نبوة النبي الخاتم في علم الكلام
تمهید
وُلد محمّد بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد بن هاشم بن عبد مناف من قبيلة قريش سنة ٥٧٠ للميلاد في مكة. وكانت قبيلة بني هاشم تشتهر بالكرم والسخاء والعفّة والفتوة. ولهذا، أُوكلت إلى هذه القبيلة سدانة الكعبة. وبدأت دعوة النبي. عام ٦١٠م؛ أي في أوائل القرن السابع الميلادي، وعمره آنذاك أربعون عاماً؛ حين كانت عبادة الأوثان بمختلف ألوانها شائعة ودارجة في شبه الجزيرة العربية، وكانت عمائم الظلم والتمييز بشتّى أنواعها تخيّم على المجتمعات في الروم وبلاد فارس.
انطلقت حركة الرسول الأعظم في بداية أمرها بدعوة الأقربين من بني هاشم إلى الإسلام، وإلى خير الدنيا والآخرة، فعرّفهم على رسالته، ثمّ وسّع من هذه الدائرة فعرض دعوته على الناس على المستوى العالمي ؛ قائلاً:
- ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾[١]
- ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾[٢]
- ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾[٣]
وقد شاءت الإرادة الإلهية أن تكون رسالة هذا النبي خاتمة للرسالات، وأن يكون القرآن خاتماً للكتب السماوية؛ حيث قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾[٤].
وقد اشتملت هذه الرسالة وانطوت على جميع ما جاءت به الأنبياء والرسل من ذي قبل، فكانت أكملها وأشملها؛ قال تعالى:
- ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾[٥].
- ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾[٦]
- ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾[٧]
واحتوت رسالة هذا الرسول الكريم كلّ ما من شأنه أن يحرّر البشرية من أغلال الجهل وقيود الظلم والشرك؛ قال تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾[٨].
وعلى هذا الأساس، انطلقت آيات القرآن الكريم في دعوتها للاهتمام بالدنيا والآخرة معاً؛ فقال عز من قائل: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾[٩].
كما نوّهت أيضاً بألا يصاحب هذا الاهتمام أيّ عسر أو حرج؛ فقال تعالى:
- ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾[١٠]
- ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾[١١]
وقد استطاع هذا النداء المخلص والخطاب الشامل أن يعمّ أنحاء المعمورة في أقلّ فترة زمنيّة ممكنة، وتمكّن من تشييد حضارة رصينة في شتّى المجتمعات الإسلامية المختلفة[١٢]. [١٣]
سُبُل إثبات نبوّة رسول الله
عمد المفكرون المسلمون في الكتب الكلامية إلى إثبات النبوة الخاصة من خلال سلوك ثلاثة طرق. وقد فصّل العلامة الشعراني في كتابه «طريق السعادة» البحث، فاستعرض أربعة أدلّة؛ هي:
الدليل الأول: التأمل في شخصية الرسول الأعظم
تدلّ الدراسات التاريخية على ظهور سمات أساسيّة في شخصية الرسول منها: الصدق، والأمانة، وطهارة الروح، والابتعاد عن طلب الدنيا، ومجانبة المكر والخديعة، والإيمان الراسخ بالرسالة والثبات والتضحية في سبيل الواجب الإلهي، وهلمّ جرّاً. وليست هذه القضايا مما ينفرد المسلمون بالإيمان بها، بل المثير أنّ شدّة بروزها وظهورها على مسرح التاريخ ترك أثراً بالغاً على كثير من الكتاب والمفكرين غير المسلمين، بل وعلى المستشرقين الغربيين أيضاً.
يقول مؤلّف كتاب«إخلاص محمّد»[١٥] بعد تطرّقه للإيمان الراسخ للنبي بنبوّته ورسالته: مثل الأحوال التي كانت تعتري أنبياء بنيإسرائيل، أي الفناء والانقطاع عن عالم الطبيعة، والانفتاح على عالم الباطن، وحال مشابه للإغماء، تصيبه هو أيضاً. وتتمثل له الملائكة أيضاً، نفسها التي تتجسّم لأنبياء بنيإسرائيل؛ ويسمع الأصوات التي يسمعونها هم[١٦].
فالنظرة المنصفة إلى صدق النبي. وإيمانه، وإخلاصه، تزيل أي ترديد في صدق النبي في دعواه.
الدليل الثاني: بشائر الأنبياء الماضين
إحدى الطرق التي تثبت النبوة الخاصة بشائر الأنبياء الماضين؛ فهناك في كتب الأمم الغابرة بشائر عديدة عن رسالة خاتم الأنبياء. وقد تحدث القرآن الكريم عن وعد مجيئه في التوراة والإنجيل[١٧].
وقد ذكر العلامة الشعراني في كتابه«طريق السعادة» بالتفصيل بشائر للأنبياء موسى، وإشعياء، وحيقوق، وقصّة بحيراء الراهب، ودانيال النبي، والسيد المسيح، وقد سَبَر أغوار التساؤلات والشبهات التي تحوم حولها.
جاء في الإصحاح الثاني والأربعين من سفر إشعياء: هُوَذَا عَبْدِي الذي أَعْضُدُهُ، مُختَارِي[١٨] (الْمُصْطَفَى) الذي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي، وَضَعْتُ رُوحِي عَلَيْهِ فَيُخْرِجُ الحق لِلْأُمَمِ. لَا يَصِيحُ وَلَا يَرْفَعُ وَلَا يُسْمِعُ فِي الشارع صَوْتَهُ. قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لَا يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةٌ خَامِدَةً لَا يُطْفِيُ. إِلَى الأمان يُخْرِجُ الحق. [١٩] لا يَكِلُّ وَلَا يَنْكَسِرُ حَتَّى يَضَعَ الحق فِي الأرض، وتنتظر الجزائر شَرِيعَتَهُ[٢٠].
هَكَذَا يَقُولُ الله الرب، خَالِقُ السماوات وَنَاشِرُهَا، بَاسِطُ الأرض وَنَتَائِجِهَا، مُعْطِي الشعب عَلَيْهَا نَسَمَةٌ، وَالسَّاكِنِينَ فِيهَا رُوحاً. أَنَا الرب قَدْ دَعَوْتُكَ بِالْبِرِّ، فَأَمْسِكُ بِيَدِكَ وَأَحْفَظُكَ وَأَجْعَلُكَ عَهْداً لِلشَّعْبِ وَنُوراً لِلْأَمَمِ، [٢١] لِتَفْتَحَ عُيُونَ العمي لِتُخْرِجَ مِنَ الخبس المأسورين، مِنْ بَيْتِ السجن الجالسين فِي الظلمة. [٢٢]
أنا الرب هَذَا اسْمِي، وَمُجَدِي لاَ أُعْطِيهِ لِآخَرَ، وَلَا تَسْبِيحِي لِلْمَنْحُوتَاتِ. هُوَذَا الأوليات قَدْ أَتَتْ، وَالْحَدِيثَاتُ أَنَا مُخَبِرُ بِهَا. قَبْلَ أَنْ تَنْبُتَ أُعْلِمُكُمْ بِهَا. غَنُّوا لِلرَّبِّ أُغْنِيةٌ جَدِيدَةَ، تَسْبِيحَهُ مِنْ أَقْصَى الأرض. أَيُّهَا المنحدرون فِي البحر وَمِلْؤُهُ وَاجْزَائِرُ وَسُكَّانُهَا، لِتَرْفَع البرية وَمُدُتُها صَوْتَهَا، الديار التي سَكَنَهَا قِيدَارُ[٢٣]. لِتَتَرَنَّمْ سُكَّانُ سَالِعَ[٢٤].
مِنْ رُؤُوسِ الجبال لِيَهْتِفُوا. لِيُعْطُوا الرب جداً وَيُخْبِرُوا بِتَسْبِيحِهِ فِي الجزائر. الرب كَالجُبَّارِ يَخْرُجُ. كَرَجُلٍ حُرُوبِ يُنْهِضُ غَيْرَتَهُ. يَهْتِفُ وَيَصْرُخُ وَيَقْوَى عَلَى أَعْدَائِهِ. قَدْ صَمَتُ مُنْذُ الدهر. سَكَتُ. تَجَلَّدْتُ. كَالْوَالِدَةِ أَصِيحُ. أَنْفُخُ وَأَنْخُرُ مَعاً. أَخْرِبُ الجبال وَالْآکامَ وَأَجَفِّفُ كُلَّ عُشْبَهَا، وَأَجْعَلُ الأنهار يَبَساً يساً وَأَنشِّفُ الآجام، وَأُسَيْرُ العمي في طريق لَمْ يَعْرِفُوهَا. في مَسَالِكَ لَمْ يَدْرُوهَا طَرِيقٍ أُمَشِّيهِمْ. أَجْعَلُ الظلمة أَمَامَهُمْ نُوراً، وَالْمُعْوَجَاتِ مُسْتَقِيمَةٌ. هَذِهِ الأمور أَفْعَلُهَا وَلَا أَتْرُكُهُمْ. قَدِ ارْتَدُّوا إِلَى الوراء. یَجْزَى خِزْياً المتكلون عَلَى المنحونات، القائلون لِلْمَسْبُوكَاتِ: أَنْتُنَّ آهِتُنَا!أَيُّهَا الصم اسْمَعُوا. أَيُّهَا العمي انْظُرُوا لِتُبْصِرُوا. مَنْ هُوَ أَعْمَى إِلَّا عَبْدِي، وَأَصَمُّ كَرَسُولِي الذي أُرْسِلُهُ؟ مَنْ هُوَ أَعْمَى كَالْكَامِلِ، وَأَعْمَى كَعَبْدِ الرب؟ نَاظِرٌ كَثِيراً وَلَا تُلَاحِظُ. مَفْتُوحُ الأذنين وَلَا يَسْمَعُ. الرَّبُّ قَدْ شَرَّ مِنْ أَجْلِ بِرِّهِ. يُعَظَّمُ الشريعة وَيُكْرمُهَا. وَلَكِنَّهُ شَعْبٌ مَنْهُوبٌ[٢٥] وَمَسْلُوبٌ.
قَدِ اصْطِيدَ في الحفر كُلُّهُ، وَفِي بُيُوتِ الحبوس اخْتِبَلُّوا. صَارُوا نَهْباً وَلَا مُنْقِذَ، وَسَلَبَاً وَلَيْسَ مَنْ يَقُولُ: رُدَّ! مَنْ مِنْكُمْ يَسْمَعُ هَذَا؟ يَصْغَى وَيَسْمَعُ مَا بَعْدُ؟ مَنْ دَفَعَ يَعْقُوبَ إِلَى السلب وَإِسْرَائِيلَ إِلَى الناهبين؟ أَلَيْسَ الرب الذي أَخْطَأْنَا إِلَيْهِ وَلَمْ يَشَاؤُوا أَنْ يَسْلُكُوا فِي طَرَقِهِ وَلَمْ يَسْمَعُوا لِشَرِيعَتِهِ. فَسَكَبَ عَلَيْهِ هُوَ غَضَبِهِ وَشِدَّةِ الحرب، فَأَوْقَدَتْهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ وَلَمْ يَعْرِفُ، وَأَحْرَقَتْهُ وَلَمْ يَضَعْ فِي قَلْبِهِ.
وقد بشّر النبي عيسى بمجيء «الفارقليط»، وهذه المفردة لفظة يونانيّة، يعود أصلها إلى كلمة «بركليتوس» (بكسر الباء والراء)، فعرّبت وتحوّلت إلى «فارقليط». والفارقليط هو الذي يجري اسمه على الألسن، ويمدحه الجميع، وهذا هو الذي يعنيه الاسم «أحمد». ويستطرد العلامة الشعراني قائلاً:
عندي قاموس يوناني - إنكليزي، فأريت الكلمة لأحد الملمين باللغة الإنكليزية، فقال: لقد ترجم «الفارقليط» بالمعنى نفسه، بل إنّ المعنى التفضيلي الذي يوجد في «أحمد»، ولا يوجد في «محمّد»، يُفهم من كلمة «فارقليط» اليونانية، وهذا القاموس مطبوع في بريطانيا[٢٦].
نعم؛ ينطق المسيحيون اليوم كلمة «بركليتوس» بفتح الباء والراء، ويقولون: إنّ الكلمة لو كانت بكسر هذين الحرفين، لكان معناها «أحمد»؛ لكنّ تحريكها بالفتح، فيكون المعنى: «المعزّي» ؛ والمراد بها هنا: «روح القدس»!
نحن نرى أنّ الترجمة الأولى (أحمد) هي الصحيحة؛ لأنّ «بركليتوس» كُتبت في نسخ الإنجيل بهذا التحريك (بالكسر)؛ وهي بمعنى «أحمد»؛ وليست بالفتح؛ حتى تعني «المعزّي». وقد كتب الكتاب النسخ بالتصحيف، ويتّضح ممّا جاء في تحريفات الإنجيل أنّه لا عبرة بخصوصيّات خطّ الإنجيل الحالي[٢٧].
أضف إلى ذلك أننا لو افترضنا - جدلاً - أنّ الكلمة هي بَرَكليتوس (بالفتح)، وأنّها تعني المعزي، فهناك قرائن عديدة من الخارج، ومن الإنجيل نفسه تشير إلى أنّ المراد به نبيّ بشريّ؛ وليس روح القدس الذي يصوّره المسيحيون في هذه الأزمنة! وقد ورد في إنجيل يوحّنا (٢١: ١٤. . ): أَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآب فَيُعْطِيكُمْ مُعَزّياً (الفارقليط) آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الأبد، رُوحُ الحق الذي لاَ يَسْتَطِيعُ العالم أَنْ يَقْبَلَهُ، لأَنَّهُ لا يَرَاهُ وَلَا يَعْرِفُهُ، وَأَمَّا أَنتُمْ فَتَعْرِفُونَهُ لأَنَّهُ مَاكِتٌ مَعَكُمْ وَيَكُونُ فِيكُمْ. لا أَتْرُكُكُمْ يَتَامَى. إنِّی آتِي إِلَيْكُمْ. بَعْدَ قَلِيل لَا يَرَانِي العالم أَيْضاً، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَرَوْنَنِي. إِنِّي أَنَا حَيٌّ فَأَنْتُمْ سَتَحْيَوْنَ. فِي ذلِكَ اليوم تَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا فِي أَبِي، وَأَنْتُمْ فِيَّ، وَأَنَا فِيكُمْ. . وَأَمَّا المعني (الفارقليط)، الروح القدس، الذي سَيُرْسِلُهُ الآب بِاسْمِي، فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ.
وجاء في الإنجيل (٢٦: ١٥) نفسه: وَمَتَى جَاءَ المعزي الذي سَأُرْسِلْهُ أَنَا إِلَيْكُمْ مِنَ الآب، رُوحُ الحق، الذي مِنْ عِنْدِ الآب يَنْبيَّقُ، فَهُوَ يَشْهَدُ لِي وَتَشْهَدُونَ أَنتُمْ أَيْضاً لأَنَّكُمْ مَعِي مِنَ الابتداء.
وفيه (١٦: ١٥-٧) أيضاً: لكِنِّي أَقُولُ لَكُمُ الحق: إنه خَيْرٌ لَكُمْ أَنْ أَنْطَلِقَ، لأَنَّهُ إِنْ لَمْ أَنْطَلِقُ لَا يَأْتِيكُمُ المعزي (الفارقليط)، وَلكِنْ إِنْ ذَهَبْتُ أُرْسِلْهُ إِلَيْكُمْ. وَمَتَى جَاءَ ذَاكَ يُبَكِّتُ العالم عَلَى خَطِيَّةٍ وَعَلَى بِرٌ وَعَلَى دَيْنُونَةٍ: أَمَّا عَلَى خَطِيَّة فَلاتَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِي. وَأَمَّا عَلَى بِرٌ فَلأَنِّي ذَاهِبٌ إِلَى أبي وَلا تَرَوْنَنِي أَيْضاً وَأَمَّا عَلَى دَيْنُونَةٍ فَلأَنَّ رَئِيسَ هَذَا العالم قَدْ دِينَ. إِنَّ لِي أُمُوراً كَثِيرَةً أَيْضاً لأَقُولَ لَكُمْ، وَلكِنْ لا تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَحْتَمِلُوا الآن. وَأَمَّا مَتَى جَاءَ ذَاكَ، رُوحُ الحق، فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الحق، لأَنَّهُ لاَ يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ مَا يَسْمَعُ يَتَكَلَّمُ بِهِ. وَيُخْبِرُكُمْ بِأُمُورِ آتِيَةٍ. ذَاكَ يُمَجِّدُنِي، لأَنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ. كُلُّ مَا لِلآبِ هُوَلِي. لهِذَا قُلْتُ إِنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ.
وهنا نقول: يعتقد النصارى بأنّ الفارقليط هو روح القدس، ووعد المسيح. بأن ينزل هو على الحواريين. ولنا عدّة أدلة تثبت أنّ المراد بالفارقليط رجل معيّن يظهر بعد المسيح ؛ وليس روح القدس كما زعموا منها:
- أنّ المترجمين القدماء اعتبروا«الفارقليط» علماً إنسانياً، فجاؤوا باللفظة نفسها في الترجمة، ولو فهموا منها«المعزّي» لذكروا ترجمتها؛ على سبيل المثال، فقد ذكروا في الترجمة السريانية القديمة والعبريّة والعربيّة القديمة، لفظة الفارقليط نفسها. وفي العبرية حيث لديّ (العلامة الشعراني) نسخة مطبوعة منها، اللفظة هي بكسر الفاء (الفرقليط) وبدون ألف. ووردت في الترجمة العربية المطبوعة في السنوات ١٨٢١ و١٨٣١ و١٨٤٤ نقلاً عن «إظهار الحق» على شكل «الفارقليط».
- أنّ التواريخ المختلفة التي يؤيّد بعضها بعضاً تدلّ على أنّ النصارى قبل الإسلام كانوا يطبّقونه على رجل معيّن؛ ولهذا، ادّعى أحد الزهاد النصارى في القرن الثاني الميلادي والذي يُدعى«منتس» في آسيا الصغرى، بأنه الفارقليط، فآمنت به جماعة. وينقل إظهار الحق عن لبّ التواريخ الذي ألفه مسيحيّ: كان اليهود والنصارى في عهد محمّد. يتوقّعون ظهور نبيّ. أرسل مقوقس - كبير الأقباط - إلى رسول الله رسالة يردّ عليه فيها: «عرفت أنه لا بدّ من أن يُبعث نبي وظننت أنّ ذلك يكون في الشام».
- يقول في الفصل ١٤ والآية ١٦: «أَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآب فَيُعْطِيكُمْ مُعَنِّياً (الفارقليط) آخَرَ». يؤدّي هذا الكلام أنّني الفارقليط ويجيء بعدي فارقليط آخر؛ إذا كان الفارقليط بمعنى أحمد ومن يجري اسمه على الألسن ويذكره الجميع بالخير، يمكن ترجمة هذه العبارة هكذا: إنّني رجل حسن السمعة وأطلب من الآب أن يعطيكم رجلاً حسن السمعة آخر. أما إذا كان الفارقليط بمعنى المعزي، لا يمكن القول بأنّ عيسى هو المعزي، وأنّ محمّداً أو روح القدس معزّ آخر؛ لأنّ الحواريين كانوا حزناء من صعود السيد المسيح ولم يكن السيد المسيح بعد صعوده موجوداً حتى يعزّيهم ويكون روح القدس معزياً آخر. فكان عليه أن يقول إذن: لا تحزنوا من رحيلي فيجيء معز بدون أن يذكر كلمة«آخر».
- يقول في الآية ٢٦: «فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ». تدلّ هذه العبارة على أنّ السيد المسيح يخاطب الأمة كلها إلى نهاية العالم؛ ويقول بأنكم أمتي تنسون كلامي فيذكركم به الفارقلیط، فلا يخاطب الحواريين دون غيرهم، لأنّهم ما كانوا قد نسوا كلامه ولكن بما أنه مرّ زمن طويل وامتزجت معتقدات الوثنيين مع كلام السيد المسيح. ونسوا أقواله، فاعتبروه الله وابن الله واعتنقوا التثليث، فأرسل الله الفارقليط؛ أي محمّد بن عبد الله. ليذكّرهم بكلام المسيح، فإنّه كان عبداً الله.
- يقول في الآية ٣٠: «وَقُلْتُ لَكُمُ الآن قَبْلَ أَنْ يَكُونَ، حَتَّى مَتَى كَانَ تُؤْمِنُونَ». فنقول: حينما ينزل روح القدس على قلب أحد، لا يشكّ الحواريون خاصّة في ذلك وإلّا فلابد للأنبياء أيضاً من أن يشكّوا بعد نزول الوحي في صحّته، والأمر ليس كذلك، فلم يكن الحواريون بحاجة إلى أن يخبرهم النبي عيسى بروح القدس حتّى يصدّقوه عند نزوله، فالمراد بالفارقليط هو النبي الذي يشكّ الناس في صدقه وقد أخبرهم النبي عيسى من قبل حتّى لا يعتريهم أيّ شكّ.
كما يقول في الإصحاح ١٥ وفي الآية ٢٦: «فَهُوَ يَشْهَدُ لِي وَتَشْهَدُونَ أَنْتُمْ أَيْضاً لأَنَّكُمْ مَعِي مِنَ الابتداء» يفهم من هذا الكلام بصراحة أن منكري كلام النبي عيسى، أثاروا سخطه، فيقول: سيجيء الفارقليط ويشهد على حقّانيّتي وتشهدون أنتم أيضاً إذ رأيتم معجزاتي، وتؤيد هاتان الشهادتان إحداهما الأخرى فتتم الحجة على المنكرين. إنّ ما قيل لا يتناسب مع نزول روح القدس على الحواريين، لأنه أي ضرورة تدعو إلى شهادة روح القدس على حقانية السيد المسيح.
بالنسبة للحوارييّن الذي كانوا معه منذ البداية ورأوا معجزاته؟ وقوله: «فَهُوَ يَشْهَدُ لِي. وَتَشْهَدُونَ أَنْتُمْ أَيْضاً»؛ أي: يؤيد بعضكم بعضاً وهو إزاء المنكرين وإلا لا يسمع شهادة روح القدس غير الحواريين ولا تؤيد إحدى الشهادتين الأخرى.
كما يقول في الآية ٧ من الإصحاح ١٦: «إِنْ لَمْ أَنْطَلِقْ لاَ يَأْتِيكُمُ المعزي». فلا تنطبق هذه العبارة على روح القدس الذي نزل على الحواريين؛ لأنه وفقاً لنص الإنجيل، فقد نزل روح القدس عليهم في عهد النبي عيسى أيضاً، حين أرسلهم السيد المسيح إلى مدن إسرائيل.
يقول في الآية ٨: «وَمَتَى جَاءَ ذَاكَ يُبَكِّتُ العالم عَلَى خَطِيَّةٍ وَعَلَى بِرٌ وَعَلَى دَيْنُونَةٍ. » وهذا يصدق على نبينا ؛ لأنه كانت تربطه أمور بالعالمين؛ لكن روح القدس كان في الباطن ونزل على قلوب الحواريين ولم تكن له صلة بالعالمين.
ويقول في الآية ١٣: «لأَنَّهُ لاَ يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ مَا يَسْمَعُ يَتَكَلَّمُ بِهِ، وَيُخْبِرُكُمْ بِأُمُورِ آتِيَةِ» فتنطبق هذه الفقرة أيضاً على شخص إنسانيّ؛ ولكن فيما يتعلق بروح القدس الذي هو الله في اعتقاد النصارى، فلا معنى لـ «كُلُّ مَا يَسْمَعُ يَتَكَلَّمُ بِهِ».
كذلك يقول في الآيتين ١٤ و١٥: «اذَاكَ يُمَجِّدُنِي، لأَنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ كُلُّ مَا لِلآبِ هُوَ لِي. هِذَا قُلْتُ إِنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ. » فلا تنطبق هذه الأمور على روح القدس.
وينتقل العلامة الشعراني بعد نقله العبارات المذكورة من الإنجيل وإيضاحها إلى استعراض الشهادات المتعلقة بالعبارات الآنفة الذكر ويردّ عليها[٢٨].
الدليل الثالث: البرهان عن طريق المؤمنين
أحد الطرق المبتكَرة التي أشار إليه العلامة الشعراني لدى إثباته نبوّة النبي الأعظم، هو إثبات النبوة عن طريق بعض المؤمنين بالنبي ؛ ففي بعض الأحيان، تتميز شخصيات بعض من يتبعون نبياً ما بخصائص تورث اليقين بصحتها، ولا يبقى مع معرفتها أي ترديد في صدق دعوى النبوة. وهنا، تتميز شخصيّة أمير المؤمنين بمكانة خاصة.
يقول العلامة الشعراني في هذا الخصوص: إن إيمان أمير المؤمنين بنبيّه يُعدّ بدوره دليلاً عظيماً على نبوّته؛لأنه من درس عهد أمير المؤمنين واطّلع على أحواله - مسلماً كان أو غير مسلم - آمن بأنه كان عالماً فطناً أميناً، لا يقبل المداهنة، وإن إعجاز خطَبه التوحيدية أكبر من معجزة تكلّم الشجرة. فمن المحال - إذن - أن يكون قد آمن مداهناً، أو أنه أخطأ في معرفة دلائل النبوة، ولم يرَ آيةً أو دليلاً على صدق نبيّه[٢٩].
وعلى أساس هذه النظرة، هناك ثلاثة عناصر أساسيّة في شخصية أمير المؤمنين تجعل إيمانه حجّة دامغة على حقانية رسالة خاتم الأنبياء؛ وهي:
- قمّة العلم، والفطانة، ومعرفة الدين، ومعرفة الله بما يفوق الطاقة البشرية.
- قمّة الأمانة، والصدق، والإخلاص.
- الحزم، وعدم المساومة في الإذعان بالحقّ، ومقارعة الباطل.
وإنّ شخصاً كهذا يُستنار به في الهداية ويُعدُّ رفضه وقبوله برهاناً نيراً وقاطعاً على كشف الحقيقة ويمكن عن طريق معرفة عليّ، الاهتداء إلى معرفة النبي.
الدليل الرابع: برهان الإعجاز
من أمتن البراهين العقلية على إثبات النبوة لأيّ نبي صدور المعجزة عنه. وقد أتينا على ذكر ماهيّة النبوة وشروطها في بحث النبوة العامة.
يقول العلامة الشعراني عن ماهية المعجزة:
المعجزة تُطلق على أمر خارق للعادة؛ بمعنى أنها لا تطابق السير الاعتيادي للطبيعة، وليس في وسع الآخرين الإتيان بمثلها. وفي اصطلاح المتكلمين، لا تُطلق المعجزة على كلّ أمر نادر أو خارق للعادة، بل المعجزة هي التي ترتبط بدعوى النبي ويظهرها الله لتصديقه، فتقترن المعجزة بالدعوى ؛ وذلك ليس بالصدفة، بل بحيث يدرك الآخرون دلالتها على تصديق النبي[٣٠].
كانت لرسول الإسلام معجزات مختلفة وعديدة؛ بحيث لم تُنقل عن أيّ نبيّ آخر كلّ هذه الأمور الخارقة للعادة؛ فالمعجزات الموثقة التي نقلتها الكتب المعتبرة عن النبي تفوق الألف!في حين لا تتجاوز مجموعة المعجزات التي نقلتها الأناجيل عن السيد المسيح سبعاً وعشرين معجزة، أو ثلاثين على أكثر التقادير. علاوةً على ذلك، فقد حدثت معجزات النبي - في معظمها - عند اجتماع الناس، ونقلت بأسانيد لا يتطرّق إليها احتمال التزوير أو الكذب، في حين نَقَل معجزات النبي عيسى أربعة مجهولين، يلفّ الضباب والغموض تاريخ حياتهم.
ويذكر العلامة الشعراني من بين مئات الرواة الذين نقلوا معجزات النبي أسماء ستين منهم قائلاً:
المعجزات التي رواها جابر بن عبد الله الأنصاري تشكّل - لوحدها - بضعة أضعاف معجزات النبي عيسى، ويتضح من ذلك كلّه أنّ جميع الناس كانوا يعتقدون بصدور المعجزة عن رسول الله، وإنّ تواطؤ كلّ هذه الجماهير على أمر باطل كاذب يستحيل عادة[٣١].
ويمكن تقسيم معجزات النبي الأعظم. وتصنيفها في أربعة أقسام:
- الإخبار عن الغيب.
- الإعجاز العملي الصادر عن النبي.
- الأحداث المحيرة.
- الكتاب السماوي[٣٢].
الإخبار عن الغيب
نقل العلامة الشعراني سبعة وعشرين إخباراً غيبيّاً تكثر القرائن على صحّتها ودرأ عنها الشبهات. وبعضها كما يأتي:
- الإخبار عن موت النجاشي ملك الحبشة، وعن إقامة الصلاة عليه برفقة حشد كبير من الصحابة.
- الإخبار عن فتح العراق، والشام، وبيت المقدس، ومصر، وإيران، وغيرهنّ، وتوصيات في كيفية مواجهة سكانها حين لم يكن يتصوّر قط إنجاز فتوحات على هذا النطاق.
- الإخبار عن هزيمة الدولة العربية من هولاكو حيث وقعت في القرن الثالث للهجرة.
- الإخبار عن اندلاع النار من أرض الحجاز في سنة ٦٥٤.
- الإخبار عن خروج عائشة على أمير المؤمنين علي، وإيصاء النبي للإمام علي بمداراتها.
- الإخبار عن حرب أمير المؤمنين مع المارقين، والناكثين، والقاسطين.
- الإخبار عن انحراف ذي الخويصرة، وقتاله مع أمير المؤمنين.
- الإخبار عن مقتل كسرى على يد ابنه شيرويه مما أدى إلى إسلام باذان ملك اليمن بعد ثبوت صدقه[٣٣].
- الإخبار عن أكل صحيفة قريش بواسطة الأرضة، وبقاء اسم الله فيه؛ وهو ما أسفر عن رفع الحصار في شعب أبي طالب[٣٤].
الإعجاز العملي
ذكر العلامة الشعراني ما يقارب عشرين معجزة عمليّة في كتابه «طريق السعادة»ودرأ عنها الشبهات[٣٥]؛ من بين هذه المعجزات:
- شق القمر.
- إنارة سوط الطفيل بن عمرو الدوسي بدعاء من النبي من أجل دعوة قومه إلى الإسلام وتلقبه ب«ذيالنور».
- ردّ العينين المفقوءتين لقتادة بن النعمان في معركة أحد، وشفاؤه.
- شفاء كثير من الأفراد بلعاب فمه ؛ ومن ذلك: شفاء عيني أمير المؤمنينفي غزوة خيبر.
- سير الشجرة باتجاه النبي، وانتصافها، وتحرّك كلّ من النصفين في الاتجاه المعاكس للآخر، والتحامهما من جديد، واستقرار الشجرة في مكانها.
- تدفق الماء من بين أصابع النبي.
الأحداث المحيرة
بعض الأمور الخارقة للعادة هي الأحداث التي رغم عدم صدورها مباشرة عن النبي، إلّا أنها تستدعي وتوجب تصديقه. وقد حدثت هذه المعجزات في زمن نبوّة النبي، وقبل الرسالة. وإليك نماذج للمعجزات في زمن نبوّة النبي:
- الأسطوانة الحنانة جذع نخل كان النبي يتكئ عليه عند وعظه في المسجد. وعندما صنعوا منبراً واعتلاه النبي، سمع من الشجرة حنين جعل الجميع يقولون بأنّه كان أنيناً يشكو فراق النبي ويُنقل أنّ النبي اقترب من الشجرة، ومسح بيده المباركة عليها، فهدأ حنينها[٣٦].
- كان هناك صحابيّ من صحابة النبي يُدعى وهب بن أوس، ويعرفه
الناس بـ «مكلّم الذئب»؛ لأنه كان يرعى الغنم - ذات يوم - فأغار ذئب على القطيع، فأخذ شاةً منها، فسعى نحوه، فقال له الذئب: أتعجب من أخذي شاة؟ هذا محمّد يدعو إلى الحق فلا تجيبونه! فجاء إلى النبي، وأسلم[٣٧].
وفيما يأتي نماذج للمعجزات التي وقعت قبل الرسالة، وهي ما تعارفوا على تسميتها بـ «الإرهاصات»، وهي قضايا تمهّد الأرضية لقبول الناس بالأنبياء:
- إبادة جيش أبرهة، وفيه من يقود قطيعاً من الفيلة. وقد تمّ ذلك، بهجوم شنّته أعداد من الطيور التي رشقت الجيش بحجارة قضت عليه. جرى ذلك في السنة التي وُلد فيها النبي، وذكر خبره القرآن الكريم حين كان كثير من شهوده أحياءً، يذكرون الحادثة. ويدلّ وقوع هذا الحادث على قدرة الرب وعنايته بتعظيم الكعبة، وهو أمر يمهّد لقبول دعوة الإسلام التوحيدية[٣٨].
- استقرار سحابة فوق النبي محمّد، حيث كان الحضور يشهدونها، وتصاحبه أينما يذهب[٣٩].
- شقّ طاق كسرى الذي تنبّؤوا به بزوال الدولة الإيرانية، وصار توالي هذا الحادث والأحداث المماثلة له، ممهّداً لقبول الدين الإسلامي [٤٠].
الكتاب السماوي
القرآن وحي بجميع أجزائه، وقد نزل لفظاً ومعنى من الله سبحانه وتعالى؛ خلافاً للكتب السماوية الأخرى التي نزلت معانيها على الأنبياء، وبادر الأنبياء بأنفسهم إلى وضع التعابير والألفاظ لها. لكنّ الوصايا العشر التي نزلت على موسى، وتلقّاها منقوشة على الألواح، قد تكون هي الأخرى منزلة بألفاظ الوحي بعينها[٤١].
ثمّ إنّ ما وصل إلينا من التوراة والإنجيل ليس سوى سيرة للنبي موسى والنبي عيسى؛ بينما يجمع القرآن في ثناياه معارف وتعاليم في غاية العمق والشمول والسعة، لا نرى أثراً لها في كتب السلف[٤٢].
إنّ ما جاء في كتب الشرائع الماضية ممّا وصل إلينا، كتبه الإنسان، وطرأ عليه تحريف فاحش، ونشهد فيه كثيراً من المفارقات. أما القرآن الكريم فهو كتاب لم ولن يطاله أيّ تحريف. [٤٣] ويُعدّ القرآن - في حدّ ذاته - معجزةً ودليلاً على إثبات حقّانيّته، وصدق دعوى النبوة؛خلافا لغيره من الكتب السماوية. كما أنّ معجزات الأنبياء كانت تحدث على مرأى ومسمع الناس ممن يشهدها ويحضرها ويخاطَب بها، ولا فائدة تُرجى منها للخلف غير سماعها؛ إلّا أنّ القرآن الكريم معجزة مرئيّة أمام الجميع. فتحمل ميزة القرآن هذه وظيفتين:
- أنّها تسدّ على الملحدين السبيل إلى إنكار الإعجاز؛ لأنهم إن استطاعوا إنكار معجزات الأنبياء المختلفة، فلن يُتاح لهم أبداً أن ينكروا أو يفنّدوا وجود القرآن، أو إعجازه.
- أنه حجّة مستمرّة حاضرة ودامغة على إلهيّته هو، وعلى حقّانية رسول الإسلام، ولم يخلّف أي نبي حجّة كهذه. [٤٤]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ سورة الأعراف، الآية ١٥٨.
- ↑ سورة الأنبياء، الآية ١٠٧.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ١٩.
- ↑ سورة الأحزاب، الآية ٤٠.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ١٥٧.
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٤٦.
- ↑ سورة المائدة، الآية ٤٨.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ١٥٧.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ١٥٧.
- ↑ سورة الحج، الآية ٧٨.
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٨٥.
- ↑ راجع: محمّد حسن قدردان قراملكي، آيين خاتم، معهد الثقافة والفكر الإسلامي.
- ↑ عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ٢٠٥-٢٠٨.
- ↑ اقتُبست فكرة هذه الأدلة الأربعة وشروحها من مقال لحميدرضا شاكرين، عنوانه: إثبات نبوّة النبي الأكرم (بالفارسية: إثبات نبوّت پیامبر اکرم)، مدرج في مجلّة أفكار العلامة الشعراني، إعداد: عبد الحسین خسروبناه، معهد الثقافة والفكر الإسلامي.
- ↑ Sincerite de Mohamet.
- ↑ طريق السعادة (بالفارسية: راه سعادت)، الشعراني، ٣٨.
- ↑ راجع: سورة البقرة: ١٤٦ ؛سورة العمران: ٧٥ ؛سورة الأعراف: ١٥٦؛ سورة الصف: ٦.
- ↑ المختار بمعنى المصطفى وهو لقب خاتم الأنبياء.
- ↑ كناية عن أن شريعته تنتشر قريباً؛ فالمصباح الذي يوشك على الانطفاء، لم ينطفئ بعد وسوف يعمّ دينه العالم.
- ↑ إشارة إلى أنّ له شريعته وأحكامه الخاصة، وليس مثل النبي عيسى. وينتشر دينه إلى أقصى أنحاء العالم؛ كجزيرة جاوة والفيليبين.
- ↑ الأمم في اصطلاح التوراة، هي الأمم الأخرى غير بنيإسرائيل؛أي ينتشر دينه بين غير بنيإسرائيل.
- ↑ كان الناس قبل الإسلام يعيشون في طبقات مختلفة؛ لاتزال هذه الطبقات شائعة بين الوثنيين في الهند. ولا يحق للطبقات الدنيا أن ترتقي إلى الطبقات العليا. وهذا الاستعلاء العرقي موجود في المسيحية أيضاً ولا عرق يساوي بينه وبين عرق آخر، فألغى الإسلام هذا التقليد.
- ↑ قيدار بن النبي إسماعيل وجد خاتم الأنبياء. والديار التي سكنها قيدار هي مكّة والمدينة والطائف والمناطق التي سكنتها الأعراب من أبناء إسماعيل. ومدبار بمعنى الصحراء وهو اسم علم والمراد به هو العربية السعودية ولا معنى لأن يقال البرية ومدنها؛ ولكن يمكن أن يقال العربية السعودية ومدنها. ولسكّان الشام الحق في أن يقولوا البرية ويريدوا بها السعودية.
- ↑ هي يثرب أي المدينة المنورة. راجع: طريق السعادة (بالفارسية: راه سعادت) الشعراني.
- ↑ هذا الشعب المنهوب هو بنو إسرائيل ويمكن أن نعرف من هذه الآيات أنّ المراد بهذا النبي الموعود ليس ذلك المسيح الذي ينتظره بنو إسرائيل؛ لأنّهم يعتقدون بأنّ المسيح سوف يجيء لإعزاز بني إسرائيل، في حين تدلّ هذه الآيات على إذلالهم وكذلك ليس المراد بهم عيسى كما تدلّ عليه أكثر الفقرات.
- ↑ طريق السعادة(بالفارسية: راه سعادت)، الشعراني، ص ٣١٤.
- ↑ طريق السعادة(بالفارسية: راه سعادت)، الشعراني، ص ٣١٤.
- ↑ طريق السعادة(بالفارسية: راه سعادت)، الشعراني، ص ٣٢٢-٣٢٥.
- ↑ طريق السعادة (بالفارسية: راه سعادت)، الشعراني، ص ٢١٥.
- ↑ كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد (بالفارسية)، أبوالحسن الشعراني، ص ٤٨٨ و٤٨٩.
- ↑ كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد (بالفارسيّة)، أبو الحسن الشعراني، ص ٢٢٢.
- ↑ كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد (بالفارسيّة)، أبو الحسن الشعراني، ص ٢٢١.
- ↑ طريق السعادة (بالفارسية: راه سعادت) الشعراني، ص ٨٦-١١٣.
- ↑ طريق السعادة (بالفارسية: راه سعادت) الشعراني، ص ٢٠٢-٢٠٥.
- ↑ طريق السعادة (بالفارسية: راه سعادت) الشعراني، ص ١٨٢-٢٢١.
- ↑ طريق السعادة (بالفارسية: راه سعادت) الشعراني، ص ٢١٩-٢٢٠.
- ↑ شرح التجريد، ترجمة: العلامة الشعراني، ص ٤٩٦.
- ↑ شرح التجريد، ترجمة: العلامة الشعراني، ص ٤٩١.
- ↑ شرح التجريد، ترجمة: العلامة الشعراني، ص ٤٩٢.
- ↑ شرح التجريد، ترجمة: العلامة الشعراني، ص ٤٩٢.
- ↑ شرح التجريد، ترجمة: العلامة الشعراني، ص ٥٨.
- ↑ شرح التجريد، ترجمة: العلامة الشعراني، ص ٥٧.
- ↑ شرح التجريد، ترجمة: العلامة الشعراني، ص ٥٧و٦٤.
- ↑ عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ٢٠٨-٢٢٧.