقرات خطبة الزهراء العصماء في حديثها -(ع)ا- عن هاتن النقطتین: تأريخ الجاهلية وبلاء أمیر المؤمنین (ع) في صراعه معها.
وبعد هذه الإلمامة السريعة والعرض العاجل نحاول أن نستعرض بعض كلمات أمیر المؤمنین (ع) في هذا المجال.[٢٩]
وصف للجاهلية في كلمات أمير المؤنين (ع)
أولًا: الاعتقاد في الجاهلية
قال (ع) في وصفه للاعتقاد في الجاهلية[٣٠]: «وأهلُ الأرضِ يومئذٍ مِلَلٌ متفرقة، وأهواءٌ منتشرة، وطرائقُ متشتتة، بین مشبِّهٍ للهِ بخلقِه، أو ملحدٍ في اسمِه، أو مشیرٍ إلى غیرِه»: فهذا جانب من جوانب الاعتقاد يعرض له أمیر المؤمنین (ع) وأن أهل الجاهلية كانوا يقيسون الخالق بالخلق وهذا دليل ضآلة معرفتهم، وضعف معتقدهم ويكون انفعالهم معه بمستواه.[٣١]
ثانيًا: النظرة التوحيدية في الجاهلية
وقال (ع)[٣٢]: «والناسُ في فتنٍ انجذمَ فيها حبلُ الدين، وتزعزعت سواري اليقین، واختلف النَّجْرُ، وتَشَتَّتَ الأَمْرُ،... ونُصرِ الشيطانُ، وخُذِلَ الإيمانُ، فانهارتْ دعائمُهُ، وتنكَّرَتْ مَعالِمهُ، ودَرَسَتْ سُبُلُه، وعَفَتْ شُرُكُه،...»: وهذا وصف آخر للنظرة التوحيدية وما يتعلق بالإلهيات في تلك الفترة العصيبة التي انقطع فيها حبل الدين المتصل «انجذم»، وتزعزعت سواري «دعائم» اليقین واختلف النجر «الأصل والمنبت» فانهارت بسبب ذلك دعائم الإيمان وعفت «انطمست وخفيت» شركه «أي طرقه».
ثم يقول (ع)[٣٣]: «في فِتَنٍ داسَتْهم بأخفافِها، ووَطِئَتْهم بأظلافِها، وقامتْ على سنابِكِها، فهم فيها تائهون... في خیرِ دارٍ وشرِّ جیران، نومُهُمْ سُهُودٌ، وكُحْلُهُمْ دُمُوعٌ، بأرضٍ عالِمها مُلْجَمٌ، وجاهِلُها مُكْرَمٌ»: فيشبِّه (ع) تلكم الفتن كالإبل تدوس بأخفافها، وكالبقر تطأ بأظلافها، وكالخيل تقوم على أطراف حوافرها «سنابكها»، فهم في بلاء شديد من هذه الفتن، هذا وهم في مكة خیر دار، ولكنهم شر جیران لها وللبيت الحرام، ولقد كان عالمهم لا يستطيع التحدث بعلمه وأما جاهلهم فهم يكرمونه، وهذا تصوير دقيق لحال الجاهلية وما كانوا عليه من انعدام المقاييس والتخبط في الجهل.[٣٤]
ثالثًا: الوضع الاجتماعي في الجاهلية
وتحدث عن الوضع الاجتماعي، فقال (ع)[٣٥]: «وأنتم معشرَ العربِ على شرِّ دينٍ وفي شرِّ دارٍ، مُنِيخُونَ بین حجارةٍ خُشْنٍ وحياتٍ صُمٍّ، تشربونَ الكَدِرَ، وتأكُلُونَ الجَشِبَ، وتسفِكُونَ دماءَكم، وتَقْطَعُونَ أَرْحَامَكُم، الأصنامُ فيكم منصوبة، والآثامُ بكم معصوبة»: يتحدث الإمام (ع) هنا عن مجال آخر هو حياة الجاهلية وممارساتهم في معيشتهم واقتصادهم ويخص العرب بالحديث، بينما في النص الشريف السابق كان الحديث عن أهل الأرض،
فالعرب وإن كان لهم دين فهو شر، وهم مقيمون في شر دار، وقد عبرَّ عنها هناك بأنها خیر دار باعتبار قدسية مكة وقدسية البيت الحرام، أما هنا فعبر عنها بأنها شر دار بلحاظ أهلها وما كانوا عليه، ومثال على ذلك أننا نقول إن ذلك البلد ناصبي بمعنى أن أهله نواصب، وإلاَّ فالأرض لا تكون ناصبية، وكانوا يشربون الكدر ويأكلون الجشب وهو الطعام الخشن أو الذي لا إدام فيه.
ثم يتحدث (ع) عن شتات المجتمع بسفك الدماء وقطيعة الأرحام، وأخیرًا يشیر إلى عبادتهم للأصنام ونصبها على الكعبة المشرفة بقعة التوحيد، وكذلك ممارستهم للآثام وأنها معصوبة «أي مشدودة بهم وملتصقة تمامًا».[٣٦]
رابعًا: الأمّية في الجاهلية
وتحدث عن الأمِّيَّة المستقطبة آنذاك، فقال (ع)[٣٧]: «إن اللهَ بعثَ محمدًا، (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وسَلَّمْ) وليس أحدٌ من العربِ يقرأ كتابًا، ولا يدَّعي نبوَّة»[٣٨]: وهذه الأمية لها لوازمها ونتائجها لأن الكتابة والقراءة من الطرق المهمة للعلم والمعرفة، وإن لم تنحصر فيها، ومن المهمات التي قام بها النبي (ص) أن بادر بالقضاء على هذه الأمية في أول أيام دولته المباركة في المدينة، فكان يطلب من أسارى المشركین الذين يعرفون القراءة والكتابة أن يعلموا عشرة من صبية المسلمين ذلك، في مقابل إطلاقهم من الأسر، وهذه خطوة رائدة ومهمة في طريق محو الأمية.[٣٩]
خامسًا: تحطيم الجاهلية بالسيف والفكر
كما تحدَّث الإمام (ع) عن هذه الجاهلية، وهو البطل الذي حطمها بسيفه وفكره، فقال (ع)[٤٠]:
«أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ وَ طُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الْأُمَمِ وَ اعْتِزَامٍ مِنَ الْفِتَنِ وَ انْتِشَارٍ مِنَ الْأُمُورِ وَ تَلَظٍّ مِنَ الْحُرُوبِ وَ الدُّنْيَا كَاسِفَةُ النُّورِ ظَاهِرَةُ الْغُرُورِ عَلَى حِينِ اصْفِرَارٍ مِنْ وَرَقِهَا وَ إِيَاسٍ مِنْ ثَمَرِهَا وَ اغْوِرَارٍ مِنْ مَائِهَا قَدْ دَرَسَتْ مَنَارُ الْهُدَى وَ ظَهَرَتْ أَعْلَامُ الرَّدَى فَهِيَ مُتَجَهِّمَةٌ لِأَهْلِهَا عَابِسَةٌ فِي وَجْهِ طَالِبِهَا ثَمَرُهَا الْفِتْنَةُ وَ طَعَامُهَا الْجِيفَةُ وَ شِعَارُهَا الْخَوْفُ وَ دِثَارُهَا السَّيْفُ. فَاعْتَبِرُوا عِبَادَ اللَّهِ»:
يصوِّر الإمام (ع) الحروب وأنها كالنار تتلظى في تلك الفترة العصيبة، كما يصوِّر الدنيا بأنها كالشجرة في الخريف أوراقها صفراء تتساقط، وقد بلغت من العمر حدًّا يأس الناس من ثمرها، وقد غار ماؤها وانقطع.[٤١]
سادسًا: تسلط الجهل على الناس
وهكذا لا يكاد ينقطع حديثه عن هذه الفترة فمما قال(ع)[٤٢]:
«بَعَثَهُ والناسُ ضُلاًّلٌ في حیرةٍ، وحاطبونَ في فتنة، قد استهوتْهمُ الأهواء، واستزَلَّتْهُمُ الكبرياء، واستخفَّتْهُمُ الجاهليةُ الجهلاء، حيارى في زلزالٍ من الأمر، وبلاءٍ من الجهل»: فالناس إذن حاطبون في فتنة أي كلهم يشارك فيها، وهم في بلاء من الجهل فهو مستحكم على الأفكار وقد ملك كل حياتهم، واصطبغت حياتهم بصبغة الجهل والتنكر لكل القيم والمعارف.[٤٣]
استحلال المحرمات في الجاهلية
وقال (ع)[٤٤]:
«أضاءت به البلادُ بعد الضلالةِ المظلمة، والجهالةِ الغالبة، والجفوةِ الجافية، والناسُ يستحِلُّونَ الحريم، ويستذِلُّون الحكيم، يحيَونَ على فَترْةٍ، ويموتونَ على كفرَة»: فهم يستحلون المحرمات، ويعيش صاحب الحكمة والروية بينهم ذليلاً لأنه لا يسايرهم فيما يعملون، وهذا غاية في الضعة وانعدام المقاييس، وبالفعل كان مصداق ذلك المعاملة التي تعاملوا بها مع الرسول الأكرم (ص)؛ فقد عاملوه بكل قسوة من أذى بالقول والفعل، وأما حياتهم فقد كانت خالية من الشرائع منقطعة من الرسالات السماوية، وهم نتيجة لذلك يموتون على الكفر.[٤٥]
كلمات أخرى لأمير المؤمنين (ع) في وصف الجاهلية
نعرض فيما يلي نصین آخرين:
النص الأول[٤٦]: «أَظْهَرَ به الشرائعَ المجهولة، وقَمَعَ به البِدَعَ المدخولة، وبینَّ به الأحكامَ المفصولة، فمن يبتغِ غیرَ الإسلامِ دينًا تتحققْ شِقْوَتُه...».
النص الثاني[٤٧]: «لا يأوون إلى جناحِ دعوةٍ يعتصمون بها، ولا إلى ظلِّ أُلفةٍ يعتمدونَ على عزِّها، فالأحوالُ مضطربة، والأيدي مختلفة، والكثرةُ متفرقة، في بلاءِ أزْلٍ، وأَطباقِ جَهْلٍ، من بناتٍ موؤودة، وأصنامٍ معبودة، وأرحامٍ مقطوعة، وغاراتٍ مشنونة».
هذا بعض ما حدثنا به أمیر المؤمنین (ع) من أمر الجاهلية، ويكون تتميم هذا البحث في الدرس القادم -إن شاء الله تعالى- بذكر النجاح العظيم الذي حققه النبي (ص) في دعوته وصراعه مع الجاهلية.[٤٨]
نجاح دعوة النبي الخاتم (ص)
قال الله العظيم في محكم كتابه الكريم: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾[٤٩].
حينما نقارن بن واقع الجاهلية وما كانوا عليه من تخبُّط وضلال وانحراف كبیر، وبین حال الناس بعد تلك الفترة الوجيزة التي قام فيها النبي داعيًا إلى الله تعالى مجاهدًا مخلصًا حتى أحدث ذلك التحول العجيب - فلا شك أننا نقف على نجاح هو في حد ذاته معجزة قدَّمها النبي (ص) دليلاً على صدق دعوته.
وقد صوَّر لنا أمیر المؤمنین (ع) كما مرَّ وضع الناس قبل البعثة في جاهليتهم، وهو هنا يصوِّر لنا النجاح الكبیر الذي حققه النبي بدعوته المباركة.
وكلامه (ع) ثريٌّ جدًّا في كل هذه المجالات، كيف لا وهو البطل الفرد الذي واكب الدعوة من أولها ورأى النجاح الباهر الذي استمر وواكبه الإمام بعد رحلة الرسول الأعظم إلى الرفيق الأعلى بفترة طويلة، إذن فهو أعظم مؤرخ وأصدق متحدث عن الفترات السابقة والمواكبة واللاحقة للبعثة المباركة، وهذا ما سنقف عليه من كلمات أمیر المؤمنین (ع) التي اخترنا هنا بعضها لتكون كاشفة عن هذا النجاح الإلهي الخاص الذي غیرَّ العالم وأخرج الدنيا من الظلمات إلى النور.[٥٠]
النجاح الكبير في الدعوة إلى الإسلام
- ١. تحدث عن هذا النجاح فقال(ع)[٥١]:
- «فهَداهُمْ بهِ مِنَ الضَّلالةِ، وأَنْقَذَهُمْ بمكانِهِ مِنَ الجَهالة»: أمیر المؤمنین (ع) هو أمیر البلغاء وربُّ الكلام، فهو هنا يقول إن الرسول قد هدى الناس، وهذا يستدعي أنهم كانوا على ضلالة، «وأنقذهم» وهذا يعني أنهم كانوا في مأزق وفي غاية المحنة والبلاء بسبب جاهليتهم، وتركيز الإمام على الجهل باعتباره مصدر البلاء والدمار، وقد استخدمت الزهراء (علیها السّلام) أيضًا هذا التصوير: «فَأَنْقَذَكُمُ اللهُ بأَبِی محمد»، فالدنيا إذن كانت في مأزق حتى أُنْقِذَت ببركة النبي (ص) وعطاء دعوته.
- ٢. وقال (ع) عن ذلكم الإنجاز العظيم[٥٢]:
- «فَسَاقَ الناسَ حتى بوَّأَهم محِلَّتَهُمْ وبلَّغَهُمْ مَنْجاتَهمْ، فاستقامتْ قناتُهم واطْمَأَنَّتْ صَفاتُهمْ»: وكأنما الناس رعية يحتاجون إلى من يسوقهم سوقًا وليس مجرد إرشادهم، بل لعلَّ الإمام يقصد من قوله «فَسَاقَ» أن الناس كانوا بما هم فيه من جهلٍ وخلوٍّ من الشرائع، وبما كانوا يمارسونه، كانوا كالأنعام بل هم أضل سبيلً، فساقهم سوقًا إلى المحل الذي يجدر بهم أن يكونوا فيه.
- «وبلَّغَهُمْ مَنْجاتَهمْ»: فقد كانوا على جانب من الهلكة في اعتقادهم وأخلاقهم وسلوكهم، وقد أسند الإمام هذا السَّوق وهذا التبليغ إلى النبي مباشرة باعتباره صاحب الدعوة الأول الذي قاد الناس وشملهم برعايته، وإن كان الله تعالى هو مصدر كل خیر وأساس كل عطاء، وكان نتيجة هذا العمل من النبي أن استقامت قناة الناس وهي الرمح أو العمود والذي لا يُنتفع به ما لم يكن مستقيمً وذلك كناية عن اتجاه الأمة إلى الوجهة الصحيحة وتبدل انحرافها إلى هذه الاستقامة، وكذلك «اطمأنت صَفاتهم» وهي الأرض الصلبة فهي مطمئنة يستقرون عليها، كناية عن استقرار جميع شؤونهم وما يتعلق بدينهم ودنياهم.
- ٣. وقال (ع) متحدثًا عن الرسول (ص)[٥٣]:
- «قد صُرِفَتْ نَحْوُهُ أفئدةُ الأبْرارِ»: فالله تبارك تعالى هو المالك لأزِمَّة القلوب والماسك برغبات الخلائق، فبعد ذلك البلاء والجاهلية ينبعث رجل مفردًا يتحدى الناس أنهم على باطل وهو على الحق، ويصمد أمام جميع المغريات والتحديات، فتستجيب الناس له حتى ينقلب أعداؤه أعوانًا له يستحيون من النظر إليه لما أساؤوا في حقه، وأما «الأبرار» الذين يملكون العقل والصفاء فقد مالوا بقلوبهم إليه بعد أن كانت شؤونهم بعيدة عنه، فأصبح الرسول أحب إليهم من أنفسهم وقاتلوا دونه حتى آباءهم كما حصل في حروب الإسلام الأولى.
- «وثُنِيَتْ إليه أزِمَّةُ الأبصار»: فهي لا تشخص إلا إليه ولا ترنو غيره.
- «دفنَ اللهُ به الضغائِنَ، وأطفأَ بهِ الثوائِر»: وهذا تعبیرٌ راقٍ جدًّا، فقد عبرَّ عن ضغائن الجاهلية بأنها دُفِنت أي لم يعد لها أثرٌ يُرَى، وكأنها لم تكن أصلاً فهي مُودَعةٌ في التراب، وكذلك الثوائر الهائجة بالنار أُطفِئَتْ، وهذه جهة من جهات النجاح.
- ثم يقول (ع): «ألَّفَ به إخوانًا وفرَّقَ به أَقرانًا»: وقد نسب الإمام (ع) هذه الأمور لله تعالى لأنه المالك والمدبر الحقيقي لها، والنبي (ص) بما يحمل من عطاء وكمال هو المنفذ لها، قال تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾[٥٤]، «وفرَّقَ به أقرانًا» كانوا متحدين على أمر الباطل، فهو إذن يفرِّقهم عما ينبغي أن يتفرقوا عنه ويجمعهم على ما ينبغي أن يجتمعوا عليه، ولهذا قال (ع) مبينًا نتيجة ذلك:
- «أَعَزَّ بهِ الذِّلَّةَ، وأَذَلَّ بهِ العِزَّةَ»: فكم من فقیر ووضيع لا يُحسب له حساب وإذا به يُرفعُ له شأن، فهذا بلال الحبشي لم يكن عند ذلك المجتمع شيئًا يذكر وإذا به هو -رضوان الله تعالى عليه- يصعد سطح الكعبة مدويًا بالأذان وبذكر الله ورسوله، وأما أبو لهب فقد كان شريفًا في قومه بل كان عمّا لرسول الله، وإذا به يصبح وضيعًا وسُبَّةً على ألسنِ البشر في قرآنٍ يُتلى آناء الليل وأطراف النهار.
- ٤. وكما قدَّمنا فإن كلام أمیر المؤمنین (ع) ثري جدًّا في هذا المجال وهو يحكي ترجمة صادقة لأنها عن معاينة واطلاع على أحداث الدعوة التي كان الإمام في صميمها، فهو يقول (ع)[٥٥]:
- «يسوقُهم إلى منجاتِهم؛ ويبادرُ بهم الساعةَ أَنْ تنزِلَ بهم»: فهو في غاية الخوف عليهم والرحمة بهم أن تنزل بهم الساعة أو يموتون وهم على ضلالهم.
- «يَحْسِرُ الْحَسِيرُ وَ يَقِفُ الْكَسِيرُ- فَيُقِيمُ عَلَيْهِ حَتَّى يُلْحِقَهُ غَايَتَهُ- إِلاَّ هَالِكاً لاَ خَيْرَ فِيهِ»: فبعضهم يحسر أي يكل ويتعب فيقف، وبعضهم يقف لأنه مكسور، وهذا كناية عن الذي يضعف إيمانه فلا يسیر بل يتردد في طريق الحق ويقف، ولكن الرسول (ص) يُعنى ويرعى هؤلاء الضعاف في الاعتقاد، فيصلح شأن الضعيف والمكسور، ثم يلحقه بالركب حتى يبلغ غاية النجاة.
- وهذا ما كان عليه الرسول (ص) من الأناة والحلم وتحمل الجهد الشديد في سبيل الدعوة وهداية الناس، وأما من يضل ويرفض الحق فيهلك فإنما هو باختياره وليس من الرسول أدنى تقصیر بعد أن تحمل غاية الجهد والبلاء في سبيل الدعوة.
- «حتى أَرَاهُمْ مَنْجاتَهمْ وبَوَّأَهُمْ مَحلَّتَهُمْ فاستدارتْ رَحاهُمْ واسْتَقامَتْ قَناتُهمْ»: فأوصلهم إلى النجاة فرأوها، وجعلهم في المحل الذي يجدر بهم أن يكونوا فيه، فجرت رحاهم جريها الطبيعي وهذا كناية عن استقامة جميع أمورهم ببركة دعوته.
- ٥. وقال (ع)[٥٦]: «أَضَاءَتْ بِهِ الْبِلَادُ بَعْدَ الضَّلَالَةِ الْمُظْلِمَةِ، وَالْجَهَالَةِ الْغَالِبَةِ، وَالْجَفْوَةِ الْجَافِيَةِ »: وهذا تذكیر وتكرار لمعان سابقة؛ فالبلاد كانت في ظلام الضلال، وكان الجهل متفشيًا غالبًا، فإذا بالبلاد تشرق بنور دعوته(ص).
- ٦. وقال (ع)[٥٧]: «فَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ صَادِعاً بِهَا، وحَمَلَ عَلَى الْمَحَجَّةِ دالّا عَلَيْهَا، وأَقَامَ أَعْلَامَ الْاهْتِدَاءِ ومَنَارَ الضِّيَاءِ، وجَعَلَ أَمْرَاسَ الْاسْلَامِ مَتِينَةً، وعُرَى الْايمَانِ وَثِيقَةً»: فقد جهر بالدعوة وقام بها خیر قيام، ودل الناس على المحجة «الطريق» التي توصل للحق، وجعل أمراس «حبال» الإسلام متينة، ولم يجعل للإيمان عرا وحسب، بل جعلها وثيقة، وهذه الجمل وغيرها بيان من الإمام (ع) إلى أن الدعوة لم تنجح وحسب؛ بل كان نجاحها باهرًا وهو في حدِّ ذاته معجزة بل هو أول المعجزات.
- ٧. وأشار إلى الإصلاح الاجتماعي فقال (ع)[٥٨]: «فانْظُرُوا إلى مواقعِ نِعَمِ اللهِ عليهم حین بَعَثَ إليهم رسولًا فَعَقَدَ بمِلَّتِهِ طاعتَهم، وجَمعَ على دعوتِه أُلْفَتَهم»: يتخذ الإمامُ (ع) -هنا- أسلوبًا إلى الحسِّ أقربَ منه إلى الفكر فيأمرهم بالنظرِ إلى النعمِ الظاهرةِ برسولِ الله (ص)، وكيف أصبح من بُعث فيهم مطاعین من قبل العالمین، وألَّف بينهم تحت ظل دعوته، بعد أن كانوا شرارًا في علاقتهم ببعضهم، وفي علاقتهم مع الناس.
- «كَيفَ نَشَرَتِ النِّعمَةُ عَلَيهِم جَناحَ كَرامَتِها، وأسالَت لَهُم جَداوِلَ نَعيمِها...»: وهذا تعبیر عن كثرة النعم وتشعبها فهي كالجدول.
- «قد تَرَبَّعَتِ الأمورُ بهِمْ في ظلِّ سلطانٍ قاهر...»: وهو حكم الله تعالى، فهم التجأوا إلى سلطان يكون الحكم فيه لله وليس للأهواء أو رؤساء العشائر أو غيرهم.
- «فهم حُكَّامٌ على العالمین، وملوكٌ في أطرافِ الأَرَضِین، يملكونَ الأمورَ على من كان يملكُها عليهم... لا تُغمَزُ لهم قناةٌ، ولا تُقْرَعُ لهم صَفاةٌ»: فبعد أن كانوا شراذمَ مفككین، نهبة الناهب وطعمة الطامع، أصبحوا حكامًا وملوكًا وكانوا محكومین ومملوكین، لا سيَّما وأن حديث الإمام (ع) كان في زمنٍ كثرت فيه الفتوحاتُ، فيكون حديثه عن أمرٍ محسوسٍ يلاحظه الجميع، وبغض النظر عن شرعية الفتوحات وسلبياتها فإنها كانت باسم الإسلام ولذلك نجحت، فهي ليست نتيجةً لعبقريةِ أبي بكر وعمر وشجاعتهما! بل هي نتيجة لروح النبي وروح الإسلام المهيمنة في بداية الدعوة، وهذا الأمر نلاحظه حتى في زماننا هذا فنجد في أقصى البلاد وشتى الأقطار وجودًا للمسلمين؛ وهذا كلُّه بفضل جهدِ النبيِّ وبركات دعوته (ص).
- ٨. وقال (ع)[٥٩]:
«جَعَلَهُ اللهُ بلاغًا لرسالتِه، وكرامةً لأُمَّتِه، وربيعًا لأهلِ زمانِه، ورِفْعَةً لأعوانِه، وشَرفًا لأنصارِه»: فكل فضل عاد للأمة من علم واطلاع على خیر السماء والملأ الأعلى، وواقع الدنيا وأخبار الماضین، وهذا التشريع والقانون الإلهي، إنما هو ببركة دعوة الرسول (ص) وهذا مصداق الكرامة والرفعة والشرف. فإنما شرفهم كان لانتسابهم إليه ووجوده الشريف بينهم. وكان زمانه ربيعًا خصبًا مميزًا، ولو أخذَ الناسُ بهديهِ من بعدهِ لعاشوا في ربيع دائم.
- ٩. وقال (ع)[٦٠]: «أَرْسَلَهُ بِالضِّيَاءِ، وَقَدَّمَهُ فِي الاِصْطِفَاءِ، فَرَتَقَ بِهِ الْمَفَاتِقَ، وَسَاوَرَ بِهِ الْمُغَالِبَ...»: أي رتق «سدَّ» به ما كان شائعًا من «مفاتق» وهي الفساد القائم.
- «حتى سرَّح الضلالَ عن يمینٍ وشِمال»: نتيجة للغلبة والنصر المبین دحر الضلال فولى مهزومًا عن يمین وشمال.
- ١٠. نعرض هنا نصين يمكن للطالب أن يراجع شرحيهما في كتب الشرح.
- النص الأول[٦١]: «... عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ الْخاتِمِ لِما سَبَقَ» إلى قوله: «ورسولِكَ إلى الخَلق».
- النص الثاني[٦٢]: «فصدَعَ بما أُمِرَ به، وبلَّغَ رسالاتِ ربِّه» إلى قوله: «والضغائنِ القادحةِ في القلوب».
كلام لأحد الفلاسفة في حق النبي الخاتم (ص)
لا بأس أن نختم حديثنا بكلمة لأحد الفلاسفة المشهورين؛ وإنْ لسنا بحاجة إلى أن نستعير كلمات فلاسفة أو مفكرين أجانب للتعريف بالنبي أو الإمام أو القرآن الكريم، فشواهد الصدق ودلائل الحق واضحة، وليس بعد قول الله تعالى قولٌ لقائل، ولكن نذكر هذه الكلمة على وفق سیرة الناس وطبعهم وأنهم يرتاحون ويأنسون بمثل هذه الأمور.
فإن الكاتب العالمي الشهير برنارد شو يقول:
«إن محمدًا يجب أن يدعى منقذَ الإنسانية؛ وأعتقد أنه لو تولى رجلٌ مثلُه زعامةَ العالمِ الحديثِ لنجحَ في حلِّ مشاكلِه بطريقةٍ تجلِبُ إلى العالمِ السعادةَ والسلامة، إن محمدًا أكملُ البشرِ من السابقينَ والحاضرينَ، ولا يُتَصَوَّرُ وجودُ مثلِهِ في الآتین». وقال أيضًا: «لو كان محمدٌ في القرنِ العشرينَ لقضى على ما فيه من فسادٍ وضلال»[٦٣].[٦٤]
الدرس العظيم: نعمة الهداية من ضلالة الجهل
قالَ اللهُ العظيمُ في محكمِ كتابِهِ الكريم: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾[٦٥]
إن الدرس العظيم الذي نستلهمه ويجدر بنا أن نأخذ به من سیرة النبي المباركة، وقصة نجاح الدعوة، ونؤكد مجددًا أن هذا كله يدور في فلك كلمات أمیر المؤمنین (ع) في هذا المجال، فقد تحدث (ع) عما لاحظه من انقلاب الموازين، وضياع الأمة خاصة في الفترات الأولى لرحيل النبي (ص).[٦٦]
أولاً: معنى الجاهلية
إن تحديد معنى الكلمة يمكِّننا من الفهم الصحيح لمدلولها، ونستعير هنا معنى الكلمة من حديث للعلامة الشيخ محمد مهدي شمس الدين في كتابه «بین الجاهلية والإسلام)، فقد قال: «والحقيقة أن الجاهلية اسم للضلال والانحراف عن المُثُلِ الصحيحة والمناهج المستقيمة لدى أي عنصر من الناس وفي أي موطن وأي زمان، فهي صفة لعالم ما قبل الإسلام كله بما فيه من عرب وغيرهم، وهي أيضًا صفة للمبادئ والمثل التي تبشر بها المادية المعاصرة على اختلاف مظاهرها وأشكالها»[٦٧]، وبتعريف ملخص يذكر أن الجاهلية «منهج في الحياة مقابل ومضاد لمنهج الإسلام.»[٦٨]
وكذلك يتحدث عن الجاهلية الحديثة ويرى أنها تتمثل في فلسفة وفكر وحياة ونظام الإنسان الأوروبي فيما اختارَهُ من مَدَنِية وتنكَّرَ لجميع القيم والمبادئ، بل إن كل نمط يمارسه حتى المسلم أو المؤمن ويحمل في طياته مخالفة شرعية فإنه يرجع بالتالي إلى الجاهلية، والشيخ شمس الدين يستعين بالآيات القرآنية على هذا المدلول الواسع، وهذا نمط رائع لدراسة فكرة ما من ناحية موضوعية، بالتماس النصوص القرآنية والروايات ثم الخروج منها بنتيجة صحيحة.[٦٩]
ثانيًا: نعمة الهداية هي الدرس العظيم
عرضنا حديث الإمام (ع) ومقارنته بین مظاهر الجاهلية ثم تبدل الحال بعد الدعوة المباركة للنبي الأعظم (ص)، ونحن نبني أمرنا في الاعتقاد والفقه والتأريخ وفي سلوكنا وسائر شؤون حياتنا وفي عموم أبعادها على هذا الدين القويم الذي نؤمن به ونؤمن أنه أخرج الناس من ظلمات الجهل والجاهلية إلى نور العلم والهداية، ثم بعد ذلك ننظر واقعنا فإذا نحن نتنكر له ونغض الطرف عنه وهو النور الذي أبصرناه بل أبصرنا به، وهو مصدر سعادتنا وسر حياتنا الحقة، ولا شك أَنَّ تنكرَ أعداء الإسلام له هو جهل لأن ذلك حرمان لهم من مصدر السعادة، فكيف بتنكُّرِ أبناءِ الإسلامِ للإسلام؟
هذا هو الدرس العظيم الذي يجب أن نناجي به أنفسنا وهذه هي نعمة الهداية التي ينبغي أن نلتفت لها ونصونها، وهذا هو التشريع الذي لولاه لكنا عبادًا للأصنام أو خاضعین لحكومات تعبث بمقدراتنا، وهذا هو التشريع الذي كان نتيجة الدعوة والبلاء العظيم الذي قدمه النبي (ص)، إذن فنحن جميعًا مدعوون لتقييم أنفسنا بعد هذا النجاح العظيم الذي حققته الدعوة حتى أذعن لها أهل الجاهلية فسعدوا بها، فلا يليق بنا أن يكون أهل الجاهلية أسعد منا ونحن الذين نشأنا منذ البداية على تعاليم الدعوة المباركة ثم بعد ذلك نتنكَّر لها ونعرض عنها ويكون ما أخذناه منها شيئًا يسیرًا لا يكاد يذكر في قبال ما تركناه منها.[٧٠]
ثالثًا: مأساة ما بعد رحل الرسول (ص)
- ١. قال (ع) عن مأساة ما بعد الرسول (ص)[٧١]: «حتى إذا قَبَضَ اللهُ رسولَهُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وسَلَّمْ)رجَعَ قومٌ على الأعقاب، وغالتْهُمُ السُّبل، واتَّكَلُوا على الولائج، ووصَلُوا غیرَ الرَّحِم، وهَجُروا السببَ الذي أُمِرُوا بموَدَّته، ونقلوا البناءَ عن رَصِّ أساسِهِ فبنوهُ في غیرِ موضعِه»: فقد ارتدوا بعد النبي إلى الجاهلية، وهذا مصداق قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ﴾[٧٢].
- ونتيجةً لهذا الرجوع غالتهم أي قتلتهم السبل وهي المذاهب والآراء والأهواء التي اتبعوها، ثم برزت مظاهر الانحراف فاتكلوا على الولائج وهي بطانة الرجل وخاصته ويقصد بهم من يدبرون المكر والخديعة، ثم وصلوا غیر الرحم الذي أمر الله به أن يوصل وهم رحم رسول الله (ص) فقطعوا بذلك صلتهم برسول الله الذي هو مصدر سعادتهم، وأما السبب فهو الحبل وهم العترة الذين أُمِروا بمودتهم وهذا إشارة إلى قوله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾[٧٣]، فقد هجروهم ونقلوا البناء الذي بناه النبي بأوامر إلهية، فوضع الإمامة في موضعها المهم في بناء الإسلام ولكن الناس أزاحوها وأبعدوها «فلعنَ اللهُ أمةً أَزَالَتْكُمْ عن مَراتِبِكُمُ التي رَتَّبَكُمُ اللهُ فيها».
- نقاش
- ذكر ابن أبي الحديد عند شرحه لهذا النص الشريف[٧٤] أنه إذا أطلقت كلمة «الرحم» كان المراد بها رحم الرسول (ص) تمامًا كما إذا أطلقنا عبارة «أهل البيت» فيَفْهَمُ منها المسلمون أنهم أهل بيت رسول الله (ص)، أما السبب فمعناه الحبل وهو إشارة إلى قول رسول الله (ص): «إني تارِكٌ فيكمُ الثَّقَلینِ: كتابَ الله وعترتي أهلَ بيتي، حبلانِ ممدودانِ من السماءِ إلى الأرضِ وإنهما لن يفترقا حتى يَرِدَا عليَّ الحوض».
- ثم يتساءل ابن أبي الحديد: هل في كلمات الإمام (ع) هنا دلالة على موضوع الإمامة ونقد من تولى الحكم قبله، أو أنه ليس فيها ذلك، وكأنه يعترف بأن ظاهر الكلام هو هذه الدلالة ثم يحاول أن يصرفه ويقول إن الإمام يعني أمر صفین والجمل وما فعلته مجموعة أخرى كعمرو بن العاص وبسر بن أرطاة ومروان بن الحكم وهذه الشاكلة، ثم يعترض على نفسه بأنه يفهم من كلام الإمام أنه يعني الأيام الأولى عقيب رحلة النبي (ص)، ويجيب ابن أبي الحديد بأن الإمام (ع) لعله كان يعلم بحقيقة أولئك وأنهم ليسوا مسلمين حقيقة بل ظاهرًا فقط ويعلم ما سيحدثونه من ضلال.
- ومن المفيد مراجعة الفصل المتعلق بشرح هذا النص الشريف في كتاب «منهاج البراعة» للمیرزا حبيب الله الخوئي (رحمه الله) فإنه ناقش ابن أبي الحديد في هذا الموطن مناقشة دقيقة، فبینَّ المیرزا أن هذا خلاف الإطلاق وخلاف الظاهر من كلام الإمام (ع) وفي ذلك تحميل للنص ما لا يحتمله، لا سيما وأن كلمات الإمام التي صرح فيها بنقده للقوم وتأذيه من أحداث السقيفة، تلتقي مع هذا النص الشريف.
- «معادنُ كلِّ خطيئة، وأبوابُ كلِّ ضاربٍ في غَمْرة، قد مارُوا في الحَیرة، وذَهَلُوا في السَّكْرة، على سُنَّةٍ من آلِ فرعون: مِنْ مُنْقَطِعٍ إلى الدنيا راكِن، أو مُفَارِقٍ للدينِ مُبايِن»:
- ثم يصف هؤلاء الذين عادوا للجاهلية عقيب ذلك النور والهداية والبلاء الحسن الذي أباه الرسول (ص)، فإن كان الأوائل معذورين لجهلهم فما عذر من أبصر نور الإسلام ثم ارتد عنه؟ فهم قد ركبوا كل غمرة «شدة» وماروا «اضطربوا» في الحیرة وذهلوا في السكرة وهي الغفلة التي أصابتهم، ثم يشبِّهُ الإمام (ع) ويقرن ضلالهم الجسيم بضلال آل فرعون، فهؤلاء بانصرافهم عن النبوة والقانون الإلهي كآل فرعون المنكرين من الأساس للنبوة والقانون الإلهي، ثم يصنفهم هذا التصنيف: فهم بین «منقطع» قد جعل الدنيا همه الذي يركن إليه ولا يُعنى بالدين على الإطلاق، أو «مفارق» للدين ولم ينل مع ذلك شيئًا من الدنيا ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾[٧٥].
- ٢. وأكَّد على الاستفادة من الدرس العظيم فقال (ع)[٧٦]: «وَلاَ تَكُونُوا كَجُفَاةِ الْجَاهِلِيَّةِ : لاَ في الدِّينِ يَتَفَقَّهُونَ، وَلاَ عَنِ الله ِ يَعْقِلُونَ ؛ كَقَيْضِ بَيْضٍ فِي أَدَاحٍ يَكُونُ كَسْرُهَا وِزْراً، وَيُخْرِجُ حِضَانُهَا شَرّاً»:
- تشبيهات الإمام (ع) غیر مبتذلة بل هي تشبيهات أصيلة يبتكرها الإمام نفسه (ع)، وقد اختلفت كلمات جملة من الشراح حول هذا النص الشريف، فيقول بعضهم إن الإمام يشبِّه الذي يحمل الفكر الجاهلي سواءً كان مؤمنًا منحرفًا أو أهل الجاهلية أنفسهم بأنهم أمثلة شر في وجودهم، وهم تمامًا كمثل البيض الذي لا يعرف الإنسان هويته فقد يكسره وهو مفيد ويؤذي كائنًا وجوده خیر، وقد يتركه ليُحضن فيتضح بعد ذلك أنه يخرج شرًّا كأن يكون بيضَ أفاعٍ مثلاً،فلو قتل الجاهلي لربما كان ذلك وزرًا إذ ربما يهتدي، ولو ترك فقد يفسد وينشر الدمار، وبالفعل لا يكشِفُ عن حال المرء إلا أفعاله ومواقفه، وهي لا تُعرف إلا بعد حین.
- ٣. وحذر من رموز الجاهلية وطغاته فقال (ع)[٧٧]:
- «أَلَا فَالْحَذَرَ اَلْحَذَرَ مِنْ طَاعَةِ سَادَاتِكُمْ وَ كُبَرَائِكُمْ اَلَّذِينَ تَكَبَّرُوا عَنْ حَسَبِهِمْ وَ تَرَفَّعُوا فَوْقَ نَسَبِهِمْ وَ أَلْقَوُا اَلْهَجِينَةَ عَلَى رَبِّهِمْ وَ جَاحَدُوا اَللَّهَ عَلَى مَا صَنَعَ بِهِمْ مُكَابَرَةً لِقَضَائِهِ وَ مُغَالَبَةً لِآلائِهِ. فَإِنَّهُمْ قَوَاعِدُ أَسَاسِ اَلْعَصَبِيَّةِ وَ دَعَائِمُ أَرْكَانِ اَلْفِتْنَةِ وَ سُيُوفُ اِعْتِزَاءِ اَلْجَاهِلِيَّةِ»: فإنهم دائمو الفخر بالأنساب «الاعتزاء»، فمن يركن إلى ذلك من المسلمين فإنه على نمط أهل الجاهلية.
- ٤. وإن كان هذا النص خارج دائرة موضوعنا «الدرس العظيم»، إلا أن له ارتباطًا بالرجوع إلى الجاهلية بعد رحيل النبي (ص)[٧٨]:
- «وقال له بعض اليهود ما دفنتم نبيكم حتى اختلفتم فيه! فقال (ع) له: إِنّمَا اخْتَلَفْنا عنهُ لا فيه، ولكنَّكُمْ ما جَفَّتْ أَرْجُلُكُمْ مِنَ البَحْرِ حتى قُلْتُمْ لنبيِّكُمْ اجعلْ لنا إلهًا كما لهم آلهةٌ فقال إِنكم قومٌ تَجهَلُون»: وهذه المناظرة تسجل حقيقة أيضًا وهي أن الاختلاف في أمر الخلافة وسرعة الارتداد بعد الرسول كان مثارًا للانتباه والسؤال وموجبًا لشماتة وفرح أعداء الإسلام وعلى رأسهم اليهود، والإمام يجيبه هنا بأننا لم نختلف في شخصية النبي وفي وجوب الأخذ بما جاءنا به وامتثال أوامره، ولكن سبب الاختلاف كان ما نقله بعضهم كذبًا وافتراءً على النبي فأخذبه الناس ظنًّا منهم أنه صدر عن النبي، والإمام في نفس الوقت لم يدافع عن الذين سببوا الاختلاف والفتنة هنا، وقد صدر منه من النقد الصريح لهم ما هو معروف.
- ٥. ويدخل في هذا السياق قوله (ع)[٧٩]:
- «إن أولى الناسِ بالأنبياءِ أَعْلَمُهُمْ بما جاؤُوا به، ثم تلا: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾[٨٠]، ثم قال: إِنَّ وليَّ محمدٍ مَنْ أطاعَ اللهَ وإِنْ بَعُدَتْ لْحمَتُه، وإِنَّ عدوَّ محمدٍ مَنْ عصا اللهَ وإِنْ قَرُبَتْ قرابتُه»: فإن مصداق اتباع النبي (ص) هو الالتزام بأوامره ونواهيه، وأما غیر ذلك فهي الجاهلية.[٨١]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ سورة الجمعة، الآية ٢.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢٠٥.
- ↑ مفاتيح الجنان، للشيخ القمي / ١٤٨ .
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢٠٥-٢٠٦.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٠٦.
- ↑ يمكن مراجعة نهج البلاغة، ص ٦١٣ للاطلاع على معاني بعض الكلمات الواردة في هذا النص الشريف (الكلمات رقم ١٤٠٩ إلى ١٤١٢).
- ↑ سورة الأحزاب، الآية ٤٥.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٠٦.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٤٧.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٨٣.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢٠٦-٢٠٩.
- ↑ سورة النحل، الآية ٨٩.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٦٩.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ٧.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٦١.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٦١.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٢.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢٠٩-٢١١.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٩٥.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٣٣.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٩٤.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢١١-٢١٣.
- ↑ سورة المائدة، الآية ٥٠.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢١٥.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢١٥.
- ↑ بحار الأنوار، ج ١٤، ص ٤٤٨.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢١٥-٢١٦.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢١٦-٢١٧.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢١٧.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٢.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٢.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢١٧-٢١٨.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٢٦.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢١٨-٢١٩.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٣٣.
- ↑ وقد ذكر الإمام (ع) هذا المعنى أيضًا في الخطبة رقم ١٠٤.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢١٩-٢٢٠.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٨٩.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢٢٠.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٩٥.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢٢٠-٢٢١.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٥١.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢٢١.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٦١.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٩٢.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢٢١-٢٢٢.
- ↑ سورة الجمعة، الآية ٢.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢٢٣-٢٢٤.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٣٣.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٩٦.
- ↑ سورة الأنفال، الآية ٦٣.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٠٤.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٥١.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٨٥.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٩٢.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٩٨.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٢١٣.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٧٢.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٢٣١.
- ↑ في ظلال نهج البلاغة، للشيخ محمد جواد مغنية ١/ ٦٣، ٣٥٥.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢٢٤-٢٣١.
- ↑ سورة المائدة، الآية ٥٠.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢٣٣.
- ↑ بين الجاهلية والإسلام/ ١٩.
- ↑ بين الجاهلية والإسلام/ ٢٣٧.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢٣٣-٢٣٤.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢٣٤-٢٣٥.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٥٠.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٤٤.
- ↑ سورة الشورى، الآية ٢٣.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٩.
- ↑ سورة الحج، الآية ١١.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٦٦.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٩٢.
- ↑ غريب كلامه (ع) رقم ٣١٧، ص ٥٣١.
- ↑ الحكمة رقم ٩٦، ص ٤٨٤ .
- ↑ سورة آل عمران، الآية ٦٨.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢٣٥-٢٤٠.