الإمام علي الرضا في التاريخ الإسلامي

من إمامةبيديا

تمهيد

وُلد الإمام علي بن موسى الرضا (ع) في اليوم الحادي عشر من ذي القعدة عام ١٤٨ من الهجرة.[١] وكانت أُمّه امرأة فاضلة اسمها: «تُكْتَم»، وقد سمّاها الإمام الكاظم بعد ولادة الرضا باسم «الطاهرة».[٢]

كنيته أبو الحسن، ولقبه «الرضا». وتولّى إمامة الأُمّة وقيادتها بعد استشهاد أبيه في سجن بغداد سنة ١٨٣ هجرية وهو في ٣٥ من عمره..[٣]

معاصروه من الخلفاء

كانت فترة إمامة الإمام عشرين عاماً، عشرة أعوام منها كانت في عهد هارون، وخمسة في عهد محمد الأمين، والخمسة الأخيرة منها في عهد عبد الله المأمون.

وكان الإمام مقيماً في المدينة المقدسة حتى بداية عهد المأمون، وبعد أن تقلّد الخلافة استدعى الإمام إلى خراسان، وفي النهاية استشهد الإمام في شهر صفر من عام ٢٠٣ من الهجرة وهو في ٥٥ من العمر، ودفن هناك.[٤].[٥]

الإمام في عهد هارون

منذ سنة ١٨٣ وهي السنة التي استشهد فيها الإمام الكاظم مسموماً في سجن بغداد بأمر من هارون، انطوت فترة عشرة أعوام من إمامة الإمام الثامن في عهده.

وتعدّ هذه الفترة في ذلك العصر المفعم بالاضطهاد والاستبداد على يد هارون فترة الحرية النسبية والنشاط الثقافي والعلمي للإمام، لأنّ هارون لم يتعرّض له فيها بشيء، وكان الإمام يقوم بنشاطاته بحرية، ولذلك كان كلّ ما حققه الإمام من تربية الطلاب ونشر العلوم والمعارف الإسلامية المستقاة من تعاليم القرآن إنّما كان في هذه الفترة.

ولربما كان السبب في قلة الضغط من قبل هارون هو قلقه من عواقب قتله للإمام موسى بن جعفر (ع)،لأنّه وعلى الرغم من محاولاته الكثيرة لإخفاء هذه الجريمة غير انّها انكشفت في النهاية، وتسببت في استنكار الناس وشجبهم لها وحاول أن يبرّئ نفسه منها.

وممّا يؤيد ذلك هو انّ هارون كتب إلى عمّه سليمان بن أبي جعفر الذي أخذ الجثمان الشريف من يد جلاوزته ودفنه كما هو شأنه: « وَ اَللَّهِ مَا فَعَلَ اَلسِّنْدِيُّ بْنُ شَاهَكَ لَعَنَهُ اَللَّهُ مَا فَعَلَهُ عَنْ أَمْرِنَا»[٦].

وممّا يؤيده أيضاً هو ما اعترف به هارون نفسه في جواب يحيى بن خالد البرمكي حول علي بن موسى (ع).

فقد قال يحيى وهو الذي كان قد سعى بالإمام الكاظم لدى هارون سابقاً لهارون: هذا علي ابنه الرضا يدّعي هذا الأمر (الإمامة) ويقال فيه ما يقال في أبيه وكأنّ رأي يحيى هو انّه من الأفضل أن يوضع علي بن موسى (ع) تحت المراقبة فقال هارون الذي لم ينس بعد قتل موسى بن جعفر ويخاف عواقبه : وما ترى ما يكفينا ما صنعنا بأبيه؟ تريد أن أقتلهم العلويين كلّهم؟[٧]

فأسكت غضب هارون خاصته من رجال البلاط وأخرسهم ولم يجرأ بعدها أحد في أن يسعى بالإمام إليه.

وراح الإمام الرضا وباستغلال هذه الفرصة يعلن جهاراً عن إمامته، ولم يتوخّ التقية في ذلك على عكس آبائه الأطهار، ممّا دعا بعض أصحابه المخلصين إلى تحذيره، وكان الإمام يطمئنهم بأنّه لن يصيبه من هارون ما يضره.

ويقول صفوان بن يحيى: لما مضى أبو إبراهيم موسى بن جعفر، وتكلّم الرضا وأظهر إمامته، خفنا عليه من ذلك، فقلت له: إنّك أظهرت أمراً عظيماً وإنّا نخاف عليك من هذا الطاغي. فقال: «لِيَجْهَدْ جَهْدَهُ فَلاَ سَبِيلَ لَهُ عَلَيَّ».[٨]

وقد روي عن محمد بن سنان أيضاً[٩] أنّه قال للإمام: إنّك قد شهرت نفسك بهذا الأمر الإمامة وجلست مجلس أبيك وسيف هارون يقطر الدم. فقال(ع): «جَرَّأَنِي عَلَى هَذَا مَا قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ إِنْ أَخَذَ أَبُو جَهْلٍ مِنْ رَأْسِي شَعْرَةً فَاشْهَدُوا أَنِّي لَسْتُ بِنَبِيٍّ وَ أَنَا أَقُولُ لَكُمْ إِنْ أَخَذَ هَارُونُ مِنْ رَأْسِي شَعْرَةً فَاشْهَدُوا أَنِّي لَسْتُ بِإِمَامٍ».[١٠].[١١]

الأمين والمأمون الاختلافات والتناقضات

منح هارون في خلافته ولاية العهد لابنه محمد الأمين وهو من زبيدة وأخذ له البيعة من الناس وجعل عبد الله المأمون وهو من أُم فارسية ولي العهد الثاني بعد أخيه. وفي عام ١٩٣ أخبر هارون بحدوث انتفاضة في مدن خراسان وانّ قادة الجيش ومع كلّ ما أبدوه من قساوة ووحشية عجزوا عن إخماد نارها وبعد استشارة وزرائه ومستشاريه رأى من الأفضل أن ينطلق بنفسه إلى تلك الديار ويستخدم قدرة الخلافة في ضربة واحدة لقمع الثورات وتمرد الخراسانيّين، فترك ابنه محمد الأمين في بغداد وأخذ معه المأمون الذي كان والياً على خراسان إليها، واستطاع هارون أن يعيد الاستقرار إلى خراسان المضطربة وأن يخمد نار الفتنة كما يقولون غير انّه لم يقدر بعدها على العودة إلى مركز الخلافة بغداد، ومات في الثالث من جمادى الآخرة من سنة ١٩٣ هجرية في طوس وترك الأخوين في حلبة الصراع والمنافسة.[١٢].[١٣]

هزيمة الأمين

وفي بغداد بايع الناس الأمين في الليلة التي توفي فيها هارون بطوس ولم يمض على خلافته أكثر من ١٨ يوماً حتى راح يحاول أن ينتزع ولاية العهد من أخيه المأمون ويمنحها ابنه موسى. وقد استشار في ذلك وزراءه فلم ينصحوه بذلك إلاّ واحد يُدعى علي بن عيسى بن ماهان الذي أصر على خلع المأمون، وفي النهاية كشف الأمين عن قراره بخلع المأمون. وكرد فعل على ذلك خلع المأمون الأمين من الخلافة أيضاً، وبعد صراعات عديدة قتل الأمين عام ١٩٨ في النهاية.[١٤]

وهكذا استلم المأمون بعد قتل الأمين مقاليد الحكم في العالم الإسلامي..[١٥]

حرية الإمام النسبية في عهد الأمين

ولم يلحظ في التاريخ ابّان حكم الأمين وفي السنوات التي تخلّلت بين موت هارون وخلافة المأمون أيّة مواجهة بين الإمام ورجال الحكم العباسي، ومن الواضح انّ الفرصة لم تسنح لجهاز الحكم العباسي أن يضطهد العلويين عامة والإمام الرضا بشكل خاص في تلك السنوات القصيرة التي انشغلوا فيها بالصراعات الداخلية والنزاعات التي جرت بين الأمين والمأمون وخلع الأخير من ولاية العهد ومنحها موسى ابن الأمين. ونستطيع أن نعتبر هذه السنوات (١٩٣ ١٩٨ه) هي فترة الحرية النسبية للإمام والفرصة المناسبة لنشاطاته الثقافية.[١٦].[١٧]

من هو المأمون؟

كانت أُمّ المأمون جارية خراسانية تدعى مراجل، وقد ماتت بعد أيّام من ولادته، فنشأ وترعرع المأمون كطفل يتيم، وقد كانت أُمّه كما يقول المؤرّخون أشوه وأقذر جارية في مطبخ الرشيد، وذلك هو الذي يجعلنا نصدق القصة التي تقال عن السبب في حملها به.[١٨]

كانت ولادته في سنة ١٧٠ه في نفس الليلة التي تولّى فيها أبوه الخلافة، وكانت وفاته سنة ٢١٨ه، ودفعه أبوه إلى جعفر بن يحيى البرمكي، فنشأ في حجره وكان مربّيه الفضل بن سهل المعروف بذي الرئاستين ثمّ أصبح وزيره، وكان قائده طاهر بن الحسين ذو اليمينين.

وقد كانت حياته حياة جد ونشاط، وتقشف على العكس من أخيه الأمين، الذي نشأ في كنف «زبيدة» وما أدراك ما زبيدة!! فقد كانت حياته حياة ترف، يميل إلى اللعب والبطالة، أكثر منه إلى الجد والحزم... يظهر ذلك لكلّ من راجع حياته، ولعل سرّ ذلك يعود إلى أنّ المأمون لم يكن كأخيه، يشعر بأصالة لوجوده، ولا كان مطمئناً إلى مستقبله وإلى رضا العباسيين به، بل كان يقطع بعدم رضاهم به خليفة وحاكماً، ولهذا فقد وجد انّه ليس لديه أي شيء يعتمد عليه غير نفسه؛ فشمّر عن ساعد الجد وبدأ يخطط لمستقبله منذ اللحظة الأُولى التي أدرك فيها واقعه والمميزات التي كان يتمتع بها أخوه الأمين عليه ويمتاز بها عليه فانّه كان يستفيد من أخطاء أخيه الأمين؛ فانّ «الفضل» عند ما رأى اشتغال الأمين باللهو واللعب شار على المأمون بإظهار الورع والدين وحسن السيرة، فأظهر المأمون ذلك...، وكان كلّما اعتمد الأمين حركة ناقصة اعتمد المأمون حركة شديدة.

وعلى كلّ حال فإنّ المأمون كان قد برع في العلوم والفنون، حتّى فاق أقرانه بل فاق جميع خلفاء بني العباس، وقد قال بعضهم: «لم يكن في بني العباس أعلم من المأمون» وقال عنه ابن النديم: «انّه أعلم الخلفاء بالفقه والكلام» بل روي عن الإمام علي(ع) أنّه قال وهو يصف خلفاء بني العباس : « سَابِعُهُمْ أَعْلَمُهُمْ».

وقد وصفه السيوطي و ابن تغري بردى، و ابن شاكر الكتبي فقالوا: «وكان أفضل رجال بني العباس حزماً وعزماً وحلماً وعلماً ورأياً ودهاءً وهيبة وشجاعة وسؤدداً وسماحة لولا انّه شان ذلك كلّه بالقول بخلق القرآن، ولم يل الخلافة من بني العباس أعلم منه...».

وقد شهد له أبوه نفسه بالتقدّم على أخيه الأمين، قال: ... وقد عنيت بتصحيح هذا العهد وتصييره إلى من أرضى سيرته وأحمد طريقته، وأثق بحسن سياسته، وآمن ضعفه ووهنه، وهو: عبد الله، وبنو هاشم يعني العباسيين مائلون إلى محمد بأهوائهم، وفيه ما فيه من الانقياد لهواه، والتصرف مع طويته، والتبذير لما حوته يده، ومشاركة النساء والإماء في رأيه، وعبد الله المرضي الطريقة، الأصيل الرأي، الموثوق به في الأمر العظيم.[١٩].[٢٠]

الإمام الثامن في عهد المأمون

وما ان تسنّم المأمون كرسي الخلافة بدأت صفحة جديدة من حياة الإمام تلك الصفحة التي عانى الإمام فيها الكثير من الآلام والأحزان لسنوات عديدة. وكان غاصبو الخلافة سواء الأمويين منهم أو العباسيين أكثر ما يخافونه ويرعبون منه هم العلويون وآل علي أُولئك الذين يرى الناس أو الكثير منهم على الأقل انّهم أحقّ بالخلافة وانّهم كانوا يرون فيهم الفضيلة بكل أنواعها، ولهذا كان أولاد علي الكرام مضطهدين معذّبين من قبل الحكام والخلفاء دائماً ومستشهدين على أيديهم في النهاية.

غير انّ المأمون كان يُبدي حبّه للتشيّع أحياناً، وكان رجال جهازه الحاكم إيرانيين في الغالب، وهم يميلون إلى آل علي والأئمة الشيعة ويحبونهم بشكل خاص، ولهذا لم يكن بمقدوره أن يسجن الإمام وينكل به كآبائه هارون والمنصور، ومن هنا اتبع أُسلوباً جديداً (مع أنّه لم يكن أمراً حديثاً لهذه الدرجة وجرّبه الخلفاء السابقون) غير انّه كان أفضل مظهراً وأقلّ محذوراً، ولذلك اتّبعه الخلفاء اللاحقون أيضاً.

قرر المأمون أن يستدعي الإمام إلى «مرو» مركز حكمه ويفتح معه صفحة صداقة وود مضافاً إلى الإفادة من مكانته العلمية والاجتماعية أن يجعله تحت مراقبته بشكل كامل.[٢١]

استدعاء الإمام من قبل المأمون إلى خراسان

وقد استدعى المأمون الإمام باحترام في البداية ودعاه أن يأتي مع سادة آل علي إلى مركز الخلافة.[٢٢]

فامتنع الإمام من قبول دعوته وأصرّ المأمون كثيراً على ذلك وتبودلت الكتب والرسائل بينهما إلى أن تحرك الإمام في النهاية مع مجموعة من آل أبي طالب باتجاه مرو.[٢٣]

وقد أمر المأمون الجلودي أو رجاء بن أبي الضحاك على قول الذي تولّى إحضار الإمام ومرافقته قافلته بأن لا يأل جهداً في إكرام الإمام وخاصته، غير انّ الإمام كان يبدي انزعاجه من هذه الرحلة وذلك توعية للناس.

وذات يوم لمّا أراد الانطلاق من المدينة جمع أهل بيته وطلب منهم أن يبكوا عليه وقال: « أَمَا إِنِّي لاَ أَرْجِعُ إِلَى عِيَالِي أَبَداً».[٢٤] ثمّ دخل مسجد رسول الله ليودعه(ص)، فودّعه مراراً كلّ ذلك يرجع إلى القبر ويعلو صوته بالبكاء والنحيب.

وقال مخول السيستاني: بينما هو(ع) كذلك تقدّمت إليه وسلّمت عليه وهنّأته، فقال: «ذَرْنِي فَإِنِّي أَخْرُجُ مِنْ جِوَارِ جَدِّي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ أَمُوتُ فِي غُرْبَةٍ وَ أُدْفَنُ فِي جَنْبِ هَارُونَ قَالَ فَخَرَجْتُ مُتَّبِعاً لِطَرِيقِهِ حَتَّى مَاتَ بِطُوسَ وَ دُفِنَ إِلَى جَنْبِ هَارُونَ».[٢٥]

وكان الطريق الذي سلكه الإمام من المدينة إلى مرو هو طريق البصرة، الأهواز، وفارس حسب أوامر المأمون[٢٦]، ولعلّ ذلك كان لأجل إبعاد قافلة الإمام عن الجبل المناطق الجبلية التي تبدأ من همدان وحتى قزوين والكوفة وكرمنشاه وقم.[٢٧] لأنّها كانت مراكز تجمع للشيعة.[٢٨].[٢٩]

عرض الخلافة على الإمام

دخل موكب الإمام مرو في العاشر من شوال وعلى مقربة من المدينة استقبل من قبل المأمون و الفضل بن سهل ومجموعة كبيرة من القادة والأُمراء العباسيين.

ودخل المدينة بكلّ إجلال وإكرام ووفّرت له جميع وسائل الراحة بأمر من المأمون، وبعد مضي بضعة أيّام من الاستراحة من عناء السفر بدأت مفاوضات بين الإمام والمأمون اقترح هذا الأخير خلالها الخلافة على الإمام دفعة واحدة. فاعرض الإمام عن قبولها ورفض.

وقد قال الفضل بن سهل متعجباً: فما رأيت خلافة أضيع منها انّ أمير المؤمنين المأمون يتفصّى منها ويعرضها على علي بن موسى الرضا وهو يرفضها ويأباها.[٣٠]

فقال المأمون الذي كان يحتمل رفض الإمام لذلك: فإنّي مولّيك العهد من بعدي. فقال الإمام: «أَعْفِنِي مِنْ ذَلِكَ ».

فلم يقبل المأمون عذره وتكلم بكلام فيه تهديد للإمام على الامتناع، فقد قال: إنّ عمر بن الخطاب جعل الشورى في ستة أحدهم جدّك أمير المؤمنين علي(ع)، وشرط فيمن خالف منهم أن يضرب عنقه، ولابدّمن قبولك ما أُريده منك، فإنّني لا أجد محيصاً عنه.[٣١]

ولقد هدّد الإمام بأكثر من ذلك صراحة وقال: إنّك تتلقاني أبداً بما أكرهه، وقد أمنت سطواتي، والله لئن قبلت ولاية العهد وإلاّ أجبرتك على ذلك، فإن فعلت وإلاّ ضربت عنقك.[٣٢]

فلم ير الإمام بدّاً من قبول اقتراح المأمون فقال: «إِنِّي أُجِيبُكَ إِلَى مَا تُرِيدُ مِنْ وِلاَيَةِ اَلْعَهْدِ عَلَى أَنَّنِي لاَ آمُرُ وَ لاَ أَنْهَى وَ لاَ أُفْتِي وَ لاَ أَقْضِي وَ لاَ أُوَلِّي وَ لاَ أَعْزِلُ وَ لاَ أُغَيِّرُ شَيْئاً مِمَّا هُوَ قَائِمٌ فَأَجَابَهُ اَلْمَأْمُونُ إِلَى ذَلِكَ كُلِّهِ .».[٣٣]..[٣٤]

ولاية العهد التي لم تتم أبداً

لقد كان أهالي مرو قد استعدّوا لاستقبال شهر رمضان المبارك عام ٢٠١ ه، وقد ذاع خبر ولاية عهد الإمام وقد تلقوا هذه البشرى بفرحة مزيجة بالاستغراب، وفي يوم الاثنين السابع من شهر رمضان كتبت وثيقة ولاية العهد بخط المأمون وأبدى الإمام خلف تلك الرقعة قبوله بذلك بعد ذكر مقدمة مفعمة بالإشارات والتلويحات، غير انّه قد ذكر بأنّ هذا الأمر لن يتم، ثمّ شهد وفي الجانب الأيمن والأيسر من المكتوب جماعة من رجال الحكم والقادة والوزراء مثل يحيى بن أكثم وعبد الله بن طاهر، والفضل بن سهل على مضمون تلك الوثيقة. [٣٥]

ثمّ تقلّد الإمام الرضا وخلال مراسم فخمة لأخذ البيعة له ولاية العهد في يوم الخميس العاشر من رمضان.

وأوّل من مدّ يده بأمر من المأمون لمبايعة الإمام هو العباس بن المأمون، ثمّ تلاه الفضل بن سهل الوزير الأعظم، و يحيى بن أكثم مفتي البلاط، و عبد الله بن طاهر قائد الجيش، ثمّ بايع بعد ذلك جميع الأشراف من العباسيين الذين كانوا حاضرين هناك.[٣٦]

وطبيعي انّ أمر ولاية العهد وعقدها للإمام كان مدعاة للسرور والبهجة لدى أصحاب الإمام وشيعته، ولكن نفس الإمام كان حزيناً ومنزعجاً من ذلك، ولمّا رأى رجلاً كان يبدي ابتهاجه بتلك الولاية طلب منه أن يدنو فقال له: «لا تشغل قلبك بهذا الأمر ولا تستبشر له، فإنّه شيء لا يتم».[٣٧].[٣٨]

مشاكل المأمون السياسية

توضح دراسة الأوضاع والظروف السياسية في عهد المأمون انّه واجه صعوبات ومشاكل سياسية كثيرة، وحاول جاهداً أن يخرج من هذه الازمات.

وفي النهاية راح المأمون وبدافع التخلّص من المأزق يتبع سياسة متعدّدة الجوانب المتمثلة في خطة عقد ولاية العهد للإمام الرضا. وسوف ندرس لاحقاً مشاكل المأمون السياسية[٣٩]:

عدم رضا العباسيين بالمأمون

مع أنّ المؤرّخين يشهدون بأنّ المأمون كان أجدر بكثير من الأمين في الرأي العام غير انّ العباسيين كانوا لا يرضون به ويخالفونه، وكما قدمنا كان هارون عارفاً تماماً بالاختلاف الواضح بين الأخوين، وكان يشكو من عدم رضا العباسيين بالمأمون.

ولعلّ سر إعراض العباسيين عن المأمون هو انّ أخاه الأمين كان عباسياً أصيلاً، فأبوه هارون، وأُمّه زبيدة حفيدة المنصور الدوانيقي هاشمية وكانت أكبر امرأة عباسية، وكان قد تربى في حجر الفضل بن يحيى البرمكي أخي الرشيد من الرضاعة وأعظم رجل نفوذاً في بلاط الرشيد، وكان يشرف على مصالحه الفضل بن الربيع العربي الذي كان جدّه من طلقاء عثمان والذي لم يكن هناك شكّ في ولائه للعباسيين.

وأمّا المأمون فقد تربى في حجر جعفر بن يحيى الذي كان أقل نفوذاً من أخيه الفضل؛ وكان مؤدّبه والذي يشرف على مصالحه الفضل بن سهل الفارسي، ذلك الرجل الذي لم يكن العباسيون يرتاحون إليه بشكل خاص، لأنّه كان متهماً بالميل إلى العلويين، والذي كانت العداوة بينه وبين مربي الأمين الفضل بن الربيع على أشدها، ذلك الرجل الذي أصبح فيما بعد وزيراً للمأمون ومدبراً لأُموره. وقد ضاق العباسيون بالفرس ذرعاً وخافوهم، ولذا سرعان ما استبدلوهم بالأتراك وغيرهم..[٤٠]

مركز الأمين الأقوى

كان للأمين جماعة وأنصار أقوياء يستطيع أن يعتمد عليهم يعملون لتقويته وتأمين الحكم له وهم أخواله، والفضل بن يحيى البرمكي، وأكثر البرامكة إن لم يكن كلّهم، وأُمّه زبيدة بل والعرب أيضاً.

ونظراً إلى أنّ هذه الشخصيات هي التي كانت تؤثر على الرشيد بشكل كبير والتي لها دور كبير في توجيه سياسة الدولة، فإنّه كان من الطبيعي أن يضعف الرشيد أمام هذه القوة ويرضخ لها في جعل ولاية العهد من بعده لولده الأصغر سناً وهو الأمين ويجعل الأكبر أي المأمون ولي العهد الثاني بعد أخيه الأصغر.

ولعلّ تعصّب بني هاشم القومي، وجلالة عيسى بن جعفر خال الأمين قد لعبا دوراً كبيراً في تقدّم الأمين بولاية العهد لأبيه، وكان لزبيدة الدور الرئيسي في إنهاء هذا الأمر لصالح ولدها، وفضلاً عن ذلك فانّ المحتمل جداً أن يكون الرشيد وبملاحظة الدور الذي كانت تلعبه الأنساب والتصوّر القبلي في التفكير العربي قد التفت إلى سمو نسب الأمين على المأمون.

وقد أشار بعض المؤرخين إلى ذلك فقال: وفي سنة ١٧٦ ه عقد الرشيد لابنه المأمون عبد الله العهد بعد أخيه الأمين، وكان المأمون أسن من الأمين بشهر واحد، غير انّ الأمين أُمّه زبيدة بنت جعفر هاشمية والمأمون أُمّه أُمّ ولد اسمها مراجل ماتت أيّام نفاسها به..[٤١]

على من يعتمد المأمون؟

ومع أنّ أباه قد استطاع أن يضمن له المركز الثاني بعد أخيه الأمين، غير انّ ذلك لا يكفي لأن يجعل المأمون يطمئن إلى مستقبله في الحكم، لأنّه لا يأمن أخاه وبني أبيه العباسيين أن لا ينكثوا العهد، فهل كان بمقدوره أن يعتمد على غيرهم إذا ما أحس يوماً انّ مركزه عرضة للخطر؟

وكيف يستطيع أن يتقلّد السلطة؟ ومن ثمّ كيف يقدر أن يقوّي دعائمها؟

هذه أسئلة كانت تشغل بال المأمون دائماً، وكان لابدّ له من أن يجد الإجابة عليها بكلّ دقة ووعي وإدراك وأن ينطلق بعدها وفقاً لتلك الإجابات، ولنلق نظرة سريعة على مواقف كلّ من هذه الجماعات من المأمون لنرى أي هذه الفئات يستطيع المأمون الاعتماد عليها في مواجهة الأخطار والتحديات التي تنتظره هو وحكمه.[٤٢]

موقف العلويين من المأمون

وكان من الطبيعي أن لا يرضى العلويون بالمأمون كما أنّهم ما كانوا ليرضوا بغيره من العباسيين خليفة وحاكماً، لأنّ من بينهم من هو أجدر من كلّ العباسيين، ولأنّ المأمون كان من السلالة التي لا يمكن أن تصفو لها قلوب العلويين، لأنّها قد فعلت بهم أكثر ممّا فعله بنو أُمية معهم. وكلنا نعلم كيف سفك العباسيون دماء العلويين وسلبوهم أموالهم وشرّدوهم عن ديارهم وأذاقوهم شتى صنوف العذاب والاضطهاد، وكفى المأمون عاراً انّه ابن الرشيد الذي حصد شجرة النبوة واجتث غرس الإمامة.[٤٣]

موقف العرب من المأمون ونظام حكمه

وأمّا العرب فهم أيضاً كانوا لا يرضون بالمأمون خليفة وحاكماً، وذلك بسبب انّ أُمّه ومؤدّبه والقائم بأمره ليسوا بعرب، وهذا ما لا يتناسب مع التعنصر العربي المتطرّف الذي كان يرى وعلى عكس تعاليم القرآن والرسول أفضلية العرب على القوميات والشعوب، لا سيما انّ الفرس قد أبدوا جدارة عالية لتولّي المناصب العلمية والسياسية وضيّقوا على العرب المتكبّرين الفاشلين، ومن هنا كان من الطبيعي أن يحقد العرب على الفرس وعلى كلّ من يتصل بهم بنحو ما، ولذلك كان المأمون مكروهاً ومغضوباً عليه من قبل العرب.[٤٤]

قتل الأمين وخيبة الأمل

إنّ قتل الأمين وإن كان يمثّل في ظاهره انتصاراً عسكرياً للمأمون، إلاّ أنّه كان ذا نتائج سلبية وعكسية بالنسبة إليه هو وأهدافه ومخططاته لا سيما الأساليب التي اتّبعها المأمون للتشفّي من أخيه الأمين زادت من حدة تلك الردود، وأمر طاهراً بقتل الأمين، وقد أعطى الذي جاءه برأس أخيه مليون درهم بعد أن سجد لله شكراً، ثمّ أمر بنصب رأس أخيه على خشبة في صحن الدار، وأمر كلّ من قبض رزقه أن يلعنه ثمّ يقبض ماله، ولم يكتف المأمون بذلك بل انّه بعد ان طيف برأس الأمين بخراسان أرسل إلى إبراهيم بن المهدي يعنّفه ويلومه على أنّه أسف على قتل الأمين!!

وبعد كلّ ما قام به المأمون فماذا يمكن أن يتوقع من العباسيين والعرب وغيرهم من الناس؟! وماذا يمكن لهم أن يتخذوه من مواقف تجاهه؟!

إنّ أيسر ما نستطيع أن نقوله هنا هو أنّه كان لقتله أخاه، وفعاله الشائنة تلك أثر سيء على سمعته، ومن أسباب زعزعة ثقة الناس به وتأكيد نفورهم منه سواء في ذلك العرب وغيرهم.[٤٥]

الموقف الصعب

أضف إلى ذلك أيضاً الخطر الذي كان يكمن في موقف الخراسانيين الذين رفعوا المأمون على العرش وسلّموا إليه أزمة الحكم، مضافاً إليه موقف العلويين الذين اغتنموا فرصة الصدام بينه وبين أخيه لتجميع صفوفهم ومضاعفة نشاطاتهم، وبعد هذا يكون من الممكن أن نجسد الملامح الحقيقية للظروف التي كان يعاني منها المأمون، سيما لو لاحظنا مجموعة الثورات العلوية التي كانت تظهر من كلّ جانب من جوانب مملكته.[٤٦]

ثورات العلويين

فأبو السرايا الذي كان يوماً ما من حزب المأمون خرج بالكوفة، وكان هو وأتباعه لا يلقون جيشاً إلاّ هزموه، ولا يتوجّهون إلى بلدة إلاّ دخلوها ويقال: إنّه قد قتل من أصحاب الخليفة في حرب أبي السرايا فقط مائتا ألف رجل مع أنّ مدته من خروجه إلى يوم ضربت عنقه لم تزد على العشرة أشهر.

وحتى البصرة التي هي معقل العثمانية قد أيّدت العلويين ونصرتهم وقد خرج فيها زيد النار.

وفي مكة ونواحي الحجاز خرج محمد بن جعفر الذي كان يلقّب بـ الديباج، وتسمّى بأمير المؤمنين.

وفي اليمن إبراهيم بن موسى بن جعفر.

وفي المدينة خرج محمد بن سليمان بن داوود بن الحسن.

وفي واسط التي كان قسم كبير منها يميل إلى العثمانية خرج جعفر بن محمد بن زيد بن علي و الحسين بن إبراهيم بن الحسن بن علي.

وفي المدائن محمد بن إسماعيل بن محمد.

ُبل انّك لا تجد قطراً إلاّ وفيه علوي يُمنّي نفسه أو يمنّيه الناس بالثورة على العباسيين، حتى اتّجه أهل الجزيرة والشام المعروفة بتعاطفها مع الأمويين وآل مروان إلى محمد بن محمد صاحب أبي السرايا، فكتبوا إليه انّهم ينتظرون أن يوجه إليهم رسولاً ليسمعوا ويطيعوا[٤٧].[٤٨]

حلول متعددة الجوانب

وكان المأمون يدرك انّه للخروج من هذا المأزق يجب أن يتم:

  1. إخماد ثورة العلويين.
  2. أن يحصل من العلويين على اعتراف بشرعية خلافة العباسيين.
  3. إزالة ما يتمتع به العلويون من شعبية واحترام بين الناس.
  4. اكتساب ثقة العرب ومحبتهم.
  5. استمرار تأييد الخراسانيين وعامة الإيرانيين.
  6. إرضاء العباسيين والمتشيعين لهم.
  7. تعزيز ثقة الناس بشخص المأمون الذي كان لقتله أخاه أثر سيّء على سمعته وثقة الناس به.
  8. وبالتالي أن يأمن الخطر الذي كان يتهدّده من تلك الشخصية الفذة التي كانت ترعبه. نعم كان المأمون يخشى شخصية الإمام الرضا القوية بشكل كبير وكان يريد أن يبقى في أمان منها.

وهكذا وبعقد ولاية العهد للإمام الرضا وجعله شريكاً في الحكم تتحقق أهدافه التي يطمح إليها، لأنّه وبدخول الإمام الجهاز الحاكم وهو سيد العلويين كان العلويون سيُسلبون السلاح وتموت أهدافهم وشعاراتهم وتزول شعبيتهم بين الناس بسبب خروجهم، ومن ناحية أُخرى كان المأمون سيحظى برضا الخراسانيين وعامة الإيرانيين المناصرين لأهل البيت، وكان يتظاهر بأنّه إن كان قد قتل أخاه، فلأنّه كان يريد ردّ الحكم إلى أهله، وفضلاً عن كلّ ذلك يبقى بإحضار الإمام الرضا(ع) إلى مرو ومراقبة نشاطاته في أمان من خطره. فلم يبق غير العرب والعباسيين الذين يستطيع أن يصمد أمامهم بمعونة الإيرانيين والعلويين.[٤٩]

عرض وتحليل

هناك أدلّة واضحة تثير الشكوك حول صدق المأمون وإخلاصه في عقد ولاية العهد للإمام الرضا، لأنّه لو كان صادقاً في ذلك وفي منح الخلافة للإمام إيماناً بذلك واعتقاداً:

  1. فلماذا لم يفعل ذلك لما كان الإمام في المدينة؟ ولمَ أحضره إلى مرو وهو كاره تحت حراسة جلاوزته، وهو يستطيع أن يقرأ الخطبة باسم الإمام ويحكم فارس عنه وكان الإمام يتقلّد الخلافة وهو في المدينة مركز النبوة؟
  2. لماذا أمر المأمون بأن يحضروا الإمام على طريق البصرة والأهواز وفارس ويحتمل اتخاذ طريق صحراء لوت وصولاً إلى خراسان دون طريق الكوفة وقم؟ في حين انّه كان سيستقبل بحفاوة أكثر ويكون الظرف مساعداً جداً لهدفه لو كان يسلك ذلك الطريق.
  3. لماذا جعل المأمون نفسه ولياً للعهد في المرحلة الأُولى من مفاوضاته مع الإمام وعرضه الخلافة عليه، وقد كان المفروض أن يعقد ولاية العهد بعد الإمام الرضا(ع) لابنه الإمام الجواد(ع) أو على الأقل يترك ذلك للإمام؟
  4. كون الإمام(ع) ولياً للعهد وبشرط أن لا يتدخل الإمام في أي عمل من أعمال الدولة فإلى كم يستطيع ذلك أن يقرب الأُمة الإسلامية من الواقع؟ وبملاحظة انّ الإمام(ع) كان يكبر المأمون بعشرين عاماً، وكان المتوقع أن يرحل الإمام قبل المأمون وفق الحسابات العادية، فإنّ الخلافة سوف لن تصل لآل علي في النهاية.
  5. ولو كان المأمون صادقاً في عمله وانّه بادر بذلك إيماناً واعتقاداً، فلماذا راح يهدد الإمام عندما رفض اقتراحه ويجبره على قبول ولاية العهد؟
  6. ولماذا لم يعقد ولاية العهد للإمام الجواد(ع) عندما استشهد الإمام الرضا(ع)، وقد كان يتظاهر بنفس ما تظاهر به من الحب لأبيه؟
  7. ولماذا منع الإمام من الصلاة في قضية صلاة العيد الشهيرة ورفض أن يتوجه الناس إليه ويلتفون حوله؟
  8. ولماذا عندما انطلق المأمون من مرو إلى بغداد لم يسمح ببقاء الإمام في مرو؟ ولو كان الإمام ولياً للعهد حقاً فما المانع في أن يكون في مرو وأن يحكم هذه المقاطعة من العالم الإسلامي؟

هذه أسئلة قد تبدو سهلة وبسيطة في البداية غير انّ الدقة فيها تكشف بوضوح انّ المأمون لم يكن صادقاً ومخلصاً في مبادرته هذه، بل هناك أسباب أُخرى دفعته إلى ذلك.[٥٠].[٥١]

مبررات قبول الإمام لولاية العهد

قبل الإمام ولاية العهد لما عرف انّ الرفض سوف لن يفقده نفسه مجاناً فحسب، بل سوف يعرض العلويين وشيعته إلى الخطر، فكان عليه أن يحافظ على حياته وحياة شيعته ومحبّيه، لأنّ الأُمّة الإسلامية كانت بحاجة ماسّة إلى وعيهم وتوعيتهم ليصبحوا لها قدوة ومناراً تهتدي به في حلّ المشاكل وتراكم الشبهات. نعم كانت الأُمّة في أمسّ حاجة إلى الإمام وإلى من ربّاهم حيث قد غزاها في تلك الفترة تيار فكري وثقافي على شكل فلسفات وشبهات حول مبادئ الإلهيات تخلف الكفر والإلحاد، لذلك كان على الإمام أن يصمد ويقوم بواجبه في إنقاذ الأُمّة، ونحن رأينا كيف قام بواجبه رغم قصر الفترة التي عاشها بعد البيعة.

ولو كان الإمام رفض ولاية العهد لعرّض حياته وحياة شيعته للخطر، ولا يعلم أن يكون لتضحيته أثر في حلّ عقدة الأُمّة كأثر استشهاد سيد الشهداء(ع) الذي أحيا الأُمّة وحلّ مشكلتها.

ومضافاً إلى ذلك انّ قبول الإمام ولاية العهد معناه اعتراف من العباسيين بأنّ للعلويين حقّ في هذه الخلافة.

هذا ومن أسباب قبول ولاية العهد من قبل الإمام هو أن يرى الناس انّ أهل البيت حاضرون في الساحة السياسية ولكي لا ينساهم الناس وحتى لا يصدق الناس ما يشاع عنهم من أنّهم علماء فقهاء فقط لا يعملون لما فيه خير الأُمّة، ولعلّ ما أجاب به سؤال ابن عرفة يرمي إلى ذلك فقد سأل الإمام وقال له: يا ابن رسول الله ما حملك على الدخول في ولاية العهد؟ فأجابه(ع): «مَا حَمَلَ جَدِّي أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ عَلَى اَلدُّخُولِ فِي اَلشُّورَى».[٥٢]

وفضلاً عن كلّ ذلك يكون الإمام في مدة ولاية العهد قد كشف عن حقيقة المأمون أمام الناس وعرّفهم بواقع وأهداف كلّ ما قام به وأزال كلّ شبهة من أذهان الناس.[٥٣]

هل الإمام كان راغباً في هذا الأمر؟

وكلّ ما قلناه لا يعني انّ الإمام كان راغباً باطناً بولاية العهد، وقد كان يعلم كما أظهرت الأحداث بعد ذلك انّه لن يسلم من دسائس المأمون وأشياعه ولن ينجو بحياته فضلاً عن مركزه، وكان متيقناً من أنّ المأمون سوف يقوم وبكلّوسيلة بالقضاء عليه جسدياً أو معنوياً للتخلّص منه.

حتى لو انّ المأمون لم يبيّت له أيّة نيّة سوء، فإنّ أمله بالبقاء على قيد الحياة إلى ما بعد وفاة المأمون وهو بهذه السن ضعيف جداً. إذن ألا يبرر كلّ ذلك مبادرة الإمام لقبول ولاية العهد؟! وفضلاً عن كلّ ذلك لو كان الإمام يأمل بالبقاء على قيد الحياة إلى ما بعد وفاة المأمون لكان يصطدم بتلك العناصر القوية النافذة التي لم ولن ترضى عن سلوكه في الحكم.

وكذلك كان سيصطدم بمؤامرات العباسيين وأشياعهم في حكمه، وهو الذي يريد أن يحكم بحكم جديه رسول الله وعلي ويسير بسيرتهما ممّا قد يخلق له مشاكل هائلة.[٥٤]

فالسلبية هي الموقف الصحيح

وبملاحظة ما تقدّم نفهم انّه من الطبيعي أن لا يفكّر الإمام في الوصول إلى الحكم عن مثل هذاالطريق المحفوف بالأخطار الذي ليس فقط لا يحقّق له أي هدف من أهدافه، بل على العكس سوف يكون سبباً للقضاء عليه وعلى العلويين وآمالهم وأهدافهم. ولسوف يكون إقدامه على هذا النوع من العمل عملاً انتحارياً غير منطقي.[٥٥]

مواقف الإمام السلبية ازاء مؤامرة المأمون

هذا وبملاحظة انّه لم يكن للإمام الرضا خيار في قبول ولاية العهد ولم يكن بمقدوره أن يجعلها وسيلة لتحقيق أهدافه المقدسة وأن يسكت ويظهر بمظهر الموافق، فلابدّ إذن أن يضع خطة يستطيع من خلالها إحباط مخطّطات المأمون.[٥٦] وقد اتخذ الإمام الرضا(ع) مواقف مختلفة لإحباط مخطّطات المأمون ومؤامراته لم يكن قد حسب لها حساباً، وهي:

الموقف الأوّل: إنّ الإمام رفض اقتراح المأمون وهو في المدينة وأصرّ على عدم القبول، ليقول للناس: إنّ المأمون لا يكف عنه، حتى أنّ بعض النصوص التاريخية تشير إلى أنّه قد حمل إلى مرو بالرغم عنه لا باختياره. وما اتخاذ هذا الموقف المتصلّب إلاّ ليعلم الجميع بأنّه(ع) لا تنطلي عليه لعبة المأمون وحيلته، وانّه على علم تام بمخططاته وأهدافه الخفية، ومن خلال ذلك استطاع الإمام أن يثير شكوك الناس حول طبيعة هذا الحدث.

الموقف الثاني: إنّه رغم انّ المأمون كان قد طلب من الإمام وهو في المدينة أن يصطحب معه من أحب من أهل بيته في سفره إلى مرو، غير انّ الإمام لم يصطحب معه حتى ولده مع طول مدّة هذا السفر الذي سوف يتقلد فيه زعامة الأُمّة الإسلامية كما يقول المأمون.

الموقف الثالث: وفي محطة نيشابور قرأ الإمام وهو يظهر خلقه النبوي الكريم للعشرات، بل للمئات من الناس الذين جاءوا لاستقباله هذه الرواية : قال الله تعالى: «كلمة لاإله إلاّالله حصني، فمن دخل حصني أمن من عذابي» وقد كتب هذا الحديث في تلك اللحظة ما يقارب العشرين ألفاً من الحاضرين بمجرّد سماعه من لسان الإمام.

والملفت للنظر انّه(ع) لم يحدّثهم وفي هذا الظرف عن المسائل الفرعية المرتبطة بحياة الناس كالصوم والصلاة ومثيلاتها، كما أنّه لم يلق عليهم موعظة تزهدهم في الدنيا، ومع أنّه كان يتوجه إلى مرو لأمر سياسي لم يحاول أن يستغل الموقف لأهداف شخصية وسياسية، بل كلّم الناس باعتباره القائد الحقيقي ليوجّههم إلى أهمّ مسألة ترتبط بحياتهم الحاضرة والمستقبلية.

نعم حدّثهم الإمام في ذلك الظرف الحسّاس عن التوحيد الذي هو الأساس للحياة الفضلى والذي به تنجو الأُمم من كلّ عناء وشقاء، والذي إذا فقده الإنسان فانّه يفقد كلّ شيء في الحياة.

مضافاً إلى ذلك وبملاحظة الكلام الذي تكلّم به بعد لحظات أراد الإمام أن يقول: إنّ المجتمع الإسلامي الكبير والناشط في تلك الفترة بعيد كلّ البعد عن التوحيد.[٥٧]

الموقف الرابع: مرّت عدّة شهور على الإمام في مرو وهو يتحدّث عن مواقف المأمون السلبية؛ ورفض كلا عرضي المأمون: عرض الخلافة، وولاية العهد؛ حتى هدّده المأمون أكثر من مرة بالقتل، وبهذه المواقف يكون الإمام قد مهّد الطريق ليواجه المأمون بالحقيقة حيث صارحه: انّه يريد أن يخبر الناس انّ علي بن موسى لم يزهد في الدنيا وإنّما الدنيا هي التي زهدت فيه، وبذلك يكون قد اتّهم المأمون انّ لعبته لم تنطلي عليه، ولذلك يجب عليه أن يكف عن كلّ مؤامراته ومخططاته في المستقبل، وبالتالي أقلق المأمون بذلك وجعله غير مطمئن لأي عمل يقوم به، مضافاً إلى أنّه ألقى الشك في قلوب الناس حول المأمون وأعماله وأفعاله.

الموقف الخامس: ولم يكتف الإمام بذلك كلّه، بل كان لا يدع فرصة تمر دون أن يؤكد فيها على أنّ المأمون قد أكرهه على هذا الأمر وهدّده بالقتل إن لم يقبل به، مضافاً لذلك انّه كان يخبر الناس أحياناً انّ المأمون سوف ينكث العهد ويغدر به، حتى لقد كان يصرح بأنّه لا يقتله إلاّ المأمون ولا يسمّه غيره، وقد واجه نفس المأمون بهذا الأمر، ولم يكتف(ع) بمجرّد القول فقد كانت حالته بشكل عام في فترة ولاية العهد تشير إلى عدم رضاه بهذا الأمر وانّه مجبر عليه.

وواضح انّ كلّ ذلك سوف يؤدّي إلى عكس النتيجة التي كان المأمون يتوقعها من البيعة.

الموقف السادس: كان الإمام(ع) لا يدع فرصة إلاّ ويؤكد فيها على أنّ المأمون لم يمنحه إلاّ ما هو حقّ له، وانّه لم يزد بذلك على أن أرجع الحق إلى أهله بعد أن كانوا قد اغتصبوه منهم، مضافاً لذلك هو إثبات انّ خلافة المأمون ليست صحيحة ولا شرعية.

الموقف السابع: ولقد شرط الإمام على المأمون شروطاً لقبول ولاية العهد وهي: أن لا يولّي أحداً، ولا يعزل أحداً، ولا ينقض رسماً، ولا يغيّر شيئاً ممّا هو قائم، ويكون في الأمر مشيراً من بعيد.

فأجابه المأمون لذلك وقبل كلّ تلك الشروط، وبذلك يكون الإمام قد ضيّع بعضاً من الأهداف على المأمون، لأنّ اتخاذ هذا الموقف لدليل ساطع على:

  1. عدم الاعتراف بشرعية نظام حكمه.
  2. انّ النظام القائم لا يمثل وجهة نظره في الحكم.
  3. انّ المأمون وعلى عكس ما كان يخطط له أصبح غير قادر على أن يتصرف تصرفاً باسم الإمام بعد قبوله لتلك الشروط.
  4. انّ الإمام لم يكن على استعداد أن يلبي طلبات المأمون.[٥٨]

علاقة مسألة الولاية بمسألة التوحيد

وبعد إنهاء حديث التوحيد سارت ناقة الإمام في الوقت الذي كانت أنظار الناس مشدودة إليه وهم غارقون في التفكير، أو كانوا يفكّرون بحديث التوحيد تقف الناقة فجأة ويخرج الإمام رأسه من العمارية، فيملي عليهم كلماته الخالدة الأُخرى وبصوت جهوري: «بِشُرُوطِهَا وَ أَنَا مِنْ شُرُوطِهَا» ولقد أبلغهم الإمام مسألة أساسية أُخرى هي مسألة الولاية التي هي غصن متفرع عن شجرة التوحيد.

نعم هي مسألة بالغة الأهمية بالنسبة لأُمّة تريد أن تحيا الحياة الفضلى، إذ ما دامت مسألة القيادة الحكيمة والعادلة لم تحل فسوف لن تستقر أُمورها، وسوف يبقى الناس تحت نير حكم الظلمة والطواغيت الذين يجعلون لأنفسهم صلاحيات التشريع الخاصة بالله، وبالحكم بغير ما حكم الله يجعلون العالم يعاني الشقاء والبلاء ويعيش في الحيرة والضياع.

وإذا ما أدركنا بعمق مدى ارتباط مسألة الولاية بمسألة التوحيد، فلسوف نعرف أنّ قول الإمام: «وَ أَنَا مِنْ شُرُوطِهَا» لم تمله عليه مصلحته الخاصة الشخصية، بل أراد أن يوضح أمراً هاماً ورئيسياً، ولهذا ذكر سلسلة سند الرواية وأراد أن يقول: إنّ هذه الرواية هو كلام الله الذي سمعه من أبيه وجدّه وأجداده حتى رسول الله، وهذا أمر غير مألوف من الأئمّة(ع) إلاّ في حالات نادرة كهذه التي أراد الإمام فيها أن يربط مسألة القيادة بالمبدأ الأعلى وأن يعرفهم بشجرة الأئمّة المعصومين وتاريخهم، واستغل الإمام الفرصة في نيشابور بشكل جيد لتبيين هذه الحقيقة أمام مئات الآلاف من الناس ليقول لهم: إنّه هو بنفسه حارس حصن التوحيد وحاميها، وبذلك يكون ضيّع أكبر هدف كان يرمى إليه المأمون من إحضار الإمام إلى مرو وهو الحصول على اعتراف بشرعية خلافته وخلافة العباسيين.[٥٩]

الظروف الثقافية الخاصة للمجتمع الإسلامي في عصر العباسيّين

وعلى الرغم من أنّ الإسلام لم يخرج في عهد الرسول (ص) عن دائرة الحجاز، غير انّه ولتمتعه بأساس رصين أخذ يتسع وينمو بعد وفاته (ص) بسرعة، كما أنّه وفي مدة قصيرة أخذ يحتوي جميع العالم المتحضر آنذاك، وصهر في بوتقته ما تبقى من الحضارات الخمس العظيمة: الروم، إيران، مصر، اليمن، والحضارة الكلدانية والآشورية، التي كانت في الشمال والشرق والغرب وفي جنوب الحجاز، حتى يذوب وينصهر ما هو من الخرافات والظلم والانحراف والفساد والاستبداد ويبقى الإيجابي المفيد تحت مظلة الحضارة الإسلامية العظيمة بصبغة إلهية وتوحيدية، بل ويتسع وينمو كذلك.

وقد اقتضت طبيعة حب العلم والمعرفة في الإسلام أن ينتقل ما احتوته تلك الحضارات من تقدّم في المجال العلمي والفكري إلى المجتمع الإسلامي، ويترجم كتب اليونان والروم ومصر والهند وفارس إلى اللغة العربية التي كانت لغة القرآن.

فأخذ علماء الإسلام الذين استنار فكرهم بمشعل القرآن يدرسون علوم الآخرين وينقدونها فأبدعوا إبداعات جديدة وكثيرة وأضافوها إليها، كما أنّهم منحوا الثقافة والحضارة السابقة صورة جديدة بطابع إسلامي.

فقد بدأت ترجمة الأعمال العلمية للآخرين منذ عهد الأمويين الذين كانوا بعيدين عن العلم والإسلام وبلغت في عصر العباسيين لا سيما في عهد الرشيد والمأمون ذروتها كما اتسعت دائرة العالم الإسلامي إلى أقصى حدودها في العصر الحاضر على طول التاريخ، ومن المؤكد انّ هذه الحركة العلمية لم تكن أمراً قد أسّسه العباسيون أو الأمويون، بل كانت حصيلة تعاليم الإسلام في العلم والمعرفة مباشرة.

الإسلام الذي لم يحدد وطناً معيناً للعلم والمعرفة وحثّ المسلمين على طلبه أينما كان حتى لو كان بأقصى نقطة في العالم أي الصين حينذاك، ومهما بلغ الأمر من العناء والمشقة بقوله: « اُطْلُبُوا اَلْعِلْمَ وَ لَوْ بِالصِّينِ»، و « اُطْلُبُوا اَلْعِلْمَ وَ لَوْ بِسَفْكِ اَلْمُهَجِ وَ خَوْضِ اَللُّجَجِ ».

وقد ذكر في كتب التاريخ انّ المأمون قد رأى ذات ليلة أرسطو طاليس الفيلسوف اليوناني الشهير في المنام وسأله عن بعض المسائل، وما ان استيقظ من نومه أخذ يفكر بترجمة كتبه، فأرسل رسالة إلى ملك الروم يطلب منه أن يرسل إليه مجموعة من الكتب العلمية القديمة التي كانت في بلاد الروم، فقبل ملك الروم ذلك الطلب بعد كثير من تبادل الرسائل، وقد أرسل المأمون مجموعة من العلماء من أمثال الحجاج بن مطرد و ابن البطريق وسلما مدير بيت الحكمة المكتبة الكبيرة والشهيرة في بغداد في تنفيذ هذه المهمة.

فراحوا يرسلون ما وجدوه في بلاد الروم ورغبوا فيه إلى المأمون، وهو يأمر بعد ذلك بترجمتها.[٦٠]

وممّا لا شكّ فيه انّ أحلام السياسيّين المجرّبين من أمثال المأمون ليست بهذه البساطة، وينبغي أن يكون لها دافع سياسي، فإنّهم يرون في هذه الأحلام الأشياء التي تقوّي أُسس سلطان ظلمهم.

وعلى أية حال فانّ لعمل المأمون هذا عدة احتمالات من وجهة نظر التحليل السياسي، وهي:

  1. انّ المأمون قد أقدم على هذا الأمر حتى يضع نفسه في عداد المسلمين الذين يناصرون العلم والمعرفة، ولكي يتميّز بهذه الخصلة المميّزة.
  2. انّه أراد من خلال ذلك أن يجعل الناس ينشغلون عن المشاكل الاجتماعية والاضطهاد السياسي وينسونهما.
  3. استمالة فكر المفكّرين في المجتمع الإسلامي وعلمائه نحوه وبالتالي تقوية قواعد سلطانه.
  4. انّه أراد بذلك أن يخلق تياراً فكرياً ازاء مدرسة أهل البيت العلمية الذين اشتهروا بالعلم والمعرفة حتى يقلل منشأن أبناء تلك المدرسة ويطفئ نورها.
  5. انّه أراد أن يثبت انّ جهاز بني العباس الحاكم يتمتع بجدارة تولّي الحكم لبلاد كإيران والروم ومصر.

وطبعاً لا توجد هناك أيّة مغايرة بين تلك الاحتمالات، ويمكن أن يكون المأمون قد التفت إليها جميعها، ومهما كان السبب فانّه لا شكّ في أنّه بذل جهداً كبيراً في ترجمة الكتب اليونانية، وصرف أموالاً طائلة لدرجة انّه كان يدفع بزنة الكتب ذهباً، وبلغ اهتمامه بالترجمة حداً جعله يضع على كلّ كتاب يترجم باسمه علامة، ورغّب الناس في تلك الكتب، وحثّهم على قراءتها وتعلّمها، وكان يختلي بالحكماء ويبتهج بمعاشرتهم.[٦١]

وهكذا أصبح بثّ علوم الآخرين إلى جانب العلوم الإسلامية حاجة العصر وموظته حتى تبع المأمون في ذلك الأشراف ورجال الحكم الذين لهم حاسة قوية وحساسة في هذا النوع من الأُمور، فأكرم طلاب العلم والفلسفة والمنطق واعتزوا به، وبالتالي وفد الكثير من المترجمين من إيران والشام وغيرها إلى بغداد.[٦٢]

وكتب جرجي زيدان المؤرّخ المسيحي المشهور حول ذلك: فلمّا أفضت الخلافة إلى الرشيد(حكم من سنة١٧٠١٩٣ه) كانت الأفكار قد نضجت والأذهان قد زادت تنبهاً إلى علوم الأقدمين بما كان يتقاطر إلى بغداد من الأطباء والعلماء من السريان والفرس والهنود، وكانوا أهل تمدن وعلم كما رأيت، وكانوا يتعلّمون العربية ويعاشرون المسلمين ويباحثونهم في تلك العلوم، والمسلمون يتهيّبون من ذلك لما سبق إلى أذهانهم من مخالفته للدين إلاّ الكتب الطبية، فكانوا يرغبون في نقلها أو مطالعتها، ولكن الأطباء أنفسهم كانوا يومئذ من غير المسلمين ويغلب أن يكونوا من محبي الفلسفة والمنطق، وكانوا من الجهة الثانية يخدمون الخلفاء بذكر الفلسفة، وأصبحوا إذا فتحوا بلداً ووجدوا فيه كتباً لا يأمرون بإحراقها أو إعدامها، بل يأمرون بحملها إلى عاصمتهم والاحتفاظ بها لنقلها إلى لسانهم كما اتّفق للرشيد في أثناء حربه في انقرة وعمورية وغيرها من بلاد الروم، فإنّه عثر هناك على كتب كثيرة حملها إلى بغداد وأمر يوحنا بن ماسويه بترجمتها، ولكنّها ليست من الفلسفة بشيء وإنّما هي في الطب اليوناني.

أيّام الرشيد نقل كتاب اُقليدس النقلة الأُولى على يد الحجاج بن مطر وتسمى الهارونية تمييزاً لها عن النقلة المأمونية التي نقلها للمأمون.

وفي أيّامه نقل المِجَسْطي إلى العربية، وأوّل من عنى بنقله يحيى بن خالد البرمكي، ففسّره له جماعة لم يتقنوه، فندب لتفسيره أباحسان وسلماً صاحب بيت الحكمة، فأتقناه واجتهدا في تصحيحه.[٦٣]

المأمون والفلسفة والمنطق

فالكتب الفلسفية لم يقدم المسلمون على ترجمتها إلاّ في أيّام المأمون لسبب متصل بالمأمون نفسه، وذلك انّ المسلمين تعودّوا من أوّل الإسلام حرية الفكر والقول والمساواة فيما بينهم، فكان إذا خطر لأحدهم رأي في خليفة أو أمير لا تمنعه هيبة الملك من إبداء رأيه؛ وكان ذلك شأنهم في الدين، فإذا فهم أحدمن الآية أو الحديث غير ما فهمه الآخر صرّح برأيه وجادله فيه، فلم ينقض عصر الصحابة حتى أخذ المسلمون يفترقون في المذاهب، ولم يدخل القرن الثاني حتى تعدّدت الفرق وتفرعت، وفي جملتها المعتزلة طوائف كثيرة أساس مذهبهم تطبيق الأحكام العقلية على النصوص الدينية، ولو طالعت مذاهبهم لرأيت بعضها يوافق أحدث الآراء الانتقادية في الدين مع مرور الأجيال على تمحيصها ولذلك فهم يسمّون أصحاب العدل والتوحيد.[٦٤]

المأمون والاعتزال

ظهر مذهب الاعتزال في أواخر القرن الأوّل للهجرة وكثر أشياعه بسرعة لارتياح العقل إلى أدلّته، وقد تقدم في كلامنا عن الفقه انّ المنصور أخذ يناصر الرأي والقياس، واستقدم أبا حنيفة إلى بغداد ونشطه لهذه الغاية، وظل الميل إلى القياس متواصلاً في بني العباس والاعتزال أقرب المذاهب إلى أصحاب الرأي، لأنّ عمدة المعتزلة في إثبات مذهبهم بالبرهان العقلي، ولذلك كانوا إذا رأوا رجلاً مطّلعاً على منطق أرسطو أو أقواله في الجدل ونحوه استعانوا بما يسمعونه منه في تأييد مذهبهم، واحتاجوا إلى ذلك خصوصاً في أيّام المهدي لدفع أقوال الزنادقة كما تقدّم، فلعلهم احتاجوا إلى الاستعانة بمنطق اليونان وفلسفتهم،أو شعروا باحتياجهم إليها على الأقل وأخذوا في انشاء علم الكلام.

وكان البرامكة من أصحاب الرأي أيضاً وفيهم ذكاء وميل إلى العلم، فاشتغلوا في ترجمة الكتب القديمة قبل المأمون، وكانوا يعقدون مجالس المباحث والمجادلة في منازلهم، ولكن يظهر انّ الرشيد لم يكن يوافقهم على ذلك فلم يتظاهروا به.

فلمّا أفضت الخلافة إلى المأمون (١٩٨ ٢١٨ه) تغيّر وجه المسألة،لأنّه مع فطنته وسعة علمه، شديد الميل إلى القياس العقلي، وقد تعلم وتفقّه وطالع ما نقل إلى عهده من كتب القدماء فازداد رغبة في القياس والرجوع إلى أحكام العقل، فتمسّك بمذهب الاعتزال وقرب إليه أشياخه، كـ أبي الهذيل العلاف و إبراهيم بن سيار النظام وجالس المتكلّمين فتمكن من مذهب الاعتزال.

فأخذ يناصر أشياعه وصرح بأقوال لم يكونوا يستطيعون التصريح بها خوفاً من غضب الفقهاء في جملتها القول بخلق القرآن أي انّه غير منزل، وكان المسلمون في أيّام الرشيد يخافون المأمون في ذلك، لأنّه ظهر فيه قبل تولّيه الخلافة، وكان الفضيل بن عياض يتمنّى طول عمر الرشيد لما تبيّن له من أمر المأمون من هذا القبيل.

فلمّا تظاهر المأمون بالاعتزال وقال بخلق القرآن، قامت قيامة الفقهاء، وعظم ذلك على غير المعتزلة، وهم أكثر عدداً، ولم يعد في وسعه الرجوع عن قوله، فعمل على تأييده بالبرهان، وجعل يعقد المجالس للمناظرة في هذا الموضوع، وتأييداً لصحة الجدل أمر بنقل كتب الفلسفة والمنطق من اليونانية إلى العربية واطّلع هو عليها، فقويت حجته وازداد تمسّكاً بالاعتزال، ولمّا يئس من إقناع الناس بالبرهان والقياس عمد إلى العنف باشر ذلك في العام الأخير من حكمه وهو خارج بغداد، فكتب إلى عامله فيها إسحاق بن إبراهيم أن يمتحن القضاة والشهود وجميع أهل العلم بالقرآن فمن أقرّ أنّه مخلوق محدث خلا سبيله ومن أبى فليعلمه به.

فالراجح عندنا انّ المأمون لسعة علمه وحرية فكره ورغبته في القياس العقلي لم يكن يرى بأساً في نقل علوم اليونان إلى العربية، وانّه بدأ بنقل كتب الفلسفة والمنطق تأييداً لمذهب الاعتزال، ثمّ جعل الترجمة عامة لكلّ مؤلّفات أرسطو في الفلسفة وغيرها، وقد ابتدأ بترجمة تلك الكتب في أعوام بضعة عشر ومائتين، فتلقى المعتزلة تلك الفلسفة تلقي الظم آن لموارد الماء، وأقبلوا على تفحصها والتبحّر فيها، فاشتد ساعدهم بها فتولد من اشتغال المسلمين بالفلسفة علم الكلام، كما تولد من اشتغال النصارى بها الفلسفة الأفلاطونية الجديدة.[٦٥].[٦٦]

ترجمة الكتب العلمية الأجنبية

كتب الدكتور إبراهيم حسن حول هذا الموضوع: ولم يكن لترجمة الكتب إلى العربية حظ كبير في عهد بني أُميّة، وكان خالد بن يزيد بن معاوية أوّل من عنى بنقل علوم الطب والكيمياء إلى العربية، فدعا جماعة من اليونانيين المقيمين في مصر وطلب إليهم أن ينقلوا له كثيراً من الكتب اليونانية والقبطية التي تناولت البحث في صناعة الكيمياء العملية، وعمل على الحصول على الذهب عن طريق الكيمياء. وذلك عرّبت الدواوين منذ عهد عبد الملك بن مروان بعد أن كانت بالفارسية واليونانية، ونقل ديوان مصر من اليونانية والقبطية إلى العربية في عهد الوليد بن عبد الملك.

فلمّا جاءت الدولة العباسية التي قامت بمساعدة الفرس ونشأ من ذلك اختلاط العنصرين العربي والفارسي اتجهت ميول الخلفاء العباسيين إلى معرفة علوم الفرس واليونان، فعنى أبو جعفر المنصور بترجمة الكتب، ونقل له حنين بن إسحاق بعض كتب سقراط وجالينوس في الطب، كما نقل ابن المقفّع كتاب كليلة ودمنة من الفهلوية وترجم كتاب أقليدس في الهندسة إلى العربية.

واشتهر في الترجمة من الفارسية إلى العربية غير ابن المقفع كثيرون، كآل نوبخت، و الحسن بن سهل الذي استوزره المأمون، و أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري مؤلف فتوح البلدان، و عمرو بن الفرخان.

وقد زادت العناية بترجمة الكتب في عهد هارون بعد أن وقع في حوزته بعض المدن الرومية الكبرى، فأمر بترجمة ما عثر عليه المسلمون من كتب اليونان، كما نشطت حركة الترجمة بفضل تشجيع البرامكة للمترجمين وإدرار الأرزاق عليهم.

وفي عهد المأمون قويت حركة النقل والترجمة من اللغات الأجنبية وخاصة من اليونانية والفارسية إلى العربية، فأرسل البعوث إلى القسطنطينية لإحضار المصنّفات الفريدة في الفلسفة والهندسة والموسيقى والطب.

وروى ابن النديم أنّ المأمون كان بينه وبين ملك الروم مراسلات، وقد استظهر عليه المأمون، فكتب إليه يسأله الإذن في إنفاذ ما يختار من العلوم القديمة المخزونة المدخرة ببلد الروم، فأجاب إلى ذلك بعد امتناع، فأخرج المأمون لذلك جماعة، منهم: الحجاج ابن مطر و ابن البطريق وسلما صاحب بيت الحكمة وغيرهم، فأخذوا ممّا وجدوا ما اختاروا، فلمّا حملوه إليه أمر بنقله فنقل، ولم تكد تلك الذخائر النفيسة تصل إلى بغداد حتى عهد إليهم المأمون في ترجمتها وكان قسطا بن لوقا يشرف على الترجمة من الفارسية القديمة.

ولم تكن العناية بالترجمة مقصورة على المأمون، بل عنى جماعة من ذوي اليسار في عهده بنقل كثير من الكتب إلى العربية، ومن هؤلاء: «محمد» و «أحمد« و «الحسن» أبناء موسى بن شاكر المنجم، الذين أنفقوا الأموال الضخمة في الحصول على كتب الرياضيات، وكانت لهم آثار قيمة في الهندسة والموسیقى والنجوم، وقد أنفذوا حنين بن إسحاق إلى بلاد الروم فجاءهم بطرائف الكتب وفرائد المصنفات، وقد ظهرت في عهد المأمون طائفة من جهابذة الرياضيين من أمثال محمد بن موسى الخوارزمي الذي يعد أوّل من درس الجبر دراسة منظمة وجعله علماً منفصلاً عن الحساب.

وكان من أثر نشاط حركة النقل والترجمة في عهد المأمون العباسي أن اشتغل كثير من المسلمين بدراسة الكتب التي ترجمت إلى العربية وعملوا على تفسيرها والتعليق عليها وإصلاح أغلاطها، نخص بالذكر من هؤلاء يعقوب بن إسحاق الكندي الذي نبغ في الطب والفلسفة وعلم الحساب والمنطق والهندسة وعلم النجوم، وقد حذا في تأليفه حذو أرسطو، وترجم كثيراً من كتب الفلسفة وشرح غوامضها.

وقصارى القول: إنّه كان هناك أربعة من مشاهير المترجمين في الإسلام، هم: حنين بن إسحاق، و يعقوب الكندي، و ثابت بن قرّة الحراني، و عمر بن الفرخان الطبري. وانّ العباسيين ترجموا ما وصل إليه اليونان والفرس وغيرهم من العلوم، كالفلسفة والطب والنجوم والرياضيات والموسىقى والمنطق والفلك والجغرافية والتاريخ والحكم والآداب والسير.

وقد ذكر ابن النديم انّ بني المنجم كانوا يرزقون جماعة من النقلة منهم حنين بن إسحاق و حبيش الحسن و ثابت بن قرة وغيرهم في الشهر نحو خمسمائة دينار للنقل والملازمة.

ولم يكن للمكتبات شأن كبير في العصر الأموي، ولما نشطت حركة الترجمة والتأليف في العصر العباسي وتقدّمت صناعة الورق، وتبع ذلك ظهور كثير من الورّاقين واتخاذ أمكنة فسيحة يجتمع فيها العلماء والأُدباء للتزود من العلم، كثرت المكتبات التي كانت تزخر بالكتب الدينية والعلمية والأدبية.

وصارت هذه المكتبات فيما بعد أهم مراكز الثقافة الإسلامية، وكان بيت الحكمة الذي يرجح انّ الرشيد هو الذي وضع أساسه وعمل المأمون من بعده على إمداده بمختلف الكتب والمصنّفات من أكبر خزائن الكتب في العصر العباسي، وقد ظلت هذه الخزانة قائمة حتى استولى المغول على بغداد سنة ٦٥٦ه، وكانت تحتوي كلّ الكتب في العلوم التي اشتغل بها العرب، كما كان العلماء والأُدباء الذين يختلفون إليها.

ولم يقتصر تشجيع العلم على الخلفاء بل تعدّاهم إلى الوزراء وسائر كبار رجال الدولة، فقد ذكر المسعودي انّ يحيى بن خالد البرمكي كان يميل إلى البحث والمناظرة، وكان له مجلس يجتمع فيه أهل الكلام من أهل الإسلام وغيرهم من أهل النحل[٦٧].[٦٨]

دور الإمام الرضا ازاء الموجة الفكرية الدخيلة

بالرغم من وجود هذه الجهود العلمية، فانّ الذي كان مثاراً للقلق هو انّه كان يوجد من بين هؤلاء المترجمين أشخاص متطرفون ومتعصبون من الأديان الأُخرى مثل الزاردشتيين والصابئة والنساطرة والروم وبراهمة الهند، الذين كانوا يترجمون الكتب العلمية الأجنبية من اللغات اليونانية والفارسية والهندية واللاتينية وغيرها إلى العربية.

ولا شكّ انّ جميع هؤلاء لم يكونوا يحملون نوايا حسنة في عملهم، وكان البعض منهم يحاول أن يتصيّد في الماء العكر ليحصل من سوق انتقال العلوم الأجنبية إلى المجتمع الإسلامي(ذلك السوق المزدهر) على فرصة مناسبة لبث عقائدهم المنحرفة المسمومة، ولهذا السبب وجدت العقائد الخرافية والأفكار المنحرفة اللا إسلامية طريقها وهي بين دفتي هذه الكتب العلمية في الظاهر إلى البيئة الإسلامية وأثّرت في أفكار جماعة من الشباب والبسطاء بشكل سريع.[٦٩]

ومن المؤكّد انّه لم يكن هناك لجنة علمية مقتدرة كفوءة تتمتع بالتقوى وتشعر بالمسؤولية في البلاط العباسي في تلك الفترة كي تدرس وتنقد الأعمال والكتب العلمية الأجنبية بشكل دقيق وتغربلها بغربال الرؤية الإسلامية الأصيلة تعزل الفاسد منها وتقدم النقي المفيد إلى المجتمع الإسلامي، والمهم هنا هو انّ هذه الظروف الفكرية والثقافية الخاصة ألقت مسؤولية كبيرة على عاتق الإمام الرضا(ع)، فشمّر ذلك الإمام الهمام الذي كان يعيش في ذلك العصر وعارفاً بخطورة الموقف عن ساعد الجد، وأحدث ثورة فكرية عميقة، ودافع عن أصالة العقيدة الإسلامية وثقافة المجتمع الإسلامي أمام هذه التيارات الفكرية الجارفة والخطيرة وبالتالي قاد هذه السفينة بقيادته الحكيمة وخلصها من السقوط في دوامة الانحراف الخطيرة، وتتضح أهمية هذا الأمر أكثر عندما نعلم بأنّ اتساع العالم الإسلامي قد بلغ ذروته لدرجة انّ بعض المؤرخين المشهورين صرحوا بأنّه لم يكن هناك وفي أي زمن من الأزمان دولة كبيرة بهذه الدرجة في العالم، ويعتقدون بأنّه لا يمكن مقارنتها إلاّبمملكة الاسكندر الكبير.

وكانت في تلك الفترة جميع البلدان التالية تخضع للحكومة الإسلامية: إيران، أفغانستان، الهند، تركستان، القوقاز، تركية، العراق، سورية، فلسطين، الجزيرة العربية، السودان، الجزائر، تونس،المغرب، اسبانيا(الأندلس) وهكذا كانت مساحة العالم الإسلامي في العصر العباسي وبغض النظر عن الأندلس تعادل مساحة القارة الأُوربية أو أكثر.[٧٠]

وكان من الطبيعي ان تخترق ثقافات هذه البلدان السابقة المركز الإسلامي وتؤثر عليه، ويكون لهذا النفوذ الأثر في امتزاجها بالفكر والثقافة الإسلاميين الأصيلين بينما كانت تتمتع بالغث والسمين والصحيح والفاسد في آن واحد.[٧١]

دافع المأمون الرئيسي من وراء إقامة مجالس المناظرة

وبعد ان فرض المأمون ولاية العهد على الإمام علي بن موسى الرضا (ع) راح يقيم مجالس كبيرة للمناظرة وندوات علمية، وكان يدعو إليها كبار العلماء في ذلك العصر من مختلف الأديان. وممّا لا شكّ فيه انّ الغلاف الظاهري لهذه الدعوة هو إثبات وتبيين منزلة الإمام الراقية ولكن ما الذي يكمن وراءها من حقيقة؟ فهذا ما بحثه الباحثون:

١. فيقول جماعة وهم ينظرون إلى هذا الموضوع بنظرة متشائمة ولهم الحقّ في ذلك، لأنّ القاعدة الأوّلية في تحليل رؤى الطغاة السياسية هو التشاؤم لم يكن للمأمون هدف من وراء ذلك غير الحط من شأن الإمام في عيون الناس لا سيما الإيرانيين الذين يميلون إلى أهل بيت العصمة بشدة، ظناً منه انّ الإمام لا يتمتع بدراية عن المعرفة وطرق الاستدلال سوى إلمام بسيط بالقرآن والحديث، وقد استدلّ هؤلاء لإثبات نظريتهم بنفس كلام المأمون الوارد في كتب التاريخ كما جاء في رواية النوفلي أحد أصحاب الإمام المقرّبين حيث نقرأ:

قدم سليمان المروزي متكلّم خراسان على المأمون فأكرمه ووصله، ثمّ قال له: إنّ ابن عمي علي بن موسى قدم علي من الحجاز، وهو يحب الكلام وأصحابه، فلا عليك أن تصير إلينا يوم التروية ٨ ذي الحجة لمناظرته.[٧٢] فقال سليمان وقد كان مغروراً بعلمه ومعرفته: إنّي أكره أن أسأل مثله في مجلسك في جماعة من بني هاشم، فينتقص عند القوم إذا كلّمني ولا يجوز الاستقصاء عليه. قال المأمون: إنّما وجهت إليك لمعرفتي بقوتك، وليس مرادي إلاّ أن تقطعه عن حجة واحدة فقط. فقال سليمان: حسبك يا أمير المؤمنين أجمع بيني وبينه، وخلّني والذّم.[٧٣] تشكلت هذه المناظرة بقرار مسبق واحتج الإمام على سليمان فيها بحجج قوية، أفحمه، فلم يحر جواباً، وكشف الإمام عن عجزه.

والدليل الآخر هو حديث يروى عن نفس الإمام الرضا، فلما كان المأمون يعقد مجالس البحث والنظر ويجمع المخالفين لأهل البيت ويكلّمهم في إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وتفضيله على جميع الصحابة تقرّباً إلى أبي الحسن علي بن موسى الرضا كان الرضا(ع) يقول لأصحابه الذين يثق بهم: «لاَ تَغْتَرُّوا بِقَوْلِهِ فَمَا يَقْتُلُنِي وَ اَللَّهِ غَيْرُهُ وَ لَكِنَّهُ لاَ بُدَّ لِي مِنَ اَلصَّبْرِ ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ[٧٤]».[٧٥]

ومن المؤكد انّه من حقّ المأمون أن يدافع عن مذهب أمير المؤمنين بكلّ هذه الصراحة، لأنّ شعار العباسيين الأوّل هو شعار الرضا من آل محمد، هذا من جهة.

ومن جهة أُخرى كان الإيرانيون يشكّلون العمود الفقري لحكمه وسلطانه، وهم يعشقون مدرسة أهل البيت عليهم السَّلام، فلم يكن أمامه غير الحفاظ عليهم.

وعلى أيّة حال يدلّ كلام الإمام السابق على أنّ المأمون لم يكن صادقاً في شأن عقد ندوات البحث والمناظرة كما يقول أبو الصلت خادم الإمام: «...فلما لم يظهر منه الرضا(ع) في ذلك للناس إلاّ ما ازداد به فضلاً عندهم ومحلاً في نفوسهم، جلب عليه المتكلّمين من البلدان طمعاً من أن يقطعه واحد منهم، فيسقط محله عند العلماء، وبسببهم يشتهر نقصه عند العامة، فكان(ع) لا يكلمه خصم من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين والبراهمة والملحدين و... إلاّ قطعه وألزمه الحجة...».[٧٦]

والملفت للنظر انّ بلاط المأمون كان دائماً مكاناً لعقد هذه الندوات والمناظرات، ولكن بعد استشهاد الإمام لم يبق أثر للندوات العلمية والمناظرات الكلامية، وهذا أمر يستدعي الدقة والتأمل.

وكان الإمام وهو على علم بقصد المأمون يقول: « إِذَا سَمِعَ اِحْتِجَاجِي عَلَى أَهْلِ اَلتَّوْرَاةِ بِتَوْرَاتِهِمْ وَ عَلَى أَهْلِ اَلْإِنْجِيلِ بِإِنْجِيلِهِمْ وَ عَلَى أَهْلِ اَلزَّبُورِ بِزَبُورِهِمْ وَ عَلَى اَلصَّابِئِينَ بِعِبْرَانِيَّتِهِمْ وَ عَلَى أَهْلِ اَلْهَرَابِذَةِ بِفَارِسِيَّتِهِمْ وَ عَلَى أَهْلِ اَلرُّومِ بِرُومِيَّتِهِمْ وَ عَلَى أَصْحَابِ اَلْمَقَالاَتِ بِلُغَاتِهِمْ فَإِذَا قَطَعْتُ كُلَّ صِنْفٍ وَ دَحَضَتْ حُجَّتُهُ وَ تَرَكَ مَقَالَتَهُ وَ رَجَعَ إِلَى قَوْلِي عَلِمَ اَلْمَأْمُونُ أَنَّ اَلْمَوْضِعَ اَلَّذِي هُوَ بِسَبِيلِهِ لَيْسَ بِمُسْتَحِقٍّ لَهُ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَكُونُ اَلنَّدَامَةُ مِنْهُ...».[٧٧] وهكذا تستحكم نظرية المتشائمين في هذا المجال بشكل تام.

٢. لو أعرضنا عن هذا الدافع الذي يقول به أصحاب النظرية الأُولى، فهناك دافع آخر يسترعي الانتباه، وهو أنّ المأمون أراد أن يحصر شخصية الإمام الثامن في الإطار العلمي فقط وينحيه عن القضايا السياسية بالتدريج، وليقول للآخرين: إنّ الإمام شخصية علمية وملاذ الأُمة الإسلامية في القضايا العلمية فقط، ولا صلة له بالأُمور السياسية، وبهذا يصبح شعار فصل الدين عن السياسة عملياً.

٣. والدافع الآخر الذي يخطر بالبال هو انّ السياسيين المحتالين والمحترفين لطالما يوجدون ما يشغل الشعوب ويلهيهم في فترات مختلفة حتى يبعدون الناس والرأي العام عن قضايا المجتمع الرئيسية ومواطن الضعف في حكمهم من خلال ذلك، فقد كان المأمون يرغب في أن يكون عقد المناظرة بين الإمام الرضا وعلماء عصره الكبار حديث الأوساط العلمية، ويتناقله شيعة أهل البيت في أحاديثهم اليومية ويتحدّثون عن انتصارات إمامهم في هذه البحوث لكي يمارس أعماله السياسية بهدوء وراحة بال، ويكون ذلك غطاءً لنقاط الضعف في حكومته.

٤. والدافع الرابع الذي يظهر هنا هو انّ المأمون الذي لم يكن عديم الفضل والمعرفة قد رغب في أن يقدم نفسه للمجتمع الإسلامي بصفة الحاكم العالم، وان يصدق الجميع حبه للعلم والمعرفة سواء في البيئة الإيرانية أو الإسلامية عموماً، ويكون هذا امتيازاً لحكمه، فيلفت توجه الناس نحوه من خلال ذلك.

ومن حيث إنّ هذه الندوات والمناظرات كان لها دوافع سياسية، والقضايا السياسية لا تكون أُحادية السبب عادة فلا مانع من أن نقول: إنّ جميع تلك الدوافع الأربعة كانت تقف وراء عمل المأمون في عقده لهذه الندوات.

وعلى أيّة حال كانت تعقد مناظرات وندوات بحث واسعة وبتلك الدوافع من قبل المأمون ولكن كان كما سنرى يخرج منها خائباً وفاشلاً دائماً وفضلاً عن بلوغ أهدافه نراه يحصل على نتائج عكسية.

والآن ونظراً لما مهّدناه نلقي الضوء على بعض هذه الندوات والمناظرات العلمية، وعلى الرغم من أنّ كتب التاريخ والحديث لا تذكر وللأسف هذه البحوث التي كانت تدور فيها بالتفصيل أحياناً وتعرضها بشكل مضغوط جداً، وليت تلك التفاصيل تكون بأيدينا اليوم حتى ندرك عمق كلام الإمام ونرتوي من عين علمه الصافية، طبعاً هذا القصور والتساهل في عمل نقلة الحديث والرواة ليس قليلاً ولم يبق لنا غير الأسف، بيد انّه ولحسن الحظ نقل قسم منها بالتفصيل وهو غيض من فيض.[٧٨]

مناظرات الإمام مع علماء الأديان والمذاهب

ومع أنّ مناظرات الإمام علي بن موسى الرضا (ع) كثيرة ولكن الأهم منها جميعاً هو سبع مناظرات نورد فهرسها بالصورة التالية:

وقد ذكر المرحوم العالم الكبير الشيخ الصدوق هذه المناظرات في كتاب عيون أخبار الرضا، ونقل عنه المجلسي أيضاً في المجلد٤٩ من بحاره وذكرت في كتاب مسند الإمام الرضا في المجلد الثاني وهي:

  1. مناظرة الإمام مع الجاثليق.[٧٩]
  2. مناظرته مع رأس الجالوت.[٨٠]
  3. مناظرته مع هربذ الأكبر.[٨١]
  4. مناظرته مع عمران الصابي.[٨٢] وقد حدثت هذه المناظرات الأربع في مجلس واحد وبحضور المأمون وجماعة من العلماء ورجال خراسان.
  5. مناظرته مع سليمان المروزي[٨٣] في مجلس منفرد بحضور المأمون ورجاله.
  6. مناظرته مع علي بن محمد بن الجهم.[٨٤]
  7. مناظرته مع أصحاب الأديان المختلفة.

ولكلّ واحدة من هذه المناظرات مغزى رائع وعميق، وهي ما تزال إلى اليوم وبعد مرور ألف ومائتي عام عليها تقريباً نبراساً يهتدى بها، وتحتوي على تعاليم كبيرة وقيمة، سواء من ناحية المضمون أو من ناحية كيفية الاستدلال.

فإليك نموذجاً من مناظرته مع الجاثليق في ندوة كبيرة عقدها المأمون.[٨٥]

محاولات المأمون

ونقرأ في «عيون أخبار الرضا»: «لَمَّا قَدِمَ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى اَلرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ عَلَى اَلْمَأْمُونِ أَمَرَ اَلْفَضْلَ بْنَ سَهْلٍ أَنْ يَجْمَعَ لَهُ أَصْحَابَ اَلْمَقَالاَتِ مِثْلَ اَلْجَاثَلِيقِ وَ رَأْسِ اَلْجَالُوتِ وَ رُؤَسَاءَ اَلصَّابِئِينَ وَ اَلْهِرْبِذَ اَلْأَكْبَرَ وَ أَصْحَابَ زَرْدَهُشْتَ وَ نِسْطَاسَ اَلرُّومِيَّ وَ اَلْمُتَكَلِّمِينَ لِيَسْمَعَ كَلاَمَهُ وَ كَلاَمَهُمْ فَجَمَعَهُمُ اَلْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ ثُمَّ أَعْلَمَ اَلْمَأْمُونَ بِاجْتِمَاعِهِمْ فَقَالَ أَدْخِلْهُمْ عَلَيَّ فَفَعَلَ فَرَحَّبَ بِهِمُ اَلْمَأْمُونُ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ إِنِّي إِنَّمَا جَمَعْتُكُمْ لِخَيْرٍ وَ أَحْبَبْتُ أَنْ تُنَاظِرُوا اِبْنَ عَمِّي هَذَا اَلْمَدَنِيَّ اَلْقَادِمَ عَلَيَّ فَإِذَا كَانَ بُكْرَةً فَاغْدُوا عَلَيَّ وَ لاَ يَتَخَلَّفْ مِنْكُمْ أَحَدٌ فَقَالُوا اَلسَّمْعَ وَ اَلطَّاعَةَ يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ نَحْنُ مُبْكِرُونَ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ قَالَ اَلْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ اَلنَّوْفَلِيُّ[٨٦] فَبَيْنَا نَحْنُ فِي حَدِيثٍ لَنَا عِنْدَ أَبِي اَلْحَسَنِ اَلرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ إِذْ دَخَلَ عَلَيْنَا يَاسِرٌ اَلْخَادِمُ وَ كَانَ يَتَوَلَّى أَمْرَ أَبِي اَلْحَسَنِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَالَ لَهُ يَا سَيِّدِي إِنَّ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ يُقْرِئُكَ اَلسَّلاَمَ وَ يَقُولُ فِدَاكَ أَخُوكَ إِنَّهُ أجمع [اِجْتَمَعَ] إِلَيَّ أَصْحَابُ اَلْمَقَالاَتِ وَ أَهْلُ اَلْأَدْيَانِ وَ اَلْمُتَكَلِّمُونَ مِنْ جَمِيعِ اَلْمِلَلِ فَرَأْيُكَ فِي اَلْبُكُورِ إِلَيْنَا إِنْ أَحْبَبْتَ كَلاَمَهُمْ وَ إِنْ كَرِهْتَ ذَلِكَ فَلاَ تَتَجَشَّمْ وَ إِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ نَصِيرَ إِلَيْكَ خَفَّ ذَلِكَ عَلَيْنَا فَقَالَ أَبُو اَلْحَسَنِ أَبْلِغْهُ اَلسَّلاَمَ وَ قُلْ لَهُ قَدْ عَلِمْتُ مَا أَرَدْتَ وَ أَنَا صَائِرٌ إِلَيْكَ بُكْرَةً إِنْ شَاءَ اَللَّهُ[٨٧] قَالَ اَلْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ اَلنَّوْفَلِيُّ فَلَمَّا مَضَى يَاسِرٌ اِلْتَفَتَ إِلَيْنَا ثُمَّ قَالَ لِي يَا نَوْفَلِيُّ أَنْتَ عِرَاقِيٌّ وَ رِقَّةُ اَلْعِرَاقِيِّ غَيْرُ غَلِيظَةٍ فَمَا عِنْدَكَ فِي جَمْعِ اِبْنِ عَمِّكَ عَلَيْنَا أَهْلَ اَلشِّرْكِ وَ أَصْحَابَ اَلْمَقَالاَتِ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ يُرِيدُ اَلاِمْتِحَانَ وَ يُحِبُّ أَنْ يَعْرِفَ مَا عِنْدَكَ وَ لَقَدْ بَنَى عَلَى أَسَاسٍ غَيْرِ وَثِيقِ اَلْبُنْيَانِ وَ بِئْسَ وَ اَللَّهِ مَا بَنَى فَقَالَ لِي وَ مَا بِنَاؤُهُ فِي هَذَا اَلْبَابِ قُلْتُ إِنَّ أَصْحَابَ اَلْكَلاَمِ وَ اَلْبِدْعَةِ خِلاَفُ اَلْعُلَمَاءِ وَ ذَلِكَ أَنَّ اَلْعَالِمَ لاَ يُنْكِرُ غَيْرَ اَلْمُنْكَرِ وَ أَصْحَابُ اَلْمَقَالاَتِ وَ اَلْمُتَكَلِّمُونَ وَ أَهْلُ اَلشِّرْكِ أَصْحَابُ إِنْكَارٍ وَ مُبَاهَتَةٍ إِنِ اِحْتَجَجْتَ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ اَللَّهَ وَاحِدٌ قَالُوا صح [صَحِّحْ] وَحْدَانِيَّتَهُ وَ إِنْ قُلْتَ إِنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قَالُوا أَثْبِتْ رِسَالَتَهُ ثُمَّ يُبَاهِتُونَ اَلرَّجُلَ وَ هُوَ يُبْطِلُ عَلَيْهِمْ بِحُجَّتِهِ وَ يُغَالِطُونَهُ حَتَّى يَتْرُكَ قَوْلَهُ فَاحْذَرْهُمْ جُعِلْتُ فِدَاكَ قَالَ فَتَبَسَّمَ ثُمَّ قَالَ لِي يَا نَوْفَلِيُّ أَ فَتَخَافُ أَنْ يَقْطَعُوا عَلَيَّ حُجَّتِي فَقُلْتُ لاَ وَ اَللَّهِ مَا خِفْتُ عَلَيْكَ قَطُّ وَ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يُظْفِرَكَ اَللَّهُ بِهِمْ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ لِي يَا نَوْفَلِيُّ أَ تُحِبُّ أَنْ تَعْلَمَ مَتَى يَنْدَمُ اَلْمَأْمُونُ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ إِذَا سَمِعَ اِحْتِجَاجِي عَلَى أَهْلِ اَلتَّوْرَاةِ بِتَوْرَاتِهِمْ وَ عَلَى أَهْلِ اَلْإِنْجِيلِ بِإِنْجِيلِهِمْ وَ عَلَى أَهْلِ اَلزَّبُورِ بِزَبُورِهِمْ وَ عَلَى اَلصَّابِئِينَ بِعِبْرَانِيَّتِهِمْ وَ عَلَى أَهْلِ اَلْهَرَابِذَةِ بِفَارِسِيَّتِهِمْ وَ عَلَى أَهْلِ اَلرُّومِ بِرُومِيَّتِهِمْ وَ عَلَى أَصْحَابِ اَلْمَقَالاَتِ بِلُغَاتِهِمْ فَإِذَا قَطَعْتُ كُلَّ صِنْفٍ وَ دَحَضَتْ حُجَّتُهُ وَ تَرَكَ مَقَالَتَهُ وَ رَجَعَ إِلَى قَوْلِي عَلِمَ اَلْمَأْمُونُ اَلْمَوْضِعَ اَلَّذِي هُوَ سَبِيلُهُ لَيْسَ بِمُسْتَحَقٍّ لَهُ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ اَلنَّدَامَةُ وَ لاَ حَوْلَ وَ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ اَلْعَلِيِّ اَلْعَظِيمِ فَلَمَّا أَصْبَحْنَا أَتَانَا اَلْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ فَقَالَ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنَّ اِبْنَ عَمِّكَ ينظرك [يَنْتَظِرُكَ] وَ قَدِ اِجْتَمَعَ اَلْقَوْمُ فَمَا رَأْيُكَ فِي إِتْيَانِهِ فَقَالَ لَهُ اَلرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ تَقَدَّمْنِي فَإِنِّي صَائِرٌ إِلَى نَاحِيَتِكُمْ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءً لِلصَّلاَةِ وَ شَرِبَ شَرْبَةَ سَوِيقٍ[٨٨] وَ سَقَانَا مِنْهُ ثُمَّ خَرَجَ وَ خَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى اَلْمَأْمُونِ وَ إِذَا اَلْمَجْلِسُ غَاصُّ بِأَهْلِهِ وَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ[٨٩] وَ جَمَاعَةٌ مِنَ اَلطَّالِبِيِّينَ وَ اَلْهَاشِمِيِّينَ وَ اَلْقُوَّادُ حُضُورٌ فَلَمَّا دَخَلَ اَلرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَامَ اَلْمَأْمُونُ وَ قَامَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَ جَمِيعُ بَنِي هَاشِمٍ فَمَا زَالُوا وُقُوفاً وَ اَلرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ جَالِسٌ مَعَ اَلْمَأْمُونِ حَتَّى أَمَرَهُمْ بِالْجُلُوسِ فَجَلَسُوا فَلَمْ يَزَلِ اَلْمَأْمُونُ مُقْبِلاً عَلَيْهِ يُحَدِّثُهُ سَاعَةً ثُمَّ اِلْتَفَتَ إِلَى اَلْجَاثَلِيقِ فَقَالَ يَا جَاثَلِيقُ هَذَا اِبْنُ عَمِّي عَلِيُّ بْنُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ وَ هُوَ مِنْ وُلْدِ فَاطِمَةَ بِنْتِ نَبِيِّنَا وَ اِبْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَأُحِبُّ أَنْ تُكَلِّمَهُ أَوْ تُحَاجَّهُ وَ تُنْصِفَهُ فَقَالَ اَلْجَاثَلِيقُ يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ كَيْفَ أُحَاجُّ رَجُلاً يَحْتَجُّ عَلَيَّ بِكِتَابٍ أَنَا مُنْكِرُهُ وَ نَبِيٍّ لاَ أُومِنُ بِهِ فَقَالَ لَهُ اَلرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ يَا نَصْرَانِيُّ فَإِنِ اِحْتَجَجْتُ عَلَيْكَ بِإِنْجِيلِكَ أَ تُقِرُّ بِهِ قَالَ اَلْجَاثَلِيقُ وَ هَلْ أَقْدِرُ عَلَى رَفْعِ مَا نَطَقَ بِهِ اَلْإِنْجِيلُ نَعَمْ وَ اَللَّهِ أُقِرُّ بِهِ عَلَى رَغْمِ أَنْفِي فَقَالَ لَهُ اَلرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ وَ اِسْمَعِ اَلْجَوَابَ فَقَالَ اَلْجَاثَلِيقُ مَا تَقُولُ فِي نُبُوَّةِ عِيسَى وَ كِتَابِهِ هَلْ تُنْكِرُ مِنْهُمَا شَيْئاً قَالَ اَلرِّضَا أَنَا مُقِرٌّ بِنُبُوَّةِ عِيسَى وَ كِتَابِهِ وَ مَا بَشَّرَ بِهِ أُمَّتَهُ وَ أَقَرَّتْ بِهِ اَلْحَوَارِيُّونَ وَ كَافِرٌ بِنُبُوَّةِ كُلِّ عِيسًى لَمْ يُقِرَّ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ بِكِتَابِهِ وَ لَمْ يُبَشِّرْ بِهِ أُمَّتَهُ قَالَ اَلْجَاثَلِيقُ أَ لَيْسَ إِنَّمَا نَقْطَعُ اَلْأَحْكَامَ بِشَاهِدَيْ عَدْلٍ قَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ بَلَى قَالَ فَأَقِمْ شَاهِدَيْنِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مِلَّتِكَ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ مِمَّنْ لاَ تُنْكِرُهُ اَلنَّصْرَانِيَّةُ وَ سَلْنَا مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مِلَّتِنَا قَالَ اَلرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ أَلْآنَ جِئْتَ بِالنَّصِفَةِ يَا نَصْرَانِيُّ أَ لاَ تَقْبَلُ مِنِّي اَلْعَدْلَ اَلْمُقَدَّمَ عِنْدَ اَلْمَسِيحِ عِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ اَلْجَاثَلِيقُ وَ مَنْ هَذَا اَلْعَدْلُ سَمِّهِ لِي قَالَ مَا تَقُولُ فِي يُوحَنَّا اَلدَّيْلَمِيِّ قَالَ بَخْ بَخْ ذَكَرْتَ أَحَبَّ اَلنَّاسِ إِلَى اَلْمَسِيحِ قَالَ فَأَقْسَمْتُ عَلَيْكَ هَلْ نَطَقَ اَلْإِنْجِيلُ أَنَّ يُوحَنَّا قَالَ إِنَّمَا اَلْمَسِيحُ أَخْبَرَنِي بِدِينِ مُحَمَّدٍ اَلْعَرَبِيِّ وَ بَشَّرَنِي بِهِ أَنَّهُ يَكُونُ مِنْ بَعْدِهِ فَبَشَّرْتُ بِهِ اَلْحَوَارِيِّينَ فَآمَنُوا بِهِ قَالَ اَلْجَاثَلِيقُ قَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ يُوحَنَّا عَنِ اَلْمَسِيحِ وَ بَشَّرَ بِنُبُوَّةِ رَجُلٍ وَ بِأَهْلِ بَيْتِهِ وَ وَصِيِّهِ وَ لَمْ يُلَخِّصْ مَتَى يَكُونُ ذَلِكَ وَ لَمْ تسم [يُسَمِّ] لَنَا اَلْقَوْمَ فَنَعْرِفَهُمْ قَالَ اَلرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَإِنْ جِئْنَاكَ بِمَنْ يَقْرَأُ اَلْإِنْجِيلَ فَتَلاَ عَلَيْكَ ذِكْرَ مُحَمَّدٍ وَ أَهْلِ بَيْتِهِ وَ أُمَّتِهِ أَ تُؤْمِنُ بِهِ قَالَ سَدِيداً قَالَ اَلرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ لِنِسْطَاسَ اَلرُّومِيِّ كَيْفَ حِفْظُكَ لِلسِّفْرِ اَلثَّالِثِ مِنَ اَلْإِنْجِيلِ قَالَ مَا أَحْفَظَنِي لَهُ ثُمَّ اِلْتَفَتَ إِلَى رَأْسِ اَلْجَالُوتِ فَقَالَ أَ لَسْتَ تَقْرَأُ اَلْإِنْجِيلَ قَالَ بَلَى لَعَمْرِي قَالَ فَخُذْ عَلَى اَلسِّفْرِ فَإِنْ كَانَ فِيهِ ذِكْرُ مُحَمَّدٍ وَ أَهْلِ بَيْتِهِ وَ أُمَّتِهِ فَاشْهَدُوا لِي وَ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ذِكْرُهُ فَلاَ تَشْهَدُوا لِي ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ اَلسِّفْرَ اَلثَّالِثَ حَتَّى بَلَغَ ذِكْرَ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَقَفَ ثُمَّ قَالَ يَا نَصْرَانِيُّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ اَلْمَسِيحِ وَ أُمِّهِ أَ تَعْلَمُ أَنِّي عَالِمٌ بِالْإِنْجِيلِ قَالَ نَعَمْ ثُمَّ تَلاَ عَلَيْنَا ذِكْرَ مُحَمَّدٍ وَ أَهْلِ بَيْتِهِ وَ أُمَّتِهِ ثُمَّ قَالَ مَا تَقُولُ يَا نَصْرَانِيُّ هَذَا قَوْلُ عِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَإِنْ كَذَّبْتَ بِمَا يَنْطِقُ بِهِ اَلْإِنْجِيلُ فَقَدْ كَذَّبْتَ مُوسَى وَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَ مَتَى أَنْكَرْتَ هَذَا اَلذِّكْرَ وَجَبَ عَلَيْكَ اَلْقَتْلُ لِأَنَّكَ تَكُونُ قَدْ كَفَرْتَ بِرَبِّكَ وَ نَبِيِّكَ وَ بِكِتَابِكَ قَالَ اَلْجَاثَلِيقُ لاَ أُنْكِرُ مَا قَدْ بَانَ لِي فِي اَلْإِنْجِيلِ وَ إِنِّي لَمُقِرٌّ بِهِ قَالَ اَلرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ اِشْهَدُوا عَلَى إِقْرَارِهِ ثُمَّ قَالَ يَا جَاثَلِيقُ سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ قَالَ اَلْجَاثَلِيقُ أَخْبِرْنِي عَنْ حَوَارِيِّ عِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ كَمْ كَانَ عِدَّتُهُمْ وَ عَنْ عُلَمَاءِ اَلْإِنْجِيلِ كَمْ كَانُوا قَالَ اَلرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ عَلَى اَلْخَبِيرِ سَقَطْتَ أَمَّا اَلْحَوَارِيُّونَ فَكَانُوا اِثْنَيْ عَشَرَ رَجُلاً وَ كَانَ أَعْلَمُهُمْ وَ أَفْضَلُهُمْ أَلُوقَا وَ أَمَّا عُلَمَاءُ اَلنَّصَارَى فَكَانُوا ثَلاَثَةَ رِجَالٍ يُوحَنَّا اَلْأَكْبَرُ بِأَجٍّ وَ يُوحَنَّا بِقَرْقِيسِيَا وَ يُوحَنَّا اَلدَّيْلَمِيُّ بِرِجَازَ وَ عِنْدَهُ كَانَ ذِكْرُ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ ذِكْرُ أَهْلِ بَيْتِهِ وَ أُمَّتِهِ وَ هُوَ اَلَّذِي بَشَّرَ أُمَّةَ عِيسَى وَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ يَا نَصْرَانِيُّ وَ اَللَّهِ إِنَّا لَنُؤْمِنُ بِعِيسَى اَلَّذِي آمَنَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ مَا نَنْقِمُ عَلَى عِيسَاكُمْ شَيْئاً إِلاَّ ضَعْفَهُ وَ قِلَّةَ صِيَامِهِ وَ صَلاَتِهِ قَالَ اَلْجَاثَلِيقُ أَفْسَدْتَ وَ اَللَّهِ عِلْمَكَ وَ ضَعَّفْتَ أَمْرَكَ وَ مَا كُنْتُ ظَنَنْتُ إِلاَّ أَنَّكَ أَعْلَمُ أَهْلِ اَلْإِسْلاَمِ قَالَ اَلرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَ كَيْفَ ذَاكَ قَالَ اَلْجَاثَلِيقُ مِنْ قَوْلِكَ أَنَّ عِيسَى كَانَ ضَعِيفاً قَلِيلَ اَلصِّيَامِ قَلِيلَ اَلصَّلاَةِ وَ مَا أَفْطَرَ عِيسَى يَوْماً قَطُّ وَ لاَ نَامَ بِلَيْلٍ قَطُّ وَ مَا زَالَ صَائِمَ اَلدَّهْرِ وَ قَائِمَ اَللَّيْلِ قَالَ اَلرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَلِمَنْ كَانَ يَصُومُ وَ يُصَلِّي قَالَ فَخَرِسَ اَلْجَاثَلِيقُ وَ اِنْقَطَعَ قَالَ اَلرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ يَا نَصْرَانِيُّ أَسْأَلُكَ عَنْ مَسْأَلَةٍ قَالَ سَلْ فَإِنْ كَانَ عِنْدِي عِلْمُهَا أَجَبْتُكَ قَالَ اَلرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ مَا أَنْكَرْتَ أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ كَانَ يُحْيِي اَلْمَوْتَى بِإِذْنِ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ اَلْجَاثَلِيقُ أَنْكَرْتُ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ مَنْ أَحْيَا اَلْمَوْتَى وَ أَبْرَأَ اَلْأَكْمَهَ وَ اَلْأَبْرَصَ فَهُوَ رَبٌّ مُسْتَحِقٌّ لِأَنْ يُعْبَدَ قَالَ اَلرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَإِنَّ اَلْيَسَعَ قَدْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ مَشَى عَلَى اَلْمَاءِ وَ أَحْيَا اَلْمَوْتَى وَ أَبْرَأَ اَلْأَكْمَهَ وَ اَلْأَبْرَصَ فَلَمْ تَتَّخِذْهُ أُمَّتُهُ رَبّاً وَ لَمْ يَعْبُدْهُ أَحَدٌ مِنْ دُونِ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَقَدْ صَنَعَ حِزْقِيلُ اَلنَّبِيُّ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ مِثْلَ مَا صَنَعَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ فَأَحْيَا خَمْسَةً وَ ثَلاَثِينَ أَلْفَ رَجُلٍ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِمْ بِسِتِّينَ سَنَةً ثُمَّ اِلْتَفَتَ إِلَى رَأْسِ اَلْجَالُوتِ فَقَالَ لَهُ يَا رَأْسَ اَلْجَالُوتِ أَ تَجِدُ هَؤُلاَءِ فِي شَبَابِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي اَلتَّوْرَاةِ اِخْتَارَهُمْ بُخْتَنَصَّرُ مِنْ سَبْيِ بَنِي إِسْرَائِيلَ حِينَ غَزَا بَيْتَ اَلْمَقْدِسِ ثُمَّ اِنْصَرَفَ بِهِمْ إِلَى بَابِلَ فَأَرْسَلَهُ اَللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِمْ فَأَحْيَاهُمْ هَذَا فِي اَلتَّوْرَاةِ لاَ يَدْفَعُهُ إِلاَّ كَافِرٌ مِنْكُمْ قَالَ رَأْسُ اَلْجَالُوتِ قَدْ سَمِعْنَا بِهِ وَ عَرَفْنَاهُ قَالَ صَدَقْتَ ثُمَّ قَالَ يَا يَهُودِيُّ خُذْ عَلَى هَذَا اَلسِّفْرِ مِنَ اَلتَّوْرَاةِ فَتَلاَ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ عَلَيْنَا مِنَ اَلتَّوْرَاةِ آيَاتٍ فَأَقْبَلَ اَلْيَهُودِيُّ يَتَرَجَّجُ لِقِرَاءَتِهِ وَ يَتَعَجَّبُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى اَلنَّصْرَانِيِّ فَقَالَ يَا نَصْرَانِيُّ أَ فَهَؤُلاَءِ كَانُوا قَبْلَ عِيسَى أَمْ عِيسَى كَانَ قَبْلَهُمْ قَالَ بَلْ كَانُوا قَبْلَهُ فَقَالَ اَلرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ لَقَدِ اِجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ عَلَى رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَسَأَلُوهُ أَنْ يُحْيِيَ لَهُمْ مَوْتَاهُمْ فَوَجَّهَ مَعَهُمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَالَ لَهُ اِذْهَبْ إِلَى اَلْجَبَّانَةِ فَنَادِ بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَءِ اَلرَّهْطِ اَلَّذِينَ يَسْأَلُونَ عَنْهُمْ بِأَعْلَى صَوْتِكَ يَا فُلاَنُ وَ يَا فُلاَنُ وَ يَا فُلاَنُ يَقُولُ لَكُمْ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قُومُوا بِإِذْنِ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَقَامُوا يَنْفُضُونَ اَلتُّرَابَ عَنْ رُءُوسِهِمْ فَأَقْبَلَتْ قُرَيْشٌ يَسْأَلُهُمْ عَنْ أُمُورِهِمْ ثُمَّ أَخْبَرُوهُمْ أَنَّ مُحَمَّداً قَدْ بُعِثَ نَبِيّاً فَقَالُوا وَدِدْنَا أَنَّا أَدْرَكْنَاهُ فَنُؤْمِنُ بِهِ وَ لَقَدْ أَبْرَأَ اَلْأَكْمَهَ وَ اَلْأَبْرَصَ وَ اَلْمَجَانِينَ وَ كَلَّمَهُ اَلْبَهَائِمُ وَ اَلطَّيْرُ وَ اَلْجِنُّ وَ اَلشَّيَاطِينُ وَ لَمْ نَتَّخِذْهُ رَبّاً مِنْ دُونِ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَمْ نُنْكِرْ لِأَحَدٍ مِنْ هَؤُلاَءِ فَضْلَهُمْ فَمَتَى اِتَّخَذْتُمْ عِيسَى رَبّاً جَازَ لَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا اَلْيَسَعَ وَ حِزْقِيلَ رَبّاً لِأَنَّهُمَا قَدْ صَنَعَا مِثْلَ مَا صَنَعَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ مِنْ إِحْيَاءِ اَلْمَوْتَى وَ غَيْرِهِ وَ إِنَّ قَوْماً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ خَرَجُوا مِنْ بِلاَدِهِمْ مِنَ اَلطَّاعُونِ ﴿وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ[٩٠] فَأَمَاتَهُمُ اَللَّهُ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ فَعَمَدَ أَهْلُ تِلْكَ اَلْقَرْيَةِ فَحَظَرُوا عَلَيْهِمْ حَظِيرَةً فَلَمْ يَزَالُوا فِيهَا حَتَّى نَخِرَتْ عِظَامُهُمْ وَ صَارُوا رَمِيماً فَمَرَّ بِهِمْ نَبِيٌّ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَتَعَجَّبَ مِنْهُمْ وَ مِنْ كَثْرَةِ اَلْعِظَامِ اَلْبَالِيَةِ فَأَوْحَى اَللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِ أَ تُحِبُّ أَنْ أُحْيِيَهُمْ لَكَ فَتُنْذِرَهُمْ قَالَ نَعَمْ يَا رَبِّ فَأَوْحَى اَللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِ أَنْ نَادِهِمْ فَقَالَ أَيَّتُهَا اَلْعِظَامُ اَلْبَالِيَةُ قُومِي بِإِذْنِ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَقَامُوا أَحْيَاءً أَجْمَعُونَ يَنْفُضُونَ اَلتُّرَابَ عَنْ رُءُوسِهِمْ ثُمَّ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ اَلرَّحْمَنِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ حِينَ أَخَذَ اَلطَّيْرَ فَقَطَعَهُنَّ قِطَعاً ثُمَّ وَضَعَ ﴿عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا[٩١] ثُمَّ نَادَاهُنَّ فَأَقْبَلْنَ سَعْياً إِلَيْهِ ثُمَّ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَ أَصْحَابُهُ اَلسَّبْعُونَ اَلَّذِينَ اِخْتَارَهُمْ صَارُوا مَعَهُ إِلَى اَلْجَبَلِ فَقَالُوا لَهُ إِنَّكَ قَدْ رَأَيْتَ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ فَأَرِنَاهُ كَمَا رَأَيْتَهُ فَقَالَ لَهُمْ إِنِّي لَمْ أَرَهُ فَقَالُوا ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً[٩٢] ... ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ[٩٣] فَاحْتَرَقُوا عَنْ آخِرِهِمْ وَ بَقِيَ مُوسَى وَحِيداً فَقَالَ يَا رَبِّ اِخْتَرْتُ سَبْعِينَ رَجُلاً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَجِئْتُ بِهِمْ وَ أَرْجِعُ وَحْدِي فَكَيْفَ يُصَدِّقُنِي قَوْمِي بِمَا أُخْبِرُهُمْ بِهِ فَ‍ ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا[٩٤] فَأَحْيَاهُمُ اَللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِمْ وَ كُلُّ شَيْءٍ ذَكَرْتُهُ لَكَ مِنْ هَذَا لاَ تَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِ لِأَنَّ اَلتَّوْرَاةَ وَ اَلْإِنْجِيلَ وَ اَلزَّبُورَ وَ اَلْفُرْقَانَ قَدْ نَطَقَتْ بِهِ فَإِنْ كَانَ كُلُّ مَنْ أَحْيَا اَلْمَوْتَى وَ أَبْرَأَ اَلْأَكْمَهَ وَ اَلْأَبْرَصَ وَ اَلْمَجَانِينَ يُتَّخَذُ رَبّاً مِنْ دُونِ اَللَّهِ فَاتَّخِذْ هَؤُلاَءِ كُلَّهُمْ أَرْبَاباً مَا تَقُولُ يَا يَهُودِيُّ فَقَالَ اَلْجَاثَلِيقُ اَلْقَوْلُ قَوْلُكَ وَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ ثُمَّ اِلْتَفَتَ إِلَى رَأْسِ اَلْجَالُوتِ فَقَالَ يَا يَهُودِيُّ أَقْبِلْ عَلَيَّ أَسْأَلْكَ بِالْعَشْرِ اَلْآيَاتِ اَلَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ هَلْ تَجِدُ فِي اَلتَّوْرَاةِ مَكْتُوباً بِنَبَإِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ أُمَّتِهِ إِذَا جَاءَتِ اَلْأُمَّةُ اَلْأَخِيرَةُ أَتْبَاعُ رَاكِبِ اَلْبَعِيرِ يُسَبِّحُونَ اَلرَّبَّ جِدّاً جِدّاً تَسْبِيحاً جَدِيداً فِي اَلْكَنَائِسِ اَلْجُدُدِ فليفرغ [فَلْيَفْزَعْ ] بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَيْهِمْ وَ إِلَى مَلِكِهِمْ لِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُهُمْ فَإِنَّ بِأَيْدِيهِمْ سُيُوفاً يَنْتَقِمُونَ بِهَا مِنَ اَلْأُمَمِ اَلْكَافِرَةِ فِي أَقْطَارِ اَلْأَرْضِ أَ هَكَذَا هُوَ فِي اَلتَّوْرَاةِ مَكْتُوبٌ قَالَ رَأْسُ اَلْجَالُوتِ نَعَمْ إِنَّا لَنَجِدُهُ كَذَلِكَ ثُمَّ قَالَ لِلْجَاثَلِيقِ يَا نَصْرَانِيُّ كَيْفَ عِلْمُكَ بِكِتَابِ شَعْيَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ أَعْرِفُهُ حَرْفاً حَرْفاً قَالَ لَهُمَا أَ تَعْرِفَانِ هَذَا مِنْ كَلاَمِهِ يَا قَوْمِ إِنِّي رَأَيْتُ صُورَةَ رَاكِبِ اَلْحِمَارِ لاَبِساً جَلاَبِيبَ اَلنُّورِ وَ رَأَيْتُ رَاكِبَ اَلْبَعِيرِ ضَوْءٌ مِثْلُ ضَوْءِ اَلْقَمَرِ فَقَالاَ قَدْ قَالَ ذَلِكَ شَعْيَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ اَلرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ يَا نَصْرَانِيُّ هَلْ تَعْرِفُ فِي اَلْإِنْجِيلِ قَوْلَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّكُمْ وَ رَبِّي وَ اَلْبَارِقْلِيطَا[٩٥] جَاءَ هُوَ اَلَّذِي يَشْهَدُ لِي بِالْحَقِّ كَمَا شَهِدْتُ لَهُ وَ هُوَ اَلَّذِي يُفَسِّرُ لَكُمْ كُلَّ شَيْءٍ وَ هُوَ اَلَّذِي يُبْدِئُ فَضَائِحَ اَلْأُمَمِ وَ هُوَ اَلَّذِي يَكْسِرُ عَمُودَ اَلْكُفْرِ فَقَالَ اَلْجَاثَلِيقُ مَا ذَكَرْتَ شَيْئاً مِنَ اَلْإِنْجِيلِ إِلاَّ وَ نَحْنُ مُقِرُّونَ بِهِ فَقَالَ أَ تَجِدُ هَذَا فِي اَلْإِنْجِيلِ ثَابِتاً يَا جَاثَلِيقُ قَالَ نَعَمْ قَالَ اَلرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ يَا جَاثَلِيقُ أَ لاَ تُخْبِرُنِي عَنِ اَلْإِنْجِيلِ اَلْأَوَّلِ حِينَ اِفْتَقَدْتُمُوهُ عِنْدَ مَنْ وَجَدْتُمُوهُ وَ مَنْ وَضَعَ لَكُمْ هَذَا اَلْإِنْجِيلَ فَقَالَ لَهُ مَا اِفْتَقَدْنَا اَلْإِنْجِيلَ إِلاَّ يَوْماً وَاحِداً حَتَّى وَجَدْنَاهُ غَضّاً طَرِيّاً فَأَخْرَجَهُ إِلَيْنَا يُوحَنَّا وَ مَتَّى فَقَالَ لَهُ اَلرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ مَا أَقَلَّ مَعْرِفَتَكَ بِسُنَنِ اَلْإِنْجِيلِ وَ عُلَمَائِهِ فَإِنْ كَانَ هَذَا كَمَا تَزْعُمُ فَلِمَ اِخْتَلَفْتُمْ فِي اَلْإِنْجِيلِ وَ إِنَّمَا وَقَعَ اَلاِخْتِلاَفُ فِي هَذَا اَلْإِنْجِيلِ اَلَّذِي فِي أَيَادِيكُمُ اَلْيَوْمَ فَلَوْ كَانَ عَلَى اَلْعَهْدِ اَلْأَوَّلِ لَمْ تَخْتَلِفُوا فِيهِ وَ لَكِنِّي مُفِيدُكَ عِلْمَ ذَلِكَ اِعْلَمْ أَنَّهُ لَمَّا اُفْتُقِدَ اَلْإِنْجِيلُ اَلْأَوَّلُ اِجْتَمَعَتِ اَلنَّصَارَى إِلَى عُلَمَائِهِمْ فَقَالُوا لَهُمْ قُتِلَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَ اِفْتَقَدْنَا اَلْإِنْجِيلَ وَ أَنْتُمُ اَلْعُلَمَاءُ فَمَا عِنْدَكُمْ فَقَالَ لَهُمْ أَلُوقَا وَ مرقابوس إِنَّ اَلْإِنْجِيلَ فِي صُدُورِنَا وَ نَحْنُ نُخْرِجُهُ إِلَيْكُمْ سِفْراً سِفْراً فِي كُلِّ أَحَدٍ فَلاَ تَحْزَنُوا عَلَيْهِ وَ لاَ تُخْلُوا اَلْكَنَائِسَ فَإِنَّا سَنَتْلُوهُ عَلَيْكُمْ فِي كُلِّ أَحَدٍ سِفْراً سِفْراً حَتَّى نَجْمَعَهُ كُلَّهُ فَقَعَدَ أَلُوقَا وَ مرقابوس وَ يُوحَنَّا وَ مَتَّى فَوَضَعُوا لَكُمْ هَذَا اَلْإِنْجِيلَ بَعْدَ مَا اِفْتَقَدْتُمُ اَلْإِنْجِيلَ اَلْأَوَّلَ وَ إِنَّمَا كَانَ هَؤُلاَءِ اَلْأَرْبَعَةُ تَلاَمِيذَ تَلاَمِيذِ اَلْأَوَّلِينَ أَ عَلِمْتَ ذَلِكَ فَقَالَ اَلْجَاثَلِيقُ أَمَّا هَذَا فَلَمْ أَعْلَمْهُ وَ قَدْ عَلِمْتُهُ اَلْآنَ وَ قَدْ بَانَ لِي مِنْ فَضْلِ عِلْمِكَ بِالْإِنْجِيلِ وَ سَمِعْتُ أَشْيَاءَ مِمَّا عَلِمْتُهُ شَهِدَ قَلْبِي أَنَّهَا حَقٌّ فَاسْتَزَدْتُ كَثِيراً مِنَ اَلْفَهْمِ فَقَالَ لَهُ اَلرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَكَيْفَ شَهَادَةُ هَؤُلاَءِ عِنْدَكَ قَالَ جَائِزَةٌ هَؤُلاَءِ عُلَمَاءُ اَلْإِنْجِيلِ وَ كُلَّمَا شَهِدُوا بِهِ فَهُوَ حَقٌّ قَالَ اَلرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ لِلْمَأْمُونِ وَ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَ مِنْ غَيْرِهِمْ اِشْهَدُوا عَلَيْهِ قَالُوا قَدْ شَهِدْنَا ثُمَّ قَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ لِلْجَاثَلِيقِ بِحَقِّ اَلاِبْنِ وَ أُمِّهِ هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ مَتَّى قَالَ إِنَّ اَلْمَسِيحَ هُوَ اِبْنُ دَاوُدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ يَهُوذَا بْنِ خضرون فَقَالَ مرقابوس فِي نِسْبَةِ عِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ إِنَّهُ كَلِمَةُ اَللَّهِ أَحَلَّهَا فِي جَسَدِ اَلْآدَمِيِّ فَصَارَتْ إِنْسَاناً وَ قَالَ أَلُوقَا إِنَّ عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَ أُمَّهُ كَانَا إِنْسَانَيْنِ مِنْ لَحْمٍ وَ دَمٍ فَدَخَلَ فِيهَا اَلرُّوحُ اَلْقُدُسُ ثُمَّ إِنَّكَ تَقُولُ مِنْ شَهَادَةِ عِيسَى عَلَى نَفْسِهِ حَقّاً أَقُولُ لَكُمْ يَا مَعْشَرَ اَلْحَوَارِيِّينَ إِنَّهُ لاَ يَصْعَدُ إِلَى اَلسَّمَاءِ إِلاَّ مَنْ نَزَلَ مِنْهَا إِلاَّ رَاكِبَ اَلْبَعِيرِ خَاتَمَ اَلْأَنْبِيَاءِ فَإِنَّهُ يَصْعَدُ إِلَى اَلسَّمَاءِ وَ يَنْزِلُ فَمَا تَقُولُ فِي هَذَا اَلْقَوْلِ قَالَ اَلْجَاثَلِيقُ هَذَا قَوْلُ عِيسَى لاَ نُنْكِرُهُ قَالَ اَلرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَمَا تَقُولُ فِي شَهَادَةِ أَلُوقَا وَ مرقابوس وَ مَتَّى عَلَى عِيسَى وَ مَا نَسَبُوهُ إِلَيْهِ قَالَ اَلْجَاثَلِيقُ كَذَبُوا عَلَى عِيسَى فَقَالَ اَلرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ يَا قَوْمِ أَ لَيْسَ قَدْ زَكَّاهُمْ وَ شَهِدَ أَنَّهُمْ عُلَمَاءُ اَلْإِنْجِيلِ وَ قَوْلَهُمْ حَقٌّ فَقَالَ اَلْجَاثَلِيقُ يَا عَالِمَ اَلْمُسْلِمِينَ أُحِبُّ أَنْ تُعْفِيَنِي مِنْ أَمْرِ هَؤُلاَءِ قَالَ اَلرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَإِنَّا قَدْ فَعَلْنَا سَلْ يَا نَصْرَانِيُّ عَمَّا بَدَا لَكَ قَالَ اَلْجَاثَلِيقُ لِيَسْأَلْكَ غَيْرِي فَلاَ وَ حَقِّ اَلْمَسِيحِ مَا ظَنَنْتُ أَنَّ فِي عُلَمَاءِ اَلْمُسْلِمِينَ مِثْلَكَ»[٩٦].[٩٧]

المراجع والمصادر

  1. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة

الهوامش

  1. إعلام الورى: ٣١٣؛ أُصول الكافي: ١ /٤٨٦؛ الإرشاد: ٣٠٤.
  2. إعلام الورى: ٣١٣؛ بحار الأنوار: ٤٩ /٥٧؛ عيون أخبار الرضا: ١ /١٤.
  3. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤١٩.
  4. أُصول الكافي: ١ /٤٨٦؛ الإرشاد: ٣٠٤.
  5. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤١٩.
  6. بحار الأنوار: ٤٨ /٢٢٧؛ عيون أخبار الرضا: ١ /١٠٠.
  7. عيون أخبار الرضا: ٢ /٢٢٦؛ كشف الغمة: ٣ /١٠٥.
  8. عيون أخبار الرضا: ٢ /٢٢٦؛ كشف الغمة: ٣ /١٠٥؛ بحار الأنوار: ٤٩ /١١٥.
  9. الروضة من الكافي: ٢٥٧؛ زندگانى پيشواى هشتم: ٥٢؛ بحار الأنوار: ٤٩ /١١٥.
  10. وقد كان الإمام يذكر بعد ذلك في خراسان أيّامه في المدينة وما كان يتمتع به من الشعبية والمكانة بارتياح وسرور، كما قال ذات مرة للمأمون الذي توقع منه أشياء بسبب ولاية العهد: «وما زادني هذا الأمر ولاية العهد الذي دخلت فيه في النعمة عندي شيئاً، ولقد كنت بالمدينة وكتابي ينفذ في المشرق والمغرب، ولقدكنت أركب حماري وأمر في سكك المدينةومابها أعزّ منّي...». بحار الأنوار: ٤٩ /١٥٥؛ الروضة من الكافي، ص ١٥١؛ عيون أخبار الرضا: ٢ /١٦٧.
  11. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٢٠.
  12. زندگانى پيشواى هشتم إمام على بن موسى الرضا(ع): ٥٨ ٥٩.
  13. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٢٢.
  14. الكامل في التاريخ: ٦ /٢٨٧.
  15. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٢٣.
  16. زندگانى پيشواى هشتم، ص ٦٠.
  17. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٢٣.
  18. وتروى هذه القصة على النحو التالي: انّ زبيدة لاعبت الرشيد بالشطرنج على الحكم والرضا فغلبته، فحكمت عليه أن يطأ أقبح وأقذر وأشوه جارية في المطبخ، فبذل لها خراج مصر والعراق لتعفيه عن ذلك، فلم تقبل، ولم تجد جارية تجمع تلك الصفات غير مراجل، فطلبت إليه أن يطأها فجاء المأمون. حياة الحيوان للدميري. ولا ينافي ذلك أنّه ولد في الليلة التي تولّى فيهاأبوه الخلافة، فإنّ أولياء العهد كانوا يتولّون أعظم الولايات من قبل الخلفاء، وقد قسّم الرشيد الدولة كلّها بين أولاده الثلاثة الحياة السياسية للإمام الرضا، ص ١٤٨ ١٤٩، السيدجعفر العاملي.
  19. الحياة السياسية للإمام الرضا: ٩٧١٠٠.
  20. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٢٤.
  21. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٢٦.
  22. ولم يأت في الوثائق التاريخية المعتمد عليها أي ذكر للخلافة أو ولاية العهد عند استدعائه للإمام، ولعلّ هذه الفكرة قد انقدحت في ذهن المأمون مؤخراً، أو إذا كان يفكر في ذلك مسبقاً فانّه لم يبد شيئاً منه، ومن بين كلّ ذلك فانّ البيهقي هو الوحيد الذي ينقل لنا تلك الأحداث بنحو آخر وكتب يقول: إنّ طاهراً بايع الإمام بولاية العهد في العراق، غير انّ هذا غير صحيح، لأنّ طاهراً كان في بغداد، وقد روى الكثير انّ مسير الإمام كان من طريق البصرة، وثانياً انّ رواية البيهقي تتحدث منذ البداية عن ولاية العهد، ولا تقول شيئاً عن انتقال الخلافة بينما قد كتب أكثر المؤرّخين: انّ المأمون قد اقترح الخلافة في البداية، ومع ذلك انّ الأمر يبدو وذلك كما في بعض الكتب الفارسية أو العربية التي ترجمت للإمام مبهماً وغامضاً تماماً، وقد اعتبروا انّ استدعاء الإمام هو دعوته إلى قبول الخلافة بشكل رسمي. زندگانى امام هشتم: ٧٢.
  23. كشف الغمة: ٣ /٦٥؛ الإرشاد: ٣٠٩؛ روضة الواعظين: ٢٤٧.
  24. بحار الأنوار: ٤٩ /١١٧؛ كشف الغمة: ٣ /٩٥.
  25. بحار الأنوار: ٤٩ /١١٧.
  26. يقول رجاء بن أبي الضحاك: بعثني المأمون في إشخاص علي بن موسى (ع) من المدينة، وقد أمرني أن آخذ به على طريق البصرة والأهواز وفارس ولا آخذ به على طريق قم (عيون أخبار الرضا: ٢ /١٩٤؛ البحار: ٤٩ /٩١).
  27. وللمرحوم السيد عبد الكريم بن طاووس صاحب فرحة الغري والمتوفّى سنة ٦٩٣ه كلام حول كيفية قدوم الإمام إلى قم وهو ما لم يشاهد في موضع آخر. ونظراً إلى أنّ الشيخ الصدوق رحمه الله الذي كان قمياً ولا تفصله مدة زمنية كبيرة عن الإمام لم يرو شيئاً عن قدوم الإمام إلى قم ويذكر طريقاً آخر فلا يبدو ما قاله ابن طاووس قريباً من الواقع. زندگانى پيشواى هشتم: ٧٤.
  28. زندگانى پيشواى هشتم: ٧٠٧٤.
  29. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٢٦.
  30. كشف الغمة: ٣ /٦٦؛ الإرشاد: ٣١٠؛ روضة الواعظين: ٢٤٨.
  31. الإرشاد: ٣١٠؛ كشف الغمة: ٣ /٦٥؛ إعلام الورى: ٣٣٣؛ روضة الواعظين: ٢٤٨.
  32. علل الشرائع: ١ /٢٢٦؛ روضة الواعظين: ٢٤٧.
  33. إعلام الورى: ٣٣٤؛ الإرشاد: ٣١٠.
  34. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٢٨.
  35. وقال علي بن عيسى الاربلي: إنّي قد اطّلعت على هذه الوثيقة المكتوبة بخط الإمام والمأمون عام ٦٧٠ ه، وقد نقلها في كتابه حرفياً (كشف الغمة: ٣ /١٢٣ ١٢٨).
  36. زندگانى پيشواى هشتم: ٨٢ ٨٧.
  37. كشف الغمة: ٣ /٦٧؛ الإرشاد: ٣١٢؛ روضة الواعظين: ٢٤٩.
  38. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٢٩.
  39. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٣٠.
  40. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٣١.
  41. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٣٢.
  42. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٣٢.
  43. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٣٣.
  44. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٣٣.
  45. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٣٤.
  46. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٣٤.
  47. الحياة السياسية للإمام الرضا(ع) السيد جعفر مرتضى الحسيني: ١٥٥ ١٨٥.
  48. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٣٥.
  49. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٣٦.
  50. زندگانى پيشواى هشتم امام علي بن موسى الرضا: ١٣٨ ١٤١.
  51. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٣٧.
  52. مناقب آل أبي طالب: ٤ /٣٦٤؛ عيون أخبار الرضا: ٢ /١٤١؛ بحار الأنوار: ٤٩ /١٤٠.
  53. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٣٨.
  54. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٤٠.
  55. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٤٠.
  56. الحياة السياسية للإمام الرضا(ع): ٣٠٦٣٠٨،السيدجعفر مرتضى الحسيني،بقليل من التصرّف.
  57. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٤١.
  58. الحياة السياسية للإمام الرضا(ع): ٣٤٧ ٣٤٨.
  59. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٤٢.
  60. الفهرست: ٣٥٣.
  61. تاريخ التمدن الإسلامي، جرجي زيدان: ٣ /٢١٦.
  62. مجموعة مؤلفات المؤتمر العالمي الثاني للإمام الرضا(ع)، مقالة آية الله مكارم الشيرازي: ١ /٤٢٨ ٤٣٢ بتصرّف قليل.
  63. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٤٥.
  64. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٤٩.
  65. تاريخ التمدن الإسلامي: ٣ /٢١٦.
  66. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٥٠.
  67. تاريخ الإسلام السياسي، الدكتور إبراهيم حسن: ٢ /٢٩٦ ٢٩٩.
  68. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٥٢.
  69. وكتب الدكتور طه حسين المفكر المصري حول التأثير السيء الذي أحدثه تعرف المسلمين على الثقافات الأجنبية وخاصة الثقافة اليونانية: ثمّ لم يلبثوا ان عرفوا ألواناً من الثقافات الأجنبية والثقافات اليونانية خاصة والفلسفة اليونانية على وجه أخص، فتأثّروا بهذا كلّه واتّخذوه وسيلة إلى الدفاع عن دينهم كما فعل النصارى واليهود، ثمّ مضوا إلى أبعد من ذلك ف آمنوا بالعقل وحكّموه في كلّ شيء وزعموا انّه وحده مصدر المعرفة، وقد غرهم إيمانهم بالعقل فدفعهم إلى شطط بعيد... وهذا هو الذي فتح عليهم أبواب هذا الاختلاف الذي لا ينقضي وجعلهم فرقاً نيفت على السبعين. مرآة الإسلام: ٣٤٠.
  70. ويقول غوستاف لوبون الفرنسي: والواقع هو انّ السلطة السياسية للعرب قد بلغت ذروتها في عهد هارون وابنه المأمون حيث كان الحد الشرقي لسلطانهم في آسيا هو حدود الصين، وفي إفريقيا طرد العرب القبائل الوحشية حتى حدود الحبشة، والروم إلى مضيق البسفور وكذلك وصلوا حتى ضفاف المحيط الاطلسي. تاريخ حضارة الإسلام والعرب، غوستاف لوبون، ص ٢١١.
  71. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٥٥.
  72. ولعل انتخاب هذا اليوم لمشاركة العلماء بشكل أكبر.
  73. عيون أخبار الرضا: ١ /١٧٩؛ بحار الأنوار: ٤٩ /١٧٧.
  74. سورة البقرة، الآية 235.
  75. بحار الأنوار: ٢ /١٨٥؛ البحار: ٤٩ /١٨٩.
  76. عيون أخبار الرضا: ٢ /٢٣٩؛ بحار الأنوار: ٤٩ /٢٩٠.
  77. بحارالأنوار: ٤٩ /١٧٥؛ مسند الإمام الرضا، الشيخ العطاردي، المؤتمر العالمي للإمام الرضا: ٢ /٧٥.
  78. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٥٧.
  79. الجاثليق لفظة يونانية تعني كبير الأساقفة، وهو لقب يطلق على كبار علماء النصارى وليس اسماً خاصاً، وربما هو معرب كلمة الكاثوليك.
  80. وهو لقب كبار علماء اليهود
  81. الهربذ أو الهيربد الأكبر اسم مختص بكبير الزرادشتيين، ويعني: الإمام الكبير الروحي والقاضي الزردشتي وخادم معبد النار.
  82. وكما يبدو من اسمه كان يدافع عن دين الصابئة، وهم فرقة تدّعي انّها على دين النبي يحيى غير انّهم انقسموا مذهبين: مشركين وموحدين، فمنهم: عبدوا الكواكب والنجوم وهم ماعرفوا بعبّاد الكواكب كان مركزهم مدينة حران في العراق ثمّ هاجروا إلى مدن أُخرى وخوزستان، ويحبذون العيش قرب الأنهار الكبيرة وفقاً لعقيدتهم، وبعضهم بعيش الآن في الأهواز ومناطق أُخرى.
  83. كان سليمان المروزي من أشهر علماء الكلام في خراسان في عصر المأمون وكان الأخير يكن له الكثير من التقدير الاحترام.
  84. كان علي بن محمد بن الجهم ناصبياً ومبغضاً لأهل البيت، وقد نقل المرحوم الصدوق رواية عنه تدلّ على أنّه يكن الحب للإمام الرضا وقد علّق عليها: هذا الحديث غريب عن طريق علي بن محمد بن الجهم مع نصبه وعداوته لأهل البيت ؛ عيون أخبار الرضا: ١ /٢٠٤.
  85. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٦١.
  86. ومع أنّ علماء الرجال لم يوثّقوا الحسن بن سهل النوفلي غير انّهم قالوا انّ له كتاباً حسناً كثير الفائدة. جامع الرواة: الأردبيلي: ١ /٢٢٦.
  87. عيون أخبار الرضا: ١ /١٥٥.
  88. السويق من الأشربة يعدونه بالدقيق.
  89. ابن الإمام الصادق وعمّ الإمام الرضا (ع).
  90. سورة البقرة، الآية ٢٤٣.
  91. سورة البقرة، الآية ٢٦٠.
  92. سورة البقرة، الآية ٥٥.
  93. سورة النساء، الآية ١٥٣.
  94. سورة الأعراف، الآية ١٥٥.
  95. والمقصود من البارقليطا أو الفارقليطا الذي أخبر السيد المسيح(ع) بمجيئه هو النبي محمد(ص) وقد جاءت هذه البشارة في إنجيل يوحنّا في الباب ١٤ و١٥و١٦، وقد نقل القرآن الكريم هذا المضمون في الآية ٦ من سورة الصف عن السيد المسيح(ع). وللاطّلاع أكثر يراجع كتاب «أحمد موعود إنجيل» تأليف الأُستاذ جعفر السبحاني، ص ٩٧- ١٣٣.
  96. عيون اخبار الرضا: ٢ /١٣٩ ١٥٠ مجموعه آثار دومين كنكره جهانى حضرت رضا(ع): ١ /٤٣٢ ٤٥٢؛ مقاله آية الله ناصر مكارم شيرازي بتصرف.
  97. مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٦٢.