الكفر في علم الكلام

من إمامةبيديا

شبهة ما يقوم به الكفار من أعمال البرّ

لقد أشارت النصوص الدينية الكثيرة إلى أن مصير الكافر - الأعم من المنكر لوجود الله، والمنافق، وكذلك المنكر لنبوّة النبي الأكرم(ص) - هو الخلود في جهنم، ولن يدخل الجنة أبداً. وهنا ترد الشبهة القائلة: إنّ بعض الكفار قاموا بكثير من أعمال البرّ والخير فى الدنيا، بل إن بعضهم قدّموا كثيراً من الاختراعات التي أسهمت في خلق السعادة للملايين من البشر، وإن الحضارات الراهنة والتقدّم الحاصل في العلوم التجريبية مدين لاختراعات العلماء الملحدين واكتشافاتهم من أمثال: توماس أديسون (مخترع الكهرباء)، وباستور (مكتشف المكروب)، فإذا كان الفرض يقوم على دخول هؤلاء إلى جهنم رغم الإنجازات التي قدموها للبشرية، فإن ذلك سيعني عدم مكافأتهم على جهودهم، وهذا لا ينسجم مع العدل الإلهي!

مناقشة وتحليل

توقف قبول الأعمال على الحسن الفاعلي

إن كل فعل يقبل الاتصاف بالحسن والجمال من زاويتين ورؤيتين؛ أحدهما نفس الفعل من قبيل: الحنو على اليتيم ومساعدته والإحسان إليه، أو بناء ميتم أو مدرسة أو جسر والأخرى: أن تكون نية الفاعل خالصة وحسنة أيضاً، من باب المثال: أن يكون قصد الفاعل في قيامه بالأمور المتقدّمة هو خدمة الناس من دون طلب الشهرة أو الرياء وما إلى ذلك من النوايا السيئة. ويصطلح على الأمور في الحالة الأولى بـ «الحُسن الفعلي»، وعلى أمور في الحالة الثانية بـ «الحُسن الفاعلي».

يكفي في الإطار التكويني (اتصاف الفعل الخارجي بالحُسن) تحقق الحُسن الفعلي، أمّا فيما يتعلق باتصاف الفاعل بالحُسن، وبتبع ذلك مدحه والثناء عليه ومكافأته، فإنه فضلاً عن ذلك يحتاج إلى شرط ثان، وهو النيّة الصالحة. فعلى سبيل المثال إذا كانت نيّة الشخص من بناء مدرسة هو استغلال الطلاب، فإن الناس في مثل هذه الحال لن يكتفوا بعدم مدحه فحسب، وإنما سيوبخونه ويعملون على ذمّه ويشجبون فعله.

وهذا المبنى جار في تحليل أعمال الكافر أيضاً والمسألة الهامّة والجوهرية في البين لا تكمن في الحُسن الفعلي، وإنما في تحقق الحسن الفاعلي فيما يقوم به الكافر من الأعمال. فإن تمكن الكافر المنكر لوجود الله في فعله للخير - علاوة على حُسن الفعل - من إخلاص النيّة؛ كأن تكون خالصة لخدمة الناس والمحرومين، والمحتاجين فإن مثل هذا العمل حيث يستوعب الحُسن الفعلي والفاعلي، سيعدّ من الخير الذي يستحق فاعله المدح والثناء والمكافأة؛ ذلك لشمول إطلاقات وعود الله القائمة على مجازاة كل عمل يصدر عن الإنسان من خير أو شر؛ إذ يقول تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ[١]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ[٢].

وبعد أن أشار الأستاذ الشهيد مرتضى المطهري إلى هذه الآيات عمد - من خلال التساؤل القائل: هل يكفى فعل الخير بنية خالصة من دون الإيمان بالله والمعاد فيما يتعلق بالحسن الفاعلى أم لا؟ - إلى التذكير بالفرق بين هذين الأمرين، قائلاً: «في الوقت نفسه نعتقد بجد أنه كلما صدر عمل لغاية الإحسان وخدمة الناس، لن يكون في مرتبة العمل الصادر بدافع الأنا فقط؛ إذ إنّ الله - بطبيعة الحال - سوف لا يضيع أجر مثل هؤلاء الأشخاص .. فقد ورد في كثير من الروايات الموجودة في مصادرنا أن بعض المشركين من أمثال (حاتم الطائي) لن ينالهم العذاب رغم شركهم، وذلك بسبب ما قاموا به من أعمال الخير في الحياة الدنيا، أو أنه سيخفف عنهم العذاب»[٣].

وبعد أن استعرض سماحته طائفة من الروايات في إثبات فرضيته، أشار إلى مسألة في غاية الدقّة، وهى أن نور المعرفة الإلهية موجود في ضمائر هؤلاء الأشخاص.

«يجب القول إن عمق ضمائر هؤلاء الأشخاص يحتوي على نور من معرفة الله، وإذا فرض منهم الإنكار فهو مجرّد لقلقة لسان، وأما عمق ضميرهم فينطق بالإقرار إن إنكارهم يتعلق في واقع الأمر بأمر موهوم يتصورونه هو الله، أو إنكار موهوم آخر تصوروه بديلاً عن العودة إلى الله والقيامة، وليس إنكاراً حقيقياً للمبدأ والمعاد .. إن التعلق بالخير والعدل والإحسان بما هو خير وعدل، وإحسان من دون أيّ شائبة أخرى لدليل على التعلق والمحبّة لذات الجميل على الإطلاق. ومن هنا يبعد أن يحشر هؤلاء في زمرة أهل الكفر على المستوى الحقيقي والعملي، وإن تمّ اعتبارهم من المنكرين على المستوى القولي، والله أعلم»[٤].

وعليه فإن أعمال الخير التي تصدر عن الكافر لا تضيع عند الله، وإنما هي محفوظة عنده، بيد أن المسألة الدقيقة تكمن فى إمكانية تحقق الحسن الفاعلى خاصة من الكافر المنكر لوجود الله والملحد بمعنى المعاند الذي يؤدي بنا إلى البحث الصغروي، إلا أن إمكان تحققه من الكافر المنكر لنبوة النبي الأكرم(ص) رغم اعتقاده بوجود الله كما هو الشأن بالنسبة إلى أتباع الديانات الأخرى، يكون أكثر. قال الأستاذ الشهيد مرتضى المطهري في هذا الشأن: «إنّ أعمال الخير الصادرة عن الأفراد الذين لا يؤمنون بالله والقيامة، والذين يقولون بوجود شريك الله أحياناً، تستوجب تخفيف العذاب عنهم، وربما رفع العذاب أحياناً ... وأما الذين يؤمنون بالله والآخرة، وتصدر عنهم الأعمال بقصد التقرّب إلى الله، مع إخلاص النيّة، فإن أعمالهم ستكون مقبولة عند الله، ويستحقون عليها المكافأة والجنة سواء أكانوا من المسلمين أم من غيرهم»[٥].

الموازنة بين أعمال الخير والشرّ

لو قام الكافر - الأعم من الملحد والمشرك والمرتد - ببعض أعمال البر وأفعال الخير من قبيل بناء مدرسة أو مشفى أو قدّم معونة للمحتاجين، أو هبّ للدفاع عن المظلومين ووقف في وجه الظالمين عن فطرة ونزعة وجدانية صادقة، كان ذلك صنيعاً حسناً منه، واستحق عليه تبعاً لذلك المدح والمكافأة. ولو ذهبنا إلى القول باعتبارية الجزاء، فإن العقل والعقلاء يمتدحون فاعل هذه الأمور، ويرونه مستحقاً للمكافأة والتكريم وعلى هذا الأساس لا يمكن لأيّ ذنب - حتى لو كان مثل الكفر والارتداد - أن يزيل استحقاق المدح والمكافأة على فعل الخير؛ وذلك لأن هذا الحكم (استحقاق المدح والثواب) دائر مدار تحققه الابتدائي، فلو ترتّب عنوان استحقاق الثواب والمكافأة على فعل، لم يعد بالإمكان سلبه وإزالته.

بيد أنّ المسألة الدقيقة تقول: لمّا كان الكافر المقصّر إنما يرتكب بتمرّده على الأوامر الإلهية أكبر أنواع الذنوب، فإن أعمال الخير التي يقوم بها في الوقت نفسه، مهما كانت تبدو كثيرة على المستوى الكمّي، إلا أنها بالمقارنة إلى ذلك الذنب العظيم تنحدر إلى مستوى الصفر واللاشيء. من هنا فإن أعمال البرّ التي يقوم بها لا تستطيع أن تنجيه من العذاب. ولكنه على الرغم من ذلك حيث صدرت عنه بعض أفعال الخير وأعمال البرّ فإن العرف والعقلاء يرونه مستحقاً للمدح والثواب في حدود ما قام به من البرّ، مضافاً إلى أن الله سبحانه وتعالى قد تعهّد بأنه لن يظلم أحداً وأنه لا يضيع أجر المحسنين، وعليه فإن الملاحظ في الحكم على ما يقوم به المرء من أعمال الخير وما يقترفه من الذنوب هو المقارنة والموازنة بين مجموع هذه الأعمال الصالحة والطالحة ووضع كل منهما في كفة،ميزان كيما يُذمّ أو يُمدح على أساس من رجحان إحدى الكفتين.

نجاة الكافر القاصر

إن المعادلة والمقارنة بين الأعمال إنما تخصّ الكافر المقصّر أو المنكر،المعاند وأما حكم أعمال الكافر القاصر فيختلف؛ إذ حيث لا يوجد تقصير ولا عناد بالنسبة إلى الكافر القاصر، تكون هناك أرضية خصبة للفطرة والوجدان الطاهر، ولذلك تكون بذرة أعمال الخير فيه أكثر، ومن جهة أخرى حيث لا وجود لأسس جوهرية لتلويث النفس بالذنوب - أي العناد والتمرّد على الله - فإن عملية المقارنة والترجيح بين صالح الأعمال وطالحها ستميل لصالح أعمال البرّ، وبذلك سوف ينجو الكافر، بل ويكون مستحقاً للمدح والثواب.

وترتبط هذه المسألة بمبحث التعددية الدينية، فحتى على القول بانحصار الحق في دين، واحد ورفض القول بالتعددية الدينية، لا ينحصر طريق نجاة الكافر القاصر ودخوله إلى الجنة باعتناق الإسلام فقط، بل إذا كان جاهلاً بأحقية الإسلام، فإن أعمال البرّ من قبل هذا الشخص وابتعاده عن الموبقات، تجعله مؤهلاً لدخول الجنة.

البيان التكويني لأعمال الكافر

لو اعتقدنا بتكوينية العذاب، مع ذلك لا يمكن إنكار تأثير ما ذكر من أعمال البر؛ إذ بعد التسليم بالخيرية الفعلية، فإن التأثير الإيجابي للقيام بها في نفس الفاعل سيكون تكوينياً وتلقائياً. ولكن في هذه النظرية يطرح هذا السؤال هل ارتكاب الذنوب الكبيرة من قبيل الكفر أو الارتداد من العظمة والتأثير بحيث يمكنه أن يقضي على جميع الآثار النورانية لأعمال الخير التي يقوم بها الكافر والكامنة في صقع نفسه، فيجري أصل الإحباط أيضاً؟

يبدو أن حقيقة هذا الجواب لا تنسجم مع العقل، بيد أن العقل يرى أن الإجابة عنه لا تخرج من إحدى حالتين:

  1. غلبة معصية الكفر على جميع آثار وبركات أعمال الخير: وفي هذه الصورة لا ترد شبهة على العدل والحكمة الإلهية؛ لأن هذا النوع من البطلان والإحباط قد حصل من قبل الكافر نفسه على نحو تكوينى.
  2. عدم الغلبة وفي هذه الصورة مع وجود الكفر الذي يبطل أكثر أعمال البرّ والخير، إلا أن بعض أعمال الخير تبقى محفوظة.

إن لفرضية بقاء بعض أعمال الخير الصادرة عن الكافر نتيجة تكوينية، وإن تقابل وتعارض المقدار الباقي منها مع الذنوب يؤدي إلى زوال مقدار من الذنوب بحسب مقادير أعمال البر، وبذلك يتمّ التخفيف من عذاب الكافر.

وفي هذه الفرضية تكون النتائج تابعة للعلاقة التكوينية بين المعصية والعذاب الأمر الذي يؤدي إلى تخفيف العذاب لمصلحة الكافر، ولا ترد أيّ شبهة على الله سبحانه وتعالى.

حاصل القول إن آثار أعمال البرّ والخير الصادرة عن الكافر إذا كانت تتصف بالحُسن،الفاعلي، لا تزول وستظهر نتائجها في إطار رفع العذاب أو تخفيفه أو إعطاء الثواب للفاعل، وفي هذا عين العدالة الإلهية.[٦]

شبهة عبادات الكافر

إن ذات الشبهة المطروحة بشأن أعمال البرّ والخير الصادرة عن الكافر، تطرح نفسها بشأن عبادات الكافر أيضاً، بمعنى أن بعض الكفار قد عبدوا الله لسنوات طويلة من أعمارهم، فكيف يكون حكمهم وثوابهم؟

مناقشة وتحليل

يمكن تقسيم أعمال من ينكر وجود الله إلى قسمين، وهما: العبادات وأعمال البرّ التي تصدر عنه بحكم فطرته، ويمكن بيان كلّ منهما طبقاً لمبنيين في تبرير العذاب الأخروي (أي المبنى الاعتباري والتكويني). وفي البداية سنتناول

بيان العبادات طبقاً لاعتبارية العذاب: يمكن إطلاق وبحث عنوان الكافر على الأقسام الثلاثة الآتية:

  1. الكافر: المنكر لأصل وجود الله (الملحد)، والكافر لا يصدر عنه أيّ عمل عبادي، فلا تصل النوبة إلى الحكم ببطلانه.
  2. المشرك: الذي يعتقد بأصل وجود الله، ولكنه يرى وجوده في أكثر من إله واحد ولمّا كان المشركون يعتقدون بأن إدارة الكون تتمّ من قبل العديد من الآلهة فإنهم يعبدون آلهة كثيرة ويطلبون حاجاتهم منهم، وعلى هذا الأساس فإن عباداتهم لا تنشأ من أصول صحيحة وصائبة كي يتمّ إبطالها والبحث في مرحلة لاحقة عن بطلانها . وإحباطها وعلى المشركين أن يأخذوا أجرهم ممّن يعبدون.
  3. المرتد: والبحث بشأن المرتد يختلف عن قسيميه السابقين؛ إذ أنه قام ببعض العبادات من قبيل: الصلاة والصوم والحج قربة إلى الله تعالى، ثم ندم على ذلك وخرج عن الإسلام متخذاً طريق الكفر والإلحاد. وعليه فإن أعماله السابقة تكون مشمولة لقانون الإحباط والبطلان؛ وذلك لأن المرتد يرى أن ما قام به من العبادات عندما كان مسلماً لا يعدو أن يكون مجرد أمور جوفاء خالية من أي مضمون أو معنى ويعيش حالة من الندم على قيامه بها، ويحكم على بطلانها بنفسه، وبذلك يكون هو من يحكم بإحباطها وليس الله.
  4. أهل الكتاب: إذا التزم أتباع الأديان السماوية بتعاليم كتبهم وما جاء فيها من الأحكام والعبادات، وكانوا جاهلين بأحقية الإسلام، أمكن لهم أن يقصدوا بأعمالهم التقرّب من الله، وبهذه النية يمكن لعبادتهم أن تتصف بالعبادة الحقيقية لله، ويستحقون عليها الجنة والثواب. إنّ الذين يؤمنون بالله والآخرة، ويقومون بالأعمال بقصد التقرّب من الله بنية خالصة، فإن أعمالهم ستكون مقبولة عند الله، ويستحقون عليها الجنة والثواب، سواء أكانوا مسلمين أو غير مسلمين...[٧] ولبيان هذه الحقيقة وهي إمكان العثور على أفراد يحملون روح التسليم - وإن لم يكونوا مسلمين في الهوية - يمكن لنا التمثيل بشخصية الفيلسوف الفرنسي ديكارت فإن من كان على شاكلة ديكارت - طبقاً لكلماته وآرائه - لا يمكن إطلاق مفهوم الكافر عليهم؛ لأنهم غير معاندين ولا يتظاهرون بالكفر، ولا يسعون إلى طمس الحقائق. إن ماهية الكفر ليست شيئاً غير العناد والميل إلى إخفاء الحقيقة؛ ويمكن القول: إنّ هؤلاء «مسلمون بالفطرة»[٨].
  5. البيان التكويني لبطلان عبادات الكفار: كما يمكن بيان الإحباط فيما يتعلّق بالصور الثلاث المتقدمة (الكفر والشرك والارتداد) طبقاً لمبنى التأثير التكويني للعمل في نفس الإنسان أيضاً.

ففي فرضية الكفر والشرك حيث لم تقع العبادة على وجهها الصحيح والحقيقي، لن يكون هناك تأثير إيجابي ونوراني في صقع النفس.

وأما في فرضية الارتداد، فإن الأعمال العبادية التي جاء بها المرتد مدّة إسلامه تترك تأثيرها الإيجابي والنوراني في صقع نفسه، إلا أن نفس الارتداد يترك بدوره تأثيراً جذرياً في خلق الظلمات في هذه النفس، الأمر الذي يقضي على تلك النورانية السابقة للنفس، بحيث يحبط كل عمل برّ جاء به قبل الردّة؛ لأن المرتد نفسه يصرّح برفضه لعباداته السابقة، ويراها جوفاء وفارغة وفاقدة للقيمة ومثل هذه النظرة إلى الأعمال ستترك تأثيراً تكوينياً يتمثل ببطلانها، وهذا هو المعنى الدقيق للإحباط.

إلا أن الدليل على صحّة عبادات أهل الكتاب، يعود إلى وجود الفطرة الطاهرة والمؤمنة بوجود الله بين أهل الكتاب حيث تحصل النفس على نورها من خلال انعقاد النية الخالصة للتقرب من الله.[٩]

شبهة عذاب الكافر الجاهل

ورد الوعيد في النصوص الدينية للكفار بالعذاب وقد استخدمت مفردة «الكفر» و«الكافر» في هذه النصوص بشكل مطلق وعام، بحيث يشمل جميع أقسام الكفر. وعلاوة على ذلك فقد نسب موضوع «العقاب الأخروي» في بعض الآيات إلى مطلق عنوان «الكافر» من دون أخذ قيد «العناد»؛ وعلى هذا الأساس يُستنتج من إطلاقات وعمومات الآيات والروايات شمول «العذاب» لجميع أقسام الكافر[١٠].

مناقشة وتحليل

فيما يتعلق بدلالة الروايات على المدعى يمكن الإشارة إلى الشبهات الآتية مع بيان نقدها وتحليلها:

تقييد الكافر بالمتمكن

يجب القول في الجواب: إن الروايات العامة والمطلقة، يتمّ تقييدها بالروايات الخاصّة والمقيّدة، وذلك بأن يكون المراد من الروايات - التي أطلقت لفظ الكافر على الشاك والجاهل والغافل - هو الكافر القادر على انتخاب الطريق الموصل إلى الإيمان إلا أنه يتقاعس عن العمل بالتكليف وإخراج حالة الشك والغفلة أو الجهل. وبعد أن قال الأستاذ السبحاني بعدم دخول الجاهل القاصر وغير القادر والمتمكن ضمن عنوان الكافر في المصطلح القرآني، قال بشأن الروايات الدالة على كفر الشاك والجاهل القاصر: «إن هذه الروايات ناظرة إلى المتمكن فإن الشك والجحد إذا استمرا يكون آية التسامح في التحقيق والتقصير في طلب الحقيقة»[١١].

المسألة الثانية هي تفسير الإمام الخميني، حيث فرّق بين الكفر الواقعي والحكم بالكفر، (التكفير) بمعنى أنه يذهب إلى القول بأن الروايات المطلقة في مقام البيان الحقيقي لكفر الكفار - الأعم من الشاك والجاهل والجاحد - أما - الروايات التي تمّ فيها تقييد الكفر بالجحود، فإنها ترتبط بمسألة تكفيرهم في مقام الإثبات، والظاهر وإن الكافر الجاهل أو الشاك ما دام لم يبلغ حدّ الإنكار، والجحود، فهو وإن كان كافراً عند الله، إلا أن تكفيره منوط بجحوده، وإليك نصّ عبارته: «ما في بعض الروايات مما يوهم خلاف ذلك لا بد من توجيهه، ولعل المراد أنه لا يحكم بكفره إلا مع الجحود ومن الممكن أن يكون (يكفر) من التفعيل مبنياً على المفعول، بل هو مقتضى الجمع بين صدرها وذيلها، ومقتضى الجمع بينها وبين غيرها مما حكم فيه بكفر الشاك»[١٢].

المسألة الثالثة في تفسير الروايات المطلقة هي أن الشخص الشاك والجاهل من حيث الأحكام الفقهية من قبيل: الطهارة والإرث وحلية الذبيحة هو حكم الكافر، أمّا من حيث العذاب الإلهي، بمعنى الكفر الحقيقي فإن الروايات ليست ناظرة إلى هذه النقطة، وللحصول على حكم ذلك لا بدّ من الرجوع إلى أدلة أخرى.

تقييد موضوع العذاب بالكافر المقصّر والمعاند

إن الإجابة عن هذا الإشكال القائل بأن موضوع العذاب هو مطلق الكافر يتضح من الإجابة السابقة؛ إذ يمكن القول إن هذه الآيات والروايات،مطلقة ويمكن تقييدها وتخصيصها بالكافر المعاند والمقصر على ما ورد في الآيات الأخرى من قبيل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ[١٣].

وبشكل عام فإن الآيات السابقة يتم تقييدها بهذه الآيات؛ ذلك لأن قيد (وكذبوا) إما هو قيد تأكيدي لـ (كفروا)، أو قيد حقيقي وتأسيسي، وعلى كلتا الحالتين يتوقف العذاب في جهنم للكافر بشرط التكذيب والعناد.

عدم عذاب الكافر القاصر: ذهب الكثير من العلماء من أمثال المحقق الطوسي[١٤]، والعلامة المجلسي[١٥]، وصدر المتألهين[١٦]، والفيض الكاشاني[١٧]، والأستاذ السبحاني[١٨]، وآية الله الخوئي[١٩] والعلامة الشعرانى[٢٠]، إلى القول بنجاة وعدم عذاب الكافر الجاهل القاصر.

قال العلامة محمد حسين الطباطبائي من بعد التمسّك بقوله تعالى ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا[٢١]: «فالأمر المغفول عنه ليس في وسع الإنسان... وإذا كان جهله غير مستند إلى تقصيره فيه أو في شيء من مقدماته بل إلى عوامل خارجة عن اختياره أو جبت له الجهل أو الغفلة أو ترك العمل لم يستند الترك إلى اختياره ولم يعد فاعلاً للمعصية متعمداً في المخالفة، مستكبراً عن الحق جاحداً له، فله ما كسب وعليه ما اكتسب وإذا لم يكسب فلا له ولا عليه»[٢٢].

أما الشهيد الأستاذ مرتضى المطهري، فقد تعرّض في مختلف كتبه إلى موضوع الكفر، وفرّق بين الكفر الحقيقي والكفر الظاهري (الفقهي)، مؤكّداً على الفرق بين «الكافر الجاهل القاصر» وبين «الكافر المعاند» قائلاً: «إن الذي يحظى بالقيمة الواقعية هو الإسلام الحقيقي، وذلك بأن يكون الفرد مستسلماً أمام الحقيقة من صميم قلبه، وأن يفتح قلبه للحقيقة. بأن يلتزم بالحق ويعمل به حيثما وجده. فإذا كان الفرد متصفاً بالتسليم، ولم يتمكن من إدراك حقيقة الإسلام لأيّ سبب كان، ولم يكن القصور في ذلك منه، فإن الله لن يعذبه أبداً، وسيكون من الناجين من نار جهنم»[٢٣].

يذهب المفكر الشهيد مرتضى المطهري في تعريف «الكفر» إلى القول بالعناد والتعمّد في إخفاء الحقيقة، ومن هنا فإنه يذهب إلى الاعتقاد بأن أمثال ديكارت من مشاهير العلماء من المسيحيين ليسوا كفاراً، بل هم من «المسلمين بالفطرة» أيضاً: «لا يمكن إطلاق مفهوم الكافر على هذا الصنف من الأشخاص؛ لأنهم غير معاندين، ولا يتظاهرون بالكفر، ولا يسعون إلى طمس الحقائق. إن ماهية الكفر ليست شيئاً غير العناد والميل إلى إخفاء الحقيقة، ويمكن القول إن هؤلاء «مسلمون بالفطرة»، وعلى الرغم من عدم إمكان إطلاق مصطلح المسلم على هؤلاء، ولا يمكن إطلاق مصطلح الكافر عليهم أيضاً؛ لأن التقابل بين المسلم والكافر، ليس من قبيل تقابل الإيجاب والسلب أو العدم والملكة بل هو من قبيل تقابل الضدين»[٢٤].

وفيما يتعلّق بالمسيحيين يعتقد سماحته أن كثيراً منهم مؤمنين ومن أهل التقوى، ولأنّه لا تقصير من قبلهم، فإنهم يعدّون من أهل الجنة: «لو ألقيتم نظرة على هذه المسيحية المحرّفة، وذهبتم إلى القرى والمدن، هل سيمكن لكم اتهام كل قسّ بالسوء والفساد؟ كلا أبداً، بل أستطيع التأكيد بأنّ ٨٠٪ من هؤلاء القساوسة هم من المؤمنين المخلصين، وقد عملوا على هداية الكثير من الناس - باسم السيد المسيح والسيدة مريم العذراء - وأخذوا بأيديهم إلى انتهاج سبيل الصدق والطهر والتقوى، وليس لديهم أيّ قصور، وعليه فإن هؤلاء يدخلون الجنة، وإن قساوستهم يدخلون الجنة أيضاً»[٢٥].

وقال سماحته في موضع آخر: «إن الفطرة الإنسانية ثابتة في كل مكان حتى في الاتحاد السوفيتي [الذي يجاهر بالإلحاد]؛ فإنك إذا تجاوزت العشرة ملايين من أعضاء الحزب الشيوعي الذي يمكن اعتبار ٥٠٪ منهم من المغفلين يبقى هناك مئة وتسعون مليون نسمة من الشعب السوفيتي مولودون على الفطرة، بمعنى أنهم من المسلمين بالفطرة[٢٦].

وقال الأستاذ محمد تقى جعفري: «ينقسم الذين لا يعتنقون أيّ دين إلى قسمين، فمنهم من يُذعن بأحقية الدين وهو على يقين من ذلك، ولكنه مع ذلك يتمرد على أوامره وأحكامه، وعليه يكون لا محالة آثماً، ومنهم من لم يذعن بذلك، وعدم الإذعان هذا لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون مصحوباً بتجاهل مشاعره من دون تحقيق؛ فيكون آثماً، وإما أن يهتم بدراسة الدين ويجدّ في ذلك من دون أن يتوصل إلى الحقيقة، فلن يكون آثماً؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها [٢٧].

وقال بشأن المعتنقين للدين المسيحي: «لا شك في أن عامة المسيحيين يدركون مفهوم الله سبحانه ويمارسون بعض الأعمال التي يريدون بها التقرّب إلى الله، ويحصلون على قناعة روحية بذلك، فلا يصح رميهم بالشرك»[٢٨].

وقال سماحته بشأن توحيدية الأفكار والآراء التي يطرحها المفكرون الغربيون: «لقد اطلعنا على آراء المفكرين في حقل المسائل الفلسفية والدينية - وخاصة في الفترة التي أعقبت عصر النهضة - فوجدنا الأغلبية الساحقة منهم ينتهجون «التوحيد»، وأما التثليث فهم بين منكر له أو ساكت عنه أو قائل بأنه يتجاوز حدود الاستيعاب والإدراك»[٢٩].

أدلة القول بعدم عذاب الكافر الجاهل

ما تقدم كان نقداً لأدلة القائلين بعذاب مطلق الكافر، وفيما يلي نستعرّض باختصار أدلة الرأي المختار (عدم عذاب الكافر الجاهل)، ونحيل تفصيله إلى موضع آخر[٣٠].

  1. القرآن الكريم: إن الآيات القرآنية الكثيرة التي تبيّن شرائط العقاب وكل عذاب أخروي، تؤكد على شرطين بشكل أكثر من الشرائط الأخرى، وهما: «العقاب بعد البيان» و«العقاب على ترك التكاليف المقدورة، وفيما يأتي نستعرّض جانباً من هذه الآيات:
    1. قبح العقاب بلا بيان: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً[٣١]. إذ يُصرّح الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة بأن العذاب منوط بإرسال الرسل والأنبياء وإقامة الحجج ويؤكد على أن كل عقوبة لا تكون إلا بعد استكمال شروط البيان وإن هذه الآية في الحقيقة إنما تشير إلى أصل عقلي مركوز في ذهن جميع الناس والذي تعبّر عنه القاعدة المعروفة بـ: «قبح العقاب بلا بيان»
    2. قبح عقاب العاجز: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا[٣٢]. وتقرير الاستدلال بهذه الآية واضح؛ إذ إنّ العلم والمعرفة بالتكليف الإلهي هو الشرط الأول في تحقق «الوسع»، وحيث أن «الكافر الجاهل القاصر والغافل» لا علم له بالتكليف ومن هنا لا يكون مشمولاً للعذاب. ومن بين العلماء المعاصرين فقد استدل العلامة الطباطبائي بهذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً[٣٣] . لقد استثنت هذه الآية بصريح عبارتها المستضعفين من الناس الذين لم يؤمنوا بدين من عذاب جهنم، ولكن من هو «المستضعف»؟ لحسن الحظ فإن الآية قد بيّنت المراد من المستضعفين وهم عامة الناس الذين يصارعون مختلف أنواع المشاكل ولم يتمكنوا من بلوغ الحقيقة التي تخولهم اختيار الصراط المستقيم. وهناك مزيد من التوضيح بشأن مفهوم «المستضعف» في الروايات التي نشير لها على النحو الآتى:
  2. الروايات الشريفة: فيما يتعلق بموقف الروايات من الكافر وعذابه نلاحظ الأمرين الآتيين:
    1. تفسير الكفر بالجحود: المسألة الأولى، ماهية حقيقة الكفر والكافر . فقد ورد في بعض الروايات المأثورة عن الأئمة الأطهار (ع) فى مقام تفسير الكفر وتحليله، بدلاً من تفسيره بمطلق الكفر والجهل بالمقام الربوبي، قيّدته ب_ «الجحود» «والإنكار عن معرفة وعناد»، وعليه يمكن لهذا الأمر أن يشكل دليلاً على الرأي المتقدم؛ لأن هذا القيد غير متحقق في الكافر الجاهل القاصر، ومع عدم تحققه يكون عذاب مثل هذا الفرد بحاجة إلى دليل أقوى. وفيما يأتي نشير إلى بعض هذه الروايات:
      1. روي عن الإمام الباقر (ع) أنه قال: «كُلُّ شَيْ‏ءٍ يَجُرُّهُ الْإِنْكَارُ وَ الْجُحُودُ فَهُوَ الْكَافِرِ»[٣٤].
      2. سُئل الإمام الكاظم (ع) حول تقدم الكفر والشرك، فقال: «اَلْكُفْرُ أَقْدَمُ وَ هُوَ اَلْجُحُودُ»[٣٥]. ففي هذه الرواية تمّ تفسير الكفر بالجحود أيضاً، ومن هنا لمّا كانت بعض الروايات قد تمّ تفسير الكفر فيها لا بصرف الجهل بالله، وإنما تمّ تفسيره بالتكذيب والعناد وجحود المقام الربوبي، فسيكون حكم عذاب الجاهل القاصر موضع تأمل.
    2. المستضعفون حلقة ثالثة بين الإيمان والكفر: بغض النظر عن الإشكال المتقدّم، لو سلمنا جدلاً بصدق عنوان الكافر على الجاهل القاصر أيضاً، يجب القول رغم ذلك: إنّ ملاك العذاب وموضوعه ليس هو مجرّد الكفر، ذلك لأن بعض الروايات رغم تقسيمها الناس في النظرة الابتدائية إلى قسمين: مؤمن وكافر، إلا أن الأئمة الأطهار (ع) - الذين هم منارات المعرفة - لديهم رؤية دقيقة أخرى في هذا الشأن إن أوصياء رسول الله(ص) يستلهمون العلم من مشكاة،القرآن وعليه فإنهم لم يحصروا أصناف الناس في دائرة «الإيمان والكفر» فقط، بل قالوا بوجود قسم ثالث تحت عنوان «المستضعفين» و«أهل الضلال». فإن هذا الصنف من وجهة نظر الروايات وإن كان لا يرقى إلى مستوى السالكين الحقيقيين في طريق الإيمان، إلا أنهم في الوقت نفسه لا يكونون على قدم المساواة مع الكفار في نار جهنم. بل إن مرتبتهم ما دون المؤمنين، وقد عبر عنها في بعض الروايات بـ «الأعراف». وفيما يأتي نشير إلى بعض هذه الروايات:
      1. روي عن الإمام الصادق (ع) أنه بعد تقسيم الناس إلى مختلف الأقسام قال: «اَلنَّاسُ عَلَى سِتِّ فِرَقٍ يَئُولُونَ كُلُّهُمْ إِلَى ثَلاَثِ فِرَقٍ اَلْإِيمَانِ وَ اَلْكُفْرِ وَ اَلضَّلاَلِ»[٣٦].
      2. وروي عن الإمام الباقر (ع) أنه قال في تفسير مفهوم «المستضعف»: «لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً فَيَدْخُلُوا فِي اَلْكُفْرِ وَ لَمْ يَهْتَدُوا فَيَدْخُلُوا فِي اَلْإِيمَانِ فَلَيْسَ هُمْ مِنَ اَلْكُفْرِ وَ اَلْإِيمَانِ فِي شَيْءٍ»[٣٧].
      3. وفي رواية عن سماعة - وهو من تلاميذ الإمام الصادق (ع)- أنه قال في تفسير المستضعف: «هُمْ لَيْسُوا بِالْمُؤْمِنِينَ وَ لاَ اَلْكُفَّارِ»[٣٨].[٣٩]

شبهة العذاب الأبدي للكافر

إن البحث بشأن خلود الكفار فى العذاب كان مثار جدل على طول تاريخ الأديان السماوية بين مؤيد ومخالف. وهنا يمكن الإشارة إلى مفكرين بارزين في العالم المسيحي، وهما: القديس إيرناؤوس[٤٠] بوصفه مخالفاً، والقديس أوغسطين[٤١] بوصفه مؤيداً.

لقد تعرّض بحث الخلود في العذاب لهجوم عنيف من قبل الفلاسفة الغربيين من أمثال: ديفد هيوم وبرتراند راسل وجان جاك روسو، وهابز، وموريس،ميترلينغ وشلاير ماخر وجون هيك، وفيما يأتي نشير إلى بعض هذه الانتقادات.

  1. ديفد هيوم: «إن الذي نفهمه هو أن العقوبة يجب أن تتناسب مع حجم المعصية. وفي هذه الصورة لماذا يتمّ تخليد الكائن الضعيف - مثل الإنسان - في العذاب الأبدي بسبب اقترافه لمعصية مؤقتة وآنية؟ هل يمكن لشخص أن يُبرر غضب الإسكندر المقدوني وعزمه على إبادة شعب بأكمله لمجرّد أن هذا الشعب قد سرق جواده (بوسفالوس) الأثير على قلبه؟ ... إن تخليد إنسان في العذاب أسوأ بكثير من سقوط ملايين الإمبراطوريات»[٤٢].
  2. شلاير ماخر: لقد قرر جون هيك الانتقاد الذي وجهه شلاير ماخر على نظرية وغسطين في العدل الإلهي، على النحو الآتي: «الانتقاد الثالث لمفهوم الخلود في عذاب جهنم، إذ يقال إن المصير جزء من نوع البشر؛ لأن هذا العذاب الذي لا ينتهي أبداً، لا يمكن أن يفضي إلى غاية بناءة»[٤٣].
  3. وقال جان جاك روسو: «لا تسألوني عما إذا كان الأشرار يخلدون في العذاب أم لا؛ إذ لا علم لي بهذا الشأن، ولست معنياً كثيراً بالبحث في أمر لا ينطوي على فائدة؛ ولا شأن لي بمعرفة مصير الأشرار، ولا رغبة لدي بمعرفة ذلك، ولكنى على كل حال أجد صعوبة في تقبل الحكم عليهم بالعذاب الأبدي»[٤٤]. أما برتراند راسل فقد تعرض إلى نقد نظرية الخلود في العذاب عادّاً إياها نظرية غير مقبولة، ورأى أن الاعتقاد بها لا ينسجم مع الأخلاق، البشرية وقال في نقد السيد المسيح والكتاب المقدس: «يجول في خاطري نقص كبير في الشخصية الأخلاقية للسيد المسيح، وهذا النقص يكمن في اعتقاده بجهنم. فأنا على المستوى الشخصى لا أحمل مثل هذا الشعور ولا أستوعب أن يخلد في العذاب أناس يتحلون بالصفات الأخلاقية»[٤٥].
  4. جون هيك: «لو فسّر الجحيم بوصفه عذاباً خالداً، فإن الداعي والمحرّك الكامن وراء هذا التصور، سوف يتعارض بشكل مباشر مع الدافع إلى البحث عن العدل الإلهي. بيد أن هذا لا يثبت وجود أساس لنظرية العقاب والعذاب الأبدي في العهد الجديد[٤٦].

وقد تمّ التأكيد في التعاليم الإسلامية على مفهوم خلود الكفار في العذاب، ذلك من خلال صريح الآيات والروايات. فقد ورد التصريح في القرآن حول أبدية العذاب بعبارات من قبيل: (خالدين فيها)، و(يخلد فيه)، و(دار الخلد) و(عذاب الخلد)، و(لا يخفف عنهم العذاب)، و(ما هم بخارجين من النار) وعشرات العبارات الأخرى في هذا الصدد. وسوف نكتفي بذكر نزر يسير من هذه الآيات الكثيرة، ونحيل الآيات الأخرى إلى القارئ الكريم:

  1. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ[٤٧].
  2. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ[٤٨].
  3. ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ[٤٩].

إلى ذلك من الآيات التي تحدث فيها الله سبحانه وتعالى عن الخلود في العذاب، وعدم الخروج من نار جهنم، وعدم تخفيف العذاب.

إنّ شبهة العذاب الخالد في العالم الإسلامي، تمّ طرحها من قبل العرفاء أكثر من غيرهم[٥٠]. ذلك إذ يقال إن تخليد الكافر في العذاب لا ينسجم مع العدل الإلهي ولا يمكن تبريره عقلاً؛ إذ يجب أن يكون هناك تناسب بين الجريمة والعقاب حتى يتناسب ذلك العدالة. وإن جريمة الكافر مهما كانت عظيمة مع إلا أنها تبقى محدودة ومؤقتة، في حين أن العقوبة المرصودة له أبدية وغير محدّدة.

مناقشة وتحليل

فيما يتعلق بهذه الشبهة سنكتفى ببيان مسألتين:

تأثير خلود الكفر على النفس

يذهب القائلون باعتبارية عذاب الآخرة إلى الاعتقاد بأن التناسب بين العمل والجرم يقوم على أساس نوع المعصية، وحجمها، وليس على أساس المدّة الزمنية، فمثلاً: إن العقوبة على القتل والسرقة والزنا - مما يقترفه المجرم في لحظات قليلة - وإن كانت مؤقتة، إلا أن القصاص أو السجن يكون طويلاً أو مؤبداً، وحتى القوانين الغربية قد أقرّت عقوبة السجن مدى الحياة في جملة قوانينها الجزائية.

وعلى هذا الأساس لمّا كانت جريمة مثل الكفر - خاصة إذا كان عن علم وعمد وعناد وتمرّد على الله سبحانه وتعالى - تعتبر من الجرائم الكبيرة بحيث تمتزج بطبيعة الإنسان الكافر والمعاند فإنها ستجعل منه كائناً خبيثاً بامتياز، وعليه فإن مقرّ مثل هذا الإنسان الخبيث لن يكون سوى الخلود في عذاب الجحيم.

ثم استطرد سماحته قائلاً: لأنّ المعصية تلوّث النفس الإنسانية المجرّدة، وأنّ للنفس وجوداً أبدياً، فإن عذابها سيكون خالداً أيضاً[٥١]

ويمكن بيان الخلود في العذاب الأخروي من خلال الرؤية التكوينية للعذاب بشكل أفضل، وذلك على النحو الآتي: إنّ ارتكاب أىّ ذنب يترك أثراً تكوينياً وظلمة ونكتة سوداء في نفس الإنسان، إلا أن هذه الحالة مؤقتة وعابرة، فإذا قام الفرد بعد ذلك بفعل حسن أمكن لهذا الفعل الحسن أن يزيل أثر تلك الظلمة وفعل المعصية، أمّا إذا تكررت الذنوب وتراكمت فوق بعضها، فإن الأثر التكويني والنفسي للذنب سوف يخرج عن الحالة المؤقتة والعابرة؛ ليغدو حالة ثابتة وراسخة يُعبّر عنها اصطلاحاً بـ «الملكة».

فلو ترسّخت «ملكة الكفر» في نفس الإنسان وتجذّرت، واستمرّ الإنسان في كفره، ولم يسلك طريق التوبة، فإن الظلمة ستحيط بفطرته التوحيدية، وسيؤدي ذلك إلى حدوث حالة جديدة تتمثل بالصورة «الحيوانية».

ولمّا كانت نفس الإنسان مجرّدة، والكفر قد عجن فيها بوصفه ملكة وليس مجرّد حالة عرضية سيتحدان في صورة جديدة حيوانية، تؤلف النفس مادتها، والكفر صورتها، فإنّ النفس بوصفها «مادة سوف تقترن بملكة الكفر بوصفها «صورة» إلى الأبد، وتتحد بالأثر التكويني المترتب على ذلك، وهو الخلود في العذاب الأبدي[٥٢].

تفسير وتأويل العذاب الأبدي

عمد بعض العرفاء والمعاصرين إلى القول باعتبار الخلود في العذاب منافياً لبعض الأسس والقواعد من قبيل الفطرة التوحيدية، والعقل، وسعة رحمة الله، من هنا فقد بادروا إلى تبرير ذلك، ونرى على رأس هؤلاء بعض العرفاء.

وقد عمد المخالفون للخلود في العذاب إلى تقرير إنقطاع العذاب من خلال الحالات الآتية:

  1. الخروج من جهنم.
  2. فناء جهنم وأهلها.
  3. منح المعذبين قوة وصبراً يساعدهم على نسيان العذاب.
  4. مزج العذاب بالسعادة.
  5. تبديل العذاب إلى عذوبة وهناء.
  6. الخلود النوعي.

وإن بيان هذه التقريرات يحتاج إلى دراسة مستقلة، وقد قمنا بمعالجتها في موضع آخر[٥٣]. وعليه لو التزم شخص بهذا المبنى وهذه الرؤية، لن تبقى هناك من شبهة أخرى.[٥٤]

شبهة عقوبة أولاد الكفار

ورد في بعض الروايات أن النبي الأكرم(ص) والأئمة الأطهار (ع) عندما كانوا يُسألون عن مصير أولاد الكفار والمشركين في يوم القيامة، كانوا يجيبون بالقول: «وَأَوْلاَدُ اَلْمُشْرِكِينَ يُلْحَقُونَ بِآبَائِهِمْ»[٥٥].

واستناداً إلى هذه الروايات ذهبت بعض المذاهب والطوائف السنية إلى القول بتعذيب أولاد الكفار في يوم القيامة[٥٦].

وهنا تأتي هذه الشبهة القائلة: تعذيب الأطفال الأبرياء في جهنم يتنافى مع العدالة الإلهية.

مناقشة وتحليل

مخالفة إطلاق آيات وروايات العدالة النافية للظلم

إذا أردنا أن ننسب معلومة إلى الدين، وجب علينا أن نعرضها على مصدرين هامين من المصادر الدينية، وهما: جميع النصوص الدينية فضلاً عن العقل. وعندما نستعرض آيات القرآن الكريم نجدها صريحة وواضحة في بيان أن سبب معاقبة كل فرد وعلّته تعود إلى أعماله وما كسبت يداه دون غيره من قبيل الآيات الآتية:

  1. ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى[٥٧]
  2. ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ[٥٨]
  3. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا[٥٩]
  4. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ[٦٠]

فدلالة الآية الأولى صريحة في أن الله لا يعاقب شخصاً بجريرة غيره. والآية الثانية بقرينة أداة الحصر تقصر ملاك العقوبة على من يقترف المعاصي. والآيتان الأخيرتان تنفيان ظلم الله الناس بشكل واضح ومطلق[٦١].

واضح أن القول بعقوبة أطفال الكفار لمجرد كونهم مولودين من قبلهم يتعارض مع صريح الآيات التي تقدم ذكرها.

وبالإضافة إلى ما تقدم من الآيات هناك كثير من الروايات التي ورد التصريح فيها بعدم عذاب أطفال الكفار من قبيل الروايات الآتية:

  1. «ونهى رسول الله(ص) عن قتل الذرية في بعض الغزوات، فقال: (لا تقتلوا الذرّية). فقال بعضهم أوليسوا أولاد المشركين؟! فقال: أوَليس خياركم أولاد المشركين؟ كل نسمة تولد على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها إما شاكراً وإما كفوراً»[٦٢].
  2. وروي عن أنس بن مالك عن النبي(ص) وقد سُئل عن أطفال المشركين فقال: «هم خدم أهل الجنة»[٦٣]

إن القول بتعذيب أطفال الكفار لا ينسجم مع صريح الآيات والروايات الدالة على وجود الفطرة التوحيدية في جبلة جميع الناس، من قبيل قوله تعالى:

  1. ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ[٦٤]
  2. ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ[٦٥]

وقد ورد التصريح في بعض الروايات بأن الفطرة التوحيدية والعهد الإلهى موجود لدى أولاد الكفار أيضاً، بيد أنه وبمرور الوقت يخضعون لوساوس الشياطين أو سوء تربية آبائهم لهم، فينتهجون طريق الكفر، من قبيل قول النبي الأكرم(ص).

  1. «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى اَلْفِطْرَةِ حَتَّى يَكُونَ أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَ يُنَصِّرَانِهِ وَ يُمَجِّسَانِهِ»[٦٦].
  2. «لَمَّا بَدَّلَ أَكْثَرُ خَلْقِهِ عَهْدَ اَللَّهِ إِلَيْهِمْ فَجَهِلُوا حَقَّهُ وَ اِتَّخَذُوا اَلْأَنْدَادَ مَعَهُ وَ اِجْتَالَتْهُمُ اَلشَّيَاطِينُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ»[٦٧].

مخالفة العقل

بمجرد تصور عذاب يطال الأطفال البالغين يوماً واحداً إلى البالغين سن التكليف، يصدر العقل وجميع العقلاء حكمهم بقبحه، ولأنّ العدلية (المعتزلة والإمامية) يذهبون إلى الاعتقاد بقاعدة الحُسن والقبح العقلي، وأن الله لا يقوم بما ينقض هذه القاعدة، فلا يمكن لدعوى تعذيب أطفال الكفار أن تكون صحيحة بحال من الأحوال.

إجماع العدلية على عدم العذاب

جاء في نص الشبهة دعوى أن عذاب أطفال الكفار من التعاليم الدينية المتفق عليها من قبل جميع العلماء أو أكثرهم ولكننا إذا ألقينا نظرة عابرة على مؤلفات هؤلاء العلماء سندرك كذب هذه الدعوى. فإن العدلية - الأعم من المعتزلة والإمامية - إذ يعتقدون بأصل الحُسن والقبح العقليين، يجمعون على تنزيه الله سبحانه وتعالى من هذه النسبة لقبحها[٦٨]. أما الأشاعرة الذين يذهبون إلى إنكار أصل الحسن والقبح العقلي، فقد قالوا بإمكان صدور جميع الأعمال (الحسنة والقبيحة) عن الله ومن بينها عقاب الأطفال[٦٩]، إلا أن أكثرهم يذهب إلى الاعتقاد بأن المشيئة الإلهية لم تتعلق بعقاب الأطفال، وعلى سبيل المثال فإن ابن حزم - من أشهر علماء السنة - قام بإثبات عدم عذاب أطفال الكفار بالأدلة النقلية والعقلية[٧٠].

نعم هناك قلة قليلة من أهل السنة، مثل: الحشوية والأزارقة والحمزية والخوارج والخلفية والعجاردة، قالوا بعذاب أولاد الكفار[٧١]، ولكنهم أولاً: غير مطروحين على الساحة العلمية حالياً، وثانياً: نحن في هذا المقال بصدد الدفاع عن العدل الإلهي دون العقائد الباطلة لبعض الفرق التي تدعي الانتماء إلى الإسلام، وهناك شك في أصل صحة هذا الانتماء.

مصير أطفال الكفار:

لمّا كان العقاب في يوم القيامة يقوم على أساس أعمال الناس الأعم من الصالحين والطالحين - ولمّا كان الصغار لا عمل صالح أو طالح لهم، فهنا ينتفي موضوع عقابهم طبقاً للمتبنيات السابق ذكرها، ولكن يبقى السؤال عن مصيرهم قائماً، وفي الجواب عن ذلك هناك اتفاق من قبل العلماء بشأن دخول أطفال المؤمنين إلى الجنة إلا أن الخلاف بينهم بشأن مصير أولاد الكفار، وفيما يأتي نستعرض آراءهم بهذا الصدد:

  1. العذاب الابتدائي: بأن يقوم الله بمعاقبة أولاد المشركين والكفار وتعذيبهم بمجرد ولادتهم من أبوين كافرين، وقد تقدم بطلان هذا الرأي.
  2. دائرة التكليف والابتلاء يدلّ ظاهر بعض الروايات على أن الله سبحانه وتعالى يختار في يوم القيامة نبيا من بين أطفال الكفار، فيقوم هذا النبي بإيقاد نار لهم ثم يقول: «أنا نبيكم فمن آمن بي فليدخل النار»، فكل من دخلها صارت عليه برداً وسلاماً ودخل الجنة، وكل من امتنع، عُدَّ كافراً متمرداً على أوامر النبي واستحق العذاب وهذا هو القول الذي اختاره المحدثون[٧٢] والعرفاء[٧٣].
  3. الإقامة في الأعراف: ورد في بعض الروايات أن هناك بين الجنة والنار عالم اسمه الأعراف، لا يشتمل على عذاب وجحيم، ولا على نعيم وجنة. وقد تحدثت بعض الروايات عن أن أطفال الكفار سوف يقيمون في عالم الأعراف[٧٤].
  4. الدرجات السفلى من الجنة: لمّا كان أولاد الكفار قد ولدوا على الفطرة، التوحيدية ولم يتمكن آباؤهم من إطفاء هذا النور الإلهي بموتهم، فإنهم سيدخلون الجنة، ولكن لمّا كانوا يفتقرون إلى العمل الصالح، فإنهم سيمكثون في الدرجات الدنيا من الجنة[٧٥].
  5. خدم أهل الجنة: تمّ التصريح في بعض الروايات بأن أولاد الكفار سوف يدخلون إلى الجنة بوصفهم خدماً لأهل الجنة. والجدير بالذكر هنا هو أن هذه المنزلة لا تعتبر دون شأنهم؛ وذلك لأن مكانة أهل الجنة من السمو والرفعة بحيث تعد خدمتهم شرفاً للخادم وسبباً لمباهاته بذلك، كما يفتخر خدام الساسة والعلماء في هذه الدنيا على خدمتهم لهذه الشخصيات السياسية والعلمية[٧٦]. والشاهد على هذه الدعوى يتمثل في خدمة الملائكة المقربين لأهل الجنة ومباهاتهم بذلك وعليه يمكن القول: إنّ الله سبحانه وتعالى من خلال إعطاء أولاد الكفار هذه المهمة فى الجنة، يكون قد ساوى بينهم وبين الملائكة.
  6. التوقف وتفويض أمرهم إلى الله: ورد فى بعض الروايات تحديد مصير أولاد الكفار في يوم القيامة إلى ما يقرّره الله بشأنهم: فقد روي أنه سُئل رسول الله(ص) عن أطفال المشركين؛ فقال: «اَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ»[٧٧].

من هنا عمد بعض العلماء بإزاء هذا الاختلاف في الأقوال والآراء إلى عدم اختيار أحدها، وتركوا تحديد مصير أولاد الكفار في يوم القيامة إلى رحمة الله[٧٨]، وهناك منهم من صرّح بالتوقف[٧٩].

حصيلة الكلام أن عذاب أولاد الكفار حيث يتعارض مع الأسس العقلية والنقلية فإنه لا يمكن الالتزام به إلا أن تحديد ما سيؤول إليه مصيرهم بدقة يحتاج في حدّ ذاته إلى بحث مستقل ولكن يمكن القول بأن القدر المتيقن من ذلك هو شمول النعم الإلهية لهم.

وعلى القول بتكوينية العذاب والنعيم الأخروي، يمكن القول: حيث لا وجود للذنوب والأعمال الطالحة بالنسبة إلى الأطفال، فإن أنفسهم لم تتلوّث بأنواع الآثام، والمعاصي وعليه لن يكون هناك ما يبرّر تعريضهم للعذاب، إلا أن كيفية حصولهم على النعم تعود إلى وجود النفس وقوّتها وكمالها ويمكن لهذه الأرضية التكوينية أن تؤتي أكلها إلى حدِّ ما من خلال شفاعة الشافعين.[٨٠]

المراجع والمصادر

  1. محمد حسن قدردان قراملكي، العدل أجوبة الشبهات الكلامية

الهوامش

  1. سورة الزلزلة، الآية ٧-٨.
  2. سورة التوبة، الآية ١٢٠.
  3. مرتضى المطهري، (مجموعه آثار الأعمال الكاملة)، ج ١، ص ٣٠٧.
  4. مرتضى المطهري، (مجموعه آثار الأعمال الكاملة)، ج ١، ص ٣٠٩.
  5. مرتضى المطهري، مجموعه آثار (الأعمال الكاملة)، ١، ص ٣٤٣
  6. محمد حسن قدردان قراملكي، العدل أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٢٨١.
  7. مرتضى المطهري، (مجموعه آثار الأعمال الكاملة)، ج ١، ص ٣٤١.
  8. انظر: مرتضى المطهري، (مجموعه آثار الأعمال الكاملة)، ج ١، ص ٢٩٤.
  9. محمد حسن قدردان قراملكي، العدل أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٢٨٧.
  10. انظر: الخواجة نصير الدين الطوسي، نقد المحصل، ص ٤٠١ القاضي عضد الدين الإيجي شرح المواقف، ج ٨، ص ٣٠٧؛ سعد الدين التفتازاني شرح المقاصد، ج ٥، ص١٣١ سديد الدين محمود الحمصي الرازي، المنقذ من التقليد ج ٢، ص ١٦١.
  11. جعفر سبحاني، كتاب الإيمان والكفر، ص ٩٨.
  12. السيد روح الله الموسوي الخميني كتاب الطهارة، ج ٣، ص ٣١٤
  13. سورة البقرة، الآية ٣٩. وانظر أيضاً التغابن: ١٠؛ المائدة: ٨٦؛ الحديد: ١٩
  14. انظر: الخواجة نصير الدين الطوسي، نقد المحصل، ص ٤٠١.
  15. انظر: يوسف البحراني، مقدّمة الحدائق الناضرة، ص ٨٦
  16. انظر: صدر المتألهين تفسير القرآن الكريم، تصحيح محمد خواجوي، ج ٣، ص ٧٤.
  17. انظر: الفيض الكاشاني، الوافي في شرح أصول الكافي، ج ٤، ص ٩٩.
  18. انظر: جعفر سبحاني، كتاب الإيمان والكفر، ص ٩٩.
  19. انظر: السيد أبو القاسم الخوئي، (التنقيح كتاب الطهارة)، ج ٢، ص ٥٨.
  20. انظر أبو الحسن الشعراني شرح كشف المراد، ص ٥٨١.
  21. سورة البقرة، الآية ٢٨٦.
  22. السيد محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج ٥، ص ٥٢؛ وج ٣، ص ١٢٠.
  23. مرتضى المطهري، (مجموعه آثار الأعمال الكاملة)، ج ١، ص ٢٩٣
  24. مرتضى المطهري، (مجموعه آثار الأعمال الكاملة)، ج ١، ص ٢٩٤
  25. مرتضى المطهري، (مجموعه آثار الأعمال الكاملة)، ج ٣، ص ٤٣٩.
  26. مرتضى المطهري، (مجموعه آثار الأعمال الكاملة)، ج ٣، ص ٤٢٧.
  27. محمد تقي جعفري برگزيده افكار راسل، ص ٩٢.
  28. محمد تقي جعفري، شرح نهج البلاغة، ج ٢، ص ٥٢
  29. محمد تقي جعفري، شرح نهج البلاغة، ج ٢، ص ٥٢
  30. انظر: محمد حسن قدردان قراملكي كلام فلسفي فصل الكافر المسلم والمسلم الكافر؛ فصلنامه كتاب نقد، العدد ٣ مقال الكافر المسلم والمسلم الكافر
  31. سورة الإسراء، الآية ١٥.
  32. سورة البقرة، الآية ٢٨٦.
  33. سورة النساء، الآية ٩٧-٩٨.
  34. المحدث الكليني أصول الكافي، ترجمة وشرح السيد هاشم رسولي كتاب الإيمان والكفر، ج ٤، ح ١٥، ص ١٠٠
  35. المحدث الكليني أصول الكافي، ترجمة وشرح السيد هاشم رسولي كتاب الإيمان والكفر، ج ٢، ص ٣٨٥؛ محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٦٩، ص ٩٧.
  36. المحدث الكليني أصول الكافي، ج ٢، ص ٣٨١.
  37. محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٦٩، ص ١٦٢.
  38. محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٦٩، ص ١٦٣.
  39. محمد حسن قدردان قراملكي، العدل أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٢٨٩.
  40. انظر: جون هيك، فلسفة الدين، ترجمه إلى الفارسية: بهرام راد ص ١٠٥.
  41. انظر: جون هيك، فلسفة الدين، ترجمه إلى الفارسية: بهرام راد ص ٩٥.
  42. ديفد هيوم (شكاكيت در مورد جاودانگي روح شكوك حول خلود الروح)، ص ٥٥
  43. جون هيك، فلسفة الدين، ترجمه إلى الفارسية بهرام راد ص ٩٧
  44. جان جاك روسو كتاب،اميل ترجمه إلى الفارسية: غلام حسين زيرك زاده ص ٨٩٣.
  45. برتراند راسل چرا مسيحي نيستم (لماذا لست مسيحياً؟)، ترجمه إلى الفارسية: س. أ . طاهري، ص ١٣
  46. جون هيك فلسفة،الدين، ترجمه إلى الفارسية بهرام راد ص ٩٥٢
  47. سورة البقرة، الآية ٣٩.
  48. سورة البقرة، الآية ١٦١-١٦٢.
  49. سورة المائدة، الآية ٣٧.
  50. انظر: محيى الدين ابن عربي، الفتوحات المكية، ج ٢، ص ١٧٨، وج ٤، ص ٢٠٢؛ صدر المتألهين الحكمة المتعالية في الأسفار الأربعة، ج ٩، ص ٣٤٨.
  51. انظر: عبد الله جوادي آملي تفسير موضوعي، ج ٥، ص ٤٩٦ - ٤٩٨.
  52. لمزيد من التوضيح انظر عبدالله جوادي آملي تفسير تسنيم، ج٨، ص٣٩٧؛ مرتضى مطهري، مجموعه آثار الأعمال الكاملة، ج ١، ص ٢٣٠.
  53. انظر: محمد حسن قدردان قراملكي، لماذا جهنم؟ فصل: الجحيم الأبدي.
  54. محمد حسن قدردان قراملكي، العدل أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٢٩٨.
  55. انظر: الشيخ الصدوق، توحيد الصدوق، ص ٣٩١؛ الشيخ الكليني، أصول الكافي، ج٣، ص ٢٤٨؛ من لا يحضره الفقيه، ج ٣، ص ٤٩ محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٥، ص ٢٩٢ فما بعد.
  56. انظر: السيد الشريف الجرجاني، التعريفات ص ١٠٥؛ القاضي عضد الدين الإيجي، شرح المواقف، ج٨، ص ٣٩٣ - ٣٩٥؛ محمدباقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٥، ص ٢٩٥ فما بعد.
  57. سورة الأنعام، الآية ١٦٤.
  58. سورة النمل، الآية ٩٠.
  59. سورة يونس، الآية ٤٤.
  60. سورة النساء، الآية ٤٠.
  61. انظر: سديد الدين الحمصي الرازي المنقذ من التقليد، ج ١، ص ٢٠٠.
  62. مسلم، صحيح مسلم، ج ٤ ص ٢٠٤٨؛ أحمد بن حنبل، مسند أحمد .، ج ٣، ص ٤٣٥
  63. محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٨، ص ١٠٨.
  64. سورة الأعراف، الآية ١٧٢.
  65. سورة الروم، الآية ٣٠.
  66. محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٣، ص ٢٨١.
  67. محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ١١، ص ٦٠.
  68. انظر: السيد المرتضى الشافي (رسائل الشريف المرتضى)، ج ٢، ص ١٩٢ و٩٠٦؛ الخواجة نصير الدين الطوسي، تلخيص المحصل، ص ٤٦٨ سديد الدين محمود الحمصي الرازي، المنقذ من التقليد، ج ١، ص ١٩٩؛ إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين، ص ٤١١؛ محمد باقر المجلسي، حق اليقين، ص ٤١٩ و٥١٠؛ محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥، ص ٢٩٦؛ محمد باقر المجلسي، مرآة العقول، ج ١١، ص ٢٠٧؛ القاضي عبدالجبار المعتزلي، شرح الأصول الخمسة، الخمسة، ص ٧٨ و٣٢١
  69. لمزيد من التوضيح انظر: جعفر سبحاني كاوشهايي در حسن وقبح عقلي (بحوث في الحسن والقبح العقلي).
  70. انظر: ابن حزم الأندلسي، الفصل، ج ٢، ص ١٥٢ و٣٨٠؛ الزمخشري، تفسير الكشاف، ج ٤، ص ٧٠٨
  71. انظر: السيد الشريف الجرجاني، التعريفات، ص ٤٥ و٦٣ و١٠٥؛ أبو الحسن الأشعري، مقالات الإسلاميين، ص ٨٩؛ محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ص ٢٩٧.
  72. انظر: محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٥، ص ٢٩٦؛ محمد باقر المجلسي، مرآة العقول، ج ١١، ص ٢٠٧؛ السيد المرتضى الشافي، ص .٩٠٦ جدير ذكره أنه قال بمجرد عودة أولاد الكفار مؤقتاً، وإنهم بعد عودتهم يعدمون (انظر: السيد المرتضى، رسائل الشريف المرتضى، ج ٤، ص ٣٤).
  73. انظر ابن عربي فصوص الحكم نهاية الفص العُزيري، ص ١٣٧؛ شرح فصوص القيصري، ص ١١٣٤؛ الخوارزمي، شرح الفصوص، ج ٢، ص ٤٨٨؛ حسن حسن زاده آملي، محمد الهمم، ص .٣٤٥
  74. نسب العلامة المجلسي هذا القول إلى بعض المتكلمين من الإمامية (انظر: محمد باقر المجلسي، مرآة العقول)، ج ١١، ص ٢٠٧.
  75. نسب العلامة المجلسي هذا القول إلى بعض المتكلمين من الإمامية (انظر: محمد باقر المجلسي، مرآة العقول)، ج ١١، ص ٢٠٧.
  76. انظر الشريف اللاهيجي، التفسير، ج ٤، ص ٢٧٩.
  77. محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٢٩٦.
  78. محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٢٩٦.
  79. انظر: القاضي عضد الدين الإيجي، شرح المواقف، ج ٨، ص ٣٩٤؛ سيف الدين الآمدي، أبكار الأفكار، ج ٥، ص ٧٨
  80. محمد حسن قدردان قراملكي، العدل أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٣٠٤.