نقاش:القرآن عند أهل السنة
موسوعة المفاهيم الاسلاميه العامة
لغةً: مصدر للفعل «قرأ» بمعنى تلا، ثم نقل من هذا المعنى المصدري وجعل اسما لكلام الله تعالى.
واصطلاحاً: هو كلام الله تعالى المعجز المنزل على رسوله محمد(ص) المكتوب في المصاحف، المنقول بالتواتر، المتعبد بتلاوته.
وللقرآن الكريم أسماء كثيرة من أشهرها:
- الفرقان: وسمى بذلك لتفرقته بين الحق والباطل، قال تعالى ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾[١].
- الكتاب: كما في قوله تعالى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾[٢].
- الذكر: كما في قوله عز وجل ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾[٣].
- التنزيل: كما في قوله تعالى ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾[٤].
هذه أشهر أسماء القرآن الكريم، وقد ذكر له بعض العلماء أسماء أخرى إلا أنها في الحقيقة صفات للقرآن الكريم وليست أسماء له.
وقد أنزل الله تعالى القرآن الكريم على نبيه محمد(ص) لمقاصد سامية من أهمها:
المقصد الأول، أن يكون هداية للناس، يهديهم إلى ما يسعدهم في دنياهم وفي آخرتهم. وتمتاز هداية القرآن بتمامها وعمومها ووضوحها:
تمتاز بتمامها لأنها اشتملت على جميع ما تحتاج إليه البشرية في عقائدها وعباداتها ومعاملاتها، وسلوكها، وآدابها، وأخلاقها، ومطالبها الروحية والمادية.
وتمتاز بعمومها، لأنها شملت الإنس والجن في كل زمان ومكان، لأن رسالة النبي(ص) الذي نزل القرآن على قلبه من ربه كانت رحمة للعالمين.
وتمتاز بوضوحها، حيث يدركها الإنسان الذي رسخ في ألوان العلوم والمعارف، كما يدرك منها الأمي الذي لا يعرف القراءة والكتابة ما ينفعه ويصلحه.
المقصد الثانى: الذي من أجله أنزل الله تعالى القرآن الكريم أن يكون معجزة ناطقة في فم الدنيا بصدق النبي(ص) فيما يبلغه عن ربه وشاهدة بأن هذا القرآن ليس من كلام مخلوق، وإنما هو من كلام الخالق عز وجل، والدليل الساطع على أن هذا القرآن هو المعجزة الكبرى للرسول(ص) التي تحدى الناس جميعاً أن يأتوا بمثله فعجزوا، ثم تحداهم أن يأتوا بسورة واحدة من مثله فنكصوا على أعقابهم وانقلبوا خاسرين. قال تعالى ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾[٥].
وإذا كانا العرب وهم أرسخ الناس قدما في البلاغة والفصاحة والبيان، قد عجروا عن أن يأتوا بسورة من مثل القرآن الكريم، فغيرهم أشد عجزا، ولو أن أحداً أتى بمثل سورة واحدة من القرآن، لنشرها أعداء الإسلام، ولكننا لم نقرأ ولم نسمع بأن أحدا قد أتى بمثل هذه السورة، ومادام الأمر كذلك، فقد ثبت أن هذا القرآن من عند الله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾[٦].
المقصد الثالث: الذي من أجله أنزل الله القرآن الكريم، هو التقرب إليه سبحانه بتلاوته بمعنى أن قراءة القرآن، ترفع درجات المسلم، وتزيد في ثوابه وفي تهذيب أخلاقه، وفي تنقية عقيدته وسلوكه ونطقه من كل ما لا يليق.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾[٧].
وفي الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله(ص): «الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ وَهُو ماهِرٌ بِهِ معَ السَّفَرةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ، وَالَّذِي يقرَأُ القُرْآنَ ويَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُو عليهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْران».
وفي صحيح البخاري عن عثمان بن عفان رضى الله عنه أن رسول الله(ص) قال: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ اَلْقُرْآنَ وَ عَلَّمَهُ».
والقول الصحيح: إن أول ما نزل من القرآن، هو صدر سورة «اقرأ» بدليل الأحاديث التي، وردت في ذلك. وأما آخر ما نزل من القرآن فهو قوله ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾[٨].
وهذا هو الرأى الراجح بين المحققين من لعلماء، لأن هذه الآية قد نزلت على الرسول(ص) قبيل وفاته بتسع ليال، كما جاء في بعض الروايات.
أما الآية التي يقول الله تعالى فيها: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾[٩]. فقد نزلت على الرسول(ص) يوم عرفة في حجة الوداع، وفي السنة لعاشرة من الهجرة، وكان نزولها قبل وفاته(ص) بأكثر من شهرين. والمراد بإكمال الدين في الآية الكريمة: إتمام النعمة، وإكمال تشريعاته التي تتعلق بالعبادات والمعاملات وغير ذلك من الأحكام.
ولاشك أن الإسلام في حجة الوداع، كان قد ظهرتف شوكته، وعلت كلمته.
والقرآن ينقسم إلى مكى ومدنى:
فالقرآن المكي: هو الذي نزل على لرسول(ص) قبل الهجرة ولو كان نزوله في غير مكة.
والقرآن المدني: هو الذي نزل على لرسول(ص) بعد الهجرة ولو كان نزوله في غير المدينة.
والسور المكية الخالصة عددها اثنتان وثمانون سورة، والسور المدنية الخالصة عددها عشرون سورة، وهناك اثنتا عشرة سورة منها ما يغلب عليه النزول قبل الهجرة، وبذلك يكون عدد سور القرآن الكريم مائة وأربع عشرة سورة.
والسور المكية نراها في الأعم الأغلب تفصل الحديث عن الأدلة على وحدانية الله وعلى صدق الرسول(ص) فيما يبلغه عن ربه، وعلى أن يوم القيامة حق.
أما السور المدنية فنراها في الأعم الأغلب تفصل الحديث عن الأدلة التي تتعلق بسمو الشريعة الإسلامية، في معاملاتها، وفي عباداتها، وفي تنظيمها للأسرة وللعلاقات بين المسلمين وغيرهم.
ومن المتفق عليه بين المسلمين أن نزول القرآن الكريم على النبي(ص) استغرق مدة تزيد على عشرين سنه، وقد ذكر العلماء حكما وأسرارا لنزول القرآن مفرقا من أهمها:
- تثبيت قلب النبي(ص) وتسليته عما أصابه من قومه عن طريق قصص الأنبياء السابقين.
- التدرج في تربية الأمة دينيا وأخلاقيا وثقافيا واجتماعيا وعقليا.
- الإجابة على أسئلة السائلين الذين كانوا يسألون النبي(ص) أسئلة معينة، فينزل القرآن بالإجابة عليها.
- لفت أنظار المؤمنين إلى ما وقعوا فيه من أخطاء حتى لا يعودوا إليها مرة أخرى.
- تيسير حفظ القرآن فقد كان الصحابة كلما نزلت آية أو آيات حفظوها عن النبي(ص).
وأكثر سور القرآن وآياته نزلت للهداية والسعادة الإنسانية في حاضرها ومستقبلها، ومنه ما نزل لبيان ما هو حق في أحداث خاصة حدثت بين المسلمين فيما بينهم، أو حدثت بينهم وبين غيرهم، كالآيات التي نزلت في أعقاب حديث الإفك، الذي أشاعه المنافقون عن السيدة عائشة رضى الله عنها وكالآيات التي نزلت في أعقاب ما حدث من حاطب بن أبى بلتعة عندما أخبر أهل مكة بأن المسلمين يعدون العدة لفتح مكة.
والتفسير معناه: التوضيح والتبيين لشيء يحتاج إلى ذلك، وقد عرف العلماء علم التفسير للقرآن: بأنه علم يبحث فيه عن القرآن الكريم من حيث دلالته على مراد الله تعالى في كلامه بقدر الطاقة البشرية. ويعد علم التفسيرمن العلوم التي لايستغنى عنها، فعن طريقه يستطيع المسلم أن يعرف ما إشتمل عليه القرآن من هدايات وتوجيهات.
وكتب التفسير للقرآن الكريم كثيرة ومتنوعة، منها القديم ومنها الحديثه، ومنها الكبير، ومنها المتوسط، ومنها الوجيز، ومنها التفسير بالمأثور، تفسير ابن جرير الطبرى، وتفسير «الدر المنثور في التفسير بالمأثور» للسيوطى المتوفي سنة ٩١١هـ، ومنها تفسير الإمام ابن كثير المتوفي سنة ٧٧٤هـ، ومنها التفسير بالرأى: كتفسير «البيضاوي» وتفسير الفخر الرازي، وتفسير الكشاف، وتفسير الألوسي وغيرهم. ولكل تفسير من هذه التفاسير مزاياه التي قد لا توجد في غيره.[١٠]
القرآن في الموسوعة الفقهية
التعريف
القرآن لغة: في الأصل مصدر من قرأ بمعنى الجمع، يقال: قرأ قرآنا، قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾[١١]، قال ابن عباس: إذا جمعناه وأثبتناه في صدرك فاعمل به، وخص بالكتاب المنزل على محمد فصار له كالعلم[١٢].
وفي الاصطلاح: قال البزدوي: هو الكتاب المنزل على رسول الله، المكتوب في المصاحف، المنقول عن النبي نقلا متواترا، بلا شبهة، وهو النظم والمعنى جميعا في قول عامة العلماء[١٣].
والقرآن عند الأصوليين يطلق على المجموع وعلى كل جزء منه؛ لأنهم يبحثون من حيث إنه دليل على الحكم، وذلك آية آية لا مجموع القرآن[١٤].
وقد سمى الله تعالى القرآن بخمسة وخمسين اسما: سماه كتابا، ومبينا، وقرآنا، وكريما، وكلاما، ونورا، وهدى، ورحمة، وفرقانا، وشفاء، وموعظة، وذكرا، ومباركا، وعليا، وحكمة. . . إلخ[١٥].[١٦]
الألفاظ ذات الصلة
المصحف: بضم الميم وكسرها وفتحها[١٧] -، ما جعل جامعا للصحف المكتوبة، وجمعه مصاحف[١٨]. وروى السيوطي أن أبا بكر كان أول من جمع كتاب الله وسماه المصحف[١٩]. والصلة أن المصحف ما جمع فيه القرآن.
حجية القرآن
القرآن هو الأصل الأول من أصول الشرع، وهو حجة من كل وجه لتوقف حجية غيره من الأصول عليه لثبوتها به، فإن الرسول يخبر عن الله تعالى، وقول الرسول إنما صار حجة بالكتاب بقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾[٢٠]، وكذا الإجماع والقياس[٢١].
=خصائص القرآن
- الكتابة في المصاحف: القرآن هو ما نقل إلينا بين دفتي المصحف نقلا متواترا، وقيد بالمصاحف؛ لأن الصحابة ﵃ بالغوا في نقله وتجريده عما سواه، حتى كرهوا التعاشير والنقط كي لا يختلط بغيره، فنعلم أن المكتوب في المصحف المتفق عليه هو القرآن، وأن ما هو خارج عنه ليس منه، إذ يستحيل في العرف والعادة مع توافر الدواعي على حفظ القرآن أن يهمل بعضه فلا ينقل أو يخلط به ما ليس منه[٢٢].
- التواتر: لا خلاف أن كل ما هو من القرآن يجب أن يكون متواترا في أصله وأجزائه، وأما في محله ووضعه وترتيبه فعند المحققين من علماء أهل السنة كذلك، أي يجب أن يكون متواترا[٢٣]. فقد جاء في مسلم الثبوت وشرحه فواتح الرحموت: ما نقل آحادا فليس بقرآن قطعا، ولم يعرف فيه خلاف لواحد من أهل المذاهب، واستدل بأن القرآن مما تتوفر الدواعي على نقله لتضمنه التحدي؛ ولأنه أصل الأحكام باعتبار المعنى والنظم جميعا حتى تعلق بنظمه أحكام كثيرة؛ ولأنه يتبرك به في كل عصر بالقراءة والكتابة، ولذا علم جهد الصحابة في حفظه بالتواتر القاطع، وكل ما تتوفر دواعي نقله ينقل متواترا عادة، فوجوده ملزوم للتواتر عند الكل عادة، فإذا انتفى اللازم وهو التواتر انتفى الملزوم قطعا، والمنقول آحادا ليس متواترا، فليس قرآنا. كما جاء فيه: على أن ترتيب آي كل سورة توقيفي بأمر الله وبأمر الرسول وعلى هذا انعقد الإجماع، وجاء أيضا: بقي أمر ترتيب السور فالمحققون على أنه من أمر الرسول وقيل هذا الترتيب باجتهاد من الصحابة. . . والحق هو الأول[٢٤].
- الإعجاز: من خصائص القرآن أنه كلام الله المعجز، المتحدى بإعجازه، والمراد بالإعجاز ارتقاؤه في البلاغة إلى حد خارج عن طوق البشر[٢٥]، قال الزركشي: ولا خلاف بين العقلاء أن كتاب الله معجز؛ لأن العرب عجزوا عن معارضته[٢٦]، قال تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾[٢٧]. قال القاضي أبو بكر: ذهب عامة أصحابنا - وهو قول أبي الحسن الأشعري في كتبه - إلى أن أقل ما يعجز عنه من القرآن السورة قصيرة كانت أو طويلة، أو ما كان بقدرها، قال: فإذا كانت الآية بقدر حروف سورة وإن كانت كسورة الكوثر، فذلك معجز[٢٨].
- كونه بلغة العرب: لقد أنزل الله القرآن بلغة العرب[٢٩]، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾[٣٠]. قال الزركشي: لا خلاف أنه ليس في القرآن كلام مركب على غير أساليب العرب، وأن فيه أسماء أعلام لمن لسانه غير اللسان العربي، كإسرائيل، وجبرائيل، ونوح، ولوط، وإنما اختلفوا هل في القرآن ألفاظ غير أعلام مفردة من غير كلام العرب؟ فذهب القاضي إلى أنه لا يوجد ذلك فيه، وكذلك نقل عن أبي عبيدة[٣١]. واحتج هذا الفريق بقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾[٣٢]، ولو كان فيه لغة العجم لم يكن عربيا محضا، وآيات كثيرة في هذا المعنى؛ ولأن الله سبحانه تحداهم بالإتيان بسورة من مثله، ولا يتحداهم بما ليس من لسانهم ولا يحسنونه[٣٣]. قال الإمام الشافعي: والقرآن يدل على أن ليس من كتاب الله شيء إلا بلسان العرب[٣٤]. وذهب قوم إلى أنه فيه لغة غير العرب، واحتجوا بأن «المشكاة» هندية، «والإستبرق» فارسية[٣٥]. وقال من نصر هذا: اشتمال القرآن على كلمتين ونحوهما أعجمية لا يخرجه عن كونه عربيا وعن إطلاق هذا الاسم عليه، ولا يمهد للعرب حجة، فإن الشعر الفارسي يسمى فارسيا وإن كان فيه آحاد كلمات عربية[٣٦]. قال ابن قدامة: يمكن الجمع بين القولين بأن تكون هذه الكلمات أصلها بغير العربية ثم عربتها العرب واستعملتها، فصارت من لسانها بتعريبها واستعمالها لها، وإن كان أصلها أعجميا[٣٧].
- كونه محفوظا بحفظ الله تعالى: تكفل الله تعالى بحفظ كتابه الكريم، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾[٣٨]، قال القرطبي: المراد بالذكر القرآن والمراد بالحفظ أن يحفظ من أن يزاد فيه أو ينقص منه، قال قتادة وثابت البناني: حفظه الله من أن تزيد فيه الشياطين باطلا أو تنقص منه حقا، فتولى حفظه، فلم يزل محفوظا، وقال في غيره: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾[٣٩]، فوكل حفظه إليهم فبدلوا وغيروا[٤٠].[٤١]
نسخ القرآن
اتفق الفقهاء على جواز نسخ القرآن بالقرآن واختلفوا في نسخ القرآن بالسنة على أقوال كما اختلفوا في شروط النسخ وأحواله[٤٢].
جمع القرآن
جمع القرآن مرتين مرة في عهد أبي بكر الصديق وثانية في عهد عثمان[٤٣].
تنجيم القرآن
نزل القرآن على رسول الله منجما لمعان مختلفة[٤٤].
رسم المصحف
كتب القرآن في عهد عثمان على شكل معين وعلى يد جماعة من الصحابة ﵃ ووزعت النسخ التي كتبوها على العواصم الإسلامية وسميت هذه الطريقة الرسم العثماني، وقد اختلف الفقهاء في وجوب التزامها في كتابة القرآن الكريم أو جواز الخروج عنها[٤٥].
الأحكام الفقهية المتعلقة بالقرآن
- قراءة القرآن في الصلاة: اتفق الفقهاء على أن قراءة القرآن في الصلاة ركن، واختلفوا في تعيين الفاتحة لهذه الفريضة[٤٦]، وفي صحة الصلاة بالقراءة بغير العربية.
- قراءة القرآن خارج الصلاة: يستحب الإكثار من تلاوة القرآن خارج الصلاة، لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾[٤٧]، ولقول النبي: من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف[٤٨]، وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله: الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران[٤٩]، وقال: اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه[٥٠].[٥١]
آداب قراءة القرآن
ينبغي للقارئ أن يستحضر في نفسه أنه يناجي الله تعالى، ويقرأ على حال من يرى الله تعالى، فإنه إن لم يكن يراه فإن الله تعالى يراه[٥٢]، وينبغي إذا أراد القراءة أن ينظف فاه بالسواك وغيره[٥٣] .
ويستحب أن يقرأ القرآن وهو على طهارة وإن قرأ محدثا حدثا أصغر دون مس المصحف جاز بإجماع المسلمين[٥٤].
والجنب يحرم عليه قراءة القرآن عند عامة العلماء، من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة[٥٥].
وقال ابن عباس: يقرأ الجنب ورده، وقال سعيد بن المسيب: يقرأ القرآن[٥٦].
ويحرم على الحائض والنفساء قراءة القرآن في الجملة عند جمهور الفقهاء[٥٧].
وعند المالكية تجوز قراءة القرآن للحائض وإن كانت متلبسة بجنابة قبل الحيض، إلا أن ينقطع عنها دمه حقيقة أو حكما كمستحاضة، فإنها لا تقرأ إن كانت متلبسة بجنابة[٥٨].
ويستحب أن تكون القراءة في مكان نظيف مختار، ولهذا استحب جماعة من العلماء أن تكون القراءة في المسجد، لكونه جامعا للنظافة وشرف البقعة، ومحصلا لفضيلة أخرى وهي الاعتكاف[٥٩].
ويستحب للقارئ في غير الصلاة أن يستقبل القبلة، ويجلس متخشعا بسكينة ووقار مطرقا رأسه، ويكون جلوسه وحده في تحسين أدبه وخضوعه كجلوسه بين يدي معلمه، فهذا هو الأكمل، ولو قرأ قائما أو مضطجعا أو في فراشه أو على غير ذلك من الأحوال جاز وله أجر، ولكن دون الأول[٦٠].
وإذا أراد الشروع في القراءة استعاذ فقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هكذا قال الجمهور من العلماء.
وقال بعض السلف: يتعوذ بعد القراءة[٦١]
قال الزركشي: يستحب التعوذ قبل القراءة فإن قطعها قطع ترك وأراد العود جدد، وإن قطعها لعذر عازما على العود كفاه التعوذ الأول ما لم يطل الفصل[٦٢].
وينبغي أن يحافظ على قراءة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾[٦٣] أول كل سورة سوى سورة «براءة»[٦٤]. وللتفصيل في اختلاف الفقهاء في كون البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة ينظر. فإذا شرع في القراءة فليكن شأنه الخشوع والتدبر عند القراءة، فهو المقصود والمطلوب، وبه تنشرح الصدور وتستنير القلوب[٦٥].
ويستحب البكاء عند قراءة القرآن، والتباكي لمن لا يقدر عليه، والحزن والخشوع، قال الله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾[٦٦]، وقد قرأ ابن مسعود القرآن على النبي وفي حديثه: فإذا عيناه تذرفان[٦٧]، وطريقه في تحصيل البكاء أن يحضر في قلبه الحزن بأن يتأمل ما فيه من التهديد والوعيد الشديد والمواثيق والعهود، ثم يتأمل تقصيره في ذلك، فإن لم يحضره حزن وبكاء كما يحضر الخواص فليبك على فقد ذلك فإنه من أعظم المصائب[٦٨].
ويسن الترتيل في قراءة القرآن[٦٩]، قال الله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾[٧٠].
ومما يعتنى به ويتأكد الأمر به احترام القرآن من أمور قد يتساهل فيها بعض الغافلين القارئين مجتمعين، فمن ذلك اجتناب الضحك واللغط والحديث في خلال القراءة إلا كلاما يضطر إليه، ومن ذلك العبث باليد وغيرها فإنه يناجي ربه، فلا يعبث بين يديه. ومن ذلك النظر إلى ما يلهي ويبدد الذهن[٧١].[٧٢]
آداب استماع القرآن
استماع القرآن والتفهم لمعانيه من الآداب المحثوث عليها، ويكره التحدث بحضور القراءة[٧٣].
قال الشيخ أبو محمد بن عبد السلام: والاشتغال عن السماع بالتحدث بما لا يكون أفضل من الاستماع سوء أدب على الشرع، وهو يقتضي أنه لا بأس بالتحدث للمصلحة[٧٤].
وصرح الحنفية بوجوب الاستماع للقراءة مطلقا، أي في الصلاة وخارجها[٧٥].[٧٦]
آداب حامل القرآن
من آدابه: أن يكون على أكمل الأحوال وأكرم الشمائل، وأن يرفع نفسه عن كل ما نهى القرآن عنه إجلالا للقرآن، وأن يكون متصونا عن دنيء الاكتساب، شريف النفس، مترفعا على الجبابرة والجفاة من أهل الدنيا، متواضعا للصالحين وأهل الخير والمساكين، وأن يكون متخشعا ذا سكينة ووقار، فقد جاء عن عمر أنه قال: يا معشر القراء ارفعوا رءوسكم فقد وضح لكم الطريق، واستبقوا الخيرات لا تكونوا عيالا على الناس[٧٧].
ومن أهم ما يؤمر به أن يحذر كل الحذر من اتخاذ القرآن معيشة يكتسب بها[٧٨]، فقد جاء عن عبد الرحمن بن شبل قال: قال رسول الله: اقرءوا القرآن ولا تغلوا فيه ولا تجفوا عنه ولا تأكلوا به[٧٩] .
وقد اختلف العلماء في أخذ الأجرة على تعليم القرآن، منهم من منع أخذ الأجرة عليه، ومنهم من أجاز.
وينبغي أن يحافظ على تلاوته ويكثر منها[٨٠]، قال الله تعالى مثنيا على من كان دأبه تلاوة آيات الله: ﴿يتلون آيات الله أناء الليل﴾ (٥) وسماه ذكرا وتوعد المعرض عنه، ومن تعلمه ثم نسيه[٨١]، فقد قال رسول الله: تعاهدوا هذا القرآن فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتا من الإبل في عقلها[٨٢]
وقال: بئسما لأحدهم يقول: نسيت آية كيت وكيت، بل هو نسي، استذكروا القرآن فلهو أشد تفصيا من صدور الرجال من النعم بعقلها [٨٣].[٨٤]
تفسير القرآن
كتاب الله بحره عميق، وفهمه دقيق، لا يصل إلى فهمه إلا من تبحر في العلوم وعامل الله بتقواه في السر والعلانية، وأجله عند مواقف الشبهات[٨٥]، ولهذا قال العلماء: يحرم تفسير القرآن بغير علم، والكلام في معانيه لمن ليس من أهلها، وأما تفسيره للعلماء فجائز حسن، والإجماع منعقد عليه، فمن كان أهلا للتفسير جامعا للأدوات التي يعرف بها معناه، غلب على ظنه المراد، فسره إن كان مما يدرك بالاجتهاد، كالمعاني والأحكام الخفية والجلية والعموم والخصوص والإعراب وغير ذلك.
وإن كان مما لا يدرك بالاجتهاد، كالأمور التي طريقها النقل وتفسير الألفاظ اللغوية فلا يجوز له الكلام فيه إلا بنقل صحيح من جهة المعتمدين من أهله [٨٦] .
وأما من كان ليس من أهله لكونه غير جامع لأدواته، فحرام عليه التفسير، لكن له أن ينقل التفسير عن المعتمدين من أهله.[٨٧]
ترجمة القرآن
اختلف الفقهاء في جواز قراءة القرآن في الصلاة بغير العربية، فذهب الجمهور إلى أنه لا تجوز القراءة بغير العربية سواء أحسن القراءة بالعربية أم لم يحسن[٨٨]. ويرى أبو حنيفة جواز القراءة بالفارسية وغيرها من اللغات سواء كان يحسن العربية أو لا، وقال أبو يوسف ومحمد لا تجوز إذا كان يحسن العربية؛ لأن القرآن اسم لمنظوم عربي لقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾[٨٩]، والمراد نظمه[٩٠].
وأما ترجمة القرآن خارج الصلاة، وبيان معناه للعامة، ومن ليس له فهم يقوى على تحصيل معناه، فهو جائز باتفاق أهل الإسلام[٩١].
وتكون تلك الترجمة عبارة عن معنى القرآن، وتفسيرا له بتلك اللغة[٩٢].[٩٣]
سور القرآن
انعقد إجماع الأئمة على أن عدد سور القرآن مائة وأربع عشرة سورة، التي جمعها عثمان وكتب بها المصاحف، وبعث كل مصحف إلى مدينة من مدن الإسلام، ولا يعرج إلى ما روي عن أبي أن عددها مائة وست عشرة سورة، ولا على قول من قال: مائة وثلاث عشرة سورة بجعل الأنفال وبراءة سورة، وجعل بعضهم سورة الفيل وسورة قريش سورة واحدة، وبعضهم جعل المعوذتين سورة، وكل ذلك أقوال شاذة لا التفات إليها [٩٤].[٩٥]
ختم القرآن
كان السلف ﵃ لهم عادات مختلفة في قدر ما يختمون فيه[٩٦].
فمنهم من يختم القرآن في اليوم والليلة مرة، وبعضهم مرتين، وانتهى بعضهم إلى ثلاث، ومنهم من يختم في الشهر[٩٧].
قال النووي: والاختيار أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص فمن كان يظهر له بدقيق الفكر لطائف ومعارف فليقتصر على قدر ما يحصل له كمال فهم ما يقرؤه، وكذا من كان مشغولا بنشر العلم أو غيره من مهمات الدين ومصالح المسلمين العامة، فليقتصر على قدر لا يحصل بسببه إخلال بما هو مرصد له، وإن لم يكن من هؤلاء المذكورين فليستكثر ما أمكنه من غير خروج إلى حد الملل والهذرمة[٩٨].
وقد كره جماعة من المتقدمين الختم في كل يوم وليلة[٩٩].
وقال أبو الوليد الباجي: أمر النبي عبد الله بن عمرو أن يختم في سبع أو ثلاث[١٠٠]، يحتمل أنه الأفضل في الجملة، أو أنه الأفضل في حق ابن عمرو، لما علم من ترتيله في قراءته، وعلم من ضعفه عن استدامته أكثر مما حد له، وأما من استطاع أكثر من ذلك فلا تمنع الزيادة عليه، وسئل مالك عن الرجل يختم القرآن في كل ليلة فقال: ما أحسن ذلك. إن القرآن إمام كل خير[١٠١].
ويسن الدعاء عقب ختم القرآن، لحديث الطبراني وغيره عن العرباض بن سارية مرفوعا من ختم القرآن فله دعوة مستجابة[١٠٢]. ويسن إذا فرغ من الختمة أن يشرع في أخرى عقب الختم[١٠٣]، لحديث: أحب الأعمال إلى الله الحال المرتحل، الذي يضرب من أول القرآن إلى آخره، كلما حل ارتحل[١٠٤].[١٠٥]
نقش الحيطان بالقرآن
ذهب المالكية والشافعية والحنابلة وبعض الحنفية إلى أنه يكره نقش الحيطان بالقرآن.
وقال بعض الحنفية: يرجى أن يجوز [١٠٦].
النشرة
اختلف العلماء في النشرة وهي أن يكتب شيئا من أسماء الله أو من القرآن ثم يغسله بالماء ثم يمسح به المريض أو يسقيه، فأجازها سعيد بن المسيب، قيل: الرجل يؤخذ عن امرأته أيحل عنه وينشر؟ قال: لا بأس به، وما ينفع لم ينه عنه[١٠٧].
وممن صرح بالجواز الحنابلة وبعض الشافعية منهم العماد النيهي تلميذ البغوي قال: لا يجوز ابتلاع رقعة فيها آية من القرآن فلو غسلها وشرب ماءها جاز، وجزم القاضي حسين والرافعي بجواز أكل الأطعمة التي كتب عليها شيء من القرآن[١٠٨].
قال ابن عبد البر: النشرة من جنس الطب فهي غسالة شيء له فضل، فهي كوضوء رسول الله [١٠٩]، وقال: لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك[١١٠]، ومن استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل[١١١]. ومنعها الحسن وإبراهيم النخعي[١١٢].[١١٣]
موسوعة العقيدة لإسلامية
التمهيد
القرآن العظيم هو الكتاب الكريم وهو: كلام الله تعالى المنزل على رسوله محمد(ص) باللسان العربي الواضح، المنقول بالتواتر، المتعبد بتلاوته، المتحدى بأقصر سورة منه، المجموع بين دفتي المصحف المفتتح بسورة الفاتحة، والمختتم بسورة الناس.
فهذا التعريف كما هو واضح مبنى على قيود، كل قيد يمثل خصيصة من خصائص القرآن العظيم ويخرج ما عداه كما يتضح فيما يلى:
- كلام الله - تعالى - قيد يخرج كلام غير الله - سبحانه وتعالى - ويخرج به الأحاديث النبوية والقدسية كما سنبينه.
- المنزل على رسوله محمد (ص) قيد يخرج كلام الله تعالى المنزل على الرسل السابقين صلوات الله عليهم.
- باللسان العربي قيد يخرج كلام الله تعالى المنزل بغير اللغة العربية كالتوارة والإنجيل، فإنهما بلغة قومهما.
- المنقول بالتواتر قيد يخرج ما لم يتواتر من القراءات التي يسميها العلماء قراءة شاذة.
- المتعبد بتلاوته قيد يخرج به القراءات الشاذة فإنها لا يتعبد بتلاوتها، ولا تجزئ قراءتها، بل إن قراءتها تفسد الصلاة.
- المجموع بين دفتي المصحف. هذا قيد عادي يقع على الغالب والأصل، فإن الغالب والأصل أن القرآن مجموع بين دفتي المصحف الشريف.
- وآخر قيد فيه أنه مفتتح بفاتحة الكتاب، مختتم بسورة الناس. وهذا وصف للواقع من المصحف الإمام الذي وضعه الصحابة في عهد ذي النورين عثمان.
الفرق بين القرآن المجيد والأحاديث القدسية
المتفق عليه أن الأحاديث النبوية والأحاديث القدسية كلاهما وحي من عند الله عز وجل أو حي الله تعالى بها إلى رسوله وفيهما يقول الله تبارك وتعالى عن رسوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾[١١٤].
أما الحديث النبوى فالإجماع منعقد على أن المعنى من عند الله تعالى، وأما اللفظ فمن عند رسول الله (ص) ولا خلاف في ذلك بين المسلمين. ولأن الحديث النبوى وحى من عند الله على قلب رسول الله (ص) فقد دأب العلماء على القول: «الوحيان الشريفان» تعبيراً عن القرآن والسنة.
وأما الحديث القدسي فقد ذهب الجمهور إلى أن معناه من عند الله تعالى، ولفظه من عند الرسول (ص) ومثل الحديث النبوي لكن يفرق بينهما بأن الأحاديث القدسية يسندها الرسول (ص) إلى الذات العلية، إلى الله عز وجل فيقول: يقول الله عز وجل، أو قال الله عز وجل. ومحل هذه الأحاديث كُتب السنة ومثل ذلك الحديث القدسي الذي روى عنه قال: «يقول الله أنا الرحمن، وهذه الرحم شققت لها اسما من اسمى فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته».
وخلاف ما ذهب إليه الجمهور؛ ذهب بعض العلماء إلى أن الحديث القدسي نزل بلفظه ومعناه من عند الله عز وجل وإذا كان الحديث القدسي نزل لفظاً ومعنى من عند الله؛ فما الفرق بينه وبين القرآن المجيد على هذا الرأي؟ يذهب هؤلاء إلى أن الحديث القدسي يفترق عن القرآن في الأمور الآتية:
- أن القرآن معجز تحدى الله تعالى به الإنس والجن والأحاديث القدسية ليست معجزة ولا متحدى بها.
- أن القرآن تعبد الله الناس بتلاوته في الصلاة وغيرها، وليس كذلك الأحاديث القدسية.
- أن القرآن متواتر كله. والأحاديث القدسية ليست كذلك، فمنها المتواتر، ومنها غير المتواتر.
- أن القرآن لا تصح الصلاة إلا بقراءة شيء منه. والأحاديث القدسية لا يقرأ بها في الصلاة. بل تفسد الصلاة بها.
- القرآن العظيم لا تصح نسبته إلا إلى الله عز وجل. أما الأحاديث القدسية فتصح نسبتها عند روايتها إلى الله عز وجل، كما تصح أن تسند روايتها إلى الرسول (ص) لكن في كلا الحالتين يسند القول فيها إلى الله تبارك وتعالى، فيقال: قال الرسول فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى. وقد يقال: قال الله عز وجل فيما يرويه عنه رسوله.
نزول القرآن وتدوينه
أنزل الله سبحانه وتعالى القرآن الكريم مرتين:
الأولى: أنزله جملة واحدة من مستقره في أم الكتاب، وهو اللوح المحفوظ إلى مكانه من السماء الدنيا، ويسمَّى مكانه من السماء الدنيا "بيت العزة" فالقرآن المجيد كان مستقراً عند الله عز وجل محفوظاً في اللوح المحفوظ، كما قال الله سبحانه عنه: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾[١١٥].
وهذا النزول تم جملة واحدة، وقد نزل القرآن المجيد من مكانه في أم الكتاب اللوح المحفوظ كاملاً في ليلة القدر. يقول الله عز وجل عن مكان القرآن عنده سبحانه في أم الكتاب: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾[١١٦] ففي الآيتين السابقتين ذكر الله سبحاه القرآن (في لوح محفوظ). وفي هاتين الآيتين ذكر عز وجل أن القرآن في أم الكتاب فاللوح المحفوظ وأم الكتاب شيء واحد بالنسبة لوجود القرآن عند الله سبحانه ثم يقول تبارك وتعالى عن إنزال القرآن في ليلة القدر، وهي الليلة المباركة: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾[١١٧].
ويقول عز وجل في إنزال القرآن في ليلة القدر: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾[١١٨] فليلة القدر هي الليلة المباركة وقد نزل القرآن المجيد فيها جملة واحدة من أم الكتاب، وهو اللوح المحفوظ، ومكانه فوق السماوات حيث لا يعلمه إلا الله سبحانه، إلى مكانه في السماء الدنيا.
قال قتادة معبراً عن رأي جمهور العلماء: أنزل القرآن كله في ليلة القدر من أم الكتاب، وهو اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من سماء الدنيا، ثم أنزله الله على نبيه في الليالي والأيام في ثلاث وعشرين سنة.
الثانية: أما المرة الثانية التي أنزل فيه القرآن المجيد، فكان نزوله من سماء الدنيا، من بيت العزة وحياً على قلب الرسول (ص) منجماً ومجزءًا حسب المناسبات والوقائع والأحداث على مدى يقرب من ثلاث وعشرين سنة إلا قليلاً. الحكمة من نزول القرآن المجيد منجماً:
لقد شغب أعداء الله وأعداء رسوله وأعداء الإسلام على إنزال القرآن على رسول الله (ص) منجماً أو مجزءًا حسب الوقائع والأحداث. وقد ذكر القرآن الكريم طرفا من أعتراضاتهم هذه وشغبهم على ما ظنوه ثغرة في دين الله قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾[١١٩].
ولكن الله تعالى بعد أن ذكر اعتراضهم رد على ذلك الاعتراض بذكر الحكمة من نزول القرآن منجما، من ذلك:
١. أن إنزال القرآن على هيئة التنجيم والتجزئ في أوقات متتابعة؛ من شأنه أن يقوىَّ قلب رسول الله (ص) ويثبت فؤاده، ويعمق إيمانه. فلو أن القرآن نزل دفعة واحدة لا نبهر الرسول به، وعظم وقعه في نفسه وقوى فؤاده وثبته. ولكن تضعف هذه القوة شيئاً فشيئاً، ويقل الانبهار والتأثر بالقرآن إذا كان دفعة قوية في البداية، ثم تطاول الأمد، يفقد القرآن بريقه.
من هنا كان من رحمة الله تعالى وحكمته أن ينزل القرآن منجماً على فترات متقاربة، فيظل أثره، والانبهار بجلاله وعظمته والتأثر بوقعه في نفوس المسلمين، ويظل كذلك غضاً طرياً، يتجدد دائماً وقعه على قلوب المؤمنين فينسيهم ويخفف عنهم، ويعطيهم القوة والمتعة في مواجهة جهالات المشركين.
٢. ينزل القرآن المجيد بالأحكام الشرعية حسب الوقائع والأحداث. وذلك أشدّ وقعاً، وأعظم تأثيراً، فكلما جَدَّ حدث يحتاج إلى حكم، نزل من القرآن ما يجيب على هذه التساؤلات، ويعطى الحكم الشرعي في هذا الحدث. ومثال ذلك تلك المرأة التي ذهبت تشتكي إلى الله ظهار زوجها منها، وتجادل رسول الله (ص) في أمرها، فكان أن نزل القرآن يجيب عن حكم ظهار زوجها منها، ثم عن حكم الظهار بعامة. حيث نزل على رسول الله قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾[١٢٠] إلى آخر الآيات. وهذا معنى قول الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾[١٢١].
٣. تسهيل حفظه، وتيسير كتابته واغراء المؤمنين بكتابته وحفظه، وبخاصة وقد كان العرب من أقوى الناس حافظة وأعجزهم عن الكتابة فلو نزل دفعة واحدة لا اشتدت صعوبته على الحفظ واستحالت كتابته بهذه القدرة.
٤. تخويف المشركين وإرهابهم وفضح نواياهم ومخططاتهم، فيكفوا أيديهم، ويحذروا من مكائدهم. حيث كان المشركون يصنعون أو يعدون المكيدة، فينزل القرآن يفضحهم ويكشف مخططاتهم. لذلك خافوا ورهبوا. وقد قال الله تعالى لنبيه مبينا ذلك: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾[١٢٢].
هذه من أهم ما نعرف من حكمة الله تعالى في إنزاله القرآن العظيم منجما ولعل ثمة حكماً لا نعلمها الله يعلمها.
ولقد كان جبريل ينزل بالآية أو الآيات، وحين يبدأ في قراءتها على رسول الله (ص) كان رسول الله (ص) يسارع في تحريك لسانه الشريف بالقراءة خلف جبريل(ع) حرصاً منه على حفظ ما يوحى إليه، وخوفا أن يفوته شيء منه. وظل ذلك شأن رسول الله (ص) حتى نهاه الله تعالى عن القراءة خلف جبريل مباشرة كلمة كلمة، وأمره أن ينتظر حتى ينتهى جبريل من جميع ما نزل به وطمأنه ربه أنه سوف يثبت حفظ ما ينزل من القرآن ويجمعه في قلبه، ويبين له معانيه. قال تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾[١٢٣]. وقال تعالى للرسول يعده بحفظ ما ينزله عليه، ويبين له معناه: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾[١٢٤].
وقد كان الرسول (ص) بعد ذلك إذا نزل عليه جبريل(ع) بشيء من القرآن ينتظر حتى ينتهى جبريل من قراءة ما نزل به ثم يقرأه على جبريل، ثم يعيد قراءته على أصحابه ويطلب منهم حفظه، ثم يدعو بعض كتبة الوحي ويأمرهم بكتابة ما نزل، ثم يبين لهم أين يضعون هذه الآيات من القرآن الذي نزل قبل ذلك، ولم يكن الرسول يضع الآيات القرآنية التي تنزل في أمكنتها من القرآن اجتهاداً منه، بل كان يضعها حيث يبين له جبريل مكانها وبذلك لم يكن الرسول (ص) يرتب أي القرآن العظيم حسب تاريخ نزوله، بل حسب ما يبين الوحي الشريف على لسان جبريل ال لذلك كان رسول الله (ص) حينما ينزل الوحى بآية أو آيات يأمر الصحابة بحفظها، ثم يأمر كتبة الوحى بأن يضعوها حيث أمر الوحى فيقول. عليه الصلاة والسلام " ضعوها في السورة التي يذكر فيها كذا من آية كذا وآية كذا ".
وقد كان كتاب الوحي من خيرة أصحاب رسول الله (ص)، منهم أبو بكر، و عمر و عثمان و علي و زيد بن ثابت، و عبد الله بن مسعود، و أبي بن كعب، و معاوية بن أبي سفيان. وكان كثير من الصحابة يكتب لنفسه، فكان ما يكتب بأمر رسول الله يجمع في بيت رسول الله (ص) وما يكتبه بعض الصحابة لأنفسهم يحفظونه عندهم وظل الأمر على ذلك حتى تم نزول القرآن العظيم.
وكان جبريل ينزل على رسول الله في ليالي رمضان من كل عام فيراجعه القرآن وكان رسول الله (ص) يعرض على جبريل ما نزل من القرآن حتى وقته. وكان هذا العمل يسمى "العرضة" وكيفية العرضة: أن يقرأ جبريل على رسول الله ما نزل من القرآن حتى وقت العرضة، حتى إذا انتهى بدأ رسول الله (ص) يقرأ على جبريل الانفس القدر من القرآن الذي أنزل عليه حتى ذلك الحين. وبذلك تتم العرضة. ولقد ظل ذلك دأب رسول الله وجبريل الا يعرضان القرآن كل منهما على صاحبه مرة في كل عام ويتم ذلك في رمضان حتى كان آخر رمضان توفي بعده رسول الله ففي رمضان هذا عرض جبريل على رسول الله القرآن، ثم عرض رسول الله على جبريل القرآن مرتين اثنتين لامرة واحدة. وقد كان الذي نزل حتى ذلك الحين من القرآن يكاد يكون القرآن كاملاً. وقد استشعر كثير من الصحابة من ذلك الصنيع أن أجل رسول الله قد اقترب، وأن رمضان هذا ربما كان الأخير في حياته الشريفة.
جمع القرآن العظيم، وكتابة المصحف الإمام
لعله من الأوفق أن نسجل هذا الموضوع في فقرات متتالية متناسقة يسلم بعضها إلى بعض الإيضاح المعلومة وتيسير الاستيعاب.
١. عرفنا أن القرآن المجيد نزل منجما مجزءاً حسب الوقائع والأحداث، على ما اقتضت حكمة الله سبحانه ومشيئته. وأنه نزل بهذا النسق في قريب من ثلاثة وعشرين عاماً، هي عمر البعثة النبوية الشريفة.
٢. إلى جانب ما ذكرنا من حفظ رسول الله (ص) القرآن، وأمره كتبته بكتابته أولاً بأول، وحفظه مكتوبا عنده، وترغيب الرسول أصحابه بحفظ القرآن؛ كان كثير من الصحابة يكتبون لأنفسهم ما ينزل من القرآن في مُدوَّنات خاصة بهم، فيما عرف بعد ذلك بمصطلح "مصاحف الصحابة" وذلك مثل مصحف عبد الله ابن مسعود. ٣. يتضح من ذلك أن رسول الله (ص) لم ينتقل إلى الجوار الكريم حتى كان القرآن محفوظاً في الصدور والقلوب مرتب السور والآيات، كما كان محفوظاً كذلك في السطور، أي كان مكتوبا في الصحف والمدونات. وأهم من كل ذلك أن القرآن كان محفوظا في صدور المسلمين الذين قُدِّر عدد الذين كانوا يحفظونه كاملاً بما ينيف على الألف. هذا غير الذين كانوا يحفظون أجزاء منه تقل أو تكثر.
٤. لما تولى أبو بكر وحدثت وقعة اليمامة[١٢٥]، واستشهد فيها من القُرَّاء حفظة القرآن قريب من خمسمائة دخل عمر بن الخطاب على أبي بكر فقال له: يا أمير المؤمنين إن أصحاب رسول الله (ص) يتهافتون على القتال تهافت الفراش على النار وإني أخشى أن يقتلوا في مواطن الجهاد وهم حملة القرآن، فيضيع القرآن وينسى، فلو جمعته في مصحف واحد لكان خيراً. فتردد أبو بكر له في أول الأمر وقال: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله فتراجعا في ذلك حتى شرح الله صدر أبي بكر لهذا العمل فأرسل إلى زید بن ثابت الله فقال له: إنك شاب عاقل لا اتهمك كنت تكتب القرآن الرسول الله (ص) وقد حضرت العرضة الأخيرة فتتبع القرآن واجمعه. ثم ضم إليه أبو بكر الحفظة المشهود لهم بالحفظ والإتقان والدين. فيهم علي بن أبى طالب، و عثمان بن عفان و أبي بن كعب، وأمرهم بـمعاونة زيد في جمع القرآن فعكفوا على جمع القرآن، وأحضروا جميع ما كتب بإملاء النبي (ص) وأخذوا يقابلون بين ما يقرأونه حفظا وما يجدونه مكتوبا إلى أن أتموا كتابة القرآن على الترتيب والضبط الذين كانا على عهد الرسول، وبعد أن تم الجمع وضعت هذه الصحف مرتبة عند أبي بكر، فلما توفي الصديق وضعت عند عمر بن الخطاب ولما توفي عمر بن الخطاب وتولى الخلافة ذو النورين عثمان. جد من الأمور في عهده ما اقتضى جمع هذه الصحف في مصحف واحد، وكتابة نسخ كثيرة منه وإرسالها إلى الأمصار الإسلامية الموجودة في ذلك الوقت.. ذلك أن المسلمين اجتمعوا في عهد عثمان لفتح أرمينية وأذربيجان، وكان فيهم أهل العراق يقرأون بقراءة عبد الله بن مسعود و أبي موسى الثلاثة: إذ اختلفتم أنتم وزيد في شيء الأشعرى، وأهل الشام يقرأون بقراءة أبي بن كعب. وكان بين القراءتين بلسانهم. فلم يختلفوا في شيء إلا في خلاف في بعض الأحرف التي أنزل عليها القرآن ومن المعلوم أن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فتنازع المسلمون حول القراءات واختلفوا. ورأى حذيفة بن اليمان هذا فذهب إلى المدينة وذهب من فوره إلى الخليفة عثمان الله فقال له: أدرك الأمة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى.
فقال عثمان: في ماذا؟ قال حذيفة: في كتاب الله وقص عليه الخبر. فمنع عثمان الصحابة وشاورهم في الأمر، فقالوا له: ماذا ترى؟ قال: أرى أن يُجمَع الناس على مصحف واحد، وأن تحرق الصحف التي تخالف ذلك، فوافقه الصحابة على ذلك.
فأرسل عثمان إلى السيدة حفصة أم المؤمنين أن أرسلى إلينا بالصحف ننسخها في مصاحف نوزعها على الأمصار الإسلامية ثم نعيدها إليك. فأرسلت أم المؤمنين بالصحف إلى عثمان. فجمع أربعة من الصحابة وعهد إليهم بنسخها في مصاحف، والأربعة هم زيد بن ثابت الذي كان على رأس الذين جمعوا القرآن في عهد أبي بكر وهو من الأنصار، و عبد الله بن الزبير و سعيد بن العاص، و عبد الرحمن بن الحارث بن هشام - وهؤلاء الثلاثة قرشيون وقال عثمان للقرشيين عبد الله بن مسعود وأبي موسى الثلاثة: إذ اختلفتم أنتم وزيد في شيء فاكتبوه بلغة قريش، فإنه إنما نزل أبي بن كعب. وكان بين القراءتين بلسانهم. فلم يختلفوا في شيء إلا في كلمة " التابوت"، فقال زيد: تكتب بالهاء، وقال الثلاثة: تكتب بالتاء فعرضوا الأمر على عثمان فقال: اكتبوها بالتاء، فَكُتِبت كذلك.
ولما انتهوا من الكتابة رد عثمان الصحف التي كتبوا منها إلى أم المؤمنين السيدة حفصة، وأمر عثمان بنسخ عدة مصاحف، وأرسل إلى كل مصر مصحفا. أرسل إلى مكة مصحفا، وأرسل إلى الكوفة كذلك، وإلى البصرة، وإلى دمشق، وإلى المدينة، وأبقى لنفسه مصحفا، وأرسل مع كل مصحف قارئا يرشد الناس إلى وجوه قراءته، وألزم الناس بالقراءة بما يوافق هذه المصاحف، وأمر بإحراق ما عداها من مصاحف.
والمصاحف التي أمر عثمان بإحراقها لم تكن مصاحف مكتملة، لا من حيث جمع القرآن كله، ولا من حيث توالي السور وترتيبها على الهيئة التوقيفية. وذلك أن بعض الصحابة كان إذا سمع من رسول الله (ص) آيات من القرآن كتبها واحتفظ بها عنده. ثم قد يعرض له ما يمنعه عن متابعة ما ينزل من القرآن كأن يخرج في سرية، أو يخرج في تجارة فإذا عاد من غيبته يبدأ في كتابة ما ينزل على رسول الله (ص) وحفظه. وقد يدرك ما نزل في غيابه حفظا أو كتابة أو يدرك بعضه، وقد يكتب ما فاته جميعه أو بعضه. من هنا كانت صحف الصحابة يقع فيها نقص بعض السور أو الآيات كما قد يقع فيها تقديم وتأخير ومخالفة للترتيب التوقيفي الذي بينه لنا رسول الله (ص) وكان من الصحابة من يكتب بعض ما فهمه من تفسير للآية. فيختلط الأمر. وذلك كما ورد في مصحف عبد الله ابن مسعود في قول الله تعالى: (وكان من وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا) فقد كتبها ابن مسعود في مصحفه: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾[١٢٦].
هكذا كانت مصاحف الصحابة وكانت تختلف تلك المصاحف من حيث ما جمع فيها من القرآن. فمنه ما أوشك على جمع القرآن كله مثل مصحف ابن مسعود، ومنهم ما كان فيه بضع سور أو آيات. لذلك كان من الحكمة بعد أن جمع القرآن كله من مصحف رسول الله الذي جمعه أبو بكر أن تحرق المصاحف الأخرى.
وقد كان جمع القرآن في عهد الخليفة أبي بكر توفيقا من الله تبارك وتعالى، حفظ الله به كتابه من التغيير والاختلاف فقد جمعت سوره مرتبة كترتيب القرآن الذي استقر عليه الأمر قبل وفاة رسول الله (ص)، وقد اجتمع في ذلك الجمع المكتوب في السطور مع المحفوظ في الصدور وبذلك اتصل السند الكتابي بالصحف التي كتبت بين يدى رسول الله، بمقارنتها بالسند المتواتر المتلقى من الحفاظ. فكان ذلك الجمع متوتراً كتابة وحفظاً.
ثم جاء جمع القرآن وكتابته في مصحف واحد متفق عليه، في أعلى ما يتصور من إحكام وإتقان في عهد ذي النورين عثمان، وبذلك اجتمعت الأمة على مصحف واحد متفق عليه ومجمع عليه من الصحابة فهذان جمعان للمصحف الشريف الأول في عهد أبي بكر، والثاني في عهد عثمان وكل جمع هدف إلى غايته غير التي هدف إليها الآخر. وكلاهما مكمل للآخر. الأول أسس، والثاني كمل وتمم على مايلي:
الجمع الأول: كان الهدف منه حفظ القرآن أن يضيع منه شيء، أو أن يرتب على غير الترتيب التوقيفي الذي وقف رسول الله أصحابه عليه. وقد تم بفضل الله جمعه من الصحف التي كانت تكتب بين يدى رسول الله، ومن صدور الحفاظ.
الجمع الثاني: أما الجمع الثاني فكان الهدف منه الحفاظ على القراءة التي كان يقرأ بها رسول الله (ص) القرآن في العرضة الأخيرة. وقد كانت بوادر الخلاف بين القراءة والخطأ منها.
حتى أدراك الأمة عثمان فجمعهم على مصحف واحد ليقرأوا القرآن كما قرأه رسول الله (ص) في العرضة الأخيرة.
خصائص القرآن المجيد
اتفق العلماء والعقلاء جميعاً قديماً وحديثاً على أن القرآن العظيم هو آية الله العظمى لخاتم النبيين محمد (ص) بل هو آية الله العظمى لجميع النبيين والمرسلين من لدن آدم حتى خاتمهم محمد باعتبار أن القرآن المجيد مصدق لما بين يديه من الكتب السابقة كلها.
ومن المسلم به أن الله سبحانه قد اختص القرآن العظيم بخصائص ليس بإمكاننا أن نلم بتلك الخصائص والميزات التي فضل الله تعالى بها كتابه الكريم وميزه. لكن بقدر الإمكان ووسع الطاقة سنحاول الإشارة إلى أهمها إشارات موحية وإن لم تكن كافية. فمن ذلك:
أولاً: أن الله سبحانه جعله الكتاب الخاتم المصدق لجميع ما تقدمه من كتب على حالها التي أنزلها الله تعالى عليها قبل أن تحرف أو تبدل.
ثانياً: أن الله سبحانه ضمنه الدين كاملاً، والرسالة الخاتمة التامة العامة الكاملة. يقول الله عز وجل: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾[١٢٧]. وكانت الرسالات السابقة رسالات خاصة بالأقوام الذين أنزلت عليهم ومن ثم كانت رسالات خاصة زماناً ومكاناً وأقواماً، وكانت كل رسالة تكمل السابقة، ومن ثم نسخ الرسالات التي جاءت بها تلك الكتب، وورثها الكتاب الكريم الذي اشتمل على الرسالة الخاتمة، والتي كانت هي دين الله الإسلام في صورته الكاملة الشاملة، والتامة العامة.
ثالثاً: ولأن القرآن المجيد هو خاتم الكتب، وحامل الرسالة الخاتمة. ومتضمن الدين كاملاً، ولأن حفظه یعنى حفظ الرسالة وحفظ الدين: فقد تكفل الله - سبحانة - بحفظه من التحريف والتبديل، فضلاً عن الفقد والضياع، وفي ذلك يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾[١٢٨].
فكان ذلك من أعظم ميزات وخصائص القرآن المجيد التي لم يقدرها الله تبارك وتعالى لغيره من الكتب السابقة. ١. أن الكتب السابقة كانت تنزل على أقوام بأعيانهم. كان كل كتاب ينزل على قوم نبي أرسل إليهم. من ثم كانت تلك الكتب بما تحويه من شرائع كتبا خاصة: أقواماً، وزماناً ومكاناً، لذلك لم يكن ثمة حاجة إلى حفظ هذه الكتب بما تحويه من شرائع خاصة، جاءت بها رسالات خاصة، كل لاحقه منها نسخت السابقة، حتى جاء الكتاب الخانم بالرسالة الخاتمة فنسخ جميع ما سبق.
٢.أن الله سبحانه وتعالى لم يحفظ الكتب السابقة من الضياع أو التحريف، حتى لا يصير بين أيدى الخلق أكثر من كتاب إلهى يشغلهم أو يشتغلون به حفظا له، وعملا به واجتهادا في فهم من أحكام وتشريعات، وقصص ومواعظ وأوامر ونواه إلا ذلك الكتاب الخاتم. القرآن المجيد.
رابعاً: أن الله تعالى قد جعله المعجزة الخالدة الباقية لخاتم الرسل محمد.
وإذا كان لكل نبي جاء من قبل الله سبحانه معجزته أو معجزاته. وكانت معجزاتهم منها هو حسي وما هو معنوي عقلي. ونعنى بذلك الكتب التي أنزلها الله تعالى عليهم، فهي كلام الله، المحتوى على معانيه. وإنما تدرك المعاني بالعقل وليس بالحس لذلك قلنا عنها معجزات معنوية عقلية. نقول: إذا كان ذلك حال معجزات الأنبياء السابقين فنحن لم نرها ولم نعلم عنها إلا من خلال القرآن العظيم فهو الذي نقل إلينا أخبارها، وكان ثبتا صادقا وافيا ذكر أهم معجزات الأنبياء السابقين. أجمل بعضها، وفصل بعضها. لكن يظل هو معجزة المعجزات.
لأنه معجزة رسول الله الخاتم - صلوات الله عليه، وكذلك هو الثبت اليقيني، والمخبر الصادق عن معجزات الأنبياء السابقين.
خامساً: أن القرآن العظيم هو المعجزة التي ما يزال التحدي بها قائماً، وسيظل قائماً ما بقيت الدنيا، وما بقى فيها إنس وجن. فالمعجزات السابقات للأنبياء السابقين قد ذهبت وذهب التحدى بها وبقى القرآن وحده ومن أخص خصائصه دوام التحدى به حتى قيام الساعة.
سادساً: أن القرآن العظيم معجزات في معجزة. فإن كل معجزة لنبي قد يكون لها وجه معجز، مثل قلب عصا موسى حية لها وجه واحد. ومثل نطق الضب لرسول الله، فإنها معجزة لها وجهان: نطق الضب، وشهادته بالرسالة لرسول الله (ص) أما القرآن المجيد فأوجه إعجازه كثيرة ومتعددة وكل وجه من أوجه إعجازه هو معجزة في ذاتها فذة، فهو معجزات في معجزة. وستوفي هذه المعجزات حقها بقدر الطاقة بعد الإنتهاء من الكلام على خصائص القرآن المجيد.
سابعاً: أن القرآن الكريم كلام الله سبحانه قديم غير مخلوق. فهو كلام الله تعالى، وكلام الله سبحانه قديم غير حادث وهو مثبت في كتاب مكنون، في لوح محفوظ يقول سبحانه: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾[١٢٩].
والقرآن لا بداية له ولا نهاية له ولا يتناهى يقول الله عز وجل: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾[١٣٠].
وقال عز وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾[١٣١].
وينبغي أن يكون ذلك الوصف، أو هذه الخصيصة ثابتة لكل كتب أنزلها على رسله وأنبيائه وليست خصيصة للقرآن المجيد وحده فإن الكتب التي أنزلت على الأنبياء والرسل مثل "الزبور" الذي أنزل على داوود وهو نبي بالإجماع، والتوارة التي أنزلت على موسى وهو نبي بالإجماع، وهو رسول، بل هو من أولى العزم من الرسل (ع)، هذان الكتابان وغيرهما هما من كلام الله تعالى وكلام الله قديم غير مخلوق وهو مذهب أهل السنة والجماعة.
وهذا على خلاف ما كان يدين به المعتزلة ويدعون إليه، ويأخذون الناس به، ويقرونهم عليه وقد أتى على الأمة حين من الدهر كان بعض الخلفاء يمتحنون الناس بهذه العقيدة ويجبرون الناس على القول بأن القرآن مخلوق وليس هنا مجال ذكرها.
ثامناً: أن القرآن المجيد منزل من قبل الله تعالى على رسول الله محمد (ص) باللسان العربي الواضح كما قال سبحانه في وصف اللسان الذي نزل به القرآن: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾[١٣٢]، ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾[١٣٣].
فمن خصائص القرآن العظيم أنه أنزل بلسان عربي مبين على قلب محمد خاتم المرسلين، وبهذه الخاصية نقرر أن القرآن العظيم لا يترجم إلى لغة أخرى غير العربية، فهو لا يكون قرآنا إلا بلغته العربية، وإذا ترجم من معانيه شيء فلا تسمى تلك الترجمة قرآناً[١٣٤]. والصواب أنها ترجمة المعاني القرآن.
ومن ثم فإن من الأخطاء المنتشرة التي تجري على الألسنة عبارة:
"ترجمة القرآن". أو: فلان ترجم القرآن"، أو: "ترجم القرآن إلى لغات كثيرة". وهذه العبارات وأمثالها ليست إلا إساءة إلى كتاب الله الكريم بتنزيله منزلة الكلام البشرى الذي يترجم إلى لغات مماثلة، وقد تكون الترجمة أبلغ من الأصل في الكلام العادي، أما القرآن فكلام الله الذي أعجز البلغاء أن يأتوا بمثل اقصر سورة منه.
تاسعاً: أن القرآن الكريم مُتعبِّد بتلاوته، سواء لذاته، أو لأنواع عبادية أخرى كالصلاة والأذكار المأثورة.
فقراءة أم الكتاب الفاتحة واجبة في الصلوات، وقراءة القرآن أو آيات منه مندوب إليها في كثير من الأذكار الواردة.
وبهذه الخاصَّة يفترق القرآن المجيد عن الأحاديث الواردة عن النبي (ص) سواء كانت نبوية أو قدسية. كما أنه بهذه الخاصة يفترق القرآن المجيد عن الكتب السابقة لو فرض وجودها صحيحة، فإنه لا يتعبد بشيء مما فيها إلا ما ورد عنها في القرآن الكريم فإنه يتعبد بتلاوتها، ليس بصفته من الكتب السابقة، بل بصفته من القرآن الكريم، وذلك مثل قوله تعالى ذاكرا بعض ما ورد في صحف إبراهيم وموسى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الأَوْفَى وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى﴾[١٣٥].
فهذه الآيات من قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾[١٣٦] إلى آخر الآيات هي من كتاب إبراهيم وموسى عليهما السلام، وذلك بإخبار الله تعالى وقراءة هذه الآيات تعبُّداً في الصلاة حق. ليس لأنها من الصحف السابقة بل لأنها قرآن يتلى.
عاشراً: أن القرآن المجيد قد نقل إلينا بطريق التواتر اللفظى فالقرآن نقل عن الرسول متواتراً والتواتر هو: رواية جماعة عن جماعة يستحيل اتفاق أفرادها على الكذب، وذلك لكثرة عددهم وتباين أمكنتهم، وهذا التواتر ثابت للقرآن الكريم حفظا في الصدور، وكتابة في السطور، وفي جميع الأزمنة والعصور من وقت أن جاء به جبريل حتى عصرنا، وحتى قيام الساعة.
وهذا التواتر يفيد القطع واليقين بصحة المنقول تواتراً لفظيا.
لذلك جعل العلماء التواتر أحد الشروط الثلاثة على القرآن المجيد فقد اشترطوا فيما يكون قرآنا ثلاثة شروط.
الأول: أن يكون النص منقولاً بالتواتر اللفظى على ما بينا.
الثاني: أن يوافق اللغة العربية ولو بوجه من الوجوه الصحيحة.
الثالث: أن يوافق رسم المصحف الشريف.
وبهذه الخاصة تخرج القراءات الشاذة عن كونها قرآنا، فإنها ليست متواترة، كما أنها تفقد شرطاً آخر، حيث قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾[١٣٧] حيث قرأها ابن مسعود فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات. فهذه من القراءات التي اصطلح العلماء على تسميتها " القراءات الشاذة " وهذه لا يتعبد بها لا في صلاة ولا ذكر. ولكن قد ينتفع بها العلماء في معرفة المعنى أو التفسير.
هذه أهم خصائص الكتاب العزيز وقد ترجع الخصائص الأخرى إليها عند التحقيق.
إعجاز القرآن الكريم
هناك آراء كثيرة في إعجاز القرآن المجيد نوجز أشهرها في ثلاثة.
الأول: يزعم البعض أن القرآن غير معجز. وأنه من كلام محمد.
وأصحاب هذا الرأي كثيرون وتاريخهم يبدأ مع بعثة رسول الله، وقد ذكر القرآن المجيد أوضح أرائهم يقول سبحانه: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾[١٣٨].
وقال سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْماً وَزُوراً وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا﴾[١٣٩].
وهؤلاء طعنوا في إعجاز القرآن وأنكروا أنه كلام رب العالمين وأنكروا نبوة محمد، بدأت مسيرتهم مع بعثة رسول الله (ص) ثم استمرت، ولا يزالون ينعقون بدعواهم حتى آخر الدهر.
ودعواهم هذه لا وزن لها لأنها ليست قائمة بذاتها، بل هي فرع عن دعواهم بطلان رسالة محمد، وإنكار الإسلام دينا. فالأمر إذن لا شأن له، اقروا بإعجاز القرآن أم لم يقروا.
الثاني: يزعم البعض أن القرآن العظيم ليس معجزا في ذاته، ولكنه معجز بصرف الله تعالى همم العرب عن معارضة والإتيان بمثله، مع قدرتهم على ذلك.
وهذا الرأي مشهور لدى العلماء باسم: "الإعجاز بالصَّرفة"، أو "مذهب الصَّرفة في الإعجاز".
ومقتضى هذا المذهب الفاسد الذي ذهب إليه بعض المبتدعة، ومنهم النظام من المعتزلة، والجاحظ وغيرهما: ومعجزة القرآن عند هؤلاء تنحصر في صرف همم العرب عن معارضته القرآن والإتيان بمثله.
وهذا يعني أن هؤلاء يقرون أن القرآن معجزة لكن معجزته ليست في كونه معجزا بذاته لكن معجزته في منع الله تعالى العرب عن الاشتغال بمعارضة القرآن والاتيان بمثله، بأن صرف هممهم، وشغلهم، وثبط رغبتهم في الاشتغال بهذا.
وقد ردّ العلماء على هؤلاء ردوداً مقنعة قاطعة، وأشهر هذه الردود اثنان:
- أن ذلك لو كان صحيحا، لما كان هناك داع لأن يأتى الله تعالى في ذلك بأن يقال: إنهم امتنعوا عن معارضته في أدنى مرتبة من البلاغة، وأحط منزلة من الفصاحة، بحيث يكون في قدرة العامة والضعفاء في العربية أن يأتوا بمثله وبذلك تكون معجزة الصَّرفة هنا أكثر وضوحا، وأشد بياناً.
- إننا لو سلمنا أن العرب على عهد نزول القرآن كانوا مصروفين بصرف الله - تعالى - إياهم عن معارضة القرآن: فلما لم نجد في كلام أسلافهم من الشعر ومأثور الخطب وحكيم الأقوال ما يماثل القرآن أو يقاربه، مما يمكن أن يعتبر معارضا للقرآن، ومبطلا لإعجازه؟ هل كان أسلافهم - أيضاً - مصروفين عن معارضة القرآن قبل نزول القرآن وتحديه العرب؟ إن عجز السابقين واللاحقين دليل قاطع، وبرهان ساطع على أن القرآن معجز، وأن إعجاز القرآن ليس بالصرفة - كما زعموا، ولكن لأن القرآن كلام الله عز وجل لا يستطيعه أحد من خلقه، وصدق الله العظيم الذي يقول: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾[١٤٠]
- ورد ثالث يبطل القول بالصرفة - رغم وضوح بطلانه - مرة بعد مرة.
ذلكم أن هناك من اشتغل بمحاولة معارضة القرآن، وقد بذل جهوداً كبيرة للإتيان بمثل القرآن، وقد كانت محاولاتهم من أقوى الأدلة على أن القرآن كلام الله حقاً، وأنه معجز حقاً وواقعاً، وأن محاولات معارضته بمثله إنما تؤخذ لحسابه، وتوضح إعجازه وعجز الخلق عن الإتيان بمثله.
فمن هؤلاء الذين حاولوا معارضة القرآن، والإتيان بمثله: مسيلمة الكذاب لعنه الله، فقد حاول الإتيان بمثل القرآن. وإن تعجب فعجب أن جميع من حاولوا معارضة القرآن قد تمثلوا طريقة القرآن في نظمه وحاولوا أن يقتبسوا من آياته، ولكنهم جميعا فشلوا، وكان فشلهم - كما قلنا - من أوضح الأدلة على أن القرآن كلام الله سبحانه.
وممن حاول معارضة القرآن، وجد في ذلك واجتهد، وكان وراءه أمة المجوس، وأشياعه من أعداء الإسلام والمسلمين: "ابن المقفع". وقد كان من أبلغ أهل زمانه وأفصحهم، مما جعل له الحظوة عند خلفاء العباسيين. وقد توفرت لديه دواعي المعارضة، من مقت للعرب، وضغن على الإسلام والمسلمين، وثار يجتهد هو من وراءه في استيفائه من الإسلام الذي قضى على مجوسيتهم، وأطفأ نارهم، لكن الله أخزاهم وفضح أمرهم بين أقوامهم.
الثالث: وثالث الآراء في إعجاز القرآن: أن القرآن العظيم معجز بذاته وخصائصه، ونظمه إلى غير ذلك من أوجه إعجازه التي يجمعها أن القرآن كلام الله رب العالمين. فجماع إعجازه، وركائز تحديه أنه كلام الله الذى لا يستطيعه الجن والإنس والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ذلكم أنه تنزيل من حكيم حميد.
ومما ينبغي التنبيه إليه أن الرأيين السابقين يدخلان في مجال الفكر والرأى، فالأول هو رأي المشركين ومن جرى مجراهم. وهو رأي لا يعبر عن حقيقة اعتقادهم في الجملة، فإن الله - تعالى - قد أخبر أنهم يعتقدون صدق رسول الله، ويعتقدون - بالضرورة - أن القرآن كلام الله. لكنهم يخفون اعتقادهم ويظهرون رأيهم ذاك الذي يجحدون فيه الحق فاعتقادهم في جانب، ورأيهم في جانب آخر. وقد قال الله عز وجل لرسوله مخبرا عن حقيقة اعتقادهم الذي يمكن أن يخفوه حتى عن أنفسهم، لكنه لا يخفي على الله رب العالمين الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. يقول الله تبارك وتعالى عن المشركين: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾[١٤١].
أما الرأي الثاني الذي يقول بأن القرآن معجز بالصدفة، ولكنه بذاته وآياته ومحتواه غير معجز، فذلك من جملة الآراء، ولا يرقى إلى مستوى الاعتقاد.
من هنا يتضح أن مذهب الصرفة باطل، وأن الله لم يصرف أحدا، بل دعاهم ورغبهم، لكن الذي صرفهم هو عجزهم وضلالهم.
أوجه إعجاز القرآن
نتكلم هنا - بقوله تعالى - عن جملة من أوجه الإعجاز في القرآن العظيم على قدرة الطاقة إذ مما ينبغي التنبه إليه أنه ما كتب أحد تحت هذا العنوان ثم وفي بمضمون عنوانه ونحن من هؤلاء، فإن العنوان يوهم أن ما يكتب تحته سوف يحيط بأوجه إعجاز القرآن كلها، ويفي ببيانه جميعها ولعمري إن ذلك فوق ما يطيقه كاتب أو يخطر على قلب مفكر متدبر، أو يستطيعه قارئ للقرآن مذكر، هذا رغم أن القرآن الكريم يسره للفهم والتدبر يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾[١٤٢].
لكن الإحاطة بجميع أوجه إعجازه فوق الطاقة، وقصاري الباحث أن يحيط ببعض هذه الأوجه، على قدر طاقته وما تيسر له. ثم يذكر غيره سابقاً عليه أو لا حقاً له.. أوجها لم يدركها هو، وهكذا يظل القرآن جديداً دائماً: "لا يخلق على كثرة الرد" كما ذكر سيدنا رسول الله (ص) وما يزال المتدبرون يأتون بالجديد في هذا الباب، حتى أضحى هذا المعنى في حد ذاته وجها من أوجه إعجاز القرآن المجيد.
وسوف نشير - بحوله تعالى إلى جملة من أوجهه إعجاز القرآن متوخين الإيجاز وبخاصة في عجالة كهذه:
الوجه الأول:
إن أول وجوه إعجاز القرآن الكريم - في نظرنا - تأثير القرآن في النفوس والأفئدة، واستيلائه على العقول والقلوب، حتى إنه ليخضع أعتى النفوس، ويلين أقسى القلوب، ويستولى على أغلظ الأكباد، ويحول في طرفة عين أعداءه إلى أولياء، وما قتيه إلى أحباء أصفياء، كما ضربنا لذلك مثالاً بابن الخطاب عمر وكم من أمثال عمر يماثلونه في قضية إيمانه وتأثره بالقرآن وأمثاله كثيرون في هذا الجانب وإن كانوا يقصرون عنه في الجوانب الأخرى التي اختصه الله. تعالى - بها.
وقد يختلف الباحثون حول السر في هذه القوة التي بها يستولي القرآن على العقول والقلوب، والتي سلب بها النفوس من أصحابها حتى إنهم لينكرون أنفسهم بعد قراءتهم القرآن الكريم، ويرون تأثيره فيهم لكنا نزعم أنه ليس سرا بهذا القدر الذي يزعمون أو يتخيلونه، ذلكم أن القرآن الكريم هو كلام رب العالمين انزله على النفوس والقلوب التي خلقها وفطرها رب العالمين على الهيئة التي بها يستطيع أن يؤثر فيها، ويستولى عليها، ولقد وصف الله - تعالى - القرآن بأنه (فطرة الله)، أو وصف الإسلام الذي جاء به القرآن بذلك يقول عز وجل عن الإسلام الذي جاء به القرآن ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾[١٤٣].
ولعل من مفاتيح السر العجيب أن الله - تعالى - أنزل القرآن الكريم يخاطب العقول والقلوب جميعاً ويتوجه إلى المشاعر والوجدانات جميعاً، ويمسك بتلابيب الإنسان من جانبيه النفسي والعقلي، فيستولى عليه، ويجتذبه نحوه ويوجهه الوجهة التي يريد، فيوقظه من غفلته، وينبهه من غفوته، ويحييه من موتته
الوجه الثاني:
بلاغة القرآن الفذة العجيبة التي حار فيها البلغاء، وعجز عن وصفها الأدباء وأسلم لها العقلاء والأذكياء وخضع لها الناثرون والشعراء، ولم يعرفوا لها تعليلا، ولا إليها مدخلا وسبيلا، فأذعن لها البلغاء والفصحاء، وحصروا همهم ليس في معارضتها محاولة الإتيان بمثيل لها، بل في محاولة تفسيرها وإدراك شيء من أسرارها، فعجزوا عن ذلك.
ولقد كان المشركون يدركون تأثير القرآن العجيب على النفوس وأثره في القلوب والعقول، لذلك كانوا يخشون سماعه ويتجنبون وقوعه في آذانهم خشية أن يفقدوا تماسكهم حياله، فيذعنوا له، ويقعوا أسراه لذلك كانوا يخشون فيما بينهم ألا يعرض أحد منهم نفسه لمثل هذه التجربة التي ستؤدي به إلى الإذعان والتسليم والإسلام، كما تواصوا أنه إذا تعرض أحدهم للقرآن، أو فجأة سماعه أن يسد أذنيه، أو يصيح ويحدث من الجلبة ما يؤدى بصوت القارئ فلا يصل إليه بقول الله - تعالى - فيما تواصوا به من ذلك: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾[١٤٤].
وهذا الخوف منهم فسرته كثير من الوقائع التي ما كاد المشرك فيها أن يسمع آية أو جزء آية من كتاب الله حتى يعلن إسلامه. ويروى أن أعرابيا سمع رجلا يقرأ قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾[١٤٥].
فخر الأعرابي ساجداً، وقال: أسجدني فصاحته.. وروى أن رجلاً من المشركين سمع قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّاً قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾[١٤٦].
فقال الرجل: أشهد أن مخلوقا لا يقدر على مثل ذلك، ثم ألقى عناده وراء ظهره وأسلم .
الوجه الثالث:
الإخبار بالمغيبات الماضية ونعنى بذلك أخبار الأمم السالفة والقرون الماضية، ومع ذكر كل أمة ذكر قصة نبيها ورسولها الذي أرسل إليها ثم ذكر ماجرى بينه وبين أمته من تكذيبهم إياه، وما جرى عليهم جراء ذلك التكذيب، كل ذلك ذكره القرآن العظيم على هيئة تفصيلية دقيقة، بل إن القرآن ليحكي مقالة القوم رداً على مقالة نبيهم، ثم رد النبي عليهم، ثم ما كان منهم رداً على النبي كل ذلك في تفصيل دقيق يعجز عن إحصاء بعضه من كان حاضرا تلك المحاورات بين الأنبياء وأقوامهم فكيف بالذي لم يكن حاضرا وإن كان في زمانهم؟ ثم كيف بمحمد الذي لم يكن حاضرا تلك المحاورات، ولم يكن في زمانها ولا قريب عهد بزمانها، ولكنه جاء آخر الزمان بعد مضى أحقاب بل دهور وعصور بينه وبين هؤلاء الذين ذكر قصصهم بتلك الدقة، وذلك التفضيل
والسؤال: كيف عرف محمد (ص) هذه الأخبار، وتلك التفصيلات؟
وهل تلقى علوم الأمم الماضية على يدى معلم؟
وهل تقف محمد نفسه عن طريق القراءة في كتب السابقين فكتبها أو حفظها؟
إن شيئاً من ذلك لم يكن، فما كان المحمد صلة بالكهان والأحبار أو رجال الدين السابقين، كذلك لم يكن يختلف إلى معلم يعلمه أو قاص يقص عليه أخبار الماضيين، كذلك لم يكن محمد (ص) يقرأ ويكتب حتى يقال: تقف نفسه وقرأ كتب السابقين وأخبار الماضيين فمحمد (ص) لم يكن يعرف القراءة والكتابة، بل إن من معجزاته، إنها بلا شك - أول وآخر مرة في التاريخ يكون فقدان العلم بالقراءة والكتابة فضيلة ومعجزة ولقد ذكر الله - تبارك وتعالى - هذه الحقيقية وأكد عليها، فحين طعن الكفار في القرآن أنزل الله تعالى - على رسوله قوله: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾[١٤٧]. والدليل الذي تحيل عليه الآية: أن رسول الله (ص) لم يحاول أن يكذب أو يخون طوال عمره الذي قضاه قبلا مع القوم، ثم إنهم عرفوا منه طوال هذا العمر أنه لا يقرأ ولا يكتب، وأنه لم يختلف على من يقرأ ويكتب ليتعلم منه أو يأخذ عنه لذلك ما كان ينبغى أن يرتابوا فيه أو يكذبوه، قال تعالى: لرسوله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾[١٤٨]. وإذا كان رسول الله (ص) لم يكن يقرأ ولا يكتب، ولا تعلم من أحد؛ إلا أن يكون هذا الذي جاء به إنما هو من عند الله رب العالمين.
الوجه الرابع:
وقد ورد من ذلك الشيء الكثير من مثل قوله تعالى - يخبر عن تغلب الروم على الفرس في بضع سنين: ﴿الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾[١٤٩].
كانت الحرب قائمة بين الفرس المجوس والروم النصارى، وكانت قلوب المسلمين مع الروم لأنهم نصارى أهل كتاب، وكان المشركون بمكة مع الفرس لأنهم وثنيون مثلهم، ولما انتصر الفرس على الروم حزن المسلمون وفرح المشركون، فأنزل الله - تعالى تلك الآيات يبشر فيها المسلمين بأن الروم أهل الكتاب سوف ينتصر على الفرس المجوس، وقد صدق الله وعده وانتصر الروم على الفرس في بضع سنين ومن ذلك قول الله تعالى لرسوله وأصحابه يبشرهم بدخول المسجد الحرام: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾[١٥٠].
ولقد صدق الله وعده، فدخل المسلمون المسجد الحرام آمنين محلقين ومقصرين لا يخافون بل كان الخائفون هم المشركون ومن ذلك قوله تعالى عن مشاعر بعض المسلمين عند غزوة بدر: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾[١٥١].
الوجه الخامس:
ذكر الحقائق العلمية، وللقرآن المجيد نهج حكيم في ذكر الحقائق التي ورد بها القرآن الحكيم في زمن لم يكن عند الناس استعداد لفهم هذه الحقائق ولا في الرؤى المنامية ولو أن القرآن صرح لهم بأن الناس سوف يصعدون على السموات، ويتجولون بين كواكبها وأفلاكها ويجتازون أطباق السموات وأجواز الفضاء لأعلنوا تكذيبهم للقرآن ورفضهم الإسلام، كذلك لو أخبرهم أن الإنسان سيكون بمقدوره التحكم في المطر، وإنزال القطر واستنزاف الغيث لفعلوا في الثانية مثل الأولى، ولكان الناس معذورين في ذلك، لأن في تكليفهم الإيمان بما لا تطيق عقولهم، ولا تستسيغه البابهم ولا تستريح إليه أفئدتهم تكليفا لهم بما لا يطاق لذلك نهج القرآن الحكيم سبيل التورية بما يحتمله اللفظ عند العرب، بحيث يعطى الحقيقة العلمية بعبارة تحتملها وغيرها مما يعرفه العرب، وبذلك يفهم من الجملة القرآنية ما يناسب القوم الذين يقرأونها، والزمان الذي تقرأ فيه وبذلك يفهم أهل كل زمان من الجملة القرآنية ما يناسبهم، وهذا يعني في المحصلة الأخيرة أن الحقائق المتعددة قد حملتها وضمنها جملة واحدة، وهذا وجه من أعظم أوجه الإعجاز لا يملك مقاليده إلا من بيده مقاليد كل شيء سبحانه وتعالى ووجه الإعجاز هنا أن الجملة الواحدة تدل على أكثر من وجه. وكل وجه يدل على حقيقة غير التي يدل عليها الوجه الآخر. ووجه الإعجاز - كما أشرنا - أن جميع هذه الأوجه صحيحة وأن الحقيقة مع الوجه الذي يدل عليها حق وصواب.
ومن هذا الباب أيضاً قول الله عز وجل: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾[١٥٢].
فقد أثبت العلم الحديث أن النبات أزواج ذكر وأنثى، وكذالك فيما يتصل بالذرة؛ فإن فيها السالب والموجب، وهما يتجاذبان ويتكاملان.
ومن الإعجاز في الآية الكريمة إنها ذكرت " الأزواج " ولم تنص على الذكورة والأنوثة وبذلك دخل في الآية الكريمة كافة أشكال الخلق المتقارب، يستوى في ذلك أن يكون المتقابلان ذكراً وأنثى، أو موجباً وسالباً، أو غير ذلك من كافة أشكال الخلق ما نعرف منه وما لا تعرف.
ومن ذلك قوله - سبحانه في شأن أصحاب النار: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً﴾[١٥٣].
فالآية الكريمة عللت تبديل جلودهم التي نضجت - اخترقت بجلود غيرها، عللت ذلك بذوقهم العذاب كأنهم بدون جلودهم لا يذقون العذاب، وهذه الحقيقة أثبتها العلم
الوجه السادس:
خلوه من التناقض والاختلاف فالقرآن خال من التناقض والاختلاف رغم طوله، وتعدد الأغراض التي تناولها، وتعدد الأساليب التي تناول بها كل غرض من هذه الأغراض، يستوى في ذلك أن يكون إنذاراً أو تبشيراً، أو قصصاً، أو وعظاً وتذكيراً، أو أحكاماً وتشريعاً، وترغيباً في الجنة ونعيمها، أو ترهيبا من النار وجحيمها إلى تلكم الأغراض التي تناولها القرآن الحكيم.
ومن أعجب ما في القرآن أنه يخلص من موضوع إلى موضوع آخر قد يشاكله أو يخالفه، وينتقل من غرض إلى غرض مختلف قد يقترب منه، أو يبتعد عنه، وأنت لا تحس بفجأة الانتقال، ولا تشعر بطفرة التغيير، ولا بهزة التحول، كأن الغرض الثاني رغم بعده عن الأول جزء منه أو بعضه وكأن الموضوع الثاني - رغم بعده عن الأول - شيء منه أو عضوه.
وليس ذلك من القرآن في موضع دون موضع، أو سورة أو بضع سور، بل إن السورة الواحدة مهما بلغت من القصر شكلاً وكما، فإنك واجد فيها من تعدد المعاني والأغراض، وكثرة الأهداف والغايات ما يوضح المعنى.
الوجه السابع:
ما يشمل عليه القرآن المجيد من الأحكام والتشريعات التي ضمنت السعادة للمؤمنين بها، المطبقين لها، ضمنت لهم السعادة في الدنيا والنجاة في الآخرة.
الوجه الثامن:
وهذا الوجه يعتمد على إحصاء حروف العربية، ومعرفة خصائصها. وعلاقتها بعضها ببعض، وهذا الوجه يعتمد - أيضا - على أن ثمة حكمة ونظاما دقيقا وراء كل كلمة، بل وراء كل حرف في القرآن المجيد.
وخلاصة هذا الوجه:
- إن عدد الأحرف التي افتتحت بها بعض سور القرآن المجيد يبلغ عدد الأحرف العربية كلها
- إن عدد الأحرف التي افتتحت بها بعض سور القرآن المجيد تبلغ نصف عدد حروف العربية.
- أن الأحرف التي تبدأ بها بعض سور القرآن تشتمل على نصف عدد حروف المهموسة.
- أن الأحرف التي تبدأ بها بعض سور القرآن تشتمل على نصف عدد الأحرف المجهورة.
- أن هذه الأحرف تشتمل - كذلك - على نصف أحرف الحلق.
- أنها تشتمل - كذلك - على: نصف الأحرف الشديدة.
أنها تشتمل - كذلك - على: نصف الأحرف المطبقة.
فهذه العلاقة الغريبة لا تأتي ارتجالاً، ولا تأتي عبناً ولا لعباً أو لهواً.
وإنما تأتي لحكمة يعلمها العليم الخبير سبحانه.
وبعد؛ فنحن لم نف القرآن المجيد حقه بهذه السطور القليلة، والجهود الكليلة، والقدرة العليلة.
وما كان لنا ولا لغيرنا أن نفي القرآن حقه ولا أن نأتي بالكلمة الأخيرة. فرسولنا من أنزل القرآن عليه قال عن القرآن: «لا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه». وهذا يعني أن جميع الخلق من إنس وجن لو اجتمعوا على أن يحصوا ما حواه ويأتوا على ما وعاه لعجزوا وما استطاعوا.. لكن حسبنا أن نفرغ غاية الجهد، محتسبين عند منزله سبحانه ما بذلنا من جهد، ضارعين إليه عز وجل أن يتجاوز عن تقصيرنا، ويعفو عن عجزنا إنه عفو غفور.[١٥٤]
المراجع والمصادر
محمد سيد طنطاوي، مقالة «القرآن الكريم»، موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة
الموسوعة الفقهية
محمود مزروعة، مقالة «القرآن العظيم»، موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة
الهوامش
- ↑ سورة الفرقان، الآية ١.
- ↑ سورة الكهف، الآية ١.
- ↑ سورة الزخرف، الآية ٤٤.
- ↑ سورة الشعراء، الآية ١٩٢-١٩٥.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٣-٢٤.
- ↑ سورة النساء، الآية ٨٢.
- ↑ سورة فاطر، الآية ٢٩.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٨١.
- ↑ سورة المائدة، الآية ٣.
- ↑ محمد سيد طنطاوى، موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة
- ↑ سورة القيامة، الآية ١٧-١٨.
- ↑ القاموس المحيط، والمفردات في غريب القرآن.
- ↑ أصول البزدوي مع كشف الأسرار ١ / ٦٧ - ٧٢ نشر دار الكتاب العربي.
- ↑ التلويح على التوضيح ١ / ١٥٧.
- ↑ الإتقان في علوم القرآن ١ / ١٥٩ - ١٦١.
- ↑ الموسوعة الفقهية (كتاب)|الموسوعة الفقهية، ج٣٣، ص ٣٠.
- ↑ تحرير ألفاظ التنبيه للنووي ص ٣٤ نشر دار القلم، والقاموس المحيط.
- ↑ المفردات للراغب الأصفهاني.
- ↑ الإتقان في علوم القرآن ١ / ١٦٤ ط. دار ابن كثير، والبرهان في علوم القرآن ١ / ٢٧٣ - ٢٧٦.
- ↑ سورة الحشر، الآية ٧.
- ↑ شرح المنار وحواشيه من علم الأصول ص ٢٥ ط. دار سعادت.
- ↑ روضة الناظر لابن قدامة المقدسي ص ٣٤ ط. دار الكتب العلمية، والمستصفى ١ / ١٠١.
- ↑ البرهان في علوم القرآن ٢ / ١٢٥.
- ↑ فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت مع المستصفى ٢ / ٩.
- ↑ إرشاد الفحول ص ٣٠، والتلويح على التوضيح ١ / ١٥٧.
- ↑ البحر المحيط ١ / ٤٤٦.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٣-٢٤.
- ↑ البرهان في علوم القرآن ٢ / ١٠٨.
- ↑ البحر المحيط ١ / ٤٤٤.
- ↑ سورة إبراهيم، الآية ٤.
- ↑ البحر المحيط ١ / ٤٤٩.
- ↑ سورة فصلت، الآية ٤٤.
- ↑ روضة الناظر ص ٣٥.
- ↑ الرسالة ص ٤٢ ط. الحلبي.
- ↑ المستصفى ١ / ١٠٥، وانظر إرشاد الفحول ص ٣٢.
- ↑ روضة الناظر ص ٣٥، وانظر المستصفى ١ / ١٠٦.
- ↑ روضة الناظر ١ / ٣٥.
- ↑ سورة الحجر، الآية ٩.
- ↑ سورة المائدة، الآية ٤٤.
- ↑ القرطبي ١٠ / ٥.
- ↑ الموسوعة الفقهية (كتاب)|الموسوعة الفقهية، ج٣٣، ص ٣١-٣٤.
- ↑ الموسوعة الفقهية (كتاب)|الموسوعة الفقهية، ج٣٣، ص ٣٤.
- ↑ الموسوعة الفقهية (كتاب)|الموسوعة الفقهية، ج٣٣، ص ٣٤.
- ↑ الموسوعة الفقهية (كتاب)|الموسوعة الفقهية، ج٣٣، ص ٣٤.
- ↑ الموسوعة الفقهية (كتاب)|الموسوعة الفقهية، ج٣٣، ص ٣٤.
- ↑ ابن عابدين ١ / ٣٠٠، والاختيار لتعليل المختار ١ / ٥٦ نشر دار المعرفة، والقوانين الفقهية ص ٦٣ دار الكتاب العربي، ومغني المحتاج ١ / ١٥٦، ومطالب أولي النهى ١ / ٤٩٤.
- ↑ سورة فاطر، الآية ٢٩.
- ↑ حديث: «من قرأ حرفا من كتاب الله. . .» أخرجه الترمذي (٥ / ١٧٥) من حديث ابن مسعود وقال: حديث حسن صحيح.
- ↑ حديث عائشة: «الماهر بالقرآن مع السفرة. . .» أخرجه مسلم (١ / ٥٥) . والتتعتع: التردد في الكلام عيا وصعوبة (تفسير القرطبي ١ / ٧) .
- ↑ حديث: «اقرأوا القرآن. . .» أخرجه مسلم (١ / ٥٥٣) من حديث أبي أمامة، وتفسير القرطبي ١ / ٧، وإحياء علوم الدين ١ / ٢٧٩.
- ↑ الموسوعة الفقهية (كتاب)|الموسوعة الفقهية، ج٣٣، ص ٣٤.
- ↑ التبيان في آداب حملة القرآن ص ٩٥ نشر دار الدعوة.
- ↑ التبيان ص ٩٥، والإتقان في علوم القرآن ١ / ٣٢٩ ط. دار ابن كثير.
- ↑ التبيان ص ٩٧، والآداب الشرعية لابن مفلح ٢ / ٣٢٥، والإتقان ١ / ٣٢٨، والمجموع ٢ / ٦٩ نشر المكتبة السلفية.
- ↑ الاختيار لتعليل المختار ١ / ١٣، والقوانين الفقهية ص ٣٦ ط. دار الكتاب العربي، والمجموع ٢ / ١٦٢، والمغني ١ / ١٤٣، ١٤٤.
- ↑ المغني ١ / ١٤٤، والموسوعة الفقهية ١٦ / ٥٣، ٥٤.
- ↑ الاختيار ١ / ١٣، والمجموع ٢ / ١٦٢، والمغني ١ / ١٤٣، والقوانين الفقهية ص ٤٤.
- ↑ الزرقاني ١ / ١٣٨.
- ↑ التبيان ص ١٠٠، والإتقان ١ / ٣٢٩.
- ↑ التبيان ص ١٠٢ - ١٠٤، والإتقان ١ / ٣٢٩ ط. دار ابن كثير، والآداب الشرعية ص ٣٢٥.
- ↑ التبيان ص ١٠٥، والإتقان ١ / ٣٢٩.
- ↑ البرهان في علوم القرآن ١ / ٤٦٠.
- ↑ سورة الفاتحة، الآية ١.
- ↑ البرهان في علوم القرآن ١ / ٤٦٠، والإتقان ١ / ٣٣١، والتبيان ص ١٠٦.
- ↑ التبيان ص ١٠٧.
- ↑ سورة الإسراء، الآية ١٠٩.
- ↑ الإتقان ١ / ٣٣٥، والتبيان ص ١١٢. وحديث «فإذا عيناه تذرفان» أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ٩٤)، ومسلم (١ / ٥٥١) واللفظ للبخاري.
- ↑ التبيان ص ١١٤، وإحياء علوم الدين ١ / ٢٨٤ ط. الحلبي، والإتقان ١ / ٣٣٥.
- ↑ الإتقان ١ / ٣٣١، والتبيان ص ١١٤.
- ↑ سورة المزمل، الآية ٤.
- ↑ التبيان ص ١٢٠.
- ↑ الموسوعة الفقهية (كتاب)|الموسوعة الفقهية، ج٣٣، ص ٣٤.
- ↑ الإتقان ١ / ٣٤٣، والبرهان في علوم القرآن ١ / ٤٧٥، وشرح منتهى الإرادات ١ / ٢٤٢.
- ↑ البرهان في علوم القرآن ١ / ٤٧٥.
- ↑ ابن عابدين ١ / ٣٦٦، وتفسير الجصاص ١ / ٤٩ ط. البهية المصرية.
- ↑ الموسوعة الفقهية (كتاب)|الموسوعة الفقهية، ج٣٣، ص ٣٦.
- ↑ التبيان في آداب حملة القرآن ص ٧١.
- ↑ التبيان ص ٧٣.
- ↑ حديث: «اقرءوا القرآن ولا تغلوا فيه. . .» أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٤ / ٧٣) وقال: رواه الطبراني، و، ورجاله ثقات.
- ↑ التبيان ص ٧٨.
- ↑ البرهان في علوم القرآن ١ / ٤٥٨.
- ↑ حديث: «تعاهدوا هذا القرآن. . .» أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ٧٩)، ومسلم (١ / ٥٤٥) من حديث أبي موسى الأشعري، و، واللفظ لمسلم.
- ↑ حديث: «بئس ما لأحدهم أن يقول نسيت آية كيت. . .» أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ٧٩)، ومسلم (١ / ٥٤٤) واللفظ لمسلم.
- ↑ الموسوعة الفقهية (كتاب)|الموسوعة الفقهية، ج٣٣، ص ٣٧.
- ↑ البرهان في علوم القرآن ٢ / ١٥٣.
- ↑ التبيان ص ٢٠٤.
- ↑ الموسوعة الفقهية (كتاب)|الموسوعة الفقهية، ج٣٣، ص ٣٨.
- ↑ مواهب الجليل ١ / ٥١٩، وروضة الطالبين ١ / ٢٤٤، وكشاف القناع ١ / ٣٤٠.
- ↑ سورة الزخرف، الآية ٣.
- ↑ بدائع الصنائع ١ / ١١٢، وتبيين الحقائق ١ / ١١٠.
- ↑ الموافقات ٢ / ٦٨.
- ↑ كشاف القناع ١ / ٣٤٠ - ٣٤١.
- ↑ الموسوعة الفقهية (كتاب)|الموسوعة الفقهية، ج٣٣، ص ٣٨.
- ↑ بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز لمجد الدين الفيروز آبادي ١ / ٩٧ ط. المكتبة العلمية.
- ↑ الموسوعة الفقهية (كتاب)|الموسوعة الفقهية، ج٣٣، ص ٣٨.
- ↑ التبيان ص ٧٨.
- ↑ إحياء علوم الدين ١ / ٢٨٢.
- ↑ التبيان ص ٨١ - ٨٢ (والهذرمة: السرعة في القراءة) .
- ↑ التبيان ص ٨٢.
- ↑ حديث: «أمر النبي عبد الله بن عمرو أن يختم في سبع أو ثلاث» ورد ضمن حديثين الأول فيه ذكر السبع. أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ٩٤) والثاني فيه ذكر الثلاث. أخرجه أحمد (٢ / ١٩٨) .
- ↑ البرهان في علوم القرآن ١ / ٤٧١.
- ↑ حديث: «من ختم القرآن فله دعوة مستجابة» أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٨ / ٢٥٩) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٧ / ١٧٢) وقال: فيه عبد الحميد بن سليمان وهو ضعيف.
- ↑ الإتقان ١ / ٣٤٦.
- ↑ حديث: «أحب الأعمال إلى الله الحال المرتحل. . .» أخرجه الترمذي (٥ / ١٩٨) من حديث ابن عباس وقال: إسناده ليس بالقوي.
- ↑ الموسوعة الفقهية (كتاب)|الموسوعة الفقهية، ج٣٣، ص ٣٩.
- ↑ الفتاوى الهندية ٥ / ٣٢٣، والزرقاني ١ / ٩٣، وروضة الطالبين ١ / ٨٠، والتبيان ص ٢١٣، وكشاف القناع ١ / ١٣٧.
- ↑ تفسير القرطبي ١٠ / ٣١٨، والآداب الشرعية ٣ / ٧٣.
- ↑ البرهان في علوم القرآن ١ / ٤٧٦، وكشاف القناع ٢ / ٧٧، وشرح منتهى الإرادات ١ / ٣٢٠، ومطالب أولي النهى ١ / ٨٣٦.
- ↑ تفسير القرطبي ١٠ / ٣١٩.
- ↑ حديث: «لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك» أخرجه مسلم (٤ / ١٧٢٧) من حديث عوف بن مالك الأشجعي.
- ↑ حديث: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل» أخرجه مسلم (٤ / ١٧٢٦) من حديث جابر بن عبد الله.
- ↑ تفسير القرطبي ١٠ / ٣١٨.
- ↑ الموسوعة الفقهية (كتاب)|الموسوعة الفقهية، ج٣٣، ص ٤١.
- ↑ سورة النجم، الآية ٣-٤.
- ↑ سورة البروج، الآية ٢١-٢٢.
- ↑ سورة الزخرف، الآية ٣-.
- ↑ سورة الدخان، الآية ٣.
- ↑ سورة القدر، الآية ١.
- ↑ سورة الفرقان، الآية ٣٢-٣٣.
- ↑ سورة المجادلة، الآية ١.
- ↑ سورة الفرقان، الآية ٣٣.
- ↑ سورة التوبة، الآية ٦٤.
- ↑ سورة طه، الآية ١١٤.
- ↑ سورة القيامة، الآية ١٦-١٩.
- ↑ وقعة اليمامة بين المسلمين ومسيلمة الكذاب - ذلك أن مسيلمة ادعى النبوة، وتابعه على دعوته قريب من مائة ألف. فأرسل إليه الصديق خالد بن الوليد ومعه قريب من ثلاثة عشر ألف، وحين انتقى الجيشان انكشف جيش المسلمين لوجود عدد كبير من الأعراب فيه. فقال القراء من الصحابة: يا خالد خلصنا من الأعراب فتميزوا وانفردوا فكانوا قريبا من ثلاثة ألاف. ثم حمل القراء على مسيلمة وجيشة حملة صادقة، وتنادوا يا أصحاب سورة البقرة فلم يزالوا كذلك حتى فتح الله عليهم، وولى جيش مسيلمة، فابتعهم المسلمون ووضعوا سيوفهم في أقفيتهم قتلا وأسرا، وقتل الله الكذاب مسيلمة، وتفرق شمل أصحابه، وقد رجع كثير منهم بعد ذلك إلى الإسلام ولكن استشهد من القراء في هذه الواقعة قريب من خمسمائة. " انظر فضائل القرآن لابن كثير - رحمة الله) وكانت هذه الواقعة فاتحة خير كثير للمسلمين والإسلام؛ أما الشهداء - - فقد انتقلوا من ضيق الدنيا إلى سعة رحمة الله في جواره الكريم، وأما عدو الله الكذاب وأتباعه فقد قضى الله عليهم واستراح منهم المسلمون وأما كتاب الله فقد كانت تلك الواقعة سببا إلى جمعه وجمع الناس عليه. وهذه وحدها فتح عظيم
- ↑ سورة الكهف، الآية ٧٩.
- ↑ سورة المائدة، الآية ٣.
- ↑ سورة الحجر، الآية ٩.
- ↑ سورة البروج، الآية ٢١-٢٢.
- ↑ سورة الكهف، الآية ١٠٩.
- ↑ سورة لقمان، الآية ٢٧.
- ↑ سورة النحل، الآية ١٠٣.
- ↑ سورة الشعراء، الآية ١٩٢-١٩٥.
- ↑ تعرف الترجمة بأنها التعبير عن لغة بلغة أخرى والترجمة نوعان: ترجمة حرفية، وترجمة غير حرفية. فالترجمة الحرفية هي: إبدال لفظ بلفظ آخر برادفه في المعنى الإجمالي القريب فالمترجم يعبر عن كل لفظ بلفظ يؤدي معناه... أما الترجمة غير الحرفية؛ فهي التعبير عن معنى الجملة المفهوم للمترجم من لغة بجملة من لغة أخرى تؤدى نفس المعنى أو قريبا منه فالترجمة هنا ليس للألفاظ، بل للجمل، والمترجم يفهم المعنى من جملة ما بلغة، ثم يؤديه بجملة أخرى من لغة أخرى. والترجمة الحرفية لا تتحقق في القرآن أبدا، فإن القرآن الكريم معجز بألفاظه، فمن المحال أن يترجم حرفيا... ومثل ذلك الترجمة غير الحرفية فالترجمة بقسميها الحرفية وغير الحرفية غير ممكنة في القرآن إطلاقا، فإن ذلك ينافي كونه معجزا لكن الذي يترجم من القرآن ليس هو القرآن، لكنها معاني القرآن. فمعاني القرآن هي التي تترجم بمعنى أن يفهم المترجم تفسير آية أو معناها ثم يعبر عن هذا المعنى بلغة أخرى وكأنه يترجم تفسيرا القرآن وهذا هو المعروف الآن، والذي يخطئ الكثيرون فيقولون " ترجمة القرآن " وما هي بترجمة للقرآن، بل ترجمة المعاني القرآن، أو لتفسير القرآن، وهي ترجمة على قدر الطاقة، لكنها لا تصل إلى مستوى المعنى حيث إن المعنى فرع عن الأصل، والأصل معجز، فالمعنى كذلك معجز، لكن الإعجاز المعنوى غير مراد، ولا يتعلق به غرض صحيح للشرع ومن أدلة إعجاز المعنى ا كثرة التفاسير القرآنية كثرة لا تكاد تحصى والنص اقرآني واحد. اختلاف التفاسير بينها في تفسير كثير من الآيات والألفاظ. اختلاف التفاسير من حيث الحجم والسعة، فمنها ما يتكون من عشرات المجلدات، ومنها مجلد واحد اختلاف مناهج المفسرين من حيث المنهج والطريق، أو من حيث المذهب والمعتقد، فيناك التفسير الصوفي، والشيعي، والمعتزلة، والسلفي. ه- اعتماد أصحاب المذاهب المختلفة على الأدلة القرآنية رغم تعارض بل تناقض بعض هذه المذاهب، لكن الله يسر القرآن للذكر، أى للفهم والتدبر لكل صادق النية صحيح الدين. وأكثر ما يتوجه إليه الإعجاز في المعنى هو آيات المتشابهات، وقد جعلها الله تعالى فيصلا صادقا بين صحيح العقيدة الراسخ في العلم، وبين الذين في قلوبهم زيغ.
- ↑ سورة النجم، الآية ٣٦-٤٢.
- ↑ سورة النجم، الآية ٣٨.
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٩٦.
- ↑ سورة الأنفال، الآية ٣١.
- ↑ سورة الفرقان، الآية ٤-٥.
- ↑ سورة الإسراء، الآية ٨٨.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٣٣.
- ↑ سورة القمر، الآية ١٧.
- ↑ سورة الروم، الآية ٣٠.
- ↑ سورة فصلت، الآية ٢٦.
- ↑ سورة الحجر، الآية ٩٤.
- ↑ سورة يوسف، الآية ٨٠.
- ↑ سورة يونس، الآية ١٦.
- ↑ سورة العنكبوت، الآية ٤٨.
- ↑ سورة الروم، الآية ١-٤.
- ↑ سورة الفتح، الآية ٢٧.
- ↑ سورة الأنفال، الآية ٧.
- ↑ سورة يس، الآية ٣٦.
- ↑ سورة النساء، الآية ٥٦.
- ↑ محمود مزروعة، مقالة «القرآن العظيم»، موسوعة العقيدة الإسلامية، ص ٩٠٦-٩٢٨.