نقاش:آية التبليغ في التفسير وعلوم القرآن
النص الأول
تمهيد
هنا يأمر الله نبيّه بالتبليغ الفوريّ، ويبيّن له خطورة الحكم، ويعده بالعصمة، ويؤمّله ويطمئنه أن يردّ كيد الاعداء في نحورهم، ويضيّق عليهم الخناق فلايظفروا بأهدافهم المشؤومة، ولا يطلق لهم العنان فيتلاعبوا بأمر النبوّة؛ ويضيّعوا الدعوة النبويّة سديً.
وخوف النبي (ص) من قيامهم بهذا العمل كان في عصر ذيوع صيت الإسلام، وطبعاً لابدّ أن يكون في المدينة، وبعد سنين من الهجرة، لانه لم يكن هذا الخوف من كفّار مكّة قبل الهجرة.
وقد عرض القرآن الكريم كلام المشركين وطبيعة مناوءتهم، كقوله: ﴿مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾[١]. وقوله: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾[٢]. وقوله: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾[٣]. وقوله: ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾[٤].
وهذه وأمثالها ليست بشيء حتّى تؤدّي إلي تضعضع أركان الدين ونسفها. بل هي تدلّ على أنّ قوم النبي (كفّار قريش) كانوا مضطربين في أمرهم غير مستقيمين في سيرتهم.
يضاف إلي ذلك كلّه، أنّ هذه التهم والافتراءات، وهذه العراقيل والعقبات لمتكن بدعاً من الامر في عهد نبيّنا الكريم فيقلق من جرّائها، ويتهيّب من وقوعها عندما يتفرّس في وجوه أصحابها. فسائر الانبياء كانوا شركاء لنبيّنا في الابتلاء بالمصاعب وتحمّل مشاقّ الدعوة. وقد آذتهم أُممهم بشتّي صنوف الإيذاء. كما نجد ذلك في القرآن الكريم إذ تحدّث بالتفصيل عمّا لاقاه نوح والانبياء الذين جاؤوا بعده.
وأمّا بعد الهجرة واستقرار الدين في المجتمع الإسلاميّ، فإنّ تصوّر هذا الامر بسيط جدّاً؛ ذلك لانـّنا نجد بين المسلمين، في تلك البرهة الزمنيّة، مختلف الاشخاص من مؤمنين، ومنافقين، ورموز كانت تتجسّس في الخفاء لمصلحة الكفّار، وأشخاص في قلوبهم مرض.
خوف رسول الله من اتّهامه بالتفكير في المصلحة الخاصّة
ومع أنّ هؤلاء قد آمنوا بالنبي الاكرم، إلاّ أنـّهم كانوا يتعاملون معه كملك من الملوك، وينظرون إليه كحاكم سياسي لا يختلف عن غيره من الحكّام الدنيويّين. ويتعاملون مع القرآن الكريم، وهو وحي سماويّ، كما يتعاملون مع القوانين الوضعيّة الظاهريّة البشريّة.
وهذا التفكير الذي يسود عامّة الناس كان يمهّد الارضيّة لهؤلاء أن يتآمروا ضدّ الشريعة فيما إذا أتي رسول الله بحكم تشوبه المصلحة الشخصيّة. ويقولوا: هذه هي الملكيّة الاستبداديّة التي تقمّصت النبوّة فظهرت للناس بثوب الرسالة.
وهذه الشبهة لو تحقّقت عمليّاً، وأفلح الحزب المناوي في ترسيخها، وتمكّن من بثّها، فإنّ ثغرة كبيرة ستحدث في الدين ويتعذّر رتقها، ويعجز كلّ مصلح عن إصلاحها. ومن الطبيعي أنّ النبي الكريم (ص) كانت له بعض المزايا والاُمور التي اختصّ بها، والتي قد يُتوهّم منها المصلحة الشخصيّة. إلاّ أنـّها لم تكن على درجة من الاهمّيّة بحيث تتّخذ ذريعة لإثارة الضوضاء والشغب. كما نجد ذلك في قضيّة زَيدبن حَارِثَة وطلاقه زوجته زينب ابنة عمّة النبيّ، وزواج النبي منها وهي زوجة ابنه بالتبنّي. ونجد ذلك في استئثاره بخمس الغنائم، وتعدّد الزوجات، وأمثال هذه الاُمور.
ذلك لانّ جواز الزواج من زوجة المتبنّي المطلّقة لم يخصّ رسول الله. وقد طبّق هذا الحكم على نفسه لاوّل مرّة ليهيّي الارضيّة لتطبيقه بين المسلمين جميعهم.
ولو كان زواجه بأكثر من أربع نابعاً من هوي النفس، وليس فيه إذْنٌ إلهيّ، لما ضنّ به على المسلمين؛ ذلك أنّ سيرته في إيثار المسلمين وتقديم مصالحهم على مصلحته الخاصّة فيما كان للّه وله من الاموال وغيرها لمتُبقِ أي شكّ وشبهة في أنّ ذلك الزواج كان بأمرالله بعيداً عن المصلحة الخاصّة.
ويستبين من هذا جيّداً أنّ آية التبليغ تدلّ على أنّ الحكم النازل حكم قد يُتوهّم فيه المصلحة الخاصّة لرسول الله، واستئثاره ببعض المكاسب والامتيازات الحيويّة التي يطمح إليها غيره؛ وتبليغه يؤدّي إلي حرمان سائر الناس. وكان يتهيّب من إبلاغه، فأمره الله بذلك، ووعده بعصمته من المعارضين، وأخبره بعدم ظفرهم في كيدهم.
إنّ ما استعرضناه من بحث بشيء من التفصيل، كلّه يدعم النصوص المستفيضة المأثورة عن طرق الشيعة والسنّة الدالّة على أنّ الآية نزلت في وَلاَيَةَ علي بْنِ أَبي طَالِبٍ (ع)؛ والله تبارك وتعإلي أمر بتبليغها؛ ورسول الله (ص) كان يتهيّب من أن يتّهم في ابن عمّه؛ ولهذا كان يرجي الإعلان عنها ريثما تحين الفرصة المناسبة. حتّي إذا آن أوان غدير خُمّ، أصحر بالامر، آخذاً بِيَدِ علي تحت السَّمُرات في تلك الفَيفاة القريبة من الجحفة، وهما على أحداج الإبل، والحجّاج الذين عادوا معه من مكّة يشهدون ذلك؛ وبعد أن ألقي خطبته البليغة، أري الناس كلَّهم عليّاً، وهو يقول: «مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعلي مَوْلاَهُ». ولايخفي فإنّ ولاية الاُمّة ليست من الاُمور التي تكتم وتستتر؛ ويرتاب أحد في لزومها وضرورتها.
ونحن نري من وحي العقل والفطرة أنّ كلّ صاحب مسؤوليّة إذا أراد أن يغيب، فإنّه لايترك أُموره وشؤونه عبثاً، بل يفوّضها إلي من كان أميناً كفوءاً ليضطلع بها نيابة عنه. والعالِم الذي يدنو أجله يخوّل معلّماً أميناً للقيام بتربية طلاّبه. والطبيب الذي يفارق الدنيا يوصي طبيباً أميناً بعيادته. والتاجر، والكاسب، والزارع، وحتّي الحمّاميّ، فإنّهم إذا شارفوا الموت أو غابوا لفترة قصيرة، لسفر مثلاً، ينيطون شؤونهم بشخص آخر للقيام بها. وحتّي بائع البنجر الذي يضع بنجره المطبوخ في طست ويقف في رأس الزقاق منادياً بأعلى صوته: بَنْجَر بَنْجَر! فإنّه إذا أراد الذهاب لقضاء حاجته أو للصلاة، يكلّف كاسباً قريباً منه أن يحرس طسته وميزانه وبنجره وكلّ ما يتعلّق به، وهذا كلّه لا يساوي في القيمة شروي نقير. وإن لم يفعل هؤلاء ما من شأنه القيام بأُمورهم، فإنّهم يُلاَمُونَ ويذمّون. ويقول الناس: ما خطب الحمّاميّ؟ هل أصابه مسّ من جنون حتّي يترك حمّامه مفتوحاً دون أن يكلّف أحداً بحراسته؟ وما بال التاجر؟ هل مُني بخطب وعاهة إذ يترك محلّه ويسافر بدون أن يخوّل أحداً حراسته؟
وهذا الامر من البداهة بحيث إنّه لايحتاج إلي استدلال وبرهان، وهو كما يقول أهل الادب: مِنَ الْقَضَايَا الَّتي قِيَاسَاتُهَا مَعَهَا. والوصيّة في مثل هذه الاُمور من المسلّمات المقطوع بها.
فإذا علمنا هذا كلّه، فكيف يجيز أحد لنفسه أن يخال بأنّ ديناً كالإسلام لايحتاج إلي ولي أمر يقوم بشؤونه، وهو الدين العالمي الذي جاء لجميع الناس حتّي يوم القيامة، وفيه كلّ ما يحتاج إليه البشر، من أحكام الطهارة الاوّليّة حتّي أعقد المسائل الغامضة في التوحيد والمعارف الإلهيّة، والمبادي الاخلاقيّة والاحكام الفقهيّة الفرعيّة العامّة لجميع حركات الإنسان على الصعيدين الفردي والاجتماعيّ. وكيف يسمح أحد لنفسه أن يظنّ بأنّ نبيّاً كمحمَّد (ص) وسلّم وهو العقل الكلّيّ، أن يرحل عن هذه الدنيا دون أن يوصي لاحد بالقيام بشؤون الاُمّة؟ ويترك أُمّته كقطيع الاغنام بلا راعٍ يسوسها، فتكون عرضة لهجمات الذئاب، والمحن المهلكة المدمّرة، إذ لا رئيس ولا إمام ولا مشرف ولامدبّر ولامدير يرعاها ويأخذ بيدها نحو الصلاح؟
وهل الإسلام على عكس سائر الموازين والمقرّرات العامّة والقوانين فلايحتاج إلي راع وحارس؟ وهل المجتمع الإسلامي والاُمّة الإسلاميّة مستثناة من سائر الاُمم والمجتمعات، فلا يحتاج إلي والٍ ينظّم شؤونها؟ وهل هي مستغنية عن ولي أمر يجري أُمورها، ويدير لها عجلة حياتها؟ والعالِم المتبحّر الذي يطالع السيرة النبويّة، ويقرأ فيها يجد أنّ النبي (ص) كان إذا ذهب في غزوة، فإنّه يوصي لاحد بأن يضطلع بأعباء المسؤوليّة خلال غيابه فلا يقف دولاب الحركة عن حركته، فكيف وبأي تبرير يمكن إقناعه بأنّ النبي قد رحل عن الدنيا ولميوص بالخلافة لاحد؟
وكلّنا نعلم أنـّه (ص) عندما ذهب في غزوة تبوك، استخلف على الاُمّة علي بْنَ أَبي طالِبٍ؛ وعندما قال له علي (ع): «يَارَسُولَ اللَهِ! أَتَخْلُفُنِي على النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ»؟! أجابه (ص) قائلاً: «أَمَّا تَرْضَي أَنْ تُكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَي إلاَّ أَنـَّهُ لاَنَبِي بَعْدِي»؟! [٥]
وكان النبي الاكرم (ص) يرسل الولاة إلي الامصار التي كانت في قبضة المسلمين كمكّة، والطائف، وإليمن؛ وكان يعيّن الاُمراء على الجيوش والسرايا التي كان يُشخصها إلي مختلف النقاط. فما الفرق بين حياته وموته؟ ألم تكن حاجة الناس إلي والٍ وقيّم أكثر عند الموت؟!
نعم هي أكثر، وفي ضوء هذا النهج، كان يعيّن الولاة ويخوّل لهم شؤون الاُمّة. وفي تلك الارض القاحلة الكأداء، وتحت الاشجار الصحراويّة الخمس، أعلن للملا أنّ عليّاً وصيّه وخليفته، وهو أولي بكلّ مؤمن ومؤمنة كأولويّته (ص).
أقوال العامّة المختلفة في شأن نزول آية التبليغ
قد علمنا أنّ كبار العلماء من العامّة قد ذكروها في كتب الحديث والتفسير كالطبريّ، و ابن أبي حاتم، و أبي نعيم الإصفهانيّ، و أبي إسحاق الثعلبيّ، و الواحديّ، و السجستانيّ، و النطنزيّ، و الرسعنيّ، و ابن مردويه، و ابن عساكر، و الحسكانيّ، وغيرهم بأسانيد متنوّعة عن كبار الصحابة وغيرهم كالبراءبن عازب، و جابر بن عبد الله الانصاريّ، و عمّار بن ياسر، و أبي ذرّ الغفاريّ، و سلمان الفارسيّ، و حذيفة إليمانيّ، و ابن عبّاس، و أبي سعيد الخَدريّ، و زيد بن أرقم، و أبي هريرة، و ابن مسعود، و عامربن ليليبن ضمرة. و الإمام محمّد بن علي الباقر (ع). وروي الترمذيّ، و النسائيّ، و ابن ماجة، و أحمد بن حنبل وهم أئمّة السنّة الستّة في كتبهم أنّ الآية نزلت في الولاية.
وما جاء في بعض الكتب حول شأن نزول الآية، إذ أراد مؤلّفوها أن يحرفوا مصبّ الآية عن الولاية، وجوه ضعيفة، وروايات مرسلة ومقطوعة، وغير موثوقة؛ وكما قال المرحوم العلاّمة الامينيّ: «هي لاتعدو أن تكون تفسيراً بالرأي؛ أو استحساناً من غير حجّة؛ أو تكثيراً للُغد أمام حديث الولاية، فتّاً في عضدها، وتخذيلاً عن تصديقها، وَيَأْبَي اللَهُ إلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورُهُ». [٦]
وذكر الفخر الرازيّ، الذي تبدو ملامح التعصّب والامتعاض على عباراته، عشرة وجوه في شأن نزول الآية:
- نزلت هذه الآية في قصّة الرَّجْم والقصاص ردّاً على مذهب إليهود.
- نزلت في عيب إليهود واستهزائهم بالدين.
- لمّا نزلت آية التخيير، وهي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾[٧]. فلم يعرضها عليهنّ خوفاً من اختيارهنّ الدنيا.
- نزلت في أمر زيد بن حارثة وزوجته زينب بنت جحش ابنة عمّ رسول الله.
- نزلت في الجهاد، فإنّ المنافقين كانوا يكرهونه فكان يمسك أحياناً عن حثّهم على الجهاد.
- لمّا نزل قوله تعإلي: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾[٨]، سكت الرسول عن عيب آلهتهم أي آلهة الثنويّين، نزلت هذه الآية.
- لمّا قال في حجّة الوداع بعد بيان المناسك والشرائع: هَلْ بَلَّغْتُ؟ قالوا: نَعَمْ. قال: اللَهُمَّ اشْهَدْ، نزلت الآية.
- نزلت في أعرابي أراد قتله، وهو نائم تحت شجرة.
- كان يهاب قريش وإليهود، فأزال الله عن قلبه تلك الهيبة بالآية.
- نزلت في قصّة غدير خمّ. [٩]
ذكر الفخر الرازي هذه الوجوه، واعتبر قصّة الغدير الوجه العاشر منها، أي: آخر الوجوه؛ وقد رجّح الوجه التاسع منها بلا تعمّق متجاوزاً الموضوع بشكل خاطف. هذا وهو من العلماء، وكان مطّلعاً جيّداً على طرق الحديث الخاصّ بالغدير واستفاضته، وكان على علم بضعف الوجوه الاُخري وإرسالها؛ فلهذا نري نظام الدين النيسابوريّ، وهو من مفسّري العامّة أيضاً، قد عدّ قصّة الغدير أوّل الوجوه، وأسنده إلي ابن عبّاس، والبراءبن عازب، وأبي سعيد الخُدريّ، والإمام الباقر (ع). وعزا بقيّة الوجوه إلي «القِيل» الدالّ على ضعفها [١٠].
والطبري الذي هو أقدم من هؤلاء لم يذكر تلك الوجوه في تأريخه، ولافي تفسيره؛ لكنّه ألّف كتاباً مستقلاّ في الولاية أخرج فيه حديث الولاية «مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ» بنيّف وسبعين طريقاً. وروي في هذا الكتاب نزول آية التبليغ في علي بن أبي طالب بإسناده عن زيد بن أرقم.
وما تمسّك به الفخر الرازي وأتباعه هو أنّ آية التبليغ جاءت في سورة المائدة بين الآيات المتعلّقة بأهل الكتاب؛ فمن المناسب أنـّها نزلت في أهل الكتاب أيضاً.
هذا مع أنّ الذي يمتلك أدني وعي للقصص القرآني يعلم أنّ ترتيب الآيات في النزول غير ترتيبها في الذكر غالباً. وترتيب السور النازلة غيرهذا الترتيب القائم في السور القرآنيّة؛ فالسور الاُولي هي: الْعَلَق، والمُدَّثِّرْ، وَالْمُزَّمِّل، وَالْقَلَم، وسائر السور القصار، وهي مكّيّة. وآخر سورة هي سورة المائدة، وسورة النصر: إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَهِ وَالْفَتْحُ. وكثير من الآيات نزلت في مكّة وموضعها في السور المدنيّة وبالعكس.
قال السيوطي في «الإتقان»: الإجماع والنصوص المترادفة على أنّ ترتيب الآيات توقيفي لاشبهة في ذلك؛ ] و علينا أن نقرأ القرآن كما كتب. أمّا الإجماع فنقله غير واحد منهم الزركشي في «البرهان» وأبو جعفر بن الزبير في «المناسبات». وعبارة أبي جعفر: «ترتيب الآيات في السور واقع بتوقيف رسول الله (ص)، وأمره من غير خلاف في هذا بين المسلمين». ثمّ ذكر نصوصاً على أنّ رسول الله (ص) كان يلقّن أصحابه؛ ويعلّمهم ما نزل عليه من القرآن على الترتيب الذي هو الآن في مصاحفنا، بتوقيف جبرئيل إيّاه على ذلك، وإعلامه عند نزول كلّ آية: أنّ هذه الآية تكتب عقب آية كذا في سورة كذا [١١].
وقد بيّنا مفصّلاً أنّ تهيّب رسول الله من إليهود والنصاري إمّا أن يكون في أوّل البعثة؛ أو بعد الهجرة بيسير، ولا يكون في آخر الهجرة حيث بلغ الإسلام ذروته في الشوكة والقوّة؛ وخُذل إليهود والنصاري واندحروا. وفرض الإسلام سطوته فهابته الاُمم آنذاك. وراسل نبيّنا الكريم أُمراء العالم وسلاطينه، ودعاهم إلي الإسلام.
وفي هذه الحالة، فلا معني أن تكون آية التبليغ الواردة في سورة المائدة (آخر سورة نزلت على النبي الاكرم) قد نزلت في إليهود والنصاري. قال القرطبي في تفسيره: هي سورة المائدة مدنيّة بإجماع. ثمّ نقل عن النقّاش نزولها في السنة السادسة (عام الحُدَيبيّة )[١٢]، وأتبع ذلك بالنقل عن ابن عربيّ بأنّ هذا حديث موضوع لايحلّ لمسلم اعتقاده[١٣]. وفي ضوء ذلك، فإنّ مجرّد ورود الآية بين الآيات المتعلّقة بأهل الكتاب لن يكون له أثر في التمسّك من حيث البرهان والدليل العلميّ.
ويستبين ممّا ذكرنا أيضاً أنّ ما أخرجه القرطبي واهٍ لا أساس له. وقد قال: جاء عن ابن عبّاس أنّ أبا طالب كان يرسل كلّ يوم مع رسول الله (ص) رجالاً من بني هاشم يحرسونه، حتّي نزلت هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾[١٤]. فأراد أن يرسل معه من يحرسه فقال النبي (ص): «يَا عَمَّاهُ! إنَّ اللَهَ عَصَمَنِي مِنَ الجِنِّ وَالإِنْسِ»! وقال القرطبيّ: صحّة هذا الحديث تستدعي أن تكون الآية مكّيّة؛ وهذه الآية مدنيّة[١٥].
وهذا الحديث أضعف من أن يقاوم الاحاديث المتقدّمة والإجماع ونصوص المفسّرين. يضاف إلي ذلك، أنـّنا نري بالبداهة كم لاقي رسول الله من المصائب وصنوف الاذي والاضطهاد من أمثال هؤلاء[١٦].
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ سورة الدخان، الآية ١٤.
- ↑ سورة الإسراء، الآية ٤٧.
- ↑ سورة الفرقان، الآية ٥.
- ↑ سورة ص، الآية ٦.
- ↑ هذا الحديث من الاحاديث النبويّة المتواترة الذي تضافر على نقله الفريقان، ومضافاً إلي أنـّه ورد في كتب الشيعة، فقد جاء في كتب العامّة المعتبرة بما لا يحصي حتّي أنّ شاه ولي الله الدِهْلَوِي ذكره في كتاب «إزالة الخفاء عن خلافة الخلفاء» ص ٢٦٠ و ٢٦١ من ج ٢، في فصل خصّصه لترجمة أمير المؤمنين (ع). وهذه الترجمة قمينة بالدقّة والتمعّن. وأورد فيها قصّة غدير خُمّ في ج ٢، ص ٢٥٩. وأقرّ في ص ٢٦١ بحديث الولاية بما نصّه: «مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَإنَّ مَوْلاَهُ عَلِيٌّ». وذكر قصّة الغدير كما يلي: لمّا رجع من حِجَّة الوداع، خطب في غدير خُمّ خطبة تتضمّن إظهار فضائل المرتضي، فقد أخرج الحاكم، وأبو عمرو، وغيرهما ـوهذا لفظ الحاكم عن زيد بن أرقم: لَمَّا رَجَعَ رسول الله (ص) من حجَّة الوداع ونزل غدير خمّ أمر بدوحات فَقُمِمْنَ؛ قال: كأنـّي قد دُعيتُ فأُجبت. إنّي قد تركت فيكم الثَّقلين: أحدهما أكبر من الا´خر: كتاب الله تعالي وعترتي، فانظروا كيف تخلفوني فيها فإنّهما لن يتفرّقا حتّي يردا علي الحوض. ثمّ قال: إنّ الله عزّ وجلّ مولاي وأنا ولي كلّ مؤمن. ثمّ أخذ بِيَدِ علي فقال: مَنْ كُنْتُ وَلِيُّهُ فَهَذا وَلِيُّهُ؛ اللَهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاَهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ.
- ↑ «الغدير» ج ١، ص ٢٢٦. الطبعة الثانية، مطبعة الحيدري بطهران.
- ↑ سورة الأحزاب، الآية ٢٨ - ٢٩.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ١٠٨.
- ↑ تفسير «مفاتيح الغيب» ج ٣، ص ٦٣٥ و ٦٣٦.
- ↑ «تفسير غرائب القرآن» ج ٦، ص ١٢٩ و ١٣٠. الطبعة الاُولي ١٣٨١ ه.
- ↑ «الإتقان» الطبعة الاُولي، مصر، في سنة ١٢٧٨ ه، ج ١ ص ٧٥
- ↑ يسمّي العام السادس من الهجرة بعام الحُدَيْبِيَّة لوقوع صلح الحديبيّة فيه.
- ↑ «تفسير القرطبيّ» ج ٦، ص ٣٠. طبعة دار الكاتب العربي ١٣٨٧ ه.
- ↑ سورة المائدة، الآية ٦٧.
- ↑ «تفسير القرطبيّ» ج ٦، ص ٢٤٤.
- ↑ سيد محمد حسين الحسيني الطهراني ، معرفة الإمام، ج ٧، ص .
النص الثاني
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾[١].
ذكر العلّامة الطباطبائيّ في تفسيره للآية المباركة، أنّ معنى الآية في نفسها ظاهرٌ فإنّها تتضمّن أمر الرسول(ص) بالتبليغ في مورد التهديد، ووعده بالعصمة من النّاس، والآية تكشف عن أمرٍ قد أُنزل على النبي(ص) (إمّا مجموع الدّين أو بعض أجزائه) وكان النبي(ص) يخاف النّاس من تبليغه ويؤخّره إلى حين يناسبه ولولا مخافته وإمساكه لم يحتج إلى تهديده بقوله: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾ كما وقع في آيات أوّل البعثة الخالية عن التهديد كقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾[٢] إلى آخر سورة العلق، ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾[٣]، وقوله: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾[٤] إلى غير ذلك.
فهو كان يخافهم ولم تكن مخافته من نفسه في جنب الله فهو أجل من أن يستنكف عن تفدية نفسه أو يبخل في شيء من أمر الله بمهجته فهذا شيء تكذّبه سيرته الشريفة ومظاهر حياته على أنّ الله شهد في رسله على خلاف ذلك كما قال في كتابه العزيز: ﴿مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾[٥]، وقد قال تعالى في أمثال هذه الفروض: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾[٦].
وبعد المناقشة في الآية المباركة يقول العلامة: "فليس استلزام عدم تبليغ هذا الحكم لعدم تبليغ غيره من الأحكام إلا لمكان أهمّيّته ووقوعه من الأحكام في موقع لو أهمل أمره كان ذلك في الحقيقة إهمالاً لأمر سائر الأحكام، وكان من المترقّب أن يخالفه النّاس ويقلبوا الأمر بعد النبيّ(ص) بحيث تنهدم أركان ما بناه من بنيان الدّين وتتلاشى أجزاؤه، وكان النبي(ص) يتفرّس ذلك ويخافهم على دعوته فيؤخّر تبليغه إلى حينٍ بعد حين ليجد له ظرفاً صالحاً وجوّاً آمناً، ولا يخيب مسعاه فأمره الله بتبليغ عاجل، وبيّن له أهمّيّة الحكم، ووعَده أن يعصمه من النّاس ولا يهديهم في كيدهم، ولا يدعهم يقلبون له أمر الدعوة، وإنمّا يتصوّر تقليب أمر الدعوة على النبي(ص) وإبطال عمله بعد انتشار الدعوة الإسلامية لا من جانب المشركين ووثنية العرب أو غيرهم.
وهذه الافتراءات واضطراب القوم في أمرهم وعدم استقامتهم لم تكن تجاه النبي(ص)خاصّة حتى يضطرب عند تفرّسها ويخاف وقوعها، بل إنّ سائر الأنبياء والرّسل يشاركونه في الابتلاء بهذه البلايا والمحن، ومواجهة هذه المكاره من جملة أممهم.
الخطاب بالرسالة
قال العلامة في شرح مفردات الآية المباركة: "إنّ الله خاطبه(ص) بالرسالة لكونها أنسب الصفات إلى ما تتضمّنه الآية من الأمر بالتبليغ لحكم الله النازل فهو كالبرهان على وجوب التبليغ الذي تظهره الآية وتقرعه سمع رسول الله(ص) فإنّ الرسول لا شأن له إلا تبليغ ما حُمّل من الرسالة فتحمّل الرسالة يفرض عليه القيام بالتبليغ.
ولم يصرّح باسم هذا الذي أُنزل إليه من ربّه، بل عبّر عنه بالنعت وأنّه شيء أُنزل عليه إشعاراً بتعظيمه ودلالة على أنّه أمر ليس فيه لرسول الله(ص) صنع، ولا له من أمره شيء ليكون كبرهان آخر على عدم خيرة منه(ص) في كتمانه وتأخير تبليغه، ويكون له عذراً في إظهاره على النّاس، وتلويحاً إلى أنّه(ص) مصيب فيما تفرّسه منهم وتخوفه عليه، وإيماءً إلى أنّه مما يجب أن يظهر من ناحيته(ص) وبلسانه وبيانه" [٧]
فما بلّغت رسالته
أمّا بالنسبة لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾[٨].
فقد قال العلامة: "إنّ الكلام يفيد أهمّيّة هذا الحكم المرموز إليه، وأنّ له من المكانة ما لو لم يبلّغه كان كأن لم يبلّغ شيئاً من الرسالة التي حملها، فالكلام موضوع في صورة التهديد، وحقيقته: بيان أهميّة الحكم، وأنّه بحيث لو لم يصل إلى النّاس لم يراع حقّ شيء من أجزاء الدّين، فقوله: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ جملة شرطيّة سيقت لبيان أهمّيّة الشرط وجوداً وعدماً لترتّب الجزاء الأهمّ عليه وجوداً وعدماً"[٩].
وليست الشرطيّة مسوقة على طبع الشرطيّات الدائرة عندنا، فإنّنا نستعمل (إن) الشرطيّة طبعاً فيما نجهل تحقق الجزاء للجهل بتحقّق الشرط، وحاشا ساحة النبيّ(ص) من أن يقدّر القرآن في حقّه احتمال أن يبلّغ الحكم النّازل عليه من ربّه وألّا يبلّغ وقد قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾[١٠]
نزول آية التبليغ يوم غدير خمّ في عليّ بن أبي طالب(ع)
ورد في تفسير العياشي عن أبي صالح عن ابن عباس وجابر بن عبد الله قالا: "أمر الله تعالى نبيّه محمداً(ص) أن ينصب عليّاً علماً في النّاس ليخبرهم بولايته فتخوّف رسول الله(ص) أن يقولوا حابى (جاءنا) ابن عمّه وأن يطعنوا (يطغوا) في ذلك عليه، قال: فأوحى الله إليه هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ فقال رسول الله(ص) بولايته يوم غدير خم.
وعن حنان بن سدير، عن أبيه عن أبي جعفر(ع) قال: «لما نزل جبرئيل على عهد رسول الله(ص) من حجّة الوداع بإعلان أمر عليّ بن أبي طالب(ع) ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ إلى آخر الآية. قال: فمكث النبيّ(ص) ثلاثاً حتى آتى الجحفة فلم يأخذ بيده فرقاً من النّاس.
فلمّا نزل الجحفة يوم الغدير في مكان يقال له (مهيعه) فنادى: الصلاة جامعة، فاجتمع النّاس فقال النبيّ(ص): من أولى بكم من أنفسكم؟ فجهروا فقالوا: الله ورسوله. ثم قال لهم الثانية: فقالوا: الله ورسوله، ثم قال لهم الثالثة: فقالوا: الله ورسوله، فأخذ بيد عليّ(ع) فقال: «مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ، اَللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاَهُ، وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ، وَ اُنْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، وَ اُخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ، فَإِنَّهُ مِنِّي وَ أَنَا مِنْهُ، وَ هُوَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إِلاَّ أَنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي».
وهذه القضيّة كانت يوم الخميس من السنة العاشرة للهجرة وقد مضت عشرة أيّام على عيد الأضحى، فبعد ما نزلت الآية المباركة أمر الرسول(ص) بالتوقّف ونادى المسلمون بأعلى أصواتهم أصحابهم الذين تقدّموا الرّكب بالعودة إلى المكان الذي توقّف فيه الرسول(ص)، إلى أن زالت الشمس وأذّن المؤذّن فصلّى الرسول(ص) صلاة الظهر وصلّى المسلمون خلف رسول الله(ص) ثم شرع النبي(ص) في الخطبة.
ونظر النّاس إلى رسول الله(ص) وهو يلتفت حوله، وكأنّه يبحث عن عليّ(ع) وما إن وقع نظره الشريف عليه التفت إليه فأخذ بيده ورفعها حتى بان بياض أبطيهما، وشاهدهما جميع القوم فارتفع صوت الرسول(ص) وقال: أيّها النّاس من أولى النّاس بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال النبي(ص): الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين، وأولى منهم بأنفسهم، ثم قال: فمن كنتُ مولاه فعليّ مولاه وكررها ثلاث مرات، ثم رفع رأسه نحو السماء داعياً: اللّهم والِ من والاه وعادِ من عاداه، وأحبّ من أحبّه وأبغض من أبغضه وأنصر من نصره وأخذل من خذله وأدر الحقّ معه حيث دار. ثم قال(ص): ألا فليبلغ الشاهد الغائب.
ولمّا انتهت خطبته(ص) والناس بعدُ لم يتفرّقوا نزلت الآية المباركة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾[١١].
فقال(ص): «اَللَّهُ أَكْبَرُ عَلَى إِكْمَالِ اَلدِّينِ، وَ إِتْمَامِ اَلنِّعْمَةِ، وَ رِضَى اَلرَّبِّ بِرِسَالَتِي وَ بِالْوَلاَيَةِ لِعَلِيٍّ مِنْ بَعْدِي».
فتقدّم النّاس إلى عليّ(ع) ليهنّئوه على هذا المقام الذي نال من قِبل الباري تعالى وممّن تقدّم لتهنئته أبو بكر وعمر، وقد دوّن أصحاب الحديث والتاريخ والسير هذه الكلمة من عمر "بخ بخ لك يا بن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة".
وأنشد حسان بن ثابت شعره المعروف الذي مطلعه:
| يناديهم يوم الغدير نبيّهم | بخمّ واسمع بالرسول مناديا |
ويروى أنّ النبيّ(ص) لمّا سمعه ينشد هذه الأبيات قال له: يا حسّان لا تزال مؤيّداً بروح القدس ما نصرتنا أو نافحت عنّا بلسانك[١٢]
وذكر الشوكانيّ في كتابه عن أبي سعيد الخدريّ قال: نزلت هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ﴾ على رسول الله(ص) يوم غدير خمّ في عليّ بن أبي طالب(ع)" [١٣]
تواتر حديث الغدير عند الخاصّة والعامّة
نقل العلّامة الأمينيّ الحديث في كتابه [١٤] عن مائة وعشرة من الصحابة، وعن ثلاثمائة وستين من العلماء والأدباء المسلمين ممّا لا يدع مجالاً للشك في أنّ حديث الغدير واحد من أوثق الأحاديث المتواترة.
وثمانية وعشرين تفسيراً أو أكثر، فراجع كتاب الغدير [١٥]، وإحقاق الحق [١٦]، للتعرّف على المصادر الكثيرة من كتب التفسير والحديث وعلى أسماء الرواة والمحدّثين وأسانيد الأحاديث والطرق المختلفة.
تفسيرات وتؤيلات آية التبليغ
نعم إنّ العلماء والمفسرين ذكروا الآية ونزولها بعدّة أحاديث، منها نزولها في عليّ(ع) يوم غدير خمّ لكنّ بعضهم امتنع من قبول ذلك إمّا خوفاً من الظروف التي كانت تحيطه، أو لأمر آخر! وبعضٌ توقّف، وبعضٌ قبِل بنزولها في عليّ(ع) إلا أنّه ناقش في قول الرسول(ص) -بعد نزول الآية- «اَللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاَهُ وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ» بأنّه لا يدّل على الولاية والخلافة، وستأتي مناقشتهم عن قريب إن شاء الله تعالى.
وممن ذكر قضيّة الغدير برهان الدّين الحلبيّ الشافعيّ في كتابه، وإليك نص كلامه: "ولمّا وصل(ص) إلى محلٍّ بين مكّة والمدينة يقال له غدير خمّ بقرب رابغ، جمع الصحابة وخطبهم خطبة بيّن فيها فضل عليّ كرّم الله وجهه...".
إلى أن قال: "ثم حثّ على التمسّك بكتاب الله ووصّى بأهل بيته فقال: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ اَلثَّقَلَيْنِ كِتَابَ اَللَّهِ وَ عِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي وَ لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ اَلْحَوْضَ»، وقال في حقّ عليّ لمّا كرّر عليهم «ألَسْتُ أوْلَى بِكُمْ مِنْ أنْفُسِكُمْ» ثلاثاً، وهم يجيبونه(ص) بالتّصديق والاعتراف، ورفع(ص) يد عليّ وقال: «من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وأحبّ من أحبّه، وأبغض من أبغضه، وانصر من نصره، وأعن من أعانه واخذل من خذله، وأدر الحقّ معه».
ثم قال: "وهذا أقوى ما تمسّكت به الشيعة والإماميّة والرافضة على أنّ عليّاً كرم الله وجهه أولى بالإمامة من كلّ أحد، وقالوا: هذا نصّ صريح على خلافته سمعه ثلاثون صحابياً وشهدوا به...".
إلى أن قال: "وقول بعضهم من زيادة «اَللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاَهُ» وأنّها موضوعة، مردودٌ، فقد ورد ذلك من طرق صحّح الذهبيّ كثيراً منها. وقد جاء أنّ عليّاً كرم الله وجهه قام خطيباً فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أنشد الله من شهد يوم غدير خمّ إلا قام ولا يقوم رجل يقول أُنبئت أو بلغني إلّا رجلٌ سمعت أذناه ووعى قلبه»، فقام سبعة عشر صحابيّاً، وفي رواية ثلاثون صحابيّاً، وفي المعجم الكبير ستة عشر، وفي رواية اثنا عشر، فقال: «هاتوا ما سمعتم»، فذكروا الحديث ومن جملته «من كنت مولاه فعلي مولاه»، وفي رواية «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا عَلِيٌّ مَوْلَاهُ». وعن زيد بن أرقم قال: كنت ممّن كتم، فذهب الله ببصري وكان عليّ كرم الله وجهه دعا على من كتم، ثم قال: ولمّا شاع قوله(ص) «من كنت مولاه» في سائر الأمصار وطار في جميع الأقطار بلغ الحرث بن نعمان الفهريّ فقدم المدينة فأناخ راحلته عند باب المسجد فدخل والنبي(ص) جالس وحوله أصحابه فجاء حتى جثا بين يديه، وقال: يا محمّد إنّك أمرتنا أن نشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّك رسول الله فقبلنا ذلك منك، وأنّك أمرتنا أن نصلّي في اليوم والليلة خمس صلوات ونصوم شهر رمضان ونزكي أموالنا ونحجّ البيت فقبلنا ذلك منك، ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعيّ ابن عمّك ففضلته، وقلت: «من كنت مولاه فعلي مولاه»، فهذا شيء من الله أو منك فاحمرّت عينا رسول الله(ص) وقال: «والله الذي لا إله إلّا هو، إنّه من الله وليس منّي» قالها ثلاثاً، فقام الحرث وهو يقول: اللّهم إن كان هذا هو الحقّ من عندك، وفي رواية اللهم إن كان ما يقول محمّد حقاً فأرسل علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فوالله ما بلغ باب المسجد حتى رماه الله بحجر من السماء فوقع على رأسه فخرج من دبره فمات وأنزل الله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾[١٧].
وكان ذلك اليوم الثامن عشر من ذي الحجة وقد أتخذت الروافض هذا اليوم عيداً"[١٨]
هذا نصّ كلامه ثم بدأ بالردّ على الروافض بزعمه ذكر بعضها الفخر الرازيّ في تفسيره [١٩]
وهذه أسماء بعض علماء العامّة الذين ذكروا نزول آية ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾[٢٠] وارتباطها بولاية الإمام عليّ(ع):
- أبو إسحاق الثعلبي النيسابوري (في تفسير الكشف والبيان).
- الحافظ عبيد الله بن عبد الله المعروف ب الحاكم الحسكاني في كتابه شواهد التنزيل.
- أبو بكر يحيى القرطبي في تفسيره المتوفى سنة ٥٦٧.
- شمس الدين أبو المظفر سبط ابن الجوزي الحنفي في تذكرته: ص٣٧.
- محمد رشيد رضا صاحب تفسير المنار: ج٦ ص٣٨٣.
وغيرهم في كتبهم التفسيريّة والاخباريّة، ومع ذلك يشكّك ابن تيميّة كعادته وكم من القضايا الواضحة المتفقة عند أسلافه قد أنكرها نتيجة إشكالات واهية أمثال إشكالاته على الآية المذكورة التي نقلها العلّامة الأمينيّ في غديره[٢١] وردّها ونحن نذكر واحداً منها فقط ومن أراد اتمام الفائدة فليراجع.
قال: "إنّ سورة المعارج مكّيّة باتفاق أهل العلم فيكون نزولها قبل واقعة الغدير بعشر سنين أو أكثر من ذلك".
والجواب: إنّ المتيقّن من معقد الإجماع المذكور هو نزول السورة بمكّة لا أنّ جميع آياتها نزلت بمكّة فيمكن أن يكون خصوص هذه الآية مدنيّاً كما في كثير من آيات بعض السور ولا يرد عليه أنّ المتيقّن من كون السورة مكّيّة أو مدنيّة هو كون مفاتيحها أو الآية التي انتزع منها اسم السورة كذلك.
مناقشة الحلبي
أمّا مناقشتنا مع الحلبيّ الشافعيّ في سيرته وكذلك أمثاله كصاحب المنار فنقول:
أمّا قوله في آخر كلامه "وقد اتخذت الروافض هذا اليوم عيداً ومن صام يوم ثماني عشر ذي الحجة كتب الله له صيام ستّين شهراً" ثم قال: "قال بعضهم: قال الحافظ الذهبي: هذا الحديث منكر جدّاً، بل كذبٌ فقد ثبت في الصحيح ما معناه أنّ صيام شهر رمضان بعشرة أشهر فكيف يكون صيام يوم واحد يعدل ستّين شهراً هذا باطل" هذا كلامه.
أقول: أيّها الحلبي، لقد ورد فضل صوم يوم الغدير وما له من الأجر الجزيل والثواب الوافر الكثير وأنّ صومه يعدل ستّين سنة عن طريق أسلافك ومواليك وعن طريق العترة الطاهرة أهل البيت المعصومين.
ولقد ذكره الحمويني، والخوارزميّ، والبغداديّ، والحسكاني،ّ وابن عساكر، والمغازلي،ّ وغيرهم، فمن ذلك ما جاء في فرائد السمطين للحموينيّ أنّه قال: "أخبرنا الشيخ الإمام عماد الدّين عبد الحافظ بن بدران بقراءتي عليه بمدينة نابلس في مسجده قلت له: أخبرك القاضي أبو القاسم عبد الصمد بن محمد ابن أبي الفضل الأنصاري الحرستانيه إجازة؟ فأقّر به قال: أنبأنا أبو عبد الله محمد بن أبي الفضل الفراوي إجازة، قال: أنبأنا شيخ السنّة أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي الحافظ، قال: أنبأنا الحاكم أبو عبد الله الحافظ، قال: حدّثني أبو يعلي الزبير بن عبد الله النوريّ (أبو يعلى الزبيريّ عبد الله النوريّ) أنبأنا أبو جعفر أحمد بن عبد الله البزّاز، أنبأنا علي بن سعيد الرقّيّ أنبأنا حمزة بن ربيعة القرشيّ عبد الله بن شوذب عن مطر الورّاق، عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال: من صام يوم الثامن عشر من شهر ذي الحجّة كتب الله له صيام ستّين سنة وهو يوم غدير خمّ لما أخذ النبي(ص) بيد عليّ صلوات الله عليه وآله فقال: «من كنتُ مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه وانصر من نصره». فقال عمر بن الخطاب: بخ بخ لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مسلم [٢٢]
إذاً للحديث أسانيد مختلفة وكثيرة ولم يقصّر صاحب الغدير -جزاه الله خير الجزاء عن الإسلام وأهله خير جزاء المحسنين- في تصحيح رجال سنده لتتمّ الحجّة على الخصم، ورَدّ على من يقول بأنّ الحديث منكرٌ كالحافظ الذهبيّ ومن تابعه كابن كثير في تاريخه [٢٣]
تنبيه في: صوم يوم الغدير يعدل صوم ستين شهراً.
وقد يقال: كيف يعدل صوم يوم الغدير ستين شهراً فذلك يستدعي تفضيل المستحبّ على الواجب.
ولكنّا نقول: قد ورد عن طرق العامّة أحاديث كثيرة بالنسبة إلى الصلوات والصوم المستحبّ وماله من الأجر والثواب الأكثر من الواجب، وإليك بعض الشواهد.
- حديث من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر. هذا الحديث أخرجه مسلم بعدة طرق في صحيحه: ج١ ص٣٢٣، تاريخ بغداد: ج٣ ص٢٦٩، ج٨ ص ٢٨٤، ابن ماجه في سننه: ج١ ص ٥٤٦، الدارمي في سننه: ج٢ ص٢١ أحمد في مسنده: ج٥ ص ٤١٧ ـ ٤١٩، السيوطي في الجامع الصغير: ج٢ ص٧٩، أبي داوود في سننه: ج٢ ص ٣٢٤ حديث ٢٤٣٢، ٢٤٣٢.
- أنّ الصيام في أيام العشر من ذي الحجة يعدل صيام سنة وليله فيها بليلة القدر، اخرجه ابن ماجة في سننه: ج١ ص٥٥١، الغزالي في إحياء العلوم: ج١ ص ٢٢٧. وغيرها من طرقهم فضلاً عن طرقنا.
تأويلات كلمة (المولى)
وأمّا ما ذكره الحلبي في سيرته ونقله كلام ابن حجر الهيتمي في صواعقه قائلاً: "وذكرت أنّ الردّ عليهم في ذلك من وجوه، فهذه الوجوه كلّها ضعيفة واهية أوهن من بيت العنكبوت، وقد ذكر صاحب المنار هذه الوجوه أيضاً ومنها: أنّ كلمة (مولى) تدّل على عدّة معانٍ ولا تدّل على ما تزعمه الشيعة من الإمامة. وقد تعرّضنا إلى بعض مناقشة القوم عند التعرّض لآية ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾[٢٤] فراجع.
ولقد ذكر سبط ابن الجوزي في كتابه (تذكرة الخواصه) عشرة معانٍ لكلمة (المولى) ونحن نذكر نصّ كلامه وترجيحه المعنى العاشر:
"العاشر: بمعنى الأولى، قال الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾[٢٥] (أي أولى بكم وإذا ثبت هذا لم يجز حمل لفظة المولى في هذا الحديث على مالك الرّق؛ لأنّ النبي(ص) لم يكن مالكاً لرق عليّ(ع) حقيقة، ولا على المولى المعتق؛ لأنّه لم يكن معتقاً لعليّ، ولا على المعتق؛ لأنّ علياً(ع) كان حراً، ولا على النّاصر؛ لأنّه(ع) كان ينصر من ينصر رسول الله(ص) ويخذل من يخذله، ولا ابن العم؛ لأنّه كان ابن عمه ولا على الحليف لأنّ الحلف يكون بين الغرماء للتعاضد والتناصر وهذا المعنى موجود فيه ولا على المتولّي لضمان الجريرة لما قلنا: إنّه نسخ ذلك ولا على الجار لأنّه يكون لغواً من الكلام وحوشي منصبه الكريم من ذلك، ولا على السيّد المطاع؛ لأنّه كان مطيعاً له يقيه بنفسه ويجاهد بين يديه والمراد من الحديث الطاعة المحضة المخصوصة، فتعيّن الوجه العاشر: وهو الأولى ومعناه (من كنتُ أولى من نفسه فعليّ أولى به)"[٢٦].
وأمّا صاحب الغدير قدس فذكر ما يقارب سبعة وعشرين معنى لكلمة (المولى) وفنّدها بأدلّة واضحة الدلالة، ثم قال قدس: "إذاً فليس للمولى إلّا معنىً واحداً وهو الأولى بالشيء، وتختلف هذه الأولويّة بحسب الاستعمال في كلّ من موارده، فالاشتراك معنويّ وهو أولى من الاشتراك اللفظيّ المستدعي لاوضاع كثيرة غير معلومة بنصّ ثابت والمنفيّة بالأصل المحكم، وقد سبقنا إلى بعض هذه النظريّة شمس الدّين ابن البطريق في العمدة[٢٧]".[٢٨]
ثمّ قال العلامة الأميني: "توجد قرائن متّصلة ومنفصلة على ذلك لأنّ الرسول(ص) الذي هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، إذا قال للأمّة: >من كنت مولاه< لا يفهم منه في العرف إلّا الولاية والسلطنة الإلهيّة، كما أنّ السلطان إذا قال للرعيّة: من كنت مولاه، فابني أو أخي أو ابن عمي مولاه لا يفهم منه عند العرف الأولويّة إلا السلطنة، وتعيين الخليفة لنفسه وصراحته بل كمال الصراحة باعتبار صدر الخبر، وهو قوله(ص): «الست أولى بكم من أنفسكم؟»
فإنّ الاستفهام في المقام ليس إلا للتقرير، فهو(ص) أخذ منهم الإقرار أوّلاً بولايته عليهم من قبل الربّ تعالى بقولهم: (اللهم نعم) ثم قال بعد إقرارهم بالولاية «من كنت مولاه فعلي مولاه»، فأيّ قرينة أجلى وأوضح منه في أنّ المراد من هذه الولاية: الولاية والسلطنة الإلهيّة. [٢٩]
والحاصل أنّ القرائن متعدّدة منها
القرينة الأولى: مقدّمة الحديث وهي: قوله(ص): «ألستُ أولى بكم من أنفسكم»، ثم فرّع على ذلك قوله: >«من كنت مولاه فعلي مولاه».
القرينة الثانية: ذيل الحديث، وهو قوله(ص): «اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره وأخذل من خذله»، وهذه الألفاظ لا تلتئم إلا مع معنى الأولوية الملازمة للإمامة.
القرينة الثالثة: قوله(ص): «يا أيها النّاس بم تشهدون» قالوا: نشهد أن لا إله إلا الله، قال: ثم مه؟ قالوا: وأنّ محمداً عبده ورسوله قال: «فمن وليكم؟» قالوا: الله ورسوله مولانا.
ثم ضرب بيده إلى عضد عليّ فأقامه فقال: «من يكن الله ورسوله مولاه فإنّ هذا مولاه» الحديث.
القرينة الرابعة: قوله(ص) عقيب لفظ الحديث: «الله أكبر على إكمال الدّين...» فأيّ معناً تراه يكمل به الدين، ويتمّ النّعمة ويُرضي الرّب في عداد الرسالة غير الإمامة التي بها تمام أمرها وكمال نشرها وتوطيد دعايمها، فالناهض بذلك العبء المقدّس أولى النّاس منهم بأنفسهم.
القرينة الخامسة: قوله(ص) قبل بيان الولاية: «كأنّي دعيت فأجبت»[٣٠]، وهو يعطينا علماً بأنّه(ص) كان قد بقي من تبليغه مهمّة يحاذرُ أن يدركه الأجل قبل الإشادة بها ولم يذكر(ص) بعد هذا الاهتمام إلا ولاية أمير المؤمنين وولاية عترته الطاهرة الذين يُقدمهم هو(ص)، فهل من الجائز أن تكون المهمّة المنطبقة على هذه الولاية إلا معنى الإمامة المصرّح بها في غير واحد من الصحاح وهل صاحبها إلا أولى النّاس بأنفسهم.
القرينة السادسة: قول الشيخين: (بخّ بخّ لك يا علي أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة).
القرينة السابعة: قوله(ص) بعد بيان الولاية: فليبلّغ الشاهد الغايب، أوَتحسب أنّه(ص) يؤكّد هذا التأكيد في تبليغ الغائبين أمراً علِمه كلّ فرد منهم بالكتاب والسنة من الموالاة والمحبّة والنّصرة بين أفراد المسلمين؟! أم أنّه يريد بذلك الاهتمام والحرص على بيانه أمراً آخر هو الإمامة وإكمال الدّين بها، وما فهم الحضور من لفظه(ص) إلا تلك.
القرينة الثامنة: قوله(ص) بعد إبلاغ الولاية: اللهم أنت شهيد عليهم أنّي قد بلّغت ونصحت فالإشهاد على الأمّة بالبلاغ والنّصح يستدعى أن يكون ما بلّغه(ص) ذلك اليوم أمراً جديداً لم يكن قد بلّغه قبل. مضافاً إلى أن بقيّة معاني المولى العامّة بين أفراد المسلمين من الحبّ والنّصرة لا تتصوّر فيها أيّ حاجة إلى الإشهاد على الأمّة في عليّ خاصة إلا أن تكون فيه على الحدّ الذي بيّناه. القرينة التاسعة: احتجاج أمير المؤمنين(ع) بيوم الغدير من أجل إثبات خلافته، وهذا ردٌّ على صاحب المنار والحلبي صاحب السيرة وأسلافه حيث قالوا: بأنّ علي بن أبي طالب لم يحتجّ بذلك على القوم في مطالبته للخلافة، واليك الأدلة الكافية في الرد عليهم من مصادرهم لتتم الحجة على الخصم، فمن ذلك:
- احتجاج أمير المؤمنين(ع) بالحديث يوم الرّحبة بعد أن آلت إليه الخلافة رداً على من نازعه فيها وإفحام القوم لمّا شهدوا به، فأيّ حجة له في المنازعة بالخلافة في المعنى الذي لا يلازم الأولوية على النّاس من الحبّ والنّصرة[٣١]. وذكر البغدادي في تاريخه: (عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: سمعت علياً ـ بالرحبة ـ ينشد النّاس من سمع رسول الله(ص) يقول: «من كنت مولاه فعلي مولاه...» فقام اثنا عشر بدرياً، فشهدوا.."[٣٢] وقد ذكر محقق تاريخ بغداد مصطفى عبد القادر مصادر لهذا الحديث[٣٣]، وراجعت بنفسي بعض هذه المصادر المذكورة كمسند أحمد، والمستدرك واسمى المناقب، وكفاية الطالب، والخصائص، والمناقب فرأيتها كما ذكر.
- مناشدة أمير المؤمنين يوم الشورى سنة ٢٣ أو ٢٤ من الهجرة: فقد ذكر الخوارزمي في مناقبه وابن عساكر في تاريخه عن أبي الطفيل عامر بن واثلة قال: "كنت على الباب يوم الشورى فارتفعت الأصوات بينهم فسمعت علياً يقول: >بايع النّاس لأبي بكر وأنا والله أولى بالأمر به منه، فسمعت وأطعت مخافة أن يرجع النّاس كفاراً بضرب رقاب بعضٍ بالسيف، ثم بايع النّاس عمر وأنا والله أولى بالأمر منه وأحقّ به منه، فسمعت وأطعت مخافة أن يرجع النّاس كفاراً يضرب بعضهم رقاب بعض بالسيف، ثم أنتم تريدون أن تبايعوا عثمان؟ إذاً لا أسمع ولا أطيع..." إلى آخر كلامه في المناشدة، فراجع[٣٤]
وذكر الحمويني في فرائده عن سليم بن قيس الهلالي الخبر مفصّلاً فراجع[٣٥]
ولأجل ألا يطول المقام اقتصرنا على هذا القدر ومن أراد التوسع في معرفة المناشدات والاحتجاجات لأمير المؤمنين(ع) وفاطمة وأصحاب أمير المؤمنين بأنّهم سمعوا الحديث، فليراجع كتاب الغدير للعلامة الأميني [٣٦]
وللاستزادة في معرفة ما وقع من بعض الصحابة الذين حضروا واقعة الغدير وكتموا الشهادة لما استشهدهم الإمام عليّ بن أبي طالب عليها فراجع ما ذكره ابن عساكر في ترجمة الإمام(ع)[٣٧] وكذا ابن أبي الحديد المعتزلي[٣٨].
وقد ذكر المحقق الشيخ محمد باقر المحمودي جزاه الله خير الجزاء عدة مصادر للقضية في هامش تاريخ دمشق فراجع، ومثله السيد الشهيد التستري في إحقاق الحق في الجزء السادس من صفحة ٣٠٥ وحتى صفحة ٣٤٤.
وقد ذكرها ابن أثير في ترجمة عبد الرحمن بن مدلج[٣٩]، وكذا في كتاب الإصابة[٤٠].
وقد ذكر ذلك النّسابة الشهير أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري في تاريخه [٤١]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ سورة المائدة، الآية ٦٧.
- ↑ سورة العلق، الآية ١.
- ↑ سورة المدثر، الآية ١-٢.
- ↑ سورة فصلت، الآية ٦.
- ↑ سورة الأحزاب، الآية ٣٨-٣٩.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٧٥.
- ↑ تفسير الميزان، الطباطبائي، ج٦، ص٤٩.
- ↑ سورة المائدة، الآية ٦٧.
- ↑ تفسير الميزان، الطباطبائي، ج٦، ص٤٩.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ١٢٤.
- ↑ سورة المائدة، الآية ٣.
- ↑ النّاقب للخوارزميّ، ص ١٣٥، تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي، ص ٣٥، فرائد السمطين، ج١، ص ٦٤ ـ ٧٥، مجمع الزوائد للهيثمي، ج٩، ص ١٠٥ - ١٠٨، الخصائص للنسائي، ص ١٥٠، شواهد التنزيل للحسكاني، ج١، ص ٢٤٩ - ٢٥٧، الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي، ص ٣٩، مسند أحمد بن حنبل، ج٤، ص ٢٨١، أسباب النزول للواحدي النيسابوري، ص١٧٠، تفسير الفخر الرازي، ج ١٢، ص٤٩ الاحتمال العاشر.
- ↑ فتح القدير، الشوكاني، ج٢، ص٨٨. وكذا في الدر المنثور في التفسير المأثور، السيوطي، ج٣، ص١١٧.
- ↑ الغدير، الأميني، ج١، ص١٤، ص٦٢، ص٧٣.
- ↑ الغدير، الأميني، ج١، ص٢١٤.
- ↑ إحقاق الحقّ، المرعشي، ج٢، ص٤١٥، ج٦، ص٣٤٧.
- ↑ سورة المعارج، الآية ١-٢.
- ↑ السيرة الحلبية، ج٣، ص٢٧٤.
- ↑ وللتعرّف على مصادر أخرى فراجع كتاب الغدير للأميني، ج١، ص٢٣٩. إحقاق الحقّ، المرعشي، ج٢، ص٤٩٢، ج٦ ص٣٥٨. آيات الغدير: بحث في خطبة حجّة الوداع وتفسير آيات الغدير، مركز المصطفى، ص٢٨٥.
- ↑ سورة المعارج، الآية 1.
- ↑ الغدير، الأميني، ج١، ص٢٤٧ ـ ٢٦٦.
- ↑ فرائد السمطين للحمويني، ج١ الباب ١٣، ص ٧٧. المناقب للخوارزمي، ص ١٥٦، الفصل ١٤ ح١٨٤، ابن المغازلي في مناقبه، ص ١٨، ح٢٣، والبغوي في تاريخه، ج٨، ص٢٨٤، الحسكاني في شواهد التنزيل، ج١، ص ٢٠٠ ـ ٢٠٣، ح٢١٣ عند تفسير آية الإكمال، وابن عساكر في ترجمة الإمام عليg تحت رقم (٥٧٧) عن تاريخ دمشق، ج٢، ص٧٥ و٧٦، الغدير، ج١، ص٤٠١.
- ↑ تاريخ ابن كثير، ج٥، ص ٢١٤.
- ↑ سورة المائدة، الآية ٥٥.
- ↑ سورة الحديد، الآية ١٥.
- ↑ تذكرة الخواص، ابن الجوزي، ص٣٧.
- ↑ العمدة، ابن بطريق، ص ٥٦.
- ↑ الغدير، الأميني، ج١، ص٣٦٢ و٣٦٣، وإحقاق الحق، ج٢، ص ٤٦٦.
- ↑ الغدير، الأميني، ج١، ص ٣٧٠- ص٣٨١. إحقاق الحقّ للتستري، ج٢، ص ٤٧٠، ج٣ ص٣٢٢ ـ ٣٢٧، ج٦ ص٢٢٦، ص٣٠٤.
- ↑ و: «أنّه يوشك أن أدعى فأجيب»، أو: «ألا وإنّي أوشك أن أفارقكم».
- ↑ الإصابة في تفسير الصحابة، ج١، ص٣٠٥ في ترجمة حبيب بن بديل، الخصائص للنّسائي- تحقيق الشيخ المحمودي- ص ١٧٣، و١٧٤، مسند أحمد بن حنبل، ج٤، ص٣٧٠، أسد الغابة، ابن أثير، ج٣، ص٣٠٧.
- ↑ تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي، ج٨، ص٢٣٩ -٢٤٠.
- ↑ مسند أحمد بن حنبل، ج٢ ص٨٤، ص١١٨، ص١١٩، ص١٥٢. وصحيح ابن حبّان، ص٢٢٠٢، والمستدرك، ج٣، ص١١٠، ص١٣٤،ص٣٧١. المناقب للخوارزمي، ص ١٥٧ الفصل ١٤، وغيرها.
- ↑ المناقب، الخوارزمي، ص ٣١٣، ح٣١٤، تاريخ دمشق، ابن عساكر، ص ٩١، ح ١١٣٢.
- ↑ انظر: فرائد السمطين للحمويني، ج١، الباب ٥٨، ص ٣١٢ إلى ٣١٦، ففيه زيادة وتفصيل.
- ↑ في: ج١، ص ١٥٩- ٢١٣، وترجمة الإمام علي، تاريخ دمشق، ابن عساكر، ج٢، ص٥ - ٣٠.
- ↑ ترجمة الإمام علي، ابن عساكر، ج٢ ص١٥-١٧.
- ↑ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج٤، ص ٣٨٨.
- ↑ أسد الغابة في معرفة الصحابة، ابن الأثير، ج٣، ص ٣٢١.
- ↑ الإصابة في تمييز الصحابة، ابن حجر، ج٢، ص٤٢١.
- ↑ أنساب الأشراف، البلاذري، ج٢ ص ١٥٦-١٥٧، ح١٦٩. ونقل العلامة آية الله العظمى السيد المرعشي النّجفي في حاشيته على كتاب إحقاق الحق، ج٢، ص٤٧٣، وكذا في ج٦، ص٣٠٥، عن كتاب (سرّ العالمين) للعلامة أبي حامد الغزالي في المقالة الرابعة، ص ١٦، قولَ الأخير: "اختلف العلماء في ترتيب الخلافة -إلى أن قال- ولكن استقرّت الحجة من وجهها وأجمع الجماهير على متن الحديث من خطبته في يوم غدير خم باتفاق الجميع وهو يقول: «من كنت مولاه فعلي مولاه»، فقال عمر: بخ بخ لك يا أبا الحسن لقد أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة. فهذا تسليم ورضى وتحكيم ثم بعد هذا غلب الهوى بحبّ الرياسة وحمل عمود الخلافة وعقود البنود وخفقان الهوى في قعقعة الرايات واشتباك ازدحام الخيول وفتح الأمصار سقاهم كأس الهوى فعادوا إلى الخلاف الأول فنبذوا الحقّ وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون". ثم قال السيد المرعشي: "فانظر أيّها القارئ الكريم! كيف أنطق الله لسانه بالحق وأفصح عن الواقع مع ما يحكى عنه من العصبية واللجاج".