الإمام علي الهادي في التاريخ الإسلامي
تمهيد
وُلد الإمام أبو الحسن علي التقي الهادي(ع) إمام الشيعة العاشر في النصف من ذي الحجة عام ٢١٢هـ في قرية صريا من قرى المدينة.[١] أبوه الإمام التاسع الإمام الجواد(ع)، وأُمّه السيدة القديرة سمانة التي كانت أُمّ ولد فاضلة مؤمنة.[٢]
أشهر ألقاب الإمام العاشر هو: «النقي» و«الهادي»، ويقال له أبو الحسن الثالث أيضاً.[٣]
تقلّد الإمام الهادي الإمامة عام ٢٢٠هـ بعد استشهاد أبيه الكريم، وكان له من السن حينها ثمانية أعوام، وكانت فترة إمامته ٣٢ عاماً، واستشهد عام ٢٥٤ في مدينة سامراء ودفن في بيته، وعمره ٤١ سنة وبضعة شهور .[٤].[٥]
الخلفاء المعاصرون للإمام
عاصر الإمام الهادي في فترة إمامته ستة خلفاء عباسيّين، وهم حسب الترتيب الزمني:
- المعتصم أخو المأمون(٢١٨ـ ٢٢٧هـ).
- الواثق بن المعتصم (٢٢٧ـ ٢٣٢هـ).
- المتوكل أخو الواثق بن المعتصم(٢٣٢ـ ٢٤٨هـ).
- المنتصر بن المتوكل(٦ أشهر).
- المستعين ابن عم المنتصر بن المتوكل (٢٤٨ـ ٢٥٢هـ).
- المعتز بن المتوكل الآخر(٢٥٢ـ ٢٥٥هـ).
واستشهد الإمام الهادي في عهد الخليفة الأخير مسموماً ودفن في داره.[٦]
الأوضاع السياسية والاجتماعية في عصر الإمام
لهذه الفترة من الخلافة العباسية خصوصيات تميّزها عن غيرها من الفترات، وهي:
- زوال هيبة الخلافة وعظمتها: كان للخلافة سواء في العصر الأموي أو العباسي هيبة، غير انّ تلك العظمة قد زالت في هذه الفترة بسبب سيطرة الموالي والأتراك على جهاز الخلافة التي أصبحت كرة بأيديهم يرمونها أينما شاءوا، وكان للخليفة دور شكلي فقط، ولكن عندما يكون شعور بالخطر من قبل المخالفين تتحد آراء الخليفة ورجال الحكم في القضاء على ذلك الخطر حينئذ.
- مجون وخلاعة رجال البلاط: وكان الخلفاء العباسيون يقيمون مجالس اللهو والشرب الليلية في هذه الفترة بسبب الفراغ الذي يعانيه جهاز الخلافة، وأصبح البلاط غاصاً في الفساد والمعصية، وقد سجّلت كتب التاريخ أخبار هذه الليالي الحمراء الأسطورية التي كانوا يحيونها.
- ازديادالظلم والاستبداد: وجعل الظلم والبذخ والعيث ببيت المال وصرفه في توفير المتعة واللهو الناس يضيقون ذرعاً بهذه التصرفات.
- تصاعد الثورات العلوية: حاول الحكم العباسي في هذه الفترة الزمنية أن يقضي على العلويين من خلال بث الكراهية لهم بين الناس. وكان كلّما يلاحظ ظلاً ولو قصيراً لثورة علوية كان مسلسل القمع والاضطهاد يبدأ بلا رحمة بحقها، والسبب في سرعة مواجهتها هو انّ جهاز الخلافة كان يرى نفسه ضعيفاً ومتزلزلاً، ويخاف هذا النوع من الثورات على الرغم من أجواء الرعب والاضطهاد التي أوجدها.
وكانت سياسة العلويين في هذه الفترة هو عدم ذكر شخص معين، وكانوا يدعون الناس إلى قيادة وإمامة الرضا من آل محمد، لأنّهم كانوا يشاهدون انّ أئمتهم المعصومين يخضعون لسيطرة ومراقبة تامة في قلب معسكر سامراء، فكانت الدعوة لشخص معين تعني القضاء عليه.
وقد كانت هذه الثورات ردّة فعل للظلم والاضطهاد اللذين كانا يخيّمان على المجتمع الإسلامي في تلك الفترة، وكانت تتناسب تناسباً طردياً معهما، وعلى سبيل المثال لم تحدث أية ثورة أو انتفاضة في عهد الخليفة المنتصر الذي كان يميل إلى أهل البيت إلى حد ما والذي لم يتعرض أحد للشيعة والعلويين في عهده.
وقد سجلت كتب التاريخ ١٨ ثورة بين الفترة ٢١٩ـ إلى ٢٧٠ هـ، وغالباً ما كانت هذه الثورات تمنى بالفشل، ويتم القضاء عليها من قبل الدولة العباسية.[٧]
أسباب فشل الثورات
ويجب البحث عن أسباب فشل هذه الثورات في قياداتها وضعفها أوّلاً، وفي رجال واتباع تلك القيادات ثانياً.
فإنّ قيادة هذه الثورات لم تكن تملك مخططاً صحيحاً وكاملاً تسير في ضوئه، وكانت تفتقر إلى التنظيم.
ومن ناحية أُخرى لم يكن لهذه الثورات طابع إسلامي مائة بالمائة، ولذلك لم تحظ بتأييد الأئمّة المعاصرين لها عادة.
ومن المؤكد كان هناك بين أصحاب تلك الثورات وأنصارها رجال مخلصون وشيعة واقعيون ناضلوا حتى الموت لأجل المبادئ الإسلامية السامية غير انّ عددهم قليل، وكان أغلب الثوار ممّن لم يكن لهم أهداف إسلامية واضحة، بل كانوا منزعجين من الظلم والاضطهاد اللذين كانوا يتلقونهما، وأرادوا تغيير الأوضاع المتردية، وكانت هذه الجماعات تترك قائدها وتتفرّق عنه بمجرد أن تشعر بالهزيمة أو الموت.
وكما تقدم فانّ السبب في عدم تأييد الأئمّة لها يكمن في أنّها لم تكن إسلامية خالصة، ولوحظت بعض الانحرافات في أهدافها وقادتها، أو انّ خططها كانت بنحو يمكن التنبؤ بفشلها، ولذلك لو كان الإمام يؤيد هذه الثورات علناً، لكان التشيع والإمامة ونواة الشيعة المركزية عرضة للخطر فيما لو فشلت في حركتها.[٨]
نشاطات الإمام السرية
كما يبيّن لنا الجدول الزمني لحكم العباسيين فانّ المتوكل قد عاصر الإمام الهادي أكثر من غيره من الخلفاء، وفيما يلي نستعرض موقفه تجاه الإمام.
كان المتوكل يسيء معاملة بني هاشم ويضطهدهم كثيرا،ً وكان يسيء الظن بهم ويتّهمهم دائماً، وكان وزيره عبد الله بن يحيى بن خاقان يسعى بهم لديه ويشجعه على الاساءة إليهم، وقد حاز المتوكل على قصب السبق في ظلم أهل البيت واضطهادهم من بين الخلفاء العباسيين.[٩] فقد كان يكن لعلي وآله حقداً وعداء عجيبين، وإذا عرف أنّ هناك من يحب الإمام عليّاً فانّه يصادر أمواله ويقضي عليه.[١٠]
ولأجل ذلك كان الإمام الهادي يمارس خاصة في عصر المتوكل نشاطاته بشكل سري، ويراعي السرية التامة في مختلف أحواله مع الشيعة، والذي يؤيد ذلك هو الحدث الذي ينقله المؤرخون:
يقول محمد بن شرف: «كُنْتُ مَعَ أَبِي اَلْحَسَنِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ أَمْشِي بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ لِي أَ لَسْتَ اِبْنَ شَرَفُ قُلْتُ بَلَى فَأَرَدْتُ أَنْ أَسْأَلَهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَابْتَدَأَنِي مِنْ غَيْرِ أَنْ أَسْأَلَهُ فَقَالَ نَحْنُ عَلَى قَارِعَةِ اَلطَّرِيقِ وَ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ مَسْأَلَةٍ».[١١]
تبيّن هذه الواقعة شدة أجواء الرعب السائدة ومدى سرية الإمام الإجبارية بشكل جيد.
وقد كان الإمام يتبع ـ اضطراراً ـ نفس هذه الطريقة في الاتصال بالشيعة القاطنين في المدن والمناطق المختلفة ويستلم الحقوق الشرعية والأموال المرسلة من قبلهم بسرية تامة.
وقد قدمت لنا كتب التاريخ والرجال نموذجاً ممّا أشرنا إليه: فقد روى محمد بن داوود القمي و محمد الطلحي: «حَمَلْنَا مَالاً مِنْ خُمُسٍ وَ نَذْرٍ وَ هَدَايَا وَ جَوَاهِرَ اِجْتَمَعَتْ فِي قُمَّ وَ بِلاَدِهَا وَ خَرَجْنَا نُرِيدُ بِهَا سَيِّدَنَا أَبَا اَلْحَسَنِ اَلْهَادِيَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَجَاءَنَا رَسُولُهُ فِي اَلطَّرِيقِ أَنِ اِرْجِعُوا فَلَيْسَ هَذَا وَقْتَ اَلْوُصُولِ فَرَجَعْنَا إِلَى قُمَّ وَ أَحْرَزْنَا مَا كَانَ عِنْدَنَا فَجَاءَنَا أَمْرُهُ بَعْدَ أَيَّامٍ أَنْ قَدْ أَنْفَذْنَا إِلَيْكُمْ إِبِلاً عِيراً فَاحْمِلُوا عَلَيْهَا مَا عِنْدَكُمْ وَ خَلُّوا سَبِيلَهَا قَالَ فَحَمَلْنَاهَا وَ أَوْدَعْنَاهَا اَللَّهَ فَلَمَّا كَانَ مِنْ قَابِلٍ قَدِمْنَا عَلَيْهِ فَقَالَ اُنْظُرُوا إِلَى مَا حَمَلْتُمْ إِلَيْنَا فَنَظَرْنَا فَإِذَا اَلْمَنَائِحُ كَمَا هِيَ»[١٢]
ومع أنّه لا يعلم أين حدث ذلك أفي فترة إقامة الإمام في المدينة أو في سامراء ـ إذ كانت تخضع لمراقبة وسيطرة أكثر شدة ـ غير انّ هذه القضية تمثل على أية حال حالة بارزة للاتصالات السرية البعيدة عن أعين جواسيس جهاز الخلافة.
وفرضت على الإمام(ع) حين إقامته بسامراء رقابة شديدة وضيق الخناق عليه من قبل الجهاز العباسي الحاكم.
حتّى أنّه أرسلت إليه مرّة أموال من قم ـ وعلى الرغم من أوامر المتوكل التي صدرت للفتح بن خاقان بضبطها والجهود التي بذلها الأخير في هذا الصعيد إلاّ انّ الإمام(ع) استلمها ليلاً وبذلك باءت جهود الجهاز الأمني للبلاط العباسي بالفشل.[١٣].[١٤]
شبكة الاتصالات النيابية
الظروف المتأزمة التي كان يعاني منها أئمّة الشيعة في عصر العباسيين دفعتهم إلى إيجاد آلية جديدة لإقامة الاتصال بأتباعهم، ولم تكن هذه الآلية الجديدة إلاّ شبكة الاتصالات النيابية ونصب الوكلاء في البلدان المختلفة من قبل الإمام، والهدف الرئيسي لهذه المنظمة هو جمع الخمس والزكاة والنذور والهدايا من المناطق المختلفة من خلال الوكلاء ثمّ تحويلها إلى الإمام، مضافاً إلى نقل أجوبة الإمام على الاستفسارات الفقهية والعقائدية للشيعة وتوجيههم سياسياً.
وقد كان لهذه الشبكة أو المنظمة تأثير كثير في تحقيق أهداف الإمام الذي كان خاضعاً لمراقبة شديدة في سامراء، وقد سار في أمر نصب الوكلاء والنوّاب على خطا أبيه الإمام الجواد(ع)، فنصب الوكلاء والنوّاب في مختلف المدن والمناطق، وهكذا يكون قد أحدث شبكة ومنظمة اتصالات موجهة ومتناسقة تحقّق تلك الأهداف المذكورة آنفاً.
وصعّد عدم الاتصال المباشر بين الإمام وشيعته من دور الوكلاء الديني والسياسي لدرجة انّهم تحملوا مسؤولية أكبر في إدارة الأمور، وقد حصل الوكلاء على تجارب قيّمة في تنظيم وتعبئة الشيعة في المجالات المستقلة، وتدلّ الوثائق التاريخية على أنّ الوكلاء كانوا يقسمون الشيعة حسب المناطق المختلفة إلى أربع مجموعات من النواحي:
- الناحية الأولى تشمل بغداد، المدائن والكوفة.
- والناحية الثانية تشمل البصرة والأهواز.
- والناحية الثالثة قم وهمدان.
- وأخيراً تشمل الناحية الرابعة الحجاز واليمن ومصر.
وكانت كلّ ناحية تمنح لوكيل مستقل يوظّف هو بدوره كوادر محليّين تحت إشرافه، ويمكن ملاحظة أعمال المنظمة النيايية هذه في توجيهات الإمام الهادي لمدراء هذه المنظمة، فقد روي أنّ الإمام قد كتب عام ٢٣٢هـ رسالة إلى علي بن بلال وكيله المحلي في بغداد: «﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾[١٥] ، أَحْمَدُ اَللَّهَ إِلَيْكَ وَ أَشْكُرُ طَوْلَهُ وَ عَوْدَهُ، وَ أُصَلِّي عَلَى اَلنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ صَلَوَاتُ اَللَّهِ وَ رَحْمَتُهُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ إِنِّي أَقَمْتُ أَبَا عَلِيٍّ مَقَامَ اَلْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ[١٦] وَ اِئْتَمَنْتُهُ عَلَى ذَلِكَ بِالْمَعْرِفَةِ بِمَا عِنْدَهُ اَلَّذِي لاَ يَتَقَدَّمُهُ أَحَدٌ، وَ قَدْ أَعْلَمُ أَنَّكَ شَيْخُ نَاحِيَتِكَ، فَأَحْبَبْتُ إِفْرَادَكَ وَ إِكْرَامَكَ بِالْكِتَابِ بِذَلِكَ، فَعَلَيْكَ بِالطَّاعَةِ لَهُ وَ اَلتَّسْلِيمِ إِلَيْهِ جَمِيعَ اَلْحَقِّ قَبْلَكَ، وَ أَنْ تَخُصَّ مَوَالِيَّ عَلَى ذَلِكَ، وَ تُعَرِّفَهُمْ مِنْ ذَلِكَ مَا يَصِيرُ سَبَباً إِلَى عَوْنِهِ وَ كِفَايَتِهِ، فَذَلِكَ تَوْفِيرٌ عَلَيْنَا وَ مَحْبُوبٌ لَدَيْنَا، وَ لَكَ بِهِ جَزَاءٌ مِنَ اَللَّهِ وَ أَجْرٌ، فَإِنَّ اَللَّهَ يُعْطِي مَنْ يَشَاءُ، ذُو اَلْإِعْطَاءِ وَ اَلْجَزَاءِ بِرَحْمَتِهِ، وَ أَنْتَ فِي وَدِيعَةِ اَللَّهِ، وَ كَتَبْتُ بِخَطِّي، وَ أَحْمَدُ اَللَّهَ كَثِيراً».[١٧]
وكتب الإمام في رسالة أُخرى إلى أحد وكلائه باسم «أيّوب بن نوح»: «وَ أَنَا آمُرُكَ يَا أَيُّوبَ بْنَ نُوحٍ أَنْ تَقْطَعَ اَلْإِكْثَارَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ أَبِي عَلِيٍّ، وَ أَنْ يَلْزَمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا مَا وُكِّلَ بِهِ وَ أُمِرَ بِالْقِيَامِ فِيهِ بِأَمْرِ نَاحِيَتِهِ، فَإِنَّكُمْ إِذَا اِنْتَهَيْتُمْ إِلَى كُلِّ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ اِسْتَغْنَيْتُمْ بِذَلِكَ عَنْ مُعَاوَدَتِي وَ آمُرُكَ يَا أَبَا عَلِيٍّ بِمِثْلِ مَا آمُرُكَ يَا أَيُّوبُ : أَنْ لاَ تُقْبَلَ مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ وَ اَلْمَدَائِنِ شَيْئاً يَحْمِلُونَهُ، وَ لاَ تَلِي لَهُمُ اِسْتِيذَاناً عَلَيَّ وَ مُرْ مَنْ أَتَاكَ بِشَيْءٍ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ نَاحِيَتِكَ أَنْ يُصَيِّرَهُ إِلَى اَلْمُوَكَّلِ بِنَاحِيَتِهِ، وَ آمُرُكَ يَا أَبَا عَلِيٍّ فِي ذَلِكَ بِمِثْلِ مَا أَمَرْتُ بِهِ أَيُّوبَ، وَ لْيَقْبَلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا قِبَلَ مَا أَمَرْتُهُ بِهِ».[١٨]
وكذلك حمّل الإمام أبا علي بن راشد رسالة إلى شيعته في بغداد والمدائن والعراق ـ الكوفة ـ وأطرافها كتب فيها: « إِنِّي أَقَمْتُ أَبَا عَلِيِّ بْنِ رَاشِدٍ مَقَامَ عَلِيِّ بْنِ اَلْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ وَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ مِنْ وُكَلاَئِي، وَ صَارَ فِي مَنْزِلَتِهِ عِنْدِي، وَ وَلَّيْتُهُ مَا كَانَ يَتَوَلاَّهُ غَيْرُهُ مِنْ وُكَلاَئِي قَبْلَكُمْ، لِيَقْبِضَ حَقِّي، وَ اِرْتَضَيْتُهُ لَكُمْ وَ قَدَّمْتُهُ عَلَى غَيْرِهِ فِي ذَلِكَ، وَ هُوَ أَهْلُهُ وَ مَوْضِعُهُ، فَصِيرُوا رَحِمَكُمُ اَللَّهُ إِلَى اَلدَّفْعِ إِلَيْهِ ذَلِكَ وَ إِلَيَّ، وَ أَنْ لاَ تَجْعَلُوا لَهُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ عِلَّةً، فَعَلَيْكُمْ بِالْخُرُوجِ عَنْ ذَلِكَ وَ اَلتَّسَرُّعِ إِلَى طَاعَةِ اَللَّهِ وَ تَحْلِيلِ أَمْوَالِكُمْ وَ اَلْحَقْنِ لِدِمَائِكُمْ، ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾[١٩] ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾[٢٠] ، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾[٢١] ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾[٢٢] ، فَقَدْ أَوْجَبْتُ فِي طَاعَتِهِ طَاعَتِي وَ اَلْخُرُوجِ إِلَى عِصْيَانِهِ اَلْخُرُوجَ إِلَى عِصْيَانِي، فَالْزَمُوا اَلطَّرِيقَ يَأْجُرُكُمُ اَللَّهُ وَ يَزِيدُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ، فَإِنَّ اَللَّهَ بِمَا عِنْدَهُ وَاسِعٌ كَرِيمٌ، مُتَطَوِّلٌ عَلَى عِبَادِهِ رَحِيمٌ، نَحْنُ وَ أَنْتُمْ فِي وَدِيعَةِ اَللَّهِ وَ حِفْظِهِ، وَ كَتَبْتُهُ بِخَطِّي، وَ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيراً».[٢٣]
وكان علي بن جعفر وكيلاً لـ أبي الحسن الهادي(ع)، وكان رجلاً من أهل همينيا قرية من قرى سواد بغداد فسُعي به إلى المتوكل فحبسه، وبعد قضاء فترة طويلة في السجن أفرج عنه، وانطلق إلى مكة بأمر الإمام وأقام بها.[٢٤]
ويجب عد إبراهيم بن محمد الهمداني من وكلاء الإمام أيضاً، فقد كتب إليه الإمام: «قَدْ وَصَلَ اَلْحِسَابُ تَقَبَّلَ اَللَّهُ مِنْكَ وَ رَضِيَ عَنْهُمْ وَ جَعَلَهُمْ مَعَنَا فِي اَلدُّنْيَا وَ اَلْآخِرَةِ».
وتدلّ هذه الرسالة بوضوح على أنّ إبراهيم قد كلّف مضافاً إلى القيام بمهام أُخرى القيام بجمع الأموال من الشيعة وإرسالها إلى الإمام، وفي تكملة هذه الرسالة كتب الإمام حول تقديره وتأييده: وقد كتبت إلى النضر بن محمد الهمداني[٢٥] امرته أن ينتهي عنك وعن التعرض لك وبخلافك، وأعلمته موضعك عندي، وكتبت إلى أيّوب بن نوح بن دراج[٢٦] أمرته بذلك أيضاً، وكتبت إلى موالي بهمدان كتاباً أمرتهم بطاعتك والمصير إلى أمرك وأن لا وكيل سواك».[٢٧]
وعلى أية حال كان دور منظمة الوكالة بارزاً لا سيما في عهد المتوكل، وقد حاول المتوكل ومن خلال تجنيد الذين يحملون فكر العداء للعلويّين أن يقضي على مخالفيه ويمحو النشاطات المنظمة والسرية للعلويين والإمامية خاصة. وبدأ بسلسلة من عمليات اعتقال الشيعة وقمعهم، واستمر في سياسته هذه بكل قساوة وبدون رحمة حتى نكّل ببعض وكلاء الإمام في بغداد، المدائن والكوفة ومختلف مدن العراق ومات منهم تحت عمليات التعذيب ومنهم ظل مسجوناً.[٢٨]
وقد أنزلت هذه الأعمال ضربة كبيرة على منظمة الوكالة غير انّ الإمام الهادي وبمساعيه الناضجة حافظ على حيويتها ونتاجاتها.[٢٩]
انتقال الإمام من المدينة إلى سامراء
ولأجل مراقبة الإمام الهادي عن كثب اتّبع المتوكل نفس طريقة أجداده الخبيثة، وكان يعد لأن يريح نفسه من ناحية الإمام بأي وسيلة كانت، وقد رأينا قبل ذلك طريقة المأمون في مراقبة تحركات الإمام الجواد(ع)، فقد استطاع أن يراقب تحركات الإمام حتى في بيته من خلال زواج ابنته منه وأن يضبط جميع لقاءات الإمام وسكناته وحركاته.
وبعد استشهاد الإمام الجواد واستخلاف الإمام الهادي كان تنفيذ هذه السياسة يبدو ضرورياً للخليفة، لأنّه لو أقام الإمام في المدينة بعيداً عن متناول الخليفة، لكان ذلك يشكل خطراً كبير على سلطته الطاغية.
وحينئذ سيجعل أقلّ تقرير حول خطر الإمام المحتمل الخليفة أن يخرج خطته وسياسته تلك إلى حيز التنفيذ، كما أقلقت الخليفة رسالة عامله على المدينة بشكل كبير، ممّا انتهى إلى نقل الإمام من المدينة إلى سامراء، وذلك انّ عبد الله بن محمد الهاشمي عامل المدينة قد أقلق الخليفة من نشاطات الإمام السياسية وبيّن له اتساع قاعدته الشعبية[٣٠] غير انّ الإمام الهادي كذّب جميع ادّعاءات عبد الله برسالة أرسلها إلى المتوكل وشكا منه إليه.
وكأكثر سياسي العالم وفي حركة مخادعة ومزدوجة نحّى المتوكل عبد الله من عمله من ناحية، وأمر كاتبه بأن يكتب رسالة إلى الإمام يعبّر فيها عن مدى حبّه للإمام، ولكنّها كانت في الواقع بمثابة أمر بالاعتقال وبطريقة مهذبة، وسنلاحظ فيما بعد كمية الضغوط والمضايقات التي قام بها المتوكل على الإمام.
وأمّا الرسالة فهى: «﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾[٣١] أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَارِفٌ بِقَدْرِكَ رَاعٍ لِقَرَابَتِكَ مُوجِبٌ لِحَقِّكَ مُؤْثِرٌ مِنَ اَلْأُمُورِ فِيكَ وَ فِي أَهْلِ بَيْتِكَ مَا يُصْلِحُ اَللَّهُ بِهِ حَالَكَ وَ حَالَهُمْ وَ يُثَبِّتُ بِهِ مِنْ عِزِّكَ وَ عِزِّهِمْ وَ يُدْخِلُ اَلْأَمْنَ عَلَيْكَ وَ عَلَيْهِمْ يَبْتَغِي بِذَلِكَ رِضَا رَبِّهِ وَ أَدَاءَ مَا فَرَضَ عَلَيْهِ فِيكَ وَ فِيهِمْ فَقَدْ رَأَى أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ صَرْفَ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَمَّا كَانَ يَتَوَلَّى مِنَ اَلْحَرْبِ وَ اَلصَّلاَةِ بِمَدِينَةِ اَلرَّسُولِ إِذْ كَانَ عَلَى مَا ذَكَرْتَ مِنْ جَهَالَتِهِ بِحَقِّكَ وَ اِسْتِخْفَافِهِ بِقَدْرِكَ وَ عِنْدَ مَا قَرَفَكَ بِهِ وَ نَسَبَكَ إِلَيْهِ مِنَ اَلْأَمْرِ اَلَّذِي قَدْ عَلِمَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ بَرَاءَتَكَ مِنْهُ وَ صِدْقَ نِيَّتِكَ فِي بِرِّكَ وَ قَوْلِكَ - وَ أَنَّكَ لَمْ تُؤَهِّلْ نَفْسَكَ لِمَا قُرِفْتَ بِطَلَبِهِ وَ قَدْ وَلَّى أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ مَا كَانَ يَلِي مِنْ ذَلِكَ مُحَمَّدَ بْنَ اَلْفَضْلِ وَ أَمَرَهُ بِإِكْرَامِكَ وَ تَبْجِيلِكَ وَ اَلاِنْتِهَاءِ إِلَى أَمْرِكَ وَ رَأْيِكَ وَ اَلتَّقَرُّبِ إِلَى اَللَّهِ وَ إِلَى أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ وَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ مُشْتَاقٌ إِلَيْكَ يُحِبُّ إِحْدَاثَ اَلْعَهْدِ بِكَ وَ اَلنَّظَرَ إِلَى وَجْهِكَ فَإِنْ نَشِطْتَ لِزِيَارَتِهِ وَ اَلْمُقَامِ قِبَلَهُ مَا أَحْبَبْتَ شَخَصْتَ وَ مَنِ اِخْتَرْتَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ وَ مَوَالِيكَ وَ حَشَمِكَ عَلَى مُهْلَةٍ وَ طُمَأْنِينَةٍ تَرْحَلُ إِذَا شِئْتَ وَ تَنْزِلُ إِذَا شِئْتَ وَ تَسِيرُ كَيْفَ شِئْتَ فَإِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ يَكُونَ يَحْيَى بْنُ هَرْثَمَةَ مَوْلَى أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ مَنْ مَعَهُ مِنَ اَلْجُنْدِ يَرْحَلُونَ بِرَحِيلِكَ يَسِيرُونَ بِمَسِيرِكَ فَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ إِلَيْكَ وَ قَدْ تَقَدَّمْنَا إِلَيْهِ بِطَاعَتِكَ فَاسْتَخِرِ اَللَّهَ حَتَّى تُوَافِيَ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ فَمَا أَحَدٌ مِنْ إِخْوَتِهِ وَ وُلْدِهِ وَ أَهْلِ بَيْتِهِ وَ خَاصَّتِهِ أَلْطَفَ مِنْهُ مَنْزِلَةً وَ لاَ أَحْمَدَ لَهُ أُثْرَةً وَ لاَ هُوَ لَهُمْ أَنْظَرَ وَ عَلَيْهِمْ أَشْفَقَ وَ بِهِمْ أَبَرَّ وَ إِلَيْهِمْ أَسْكَنَ مِنْهُ إِلَيْكَ وَ اَلسَّلاَمُ عَلَيْكَ وَ رَحْمَةُ اَللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ»[٣٢]
ولا شكّ انّ الإمام كان على اطّلاع على ما يبيّته له المتوكل من سوء النية، ولكن لم يجد مفرّاً من الذهاب إلى سامراء، إذ سيكون رفض دعوته دليلاً على صحّة كلام جلاوزته الساعين به، ومثيراً لغضبه، ويعطيه الذريعة الكافية لتصعيد الضغوط والمضايقات عليه(ع) .
والذي يدلّ على أنّه كان عالماً بسوء نيّة المتوكل، وانّه أُجبر على هذه السفرة هي الكلمات التي قالها الإمام بعد ذلك في سامراء: «أُخْرِجْتُ إِلَى سَامَرَّاءَ كَرْهاً».[٣٣]
وعلى أي حال استلم الإمام الرسالة ورافق يحيى بن هرثمة إلى سامراء كرهاً.[٣٤].[٣٥]
تقرير كبير جلاّدي المتوكل
ويروي لنا يحيى بن هرثمة الذي كُلّف بإحضار الإمام الهادي من المدينة إلى سامراء قصة مهمته بالصورة التالية:
فلمّا دخلتها ـ المدينة ـ ضجّ أهلها ضجيجاً عظيماً ما سمع الناس بمثله خوفاً على (علي الهادي(ع))، وقامت الدنيا على ساق، لأنّه كان محسناً إليهم، ملازماً للمسجد، لم يكن عنده ميل إلى الدنيا، فجعلت أسكّنهم وأحلف لهم انّي لم أؤمر فيه بمكروه، وانّه لا بأس عليه، ثمّ فتشت منزله فلم أجد فيه إلاّ المصاحف وأدعية وكتب العلم، فعظم في عيني، وتوليت خدمته بنفسي، وأحسنت عشرته. فلمّا قدمت به بغداد بدأت بـ إسحاق بن إبراهيم الطاهري والي بغداد فقال لي: يا يحيى انّ هذا الرجل قد ولده رسول الله والمتوكل من تعلم، فإنّ حرضته عليه قتله، وكان رسول الله خصمك يوم القيامة. فقلت له: والله ما وقعت منه إلاّ على كلّ أمر جميل، ثمّ صرت به إلى سامراء فبدأت بوصيف التركي[٣٦]، فأخبرته بوصوله فقال: والله لئن سقط منه شعرة لا يطالب بها سواك، فعجبت كيف وافق قوله قول إسحاق، فلمّا دخلت على المتوكل وقصصت عليه ماحدث، فشاهدت انّ المتوكل يكرمه أيضاً.[٣٧].[٣٨]
ورود الإمام سامراء
بأمر من المتوكل أُنزل الإمام يوم وروده سامراء في مكان وضيع يعرف بخان الصعاليك ـ خان المشردين والمساكين ـ بذريعة انّ محل إقامته لم يهيّأ بعد، فقضى(ع) يومه هناك، ومن المؤكد انّ القصد من وراء هذه الحركة هو تحقير الإمام وإهانته بشكل دبلوماسي.[٣٩]. واعدّوا له داراً للسكن في اليوم التالي فأقام فيه.[٤٠]
كان الإمام في هذه المدينة حراً في الظاهر غير انّه كان يعيش كالسجين، إذ كانت داره بحيث تخضع جميع تحركاته وسكناته ولقاءاته للمراقبة من قبل جلاوزة الخليفة.
وكان يزداد، الطبيب المسيحي وتلميذ بختيشوع وخلال إشارته إلى إحضار الإمام كرهاً وإجباراً إلى سامراء يقول: « إِنْ كَانَ مَخْلُوقٌ يَعْلَمُ اَلْغَيْبَ فَهُوَ قُلْتُ فَكَيْفَ ذَلِكَ قَالَ أُخْبِرُكَ عَنْهُ بِأُعْجُوبَةٍ لَنْ تَسْمَعَ بِمِثْلِهَا أَبَداً وَ لاَ غَيْرُكَ مِنَ اَلنَّاسِ وَ لَكِنْ لِيَ اَللَّهُ عَلَيْكَ كَفِيلٌ وَ رَاعٍ أَنْ لاَ تُحَدِّثَ بِهِ أَحَداً فَإِنِّي رَجُلٌ طَبِيبٌ وَ لِي مَعِيشَةٌ أَرْعَاهَا عِنْدَ اَلسُّلْطَانِ وَ بَلَغَنِي أَنَّ اَلْخَلِيفَةَ اِسْتَقْدَمَهُ مِنَ اَلْحِجَازِ فَرْقاً مِنْهُ لِئَلاَّ يَنْصَرِفَ إِلَيْهِ وُجُوهُ اَلنَّاسِ فَيَخْرُجَ هَذَا اَلْأَمْرُ عَنْهُمْ »[٤١].
ويمكن معرفة مدى خشية المتوكل من نفوذ الإمام الروحي بين الناس من خلال اختياره لمحل إقامته.
وعلى أي حال ورغم كلّ هذه الاحتياطات والمراقبة كان المتوكل يرى في الإمام خطراً يهدّد حكمه ويخشى أن يتصل به أصحابه وشيعته خفية فيخططون للثورة عليه ويمهدون لأنفسهم من خلال إعداد العدة والعدد لهذا الأمر.
وكانت حاشية الخليفة تحذره أحياناً من احتمال قيام الإمام وثورته هو وأصحابه، لذلك كان يأمر بين الحين والآخر بتفتيش دار الإمام بدقة، ومع أنّ جلاوزته كانوا يرجعون بخفي حنين في كلّ مرة ظل المتوكل قلقاً يشعر بالخطر. سنشير هنا إلى نموذج من ذلك[٤٢]:
انفضاض مجلس اللهو والشراب
ذات مرة سعي بالإمام الهادي إلى المتوكل انّ في منزله كتباً وسلاحاً من شيعته من أهالي قم وهو ينوي الثورة على الدولة، فبعث المتوكل إليه جماعة، فهاجموا داره ليلاً فلم يجدوا فيها شيئاً، ووجدوا الإمام في غرفة مغلقة وعليه ثوب من صوف وهو جالس على الرمل والحصى متوجهاً إلى الله تعالى يتلو آيات من القرآن، فحملوه على حاله تلك إلى المتوكل، وقالوا له: لم نجد في بيته شيئاً، ووجدناه مستقبل القبلة يقرأ القرآن .
وكان المتوكل جالساً مجلس الشراب، فأُدخل عليه الإمام والكأس في يده، فلمّا رآه هابه وعظّمه وأجلسه إلى جانبه وناوله الكأس التي كانت في يده.
فقال: «وَاللَّهِ مَا خامر لَحْمِي وَدَمِي قَطُّ، فاعفني » فأعفاه.
فقال: أنشدني شعراً.
فقال الإمام: « أَنَا قَلِيلُ الرِّوَايَةِ للشعر ».
فقال: لابدّ.
فأنشده الإمام(ع):
| باتوا على قلل الأجبال تحرسهم | غلب الرجال فما أغنتهم القلل | |
| واستنزلوا بعد عزّ عن معاقلهم | فاودعوا حفراً يا بئس ما نزلوا | |
| ناداهم صارخ من بعد ما قبروا | أين الأسرة والتيجان والحلل؟ | |
| أين الوجوه التي كانت منعّمة | من دونها تضرب الأستار والكلل؟ | |
| فافصح القبر عنهم حين ساء لهم | تلك الوجوه عليها الدود يقتتل | |
| قد طالما أكلوا دهراً وما شربوا | فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا | |
| وطالما عمّروا دوراً لتحصنهم | ففارقوا الدور والأهلين وانتقلوا | |
| وطالما كنزوا الأموال وادّخروا | فخلّفوها على الأعداء وارتحلوا | |
| أضحت منازلهم قفراً معطلة | وساكنوها إلى الأجداث قد رحلوا |
فأثّر على المتوكل حتى بلت لحيته دموع عينه وبكى الحاضرون، وأمر المتوكل برفع الشراب، وقدّم للإمام أربعة آلاف درهم، وردّه إلى منزله مكرّماً.[٤٣].[٤٤]
الإمام في سجن المتوكل
كان المتوكل يحمل حقداً غريباً على الإمام، وقد حاول دائماً أن يسيء إليه ويؤذيه، ومع أنّ الإمام كان يعيش كالسجين في سامراء، فقد أمر المتوكل باعتقاله وسجنه بعد إحضاره من المدينة.
فقد قال الصقر بن أبي دلف الكرخي: «لَمَّا حَمَلَ اَلْمُتَوَكِّلُ سَيِّدَنَا أَبَا اَلْحَسَنِ اَلْعَسْكَرِيَّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ جِئْتُ أَسْأَلُ عَنْ خَبَرِهِ قَالَ فَنَظَرَ إِلَيَّ اَلزَّرَّاقِيُّ وَ كَانَ حَاجِباً لِلْمُتَوَكِّلِ فَأَمَرَ أَنْ أُدْخَلَ إِلَيْهِ فَأُدْخِلْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ يَا صَقْرُ مَا شَأْنُكَ فَقُلْتُ خَيْرٌ أَيُّهَا اَلْأُسْتَادُ فَقَالَ اُقْعُدْ فَأَخَذَنِي مَا تَقَدَّمَ وَ مَا تَأَخَّرَ وَ قُلْتُ أَخْطَأْتُ فِي اَلْمَجِيءِ قَالَ فَوَحَى اَلنَّاسَ عَنْهُ ثُمَّ قَالَ لِي مَا شَأْنُكَ وَ فِيمَ جِئْتَ قُلْتُ لِخَيْرٍ مَا فَقَالَ لَعَلَّكَ تَسْأَلُ عَنْ خَبَرِ مَوْلاَكَ فَقُلْتُ لَهُ وَ مَنْ مَوْلاَيَ مَوْلاَيَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ اُسْكُتْ مَوْلاَكَ هُوَ اَلْحَقُّ فَلاَ تَحْتَشِمْنِي فَإِنِّي عَلَى مَذْهَبِكَ فَقُلْتُ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ قَالَ أَ تُحِبُّ أَنْ تَرَاهُ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ اِجْلِسْ حَتَّى يَخْرُجَ صَاحِبُ اَلْبَرِيدِ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ فَجَلَسْتُ فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ لِغُلاَمٍ لَهُ خُذْ بِيَدِ اَلصَّقْرِ وَ أَدْخِلْهُ إِلَى اَلْحُجْرَةِ اَلَّتِي فِيهَا اَلْعَلَوِيُّ اَلْمَحْبُوسُ وَ خَلِّ بَيْنَهُ وَ بَيْنَهُ قَالَ فَأَدْخَلَنِي إِلَى اَلْحُجْرَةِ وَ أَوْمَأَ إِلَى بَيْتٍ فَدَخَلْتُ فَإِذَا هُوَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ جَالِسٌ عَلَى صَدْرِ حَصِيرٍ وَ بِحِذَاهُ قَبْرٌ مَحْفُورٌ قَالَ فَسَلَّمْتُ فَرَدَّ ثُمَّ أَمَرَنِي بِالْجُلُوسِ ثُمَّ قَالَ لِي يَا صَقْرُ مَا أَتَى بِكَ قُلْتُ سَيِّدِي جِئْتُ أَتَعَرَّفُ خَبَرَكَ قَالَ ثُمَّ نَظَرْتُ إِلَى اَلْقَبْرِ فَبَكَيْتُ فَنَظَرَ إِلَيَّ فَقَالَ يَا صَقْرُ لاَ عَلَيْكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْنَا بِسُوءٍ اَلْآنَ فَقُلْتُ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ ثُمَّ قُلْتُ يَا سَيِّدِي حَدِيثٌ يُرْوَى عَنِ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ لاَ أَعْرِفُ مَعْنَاهُ قَالَ وَ مَا هُوَ فَقُلْتُ قَوْلُهُ لاَ تُعَادُوا اَلْأَيَّامَ فَتُعَادِيَكُمْ مَا مَعْنَاهُ فَقَالَ نَعَمْ اَلْأَيَّامُ نَحْنُ مَا قَامَتِ اَلسَّمَاوَاتُ وَ اَلْأَرْضُ فَالسَّبْتُ اِسْمُ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ اَلْأَحَدُ كِنَايَةٌ عَنْ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْإِثْنَيْنِ اَلْحَسَنُ وَ اَلْحُسَيْنُ وَ اَلثَّلاَثَاءُ عَلِيُّ بْنُ اَلْحُسَيْنِ وَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَ اَلْأَرْبِعَاءُ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ وَ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى وَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَ أَنَا وَ اَلْخَمِيسُ اِبْنِيَ اَلْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَ اَلْجُمُعَةُ اِبْنُ اِبْنِي وَ إِلَيْهِ تَجْتَمِعُ عِصَابَةُ اَلْحَقِّ وَ هُوَ اَلَّذِي يَمْلَؤُهَا قِسْطاً وَ عَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَ جَوْراً فَهَذَا مَعْنَى اَلْأَيَّامِ فَلاَ تُعَادُوهُمْ فِي اَلدُّنْيَا فَيُعَادُوكُمْ فِي اَلْآخِرَةِ ثُمَّ قَالَ وَدِّعْ وَ اُخْرُجْ فَلاَ آمَنُ عَلَيْكَ»[٤٥]
وهذه الرواية تدلّ من ناحية على اضطهاد المتوكل للإمام الهادي والإساءة إليه، وعلى نفوذ الإمام في رجال البلاط ومقرّبي الخليفة من ناحية ثانية.
وقد أمر المتوكل في أواخر أيامه خادمه سعيد بن الحاجب بقتل الإمام ولكن الإمام قد قال: «لاَ يَلْبَثُ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمَيْنِ حَتَّى يَسْفِكَ اَللَّهُ دَمَهُ» فحدث ذلك.[٤٦].[٤٧]
جرائم المتوكل وظلمه بحقّ الشيعة
كان المتوكل من أكثر خلفاء بني العباس إجراماً، فقد كنّ مشاعر العداء والحقد لـ علي أمير المؤمنين وآله وشيعته، وكانت فترة حكمه من أحلك الفترات على الشيعة والعلويّين، ولعدم إمكان عرض جميع جرائمه في هذا البحث المختصر، فسنعرض بعض النماذج منها:
١. فقد اعتقل وطورد جماعة من العلويين في حكمه، منهم: محمد بن صالح ـ أحد أحفاد الإمام الحسن(ع) ـ و محمد بن جعفر وهو من دعاة الحسن بن زيد الذي ثار في طبرستان.[٤٨]
٢. أمر عام ٢٣٦هـ بهدم قبر سيد الشهداء الإمام أبي عبد الله، وهدم ما حوله من الدور[٤٩]، وأن يعمل مزارع، ووضع هناك مراكز للشرطة لمنع الزائرين.
وعلى ما يبدو لم يتجرأ أحد من المسلمين على هدم قبر الإمام الحسين وتخريبه، فكلّف شخصاً يدعى ذيرج ـ وهو ذو أصل يهودي ـ للقيام بذلك، وقد أعلن انّه يعاقب كلّ من قام بزيارة قبر الحسين بن علي(ع).[٥٠]
فقد كان المتوكل يخشى من أن يتحول مرقد الإمام الحسين إلى معقل للثوار، وتصبح ملحمة ذلك الشهيد العظيم وشهادته ملهمة لثورة الناس ونهضتهم في وجه ظلم الخليفة وجهاز حكمه، ولكن الشيعة ومحبّي سيد الشهداء ظلوا يزورون تلك التربة الطاهرة ولم يتوقفوا عن زيارتها في مختلف الظروف، وتحمّلوا في سبيل ذلك أنواع التعذيب.
وبعد قتل المتوكل أعاد الشيعة وبتعاون مع العلويين بناء الضريح.[٥١]
وقد أثار هدم قبر الإمام الحسين غضب المسلمين بشدة حتى كتب أهل بغداد شتمه على الحيطان والمساجد وهجاه الشعراء الهادفون، ومما قيل في ذلك:
| بالله إن كانت أمية قد أتت | قتل ابن بنت نبيها مظلوما | |
| فلقد أتاه بنو أبيه بمثله | هذا لعمري قبره مهدوما | |
| أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا | في قتله فتتبعوه رميما[٥٢] |
٣. قتل في عهده شخصيات بارزه من المسلمين الذين يميلون إلى أهل البيت، ومن أُولئك ابن السكيت الشاعر والأديب الشيعي الشهير ومن أصحاب الإمامين: الجواد و الهادي المخلصين، وقد قتله بذنب حبه لعلي(ع) .[٥٣]
وقد كان المتوكل ينظر ذات يوم إلى ولديه المعتز و المؤيد، فقال لابن السكيت: من أحب إليك هما أو الحسن و الحسين؟ فقال: «والله قنبر مولى علي خير منك ومنهما»، فأمر المتوكل الذي كان طاغياً ومتغطرساً بسل لسانه من قفاه.[٥٤]
٤. كتب الخطيب البغدادي حول اضطهاد شيعة أهل البيت والتنكيل بهم على يد المتوكل انّه ضرب النصر بن علي الجهضمي ألف سوط، لحديث رواه في فضل علي و فاطمة والحسن والحسين، ولم يدعه حتى شهدوا انّه من أهل السنة.[٥٥]
٥. كان يعطي الشعراء المرتزقة ـ أمثال مروان بن أبي الجنوب ـ مبالغ طائلة لينشدوا أشعاراً حول شرعية حكم بني العباس وهجو بني هاشم.[٥٦]
٦. لما شكّل جيشاً جديداً وسماه الشاكرية جعل فيه كلّ من كان ينتمي إلى بلاد يحمل أهلها مشاعر العداء للعلويين لا سيما من سورية، الجزيرة، الجبل، الحجاز وعنبا.[٥٧]
٧. أمر عامل مصر أن ينفي الطالبيين إلى العراق، فنفّذ ذلك، ثمّ نقلهم بعد ذلك إلى المدينة.[٥٨]
٨. كان يطرد الشيعة من جهاز حكمه ويشوّه سمعتهم في الرأي العام، وعلى سبيل المثال يمكن الإشارة إلى عزل إسحاق بن إبراهيم الذي عزله المتوكل بتهمة التشيّع من منصب الولاية في سامراء، وسيروان من محافظة الجبل، وقد طرد وعزل آخرين لنفس هذا السبب.[٥٩]
ومنع المتوكل بسياسته هذه من ظهور أي حركة شيعية مناهضة لنظامه، غير انّه لم ينجح في أن يقضي على النشاطات السرية التي كانوا يقومون بها، وكما تقدم فإنّ كتب التاريخ تخبرنا انّ الإمام الهادي(ع) استمر في علاقته بشيعته وأنصاره بشكل سري.[٦٠]
الضغوط الاقتصادية على الشيعة
بهدف تضعيف الجبهة الشيعية والقضاء على القوات الشيعية المناضلة راح المتوكل يستخدم وسيلة الضغط الاقتصادي، فضيّق عليهم وأمعن في إفقارهم كثيراً بشكل لم يسبق له نظير إلى ذلك الحين.
ونحن نعرف ـ طبعاً ـ انّ الشيعة ظلت تعاني من سوء الوضع المالي وترزح تحت الضغوط الاقتصادية بعد رحيل الرسول (ص) دائماً.
ومضافاً إلى سلب فدك من فاطمة الزهراء(ع) الذي تم بدوافع سياسية ولتضعيف بنية أمير المؤمنين وبني هاشم الاقتصادية، توجد هناك أمثلة كثيرة في التاريخ الإسلامي، والتي منها سياسة معاوية تجاه الشيعة خاصة بني هاشم.
فإنّ أحد الأساليب التي اتّبعها معاوية لأخذ البيعة من الحسين بن علي(ع) لولاية عهد يزيد هو قطع العطاء من بيت المال عن بني هاشم خلال سفره إلى المدينة.[٦١]
والمثال الآخر هي سياسة التجويع والإفقار التي اتّبعها أبو جعفر المنصور الدوانيقي ثاني خلفاء بني العباس، فقد أمعن هذا الأخير في تطبيق سياسة التجويع والإفقار على نطاق واسع، وكان هدفه من ذلك هو إخضاع الناس من خلال تجويعهم وإفقارهم، لكي يظل الشعب يفكّر في سد جوعه دائماً حتى ينسى القضايا الاجتماعية الكبرى والتفكير بها. وقد تحدث ذات يوم أمام حاشيته وخواصه عن الأسباب التي دعته أن يبالغ في سياسة التجويع وبشكل ساخر فقال: صدق ابن الأعرابي حيث يقول: اجع كلبك يتبعك.[٦٢] وهذا الكلام يوضح لنا مدى استهانة بني العباس بالأُمّة الإسلامية واحتقارهم لها.
وقد شملت سياسة التجويع والإفقار والضغوط الاقتصادية الشيعة والعلويين أكثر من غيرهم، لأنّهم كانوا في طليعة المجاهدين الذين وقفوا في وجه ظلم الخلفاء، ولم تكن حكومة هارون مستثناة من هذه الخطة العامة إذ حرم هو الآخر الشيعة من حقوقهم المشروعة للقضاء على حركتهم النهضوية من خلال سيطرته على أموال المسلمين وصرفها على ملذّاته ورغباته وأهوائه هو وحاشيته.
وعليه كان الشيعة على معرفة بهذه المعاناة والمضايقات، غير انّ سياسة التجويع والضغوط والمضايقات الاقتصادية التي مارسها المتوكل اتخذت أبعاد أكثر اتساعاً وخطورة، نشير إلى بعض منها:
- قد ضيّق على الشيعة وبالغ في ذلك، حتى قيل انّه لم يكن للنساء العلويات في تلك الفترة بالمدينة ثياب سالمة يرتدينها للصلاة، وكنّ يملكن ثوباً واحداً بالياً يرتدينه في الصلاة بالتناوب، ويعشن على بيع الغزل، وبقين على هذه الحالة من الفقر والفاقة حتى هلك المتوكل.[٦٣]
- ولّى عمر بن فرج الرخجي على المدينة ومكة، وكان هذا يمنع الناس من التقرب إلى آل أبي طالب والإحسان إليهم، وبالغ في ذلك، فاشتد الأمر على العلويين بعد أن خاف الناس من الالتفاف حولهم والتقرّب منهم.[٦٤]
- صادر المتوكل فدك التي كانت كلّ ما يملكه العلويون.[٦٥] وروي أنّ عائداتها كانت تبلغ ٢٤٠٠٠ ديناراً في تلك الفترة، وقد وهبها المتوكل لـ عبد الله بن عمر البازيار وهو من أصحابه.[٦٦]
- أمر عامله على مصر بأن يعامل العلويين وفق القواعد التالية:
- أن لا يسمح لأي واحد من العلويين بأن يمتلك أي شيء، مضافاً إلى عدم السماح لهم بركوب الخيل والتنقّل من الفسطاط إلى المدن الأخرى.
- أن لا يسمح لأي واحد من العلويين بامتلاك أكثر من عبد واحد.
- وإذا ما وقع تخاصم بين علوي وغيره، فعلى القاضي أن يستمع أوّلاً إلى كلام خصم العلوي، ومن ثمّ يأخذ بكلامه دون الاستماع إلى كلام العلوي.[٦٧].[٦٨]
القصور الفخمة ومجالس البذخ
إلى جانب كل ما مارسه من ضغوط وتضييق وإفقار مضني ضد الشيعة لم يأل المتوكل جهداً في العبث بأموال المسلمين، وتشييد القصور الفخمة، وإقامة المجالس المفعمة بالبذخ والمجون والتبذير.
فقد بنى قصوراً عديدة أنفق عليها أموالاً طائلة منها: الشاه، والعروس، الشبداز، البديع، والغريب، والبرج. وأنفق على قصر البرج مليون وسبعمائة ألف دينار.[٦٩]
وبنى قصراً آخر اشتهر باسم البركواء. وقد أنفق على هذا القصر الذي كان من أحسن وأكبر قصوره عشرين مليون درهم.[٧٠]
وكان قد بنى قصوراً أُخرى للهو، كالجعفري، والمليح، والغرو، والمختار، والحير، التي أنفق على كلّ منها آلاف الملايين من الدراهم، وقد ذكرها المؤرّخون بالتفصيل.[٧١]
وقرر يوماً أن يختن ابنه «عبد الله المعتز» فأقام احتفالاً ضخماً أنفق فيه أموالاً عظيمة ذكرها المؤرخون بالتفصيل، ونحن نشير إلى جانب من ذلك:
فقد هيّأوا لذلك الاحتفال سجّادة طولها مائة ذراع وعرضها خمسون ذراعاً لقاعة القصر التي كانت بهذه المساحة، ونصبوا أربعة آلاف كرسي من الذهب المرصع بالجواهر لاستضافة المدعوين، ونثروا عشرين مليون درهم على رؤوس النساء والخدم والحاشية، ومليون درهم ـ وقد كانت منقوشة برسوم الاحتفال والختان ـ على رؤوس الحلاق والخاتن والغلمان والخدم الخاصين.
وقد سئل الخاتن في ذلك اليوم على كم حصلت من الأموال حتى بدء أكل الطعام؟ فقال: ثمانون ألفاً وبضعة آلاف دينار عدا الذهب والخواتيم والجواهر والحلي.
وعند ما سلمت قائمة ما أنفق على «احتفال الختان» إلى المتوكل تبيّن أنّ الإنفاق في ذلك بلغ ستة وثمانين مليون درهم.[٧٢]
كان ذلك جانباً من عبث المتوكل بأموال المسلمين وهو غيض من فيض، ولو أردنا التفصيل لطال بنا الكلام، غير انّنا نضيف هنا انّ السيوطي قد كتب: انّه كان له ـ المتوكل ـ أربعة آلاف سرِّية ووطي الجميع.[٧٣]
ويقول المسعودي المؤرخ المعروف: إنّه لم تكن النفقات في عصر من الأعصار ولا وقت من الأوقات مثلها في أيام المتوكل.[٧٤].[٧٥]
وثيقة تاريخية
في رسالته التي يذكر فيها ظلم العباسيين واضطهادهم للشيعة والعنف الذي حاق بالعلويين يكشف أبو بكر الخوارزمي كاتب العصر البويهي الكبير (المتوفّى ٣٨٣أو٣٩٣هـ) عن جرائم المتوكل ويشير إلى هذا الاحتفال الشائن:
... ويموت إمام من أئمة الهدى وسيد من سادات بيت المصطفى، فلا تتبع جنازته، ولا تجصص مقبرته، ويموت لهم ـ بني العباس ـ لاعب أو مسخرة أو ضارب، فتحضر جنازته العدول والقضاة، ويعمر مسجد التعزية عنه القواد والولاة، ويسلم منهم ـ العباسيين ـ من يعرفونه دهرياً أو سوفسطائياً، ولا يتعرضون لمن يدرس كتاباً فلسفياً ومانوياً، ويقتلون من عرفوه شيعياً ويسفكون دم من سمّى ابنه علياً... وأنّ بعض شعراء الشيعة يتكلّم في ذكر مناقب الوصي بل ذكر معجزات النبي فيقطع لسانه ويمزّق ديوانه، كما فعل بـ عبد الله بن عمار البرقي و... حتى أنّ هارون بن الخيزران وجعفراً المتوكل على الشيطان لا على الرحمان كانا لا يعطيان مالاً ولا يبذلان نوالاً إلاّ لمن شتم آل أبي طالب، ونصر مذهب النواصب مثل عبد الله بن مصعب الزبيري و وهب بن وهب البختري ومن الشعراء مثل مروان بن أبي حفصة، ومن الأدباء عبد الملك بن قريب الأصمعي و بكار بن عبد الله الزبيري.
...يشتهي العلوي الأكلة فيحرمها، ويقترح على الأيام الشهوة فلا يطعمها، وخراج مصر والأهواز وصدقات الحرمين والحجاز تصرف إلى مطربين أمثال ابن أبي مريم المدني و إبراهيم الموصلي و ابن جامع السهمي وزلزل الضارب وبرصوما الزامر... والمتوكل يتسرى باثني عشر ألف سرية، والسيد من سادات أهل البيت يتعفف بزنجية أو سندية، وصفوة مال الخراج مقصورة على أرزاق الصفاعنة وعلى موائد المخاتنة وعلى طعمة الكلابين ورسوم القرادين وعلى مخارق وعلوية المغني وزرزر و عمر بن بانة المهلبي، ويبخلون على الفاطمي بأكلة أو شربة ... وهم القوم الذين أحل لهم الخمس وحرمت عليهم الصدقة، وفرضت لهم الكرامة والمحبة، يتكفّفون ضراً، ويهلكون فقراً ويرهن أحدهم سيفه ويبيع ثوبه... ليس له ذنب إلاّ انّ جدّه النبي وأبـوه الوصي وأُمّه فاطمة وجدّته خديجة ومذهبه الإيمان وإمامه القرآن... .
وماذا أقول في قوم حرثوا قبر وتربة الحسين بالفدان، ونفوا زوّاره إلى البلدان....[٧٦].[٧٧]
قتل المتوكل وخلافة المنتصر
أخيراً وفي ليلته الحمراء وعندما كان غارقاً في لهوه وسكره قتل المتوكل، وبتخطيط مسبق من قبل المنتصر ابنه، فقد قتله هو ووزيره الفتح بن خاقان شوال عام ٢٤٧وبتعاون من الأتراك ثمّ تقلد الخلافة.[٧٨]
وكان من جملة ندمائه عبادة المخنث وكان يشد على بطنه تحت ثيابه مخدة ويكشف رأسه وهو أصلع ويرقص بين يدي المتوكل والمغنّون يغنّون: قد أقبل الاصلع البطين خليفة المسلمين.
يحكي بذلك علياً(ع) . والمتوكل يشرب ويضحك، ففعل ذلك يوماً والمنتصر حاضر، فأومأ إلى عبادة يتهدّده، فسكت خوفاً منه.
فقال المتوكل: ما حالك؟ فقام وأخبره .
فقال المنتصر: يا أمير المؤمنين انّ الذي يحكيه هذا الكلب ويضحك منه الناس هو ابن عمك وشيخ أهل بيتك وبه فخرك، فكلّ أنت لحمه إذا شئت ولا تطعم هذا الكلب وأمثاله منه.
فقال المتوكل للمغنّين غنّوا جميعاً:
| غـار الفتـى لابـن عمــه | رأس الفتـى فـي حـر أُمّه[٧٩] |
وأثر ذلك راح المنتصر يخطط وبالتعاون مع الأتراك لقتل أبيه.
وأظهر المنتصر وخلافاً لأبيه حبه لعلي وآله، وأمر الناس بزيارة الحسين بن علي، ومنح العلويين الأمان بعد ما لاقوه من الخوف والرعب في زمن أبيه.[٨٠]
وفضلاً عن ذلك قام بثلاثة أُمور كبيرة:
- رد فدك إلى العلويين.
- ورد موقوفاتهم إليهم.
- عزل والي المدينة صالح بن علي الذي كان يسيء المعاملة معهم، ونصب علي بن الحسين بديلاً له، وأوصاه بأن لا يأل جهداً في إكرام الهاشميين والإحسان إليهم.[٨١]
ولكن لم يستمر ذلك طويلاً حيث كانت فترة خلافة المنتصر قصيرة، وعاد الرعب والاضطهاد مرة أُخرى.[٨٢]
الإمام الهادي(ع) في مواجهة فقهاء البلاط
ومع أنّ سياسة الخلفاء العباسيين كانت مبنية على لفت اهتمام الناس وانتباههم نحو فقهاء البلاط والالتزام بآرائهم رسمياً. غير انّه قد اتّفق ان حدثت اختلافات عديدة بين فقهاء البلاط أثناء إقامته في سامراء، فكانوا لم يجدو بدّاً من الرجوع إليه، وكان الإمام ولما كان يتمتع به من علم الإمامة والاستدلال الواضح يتناول المسائل المطروحة عليه بدقة عالية، ممّا كان يبعث الفقهاء على الإعجاب والقبول بما يصل إليه ويفتي به.[٨٣]
حدّ المسيحي الزاني
قُدّم إلى المتوكل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة، فأراد أن يقيم عليه الحد، فأسلم ذلك الرجل، فقال يحيى بن أكثم: الإيمان يمحو ما قبله، وقال بعضهم يضرب ثلاثة حدود، وقال بعض آخر قولاً آخر.
دفع هذا الاختلاف في الفتوى المتوكل إلى أن يكتب إلى الإمام الهادي يستفتيه ويسأله عن الحكم؟
فقال الإمام: «يُضْرَبَ حَتَّى يَمُوتَ».
فأنكر الفقهاء ويحيى بن أكثم ذلك وقالوا: لم يرد هذا في آية أو رواية، وطلبوا من المتوكل أن يكتب إليه يسأله عن العلة والدليل.
فأجاب الإمام بعد البسملة: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾[٨٤]
فقبل المتوكل استدلال الإمام وأمر بضربه.[٨٥]
وقد أفهمهم الإمام بذكره لهذه الآية انّه كما انّ إيمان المشركين لم يمنعهم عذاب الله، كذلك إسلام هذا المسيحي لا يسقط الحدّ عنه.[٨٦]
نذر المتوكل
مرض المتوكل ذات يوم، فنذر ان عوفي ليتصدقن بدنانير كثيرة، فعوفي، فسأل الفقهاء عن ذلك فلم يجد عندهم فرجاً وجواباً شافياً، فبعث إلى الإمام الهادي فسأله؟
فقال(ع): « يَتَصَدَّقُ بِثَلَاثَةٍ وَ ثَمَانِينَ دِينَاراً ».
فقال المتوكل: من أين لك هذا؟
فقال(ع): من قوله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾[٨٧]، فعددنا تلك المواطن والغزوات فكانت ثلاثة وثمانين.[٨٨].[٨٩]
الإمام الهادي والمدارس الكلامية
وقد سادت المدارس الدينية والفكرية كالمعتزلة والأشاعرة في عصر الإمام الهادي، وظهرت في المجتمع الإسلامي آراء ونظريات كلامية متعددة، وثار الجدل والبحث على قدم وساق حول مسائل كلامية، مثل الجبر والتفويض، وإمكان رؤية الله وعدم ذلك، وجسميته تعالى، وغيرها من القضايا الأخرى، ومن هنا كان الإمام يواجه أسئلة ناتجة عن هذه الآراء والنظريات.
وجعل انتشار هذه الآراء المنحرفة وتفشّيها قيادة الشيعة فكرياً من قبل الإمام أمراً ضرورياً للغاية، ولذلك راح الإمام يثبت بطلان الآراء والمدارس المنحرفة مثل الجبرية والمجسمة خلال مناظراته ورسائله بأدلّة قاطعة وساطعة، وقدم الإسلام الحقيقي مجرداً عن كلّ شائبة انحراف إلى المجتمع الإسلامي وهذا أحد مظاهر عظمة الإمام العلمية.[٩٠]
توضح لنا دراسة حياة الإمام العلمية انّ أغلب مناظرات الإمام الهادي كانت تدور حول هذا النوع من المسائل الكلامية ورويت عنه روايات عديدة في هذا المجال تثبت روعة أُسس الشيعة العقائدية وأفضليتها.
وعلى سبيل المثال يمكن الإشارة إلى رسالة الإمام التفصيلية حول الجبر والتفويض جواباً على أسئلة أهالي الأهواز، والتي أثبت وبرهن خلالها على النظرية الصحيحة: لا جبر ولا تفويض، ببيان ساطع واستدلال قاطع.[٩١]
وبما انّ هذه المواضيع خارجة عن موضوع هذا الكتاب الذي هو تاريخي غالباً أعرضنا عن التفصيل حول ذلك، ونحيل الراغبين إلى الكتب المختصة.[٩٢]
مواجهة الغلاة
ومن الفرق الباطلة والمنحرفة التي كان لها نشاط كبير في عصر الإمام الهادي(ع) هي فرقة الغلاة التي كانت تتبنّى أفكاراً منحرفة وعقائد باطلة وواهية وتدّعي التشيع، فقد غلوا في الإمام حتى ألّهوه، وكانوا يدّعون في بعض الأحيان انّهم قد نصبوا من قبله، وهكذا راحوا يتسبّبون في تشويه الشيعة لدى الفرق الأخرى.
وقد تبرّأ الإمام الهادي من هذه الفرقة وخاصمهم، وحاول من خلال طردهم أن يبعد وصمة العار التي كانت تلحق التشيع بهم.
وقد يمكن القول بأنّ السبب في ظهور عقيدتهم بألوهية الإمام والعقائد الأخرى المنحرفة هو الأمور التالية:
- معجزاته وعلمه الغيبي والأُمور الأخرى الغير العادية التي شوهدت من الإمام ممّا لم يستطع هؤلاء تفسيرها بشكل صحيح وناضج، فجعلوها ذريعة للخرافات والبدع، وكلّ ما هو لا إسلامي.
- أرادت هذه الفرقة الباطلة أن تدوس على جميع الحدود الإسلامية وقوانين الدين ليتصرّفوا حسب رغباتهم وأهوائهم، ولذلك حلّلوا جميع المحرمات.
- كانوا يطمعون فيما كان بأيدي الناس من الأموال، وأرادوا أن يحصلوا على الأموال التي كان الشيعة يدفعونها لأئمتهم.
وعلى أي حال كان الغلاة فرقة خطيرة مضلّة تقودها الشخصيات التالية:
وعلى سبيل المثال كان علي بن حسكة يعتقد:
- أنّ الإمام الهادي(ع) هو الله والخالق لهذا العالم.
- انّ ابن حسكة نبي مبعوث من قبل الإمام الهادي لهداية الناس.
- الفرائض الإسلامية مثل الزكاة والحج والصوم و... غير واجبة.
وكان محمد بن نصير الفهري يقول:
- انّ الإمام الهادي(ع) هو ربّ هذا العالم وخالقه.
- يجوز الزواج بالمحارم مثل الأُمّ والأُخت والبنت.
- اللواط مباح، وهو أحد الطرق لإشباع الرغبات والشهوة ولم يحرمه الله.
- انّ أرواح الأموات تحل في أبدان المواليد (التناسخ).[٩٣]
وفي رسالة يجيب خلالها على أسئلة حول هذا الموضوع يقول الإمام لشيعته: «إنّ هذه الفرقة ضالّة ومنحرفة وكافرة» ويوصيهم بالابتعاد عنها، ففي جواب كتبه ردّاً على سؤال أحد الشيعة حول ابن حسكة وآرائه الباطلة يقول الإمام: «كَذَبَ اِبْنُ حَسَكَةَ عَلَيْهِ لَعْنَةُ اَللَّهِ وَ بِحَسْبِكَ أَنِّي لاَ أَعْرِفُهُ فِي مَوَالِيَّ مَا لَهُ لَعَنَهُ اَللَّهُ فَوَ اَللَّهِ مَا بَعَثَ اَللَّهُ مُحَمَّداً وَ اَلْأَنْبِيَاءَ مِنْ قَبْلِهِ إِلاَّ بِالْحَنِيفِيَّةِ وَ اَلصَّلاَةِ وَ اَلزَّكَاةِ وَ اَلْحَجِّ وَ اَلصِّيَامِ وَ اَلْوَلاَيَةِ وَ مَا دَعَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ إِلاَّ إِلَى اَللَّهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَ كَذَلِكَ نَحْنُ اَلْأَوْصِيَاءَ مِنْ وُلْدِهِ عَبِيدُ اَللَّهِ لاَ نُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً إِنْ أَطَعْنَاهُ رَحِمَنَا وَ إِنْ عَصَيْنَاهُ عَذَّبَنَا مَا لَنَا عَلَى اَللَّهِ مِنْ حُجَّةٍ بَلِ اَلْحُجَّةُ لِلَّهِ عَلَيْنَا وَ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ أَبْرَأُ إِلَى اَللَّهِ مِمَّنْ يَقُولُ ذَلِكَ وَ أَنْتَفِي إِلَى اَللَّهِ مِنْ هَذَا اَلْقَوْلِ فَاهْجُرُوهُمْ لَعَنَهُمُ اَللَّهُ وَ أَلْجِئُوهُمْ إِلَى أَضْيَقِ اَلطَّرِيقِ وَ إِنْ وَجَدْتَ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ خَلْوَةً فَاشْدَخْ رَأْسَهُ بِالصَّخْرَةِ».[٩٤]
وخلال رسالة كتبها إلى العبيدي يتبرّأ الإمام من الفهري و ابن بابا القمي أيضاً ويقول: «أَبْرَأُ إِلَى اَللَّهِ مِنَ اَلْفِهْرِيِّ وَ اَلْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بَابَا اَلْقُمِّيِّ فَابْرَأْ مِنْهُمَا فَإِنِّي مُحَذِّرُكَ وَ جَمِيعَ مَوَالِيَّ وَ إِنِّي أَلْعَنُهُمَا عَلَيْهِمَا لَعْنَةُ اَللَّهِ مُسْتَأْكِلَيْنِ يَأْكُلاَنِ بِنَا اَلنَّاسَ فَتَّانَيْنِ مُؤْذِيَيْنِ آذَاهُمَا اَللَّهُ وَ أَرْكَسَهُمَا فِي اَلْفِتْنَةِ رَكْساً يَزْعُمُ اِبْنُ بَابَا أَنِّي بَعَثْتُهُ نَبِيّاً وَ أَنَّهُ بَابٌ وَيْلَهُ لَعَنَهُ اَللَّهُ سَخِرَ مِنْهُ اَلشَّيْطَانُ فَأَغْوَاهُ فَلَعَنَ اَللَّهُ مَنْ قَبِلَ مِنْهُ ذَلِكَ يَا مُحَمَّدُ إِنْ قَدَرْتَ أَنْ تَشْدَخَ رَأْسَهُ بِحَجَرٍ فَافْعَلْ فَإِنَّهُ قَدْ آذَانِي آذَاهُ اَللَّهُ فِي اَلدُّنْيَا وَ اَلْآخِرَةِ .».[٩٥]
وكان فارس بن حاتم الذي قلنا إنّه من رؤوس الغلاة قد كذب ولعن من قبل الإمام، وفي اختلافه ونزاعه مع علي بن جعفر[٩٦]، دافع الإمام عن علي وأيّده، وقد بلغت انحرافات فارس بن حاتم وبدعه وتضليلاته حدّاً جعل الإمام يصدر أمراً بقتله، ويضمن لقاتله الجنة وكتب(ع): «هَذَا فَارِسٌ لَعَنَهُ اَللَّهُ يَعْمَلُ مِنْ قِبَلِي فَتَّاناً دَاعِياً إِلَى اَلْبِدْعَةِ، وَ دَمُهُ هَدَرٌ لِكُلِّ مَنْ قَتَلَهُ، فَمَنْ هَذَا اَلَّذِي يُرِيحُنِي مِنْهُ وَ يَقْتُلُهُ! وَ أَنَا ضَامِنٌ لَهُ عَلَى اَللَّهِ اَلْجَنَّةَ».[٩٧]
ونفذ أحد أصحاب الإمام باسم الجنيد حكم الإعدام به، وأراح المجتمع الإسلامي بقتله.[٩٨]
فتنة خلق القرآن
ومن أكثر القضايا الفكريةوالعقائدية جدلاً وإثارة في عصر الإمام الهادي هي قضية خلق القرآن وعدمه التي دارت حولها مناقشات ونزاعات كبيرة.
فالمعتزلة الذين اعتمدوا على العقل إلى درجة كبيرة وتناولوا القضايا الاعتقادية في ضوء معطياته، اعتقدوا بحدوث وخلق القرآن وربطوا ذلك بالصفات الإلهية وخالفوا قدمه كما يدعيه الأشاعرة وأهل الحديث، فنشب النزاع بين النظريتين على أشدّما يمكن.
وقد بدأ البحث حول خلق القرآن ـ كما يقول المحققون ـ منذ نهايات الحكم الأموي[٩٩] (بدايات القرن الثاني)، وأوّل من عرض هذا البحث في الأوساط الإسلامية هو جَعْد بن درهم أُستاذ مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين، وقد أخذ هذه الفكرة من أبان بن سمعان، وأخذها الأخير من طالوت بن أعصم اليهودي أيضاً. أصبح جعد بعد ذلك مطارداً وفر إلى الكوفة وهناك نقل فكرته هذه إلى جهم بن صفوان الترمذي.[١٠٠]
ويعتقد البعض بأنّ فكرة قدم القرآن قد تسربت إلى المجتمع الإسلامي من المسيحية، لأنّهم كانوا يؤمنون بأنّ المسيح كلمة الله وبالتالي يرون كلام الله ـ وهو من الله ـ قديماً أيضاً. وممّا يؤيد هذا الرأي انّ المأمون وفي بيان أصدره إلى إسحاق بن إبراهيم حاكم بغداد في هذا الموضوع يتهم الأشاعرة بأنّهم قالوا في القرآن بمثل ما قاله النصارى.
وعلى أي حال تابع بشر المريسي الذي يقال انّه يهودي الأصل هذا البحث في عهد هارون، وأخذ يشيع هذه الفكرة ـ فكرة خلق القرآن ـ مدة أربعين عاماً، ولمّا سمع انّ هارون قد سمع ما قاله وهدّده بالموت غياباً ابتعد عن الأنظار، وقد استمر هذا البحث بين الطرفين حتى جاء المأمون وأقحم نفسه فيه، فأصبحت نار الاختلاف أكثر اشتعالاً، وهو الذي كان عالماً خبيراً وعلى معرفة بالفلسفة والفقه والأدب وباحثاً ثاقب الرأي قد أبدى رغبة وميلاً منذ شبابه إلى الاعتزال، ودافع عن فكرة خلق القرآن، وكان الفقهاء يخشون من أن يصبح هو الخليفة ويشيع هذه العقيدة،لدرجة انّ الفضيل بن عياض كان يقول علانية: ادعوا الله أن يطيل في عمر هارون ليريحني من شر خلافة المأمون.[١٠١]
وقد كان توقعهم في محله، فقد تبنّى المأمون المذهب المعتزلي ونظرية خلق القرآن رسمياً بعد وصوله إلى الخلافة واستخدم سلطته وسطوته في قمع المعارضين لهذا الرأي، ولأنّ المخالفين الذين كانوا يعرفون في تلك الفترة بأهل السنّة يبدون صموداً ومقاومة، وصلت الأزمة إلى أوجها، وخرجت المسألة عن كونها بحثاً علمياً دينياً، وتحولت إلى قضية سياسية عقائدية مثيرة للقلاقل، وأصبحت حديث الساعة حتى صار عوام الناس تتناولها بحرارة.
وفي سنة ٢١٨ أصدر المأمون أمراً إلى إسحاق بن إبراهيم عامله على بغداد بأن يمتحن ويختبر جميع القضاة والشهود والمحدثين ورجال الدولة، فمن أقرّ بخلق القرآن أُبقي على ما كان عليه وإلاّفيعزل.[١٠٢]
وعرف هذا الأمر الذي كان نوعاً من تفتيش العقائد وفحصها بمِحنة[١٠٣] خلق القرآن في التاريخ.
والذي كان يحثّ المأمون وبعده المعتصم والواثق العباسيين على الخوض في ذلك هو ابن أبي دؤاد القاضي الشهير لبلاط بني العباس الذي أصبح قاضي القضاة بعد يحيى بن أكثم، وقد كان يتمتع بصيت وشهرة علمية ويقارنونه بالبرامكة في الجود والكرم والسلطة والنفوذ في بلاط العباسيين، ولعب دوراً كبيراً في محنة القرآن، ولأجل ذلك تصوروا انّه هو الذي أسّس هذه النظرية، وقد لاحظنا انّه ليس كذلك.
وعلى أي حال بلغ تشدّد العباسيين درجة حتى نكل بالمخالفين واضطهدوا وملئت بهم السجون، وجلد أحمد بن حنبل الذي كان يدافع عن رأيه بصلابة.[١٠٤] وقتل أحمد بن نصر الخزاعي في عهد الواثق، وعُذّب يوسف بن يحيى البريطي تلميذ الشافعي ومات بسجن مصر، وينقل اليعقوبي قصة غريبة حول هذا، فقد كتب يقول: كتب طاغية الروم يذكر كثرة من بيده من أسرى المسلمين ويدعو إلى الفداء، فأجابه الواثق إلى ذلك، ووجه بمن ينوب عنه في ذلك، وكان من بعثهم كلّما مرّ رجل من الأسرى امتحنوه في القرآن،فمن قال إنّه مخلوق، فودي به ودفع إليه ديناران وثوبان.[١٠٥]
كلّ هذه الإجراءات التعسفية جعلت الناس تكره المعتزلة، ولذلك عندما تقلّد المتوكل العباسي الخلافة دافع عن أهل الحديث وحسم محنة القرآن، غير انّ هذه المناقشات لم تنتهي مباشرة، بل استمرت في المجتمع الإسلامي لمدة طويلة.[١٠٦].[١٠٧]
موقف الإمام الهادي(ع)
ولم يجز الأئمة المعصومون الذين حملوا لواء الفكر الإسلامي الأصيل وقيادته السكوت لأنفهسم أزاء هذا الجدل الفكري القائم، فراحوا(ع) ينتقدون الفكر المنحرف ويبطلونه، ويقدّمون الفكر الإسلامي الصحيح، وحذروا المسلمين من الولوج في هذا الجدل الذي لا طائل من ورائه من خلال مواقفهم الواضحة والإرشادية.
قال الإمام الصادق(ع) للأعمش حين سرده لشرائع الدين: «وَ اَلْقُرْآنُ كَلاَمُ اَللَّهِ لَيْسَ بِخَالِقٍ وَ لاَ مَخْلُوقٍ».[١٠٨]
وقد سأل الريان بن الصلت الإمام الرضا وقال: يابن رسول الله ما تقول في القرآن؟
فقال(ع): « كَلاَمُ اَللَّهِ لاَ تَتَجَاوَزُوهُ وَ لاَ تَطْلُبُوا اَلْهُدَى فِي غَيْرِهِ فَتَضِلُّوا»
ويروى عن الإمام الهادي(ع) حديث حول هذا الموضوع، وهو أكثر تفصيلاً ووضوحاً نسبياً، فقد كتب الإمام جـواباً على سؤال أحد شيعته ببغداد:
«﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾[١٠٩] عَصَمَنَا اَللَّهُ وَ إِيَّاكَ مِنَ اَلْفِتْنَةِ فَإِنْ يَفْعَلْ فَقَدْ أَعْظَمَ بِهَا نِعْمَةً وَ إِنْ لاَ يَفْعَلْ فَهِيَ اَلْهَلْكَةُ نَحْنُ نَرَى أَنَّ اَلْجِدَالَ فِي اَلْقُرْآنِ بِدْعَةٌ اِشْتَرَكَ فِيهَا اَلسَّائِلُ وَ اَلْمُجِيبُ فَيَتَعَاطَى اَلسَّائِلُ مَا لَيْسَ لَهُ وَ يَتَكَلَّفُ اَلْمُجِيبُ مَا لَيْسَ عَلَيْهِ وَ لَيْسَ اَلْخَالِقُ إِلاَّ اَللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ مَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ وَ اَلْقُرْآنُ كَلاَمُ اَللَّهِ لاَ تَجْعَلْ لَهُ اِسْماً مِنْ عِنْدِكَ فَتَكُونَ مِنَ اَلضَّالِّينَ جَعَلَنَا اَللَّهُ وَ إِيَّاكَ مِنَ ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾[١١٠]»[١١١]
أوجب هذا الموقف الذي اتخذه الأئمّة أن يبتعد الشيعة عن هذا النزاع، وأن لا يخوضوا في هذه البدع المضلة.[١١٢]
تلامذة مدرسة الإمام الهادي(ع)
مع أنّ عصر الإمام الهادي(ع) كان عصراً يسوده الرعب والإرهاب والاستبداد ولم يفسح له المجال لممارسة نشاطه الثقافي، واختلف من هذه الناحية مع عصر الإمامين الباقر و الصادق(ع) خاصة، غير انّه ورغم الظروف الحرجة ومضافاً إلى نشاطاته الثقافية ـ من خلال المناظرات والرسائل والإجابات على الأسئلة والشبهات وعرض الرؤية الصائبة ازاء المدارس الكلامية المنحرفة ـ ربّى رواة ومحدّثين وشخصيات بارزة من الشيعة، وعلّمهم علوماً ومعارف إسلامية، وقد نقلوا هذاالتراث الثقافي الضخم إلى الأجيال اللاحقة.
وقد عدّ الشيخ الطوسي العالم الإسلامي الشهير ١٨٥ تلميذاً من تلامذته في مختلف العلوم الإسلامية .[١١٣]
ويوجد بينهم شخصيات علمية وروحية بارزة؛ مثل الفضل بن شاذان، و الحسين بن سعيد الأهوازي، و أيّوب بن نوح، و أبي علي الحسن بن راشد، و الحسن بن علي الناصر الكبير، و عبد العظيم الحسني ـ المدفون في مدينة الري ـ و عثمان بن سعيد الأهوازي. وللبعض منهم أعمال وتأليفات قيمة في مجالات مختلفة من العلوم الإسلامية، وقد ذكرت هذه المصنفات وخدماتهم العلمية وجهودهم الثقافية في كتب الرجال.[١١٤]
استشهاد الإمام(ع)
وعلى الرغم من أنّ الإمام كان تحت المراقبة في سامراء وعانى الكثير من الآلام والضغوط غير انّه لم يخضع للظالمين قيد أنملة.
ومن الواضح انّ شخصيته الإلهية وموقعه الاجتماعي ونضاله السلبي وعدم تعاونه مع الخلفاء كان كلّ ذلك أمراً لا يمكن احتماله لطواغيت عصره ومثيراً لمخاوفهم ومسبباً لهم القلق، وفي النهاية وجدوا انّ الطريقة الوحيدة هي إطفاء نور الله وحاولوا قتله، وهكذا لم يرحل الإمام الهادي عن هذا العالم بموت طبيعي مثل الأئمّة السابقين، ومات مسموماً[١١٥] في عهد المعتز، وقد استشهد في رجب من عام ٢٥٤ هـ، ودفن بسامراء في بيته.[١١٦].[١١٧]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ إعلام الورى: ٣٥٥؛ الإرشاد: ٣٢٧.
- ↑ إعلام الورى: ٣٥٥؛ الإرشاد: ٣٢٧.
- ↑ إعلام الورى: ٣٥٥. وفي عرف رواة الشيعة المراد من أبي الحسن الأوّل هو موسى بن جعفر، ومن أبي الحسن الثاني الإمام الرضا(ع) .
- ↑ إعلام الورى: ٣٥٥. وفي عرف رواة الشيعة المراد من أبي الحسن الأوّل هو موسى بن جعفر، ومن أبي الحسن الثاني الإمام الرضا(ع) .
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٥٠٥.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٥٠٥.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٥٠٦.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٥٠٨.
- ↑ مقاتل الطالبيّين: ٣٩٥؛ امام هادى: ٦٧.
- ↑ الكامل في التاريخ: ٧/٥٥.
- ↑ البحار: ٥٠ /١٧٦؛ كشف الغمة: ٣ /١٧٥.
- ↑ بحار الأنوار: ٥٠ /١٨٥.
- ↑ أمالي الشيخ الطوسي: ٢٨٢.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٥٠٨.
- ↑ سورة الفاتحة، الآية 1.
- ↑ مات علي بن الحسين بن عبد ربه في مكة عام مائتين وتسعة وعشرين ونصب الإمام الهادي أبا علي مكانه. اختيار معرفة الرجال: ٥١٠ الحديث ٩٨٤. وقد ذكر هذا الشخص باسم الحسين بن عبد ربه (أبو علي) في بعض الروايات غير انّ العلاّمة محمد تقي التستري قدم أدلّةً تدلّ على أنّ من كان وكيلاً للإمام الهادي هو علي بن الحسين بن عبد ربه لا أبوه. قاموس الرجال: ٣ /٤٦٨.
- ↑ اختيار معرفة الرجال: ٥١٣، الحديث ٩٩١، الدكتور جاسم حسين؛ تاريخ سياسى غيبت امام دوازدهم (ترجمة): ١٣٧.
- ↑ اختيار معرفة الرجال: ٥١٤، الحديث ٩٩٢، الدكتور جاسم حسين تاريخ سياسى غيبت امام دوازدهم (ترجمة): ١٣٧ـ ١٣٨.
- ↑ سورة المائدة، الآية 2.
- ↑ سورة الحجرات، الآية 10.
- ↑ سورة آل عمران، الآية 103.
- ↑ سورة آل عمران، الآية 102.
- ↑ اختيار معرفة الرجال: ٥١٣ـ ٥١٤، نفس الحديث؛ امامان شيعه وجنبشهاى مكتبى،المدرسي، ص ٣٢٣.
- ↑ نفس المصدر، ص ٦٠٧، الحديث ١١٢٩؛ إثبات الوصية، ص ٢٣٣ وسنتحدث إن شاء الله في سيرة الإمام الحسن العسكري حول نشاطات علي بن جعفر في مكة.
- ↑ تنقيح المقال: ٣ /٢٧١.
- ↑ قاموس الرجال: ٢ /٢٤٢.
- ↑ اختيار معرفة الرجال: ٦١١ـ ٦١٢، الحديث ١١٣٦.
- ↑ اختيار معرفة الرجال: ص ٦٠٣ و٦٠٧، الحديث ١١٢٢ و١١٢٩ و١١٣٠؛ جاسم حسين، تاريخ سياسى غيبت امام دوازدهم ص ٨٣؛ الغيبة، الطوسي: ٢١٢.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٥١٠.
- ↑ بحار الأنوار: ٥٠ /٢٠٠؛ الإرشاد. ٣٣٣، ومضافاً إلى عبد الله كتب بريحة العباسي الذي كان يتولّى الإشراف على الصلاة في الحرمين إلى المتوكل عدّة مرات: إن كان لك في الحرمين حاجة فاخرج علي ابن محمد منهما، فانّه قد دعا إلى نفسه واتّبعه خلق كثير.، إثبات الوصية: ٢٢٥.
- ↑ سورة الفاتحة، الآية 1.
- ↑ بحار الأنوار: ٥٠ /٢٠٠؛ أُصول الكافي: ١ /٥٠١؛ الإرشاد: ٣٣٣؛ كشف الغمة: ٣ /١٧٢.
- ↑ بحار الأنوار: ٥٠ /١٢٩.
- ↑ ويرى ابن شهر آشوب في المناقب انّ احضار الإمام إلى سامراء كان في عام ٢٣٤هـ، إذ انّه يرى أنّ مدة إقامته في سامراء استغرقت عشرين عاماً ووفاته كانت عام ٢٥٤ وهو يقتضي أن يكون انتقاله إلى سامراء قد تم في سنة ٢٣٤. وكتب الشيخ المفيد في «الإرشاد» انّ المتوكل كتب الرسالة عام ٢٤٣، ولكن رواية الكليني تقول إنّه قد استنسخت نسخة من الرسالة عام ٢٤٣ على يد أحد الشيعة وقد أخذها من يحيى بن هرثمة. (أُصول الكافي: ١ /٥٠١). إذن يكون ذلك العام هو تاريخ أخذ تلك النسخة لا تاريخ الإحضار إلى مركز الخلافة، ويبدو انّ رأى ابن شهر آشوب أكثر صواباً من الناحية السياسية، إذ من المستبعد أن يكون المتوكل غافلاً عن نشاطات الإمام أو متجاهلاً لها لمدة إحدى عشرة سنة حيث قد تقلّد الخلافة عام ٢٣٢.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٥١٤.
- ↑ كان وصيف من المتنفّذين في بلاط المتوكل.
- ↑ تذكرة الخواص: ٣٥٩ـ ٣٦٠. ويتّضح من كلام يحيى بن هرثمة عن دخوله المدينة مدى شعبية الإمام جيداً، وهكذا يعلم من كلمات إسحاق بن إبراهيم ووصيف مدى محبوبيته بين الناس وحتى أهل البلاط.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٥١٧.
- ↑ كما لم يخف ذلك على شخصيات واعية مثل صالح بن سعيد فقد قال: دخلت على أبي الحسن الهادي يوم وروده فقلت: أرادوا إطفاء نورك والتقصير بك حتى أنزلوك هذا الخان الأشنع. (الإرشاد: ٣٣٤؛ كشف الغمة: ٣ /١٧٣).
- ↑ الإرشاد، ص ٣٣٤.
- ↑ بحار الأنوار: ٥٠ /١٦١.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٥١٨.
- ↑ مروج الذهب: ٤ /١١؛ نور الأبصار: ١٦٦؛ تذكرة الخواص: ٣٦١؛ وفيات الأعيان، ابن خلكان: ٣ /٢٧٢؛ مآثر الإنافة في معالم الخلافة: ١ /٢٣٢، ويوجد بعض الاختلاف في عدد الأبيات بين المؤرّخين.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٥١٩.
- ↑ بحار الأنوار: ٥٠ /١٩٤.
- ↑ كشف الغمة: ٣ /١٨٤.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٥٢١.
- ↑ مقاتل الطالبيّين: ٣٩٧ـ ٤١٨.
- ↑ مآثر الأنافة: ١ /٢٣١.
- ↑ مقاتل الطالبيين، ص ٣٩٥؛ مروج الذهب: ٤ /٥١؛ تاريخ الخلفاء: ٣٤٧.
- ↑ مقاتل الطالبيّين: ٣٩٦؛ الكامل في التاريخ: ٧ /٥٥.
- ↑ تاريخ الخلفاء: ٣٤٧؛ الأمالي: الطوسي،ص ٣٢٩.
- ↑ واسمه يعقوب واسم أبيه إسحاق، وكان من علماء وأُدباء الشيعة المعروفين، وقد كان متبحّراً في علوم عصره مثل علوم القرآن، الشعر، اللغة والأدب وألّف فيها كتباً بعضها فريدة في نوعها كما قال بعض الباحثين، (ريحانة الأدب: ٧ /٥٧٠).
- ↑ تاريخ الخلفاء: ٣٤٨؛ تنقيح المقال: ٣/٥٧٠.
- ↑ تاريخ بغداد: ١٣/٢٨٩.
- ↑ حياة الإمام الهادي: ٢٩٢.
- ↑ تاريخ سياسى غيبت امام دوازدهم: ٨٢.
- ↑ تاريخ سياسى غيبت امام دوازدهم، الدكتور جاسم حسين: ٨٤.
- ↑ تاريخ سياسى غيبت امام دوازدهم: ٨٤.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٥٢٢.
- ↑ الكامل في التاريخ: ٣ /٥١١؛ الإمامة والسياسة: ١ /١٩١.
- ↑ حياة الإمام موسى بن جعفر عليمها السَّلام: ١ /٣٦٩، نقلاً عن كتاب عصر المأمون.
- ↑ تتمة المنتهى، الشيخ عباس القمي، ص ٢٣٨ـ٢٣٩؛ مقاتل الطالبيين: ٣٩٦.
- ↑ تتمة المنتهى، الشيخ عباس القمي، ص ٢٣٨ـ٢٣٩؛ مقاتل الطالبيين: ٣٩٦.
- ↑ كانت هناك أحد عشرة نخلة في فدك غرسها نبي الإسلام بيده فيها، وكان أولاد فاطمة يهدون ثمارها للحجاج فتعود عليهم بالبركة. وقد أمر عبد الله بن البازيار شخصاً يدعى بشران بن أبي أميّة الثقفي بأن يذهب إلى المدينة ويقطع تلك النخلات، فلمّا رجع إلى البصرة أُصيب بالشلل.(«فدك» السيد محمد حسن القزويني الحائري: ١٩٥).
- ↑ تاريخ سياسى غيبت امام دوازدهم،الدكتور حسين جاسم، ص٨٤.
- ↑ تاريخ سياسى غيبت امام دوازدهم، ص ٨٤، نقلاً عن كتاب ولاة مصر، تأليف الكندي.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٥٢٥.
- ↑ تاريخ اليعقوبي: ٣ /٢٢٣.
- ↑ آل بويه، علي أصغر الفقيهي، ص٤١٥.
- ↑ حياة الإمام الهادي(ع)، القرشي: ٣٠٩ـ ٣١٥.
- ↑ آل بويه، الفقيهي: ٤١٧، بين الخلفاء والخلعاء، صلاح الدين المنجد، ص ٣٣ـ ٣٥. وقد ذكر القلقشندي احتفالات الختان في كتاب مآثر الانافة في معالم الخلافة باختلاف يسير: ٣ /٣٦٧.
- ↑ تاريخ الخلفاء: ٣٥٠.
- ↑ مروج الذهب: ٤ /٤٠.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٥٢٧.
- ↑ رسائل الخوارزمي: ٧٦ـ ٨٣، آل بويه، الفقيهي: ٤٥٣.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٥٢٩.
- ↑ مروج الذهب: ٤ /٣٨؛ تتمة المنتهى: ٢٣٨.
- ↑ الكامل في التاريخ: ٧ /٥٥ـ ٥٦، مآثر الأنافة: ١ /٢٣٠ـ٢٣١؛ امام هادى: ٦٣.
- ↑ مآثر الانافة في معالم الخلافة، القلقشندي: ٣ /٢٣٨.
- ↑ الكامل في التاريخ: ٧ /١١٦؛ مروج الذهب: ٤ /٥١؛ حياة الإمام الهادي: ٢٧٥.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٥٣١.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٥٣٢.
- ↑ سورة غافر، الآية 84-85.
- ↑ وسائل الشيعة: ١٨ /٤٠٨، باب٣٦ من أبواب حدّ الزنا، ط بيروت؛ حياة الإمام الهادي، باقر شريف القرشي: ٢٤٠.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٥٣٣.
- ↑ سورة التوبة، الآية 25.
- ↑ تذكرة الخواص: ٣٦٠؛ الأنساب: للسمعاني: ٤ /١٩٦؛ حياة الإمام الهادي(ع): ٢٤٠.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٥٣٤.
- ↑ حياة الإمام الهادي: ١٣٠؛ الاحتجاج: ٢٤٩.
- ↑ تحف العقول، الحسن بن شعبة: ٤٥٨ـ ٤٧٥.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٥٣٤.
- ↑ حياة الإمام الهادي، القرشي: ٣٣٥.
- ↑ اختيار معرفة الرجال: ٥١٩، الحديث ٩٩٧؛ وسائل الشيعة: ١٨ /٥٥٤.
- ↑ اختيار معرفة الرجال: ٥٢٠، الحديث ٩٩٩.
- ↑ كان علي بن جعفر من أكثر أصحاب الإمام الهادي نشاطاً وأهمية، وقد تحدّثنا عنه مسبقاً في منظمة الوكالة.
- ↑ اختيار معرفة الرجال: ٥٢٤، الحديث ١٠٠٦؛ تحليلى از تاريخ دوران دهمين خورشيد امامت، امام هادى(ع): ١٣٢ـ ١٣٤.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٥٣٥.
- ↑ راجع حول خلق القرآن والجذور التاريخية لهذه المسألة كتاب الكامل في التاريخ: ٧ /٧٥.
- ↑ وقد قتل خالد بن عبد الله القسري جعداً يوم عيد الأضحى في الكوفة بسبب ذلك كأضحية، وقتل جهم على يد سالم بن أحوز عام ١٢٨ في مرو. (ضحى الإسلام: ٣ /١٦٢)، ولعلّ هذا هو الذي جعل أحمد بن حنبل حامل لواء أهل الحديث أن يعتبر أصحاب خلق القرآن كفّاراً وجهميّين.
- ↑ تاريخ التمدن الإسلامي، جرجي زيدان: ٣ /٢١٤.
- ↑ الكامل في التاريخ: ٦ /٤٢٣؛ تاريخ الخلفاء: ٣٠٨.
- ↑ المحنة تعني الامتحان.
- ↑ مروج الذهب: ٣ /٤٦٤.
- ↑ تاريخ اليعقوبي: ٣ /٢١٥.
- ↑ للتوسع أكثر في الاطّلاع على مسألة خلق القرآن يراجع مضافاً إلى تلك المصادر الكتب التالية: تاريخ الخلفاء للسيوطي: ٣٠٦ـ ٣١٢؛ ضحى الإسلام: ٣ /١٥٥ـ ٢٠٧؛ بحوث في الملل والنحل، جعفر السبحاني: ٢ /٢٥٢ـ ٢٦٩.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٥٣٨.
- ↑ الخصال: ٢ /٦٠٩، أبواب المائة فما فوقه؛ بحار الأنوار: ١٠ /٢٢٨.
- ↑ سورة الفاتحة، الآية 1.
- ↑ سورة الأنبياء، الآية 49.
- ↑ التوحيد، الشيخ الصدوق: ٢٢٤.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٥٤١.
- ↑ رجال الطوسي، ص ٤٠٩ـ ٤٢٩، وطبعاً يجب استثناء بعض الأشخاص كفارس بن حاتم وابن حسكة الذين انحرفوا ونبذهم الإمام وللاطّلاع على تلامذة الإمام الهادي أكثر يراجع حياة الإمام الهادي، القرشي: ١٧٠ـ ٢٣٠.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٥٤٣.
- ↑ نور الأبصار، الشبلنجي: ١٦٦.
- ↑ الإرشاد، المفيد: ٣٣٤.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٥٤٤.