نقاش:الإمام الحسين عليه السلام

محتويات الصفحة غير مدعومة بلغات أخرى.
من إمامةبيديا

التمهيد

دور الإمام الحسن(ع) يختلف عن دور الإمام الحسين(ع) ففي مرحلته ارتفع الشك عن المسلمين في صحة المعركة وشرعيتها، وأصبح المسلمون في هذه المرحلة يعيشون تجربة الامام علي(ع) كمثل أعلى للحكم الإسلامي العادل وأدركوا أن انتصار بني أمية هو انتصار للأرستقراطية الجاهلية التي ناصبت الرسول وأصحابه العداء، والتي جاهدها الرسول حتى قضى عليها وأقاموا على أنقاضها دعائم الإسلام ولا ندهش إذا كره المسلمون بني أمية وغطرستهم وكبرياءهم وإثارتهم للأحقاد القديمة ونزوعهم للروح الجاهلية، والأمويون لم يعتنقوا الإسلام إلا سعياً وراء مصالحهم الشخصية[١] «وهم أول من ابتدع وبشكل سافر في التاريخ الإسلامي نظماً وتقاليد بعيدة عن الإسلام محاولة منه التشبه بملوك الفرس والبيزنطيين، وحولوا الخلافة إلى ملك كسروي وعصب قيصري»[٢].

هذه الحقائق أصبحت واضحة عند أغلب المسلمين، فكانت سبباً في إزالة الشك في شرعية المعركة، وأخذت تنحسر عن الأذهان، بعد أن اكتووا بفساد وظلم بني أمية واستهتارهم بالقيم الإسلامية وتسخيرها في خدمة المآرب الخاصة.

حتى وصل الحال بيزيد إلى الاستهزاء علنا بقيم الإسلام ومبادئه بترديده القول الجاهلي:

لعبت هاشم بالملك فلاخبر جاء ولا وحي نزل‏
لست من خندق إن لم أنتقممن بني أحمد ما كان فعل[٣]

أما بالنسبة لواقع المجتمع الإسلامي ووعيه لقضية الإسلام، فقد تلخصت نظرة الحسين(ع) له بالحقيقة التالية: «وذلك أن الأمة بعد النبي(ص) لم تكن تملك وعياً عقائدياً، وأن أقصى ما أفادته منه عاطفة رسالية أخذت تتضاءل بعد وفاته(ص) نتيجة للأخطاء والتقصيرات المتراكمة والمتلاحقة التي مارسوها عبر حياتهم العلمية والعملية، هذه التقصيرات والأخطاء التي قد لا يحس بكل واحد منها على حدة ولكنها حين تتراكم تتحول إلى واقع فاسد، والواقع الفاسد يتحول إلى فتنة[٤] كما حدث للحسين في زمن يزيد.

ولقد شارك الحسين(ع) أباه في سنواته الخمس وهو يعالج الأمة قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة لعلها تنبعث فيها حياة أو تحمل في تاريخها أطروحة الإنبعاث إذا أصرت حينذاك على أن تنسلخ من وجودها الرسالي.

ولم تنته السنة السادسة حتى شهد(ع) هذه الأمة تلفظ آخر أنفاسها بين يدي أخيه الحسن(ع) وتنزع عنها ما بقي لها من وجود رسالي، وتتحول إلى ركام من الناس يلقي بنفسه في فم الأمويين الكبير» [٥].

هذه الحقائق هي التي دفعت بالحسين(ع) لأن يخوض غمار معركة يائسة حتى ولو كان لا يرجى منها النصر العسكري الآني، فالمعركة خاسرة لا محالة في حسابها العاجل، ولكنه استهدف بعمله هذا أن يهز ضمير الأمة وأن يعيد للإنسان المسلم همه الرسالي الكبير، بعد أن غرق حتى أذنيه بهموم مصلحية صغيرة، فرأى الحسين أن يشق طريقه في وسط الأمة، وأن يبذل وجوده ووجود أصحابه وأهله وذويه بعمل فدائي لاهب، وأن لا يبخل على سيرته بما تحتاجه من وقود إن من دماء الأمة وآلامها وإن من قلبه ودمه.

أما الأمويون فحاولوا جهدهم، أن لا يمسوا الحسين بسوء فكانت مصالحه مصانة وجاهه عظيماً، ومنزلته كبيرة، حيث أن الحسين(ع) الذي توفرت له كل أسباب السعادة والرفاهية، شاهدته الأمة يغلق عليه الحياة، ويسد على نفسه أبواب هذه السعادة في سبيل مقاومة الظالمين، والحفاظ على رسالة الإسلام وصيانتها من الإنحراف.

وفي الوقت الذي كادت صدمة الإنحراف تقضي على الأمة وتجربتها الإسلامية، كتجربة حضارية حاكمة، لو أن أوضاعها استمرت طليقة في حياة المسلمين.

إلا أن الحسين(ع) بكل ما حفل به من صفات وظروف مؤاتية أدرك أن تحريك الأمة وهزها، لا يمكن أن تجدي له الكلمات والخطب الحماسية، بل لابد من تحريك إرادتها المهزومة بفدية تتوهج بالدم مبرهناً على صدق رؤيته للحاضر والمستقبل بتضحيته الفريدة.

الحسين يتحرك

وضع أمامنا(ع) مفصل قناعاته موضع التنفيذ، بعد أن أيقن أن مفاهيم الرسالة أخذت بالإندثار تحت غشاء المذاهب الدينية المضللة التي روج لها بنو أمية لوقف انهيار حكمهم الفاسد.

لقد أسرع الحسين(ع) بأخذ زمام المبادرة بعد أن أدرك بأن المجتمع في ظرفه الحالي وتأثره الشديد بالتخدير الديني وخوفه من القمع المادي وخضوعه الطويل للحكام المستبدين، لا يمكن أن تنبعث فيه مفاهيم الرسالة، بطرق الحوار الفكري أو الإقناع، فهو آخر شيء يمكن أن يؤثر فيه، ولأن الأمة كما ذكرنا في عصر الإمام الحسن(ع) قد ابتليت بظاهرة الشك في القيادة، فكان الصلح أسلوبا تسترجع معه الثقة، أما الأمة في عصر الحسين(ع) فقد ابتليت بفقدان الإرادة، وتميعت فيها إرادة النضال وأصبحوا أذلاء مستضعفين، فهم يدركون بعد الخليفة الأموي عن الإسلام. وأن الحسين هو القائد الحق، ولكن إرادتهم كانت ضعيفة إزاء نصرة الحسين «قلوبهم مع الحسين وسيوفهم عليه»[٦].

هذا القول الأخير، هو تصوير دقيق ومعبر للمجتمع الذي وصل إليه الوضع الأموي بكل ما ملك من أسباب القوة والتشريد والتقتيل، فكانت بوادر الخنوع والرضا بالوضع القائم لإيجاد مختلف الوسائل والمبررات على القعود والإستكانة»[٧].

في وضع كهذا أصر الحسين(ع) هو وسبعون رجلاً، ونساؤه وأطفاله، وقد أدرك الموقف كله، فهو يعلم أن جيوش عبيد الله بن زياد قد تعترضه، بل هي تعترضه قطعاً، وعندئذ تكون النهاية ولكن الحسين(ع) كان يعلم أنه لا بد من فدية ضخمة، فدية تتوهج بالدم، وكان هو الشخص الوحيد الذي يملك أن يتقدم كفدية تهز إرادة الأمة الإسلامية من جديد»[٨] فجاءت الثورة الدامية باعتبارها الأسلوب الأنجع في تحريك الإرادة المهزومة وإيقاظ الضمائر الميتة... حيث أدرك أن قتاله العادل واستشهاده الفاجع هو الذي سوف يدفع الإنسان المسلم بإعادة النظر والتفكير الجدي في واقعه المعاش، وبنفس الوقت «يكشف لمجتمعه عن بؤس الواقع وإفلاسه وعن أخطار المستقبل وأهواله وأن يبرهن على صدق رؤيته للحاضر والمستقبل بتضحيته الفريدة»[٩].

فالحسين(ع) أراد باستشهاده الفاجع إيقاظ الإرادة المخدرة بفعل المذاهب الدينية المفتعلة ولكي تكون سوطاً لاهباً يدمي ظهور الحكام، وموقظاً بها تلك النفوس الغافلة لتقوم بمحاكمة واعية لذاتها أزاء نظرة الرسالة، ويعينها في تحرير إرادتها من ظاهرة القلق والتردد الفكري وتفاقم شكها في القيادة الحكيمة وهو بهذا يخرجها إلى مواقف ثابتة تأخذ أبعادها بوعي من تحديدات الشريعة الإسلامية وموقفها الصارم من الإنحراف.

محاولات تقف بوجه الثورة وتنصح بعدم مواجهة الانحراف

وإزاء إصرار الإمام(ع) على خطة الثورة، نشطت محاولات كثيرة تنصح الحسين(ع) بعدم القيام بأي عمل من شأنه أن يشعل فتيل المواجهة مع يزيد، بحجة الفشل المحتم لنتائج المواجهة العسكرية المحتملة، ولكن الإمام(ع) كان يعرف هدفه جيدا ببصيرته المعصومة بأنه سوف ينتصر باستشهاده الفاجع، ولا يفكر بنتائج الربح العسكري الآني، مع علمه بقلة العدد وخذلان الناصر ولمن يريد أن يفهم الحسين(ع) في ثورته، عليه أن يبحث عن أهدافه ونتائج ثورته في غير النصر الآني الحاسم، وفي غير الإستيلاء على مقاليد الحكم والسلطان.

فالنصوص المتوفرة لدينا تدل بصراحة على أن الحسين(ع) كان عالما بالمصير الذي كان ينتظره، لقد كان يجيب من ينصحه بالمهادنة والسكوت، ويخوفونه بالموت بقوله: «لقد غسلت يدي من الحياة وعزمت على تنفيذ أمر الله»[١٠].

وهذا أخوه محمد بن علي يقول له ناصحاً: «يا أخي أنت أحب الناس إليّ وأعزهم عليّ‌، ولست أدخر النصيحة لأحد من الخلق إلا لك، وأنت أحق بها، تنحّ ببيعتك عن يزيد بن معاوية وعن الأمصار ما استطعت»[١١].

وأجابه (ع) بقوله: «شاء الله أن يراني قتيلا وأن يرى النساء سبايا»[١٢] وطلب عبد الله بن عمر بن الخطاب من الحسين(ع) البقاء في المدينة فأبى الحسين، وكان عبد الله بن الزبير يقول له: «إن شئت أن تقيم بالحجاز آزرناك ونصحنا لك وبايعناك وإن لم تشأ. البيعة بالحجاز توليني أنا البيعة فتطاع ولا تعصى»[١٣].

أما الأحنف بن قيس أحد رؤساء الأخماس بالبصرة فإنه كتب إلى الحسين(ع): «أما بعد فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون»[١٤].

وكتب إليه عبد الله بن جعفر الطيار مع ابنيه عون ومحمد: «أما بعد فإني أسألك الله لما إنصرفت حين تقرأ كتابي هذا فإني مشفق عليك من هذا الوجه أن يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك إن هلك اليوم طفأ نور الأرض فإنك علم المهتدين ورجاء المؤمنين فلا تعجل السير»[١٥].

أما الحسين فكان يعلم مصيره ويجيبهم بقوله: «لَوْ كُنْتُ فِي جُحْرِ هَامَّةٍ مِنْ هَذِهِ اَلْهَوَامِّ لاَسْتَخْرُجُونِي حَتَّى يَقْضُوا فِيَّ حَاجَتَهُمْ»[١٦]. وجاءه عمرو بن لوذان ينصحه ويخوفه من سوء المصير وقال له: «أنشدك الله يا ابن رسول الله لما انصرفت فو الله ما تقدم إلا على الأسنة وحد السيوف وإن هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤونة القتال ووطأوا لك الأسياف فقدمت عليهم كان ذلك رأيا»[١٧].

فأجابه الحسين(ع) بشكل حاسم بقوله: «لَيْسَ يَخْفَى عَلَيَّ اَلرَّأْيُ وَ لَكِنَّ اَللَّهَ تَعَالَى لاَ يُغْلَبُ عَلَى أَمْرِهِ وَ اَللَّهِ لاَ يَدَعُونِّي حَتَّى يَسْتَخْرِجُوا هَذِهِ اَلْعَلَقَةَ مِنْ جَوْفِي»[١٨].

فكل الدلائل تشير على علم الإمام ويقينه بأنه مقتول في اليوم الموعود به بأرض كربلاء.

وهل يتردد أحد في هذا وهو يقرأ خطبته(ع) بمكة حين أراد السفر منها إلى العراق عند ما قال: {{نص حديث|كَأَنِّي بِأَوْصَالِي يَتَقَطَّعُهَا عَسَلاَنُ اَلْفَلَوَاتِ بَيْنَ اَلنَّوَاوِيسِ وَ كَرْبَلاَءَ فَيَمْلَأْنَ مِنِّي أَكْرَاشاً جُوفاً وَ أَجْرِبَةً سُغْباً لاَ مَحِيصَ عَنْ يَوْمٍ خُطَّ بِالْقَلَمِ رِضَى اَللَّهِ رِضَانَا أَهْلَ اَلْبَيْتِ نَصْبِرُ عَلَى بَلاَئِهِ وَ يُوَفِّينَا أُجُورَ اَلصَّابِرِينَ»[١٩].

متى تكون الثورة مشروعة‌؟

ومن خلال هذه المبررات التي ذكرناها، استمد الحسين(ع) مشروعية ثورته اتجاه معاصريه الأمويين من أعداء الإسلام.

فالثورة ومشروعيتها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمفهوم الإسلام وحكمه الشرعي عن الواقع الحاسم وانحرافه عن مبادىء الإسلام.

فالمفهوم الإسلامي انطلاقاً من هذا المقياس، يتباين ويختلف من حكم إلى حكم ومن وضع حاكم إلى وضع حاكم آخر.

فواقع الحكم لابد أن يتخذ أحد الصور التالية:

  1. أن يقوم واقع الحكم على أساس القاعدة التشريعية للإسلام ويستمد كل أحكامه من هذه القاعدة ويتكيف لها ويتبنى النظرية الإسلامية في الحياة ويجعل الإسلام أساس التشريع والتقنين لكل نواحي الحياة.
  2. أو أن يقصى الإسلام كقاعدة تشريعية للحكم ويفترض أن أحكامه لا شأن لها بالقيمومة على حياة الإنسان وتنظيمها، فيكون الحكم على هذا الأساس حكما «كافراً» سواء كان الحاكم الممارس للحكم مسلماً أو كافراً - إذ لا يوجد ارتباط بين إسلام الحكم وإسلام الحاكم بالشهادتين - فالحكم قد يكون كافراً وإن كان الحاكم مسلماً.

فالحكم إذن يمكن أن نقسمه إلى قسمين رئيسين:

القسم الأول: قيام الحكم على قيمومة الله على الإنسان وخضوعه لشريعة السماء، فيكون الحاكم بهذا الوصف حكما مؤمنا مسلما مستعبدا لله، عند ما تكون قاعدة الحكم فيه الإسلام.

وهنا نفترض ثلاثة افتراضات:

  1. أن يكون الشخص الحاكم الذي يمارس مسؤولية الحكم شخصاً معصوماً في منطق تلك القاعدة، ولا يشذ في سلوك أو قول أو فعل كما هو الحال في الأئمة المعصومين(ع).
  2. أو أن يكون الشخص الحاكم «نائباً للمعصوم» أو أنه منسجم مع نظرية الحكم في الإسلام.
  3. أو أن يكون الشخص الذي يمثل القاعدة ويتزعم التجربة ليس معصوماً ولا شخصاً مشروعاً. بل هو إنسان أقحم نفسه على القاعدة من دون أن تقره مقاييس القاعدة وأصولها في الحكم.

ومن هنا صرناً نواجه ثلاث حالات هي:

الحالة الأولى: والتي يتولى فيها المعصوم ممارسة قيادة الأمة، ففي هذه الحالة لا يمكن افتراض الإنحراف لأن المسؤول عن قيادة المجتمع وتطبيق النظرية الإسلامية فيها هو شخص معصوم، فهو متفاعل مع أهداف الرسالة إلى أبعد حد ممكن في سلوكه وقوله وفعله، ولا يمكن أن يمارس الإنحراف لعصمته، وبالنتيجة لا يكون للأمة الخيار إلا مواكبة الحاكم في كل شيء، وتسمع له وتطيع لتصعيد العمل في سبيل الإسلام والوصول به إلى أهدافه الكريمة.

الحالة الثانية: انسجام الحاكم مع مقاييس القاعدة الإسلامية، فهو حاكم مشروع إلا أنه غير معصوم، ففي هذه الحالة ما دام الحاكم ملتزما بمقاييس القاعدة الإسلامية، فلا يمكن أن نفترض فيه وقوع الإنحراف، لأن الإنحراف يجرد الحاكم من الصفة المشروعة للقيام بالحكم. ولكننا نفترض في هذا الحاكم إمكانية تقديره المصلحة الإسلامية على خلاف الواقع، أي أنه يجتهد في موضوع إسلامي فلا يصيب واقع التشريع في إجتهاده، ففي هذه الحالة عند ما يصدر الخطأ من الحاكم لا بد من تنبيه الحاكم قدر الإمكان على أخطائه وأن توضح له وجهة النظر الأخرى الأصوب والتي هي أكثر تمثيلا لواقع الإسلام وأصدق تعبيرا عن حاجات الرسالة والأمة في ذلك الوقت.

فإن أمكن تنبيه جهاز الحاكم على أخطائه، أم لم يكن ذلك بالإمكان، وبقي الحاكم مصرا على وجهة نظره.. ففي هذه الحالة لابد للأمة من أن تتبع الحاكم في رأيه، سواء من اعتقاد منهم بخطأه أو صوابه.. وذلك لأن معنى الحاكمية في الولاية هو إنفاذ تقدير الحاكم للأمور، وكون تقديره هو النافذ على الأمة من دون السماح لكل فرد من أفراد الأمة أن يعمل ويتصرف حسب تقديره الخاص للمواقف. ويأثم كل من يعمل بحكم شرعي غير الحكم الذي تبناه الحاكم وأمر به، لأنه بعد أمر الحاكم يعتبر الحكم الشرعي في حق المسلمين هو ما أمر به الحاكم وما عداه لا يعتبر حكما شرعيا بحق المسلمين، لأن الحكم الشرعي في المسألة الواحدة لا يتعدد بحق الشخص الواحد.

الحالة الثالثة: أن يقوم الحاكم على أساس القاعدة الإسلامية ولكن شخص الحاكم يتصف بالإنحراف كما هو الحال في الخلفاء الثلاثة الذين اغتصبوا الخلافة من الإمام(ع) ومن آله بعد ذلك.

فحكم الخلفاء الثلاثة الذي مارسوه كان حكما قائما وفقا للقاعدة الإسلامية ونظريتها في الحكم، ولكن وضعهم ووجودهم يعتبر (من وجهة النظر الإسلامية) تحديا لمقاييس القاعدة واعتباراتها في تعيين الحاكم. فالإنحراف هنا في شخص الحاكم ولا يوجد انحراف في القاعدة التي يقوم عليها الحكم.

ومن خلال هذه الحالة يمكن أن نفترض ظرفين:

فنفترض تارة أن بعض أنواع الإنحراف ومؤامراته تمس بخطرها أسس القاعدة ذاتها، وأخرى نفترض امتداد الخطر إلى المعالم الرئيسية للمجتمع الإسلامي.

فإذا كان الإنحراف الذي يمارسه الحاكم يهدد بالخطر القاعدة والمعالم الرئيسية للمجتمع الإسلامي، ففي هذه الحالة يتعين على الأمة أن تتحرك وتتحدى الإنحراف على مستوى (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ولا بد للأمة من ممارسة هذا المفهوم الإسلامي بشروطه المنصوص عليها في كتب الفقه، ولها أيضاً ومن ناحية أخرى أن تمارس حقها في الدفاع عن حقوقها المشروعة، إذا امتدت إليها يد الإنحراف كدفاع أي شخص يتعرض للظلم من قبل الآخرين وذلك ضمن حقه في الدفاع المشروع عن النفس.

أما إذا كان الإنحراف (المفترض) يشكل خطراً على ذات القاعدة ويتناول المعالم الرئيسية للشخصية الإسلامية وللمجتمع الإسلامي، ففي هذه الحالة يتحقق مفهوم الجهاد، والعمل على تخليص الرسالة من هذا الخطر الداهم.

وعند ما تكون الرسالة مهددة بالخطر فلا بد للمسلمين من مقاومة انحراف الحاكم مهما كلف الأمر، وذلك في الحدود التي لا بد منها لإبقائه وتخليص القاعدة الإسلامية ونظريتها من خطر الإنحراف.

القسم الثاني: قيام الحكم على أساس قاعدة كافرة، وممارسة الحكم من خلال (نظرية من نظريات الجاهلية البشرية).

فمثل هذا الحكم يشكل تحدياً سافراً وخطراً على الإسلام. وحينئذ فلا يمكن أن نفرض غير ظرفين:

  1. ظرفاً يكون الإنحراف فيه مهدّداً لنظرية الإسلام ومبادئه.
  2. وظرفاً آخر تكون نظرية الإسلام بمنحى عن الإنحراف.

وهذان الإفتراضان، غير ممكنين، لأنه عند ما يستند الحكم إلى قاعدة جاهلية في التشريع، يعني أن الحكم قد تبنى قاعدتها، ونظرتها للحياة، فهو يدافع عن مفاهيمها وأفكارها ويبشر بأطروحتها وصيغتها للحياة مجندا كل إمكانياته وطاقاته كحكم لإبعاد الأمة عن رسالتها وفصلها عن مفاهيم دينها ففي هذه الحالة تكون الخطورة ما حقة تهدد وجود الإسلام في الصميم.

وعلى ضوء ما تقدم من حقائق، لابد من محاولة فهم ثورة الحسين(ع) من خلال هذا المقياس وخصوصاً بعد أن عرفنا حقيقة انسحاب الإمام الحسن(ع) من المعترك السياسي مؤقتاً وإعلانه هدنة الصلح مع معاوية، والتي جاءت نتيجة لعجز كامل من قيادة الإمام الحسن(ع) عن مواصلة التجربة الإسلامية وأطروحتها، وذلك للأسباب المارة الذكر، ولتفاقم وتضاعف ظاهرة الشك لدى الأمة والقواعد الشعبية التي تعتمد عليها تجربة الإمام علي(ع) والتي تضاعف شكلها في قيادة الإمام الحسن(ع) (وفقاً للظروف التي مرت بها) حتى أصبحت غير قادرة على مواصلة الجهاد قبل أن تكشف أعداءها..

هذه الحقائق كانت تعني في وعي الإمام الحسن(ع) إيقاف العمل السياسي والعسكري الظاهر ولو مؤقتا، لكي يسترجع الإمام(ع) قيادته، وثقة الجماهير به، بعد أن ينكشف معاوية أمام الجماهير وتتضح معالم أطروحته الجاهلية لها. فمعاوية في أواخر حياته فقد كل رصيده الروحي وكل تلك المبررات التي اصطنعها لنفسه محاولاً تزييغها في نفوس المسلمين، حتى أن يزيد ابنه وولي عهده لم يستطع أن يترحم عليه وأن يشايع عهده ولو بكلمة ثناء واحدة، وعند ما صعد الضحاك بن قيس المنبر، لينعي للناس نبأ وفاته، لم يستطع هو الآخر أن يمدح معاوية أو أن يطري أعماله، وإنما اكتفى بالقول «إن معاوية قد مات وذهب بعمله».

فمعاوية عند ما سيطر على الحكم نتيجة للهدنة مع الحسن(ع) بدأ يعمل بدأب من أجل تثبيت أطروحته وقيادته الجاهلية على مستويين:

أ. على المستوى النظري: أخذ يعمل على طمس وتشويه النظرية الإسلامية ومحاولة تزييفها، ولعل أخطر ما توصل إليه الأمويون من طرق التغلب على الشعور الإسلامي الثائر وتحطيم ما لأهل البيت من سلطان روحي على المسلمين وذلك بتخدير شعورهم الديني وإيجاد تبريز ديني لسلطان بني أمية أو على الأقل لكبح الجماهير عن الثورة، برادع داخلي هو الدين نفسه، وتمثلت أساليبهم في طمس النظرية الإسلامية وتزييفها بالآتي:

١. اختلاف الأحاديث، وشراء الأكاذيب من بعض الذين كان لهم من الإستعداد في ذم علي(ع) والبراءة منه، والكذب على الرسول(ص) في مقابل جعل يرغب فى مثله، ووضع كل وسائل الترهيب والترغيب لشراء الكذب والنقل عن رسول الله(ص) والتركيز بشكل مشوه ومفتعل أحياناً، عن حادثة السقيفة والحديث في تبعاتها ومضاعفاتها بشكل يحاول معه طمس النظرية الحقة للإسلام. باحثاً عن مبرر ولو هزيل لحكمه أولاً، ومشلاً في الأمة الإسلامية أملها في أن ترتبط بأطروحة الإسلام الصحيحة وجاهدا لها أن تعيش الإسلام من خلال أثوابه المبرقعة التي برقع بها جاهليته ورواسبه.

أما بالنسبة للذين أبو الإنصياع لأوامره في الدس والكذب على الرسول(ص) فقد حاول الضغط عليهم وإرهابهم بشتى الوسائل ليسكتوا عن المفاهيم والأفكار الإسلامية التي تعبر عن شعارات هذه النظرية في الحكم وأسلوبها في القيادة.

فقد كتب معاوية إلى ولاته بعد عام الجماعة أن برئت الذمة ممن روى شيئاً في فضل أبي تراب وأهل بيته فقامت الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يلعنون عليا ويبرأون منه، وكان أشد الناس بلاء على حكمه حينئذ أهل الكوفة لكثرة ما بها من شيعة الإمام(ع)، فاستعمل عليها زياد بن سمية وضم إليه البصرة، فكان يتتبع الشيعة فيقتلهم تحت كل حجر ومدر، وقطع الأيدي والأرجل، وسمل العيون، وصلبهم على جذوع النخل وطردهم وشردهم عن العراق»[٢٠].

وقد عملت أحاديث عمرو بن العاص، وأبي هريرة، والمغيرة بن شعبة وعمرو بن الزبير عملها السام، وأعطت ثمارها الخبيثة في صورة تسليم تام وخضوع أعمى للحكم الأموي [٢١].

٢. اختلاق الفرق الدينية (السياسية) باسم الإسلام لتبرير حكمهم بعد أن توضع لها التفسيرات الدينية المضللة وتصاغ بأطر إسلامية مزيفة، تتخذ اسم المرجئة تارة والجبرية أخرى، هادفين من وراء هذا العمل الدنيء، تحريم الثورة عليهم.

«فمعاوية أول من قال بالجبر، ودافع عنه، ليظهر أن ما يأتيه بقضاء الله، ليجعله عذرا فيما يأتيه، ويوهم أنه مصيب فيه وأن الله جعله إماما وولاه أمره»[٢٢]، وقد كان معاوية يردد كثيراً الآية القرآنية ﴿يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ[٢٣] وبناء على ذلك وكل سلوك له يستمد شرعيته من هذا الإختيار».

«أما المرجئة فكانوا عونا وسندا لحكم معاوية، جاءت آراؤهم ومعتقداتهم تبريراً لخلافته، وإقناعاً للمسلمين بوجوب طاعته ويرى المرجئة في مرتكب الكبيرة التوقف في الحكم وإرجاء الأمر له سبحانه» [٢٤]. ويقولون «بأن الإيمان تصديق بالقول دون العمل»[٢٥]. وكان حسان بن بلال المزني أول من دعا إلى مذهبه بين أهل البصرة[٢٦] «فلقيت دعوته قبولاً إذ وجد البصريون في الإرجاء ضالتهم المنشودة، لأنهم سئموا الحروب وآثروا السلامة والعافية من جراء ما لاقوه من أهوال في معارك الجمل وصفين والنخيلة، وأصبح الإرجاء بمثابة الصيغة المذهبية التي تمنطق رغبتهم في الموادعة والركون إلى الراحة»[٢٧].

ولا غرو فقد تحول معظمهم إلى الإرجاء وعنوا بأمورهم الداخلية»[٢٨] دون نظر إلى نوعية السلطة الحاكمة التي لم تكن حسب مذهبهم حكومة خارجة ضالة.

وهم بمذهبهم هذا يرون فكرة الحياة عند الفتن، ويستندون في دعواهم بحديث ينقلونه عن لسان النبي: ستكون فتن القاعد فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، ألا فإن نزلت أو وقعت - فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه» قال رجل من الصحابة: ومن لم تكن له أرض ولا إبل ولا غنم‌؟. قال رسول الله: ليعمد إلى سيفه فليدعه على حده بحجر ثم لينج إن استطاع النجاة[٢٩].

فهم يتركون أمر الحكم على جميع الملل لله رب العالمين[٣٠].

وفعلاً نرى أن ظاهرة التخدير الديني أخذت تتمكن من النفوس وتتجاوب معها، وأخذ الوعي الإسلامي بالإنحسار، حتى أصبح الإسلام مهددا في وجوده كرسالة للحياة.

ب. على مستوى الأمة: فقد مارس معاوية حكمه على هذا المستوى ألوانا كثيرة من الإذلال، ومحاولات دؤوبة لتمييع شخصية الأمة، وإثارة الضغائن والأحقاد القومية والإقليمية والقبلية داخل العالم الإسلامي.

حتى أخذنا نشاهد ذلك الإنسان المسلم الذي حارب طاغوت كسرى ووقف أمامه متحدياً بكل إباء، ذلك المسلم الذي عاش متحسساً هموم المظلوم في أقصى البلد الذي لم يعرفه نراه ينقلب بين عشية وضحاها إلى فرد لا يهمه إلا عطاءه ومصالحه الشخصية الحقيرة.

فبنو أمية استعانوا بكل وسائل القمع والقهر لتبديد قوة الخصوم وشر ذمتها، ولجم الجماعات المعارضة منهم، واسكاتهم بالأساليب الآتية:

  1. الإرهاب: وكان الرجل يؤخذ بمجرد الشبهة، وسيرة ابن زياد لم تنس بعد، فقد خطب فيهم مهدداً بأنه سيأخذ البريء بالمسيء، حتى إذا رده حجر بن عدي في هذا وذكره بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى[٣١]، فكانت حادثة حجر وأصحابه الشهيرة[٣٢].
  2. التجويع: فكانت سياستهم الحط من جرايات أهل العراق[٣٣]، وزيادة جرايات أهل الشام، مبرراً عمله هذا بقوله «الأرض لله، وأنا خليفة الله، فما آخذ من مال الله فهو لي وما تركته كان جائزاً لي».
  3. إحياء النزعة القبلية والعنصرية: كان يثيرها معاوية وذلك لسببين: ضمان ولاء القبائل له، ولضرب بعضها ببعض حين يخشاها على سلطان من ناحية أخرى، وأثار العصبية العنصرية عند العرب عموما ضد المسلمين من غير العرب، وهم الذين يطلق عليهم المؤرخون اسم الموالي[٣٤].
  4. الطرد والتهجير الجماعي: فقد حمل زياد بن سمية - والي العراق - خمسين ألفا من الكوفيين وأجبرهم على النزوح من الكوفة إلى خراسان، وبذلك حطم المعارضة في الكوفة وخراسان معا[٣٥].

موقف الحسين(ع) تجاه مؤامرات معاوية الجاهلية

ومن خلال مؤامرات معاوية في تمييع الأمة ومصادرة شخصيتها كان لا بد للحسين(ع) أن يتخذ موقفاً تجاه أطروحة معاوية على المستويين: فالموقف الذي اتخذه تجاه المؤامرة على مستوى تزييف النظرية الإسلامية، تمثل في جمع الحسين(ع) البقية الباقية من حملة تراث النبي محمد(ص) من أصحابه المهاجرين والأنصار والتابعين: ... وذلك في أحرج اللحظات وأقسى الظروف، جمعهم في عرفات، مستجيبين لدعوته(ع) فكان الواحد منهم يقف تلو الآخر، لينقل ما يعرفه من أحاديث عن النبي(ص)، وكانت لكل حديث يروى من تلك الأحاديث قيمتها الموضوعية والواقعية، لأنها قيلت، وسيف معاوية وبطشه يتهددان حياتهم.

وبمثل هذا الموقف والمبادرة الجريئة، استطاع الحسين(ع) أن يثبت معالم النظرية، وأن يركز في أذهان الأمة، بأن البقية الصالحة من تراث محمد(ص) تقف بكل شجاعة وبسالة لكي تعبر عن خط الإسلام الصحيح متحدية بذلك جبروت الطغيان.

وأما الموقف الذي اتخذه الحسين(ع) على مستوى الأمة فكان من خلال الصراع السياسي الذي تحدى به حكم معاوية. ورأى الحسين(ع) أن من الضروري أن يمنح الأمة فرصة، لكي تكتشف بنفسها أبعاد المؤامرة وحدودها وما تحتله من أفكار ومفاهيم جاهلية لا تمت إلى الإسلام بصلة.

وفعلاً أصبحت الأمة تعيش وتتحسس واقع الإنحراف وتتذكر بشوق حكم الإمام(ع) وتعيش العاطفة اتجاه ماضيها المشرق.

فمرض الشك شفيت منه الأمة، ولم يبق هناك من يتصور أن الإمام علي(ع) كان يعمل لنفسه أو لزعامته الشخصية بل أصبح واضحاً أن معركة الإمام على(ع) مع معاوية هي معركة رسول الله(ص) مع الجاهلية والتي جعلت من الإسلام ثوباً لها كي تبرز من جديد على مسرح المعترك السياسي دون استفزاز لمشاعر الأمة المسلمة.

ولكن الأمة - وبفعل مؤامرات معاوية - منيت بمرض آخر اقوى وأخطر أثراً ألا وهو فقدان الأمة لإرادتها على التعبير، فهي تدرك ولكنها لا تستطيع التغيير والتخلص من مرضها وأصبحت تتألم ولكنها لا تستطيع الرفض. فكل الأشياء أصبحت في نظرها رخيصة، إلا حياتها المحسوسة والتي تعيشها في ذل وعبودية وإستكانة.

ومن هنا رأى الحسين(ع) أن كل شيء جاهز، ليطلق الإسلام صيحته في حمم هذا الركام الذي يغط في نوم عميق لعلها تشق سمعه ولو بعد حين، وكان الحسين(ع) أول من شق طريقه في وسط الأمة ورمى بثقله في إصلاح كيانها من الداخل، ولم يبخل على مسيرته بما تحتاجه من وقود إن من دماء الأمة وآلامها وإن من قلبه ودمه.

موقف الحسين(ع) بعد هلاك معاوية

عند ما طلب يزيد من الإمام الحسين(ع) أن يبايعه بعد أبيه معاوية، كانت أمام الحسين(ع) أحد المواقف الأربع التي بالإمكان اقتراحها وهي:

الموقف الأول: وهو أن يبايع يزيد بن معاوية كما بايع أبوه الإمام علي(ع) أبا بكر وعمر وعثمان.

الموقف الثاني: أن يرفض البيعة ويبقى في مكة أو المدينة، في حرم رسول الله(ص) في بيته وبلده مستجيرا بحرم الله تعالى، حتى يقضي الله ما هو قاض.

الموقف الثالث: أن يلجأ (ع) إلى أحد أطراف العالم الإسلامي، وكما أشار عليه - محمد بن الحنفية - بالذهاب إلى اليمن لتكوين جماعة تعمل على تأسيس مجتمع إسلامي ومن ثم يعلن انفصاله بعد ذلك.

الموقف الرابع: أن يرفض البيعة ويتحرك للذهاب إلى الكوفة، مستجيباً للرسائل التي كانت تدعوه للمجيء إلى الكوفة ومن ثم يستشهد وهو في طريقه إلى العراق.

هذه المواقف العملية الأربعة، هي التي كان بالإمكان للإمام(ع) أن يختار واحدة منها.. فالذي نريده هنا، هو لماذا اختار الإمام الحسين(ع) الموقف الأخير دون سائر المواقف الأخرى.

جاء اختيار الإمام(ع) للموقف الأخير، لإدراكه التام لطبيعة الظروف الموضوعية التي عاصرته، والتي استمد منها أساس موقفه من الأحداث، لأن الإمام(ع) كان عليه أن يتخذ موقفاً يباشر من خلاله علاج عدة أصناف أو أقسام من أفراد الأمة الإسلامية وهذه الأصناف هي:

الصنف الأول: وهم الجزء الأكبر من الأمة والتي فقدت إرادتها وقدرتها على مواجهة الأوضاع الفاسدة في عهد معاوية فقد كانت تشعر بالذل والتبعية للعهد الفاسد الذي حول الخلافة الإسلامية إلى حكم كسروي وهرقلي وملكا عضوضا[٣٦] يتمتع بكل مواصفات المجتمع الجاهلي من موازين ومنطلقات.

فالأمة أصبحت فاقدة لإرادتها في رفض الإنحراف، بل أصبحت يدها ولسانها ملكاً لشهواتها، ولم تكن تملك عقلا وقلبا تتحرك بهما لتغيير الأوضاع الفاسدة، هذا القسم من الأمة يتمثل بقول الفرزدق المشهور «قلوبهم معك وسيوفهم عليك[٣٧]. فهم يدركون أن بني أمية ينتهكون ليل نهار حرمة الإسلام ولكنهم فقدوا إرادتهم وقدرتهم على الرفض والإحتجاج.

الصنف الثاني: هو الذي لم يعد يحمل هم الرسالة، بقدر اهتمامه بمصالحه الشخصية والأنانية، حتى أخذت همومه الرسالية العظيمة تتضاءل بالتدريج، لتحل محلها تلك الهموم الصغيرة.

والفرق بين الصنف الأول وهذا الصنف من الأمة أن الأول كان يشعر بالمصيبة ويحس بالإنحراف والظلم لكنه لا يستطيع الوقوف في وجهه، أما الصنف الثاني فقد كان لا يحس ولا يشعر بالمصيبة أساساً.

الصنف الثالث: وهو ذلك القطاع المغفل الساذج من الأمة والذي كان بالإمكان أن تنطلي عليه حيلة الحكام من بني أمية.

وقد عرفنا من قبل أن الخلافة الإسلامية بعد وفاة الرسول(ص) أخذت تنحرف عن مفهومها الشرعي الصحيح، ولكن مفهوم الخلافة بقي بمنحى عن أي تغيير أساسي، بينما نرى أن مفهوم الخلافة في عهد معاوية طرأ عليه تغيير أساسي كبير، ولم تعد الخلافة حكماً للأمة وإنما تحولت إلى حكم كسروي قيصري مستبد[٣٨].

وحاول معاوية بشتى الطرق أن يكسب حكمه ثوباً شرعياً أمام المسلمين، ولو أن معاوية تم له هذا التلاعب أو التحويل الهدام في مفهوم الخلافة، دون مجابهة الصحابة لهذا الحدث الخطير لأمكن وبكل سهولة أن تنطلي حيل معاوية على كثير من السذج والبسطاء، وكانوا يقولون بشرعية هذا التحويل استنادا إلى سكوت الصحابة عليه وبالتالي قبولهم إياه.

الصنف الرابع: هذا القسم تبلورت مواقفه من خلال مسألة تنازل الإمام الحسن(ع) وقبوله هدنة الصلح كطريق وحيد اتخذه الإمام(ع) من خلال ظروفه المعقدة كقائد جماعة وأمين على رسالة ومسؤول عن حفظ مستقبل الدعوة من الضياع والفناء..

يبدو أن هذه الحقيقة الموضوعية التي سلكها الإمام(ع) في صلحه لم تكن واضحة بصورة كافية لهذا القسم أو الصنف من الأمة. وعلى الأغلب أن موقف الإمام الحسن(ع) لم يكن واضحاً إلا داخل دائرة التفاعل في الحواضر الكبرى من العالم الإسلامي التي عاشت وعانت مأساة الحسن(ع) عن قريب كالكوفة والعراق بشكل عام.

أما الإنسان المسلم الذي كان يقبع بعيداً في آخر حدود العالم الإسلامي وأطرافه كخراسان، والذي لم تتح له فرصة معايشة المحنة ومعاناتها يوما بعد يوم، ولم يكتو بنارها اللاهب، كما عاناها واكتوى بنارها وعذابها أمامنا الحسن(ع) وهو بالكوفة، فهذا الإنسان البعيد إنسان الحدود، لم يكن يعرف أخبار المعركة وملابساتها المعقدة إلا أخباراً باهتة ومختصرة تصله من خلال بعض المسافرين ولم يدرك أبعادها بوضوح.

ومن هنا كان قدر الإمام الحسين(ع) واختياره للموقف الذي يعلن فيه لكل المسلمين وخصوصاً أولئك الذين عاشوا وسمعوا من بعيد أحداث تنازل أخيه الحسن(ع) وصلحه مع معاوية وليؤكد لهم أن تنازل أخيه وصلحه، لا يعني أن أهل البيت(ع) أمضوا عملية التحويل وباركوا أموية حكم معاوية وأطروحته الجاهلية.

فكان الحسين(ع) أمام هذا الاختيار لكي يتمكن من شرح كل هذه الملابسات والظروف، ويعالج واقع الأمة من خلال أصنافها الأربعة، ولم يكن لتحقيق أي هدف للحسين(ع) إلا أن يسلك أو يأخذ بالموقف الأخير.

فالموقف الأول: وهو أن يبايع يزيد كما بايع الإمام علي(ع) أبا بكر وعمر وعثمان بالخلافة وهم لا يستحقونها هذا الموقف لم يكن بإمكان الحسين(ع) الأخذ به لأنه لم يكن ليقدم إليه أي مكسب على مستوى معالجة الأقسام الأربعة من صنوف الأمة.

وكما لا يمكن أن نسوي بين موقف يزيد وبين موقف أبي بكر وعمر وعثمان، لأن التحول الذي أجراه يزيد كان خطيراً جذرياً على مستوى تغيير وتبديل مفهوم الخلافة الإسلامية، ولم يتجه هذا التحويل لتغيير شخص واستبدال آخر، بحيث يمكن أن نقول ببقاء الخلافة دون تحويل أو مساس بقاعدتها الإسلامية بل اتجهت نية يزيد والأمويين إلى التحويل المفهومي للخلافة والإعتداء، على قواعدها الأساسية، وأصبحت هي الشائع بعد هذا التاريخ الأسود للمسلمين.. ومن هنا جاءت ضرورة التصدي والإصطدام المسلح من قبل إمامنا الحسين(ع) وأهل بيته وصحبه، لإحباط هذا التحويل والمؤامرة الخطيرة.

أما الموقف الثاني: وهو أن يظل الحسين(ع) في المدينة أو مكة رافضاً البيعة ليزيد، ومعلناً شجبه واستنكاره لعملية التحويل، حتى يقضي الله ما هو قاض، فإن الظروف الموضوعية آنذاك، كلها كانت تشير وتؤكد بشكل لا يقبل الشك ما أكده لنا الحسين(ع) بنفسه مرارا أنه لو بقي في المدينة أو مكة لتعقبته بنو أمية بالقتل والإغتيال حتى ولو تعلق باستار الكعبة المحرمة وهذا ما حدث بالفعل إذ دسوا له ثلاثين رجلاً ليغتالوه في موسم الحج مما اضطره لقطع حجه وجعله عمرة مفردة ثم خروجه والناس في المناسك ليحافظ على حرمة مكة وقداسة البيت فتنتهك بانتهاك حرمته.

وهذا القتل الضائع والبارد، لم يكن ليحقق للإمام أي مكسب على مستوى أي من الأقسام الأربعة من أمته، وفرق كبير من أن يقتل الإمام الحسين(ع) في سبيل الله وفي سبيل امتناعه عن بيعة يزيد الفاجر، أو أن يقتل بعد أن استطاع أن يحول البقية الباقية من عواطف المسلمين ويلهبها تجاه رسالة نبييهم(ص) ويعيد إليهم إرادتهم وكرامتهم الممتهنة.

والناس عادة يؤمنون بالدين أو أي عقيدة أخرى بما تبقى عندهم من مجموعة العواطف بعد انطفاء وهج العقيدة في نفوسهم، ولكي ترجع تلك النفوس إلى عقيدتها لابد من عمل يحرك عواطفها ويلهبها... وعملية تحريك العواطف وتأجيجها لا تتم في حادثة قتل عابر سهل من هذا القبيل. بل لكي تتحرك هذه العواطف لا بد من حشد كل المثيرات والمنبهات إلى درجة نجد أن عمر بن سعد نفسه أخذ يبكي الحسين(ع) وهو القائد القاتل الذي أصدر أوامره بسلب ونهب الإمام(ع) وصحبه البررة.

وأما الموقف الثالث: وهو أن يذهب إلى أحد ثغور المسلمين كاليمن ويبقى هناك لينشىء المجتمع الإسلامي فلو وقف الإمام(ع) هذا الموقف فسوف لن يحقق هدفه المقصود بل سوف ينعزل، ويتقوقع بينما كان مسرح الأحداث وقتئذ هو الشام والعراق والمدينة ومكة بالنسبة إلى كل أرجاء العالم الإسلامي.

ولكن الإمام(ع) أراد أن يباشر ثورته من على مسرح الأحداث ليجعلها تنعكس بنتائجها على كل الوطن الإسلامي ولتأخذ أثرها الروحي والتربوي والأخلاقي عند كل المسلمين.

ولماذا الذهاب إلى اليمن والإنعزال هناك بعيدا عن مسرح الأحداث الفاعل، من أجل إقامة المجتمع الإسلامي، فهذا المجتمع المقترح لم يتحقق في عهد أبيه الامام علي(ع) وهو في الكوفة، فكيف تسمح الظروف بذلك للحسين(ع) وهو في اليمن، تلك الرقعة النائية البعيدة عن قلب العالم الإسلامي آنذاك.

فهذا الموقف يتناقض مع موقف الإمام(ع) في مساهمته في عملية التغيير الروحي والنفسي والذهني للأمة الإسلامية.

ومن هنا كان على الإمام الحسين(ع) أن يختار الموقف الرابع والذي يستطيع أن يهز بها خمير الأمة على مختلف أصنافها وليحسسها بأهمية التمسك بالرسالة وأهدافها الكريمة في الحياة.

الحسين(ع) واخلاقية الهزيمة

لقد ذكرنا شيئاً عن محاولات النصح التي كانت تقف بوجه الحسين(ع) وثورته، تنصحه وتحذره من مواجهة الإنحراف، فقد واجه (ع) هذه الأخلاقية ليس فقط من بعض العامة من المسلمين بل واجهها من قبل سادة المجتمع، وبل من بعض أقاربه وأعوانه.

جاءت كل هذه النصائح تعبيراً واضحاً عن واقع الإنهيار النفسي الذي شمل زعماء المسلمين وسادتهم، وجماهيرهم الذين عاشوا انهياراً مروعاً في الأخلاق والسلوك والرغبات...

وجد الإمام(ع) أن العلاج الوحيد لهذه الحالة المرضية في مجتمع فقد إرادته وفعاليته وانكمش عن بذل التضحيات، أن يخرج عازماً على التضحية المفجعة مع قلة العدد وخذلان الناصر «أَلاَ وَ إِنِّي زَاحِفٌ بِهَذِهِ اَلْأُسْرَةِ عَلَى قِلَّةِ اَلْعَدَدِ وَ كَثْرَةِ اَلْعَدُوِّ وَ خَذْلَةِ اَلنَّاصِرِ».

فبقدر ما يكون هذا المرض عميقاً في الأمة يجب أن تكون التضحية عميقة ومتكافئة معها.

أما أخلاق الهزيمة فإنها حتماً سوف تصبح قوة كبيرة بيد صانعي هذه الهزيمة لإبقاء روح التخاذل والعمل على استمراره وتعميقه وتوسيعه عند الأمة، بحيث تجعل من الشجاعة تهوراً والتفكير بشؤون المسلمين استعجالاً وقلة أناة. والاهتمام بدرء الكوارث والمصائب عن الإسلام والمسلمين نوعاً من الخفة واللاتعقل.

فالإمام(ع) كان يريد أن يغير هذه الأخلاقية ويضربها في الصميم ويوحي إليها في نفس الوقت بأخلاقية أخرى جديدة تنسجم مع قدرتها في التحرك والإرادة.

وثمة أدلة كثيرة على استفحال هذه الأخلاقية السلبية نجدها في أحرج وأخطر المواقف التي تعرض لها الإمام(ع).

فعند ما استأذنه حبيب بن مظاهر الأسدي وذهب ليدعو عشيرته (بني أسد) للإلتحاق ومناصرة الثورة كانت نتيجة هذه المفاتحة أن غادرت هذه العشيرة المنطقة بأجمعها وإنسحبت إنسحاباً إجماعياً في نفس تلك الليلة.

أما ابن زياد فقد استطاع خلال اسبوعين بعد مقتل مسلم بن عقيل أن يجند الألوف من أولئك الذين كانوا لا يزالون إلى ذلك الوقت من حملة رسالة الإمام علي(ع) والموالين له أن يجندهم ويضعهم في خط سلطان بني أمية.

ومحنة مسلم وهاني هي الأخرى توضح لنا مدى ما وصلت إليه هذه الأخلاقية عند المسلمين.

فقد أرسل ابن زياد على هاني بن عروة يدعوه لزيارته، بعد أن عرف أنه يخفي مسلم بن عقيل في بيته، وقد اتهمه ابن زياد بوجود مسلم عنده، وما يبيته من مؤامرة الخروج على سلطان بني أمية وشق عصا الأمة فأجابه هاني بعصبية وحدة: بأنه لا يعلم من أمر مسلم شيئاً، وهو بريء من هذه التهمة، ولكن ابن زياد أصر على قوله وأجابه هذه المرة بتحد واضح وقال له لابد من أن تحضره وتسلمه للسلطة.

وفي هذه المرة أجابه هاني بكل شجاعة وبسالة «لو كان مسلم تحت قدمي لما رفعتها» فقد تكلم هاني هذا الكلام وكان يحسب أنه يملك رصيداً ضخماً وأن عشرات الألوف من خلفه سوف تسنده وتدافع عنه» وحينما اشتد الغضب بابن زياد، أمر بحبس هاني وانتشر خبر اعتقاله في الكوفة ممزوجة بإشاعة مفادها بأن هاني في طريقه للقتل.

وما هي إلا ساعات حتى جاء عمرو بن الحجاج ومعه أربعة آلاف من عشيرته لمعرفة صحة الخبر، ووقفوا بباب قصر الإمارة يطالبون بحياة هاني.

وهنا بعث ابن زياد على شريح القاضي وطلب منه أن يكون وسيطاً، فيدخل الغرفة التي حبس فيها هاني، لكي يشهد بعدها أمام المتظاهرين بأن هانياً حي يرزق وأن الإشاعة لا صحة لها من الواقع وعند ما لمح هاني شريحا صاح في وجهه قائلاً: «أين ذهب المسلمون‌؟ لو أن عشرة منهم يهجمون على القصر لأنقذوني، لأن القصر ليس فيه جيش ولا شرطة» ويعني هاني أن عشرة لو كانوا مستعدين للموت في سبيل الله لتغير وجه الكوفة، وعند ما خرج شريح القاضي ليطمئن الناس ويكلم عمرو بن الحجاج ويقدم شهادته أمامه، بأن هانياً حي لم يقتل ويقول شريح رجعت ثانية لكي أبلغ عمرو بن الحجاج ما طلبه هاني وهو في السجن، عند ما طلب عشرة فقط يهجمون على القصر لينقذوه من ابن زياد، يقول هممت على ذكر هذا الطلب ولكني التفت إلى جنبي وكان يقف أحد عيون ابن زياد من شرطته فأحجمت عن الكلام واكتفيت بأداء الشهادة المطلوبة، ويرجع عند ذاك عمرو بن الحجاج وجماعته، لأنهم لم يكن قصارى همهم إلا معرفة كون هاني حياً أم ميتاً.

وبرجوع عمرو وجماعته يبادر ابن زياد في اليوم التالي ويقتل هانياً في السجن أما مسلم بن عقيل فقد خرج في اليوم التالي ومعه أربعة آلاف، أخذوا يطوفون قصر الإمارة، وابن زياد ليس معه إلا عدد قليل من شرطة تحميه لا يتجاوز عددهم الثلاثين، ولكن جيش مسلم انهزموا كلهم أجمعون، ولم يبق حتى واحد منهم لأنهم لا يملكون إرادة يقاتلون بها.

هذا الواقع المتناقض الذي كان يلف عواطف الأمة عبر عنه الفرزدق أدق تعبير عند ما قال: «قلوبهم معك وسيوفهم عليك». فالشخص الذي لا يملك إرادته، يمكن أن تتحرك يده على خلاف قلبه وعاطفته ولهذا وجدناهم يبكون ويندمون بعد أن قتلوا الحسين(ع) لأنهم يشعرون أن قتلهم الإمام(ع) معناه قتل مجدهم وأملهم الوحيد في الحياة الحرة الكريمة... ومع ذلك فلقد رأيناهم يقتلون الحسين وهم يبكون عليه.

وفي مجرى عملية تحويل أخلاقية الهزيمة إلى أخلاقية جديدة واجه الحسين(ع) أدق مراحل عمله، فهو في الوقت الذي أراد أن يبث في جسم الأمة وضميرها ووجدانها أخلاقية جديدة، أراد أن لا يخرج خروجاً سافراً عن أخلاقيتها التقليدية التي عاشتها نتيجة لهزيمتها الروحية، لأن الإمام(ع) لا يتمكن من هز ضميرها وتحريكها إلا إذا راعى في سيره وتخطيطه أخلاقية الأمة، وأن لا يستفزها لكي يبقى محتفظاً لعمله بطابع (المشروعية) في نظر المسلمين الذين ماتت أخلاقهم وتبدلت مقاييسهم الإسلامية.

ولهذا فقد صمم الحسين(ع) منذ اللحظة الأولى أن يخوض المعركة. ومهما كلف الأمر من تضحيات، بل يريق آخر قطرة من دمه الزكي حفظا لمستقبل الإسلام من هذا الإنحراف.

فثورة الحسين(ع) وحركته لم تأت نتيجة لتفكير إيجابي مستقل بل هو الذي خطط في خلق ظروف وردود فعل مناسبة لكي يتحرك من خلالها.

وهكذا ظل الإمام(ع) يواصل تأكيده على الشعار الذي رفعه منذ بداية تحركه، حيث لم تكن القضية قضية اقناع الحسين(ع) بالرجوع والعدول عن المعركة، لأنه لم يتحرك وفقاً لردود فعل طلبات قواعده الشعبية في الكوفة، لأنه عرف واطلع أثناء الطريق على تفاصيل تصرفات هذه القواعد التي خانته والتي سبق أن قتلت رسوله «مسلم بن عقيل» وهو ثقته من أهل بيته.

ومع معرفة الإمام(ع) لكل هذه التفاصيل، واصل‌ (ع) رحلته، لأن الشعار الذي رفعه كان ينسجم وأخلاقية الأمة التي تعيشها بطابعها المشروع والوفاء بالعهد (وفاء لرسائل أهل الكوفة) وكذلك عند أولئك الذين آثروا السلا والدعة.

وكان من جملة الأساليب التي اتخذها الإمام(ع) لكسب هذه الأخلاقية أن حشد لمعركته كل القوى والإمكانيات، ولم يكتف بتقديم نفسه للإستشهاد بل قدم أولاده وأهل بيته حتى يقطع القول بالتبرير على أخلاقية الهزيمة، لأن أخلاقية الهزيمة مهما أرادت التشكيك في مشروعية خروجه لمعركة يائسة فهي لا تستطيع التشكيك في أن هذا العمل الوضيع والوحشي والذي قامت به جيوش بني أمية ضد بقية النبوة لم يكن عملا صحيحا في ظل كل المقاييس والإعتبارات.

ومن هنا جاء دخول الحسين(ع) المعركة لا بدمه فقط بل بدم أولاده وأطفاله وأصحابه أدخلها(ع) وكل الاعتبارات العاطفية والتاريخية، حتى عمامة جده رسول الله(ص) وسيفه كانت في حساب المعركة ومن ضمن تخطيطه.. لكي يسد على أخلاقية الهزيمة كل المنافذ والطرق للتعبير عن هزيمتها أو تبريرها.

وهكذا كان، فقد استطاع الإمام(ع) بتخطيطه الرائع الدقيق أن يعيد للأمة المهزومة إرادتها وضميرها وأوضح(ع) أن عملية التغيير لأخلاق الأمة الفاسدة لا يجوز مجابهتها بشكل استفزازي مباشر، لأن المجابهة المكشوفة الصريحة لأخلاقيتها الفاسدة، معناها الإنعزال عن الأمة والإنكماش عن القيام بأي عمل مشروع لصالح الأمة.

هذا العمل هو ما فعله الحسين(ع) عند ما أخذ المسلمون يدخلون بالتدريج إلى حالة ومستوى جديد من الأخلاقية، تختلف عن أخلاقية الهزيمة، وهذا الوضوع هو السبب في هز ضمير الإنسان المسلم آنذاك وإلى يومنا هذا.

نتائج الثورة وآثارها

والآن بعد أن أحطنا بالثورة ودوافعها، يلح علينا هذا السؤال: هل آتت الثورة أكلها، وهل غيّرت واقعا، وهل صنعت نصرا، وحطمت أعداء؟!.

ولربما اتهمها كثير من المؤرخين بالفشل، بحجة أنها لم تحقق نصراً سياسياً آنيا يطور الواقع الإسلامي إلى حال أحسن من الحال التي كانت عليها قبل هذه الثورة[٣٩].

ولكي نفهم ثورة الحسين(ع) علينا أن نفتش عن أهدافها ونتائجها في غير النصر الآني الحاسم، وفي غير الإستيلاء على مقاليد الحكم، وأن لا نبحث عن نتائجها فيما تعودناه في سائر الثورات، وإنما نلتمس نتائجها في الميادين التالية[٤٠]:

  1. تحطيم الإطار الديني المزيف الذي كان الأمويون وأعوانهم يحيطون به سلطانهم، وفضح الروح اللادينية الجاهلية التي كانت أطروحة الحكم‌ آنذاك. بعد أن شاعت هذه الروح اللادينية في جميع طبقات المجتمع، واستحكمت في أذهان الناس دون أن تكافح ودون أن يظهر في الناس من يفضح زيفها وبعدها عن الدين. وكان الحسين(ع) هو الشخص الوحيد الذي يملك رصيداً كبيراً من المحبة والإجلال في قلوب المسلمين جميعاً، والقادر على فضح الحكام وكشف حقائقهم وبعدهم الكبير عن مفاهيم الإسلام. ولهذا كانت ثورته خطا فاصلا بين الإسلام والحكم الأموي وأظهر هذا الحكم بمظهره الحقيقي وكشف زيفه.
  2. الشعور بالإثم: لقد كان لاستشهاد الحسين(ع) الفاجع في كربلاء أن أثار موجة عنيفة من الشعور بالإثم في ضمير كل مسلم استطاع نصره فلم ينصره بعد أن عاهدوه على الثورة. ولهذا الشعور بالإثم طرفان، فهو من جهة يحمل صاحبه على أن يكفر عن إثمه الذي ارتكبه، ومن جهة أخرى يثير في النفس مشاعر الحقد والكراهية لأولئك الذين دفعوه إلى ارتكاب الإثم.. حتى كانت ثورات عديدة أججها مصرع الحسين(ع) وكان باعثها التكفير عن القعود عن نصرته والرغبة في الإنتقام من الأمويين. وقد قدر لهذا الشعور بالإثم أن يبقى مشتعل الأوار حافزاً دائماً إلى الثورة والإنتقام، وقدر له أن يدفع الناس إلى الثورات على الأمويين كلما سنحت الفرصة ثم لا يرتوي ولا يهدأ ولا يستكين، وإنما يطلب من صاحبه ضريبة الدم باستمرار وكان سبيل ذلك هو الثورة على الظالمين.
  3. الأخلاق الجديدة: كان لابد لثورة الحسين(ع) من أن تدعو إلى نموذج من الأخلاق أسمى مما يمارسه المجتمع ولابد من تغيير نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى الآخرين، وإلى الحياة ليمكن إصلاح المجتمع.

ولقد قدم الحسين(ع) وآله وأصحابهم - في ثورتهم على الأمويين - الأخلاق الإسلامية العالية بكل صفائها ونقائها، ولم يقدموا هذه الأخلاق بألسنتهم، وإنما كتبوها بدمائهم وحياتهم.

لقد اعتاد الرجل العادي إذ ذاك أن يرى الزعيم القبلي أو الديني يبيع ضميره بالمال، وكان يرى الجباه تعنو خضوعا وخشوعا لطاغية حقير لمجرد أنه يملك أن يحرم من العطاء..

هؤلاء هم الزعماء الذين كان الرجل العادي يعرفهم وقد اعتادهم وألفهم بحيث غداً يرى عملهم هذا طبيعيا لا يثير التساؤل.

لقد أصبح هم المسلم حياته الخاصة، يعمل لها ويكدح في سبيلها ولا يفكر إلا فيها. أما المجتمع وآلامه فلم يكن ليستأثر من الرجل العادي أي اهتمام، وكان يهتم غاية الاهتمام بعطائه فيحافظ عليه، ويطيع توجيهات زعمائه خشية أن يمحى اسمه من العطاء، ويسكت عن نقد ما يراه جورا بسبب ذلك [٤١] وكان يهتم بمفاخر قبيلته ومثالب غيرها.

أما أصحاب الحسين(ع) فقد كان لهم شأن آخر.. لقد كانت العصبة التي رافقت الحسين(ع) في رحلة المصير، رجالاً عاديين لكل منهم بيت وزوجة وأطفال، وصداقات ولكل منهم عطاء من بيت المال وفي حياتهم متسع للإستمتاع بالحب وطيبات الحياة ولكنهم جميعاً خرجوا عن ذلك كله وواجهوا مجتمعهم بعزمهم على الموت مع الحسين(ع).

ولذلك فقد كان غريباً جداً على كثير من المسلمين آنذاك أن يروا إنساناً يخير بين حياة رافهة، فيها الغنى والمتعة والنفوذ، ولكن فيها إلى جانب ذلك كله الخضوع لطاغية والمساومة على المبدأ والخيانة له، وبين الموت.

لقد كان غريباً جداً على هؤلاء أن يروا نموذجاً يتعالى ويتعالى حتى ليكاد القائل أن يقول: ما هذا ببشر.

ولقد هز هذا اللون من الأخلاق، الضمير المسلم هزا متداركا وأيقظه من سباته الطويل، ليكسب الحياة الإسلامية سمة كانت قد فقدتها قبل ثورة الحسين(ع) بوقت طويل، ثم أخذ المجتمع الإسلامي يشهد من حين لآخر ثورات عارمة يقوم بها الرجال العاديون على الحكام الظالمين، وكانت روح كربلاء تلهب أكثر القائمين بها، وتدفعهم إلى الإستماتة في سبيل ما يرونه حقاً.

الروح النضالية

كانت ثورة الحسين(ع) السبب في انبعاث الروح النضالية في الإنسان المسلم من جديد بعد فترة طويلة من الهمود والتسليم، فقد حطمت كل الحواجز النفسية والاجتماعية التي حالت دون الثورة.

فواقع الإنسان المسلم كان يدعوه إلى الاستسلام والمساومة والدعة ويقول له حافظ على ذاتك وعطائك، حافظ على منزلتك الاجتماعية... فجاءت ثورة الحسين، وقدمت للإنسان المسلم أخلاقاً جديدة لتقول له: لا تستسلم، لا تساوم على إنسانيتك، ناضل قوى الشر ما وسعك، ضح بكل شيء في سبيل مبدئك. كان الرضا عن النفس يحول بينه وبين أن يثور ويغريه بالقعود عن النضال، فجاءت ثورة الحسين وخلفت في أعتابها لجماهير كثيرة شعوراً بالإثم وتأنيباً للنفس ورغبة عارمة في التكفير، وجاءت لتعد الناس إعداداً كاملاً للثورة وإن الروح النضالية، شأن كبير وخطير في حياة الشعوب وحكامها، فحين تكون الروح النضالية هامدة، وحين يكون الشعب مستسلما لحكامه يشعر حكامه بالأمان، فيرتكبون ما يشاؤون دون أن يحسبوا حساب أحد، هذا من جهة الحاكمين وأما المحكومون فنلاحظ أنه كلما امتد الزمن بهمود الروح النضالية سهل التسلط على الشعب مما يجعل اصلاحه وتطويره أمرا بالغ الصعوبة.

ولكي نخرج بفكرة واضحة عن مدى تأثير ثورة الحسين(ع) في بعث روح الثورة في المجتمع الإسلامي، يحسن بنا أن نلاحظ أن هذا المجتمع منذ مقتل الإمام علي(ع) إلى حين ثورة الحسين(ع) أخلد إلى السكون ولم يقم بأي ثورة أو أي احتجاج جدي جماعي على ألوان الاضطهاد والتقتيل وسرقة أموال الأمة التي كان يقوم بها الأمويون وأعوانهم بل وقفت الجماهير موقف الخضوع والتسليم عشرون عاماً من سنة أربعين إلى سنة ستين للهجرة.

أما بعد ثورة الحسين(ع) فقد انبعثت الروح النضالية في الأمة وبدأت الجماهير ترقب زعيماً يقودها وكلما وجد القائد وجدت الثورة على حكم الأمويين. ونلاحظ هذه الروح الثورية، في كل الثورات التي حملت شعار الثأر لدم الحسين(ع) والتي جاءت صدى لثورته(ع) ونجعل هنا ذكر هذه الثورات وهي:

  1. ثورة التوابين: اندلعت في الكوفة، وكانت رد فعل مباشر لقتل الحسين(ع)، وانطلقت من شعورها بالإثم لتركهم نصرة الحسين(ع)، بعد أن استدعوه بكتبهم إلى الكوفة ورأوا أن يغسلوا عارهم بالانتقام من قتلة الحسين(ع) وكانت سنة ٦٥ للهجرة[٤٢].
  2. ثورة المدينة: وهي ثورة تختلف في دوافعها عن ثورة التوابين فهي لم تستهدف الإنتقام، بل استهدفت تقويض سلطان الأمويين الظالم، وقد ثارت المدينة على الأمويين، وطرد الثائرون عامل يزيد والأمويين وقدرهم ألف رجل، ولكن الثورة قمعت بجيش من الشام بوحشة متناهية[٤٣].
  3. ثورة المختار الثقفي: ثار مختار بن أبي عبيدة الثقفي سنة ٦٦ه‍ في العراق طالباً ثأر الحسين، وقد تتبع المختار قتلة الحسين وآله في كربلاء، وقتلهم فقتل منهم في يوم واحد مائتي وثمانين رجلا[٤٤].
  4. ثورة مطرف بن المغيرة: وفي سنة ٧٧ه‍ ثار مطرف بن المغيرة بن شعبة على الحجاج بن يوسف، وخلع عبد الملك بن مروان[٤٥].
  5. ثورة ابن الأشعث: وفي سنة ٨١ه‍ ثار عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث على الحجاج، وخلع عبد الملك بن مروان، وقد استمرت ثورته إلى سنة ٨٣ه‍ وأحرزت انتصارات عسكرية، ثم قضى عليها الحجاج بجيوش سورية[٤٦].
  6. ثورة زيد بن علي بن الحسين: وفي سنة ١٢٢ه‍ ثار زيد في الكوفة ولكن سرعان ما أخمد أوار ثورته الجيش الشامي الذي كان مرابطاً في العراق[٤٧].

هذه نماذج من الثورات التي تأثرت بوضوح ونفذت بروح الثورة التي بثها الحسين(ع) في الشعب المسلم والتي استمرت طيلة الحكم الأموي، حتى قضت عليه بثورة العباسيين، والتي لم تكن لتنجح لو لم تعتمد على إيحاءات ثورة الحسين(ع) واستغلالها لشعار الرضا من آل البيت الذي أكسبها الكثير من القواعد الشعبية المؤيدة والعطف الجماهيري.

ولكن الثورات استمرت على حالها تتحدى الإنحرافيين الجدد ولم تخمد بل بقيت ناشبة أبدا يقوم بها الإنسان المسلم دائماً فيعبر بها عن إنسانيته التي خنقها الحاكمون وزيفوها[٤٨].

وكان ذلك بفضل الروح التي بثتها ثورة الحسين(ع) في كربلاء، فقد كانت ثورته(ع) رأس الحربة في التاريخ الثوري فهي الثورة الأولى التي عبأت الناس ودفعت بهم في الطريق الدامي الطويل، طريق النضال، بعد أن كادوا أن يفقدوا إرادة النضال[٤٩].[٥٠]

المراجع والمصادر

  1. عادل الأديب، الأئمة الاثنا عشر

الهوامش

  1. تاريخ الإسلام د. حسن إبراهيم ج١ ص٢٧٨-٢٧٩.
  2. رسالة في معاوية والأمويين للجاحظ ١٦ عزة العطار.
  3. نثر اللآلي على نظم الدراري للألوسي.
  4. الكامل لابن الأثير ج٣ ص٢٦٤.
  5. الشيخ علي الكوراني في مقدمة هكذا تكلم الحسين لمحمد عفيفي ص٨.
  6. القول للفرزدق أنظر الطبري ج٤ /ص ٢٩٠ والكامل ج٣ ص٢٨٦.
  7. ثورة الحسين في الواقع التاريخي والوجدان الشعبي محمد مهدي شمس الدين ص٢١.
  8. اليمين واليسار في الإسلام ص١٦٢.
  9. ثورة الحسين في الواقع التاريخي ص٢١.
  10. ثورة الحسين في الواقع التاريخي ص٢٠.
  11. عبد الرزاق المقرم مقتل الحسين ص١٤٩.
  12. عبد الرزاق المقرم مقتل الحسين ص٥٥.
  13. أبو الشهداء للعقاد ص٦٣.
  14. مقتل الحسين - المقرم - ص١٦٠.
  15. نفس المصدر ص١٩٦ والطبري جزء ٤ ص٢٨٧ والكامل ج٣ ص٢٧٥.
  16. نفس المصادر السابقة على التوالي ص٥٤ وص٢٨٩-٢٩٦ وص٢٧٥-٢٨٦ والأخبار الطوال ص٢٢٣.
  17. أعلام الورى بأعلام الهدى الطبرسي ص٢٣٢.
  18. الطبري ج٤ ص٣٠٠-٣٠١ والكامل جزء ٣ ص٢٧٨.
  19. مقتل الحسين - المقرم.
  20. ثورة الحسين ظروفها لمحمد مهدي شمس الدين ص١٦٤.
  21. الحركات السرية في الإسلام د. محمود إسماعيل ٩٣ والمغني في أبواب التوحيد والعدل للقاضي عبد الجبار. ج٨ ص٤.
  22. اليمين واليسار في الإسلام ص١٥٨.
  23. سورة البقرة، الآية ٢٤٧.
  24. مقالات الإسلاميين للأشعري ص١٤١.
  25. تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني. ٤٦-٤٧.
  26. حركات الشيعة المتصرفين في العصر العباسي الأول لمحمد جابر عبد العال ص١٧٥ وص٧٦.
  27. حركات الشيعة المتصرفين في العصر العباسي الأول لمحمد جابر عبد العال ص١٧٥ وص٧٦.
  28. جولد تسهير ص٧٦.
  29. النظم الإسلامية د. صبحي الصالح ١٤٤.
  30. التبصير في الدين للأسفراييني ص٩٠.
  31. سورة الأنعام، الآية ١٦٤.
  32. ثورة الحسين ظروفها لمحمد مهدي شمس الدين ص٥٣.
  33. الدولة العربية وسقوطها يوليوس ولها وزن ١٥٨.
  34. للتوسع يراجع ثورة الحسين ظروفها ٦٣.
  35. ثورة الحسين في الواقع التاريخي لمحمد مهدي شمس الدين ١٣.
  36. النظم الإسلامية د. صبحي الصالح ٢٦٩.
  37. الطبري ج٤ ص٢٩٠.
  38. رسالة في معاوية والأمويين للجاحظ تحقيق عزة البيطار ص١٦.
  39. ثورة الحسين ظروفها لمحمد مهدي شمس الدين ص١٥٤.
  40. اعتمدنا كليا على النتائج التي استخلصها العلامة الشيخ محمد مهدي شمس الدين في كتابه - ثورة الحسين ظروفها ص١٦٢-٢٢٨ نحيل القارىء إليها ليقف على التفاصيل التي أغفلنا ذكرها لضيق مجال الكتاب.
  41. الطبري جزء ٤ ص٣٣٤.
  42. الطبري، ثورة التوابين ج٤ ص٤٢٦-٤٣٦.
  43. الطبري ثورة المدينة ج٤ /ص ٣٦٦-٣٨١.
  44. الطبري ثورة المدينة ج٤ / ٤٢٤.
  45. الطبري ثورة مطرف.
  46. الطبري ثورة الأشعث والدولة العربية لو لها وزن ص١٨٩-٢٠٣.
  47. مقاتل الطالبيين للأصفهاني ص١٣٩.
  48. محاضرات في التاريخ الإسلامي د. عواد الأعظمي ٣-٢٢.
  49. ثورة الحسين ظروفها محمد مهدي شمس الدين ص٢٢٣.
  50. عادل الأديب، الأئمة الاثنا عشر، ص 105-140.