الإمام جعفر الصادق في التاريخ الإسلامي
التمهيد
اسم الإمام السادس «جعفر»، كنيته «أبو عبد الله»، لقبه الصادق، أبوه الإمام الباقر وأُمّه «أُمّ فروة».
وُلد في السابع عشر من ربيع الأول عام ٨٣ في المدينة، ورحل في ٦٥ من عمره عام ١٤٨ هجرية، ودفن في المقبرة المعروفة بالبقيع بجانب أبيه العظيم. [١]
عصر الإمام الصادق(ع)
الخلفاء المعاصرون للإمام
بلغ الإمام الصادق الإمامة عام ١١٤ هجرية تزامنت أمامته مع نهايات الحكم الأموي الذي انتهى عام ١٣٢ وبدايات الحكم العباسي الذي بدأ من ذلك التاريخ عاصر الإمام الصادق من الخلفاء الأمويين:
- هشام بن عبد الملك(١٠٥ ١٢٥ه).
- الوليد بن يزيد بن عبد الملك (١٢٥ ١٢٦ه).
- يزيد بن الوليد بن عبد الملك (١٢٦ه).
- إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك (٧٠ يوماً من عام ١٢٦ه).
- مروان بن محمد المعروف ب مروان الحمار(١٢٦ ١٣٢ه).
ومن الخلفاء العباسيين:
- عبد الله بن محمد المعروف ب السفّاح(١٣٢ ١٣٦ه).
- أبو جعفر المنصور الدوانيقي (١٣٦ ١٥٨ه). [٢]
الظروف السياسية والاجتماعية
كان عصر الإمام الصادق من بين الأئمّة عصراً فريداً والظروف الاجتماعية والثقافية التي عاشها الإمام لم يعشها أي واحد منهم، ذلك انّ تلك الفترة كانت من الناحية السياسية فترة تزلزل الحكم الأموي واشتداد شوكة العباسيين، وكان الطرفان في صراع مستمر إذ بدأ الصراع الإعلامي والنضال السياسي للعباسيين منذ عهد هشام بن عبد الملك، ودخل عام ١٢٩ نطاق الكفاح المسلح، وفي النهاية انتصر العباسيون عام ١٣٢ هجرية .
ولأنّ الأمويين كانوا في هذه الفترة منشغلين بالمشاكل السياسية الكثيرة لم تسنح لهم الفرصة لمضايقة الإمام الصادق وشيعته كما حدث في حياة الإمام السجاد.
كما أنّ العباسيين ولأنّهم كانوا يرفعون شعار الدفاع عن أهل البيت والثأر لهم قبل استلامهم مقاليد الحكم لم تكن هناك مضايقة من جانبهم أيضاً، ومن هنا كانت هذه الفترة فترة هدوء وحرية نسبية للإمام الصادق وشيعته، فكانت فرصة مناسبة جداً لتفعيل نشاطهم العلمي والثقافي. [٣]
الظروف الثقافية
ومن الناحية الفكرية والثقافية كان عصر الإمام الصادق عصر النشاط الفكري والثقافي، وقد حدثت في ذلك العصر حركة علمية منقطعة النظير في المجتمع الإسلامي، ونشأت العلوم المتعددة؛ سواء العلوم الإسلامية، مثل علوم قراءة القرآن والتفسير والحديث والفقه والكلامو ...؛ أو العلوم الإنسانية العامة، مثل علوم الطب والفلسفة والنجوم والرياضيات و...،لدرجة انّه كلّ من كان له بضاعة فكرية وعلمية كان يعرضها على سوق العلم والمعرفة، وعليه حدث تعطّش علمي غريب كان على الإمام أن يجيب عليه ويستجيب له .
ويمكن حصر الأسباب التي أوجبت حدوث هذه الحركة العلمية في الأمور التالية:
- حرية الفكر والعقيدة في الإسلام، ولم يكن العباسيون بلا تأثير في هذه الحرية الفكرية قطعاً، غير انّ لهذه الحرية جذور في تعاليم الإسلام بحيث لو كان العباسيون يريدون الوقوف أمامها لما كان بمقدورهم ذلك.
- كانت البيئة الإسلامية آنذاك بيئة دينية تماماً، وكانت الدوافع الدينية هي التي تحرك الناس. كما أنّ لتشجيع نبي الإسلام على طلب العلم، وحثّ القرآن على التعليم والتعلّم وتأكيده على ذلك وعلى التفكير والتعقّل، الدور الأساسي في تنشيط وتفعيل هذه الحركة العلمية.
- كان للقوميات والأُمم التي دخلت الإسلام خلفية فكرية وعلمية، وكان لبعضها مثل العنصر الفارسي الذي كان له خلفية حضارية أكثر ازدهاراً والمصري والسوري حضارات عريقة في تلك الفترة، فراحت هذه الأمم وبدافع فهم تعاليم الإسلام بشكل معمّق تبحث وتتفحص وتتبادل الآراء فيما بينها.
- التساهل الديني أو التعايش السلمي مع غير المسلمين خاصة التعايش مع أهل الكتاب فقد تحمّل وقبل المسلمون أهل الكتاب ولم يروا في ذلك مخالفة لعقيدتهم الدينية، وكان لأهل الكتاب في تلك الفترة علماء وخبراء وكان المسلمون يواجهونهم مواجهة علمية، وكان هذا بدوره يؤدي إلى الجدل والبحث والمناظرة. [٤].[٥]
الظروف الدينية والمذهبية
صراع الفِرَق والطوائف
كان عصر الإمام(ع) عصر تلاقح وتضارب الأفكار، وظهور الفرق والطوائف والتيارات المختلفة، وانبثقت شبهات وإشكاليات متعدّدة جرّاء تضارب عقائد المسلمين مع عقائد أهل الكتاب وفلاسفة اليونان أيضاً.
وقد ظهرت تيارات وفرق، مثل المعتزلة، الجبرية، المرجئة، الغلاة [٦]، الزنادقة، المشبّهة، المتصوفة، المجسمة، والتناسخية وغيرها في ذلك العصر، وكانت كلّ فرقة تروّج أفكارها وعقائدها، وفضلاً عن ذلك كان الخلاف يدبّ في العلم الواحد من العلوم الإسلامية بين علماء ذلك العلم فعلى سبيل المثال كانت تحدث مناقشات حادة في علوم القراءة والتفسير والحديث والفقه والكلام [٧]، وكان كلّ واحد يدافع عن رأيه بشكل ما ويصوب عقيدته. [٨]
الجهود العلمية والثقافية للإمام
عظمة الإمام العلمية
هناك أدلّة كثيرة على عظمة الإمام الصادق(ع) العلمية، وهو أمر متفق عليه من قبل علماء الشيعة والسنّة، فالفقهاء والعلماء الكبار يتواضعون أمام عظمته العلمية ويمدحون تفوقّه العلمي.
فـ أبو حنيفة إمام المذهب الحنفي الشهير كان يقول: ما رأيت أعلم من جعفر بن محمد. [٩]
ويقول أيضاً: «لَمَّا أَقْدَمَهُ اَلْمَنْصُورُ بَعَثَ إِلَيَّ فَقَالَ يَا أَبَا حَنِيفَةَ إِنَّ اَلنَّاسَ قَدْ فُتِنُوا بِجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ فَهَيِّئْ لَهُ مِنْ مَسَائِلِكَ اَلشِّدَادِ فَهَيَّأْتُ لَهُ أَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً ثُمَّ بَعَثَ إِلَيَّ أَبُو جَعْفَرٍ وَ هُوَ بِالْحِيرَةِ فَأَتَيْتُهُ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَ جَعْفَرٌ جَالِسٌ عَنْ يَمِينِهِ فَلَمَّا بَصُرْتُ بِهِ دُخِلْتُ مِنَ اَلْهَيْبَةِ لِجَعْفَرٍ مَا لَمْ يَدْخُلْنِي لِأَبِي جَعْفَرٍ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَأَوْمَأَ إِلَيَّ فَجَلَسْتُ ثُمَّ اِلْتَفَتَ إِلَيْهِ فَقَالَ يَا أَبَا عَبْدِ اَللَّهِ هَذَا أَبُو حَنِيفَةَ قَالَ نَعَمْ أَعْرِفُهُ ثُمَّ اِلْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ يَا أَبَا حَنِيفَةَ أَلْقِ عَلَى أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ مِنْ مَسَائِلِكَ فَجَعَلْتُ أُلْقِي عَلَيْهِ فَيُجِيبُنِي فَيَقُولُ أَنْتُمْ تَقُولُونَ كَذَا وَ أَهْلُ اَلْمَدِينَةِ يَقُولُونَ كَذَا وَ نَحْنُ نَقُولُ كَذَا فَرُبَّمَا تَابَعَنَا وَ رُبَّمَا تَابَعَهُمْ وَ رُبَّمَا خَالَفَنَا جَمِيعاً حَتَّى أَتَيْتُ عَلَى اَلْأَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً فَمَا أَخَلَّ مِنْهَا بِشَيْءٍ ثُمَّ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَ لَيْسَ أَنَّ أَعْلَمَ اَلنَّاسِ أَعْلَمُهُمْ بِاخْتِلاَفِ اَلنَّاسِ» [١٠]
وقال مالك إمام المذهب المالكي: اختلفت إلى جعفر بن محمد زماناً، فما كنت أراه إلاّ على إحدى ثلاث خصال: إمّا مصلياً، وإمّا صائماً، وإمّا يقرأ القرآن، وما رأيته قط يحدّث عن رسول الله إلاّ على طهارة. [١١] ولا يتكلم بما لا يعنيه، وكان من العلماء العباد والزهّاد الذين يخشون الله، وما رأت عين ولا سمعت أذن ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمد الصادق علماً وعبادة وورعاً.[١٢]
وكتب الشيخ المفيد: ونقل الناس عنه الصادق(ع) من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر صيته في جميع البلدان، ولم ينقل عن أحد من أهل بيته ما نقل عنه من العلوم[١٣]
و ابن حجر الهيثمي: جعفر الصادق نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر صيته في جميع البلدان، وروى عنه الأئمّة الأكابر ك يحيى بن سعيد و ابن جريج و مالك و السفيانيين و أبي حنيفة و شعبة و أيوب السجستاني [١٤]
ويقول أبو بحر الجاحظ أحد علماء القرن الثالث: جعفر بن محمد الذي ملأ الدنيا علمه وفقهه، ويقال انّ أباحنيفة من تلامذته وكذلك سفيان الثوري، وحسبك بهما في هذا الباب[١٥]
وفي معرض حديثه عن المدارس الفلسفية في عهد الحكم الأموي يكتب السيد أمير علي: ولم تتّخذ الآراء الدينية اتجاهاً فلسفياً إلاّ عند الفاطميين، ذلك انّ انتشار العلم في ذلك الحين اطلق روح البحث والاستقصاء، وأصبحت المناقشات الفلسفية عامة في كلّ مجتمع من المجتمعات، والجدير بالذكر انّ زعامة تلك الحركة الفكرية إنّما وجدت في تلك المدرسة التي ازدهرت في المدينة، والتي أسّسها حفيد علي بن أبي طالب المسمى «جعفر» والملقّب ب «الصادق»، وكان رجلاً بحّاثة ومفكراً كبيراً، جيّد الإلمام بعلوم ذلك العصر، ويعتبر أوّل من أسّس المدارس الفلسفية الرئيسية في الإسلام.
ولم يكن يحضر محاضراته أُولئك الذين أسّسوا فيما بعد المذاهب الفقهية فحسب، بل كان يحضرها الفلاسفة وطلاب الفلسفة من الأنحاء القصية. وكان الإمام «الحسن البصري» مؤسس المدرسة الفلسفية في مدينة البصرة، و «واصل بن عطاء» مؤسس مذهب المعتزلة، من تلاميذه الذين نهلوا من معين علمه الفياض... . [١٦]
وكتب ابن خلّكان المؤرخ الشهير: أبو عبد الله جعفر بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أحد الأئمة الاثني عشر على مذهب الإمامية، وكان من سادات آل البيت، ولقّب بالصادق لصدقه، وفضله أشهر من أن يذكر، وكان أبو موسى جابر بن حيان الطوسي تلميذاً عنده، وصنّف جابر كتاباً في ألف ورقة يتضمّن رسائل الإمام جعفر الصادق وهي خمسمائة رسالة [١٧]. [١٨]
الجامعة الجعفرية الكبرى
نظراً لتوفر الفرصة السياسية المناسبة وحاجة المجتمع الماسة واستعداد الأرضية الاجتماعية، واصل الإمام الصادق جهوده في النهضة العلمية والثقافية التي ابتدأها أبوه الإمام محمد الباقر وأسّس مدرسة وجامعة علمية كبيرة علّم وربى فيها تلامذة كباراً وبارزين؛ أمثال هشام بن الحكم، محمد بن مسلم، أبان بن تغلب، هشام بن سالم، مؤمن الطاق، المفضل بن عمر، و جابر بن حيان وغيرهم في مختلف المجالات العقلية والنقلية، وقد ناهز عدد تلامذته الأربعة آلاف طالب [١٩] كما قالوا.
وكان كلّ واحد من هؤلاء الطلاب شخصية علمية كبيرة متألّقة، وقد قدّموا خدمات كبيرة، وكان لبعض منهم مؤلفات علمية وتلامذة كثيرون، فمثلاً كان لهشام بن الحكم واحد وثلاثون كتاباً [٢٠]، وألّف جابر بن حيان أكثر من مائتي كتاب [٢١] في مواضيع علمية مختلفة لا سيما العلوم العقلية والطبيعية والكيمياوية وقد اشتهر لذلك بأبي علم الكيمياء وقد ترجمت كتبه في القرون الوسطى إلى لغات أُوروبية عديدة، وقد أطرى مؤرّخو العلوم جميعهم عليه.
رسالة توحيد المفضل
كان الإمام الصادق قد بحث في العلوم الطبيعية، وقد توصل إلى نتائج أعجبت العلماء المعاصرين أيضاً، والشاهد على هذا الأمر فضلاً عن تعليمات جابر هو كتاب توحيد المفضل الذي أملاه خلال أربعة أيّام على المفضل بن عمر الكوفي، واشتهر باسم توحيد المفضل.
وقد قال المفضل في مقدمة الرسالة: كنت ذات يوم بعد العصر جالساً في الروضة بين القبر والمنبر (في مسجد النبي) وأنا مفكّر فيما خص الله تعالى به سيدنا محمد (ص) من الشرف والفضائل و... فأنّي لكذلك إذ أقبل ابن أبي العوجاء وهو من زنادقة ذلك العصر فجلس حيث أسمع كلامه، فلمّا استقر به المجلس إذ رجل من أصحابه قد جاء فجلس إليه، ثمّ دار بينهما الحديث عن نبي الإسلام ثمّ قال ابن أبي العوجاء: دع ذكر محمد (ص) فقد تحيّر فيه عقلي، وضلّ في أمره فكري، وحدّثنا في ذكر الأصل الذي نمشي له، ثمّ راحا يتحدثان عن مبدأ العالم، وانتهيا إلى حيث إنّه لا صانع ولا مدبّر لهذا العالم، بل الأشياء تتكون من ذاتها بلا مدبّر، وعلى هذا كانت الدنيا لم تزل ولا تزال.
قال المفضل: فلمّا سمعت هذا الكلام الباطل من ذلك المطرود من رحمة الله لم أملك نفسي غضباً وغيظاً وحنقاً، فقلت: يا عدو الله ألحدت في دين الله وأنكرت الباري جلّ قدسه الذي خلقك في أحسن تقويم، وصوّرك في أتم صورة، ونقلك في أحوالك حتى بلغ إلى حيث انتهيت، فلو تفكّرت في نفسك وصدقك لطيف حسّك، لوجدت دلائل الربوبية وآثار الصنعة فيك قائمة، وشواهده جلّ وتقدّس في خلقك واضحة، وبراهينه لك لائحة.
فقال ابن أبي العوجاء: يا هذا إن كنت من أهل الكلام وهم الذين يبحثون في العقائد ويعلمونها والمتمرسون في البحث والجدل كلّمناك، فإن ثبتت لك حجّة تبعناك، وإن لم تكن منهم فلا كلام لك، وإن كنت من أصحاب جعفر بن محمد الصادق فما هكذا يخاطبنا، ولا بمثل دليلك يجادل فينا، ولا تعدّى في جوابنا، وانّه الحليم الرزين العاقل الرصين لا يعتريه خرق ولا طيش ولا نزق، يسمع كلامنا، ويصغي إلينا، ويتعرّف حجتنا، حتى إذا استفرغنا ما عندنا وظننا انّا قطعناه، دحض حجتنا بكلام يسير وخطاب قصير، يلزمنا به الحجة ويقطع العذر، ولا نستطيع لجوابه رداً، فإن كنت من أصحابه فخاطبنا بمثل خطابه.
قال المفضل فخرجت من المسجد محزوناً مفكّراً فيما بلي به الإسلام وأهله من كفر هذه العصابة وتعطيلها، فدخلت على مولاي الصادق(ع) فرآني منكسراً فقال: «مَا لَكَ» فأخبرته بما سمعت من الدهريين.
فقال: «يَا مُفَضَّلُ لَأُلْقِيَنَّ عَلَيْكَ مِنْ حِكْمَةِ اَلْبَارِي جَلَّ وَ عَلاَ وَ تَقَدَّسَ اِسْمُهُ فِي خَلْقِ اَلْعَالَمِ وَ اَلسِّبَاعِ وَ اَلْبَهَائِمِ وَ اَلطَّيْرِ وَ اَلْهَوَامِّ وَ كُلِّ ذِي رُوحٍ مِنَ اَلْأَنْعَامِ وَ اَلنَّبَاتِ وَ اَلشَّجَرَةِ اَلْمُثْمِرَةِ وَ غَيْرِ ذَاتِ اَلثَّمَرِ وَ اَلْحُبُوبِ وَ اَلْبُقُولِ اَلْمَأْكُولِ مِنْ ذَلِكَ وَ غَيْرِ اَلْمَأْكُولِ مَا يَعْتَبِرُ بِهِ اَلْمُعْتَبِرُونَ وَ يَسْكُنُ إِلَى مَعْرِفَتِهِ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ يَتَحَيَّرُ فِيهِ اَلْمُلْحِدُونَ فَبَكِّرْ عَلَيَّ غَداً».
راح المفضل بعد ذلك يتردّد على الإمام الصادق مدة أربعة أيّام متتالية، وظلّ الإمام يلقي عليه بحوثاً حول خلق الإنسان منذ بدء الخلق والقوى الظاهرية والباطنية وصفاته الفطرية وكيفية خلق أعضائه وخلق أنواع الحيوان وخلق السماء والأرض و... وحول فلسفة الآفات ومواضيع وأبحاث أُخرى، وكان المفضل يكتب كلّ ذلك[٢٢]
وقد طبعت رسالة توحيد المفضل مستقلة مرات عديدة، وترجمها العلاّمة المجلسي وبعض آخر من العلماء المعاصرين إلى الفارسية. [٢٣]
سعة جامعة الإمام الصادق(ع) وضخامتها
قارع الإمام الصادق(ع) جميع التيارات الفكرية والدينية السائدة في تلك الفترة وأوضح موقف الإسلام حيالها جميعاً، وأثبت أفضلية العقيدة الإسلامية، ولم تقتصر جامعة الإمام الصادق على الطلاب الشيعة، وقد زخرت بطلاب العلم من مختلف المذاهب السنية أيضاً، وكان أئمّة المذاهب السنية المشهورين بشكل مباشر وغير مباشر تلامذة لديه يفيدون منه، وكان على رأسهم أبو حنيفة الذي لازم الإمام سنتين وجعل هاتين السنتين مصدر علمه ومعرفته وكان يقول: لولا السنتان لهلك النعمان. [٢٤]
وقد كان تلامذة الإمام من الأقطار المختلفة مثل الكوفة والبصرة وواسط، والحجاز وغيرها، ومن مختلف القبائل مثل بني أسد، المخارق، طي، سليم، غطفان، الأزد، خزاعة، خثعم، بني ضبة، وقريش لا سيما بني الحارث بن عبد المطلب و بني الحسن الذين اتصلوا بتلك الجامعة. [٢٥]
وكفى بما قاله «الحسن بن علي بن زياد الوشاء» في سعة جامعة الإمام ورحابتها الذي كان من تلامذة الإمام الرضا(ع) والمحدّثين الكبار: أدركت في هذا المسجد الكوفة تسعمائة شيخ كلّ يقول حدّثني جعفر بن محمد[٢٦]
ووفقاً لما قاله ابن حجر العسقلاني فقد حدّث عنه فقهاء ومحدّثون؛ مثل: شعبة و سفيان الثوري و سفيان بن عيينة و مالك و ابن جريج و أبي حنيفة وابنه موسى و وهيب بن خالد و القطّان و أبي عاصم وجماعة كثيرة[٢٧]
وكتب اليافعي: له كلام نفيس في علوم التوحيد وغيرها، وقد ألّف تلميذه جابر بن حيان كتاباً يشتمل على ألف ورقة يتضمن رسائله وهي خمسمائة رسالة. [٢٨]
وكان الإمام الصادق(ع) يشجع ويعلّم ويرغب تلاميذه في العلم الذي يتناسب مع ذوقهم وطبيعتهم، وفي النهاية كان كلّ واحد منهم يتخصّص في مجال علمي واحد أو مجالين مثل الحديث، التفسير، علم الكلام وغيرها.
وكان(ع) يرشد بعض العلماء الذين يراجعونه للبحث والمناظرة إلى المناظرة مع أحد الطلاب الذي تخصص في ذلك العلم.
قال هشام بن سالم: « كُنَّا عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ فَوَرَدَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اَلشَّامِ فَاسْتَأْذَنَ فَأُذِنَ لَهُ فَلَمَّا دَخَلَ سَلَّمَ فَأَمَرَهُ أَبُو عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ بِالْجُلُوسِ ثُمَّ قَالَ لَهُ مَا حَاجَتُكَ أَيُّهَا اَلرَّجُلُ قَالَ بَلَغَنِي أَنَّكَ عَالِمٌ بِكُلِّ مَا تُسْأَلُ عَنْهُ فَصِرْتُ إِلَيْكَ لِأُنَاظِرَكَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فِيمَا ذَا قَالَ فِي اَلْقُرْآنِ وَ قَطْعِهِ وَ إِسْكَانِهِ وَ خَفْضِهِ وَ نَصْبِهِ وَ رَفْعِهِ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ يَا حُمْرَانُ دُونَكَ اَلرَّجُلَ فَقَالَ اَلرَّجُلُ إِنَّمَا أُرِيدُكَ أَنْتَ لاَ حُمْرَانَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ إِنْ غَلَبْتَ حُمْرَانَ فَقَدْ غَلَبْتَنِي فَأَقْبَلَ اَلشَّامِيُّ يَسْأَلُ حُمْرَانَ حَتَّى ضَجِرَ وَ مَلَّ وَ عَرَضَ وَ حُمْرَانُ يُجِيبُهُ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ كَيْفَ رَأَيْتَ يَا شَامِيُّ قَالَ رَأَيْتُهُ حَاذِقاً مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ إِلاَّ أَجَابَنِي فِيهِ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ يَا حُمْرَانُ سَلِ اَلشَّامِيَّ فَمَا تَرَكَهُ يَكْشِرُ فَقَالَ اَلشَّامِيُّ أَ رَأَيْتَ يَا أَبَا عَبْدِ اَللَّهِ أُنَاظِرُكَ فِي اَلْعَرَبِيَّةِ فَالْتَفَتَ أَبُو عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَالَ يَا أَبَانَ بْنَ تَغْلِبَ نَاظِرْهُ فَنَاظَرَهُ فَمَا تَرَكَ اَلشَّامِيُّ يَكْشِرُ قَالَ أُرِيدُ أَنْ أُنَاظِرَكَ فِي اَلْفِقْهِ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ يَا زُرَارَةُ نَاظِرْهُ فَمَا تَرَكَ اَلشَّامِيُّ يَكْشِرُ قَالَ أُرِيدُ أَنْ أُنَاظِرَكَ فِي اَلْكَلاَمِ فَقَالَ يَا مُؤْمِنَ اَلطَّاقِ نَاظِرْهُ فَنَاظَرَهُ فَسُجِلَ اَلْكَلاَمُ بَيْنَهُمَا ثُمَّ تَكَلَّمَ مُؤْمِنُ اَلطَّاقِ بِكَلاَمِهِ فَغَلَبَهُ بِهِ ».
وهكذا عند ما أراد الشامي أن يناظر في الاستطاعة قدرة الإنسان على فعل الشر والخير والتوحيد والإمامة أمر الإمام وبالترتيب كلاً من حمزة الطيار وهشام بن سالم وهشام بن الحكم بمناظرته، فغلبوه بأدلّة قاطعة ومنطق مفحم.
وبمشاهدة ذلك المشهد المثير ارتسمت ابتسامة جميلة على شفتي الإمام فرحاً [٢٩].[٣٠]
مناظرات الإمام الصادق(ع)
كان عصر الإمام الصادق(ع) عصر صراع الأفكار وظهور المذاهب والفرق المختلفة، وقد حدثت إشكاليات وشبهات عديدة نتيجة لالتقاء الثقافة والعلوم الإسلامية بالفلسفات اليونانية وآراء فلاسفتها، ولهذا كان للإمام الصادق الكثير من المناظرات والمطارحات المثيرة مع أصحاب هذه التيارات والمذاهب، وذلك لتعريف الإسلام والرؤية الشيعية وقد أبدى خلالها وباستدلالاته الرصينةومنطقه القويم تفوق المدرسة الإسلامية وأثبت أفضليتها وبطلان تلك العقائد ووهنها.
وهنا نقدم للقرّاء الكرام من بين تلك المناظرات والمطارحات المختلفة المناظرة التي دارت بين الإمام وأبي حنيفة إمام المذهب الحنفي على سبيل المثال:
جاء أبو حنيفة إلى بيت الإمام الصادق للالتقاء به ذات مرة واستأذن عليه، فحجبه الإمام، وقال أبو حنيفة: «فَصِرْتُ إِلَى بَابِهِ وَ اِسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ فَحَجَبَنِي وَ جَاءَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ اَلْكُوفَةِ فَاسْتَأْذَنُوا فَأَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلْتُ مَعَهُمْ - فَلَمَّا صِرْتُ عِنْدَهُ قُلْتُ لَهُ يَا بْنَ رَسُولِ اَللَّهِ لَوْ أَرْسَلْتَ إِلَى أَهْلِ اَلْكُوفَةِ فَنَهَيْتَهُمْ أَنْ يَشْتِمُوا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ فَإِنِّي تَرَكْتُ بِهَا أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ آلاَفٍ يَشْتِمُونَهُمْ فَقَالَ لاَ يَقْبَلُونَ مِنِّي فَقُلْتُ وَ مَنْ لاَ يَقْبَلُ مِنْكَ وَ أَنْتَ اِبْنُ رَسُولِ اَللَّهِ فَقَالَ أَنْتَ أَوَّلُ مَنْ لَا يَقْبَلُ مِنِّي دَخَلْتَ دَارِي بِغَيْرِ إِذْنِي وَ جَلَسْتَ بِغَيْرِ أَمْرِي وَ تَكَلَّمْتَ بِغَيْرِ رَأْيِي وَ قَدْ بَلَغَنِيَ أَنَّكَ تَقُولُ بِالْقِيَاسِ قُلْتُ نَعَمْ أَقْوَلُ - قَالَ وَيْحَكَ يَا نُعْمَانُ أَوَّلُ مَنْ قَاسَ اَللَّهَ إِبْلِيسَ حِينَ أُمِرَ بِالسُّجُودِ لآِدَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَأَبَى وَ قَالَ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ أَيُّمَا أَكْبَرُ يَا نُعْمَانُ اَلْقَتْلُ أَوِ اَلزِّنَا قُلْتُ اَلْقَتْلُ قَالَ فَلِمَ جَعَلَ اَللَّهُ فِي اَلْقَتْلِ شَاهِدَيْنِ وَ فِي اَلزِّنَا أَرْبَعَةً أَ يَنْقَاسُ لَكَ هَذَا قُلْتُ لاَ قَالَ فَأَيُّمَا أَكْبَرُ اَلْبَوْلُ أَوِ اَلْمَنِيُّ قُلْتُ اَلْبَوْلُ قَالَ فَلِمَ أَمَرَ اَللَّهُ تَعَالَى فِي اَلْبَوْلِ بِالْوُضُوءِ وَ فِي اَلْمَنِيِّ بِالْغُسْلِ أَ يَنْقَاسُ لَكَ هَذَا قُلْتُ لاَ قَالَ فَأَيُّمَا أَكْبَرُ الصَّلَاةُ أَوِ اَلصِّيَامُ قُلْتُ الصَّلَاةُ قَالَ فَلِمَ وَجَبَ عَلَى اَلْحَائِضَ أَنْ تَقْضِيَ اَلصَّوْمَ وَ لاَ تَقْضِيَ الصَّلَاةَ أَ يَنْقَاسُ لَكَ هَذَا قُلْتُ لَا قَالَ فَأَيُّمَا أَضْعَفُ اَلْمَرْأَةُ أَوِ اَلرَّجُلُ قُلْتُ اَلْمَرْأَةُ قَالَ فَلِمَ جَعَلَ اَللَّهُ تَعَالَى فِي اَلْمِيرَاثِ لِلرَّجُلِ سَهْمَيْنِ وَ لِلْمَرْأَةِ سَهْمٌ أَ يَنْقَاسُ لَكَ قُلْتُ لَا قَالَ فَبِمَ حَكَمَ اللّٰهُ فِي مَنْ سَرَقَ عَشْرَ دَرَاهِمَ اَلْقَطْعَ وَ إِذَا قَطَعَ اَلرِّجْلَ يَدَ رَجُلٍ فَعَلَيْهِ دِيَتُهَا خَمْسَةَ آلاَفِ دِرْهَمٍ أَ يَنْقَاسُ لَكَ هَذَا قُلْتُ لاَ قَالَ وَ قَدْ بَلَغَنِيَ أَنَّكَ تَقْرَأُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللّٰه تَعَالَى وَ هِيَ ﴿لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾[٣١] أَنَّهُ اَلطَّعَامُ اَلطَّيِّبُ وَ اَلْمَاءُ اَلْبَارِدُ فِي اَلْيَوْمِ اَلصَّائِفِ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ لَوْ دَعَاكَ رَجُلٌ وَ أَطْعَمَكَ طَعَاماً طَيِّباً وَ سَقَاكَ مَاءً بَارِداً ثُمَّ اِمْتَنَّ عَلَيْكَ بِهِ مَا كُنْتَ تَنْسُبُهُ إِلَيْهِ قُلْتُ إِلَى اَلْبُخْلِ قَالَ أَ فَتُبَخِّلُ اللَّهَ تَعَالَى قُلْتُ فَمَا هُوَ قَالَ حُبُّنَا أَهْلَ اَلْبَيْتِ»[٣٢].[٣٣]
تبيين الأحكام وفقاً لمدرسة أهل البيت (ع)
إنّ الذي خفى على الباحثين حول سيرة الإمام فيما يتعلّق بتأسيسه للجامعة العلمية والفقهية هو الجانب السياسي من هذه المبادرة العظيمة، ولكي يتّضح هذا الجانب السياسي منها ينبغي الالتفات في البداية إلى أنّ جهاز الخلافة في الإسلام يختلف عن كافة الأجهزة والأنظمة الحكومية الأخرى في أنّه ليس نظاماً وجهازاً سياسياً فقط بل يمثل القيادة السياسية والدينية معاً، والأمر الذي يوضح هذه الحقيقة هو عنوان الخليفة الذي يتمتع به الحاكم الإسلامي وانّه قبل أن يكون قائداً سياسياً عادياً فهو خليفة رسول الله والنبي هو من أوجد الدين وهو معلم الأخلاق، فالخليفة في الإسلام يتولّى الشؤون الدينية للناس ويكون إمامهم الديني أيضاً، مضافاً إلى كونه مسؤولاً عن القضايا والشؤون السياسية .
دفعت هذه الحقيقة المسلم بها وبعد السلسلة الأولى من الخلفاء الإسلاميين بالحكام اللاحقين الذين كانوا يتمتعون بقلة الوعي الديني ويفتقرون إليه كلياً أحياناً أن يسدّوا هذا الفراغ برجال الدين التابعين لهم، وبضم المرتزقة من الفقهاء والمفسرين والمحدّثين إلى جهازهم الحاكم جعلوا منه تركيبة من الدين والسياسة.
والفائدة الأخرى التي جناها الخلفاء من هؤلاء المرتزقة آنذاك هو أنّهم كانوا يستطيعون وبسهولة تغيير أحكام الشريعة كيفما شاء واشتهى الحكام الظالمون والمستبدون بذريعة تطلب مصالح العصر وحاجاته، ويبدّلون حكم الله باسم الاجتهاد الذي قلّما يستطيع عامة الناس إدراك حقيقته لإرضاء أربابهم وتقرّباً لهم، وقد ذكر المؤرّخون لنا نماذج رهيبة من عمليات وضع الحديث والتفسير بالرأي الأمر الذي لاح منه تورّط القوى السياسية وأجهزة الحكام فيه.
وقد قاموا بنفس هذه العملية في تفسير القرآن أيضاً، فقد كان التفسير بالرأي وحسبما يراه المفسر من الأعمال التي يمكن من خلالها تغيير الأحكام الإلهية عند الناس بسهولة وتجعلهم يعتقدون بما يراه المفسر الذي كثيراً ما كان ينفذ رغبات الحاكم وطلباته.
وهكذا كان فقد انقسم كل من الفقه والحديث والتفسير ومنذ بدايات التاريخ الإسلامي إلى اتجاهين: اتجاه يخدم أجهزة الحكم الغاصبة ويضحي بكثيرمن الحقائق لأجل مصالح تلك الأجهزة ويحرّف أحكام الله للحصول على متاع الدنيا، والاتجاه الآخر هو ذلك الاتجاه الأصيل والأمين الذي لا يقدّم أية مصلحة على مصلحة نشر أحكام الشريعة وتبيينها، وكان طبعاً يواجه الجهاز الحاكم ومرتزقته من الفقهاء في كلّ خطوة يخطوها، ولأجل ذلك كان يمارس هذا الاتجاه نشاطه بشكل سري في أغلب الأحيان. [٣٤]
الطابع النقدي لمدرسة الإمام الصادق(ع)
الفقه الجعفري لم يكن يمثل وجهة نظر دينية مختلفة عن بقية آراء الفقهاء الفقهية في عصر الإمام الصادق(ع) فحسب، بل كان يحمل في طياته مفهومين نقديين في الوقت ذاته.
- وأهمهما: هو إثبات عدم تمتع جهاز الحكم بالوعي الديني اللازم وعجزه عن سد الفراغ الآيديولوجي الذي يعانيه الناس، ويعني في الواقع إثبات عدم جدارته في تولّي منصب الخلافة.
- هو تحديد موارد التحريف الديني في الفقه الحكومي الذي انبعث من استنتاجات غير إسلامية ومصالح ارتآها الفقهاء في بيان الأحكام الفقهية ممّا ينصب في صالح سياسات السلطات الحاكمة، ثمّ راح الإمام الصادق ومن خلال تفعيل البحوث العلمية وتبيين الفقه والمعارف الإسلامية وتفسير القرآن بطريقة تختلف عن أُسلوب العلماء التابعين للحكم يسجّل اعتراضه العملي على الجهاز الحاكم.
وبهذه الطريقة خطّأ الإمام جميع المؤسسات الدينية والفقهية التابعة لجهاز الخلافة والتي تعدّ من أركانه وخلع عنه الصفة الدينية التي أضفاها على نفسه.
وفي الحوارات والتعاليم التي كان يلقيها على أصحابه ومقرّبيه تتضح جلياً الاستفادة من عامل عدم تمتع الخلفاء بالوعي الديني بصفته دليلاً على أنّ رأي الإسلام هو عدم استحقاقهم تولّي هذا المنصب.
أي انّ الإمام كان يصرّح بنفس ذلك المفهوم النقدي الذي كان متمثلاً في دروسه الفقهية والقرآنية أيضاً وبشكل علني، وفي حديث روي عنه: «نَحْنُ قَوْمٌ فَرَضَ اَللَّهُ طَاعَتَنَا وَ أَنْتُمْ تَأْتَمُّونَ بِمَنْ لاَ يُعْذَرُ اَلنَّاسُ بِجَهَالَتِهِ»[٣٥]
أي انّ الناس الذين قد انحرفوا جرّاء جهل القادة والحكام وسلكوا الطريق الخطأ لا يمكنهم أن يعتذروا لله تعالى بأنّه: «لم نسلك الطريق الخطأ بمعرفتنا بل انّ أئمتنا وقادتنا هم الذين دفعوا بنا جهلاً إلى هذا الطريق» ذلك انّ إطاعة هؤلاء القادة هو بنفسه عمل خاطئ، إذن فليس بإمكانه أن يبرر الأعمال الخاطئة اللاحقة[٣٦].[٣٧]
تلامذة مدرسة الإمام الصادق(ع)
عدد من تربّى وتعلم في الجامعة الجعفرية قد ناهز الأربعة آلاف طالب. [٣٨]
هشام بن الحكم
كان هشام عالماً بارزاً ومتكلّماً كبيراً، ذا فصاحة وبلاغة، وعذوبة في الكلام، وحاذقاً جداً في المناظرة، وكان يعد من أكبر تلامذة مدرسة الإمامين الصادق والكاظم عليمها السلام، وقد قدّم خدمات كبيرة للشيعة في ذلك العصر الذي كان الشيعة فيه عرضة للضغط السياسي والإعلامي من قبل السلطات والمذاهب المختلفة، وبشكل خاص دافع بجدارة عن عقيدة الإمامة التي هي من أركان عقائد الشيعة الأساسية وبيّن مفهومها البناء في قيادة المجتمع بشكل رائع.
وفي هذه الجامعة ارتسمت خطوط تكامله الفكري والإسلامي، ولكن وبعد عام ١٤٨ه فصاعداً، أي بعد استشهاد الإمام الصادق(ع) تكاملت شخصيته الراقية في ظل تعاليم الإمام الكاظم وإرشاداته وبلغ إلى قمة الكمال والازدهار. [٣٩]
في طلب الحقيقة
توضح لنا دراسة حياة هشام انّه كان مغرماً بالعلم ومتعطشاً للحقيقة، فدرس أوّلاً وللوصول إلى هذا الهدف والارتواء من معين العلم والمعرفة علوم عصره، ودرس كتب اليونان الفلسفية لإتمام معرفته وإكمالها فتعلّمها جيداً لدرجة انّه كتب نقداً على أرسطاطاليس.
ثمّ بعد ذلك في سبيل إكمال سيرته الفكرية والعلمية تنقّل بين عدّة مدارس مختلفة، غير انّه لم يقتنع بفلسفة أي مدرسة من تلك المدارس، إلاّتعاليم الإسلام المنطقية والواضحة والمستقيمة التي ألقت في روعه السكينة والاستقرار، ولذلك وبعد أن اطّلع على جميع التيارات السائدة آنذاك أعرض عنها وتعرّف على الإمام الصادق من خلال عمه، ومنذ ذلك الحين تغيّرت مسيرة حياته في ظل معرفة الإسلام العميقة وقبول منطق التشيّع وتحوّل تحولاً أساسياً.
وقال بعض: إنّ هشام بن الحكم كان من تلامذة أبي شاكر الديصاني (الملحد المعروف) في البداية، ثمّ تبنّى عقيدة الجهمية وصار من أتباع جَهْم بن صفوان، وقد عدّوا ذلك ممّا يطعن فيه هشام ويتهم بفساد العقيدة[٤٠]
في حين انّه ليس فقط لم يكن تلميذاً لأبي شاكر، بل كان له معه مناظرات انتهت بتشرّف أبي شاكر بالدين الإسلامي. [٤١]
وعلى فرض صحّة ما نسب إليه، فإنّ مساهمته في البحوث والمجالس التي كانت تقيمها المدارس المختلفة لا تثبت انّه كان يتبنّى تلك العقائد والآراء، بل كان اتّصاله بهم لأجل الاطلاع والبحث والمناظرة هذا أوّلاً، وثانياً أنّ هذه التنقلات كانت بمثابة المعبر له في مسيرة تكامله العقلي والفكري، ولا يكون لمن يطلب الحق ويبحث بوعي ودراية عن الحقيقة عيباً ونقيصة، بل يجب أن ننظر إلى النقطة الأخيرة من مسيرته الفكرية والعقيدية ونحكم على أساسها [٤٢]، ونحن نعلم أنّ هشاماً بذل قصارى جهده في إشاعة وبث الإسلام والتعريف بالعقائد الشيعية وترك وراءه صحيفة أعمال مضيئة. [٤٣]
عصر صراع الأفكار
كان القرن الثاني من الهجرة واحداً من عصور الازدهار العلمي والمعرفي والبحث وصراع الأفكار وظهور المدارس والتيارات المختلفة في المجتمع الإسلامي، وعلى الرغم من أنّ الإسلام كان يدعو للعلم والمعرفة منذ البداية غير انّ الجدل والحوارات العلمية والدينية والمناظرات وصلت إلى أوجها في هذا القرن وظهر علماء كثيرون في هذا المجال لكلّ منهم ثقله ومكانته، وكلّ ذلك بسبب تعرف المسلمين وعلمائهم على الفلسفة اليونانية وأفكار العلماء الأجانب من جهة وظهور المدارس الدينية المختلفة في المجتمع الإسلامي من جهة أُخرى.
هذا وبسبب انّ أكثر البحوث والآراء العلمية لم تكن منسقة ومدونة لذا كان المجال مفتوحاً للجدل والمناظرة بشكل كبير[٤٤].
ولما تقدّم من الأسباب اتّسمت المناظرات والحوارات بين المدارس والفرق المتعددة بأهمية خاصة، وكانت تحدث مناظرات وحوارات قيمة ومثيرة هنا وهناك كلّها جديرة بالاهتمام ويوجد اليوم الكثير منها بأيدينا.
كوّن مجموع هذه الأسباب الباعث على الازدهار والمعرفة والإدراك التحليلي للقضايا بين المسلمين لدرجة انّه قد خصص لهذا الموضوع فصلاً خاصاً في كتب تاريخ الإسلام، و هشام بن الحكم الذي كان قد تربى وترعرع في هذه الأجواء وللاستعداد الكبير والعلاقة الشديدة اللذين كان يتمتع بهما، برز بسرعة من بين علماء ومفكّري عصره وأصبح على رأسهم. [٤٥][٤٦]
اللقاء الأول
غير انّ هشاماً ما زال وهو في مسيرته العلمية لم يحصل على ضالّته المنشودة ومع أنّه درس مدارس فكرية متعددة وتباحث مع شخصيات علمية ودينية بارزة في عصره إلاّ أنّه لم يكن قد بلغ ما يرومه وقد بقيت شخصية واحدة لم يواجهها وليست هي غير جعفر بن محمد إمام الشيعة السادس.
فقد كان هشام يفكّر بحق انّ الالتقاء به سيفتح له أُفقاًجديداً، ولهذا الغرض طلب من عمّه الذي كان شيعياً ومن الموالين للإمام السادس أن يرتّب له لقاء معه.
وقصة لقائه الأول بالإمام الصادق الذي غيّر مجرى حياته العلمية تماماً قصة رائعة وجذابة، يقول:«كَانَ اِبْنُ أَخِي هِشَامٌ يَذْهَبُ فِي اَلدِّينِ مَذْهَبَ اَلْجَهْمِيَّةِ خَبِيثاً فِيهِمْ فَسَأَلَنِي أَنْ أُدْخِلَهُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ لِيُنَاظِرَهُ فَأَعْلَمْتُهُ أَنِّي لاَ أَفْعَلُ مَا لَمْ أَسْتَأْذِنْهُ فَدَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ فَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي إِدْخَالِ هِشَامٍ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لِي فِيهِ فَقُمْتُ مِنْ عِنْدِهِ وَ خَطَوْتُ خُطُوَاتٍ فَذَكَرْتُ رِدَاءَتَهُ وَ خُبْثَهُ فَانْصَرَفْتُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَحَدَّثْتُهُ رِدَاءَتَهُ وَ خُبْثَهُ فَقَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ يَا عُمَرُ تَتَخَوَّفُ عَلَيَّ فَخَجِلْتُ مِنْ قَوْلِي وَ عَلِمْتُ أَنِّي قَدْ عَثَرْتُ فَخَرَجْتُ مُسْتَحْيِياً إِلَى هِشَامٍ فَسَأَلْتُهُ تَأْخِيرَ دُخُولِهِ وَ أَعْلَمْتُهُ أَنَّهُ قَدْ أَذِنَ لَهُ بِالدُّخُولِ فَبَادَرَ هِشَامٌ فَاسْتَأْذَنَ وَ دَخَلَ فَدَخَلْتُ مَعَهُ فَلَمَّا تَمَكَّنَ فِي مَجْلِسِهِ سَأَلَهُ أَبُو عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَحَارَ فِيهَا هِشَامٌ وَ بَقِيَ فَسَأَلَهُ هِشَامٌ أَنْ يُؤَجِّلَهُ فِيهَا فَأَجَّلَهُ أَبُو عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَذَهَبَ هِشَامٌ فَاضْطَرَبَ فِي طَلَبِ اَلْجَوَابِ أَيَّاماً فَلَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ فَرَجَعَ إِلَى أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَأَخْبَرَهُ أَبُو عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ بِهَا وَ سَأَلَهُ عَنْ مَسَائِلَ أُخْرَى فِيهَا فَسَادُ أَصْلِهِ وَ عَقْدِ مَذْهَبِهِ فَخَرَجَ هِشَامٌ مِنْ عِنْدِهِ مُغْتَمّاً مُتَحَيِّراً قَالَ فَبَقِيتُ أَيَّاماً لاَ أَفِيقُ مِنْ حَيْرَتِي قَالَ عُمَرُ بْنُ يَزِيدَ فَسَأَلَنِي هِشَامٌ أَنْ أَسْتَأْذِنَ لَهُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ثَالِثاً فَدَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ فَاسْتَأْذَنْتُ لَهُ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ لِيَنْظُرْنِي فِي مَوْضِعٍ سَمَّاهُ بِالْحِيرَةِ لِأَلْتَقِيَ مَعَهُ فِيهِ غَداً إِنْ شَاءَ اَللَّهُ إِذَا رَاحَ إِلَيْهَا فَقَالَ عُمَرُ فَخَرَجْتُ إِلَى هِشَامٍ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَقَالَتِهِ وَ أَمْرِهِ فَسُرَّ بِذَلِكَ هِشَامٌ وَ اِسْتَبْشَرَ وَ سَبَقَهُ إِلَى اَلْمَوْضِعِ اَلَّذِي سَمَّاهُ ثُمَّ رَأَيْتُ هِشَاماً بَعْدَ ذَلِكَ فَسَأَلْتُهُ عَمَّا بَيْنَهُمَا فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ سَبَقَ أَبَا عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ إِلَى اَلْمَوْضِعِ اَلَّذِي كَانَ سَمَّاهُ لَهُ فَبَيْنَا هُوَ إِذَا بِأَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَدْ أَقْبَلَ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ فَلَمَّا بَصُرْتُ بِهِ وَ قَرُبَ مِنِّي هَالَنِي مَنْظَرُهُ وَ أَرْعَبَنِي حَتَّى بَقِيتُ لاَ أَجِدُ شَيْئاً أَتَفَوَّهُ بِهِ وَ لاَ اِنْطَلَقَ لِسَانِي لِمَا أَرَدْتُ مِنْ مُنَاطَقَتِهِ وَ وَقَفَ عَلَيَّ أَبُو عَبْدِ اَللَّهِ مَلِيّاً يَنْتَظِرُ مَا أُكَلِّمُهُ وَ كَانَ وُقُوفُهُ عَلَيَّ لاَ يَزِيدُنِي إِلاَّ تَهَيُّباً وَ تَحَيُّراً فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ مِنِّي ضَرَبَ بَغْلَتَهُ وَ سَارَ حَتَّى دَخَلَ بَعْضَ اَلسِّكَكِ فِي اَلْحِيرَةِ »[٤٧][٤٨]
ويوجد هنا عدة نقاط لافتة في هذه القضية:
- هو وجود الموهبة والقدرة العالية في التباحث والمناظرة في هشام ممّا جعل عمه يتخوّف، ويعبّر عن ذلك الاستعداد بالخباثةوالرداءة، وكان يشعر جهلاً بمنزلة الإمامة السامية بالقلق حيال هذه المواجهة ممّا جعله يفاتح الإمام في ذلك منذ البداية .
- رغبة هشام وتعطّشه العجيب لطلب المعرفة والعلم والتعلّم أكثر لدرجة انّه لا يفوّت أية فرصة في هذا السبيل ويستغل كلّ فرصة تسنح له، وبعد العجز عن الإجابة على أسئلة الإمام يجدد لقاءه معه ويسبقه في اللقاء الأخير إلى محل اللقاء، وهنا يتجلّى بوضوح عطشه واشتياقه الكبير.
- عظمة شخصية الإمام الصادق لدرجة انّها جعلت هشاماً مضطرباً عاجزاً عن أن يتفوّه بما كان قد أعدّه له لمناظرته وينسى كلّ ما كان في جعبته من العلم، فيعترف وبلغة العيون والنظرات الأخاذة الممزوجة بالهيبة والاحترام بصغره أمام ذلك الإمام العظيم.
وعلى كلّ حال كان لذلك اللقاء الروحي أثره وغيّر مجرى حياة هشام، ومنذ ذلك اليوم اتصل بمدرسة الإمام السادس، وتخلّى عن عقائده السابقة، وتألّق في هذه المدرسة،لدرجة انّه حاز على قصب السبق من بين أصحابه. [٤٩]
مؤلّفات هشام
وفي ظل ما أفاده هشام من المعارف الجمة من مدرسة الإمام السادس قطع المراحل العلمية العليا وبذل قصارى جهده في إشاعة العقائد الشيعية والدفاع عنها، وقد ترك في هذا المجال تراثاً علمياً ضخماً، وتوضح لنا ملاحظة فهرس أعماله ومؤلّفاته التي ناهزت الثلاثين مجلداً مدى مستوى علمه وعمقه وضخامة أعماله، وها هو فهرس أعماله في المجالات المتنوعة:
- كتاب الإمامة،
- كتاب الدلالة على حدوث الأشياء،
- كتاب الرد على الزنادقة،
- كتاب الرد على أصحاب الاثنين،
- كتاب التوحيد،
- كتاب الرد على هشام الجواليقي،
- كتاب الرد على أصحاب الطبائع،
- كتاب الشيخ والغلام،
- كتاب التدبير[٥٠]،
- كتاب الميزان،
- كتاب الميدان،
- كتاب الرد على من قال بإمامة المفضول،
- كتاب اختلاف الناس بالإمامة،
- كتاب الوصية والرد على من أنكرها،
- كتاب الجبر والقدر،
- كتاب الألفاظ،
- كتاب المعرفة،
- كتاب الاستطاعة،
- كتاب الثمانية أبواب،
- كتاب الرد على شيطان الطاق،
- كتاب الأخبار كيف يفتح،
- كتاب الرد على أرساطاطاليس في التوحيد،
- كتاب الرد على المعتزلة وعقيدتهم في طلحة والزبير،
- كتاب الحكمين،
- كتاب القدر،
- كتاب الرد على مذهب المعتزلة،
- كتاب المجالس حول الإمامة[٥١]، ٢٨. كتاب علل التحريم، ٢٩. كتاب الفرائض. [٥٢][٥٣]
الجهود السياسية للإمام
لم تنحصر نشاطات الإمام الصادق في المجالات العلمية بكل ما لها من سعة وعمق، بل كان له نشاطات سياسية أيضاً غير انّ هذا الجانب من نشاطاته ظل خافياً على كثير من المحدثين والكتّاب، ولأجل أن يتضح وهن وخطأ هذا التصور وهو انّ الإمام الصادق ونظراً للظروف السائدة آنذاك لم يتدخل في القضايا ا لسياسية أبداً ولم يكن له موقف سياسي أصيل بل كان يسير في ضوء ما ترسمه له سياسة الخلفاء والحكام آنذاك نقدم نموذجاً من نشاطاته بالنحو التالي:
إرسال ممثليه لدعوة الناس إلى الإمامة
وبدافع بثّ فكرة الإمامة أرسل الإمام الصادق(ع) من يمثّله إلى سائر أرجاء البلاد، ومنهم «إِنَّ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ اَلْكُوفَةِ قَدِمَ إِلَى خُرَاسَانَ فَدَعَا اَلنَّاسَ إِلَى وَلاَيَةِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَفِرْقَةٌ أَطَاعَتْ وَ أَجَابَتْ وَ فِرْقَةٌ جَحَدَتْ وَ أَنْكَرَتْ وَ فِرْقَةٌ تَوَرَّعَتْ وَ وَقَفَتْ. فَخَرَجَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ رَجُلٌ فَدَخَلُوا عَلَى أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَكَانَ اَلْمُتَكَلِّمُ اَلَّذِي ذَكَرَ أَنَّهُ تَوَرَّعَ وَ وَقَفَ وَ قَدْ كَانَ مَعَ بَعْضِ اَلْقَوْمِ جَارِيَةٌ فَخَلاَ بِهَا اَلرَّجُلُ وَ وَقَعَ عَلَيْهَا فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ كَانَ هُوَ اَلْمُتَكَلِّمَ فَقَالَ لَهُ أَصْلَحَكَ اَللَّهُ قَدِمَ عَلَيْنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اَلْكُوفَةِ وَ قَدْ دَعَا اَلنَّاسَ إِلَى وَلاَيَتِكَ وَ طَاعَتِكَ فَأَجَابَ قَوْمٌ وَ أَنْكَرَ قَوْمٌ وَ وَرِعَ قَوْمٌ. فَقَالَ فَمِنْ أَيِّ اَلثَّلاَثَةِ أَنْتَ قَالَ مِنَ اَلْفِرْقَةِ اَلَّتِي تَوَرَّعَتْ. قَالَ أَيْنَ وَرَعُكَ يَوْمَ كَذَا مَعَ اَلْجَارِيَةِ »[٥٤]
وكما هو ملحوظ كان مبعوث الإمام كوفياً ومحل أداء مهمته خراسان بينما كان الإمام يقيم في المدينة، وهذا يوضح لنا اتساع رقعة نشاطاته السياسية. [٥٥]
المواجهة مع الأمويين
أسباب سقوط الحكم الأموي
كان سقوط الحكم الأموي في عهد الإمام الصادق(ع)، وكان الخلفاء الأمويون في سنوات حكمهم قد أظهروا الكثير من البدع والفساد والانحراف في سلطتهم وسياستهم ممّا أدى إلى إثارة غضب الناس وانتهى إلى ثورة المسلمين وسقوط حكمهم، وأمّا الذي أثار غضب الناس وكراهيتهم فهو:
- انّه منذ عهد معاوية فصاعداً تحول نظام الحكم الإسلامي إلى نظام ديكتاتوري واستبدادي وراثي وفردي.
- ان دخل الدولة الذي كان ينبغي أن يصرف في الأمور والأعمال العامة والغنائم الحربية والفيء الذي هو للمجاهدين استولت الحكومة على كلّ ذلك وصرفتها على مجالس لهوها وقصورها وزخرفتها وبذخها ولذّاتها.
- تفشّي الاعتقالات والتنكيل والمذابح والمجازر العامة أحياناً.
- ومع أنّ الفقه الشيعي قبل قيام الحكم الأموي كان مهملاً وأئمّة الشيعة الذين كانوا على علم واسع بالأحكام الإسلامية لم يعرفوا كمراجع الأحكام الدينية غير انّ المعايير الدينية والفقهية الرسمية والسائدة كانت تراعى في الظاهر. وعلى سبيل المثال عندما كانوا يريدون الحصول على حكم مسألة ما فانّهم يرجعون إلى القرآن وسنّة النبي في البداية، فإذا لم يحصلوا عليه فيهما رجعوا إلى الصحابة من المهاجرين والأنصار ويسألونهم هل سمعوا حديثاً عن النبي في ذلك أو لا؟ وإذا لم يحصلوا على دليل الحكم بعد كلّ هذا البحث والفحص كان الذين لهم حظّ من الفقه يحددون الحكم الشرعي باجتهادهم بشرط أن لا يخالف ذلك ظاهر القرآن والسنّة بشكل كامل. ولكنّ الخلفاء الأمويين ما كانوا يرون بأساً في أن يصدروا حكماً يخالف القرآن وسنّة النبي كما ألحق معاوية زياد الابن الغير الشرعي لأبي سفيان بنسبه واعتبره أخاً له خلافاً لما صرّح به حديث النبي.
- قد حدد الفقه الإسلامي كما نعلم أحكاماً جزائية للمجرمين تعرف بالحدود والديات. والمجرم يجب أن يلقى جزاءه وفقاً لها غير انّنا لا نجد أي تناسب بين الجريمة والجزاء المقرر لها في عصر الأمويين وغالباً ما كانت الأحكام الجزائية منوطة برأي الحاكم إن شاء عفا عن المجرم أو شاء قتل بريئاً وكان يحدث أحياناً أن يحكموا على الناس بأكثر ممّا قرره الشارع!
- وبالرغم من انّه قد نشأ فقهاء كبار في المجتمع الإسلامي ولكن لم يكن هناك من يعير لكلامهم أي أهمية، ولو انّ فقيهاً أفتى بحكم يخالف مصلحة الحاكم كانت حياته عرضة للخطر، ولهذا تعطّل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اللذين هما من فروع الدين المهمة ولم يكن هناك من يجرأ على نهي الخليفة عمّا يقوم به من العمل القبيح.
- انتهكت حرمة الشعائر والمظاهر الإسلامية، وسمحوا أن يهان كلّ ما هو مقدس في عين المسلمين، كما هدموا الكعبة والمسجد الحرام وانتهكوا حرمة ضريح النبي ومنبره ومسجده واستباحوا المدينة قتلاً وتنكيلاً ثلاثة أيام.
- قتلوا أولاد النبي بشكل جماعي لأوّل مرة في الإسلام، وأخذوا نساء وبنات أهل بيته سبايا يجولون بهن المدن.
- ظهور نظم الشعر للمدح الذي كان من مظاهر الجاهلية وعدّمذموماً في عهد النبي مرة أُخرى وشيوعه وراح الشعراء في العصر الأموي ينسجون قصائد المدح يمدحون الخلفاء بأشياء ليست فيهم قدر استطاعتهم وينزّهونهم عن كلّ ما فيهم.
- ظهور مجموعة من العلماء الدنيويين ومن تجار الدين الذين اشتروا رضا الحكّام بغضب الرب، وكان يفسّر هؤلاء ظاهر آيات القرآن وأحاديث النبي برأيهم وحسب رغبتهم ويبررون أعمال وسلوك الحكام.
- ازدياد الرغبة في حياة يسودها البذخ والزينة في الأكل والألبسة والقصور، والاهتمام بمظاهر الحياة، وبناء القصور الفخمة في مركز الحكم وفي المصايف والأماكن التي يرتادونها للصيد.
- الإدمان على الخمرة والانشغال بالنساء واللهو معهن، وشراء الجواري المغنيات، لدرجة انّهن شكّلن جلّ أحاديث بعض الخلفاء الأمويين اليومية، مضافاً إلى الحديث عن الأكل والشراب. [٥٦]
- كان مبدأ المساواة أحد أهم أركان النظام الإسلامي، ولكنّه أُلغي واستبدل بالعنصرية العنيفة لصالح العرب وبضرر القوميات الأخرى الغير عربية، وفي الوقت الذي يلغي القرآن والسنّة النبوية الفوارق والامتيازات العنصرية ويجعل ملاك التفاضل هو التقوى، نجد الأمويين يفضّلون العنصر العربي ويقولون: لأنّ نبي الإسلام مبعوث من العرب فالعرب أفضل من الآخرين وقريش أفضل من العرب الآخرين، وكان العرب في ضوء هذه السياسة يفضّلون على العجم في جميع الأمور، وكان نظام الأمويين الارستقراطي يمنع الموالي المسلمين من غير العرب من التمتع بجميع حقوقهم الاجتماعية كالإماء والعبيد، وكان التحقير والاستصغار يرافقان الموالي أينما كانوا ويحرمون من مزاولة أي عمل محترم، فلم يكن يحق لهم أن يصنعوا السلاح ويركبوا الخيول أو يتزوّجوا من العربيات حتى لو كانت بدوية بلا نسب وحسب، وإذا ما حدث ذلك بشكل سري فكان الطلاق هو مصير المرأة والرجل مصيره السجن والضرب بالسياط.
الحكم والقضاء والإمامة أيضاً كان جميع ذلك مختصاً بالعرب فقط أينما كانوا، ولا يحق لغير العربي أن يتقلد هذه المناصب.
وكان العرب الأمويون يعتقدون بأنّهم خلقوا للسيادة والحكم، وانّ العمل والعناء خاص بالموالي.
فكان هذا النوع من التعامل مع الموالي أحد أكبر أسباب سقوط الحكم الأموي على أيدي الإيرانيين الفرس، وخلال موجة التمرد والثورة على الأمويين استغل العباسيون تلك الأسباب لتشويهم وتحريض الناس عليهم، غير انّه كان لسببين من تلك الأسباب أثره الأكبر في ذلك وهما: احتقار الموالي، ومظلومية أهل البيت. فاستغل العباسيون هذين الأمرين بشكل كبير وفي الواقع انّهما شكلا الجسر الذي عبر من خلاله العباسيون للوصول إلى أهدافهم. [٥٧]
المواجهة مع العباسيين
هل كانت ثورة العباسيين إسلامية؟
والموضوع الآخر الذي يسترعي الانتباه في دراسة حياة الإمام الصادق(ع) هو امتناعه عن قبول اقتراح بيعة قادة الثورة العباسية له، وإذا ألقينا نظرة سطحية إلى هذا الأمر فانّا سنظن انّ للدوافع الدينية أثراً كبيراً فيها، لأنّ الشعارات التي حملوها كانت جميعها إسلامية، والكلمات التي كتبوها على راياتهم كلّها آيات قرآنية، وكانوا يتظاهرون بالولاء لأهل البيت وانّهم يريدون الانتقام لدماء أهل البيت التي أُريقت ظلماً من بني أُمية و بني مروان، وكان كلّ هدفهم هو ربط الثورة بأهل البيت.
ومع أنّهم لم يعلنوا عن اسم الخليفة الذي كان يدعون الناس إليه غير انّ شعارهم كان «الرضا من آل محمد» أي ثرنا لبيعة شخص منتخب من آل محمد (ص) .
قالوا: كان لـ أبي مسلم أصحاب وأنصار كثيرون بين العرب، وعندما بايعوه أقسموا بأن يصمدوا ويثبتوا في اتّباع كتاب الله وسنّة النبي وفي طاعة الرضا من آل البيت، وأن لا يتأخّروا في اتبّاع قادتهم، وأن ينفّذوا كلّ أوامرهم بدون مناقشة حتى أنّهم أقسموا بأنّهم إذا انتصروا على عدوهم لا يقتلونهم إلاّبما أمر به الإسلام وزعماءهم، وكان شعارهم الذي يعرفون به بعضهم ويتصلون من خلاله ببعضهم هي الملابس والرايات السوداء، وكان راياتهم سوداء باعتبار انّ راية النبي كانت سوداء، وهدفهم هو الرجوع إلى دين النبي، أو أن يكون رمزاً لمطالبتهم بدماء أهل البيت وحزنهم عليهم . ولعلّهم أرادوا أن يجعلوا أنفسهم مصداقاً لأخبار الملاحم التي تقول بأن ظهور الرايات السوداء من خراسان علامة على زوال سلطان الطغاة وظهور الحكومة الحقة العادلة[٥٨].[٥٩]
وعلى أي حال دلّ ظاهر الأمر انّ ثورة العباسيين ثورة عظيمة ذات مغزى إسلامي. [٦٠]
رسائل قادة الثورة إلى الإمام الصادق(ع)
وبعد موت إبراهيم الإمام كتب أبو مسلم إلى الإمام الصادق(ع): إنّي أدعو الناس إلى موالاة أهل البيت، فإن رغبت فليس مزيد عليك.
فأجابه الإمام: « ما أَنْتَ مِنْ رجالي وَ لَا الزَّمَانِ زَمَانِي ». [٦١]
وكذلك يقول الفضل الكاتب: كنت عند أبي عبد الله، فأتاه كتاب أبي مسلم؛ فقال: « لَيْسَ لِكِتَابِكَ جَوَابٌ اُخْرُجْ عَنَّا ».[٦٢]
وهكذا قرر أبو سلمة الخلال[٦٣] الذي عرف فيما بعد بوزير آل محمد أن يبتعد عن العباسيين ويتصل بالعلويين، لأنّه لاحظ انّ الظروف قد انقلبت ضده بعد موت إبراهيم الإمام، ولذلك كاتب ثلاثة من أعيان العلويين، وهم: جعفر بن محمد الصادق، و عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عبد الله المحض)، و عمر الأشرف بن زين العابدين، وأرسل الكتب مع رجل من مواليهم، وقال للرسول: اقصد أوّلاً جعفر بن محمد الصادق(ع)، فإن أجاب فأبطل الكتابين الآخرين، وإن لم يجب فالق عبد الله المحض، فإن لم يجب فالق عمر. فذهب الرسول إلى جعفر بن محمد أوّلاً ودفع إليه كتاب أبي سلمة. فقال الإمام(ع): « مَالِي وَلِأَبِي سَلَّمْتَ؟ وَهُوَ شِيعَةُ لِغَيْرِي ». فقال له الرسول: اقرأ الكتاب، فقال الإمام لخادمه: « ادْنُ السَّرَّاجِ مِنِّي »، فأدناه، فوضع الكتاب على النار حتى احترق! فقال الرسول: ألا تجيبه. قال الإمام: « قَدْ رَأَيْتُ الْجَوَابِ »! فخرج الرسول فأتى عبد الله بن الحسن ودفع إليه الكتاب، فقرأه وقبله، ثمّ ركب حتى أتى منزل أبي عبد الله الصادق(ع)، فقال هذا كتاب أبي سلمة يدعوني إلى الخلافة وقد قدمت عليه شيعتنا من أهل خراسان، فقال الإمام: « وَ مَتَى كَانَ أَهْلِ خُرَاسَانَ شِيعَةُ لَكَ ؟ ! أَنْتَ بُعِثْتَ أَبَا مُسْلِمٍ إِلَى خُرَاسَانَ ؟ ! وَ هَلْ تَعْرِفُ مِنْهُمْ أَحَداً ؟ ! فَإِنْ لَمْ تَعْرِفُهُمْ وَ لَمْ يَعْرِفُوكَ فَكَيْفَ صَارُوا شِيعَةُ لَكَ ؟ ! ». فقال عبد الله: كان هذا الكلام منك لشيء. فقال الصادق(ع): « قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أَنِّي أَوْجَبَ النُّصْحُ عَلَى نَفْسِي لِكُلِّ مُسْلِمٍ، فَكَيْفَ ادَّخَرَهُ عَنْكَ، فلاتمن نَفْسِكَ بِالْأَبَاطِيلِ، فَإِنَّ هَذِهِ الدَّوْلَةِ ستتم لِبَنِي الْعَبَّاسِ، وَقَدْ جَاءَنِي مِثْلِ الْكِتَابَ الَّذِي جاءَكَ ». فخرج عبد الله غاضباً، وكان موقف عمر بن زين العابدين سلبياً تجاه كتاب أبي سلمة أيضاً ورفضه، وقال: أنا لا أعرف صاحب الكتاب حتى أرد عليه. [٦٤]
ولمّا أقبلت رايات الانتصار ترفرف وظهرت علائم النجاح كاتب أبو سلمة الإمام مرة ثانية: إنّ سبعين ألف مقاتل وصل إلينا، فننتظر أمرك. فقال(ع): «إِنَّ اَلْجَوَابَ كَمَا شَافَهْتُكَ».[٦٥]
ويروي لنا أبو بكر الحضرمي انّه: دخلت أنا وأبان على أبي عبد الله الصادق(ع)، وذلك حين ظهرت الرايات السود بخراسان فقلنا: ماترى؟ فقال: «اِجْلِسُوا فِي بُيُوتِكُمْ فَإِذَا رَأَيْتُمُونَا قَدِ اِجْتَمَعْنَا عَلَى رَجُلٍ فَانْهَدُوا إِلَيْنَا بِالسِّلاَحِ »[٦٦]
وقال الإمام(ع) في حديث آخر لأصحابه: «كُفُّوا أَلْسِنَتَكُمْ وَ اِلْزَمُوا بُيُوتَكُمْ فَإِنَّهُ لاَ يُصِيبُكُمْ أَمْرٌ تُخَصُّونَ بِهِ أَبَداً وَ يُصِيبُ اَلْعَامَّةَ وَ لاَ تَزَالُ اَلزَّيْدِيَّةُ وِقَاءً لَكُمْ أَبَداً».[٦٧][٦٨]
لماذا رفض الإمام الصادق(ع) اقتراح قادة الثورة العباسية؟
يبدو موقف الإمام في الوهلة الأولى تجاه اقتراحات أبي سلمة و أبي مسلم أمر يصعب فهمه وتحليله، ولكن إذا أمعنّا النظر قليلاً في الأمور أدركنا السبب الكامن وراء هذا الموقف، فقد كان الإمام الصادق يدرك بأنّ قادة الثورة لا هدف لهم إلاّ الحصول على مقاليد السلطة، وليس رفع شعار الولاء لأهل البيت إلاّ لجذب واستقطاب الموالين لأهل البيت.
وتشهد الروايات التاريخية بوضوح انّ أبا سلمة الخلال تسلّم مقاليد الأمور السياسية بعد وصول القوات الخراسانية إلى الكوفة، وراح يوزع المناصب السياسية والعسكرية بين جماعته وأصحابه، فقد أراد باختياره خليفة علوياً أن يكون هو صاحب القرار والسلطة في الحكومة ويكون منصب الخليفة منصباً شكلياً[٦٩].
وكان الإمام يدرك بأنّ أبامسلم وأبا سلمة يبحثان عن شخصية مرموقة من أهل البيت حتى يستغلا مكانتها وشعبيتها للوصول إلى أهدافهما وبأنّهما لا يعتقدان بإمامته، وإلاّفما معنى إرسال ثلاث رسائل بمضمون واحد إلى ثلاث شخصيات من آل الرسول؟!
كان الإمام يدرك وبكلّ ذكاء انّ المخطط الرئيسي للثورة هم العباسيون، وهؤلاء ليس لهم هدف غير تحقيق آمالهم في استلام مقاليد الحكم والسلطة، وليس أبو مسلم وأبو سلمة وغيرهما إلاّ بيادق بأيديهم، وكان يعلم أنّهم سرعان ما سيقضون على كلّ من لم يعد يفيدهم أو يقف سداً في طريقهم، وقد كان كذلك مصير أبي مسلم وأبي سلمة وسليمان بن كثير والآخرين حيث لقوا حتفهم.
كان الإمام يعلم جيداً انّ أمثال أبي سلمة وأبي مسلم قد انخدعوا وانّهم لا يتحركون على خط الإسلام المستقيم وخط أهل البيت، لذلك لم يكن مستعداً للتعاون معهم وإضفاء الشرعية على أعمالهم، لأنّهم وهم قادة الثورة ليسوا من أبناء مدرسته، فقد أفرطوا وأسرفوا في الانتقام وطلب السلطة والإرهاب والعنف، وقد ارتكبوا أعمالاً لا يمكن لأي مسلم ملتزم أن يرضى بها ويؤيّدها. [٧٠]
وصايا إبراهيم الإمام المرعبة إلى أبي مسلم
سنواجه بمراجعتنا للتاريخ نصاً ووصية لإبراهيم الإمام إلى أبي مسلم الخراساني في بداية الثورة. فقد التقى أبو مسلم البطل الشهير الذي لقب بلقب أمير آل محمد[٧١] إبراهيم الإمام خلال سفره إلى مكة، فأوصاه إبراهيم بوصاياه على راية سوداء صارت فيما بعد شعاراً للعباسيين، وأمر بالتوجه إلى خراسان والثورة العلنية هناك.
ومن حيث إنّ هذه الوصية تبيّن لنا حقيقة إبراهيم وأبي مسلم وقادة الثورة العباسية الآخرين ووثيقة هامة ننقلها هنا بنصها، ولكي يخدعه أكثر يقول إبراهيم في بدايتها لأبي مسلم:
إنّك رجل منّا أهل البيت فاحفظ وصيتي، فاقتل من شككت في أمره، ومن وقع في نفسك منه تهمة... إن استطعت أن لا تدع بخراسان أرضاً فيها عربي فافعل، وأيّما غلام بلغ خمسة أشبار فاتهمته فاقتله. [٧٢]
وهكذا يصدر إبراهيم الإمام أمره بالقتل وإراقة الدماء في وصيته لأبي مسلم بصراحة.
يقول المقريزي: وتالله لو توجّه أبو مسلم إلى أرض الحرب ليغزو أهل الشرك بالله، لما جاز أن يوصى (إبراهيم) بهذا، فكيف وإنّما توجّه إلى دار الإسلام وقتال أبناء المهاجرين والأنصار و...؟! [٧٣][٧٤]
جرائم أبي مسلم
للأسف طبّق ونفّذ أبو مسلم هذه الوصية المرعبة والتعسفية بحذافيرها حتى صار كما يقول اليافعي حجّاج زمانه، وقتل في سبيل تثبيت الحكم العباسي مالا عد ولا حصر له من الناس[٧٥]
ويقول المؤرّخون بلغ عدد من قتلهم أبو مسلم في عهده ستمائة ألف[٧٦]
وقد اعترف هو نفسه بهذه الجرائم عند ما شعر بالخوف من ناحية المنصور في رسالة كتبها إليه: أمّا بعد فقد كنت اتخذت أخاك (السفّاح) إماماً... وأمرني أن آخذ بالظنة وأقتل على التهمة ولا أقبل المعذرة، فهتكت بأمره حرمات حتم الله صونها، وسفكت دماء فرض الله حقنها، وزويت الأمر عن أهله ووضعته في غير محله. [٧٧]
وقد اعترف المنصور بهذا الأمر أيضاً فقال عندما أراد أن يقتل أبا مسلم ولما عدّد جرائمه: لماذا قتلت ستمائة ألف بتعذيبهم والتنكيل بهم؟
فأجاب أبو مسلم وبدون أن ينكر هذا الأمر الشنيع: كان كلّ ذلك لتوطيد سلطانكم. [٧٨]
وفي موضع ذكر انّ عدد ضحاياه في غير الحروب التي خاضها مائة ألف قتيل. [٧٩]
ولم يسلم من أبي مسلم حتى أصدقاؤه القدماء، كصديقه وزميله أبي سلمة الخلال الذي لقب بلقب وزير آل محمد [٨٠] ولعب دوراً كبيراً في نجاح الثورة العباسية وكان في الواقع الذراع المالي والاقتصادي للدعوة العباسية[٨١]
وعليه فليس عجيباً أن نقرأ في التاريخ: انّه حينما حج أبو مسلم كان أهل البادية يفرّون منه كلّما مر عليهم، لأنّهم سمعوا الكثير عن سفكه للدماء! [٨٢][٨٣]
الانتخاب والتخطيط
إنّ ما قلناه حول رفض الإمام الصادق(ع) لاقتراح قادة الثورة العباسية يتلخّص في أنّ أصحاب الاقتراح لم يكونوا متمتعين بالصلاحية والجدارة الكافية لثورة دينية وعقائدية أصيلة، ولم يكونوا من القوات والطاقات الأصيلة التي يمكن من خلالها قيادة ثورة إسلامية خالصة، ولو كانت هناك قوات وطاقات أصيلة وعقائدية بالقدر المطلوب لكان الإمام ينتخب الثورة لا محالة.
وبعبارة أُخرى: انّ الإمام الذي كان يفهم الأُمة من الناحية الفكرية والعملية، ويدرك الظروف السياسية والاجتماعية التي تحيط بها، ويعرف محدودية قدرته وإمكاناته التي كان يمكن في ضوئها بدء نضال سياسي، لم يكن يرى القيام بالسيف والانتصار بالسلاح كافياً في إقامة حكومة إسلامية، لأنّ إعداد القوات للهجوم العسكري فقط لا يكفي لتشكيل حكم إسلامي خالص، بل كان لابدّ أن يسبق ذلك إعداد جيش عقائدي يؤمن بالإمام وعصمته ويعرفهما بشكل كامل، ويدرك أهدافه العالية، ويدافع عن مخططه لتكوين الحكومة، ويحرس الانجازات التي تحقّقها للأُمة .
الحوار الذي دار بين الإمام الصادق(ع) وأحد أصحابه يوضح لنا مفاد ما قلناه آنفاً؛ فقد روي عن سدير الصيرفي أنّه قال: «دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقُلْتُ لَهُ وَ اَللَّهِ مَا يَسَعُكَ اَلْقُعُودُ قَالَ وَ لِمَ يَا سَدِيرُ قُلْتُ لِكَثْرَةِ مَوَالِيكَ وَ شِيعَتِكَ وَ أَنْصَارِكَ وَ اَللَّهِ لَوْ كَانَ لِأَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ مَا لَكَ مِنَ اَلشِّيعَةِ وَ اَلْأَنْصَارِ وَ اَلْمَوَالِي مَا طَمِعَ فِيهِ تَيْمٌ وَ لاَ عَدِيٌّ فَقَالَ يَا سَدِيرُ وَ كَمْ عَسَى أَنْ تَكُونُوا قُلْتُ مِائَةَ أَلْفٍ قَالَ مِائَةَ أَلْفٍ قُلْتُ نَعَمْ وَ مِائَتَيْ أَلْفٍ فَقَالَ وَ مِائَتَيْ أَلْفٍ قُلْتُ نَعَمْ وَ نِصْفَ اَلدُّنْيَا قَالَ فَسَكَتَ عَنِّي ثُمَّ قَالَ يَخِفُّ عَلَيْكَ أَنْ تَبْلُغَ مَعَنَا إِلَى يَنْبُعَ قُلْتُ نَعَمْ فَأَمَرَ بِحِمَارٍ وَ بَغْلٍ أَنْ يُسْرَجَا فَبَادَرْتُ فَرَكِبْتُ اَلْحِمَارَ فَقَالَ يَا سَدِيرُ تَرَى أَنْ تُؤْثِرَنِي بِالْحِمَارِ قُلْتُ اَلْبَغْلُ أَزْيَنُ وَ أَنْبَلُ قَالَ اَلْحِمَارُ أَرْفَقُ بِي فَنَزَلَ فَرَكِبَ اَلْحِمَارَ وَ رَكِبْتُ اَلْبَغْلَ فَمَضَيْنَا فَحَانَتِ اَلصَّلاَةُ فَقَالَ يَا سَدِيرُ اِنْزِلْ بِنَا نُصَلِّي ثُمَّ قَالَ هَذِهِ أَرْضٌ سَبِخَةٌ لاَ يَجُوزُ اَلصَّلاَةُ فِيهَا فَسِرْنَا حَتَّى صِرْنَا إِلَى أَرْضٍ حَمْرَاءَ وَ نَظَرَ إِلَى غُلاَمٍ يَرْعَى جِدَاءً فَقَالَ وَ اَللَّهِ يَا سَدِيرُ لَوْ كَانَ لِي شِيعَةٌ بِعَدَدِ هَذِهِ اَلْجِدَاءِ مَا وَسِعَنِي اَلْقُعُودُ وَ نَزَلْنَا وَ صَلَّيْنَا فَلَمَّا فَرَغْنَا مِنَ اَلصَّلاَةِ عَطَفْتُ إِلَى اَلْجِدَاءِ فَعَدَدْتُهَا فَإِذَا هِيَ سَبْعَةَ عَشَرَ»[٨٤]
ونستنتج من هذه الرواية انّ هذا كان رأي الإمام حقاً، وانّه لا يكفي اعتلاء سدة الحكم فقط، وطالما انّ الحكومة غير مدعومة من قبل القوات والعناصر الواعية من الأُمة، فانّ البرنامج الإسلامي للإصلاح والتغيير لن يكون داخلاً حيز التنفيذ. فالعناصر والقوات التي تعرف أهداف الحكومة وتؤمن بمبادئها تسعى لحمايتها ودعمها وتشرح مواقف الحكومة لعموم الناس وتصمد أمام الأحداث وأعاصيرها .
ونفهم من حوار الإمام الصادق أيضاً انّه لو كان يمكنه الاعتماد على أصحابه وقواته في أن يحقق أهداف الإسلام ومبادئه بعد الانتصار المسلح على العدو لكان مستعداً للقيام بالسيف دائماً، لكن الظروف وتقلّباتها لم تسمح بذلك، لأنّ ذلك لو لم يكن يمنى بالفشل والهزيمة يقيناً لكانت نتائجه غير مضمونة أيضاً.
وبتعبير آخر: انّ الثورة لو لم تفشل في تلك الظروف لكان نجاحها غير مؤكد أيضاً. [٨٥].[٨٦]
ظلم بني العباس وجورهم
جعل العباسيون في بداية صراعهم مع بني أُميّة شعارهم هو الولاء لأهل البيت وبني هاشم وبسط القسط والعدالة، وفي الواقع ولأنّ مظلومية أهل بيت النبي في عهد الحكم الأموي قد جرحت مشاعر المسلمين من جهة، وكان الأمويون لا يألون جهداً في الظلم باسم الخلافة الإسلامية من جهة أُخرى، استطاع العباسيون ومن خلال استغلال كراهية الناس للأمويين والتظاهر بالولاء لأهل البيت أن يكسبوا دعم الناس لهم.
غير انّهم ليس فقط لم يفوا بوعودهم في دفع الظلم عن أهل البيت وتطبيق العدالة، بل سرعان ما راحوا يتبعون المخططات اللا إسلامية للأمويين، لكن هذه المرة بشكل أوسع وأكثر شدة، لدرجة جعلت الناس يتمنّون رجوع الحكم الأموي!
حتّى راح أبوعطاء السندي ينشد ويقول:
| يا ليت جورَ بني مروان عادَ لنا | وأنّ عدلَ بني العباس في النار! [٨٧] |
ومن حيث كانت مدة حكم السفاح أوّل خليفة عباسي قصيرة ولم يتوطّد سلطانهم فيها كان الضغط على الناس قليلاً آنذاك ولم يضيّق على أهل البيت، غير انّه وبمجيء المنصور الدوانيقي اشتدت الضغوط والمضايقات، ولأنّ المنصور عاصر الإمام الصادق(ع) مدة طويلة نسبياً أي ما يقارب الواحد والعشرين عاماً، لذا كانت دراسة جرائمه وأعماله ومضايقاته في هذه الفترة الطويلة لا تخلو من مناسبة. [٨٨]
سياسة الضغط الاقتصادي
كان أبو جعفر المنصور ثاني الخلفاء العباسيين ظالماً وقاسياً وسفّاكاً للدماء وقد جلب للمجتمع الإسلامي الويلات، وأكثر من مضايقاته للناس، وكان يجيب أقل اعتراض بالسيف، وكان مضافاً إلى ذلك محباً للمال بخيلاً وغاية في الحرص، وكان مشهوراً من بين الخلفاء العباسيين بالبخل والحرص وحب المال ممّا حدا بالمؤرخين أن ينقلوا قصصاً عن بخله وحرصه وحبه للمال، غير انّه لا يمكن تبرير تشديده وضغوطه المالية ومضايقاته الاقتصادية المفرطة في ضوء ما يتمتع به من البخل وحب الدنيا فانّه تسبب في أن يصاب اقتصاد المجتمع الإسلامي بالشلل في عهده، وجعل الناس يعيشون ظروفاً قاسية جداً، فهو لم يكتف باكتناز أموال المسلمين في خزينة الخلافة والامتناع عن صرفها في مجال العمران والبناء وتوفير العيش الرغيد للناس، بل راح يسلب حتى الأموال التي في أيديهم بالقوة دون أن يبقي لهم شيئاً بحيث بلغ مجموع الأموال التي أخذها بهذا النحو ما يناهز الثمانمائة مليون درهم، وفقاً لما كتبه المؤرّخون. [٨٩]
نعم كان هذا البرنامج الواسع متّبعاً في أرجاء البلاد، ذلك البرنامج الذي لا يمكن أن يقال انّ سببه هو مجرد بخل المنصور الذاتي وحبه المفرط للمال، بل هناك أدلّة وشواهد تدلّ على أنّ برنامج التجويع وتدمير الاقتصاد كان برنامجاً مدروساً وشاملاً أعدّه المنصور لأهداف خاصة.
وقد كان هدف المنصور من هذه السياسة المشؤومة هو أن يجعل الناس محتاجين وجائعين ومعتمدين عليه دائماً، وبالتالي يكون شغلهم الشاغل هو إشباع بطونهم دون أن يكون هناك مجال للتفكير في القضايا الاجتماعية الكبرى.
وقد قال يوماً بحضور عدة من رجال البلاط وبطريقة ساخرة ممّا يبين الدافع من وراء تجويع الناس بهذا النحو: صدق الأعرابي حيث يقول: «أجع كلبك، يتبعك» فانزعج أحد الحاضرين من ذلك فقال: «أخشى أن يلوّح له غيرك برغيف فيتبعه ويدعك».[٩٠]
ولم يكتف المنصور بتنفيذ سياسة التجويع السوداء هذه أبّان خلافته وحكمه فقط، بل راح يوصي ابنه المهدي بتلك السياسة اللا إنسانية، فقد قال في إحدى وصاياه إليه: إنّي تركت الناس ثلاثة أصناف: فقيراً لا يرجو إلاّ غناك، وخائفاً لا يرجو إلاّ أمنك، ومسجوناً لا يرجو الفرج إلاّمنك، فإذا وليت فأذقهم الرفاهية ولا تمدد لهم كل المد. [٩١]
توضح لنا هذه الحقائق انّ هذه السياسة كانت بدافع تقوية حكم المنصور، وانّ الهدف منها هو الوقوف أمام تحرك الناس واعتراضهم من خلال إضعاف العناصر المناضلة وليس هو الاقتصاد في الأموال الحكومية . [٩٢]
موجة الإبادة والدم
لم تقتصر سياسة المنصور على تجويع الناس والقضاء على مواردهم المعاشية فقط، بل ساد فضلاً عن الضغط الاقتصادي والفقر والتشتت رعب وإرهاب واضطهاد غريب في المجتمع، وبدت في الظهور موجة من القتل والتعذيب على يد عماله وولاته ويروح كلّ يوم ضحيتها جماعة من الناس.
وقال عم المنصور له يوماً: لقد هجمت بالعقوبة حتى كأنّك لم تسمع بالعفو! فقال: لأنّ بني مروان لم تبل رممهم وآل أبي طالب لم تغمد سيوفهم، ونحن بين قوم قد رأونا أمس سوقة واليوم خلفاء، فليس تتمهد هيبتنا في صدورهم إلاّبنسيان العفو واستعمال العقوبة. [٩٣]
وقطعاً انّ هذا الإرهاب كان في كلّ أرجاء العالم الإسلامي الذي يرزح تحت حكم المنصور، لكن المدينة كانت أكثر من غيرها تحت الضغط والمراقبة، لأنّ لأهلها المعرفة عن كثب بتعاليم الإسلام ونظام الحكم الإسلامي منذ البداية، فلم يكونوا على استعداد لتحمّل حكم فاسد ومنحرف كحكم المنصور، وكانوا لا يقبلون أي حكم باسم الإسلام.
هذا مضافاً إلى أنّ المدينة كانت بعد رحيل الرسول مركزاً للوعظ والإرشاد لأئمة الإسلام الكبار والعظماء من سادات أهل بيت الوحي والنبوة الذين كان كلّ واحد منهم يحمل رسالة حفظ الإسلام وصونه وإرشاد المجتمع الإسلامي حتى عصر الإمام السادس، وكان وجودهم يلهم الحركات الإسلامية في المدينةويدعمها معنوياً.
كان الإمام السادس في عهد حكم المنصور وبعد رحيله ابنه الكريم موسى بن جعفر يشكل مركز الثقل للنضال والتحرك الإسلامي وكانت المدينة القاعدة الساخنة للحركات والانتفاضات الإسلامية الأصيلة ضد الاستبداد والدكتاتورية التي يتمتع بها الطغاة الظالمون. [٩٤]
المدينة تحت الحظر الاقتصادي
قلّد المنصور رياح بن عثمان أمارة المدينة، وهو رجل قاسي القلب لا يعرف الرحمة، وذلك بعد انتفاضة محمد بن عبد الله بن الحسن المشهور بـ النفس الزكية (حفيد الإمام الحسن المجتبى) فلمّا قدم رياح المدينة قام على المنبر فخطب خطبة يقول فيها: «يا أهل المدينة أنا الأفعى بن الأفعى ابن عثمان بن حيان وابن عم مسلم بن عقبة، المبيد خضراكم، المفني رجالكم، والله لأدعها بلقعاً لا ينبح فيها كلب.
وفي هذه الأثناء وثب عليه قوم معترضين عليه: والله ابن المجلود حدين لتكفّنّ أولنكفّنّك عن أنفسنا.
فكتب إلى المنصور يخبره بسوء طاعة أهل المدينة، فكتب المنصور رسالة شديدة اللهجة إلى أهل المدينة هددهم ضمنها بأنّه إذا ما استمروا بتمردهم فسيقطع عليهم البر والبحر ويحاصرهم اقتصادياً، ويبعث عليهم رجالاً غلاظ الأكباد، بعاد الأرحام.
فدعا رياح الناس للاجتماع في المسجد، وصعد المنبر وقرأ كتاب المنصور، فلمّا بلغ «يذكر غشّكم» وهو في بدايته صاحوا من كل جانب: كذبت يا ابن المجلود حدّين ورموه بالحصى، وبادر المقصورة فأغلقها....
بعد هذه الأحداث [٩٥] نفذ المنصور تهديده وقطع عن أهل المدينة البر والبحر، وفرض عليهم حصاراً اقتصادياً استمر إلى حكم ابنه المهدي العباسي. [٩٦][٩٧]
الإمام الصادق والمنصور
كان أبو جعفر المنصور قلقاً جداً من نشاطات وتحركات الإمام الصادق السياسية، وممّا جعله يزداد قلقاً هو محبوبية الإمام الصادق ومنزلته العلمية الكبيرة، لذلك كان يُحضر الإمام إلى العراق بين الحين والآخر بذريعة وأُخرى، ويخطّط لقتله وفي كلّ مرة كان الخطر يزول عن الإمام بنحو أو بآخر[٩٨].
كان المنصور يراقب تحركات الشيعة في المدينة بدقة، وكان له جواسيس ينظرون من ثبتت شيعيته فيضربون عنقه. [٩٩]
وكان الإمام الصادق يمنع أصحابه من التعاون والتعامل مع الجهاز الحاكم.
وقد سأله أحد أصحابه يوماً: «جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنَّهُ رُبَّمَا أَصَابَ اَلرَّجُلَ مِنَّا اَلضِّيقُ أَوِ اَلشِّدَّةُ فَيُدْعَى إِلَى اَلْبِنَاءِ يَبْنِيهِ أَوِ اَلنَّهَرِ يَكْرِيهِ أَوِ اَلْمُسَنَّاةِ يُصْلِحُهَا فَمَا تَقُولُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ مَا أُحِبُّ أَنِّي عَقَدْتُ لَهُمْ عُقْدَةً أَوْ وَكَيْتُ لَهُمْ وِكَاءً وَ إِنَّ لِي مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا لاَ وَ لاَ مَدَّةً بِقَلَمٍ إِنَّ أَعْوَانَ اَلظَّلَمَةِ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ فِي سُرَادِقٍ مِنْ نَارٍ حَتَّى يَحْكُمَ اَللَّهُ بَيْنَ اَلْعِبَادِ»[١٠٠]
وكان الإمام يمنع الشيعة من الترافع إلى قضاة الجهاز العباسي، وينهاهم ولا يعتبر الأحكام التي يصدرونها واجبة التنفيذ شرعاً.
وكان يحذّر الفقهاء والمحدّثين من الانتماء إلى الحكومة ويقول: « اَلْفُقَهَاءُ أُمَنَاءُ اَلرُّسُلِ فَإِذَا رَأَيْتُمُ اَلْفُقَهَاءَ قَدْ رَكِبُوا إِلَى اَلسَّلاَطِينِ فَاتَّهِمُوهُمْ.»[١٠١]
«كَتَبَ اَلْمَنْصُورُ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ لِمَ لاَ تَغْشَانَا كَمَا يَغْشَانَا سَائِرُ اَلنَّاسِ فَأَجَابَهُ لَيْسَ لَنَا مَا نَخَافُكَ مِنْ أَجْلِهِ وَ لاَ عِنْدَكَ مِنْ أَمْرِ اَلْآخِرَةِ مَا نَرْجُوكَ لَهُ وَ لاَ أَنْتَ فِي نِعْمَةٍ فَنُهَنِّئَكَ وَ لاَ تَرَاهَا نَقِمَةً فَنُعَزِّيَكَ بِهَا فَمَا نَصْنَعُ عِنْدَكَ قَالَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ تَصْحَبُنَا لِتَنْصَحَنَا فَأَجَابَهُ مَنْ أَرَادَ اَلدُّنْيَا لاَ يَنْصَحُكَ وَ مَنْ أَرَادَ اَلْآخِرَةَ لاَ يَصْحَبُكَ فَقَالَ اَلْمَنْصُورُ وَ اَللَّهِ لَقَدْ مَيَّزَ عِنْدِي مَنَازِلَ اَلنَّاسِ مَنْ يُرِيدُ اَلدُّنْيَا مِمَّنْ يُرِيدُ اَلْآخِرَةَ وَ إِنَّهُ مِمَّنْ يُرِيدُ اَلْآخِرَةَ لاَ اَلدُّنْيَا .».[١٠٢].[١٠٣]
اختلاق العلماء والوعاظ وصنعهم
كان الأمويون يبذلون جهدهم وبشتى الوسائل لإبعاد الناس عن مدرسة أهل البيت وبناء جدار بينهم وبين أئمة الإسلام الكبار، ولهذا كانوا يرجعون الناس إلى أهل الفتيا والعلماء المنتمين إلى الجهاز الحاكم أو على الأقل إلى الفقهاء الذين لا يشكلون خطراً عليهم .
وتابع العباسيون الذين حملوا في بداية أمرهم شعار الولاء لأهل البيت والدفاع عنهم وجعلوه وسيلة للوصول إلى أهدافهم نفس هذه الطريقة أيضاً بعد أن وطّدوا سلطانهم، فقد كان الخلفاء العباسيون يرون كالأمويين في أئمة أهل البيت الكبار الذين استقطبت وجذبت مدرستهم النابضة بالحياة الناس ومنحتهم النشاط واليقظة مركزاً للخطر، ولهذا السبب حاولوا أن يعزلوهم بعيداً عن الناس.
وبات هذا الأمر ملحوظاً في عصر الإمام الصادق أكثر من زمن آخر، فقد سعى الحكم آنذاك أن يجلس أشخاصاً كانوا في فترة من الفترات تلاميذ في مدرسة الإمام على كرسي الفقه والفتيا وفي النقطة المقابلة لمدرسة الإمام، ويقدّمونهم على أنّهم المرجع الذي يرجع إليه، كما فعلوا ذلك لابن أبي ذئب [١٠٤] ومالك بن أنس وأجلسوهما على ذلك الكرسي.
ولهذا القصد كان المنصور الدوانيقي يكرم مالك بن أنس كثيراً ويقدّمه على انّه المفتي والفقيه الرسمي، وقد أعلن الناطق باسم العباسيين في المدينة:
ألا لا يفتي الناس إلاّ مالك بن أنس وابن أبي ذئب. [١٠٥].[١٠٦]
التأليف الإجباري
وقد أمر المنصور مالكاً أيضاً بأن يؤلّف كتاباً في الحديث ليكون في متناول المحدثين، فامتنع مالك عن ذلك، ولكنّ المنصور أصر عليه وقال له يوماً: يجب أن تكتب هذا الكتاب، لأنّه ليس هناك من هو أعلم منك.
ثمّ ألّف مالك كتا ب «الموطأ» تحت ضغط المنصور وإصراره. [١٠٧]
وراح الجهاز الحاكم أثر ذلك يناصر مالكاً وينشر فتاواه ويروّج آراءه مستخدماً جميع وسائله كي يقصي الناس عن مدرسة الإمام الصادق(ع) .
وقال المنصور لمالك: ... لئن بقيت لأكتبن قولك كما تكتب المصاحف ولأبعثنّ به إلى الآفاق فاحملهم عليه. [١٠٨]
وطبعاً كان هؤلاء الفقهاء شئنا أم أبينا ينتمون إلى السلطة ويحمون مصالحها إزاء دعمها ومناصرتها لهم، وإذا ما أدرك الخليفة انّ فقيها ومفتياً ممّن ينتمون إلى حكمه يعمل خلافاً لمصالحه أو يخالفه باطناً كان يعاقبه أشد عقاب كما جلد مالك بن أنس الذي حظي بكلّ تلك العناية من المنصور بسبعين جلدة أثر سعاية أحدهم لدى ابن عمه، وكانت هذه السعاية تتعلّق بفتوى كان أفتى بها خلافاً لرغبة الخليفة. [١٠٩][١١٠]
الثورات المضادة للعباسيين
أولاً: قيام زيد بن علي بن الحسين وانتفاضته
كان زيد بن علي(ع) أخاً للإمام الباقر(ع)، ومن سادات أهل البيت الفضلاء، وعالماً زاهداً ورعاً شجاعاً ومقداماً، وكان يعيش في عهد الحكم الأموي، وقد تأثر زيد كثيراً من مشاهدة مشاهد الظلم والجور واعمال الحكم الأموي التعسفية وكان يعتقد بضرورة القيام المسلح لتقويض هذا الحكم المنحرف. [١١١]
إحضار زيد إلى دمشق
كان هشام بن عبد الملك مطّلعاً على طبيعة زيد الثورية، لذلك حاول أن يقضى عليه بالحيلة، وينقذ نفسه من خطره، أعدّ هشام خطة قذرة ليصل من خلالها إلى هدفه الوضيع، واحضر أثرها زيداً من المدينة إلى دمشق، فلمّا دخلها وذهب إلى قصر هشام ليحاوره ومثل بين يديه، لم يرحب به الترحيب الحار ظنّاً منه انّ ذلك يقلّل من شأنه في الرأي العام ولم يعين له مكان جلوسه.
ثمّ قال: إنّ يوسف بن عمر الثقفي كتب يذكر ان خالد بن عبد الله القسري[١١٢]
ذكر له انّ عندك ستمائة ألف درهم وديعة. فقال: ما لخالد عندي شيء. قال: فلابدّ أن تشخص إلى يوسف بن عمر حتى يجمع بينك وبين خالد. قال: لا توجه بي إلى عبد ثقيف يتلاعب بي. قال: لابدّمن إشخاصك... ثمّ قال هشام: لقد بلغني أنّك تؤهّل نفسك للخلافة وأنت ابن أمة!! قال: ويلك! مكان أُمّي يضعني؟ والله لقد كان إسحاق ابن حرة وإسماعيل ابن أمة، فاختص الله عزّوجلّ ولد إسماعيل فجعل منهم العرب، فمازال ذلك ينمي حتى كان منهم رسول الله، ثمّ نصح هشاماً فقال: اتق الله يا هشام . فقال: أو مثلك يأمرني بتقوى الله؟! فقال: نعم انّه ليس أحد دون أن يأمر بها، ولا أحد فوق أن يسمعها. [١١٣]
السفر القسري
أخرج هشام زيداً بعد ذلك الحوار الحاد إلى العراق وكتب إلى يوسف بن عمر: إذا قدم عليك زيد بن علي فاجمع بينه وبين خالد، ولا يقيمن قبلك ساعة واحدة، فإنّي رأيته رجلاً حلو اللسان،شديد البيان، خليقاً بتمويه الكلام، وأهل العراق أسرع إلى مثله.
فلمّا قدم زيد الكوفة دخل إلى يوسف فقال: لم أشخصتني من عند أمير المؤمنين؟ قال: ذكر خالد بن عبد الله انّ له عندك ستمائة ألف درهم. قال: فاحضر خالداً؟ فأحضره وعليه حديد ثقيل، فقال له يوسف: هذا زيد بن علي فاذكر مالك عنده! فقال: والله الذي لا إله إلاّ هو مالي عنده قليل ولا كثير ولا أردتم بإحضاره إلاّ ظلمه. فأقبل يوسف على زيد وقال له: إنّ أمير المؤمنين أمرني ان أخرجك من الكوفة الساعة . قال: فاستريح ثلاثاً ثم أخرج. قال: ما إلى ذلك سبيل. قال: فيومي هذا . قال: ولا ساعة واحدة. [١١٤]
وبعد هذا ترك زيد الكوفة برفقة بعض أزلام يوسف، فلمّا ابتعدوا قليلاً عن الكوفة انصرفوا عنه . [١١٥]
أحداث قيام زيد في الكوفة
أثار قدوم زيد إلى الكوفة ضجة فيها، وشاع ما دار بينه وبين هشام في كلّ، مكان وكان أهل الكوفة يراقبون الأوضاع عن كثب، وما ان علموا انّ زيداً وصل إلى المدينة لحقوا به وأعلنوا ولاءهم له ومناصرتهم، وقالوا له: أين تذهب يرحمك الله ومعك مائة ألف سيف نضرب بها دونك. وليس عندنا من بني أُمية إلاّنفر قليل، لو انّ قبيلة واحدة منّا صمدت لهم لكفتهم بإذن الله.
غير انّ زيداً الذي لم ينس غدر أهل العراق وخذلانهم لأمير المؤمنين و الإمام الحسن و الإمام الحسين لم يعلّق آمالاً على ولائهم ووعودهم، ولكن ونتيجة لإلحاحهم الكبير عليه عدل عن الذهاب إلى المدينة ورجع إلى الكوفة، وأقبلت الشيعة تختلف إليه يبايعونه، وقد بلغ عدد المبايعين من الكوفة فقط خمسة وعشرين ألفاً كلّهم على أهبة الاستعداد للقتال. [١١٦]
الحرب الكبرى
وكتب يوسف بن عمرو إلى هشام عن اجتماع قوات المعارضة للحكم الأموي حول زيد، وأمر هشام الذي ارتعب من ذلك يوسف بالهجوم على قوات زيد دون تأخير، وأن يطفئ نار الثورة بأسرع وقت ممكن.
والتقى الفريقان وجرى بينهما قتال شديد، فأبلى زيد بلاء حسناً وقاتل قتالاً شديداً داعياً أصحابه إلى الصمود، واستمر القتال إلى الليل، وفي هذه الأثناء جاء سهم فأصاب جبين زيد، فأمر بالانسحاب وقد أصبح عاجزاً عن القتال أثر إصابته وقتل بعض أصحابه وتفرق البعض الآخر عنه. [١١٧][١١٨]
استشهاد زيد
وفي الليل أحضروا طبيباً لينزع السهم من جبينه غير انّه لم يكن من السهل نزعه لعمق دخوله، وفي النهاية نزع الطبيب السهم من جبينه، فاستشهد زيد للجرح الكبير الذي أحدثه فيه ذلك السهم [١١٩]، وقرّر أصحابه أن يدفنوه في ساقية كانت هناك ويجروا عليه الماء حتى لا يجده أزلام هشام، ثمّ غيروا مجراها فدفنوه فيها فأجروا الماء عليها مرة أُخرى.
ولكن وللأسف كان أحد أزلام هشام موجوداً هناك وشاهد عملية الدفن وأخبر يوسف بن عمرو بذلك، فأمر بنبش قبره وإخراج جسده ففصلوا رأسه عنبدنه وصلبوه في كناسة الكوفة لمدة أربع سنوات، ثمّ أنزلوه فأحرقوه وذري رماده في الهواء. [١٢٠]
موقف الإمام الصادق(ع) إزاء ثورات العلويين
وهنا يطرح هذا التساؤل: ماذا كان موقف الإمام الصادق إزاء الثورات الشيعية ومنها ثورة زيد التي قادها العلويون؟ هل وقف إلى جانبها؟ فإن لم يكن كذلك فما هو السبب؟
وجواباً على ذلك يجب التذكير بأنّ لكلّ ثورة هدفين رئيسيين عادة:
ويظهر من دراسة ثورات العلويين منذ نهايات الحكم الأموي حتّى عصر الحكم العباسي انّ تلك الثورات كانت تمثل تمرداً على الحكم القائم في الأغلب، أي انّ الظلم اللا محدود للأمويين والعباسيين كان يثير حفيظة الأحرار من المجتمع فكانت الهزات الاجتماعية تحدث بين الحين والاخر، وكان الناس المتعطشون للعدالة والذين قد استاءوا من فساد وظلم الحكمين الأموي والعباسي وعنصريتهما يبحثون عن منقذ يصغي إلى آلامهم ولذلك ما ان ترفرف راية ثورة ما وهو ما كان يحدث على يد العلويين وساداتهم غالباً كانوا يلتفون حولها. صحيح انّ هذه الثورات كانت تبدأ من قبل الشيعة استلهاماً من مذهبهم وانّ المؤيدين لها هم شيعيون ومن الصفوة غير انّ إقامة حكم أفضل بعد سقوط الحكم الأموي والعباسي لا يبدو أمراً مضموناً، وذلك للأسباب التالية:
- انّ قادة هذه الثورات لم يكونوا يملكون مخططاً متكاملاً في الأغلب، فكان الاضطراب والتقييمات الخاطئة غالبة على أعمالهم.
- لم يكن أُولئك القادة من ناحية العدد والعدة العسكرية بحيث يمكن الأمل بانتصارهم.
- انّ أصحاب الثورة لم يكونوا شيعيّين مائة بالمائة.
ولذلك لم يكن هناك أي ضمان لئن يحكموا وفقاً للشريعة الإسلامية في حالة نجاحهم. ولعل أفضل شاهد على ذلك ظهور الحكم العباسي بعد سقوط الحكم الأموي، لأنّه وكما لاحظنا في هذا الكتاب انّ الحكم الأموي الفاسد قد سقط على يد الثوار الموالين لخط أهل البيت غير انّ عدم أصالة الثوريين وخلوصهم جعل العباسيين يجنون ثمرة الثورة ويتمادون في غيّهم وظلمهم أكثر من الأمويين. ومن هنا كانت مواقف الأئمّة عليهم السلام غير مؤيدة لتلك الثورات نظراً للأسباب المذكورة آنفاً.
وقد كتب أحد علماء الشيعة وباحثيهم الكبار حول ذلك: «لقد كان أئمّة أهل البيت يدركون بوضوح تام انّ القوى التي يعتمد عليها العلويون قوى منهكة لا تستطيع أن تقود حركة ثورية في رقعة جغرافية واسعة النطاق إلى نهاية مظفرة ومن ثمّ فإنّ حركة ثورية تعتمد على هذه القوى محكوم عليها بالفشل الذي يتعداها ليكون نقمة تنزل بالأُمّة كلّها من قبل النظام الأموي.
وكانوا يدركون في مقابل ذلك انّ العناصر المؤهلة للقيام بحركة ثورية ناجحة هي عناصر غير إسلامية غالباً ولذا لم يجوزوا لأنفهسم التعامل معها وإن كانوا لم يقفوا في وجه حركتها ذات القيادة العباسية فقد كان إسقاط النظام الأموي مطلباً تاريخياً وحضارياً لا يمكن الوقوف في وجهه وكانوا يدركون انّ الإسلام سيذوب كلّ الجماعات المشبوهة من حيث عقيدتها ويدمجها في الأُمة الإسلامية ديناً وحضارة . لقد ثبت أئمّة أهل البيت على موقفهم هذا في العهد العباسي وأمروا شيعتهم بتجنب المساهمة في هذا النشاط وكانوا ينصحون بني عمهم من العلويين يتجنب القيام بالثورات ذات المصير المحكوم عليه بالفشل دون أن يؤثروا فيهم».[١٢١][١٢٢]
هل تمت انتفاضة زيد بموافقة الإمام؟
قد نقلت روايات متغايرة حول زيد وانّه كان يدّعي الإمامة أو يأخذ بإمامة الإمامين الباقر و الصادق (ع) حيث قد طعن في بعضها ومدح في البعض الآخر منها، ويرى أكثر العلماء والباحثين في علم الرجال والحديث قديماً وحديثاً انّ الروايات التي تطعن في زيد ساقطة سنداً ولم يعولوا عليها.
وعلى سبيل المثال اعتبر المرحوم آية الله العظمى السيد الخوئي بعد دراسة الروايات الطاعنة في زيد تلك الروايات ضعيفة من ناحية السند لا يمكن التعويل عليها فكتب: حاصل ما قلناه هو انّ زيداً رجل جليل وممدوح، ولا يوجد أي دليل على انحراف عقيدته أو الطعن فيه. [١٢٣]
ويكتب العلاّمة المجلسي بعد نقل الروايات المتعلقة بزيد: اعلم أنّ الأخبار اختلفت وتعارضت في أحوال زيد، لكنّ الأخبار الدالة على جلالة زيد ومدحه وعدم كونه مدّعياً لغير الحقّ أكثر، وقد حكم أكثر الأصحاب بعلو شأنه، فالمناسب حسن الظن به وعدم القدح فيه. [١٢٤]
وأمّا حول انتفاضته وقيامه فهناك أدلّة كثيرة تدلّ على أنّ ثورته كانت بإذن من الإمام الصادق وموافقته، ومنها كلام الإمام الرضا(ع) في جوابه للمأمون حيث قال: «لَقَدْ حَدَّثَنِي أَبِي مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا اَلسَّلاَمُ يَقُولُ رَحِمَ اَللَّهُ عَمِّي زَيْداً إِنَّهُ دَعَا إِلَى اَلرِّضَا مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ وَ لَوْ ظَفِرَ لَوَفَى بِمَا دَعَا إِلَيْهِ وَ لَقَدِ اِسْتَشَارَنِي فِي خُرُوجِهِ فَقُلْتُ لَهُ يَا عَمِّي إِنْ رَضِيتَ أَنْ تَكُونَ اَلْمَقْتُولَ اَلْمَصْلُوبَ بِالْكُنَاسَةِ فَشَأْنَكَ فَلَمَّا وَلَّى قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا اَلسَّلاَمُ وَيْلٌ لِمَنْ سًمِعَ دَاعِيَتَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ».[١٢٥]
وهذه الرواية دليل جيد على أنّ قيام زيد كان بإذن الإمام، ولكن وبسبب انّ انتفاضة زيد كان يجب أن تكون مدروسة ويتوخّى فيها جوانب الحذر، وكان يحتمل أن يسمع العدو بتدخل الإمام وموافقته لها، لذلك لم يرغب الإمام ولا زيد ولا أصحابه في إظهار ذلك.
وقد قال الإمام الصادق(ع) في حوار مع أحد أصحاب زيد وقد قتل ستة من جيش الأمويين: « أَشْرَكَنِي اَللَّهُ فِي تِلْكَ اَلدِّمَاءِ مَا مَضَى وَ اَللَّهِ زَيْدٌ عَمِّي وَ أَصْحَابُهُ إِلاَّ شُهَدَاءَ مِثْلَ مَا مَضَى عَلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَ أَصْحَابُهُ »[١٢٦]
وكان زيد من المعتقدين بإمامة الإمام الصادق(ع) كما روي عنه أنّه قال: جعفر إمامنا في الحلال والحرام[١٢٧].
ويقول أيضاً: في كلّ زمان رجل منّا أهل البيت يحتج الله به على خلقه، وحجّة زماننا ابن أخي جعفر بن محمد، لا يضل من تبعه، ولا يهتدي من خالفه. [١٢٨]
وكان الإمام الصادق(ع) يقول: «رَحِمَ اللَّهُ عَمِّي زَيْداً أَمَا إِنَّهُ لَوْ ظَفِرَ لَوَفَى، انْهَ كَانَ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى الرِّضَا مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ، وَذَاكَ هُوَ أَنَا»[١٢٩]
وقد روي عن الإمام الصادق(ع) انّه قال عن زيد: «رَحِمَهُ اَللَّهُ أَمَا إِنَّهُ كَانَ مُؤْمِناً وَ كَانَ عَارِفاً وَ كَانَ عَالِماً وَ كَانَ صَدُوقاً أَمَا إِنَّهُ لَوْ ظَفِرَ لَوَفَى أَمَا إِنَّهُ لَوْ مَلَكَ لَعَرَفَ كَيْفَ يَضَعُهَا ».[١٣٠]
ترك نبأ استشهاد زيد وأصحابه حزناً كبيراً على أهل المدينة لا سيّما الإمام الصادق(ع) الذي تأثّر أكثر من غيره، وقد خيّم الحزن عليه بعده ممّا جعل الدموع تتصبب من على خديه كلّما سمع اسم الكوفة واسم زيد ويبكي دون إرادة وكان يذكره بعبارات مؤثرة وكبيرة مزيجة بالتقدير والاحترام الكبيرين له ولأصحابه المضحين تكريماً لذكرى استشهاده ويقول أحد أصحاب الإمام السادس حمزة بن حمران: «دَخَلْتُ إِلَى اَلصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَالَ لِي يَا حَمْزَةُ مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ قُلْتُ مِنَ اَلْكُوفَةِ قَالَ فَبَكَى عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ حَتَّى بَلَّتْ دُمُوعُهُ لِحْيَتَهُ فَقُلْتُ لَهُ يَا اِبْنَ رَسُولِ اَللَّهِ مَا لَكَ أَكْثَرْتَ اَلْبُكَاءَ فَقَالَ ذَكَرْتُ عَمِّي زَيْداً وَ مَا صُنِعَ بِهِ فَبَكَيْتُ فَقُلْتُ لَهُ وَ مَا اَلَّذِي ذَكَرْتَ مِنْهُ فَقَالَ ذَكَرْتُ مَقْتَلَهُ وَ قَدْ أَصَابَ جَبِينَهُ سَهْمٌ فَجَاءَهُ اِبْنُهُ يَحْيَى فَانْكَبَّ عَلَيْهِ وَ قَالَ لَهُ أَبْشِرْ يَا أَبَتَاهْ فَإِنَّكَ تَرِدُ عَلَى رَسُولِ اَللَّهِ وَ عَلِيٍّ وَ فَاطِمَةَ وَ اَلْحَسَنِ وَ اَلْحُسَيْنِ صَلَوَاتُ اَللَّهِ عَلَيْهِم قَالَ أَجَلْ يَا بُنَيَّ ثُمَّ دَعَا بِحَدَّادٍ فَنَزَعَ اَلسَّهْمَ مِنْ جَبِينِهِ فَكَانَتْ نَفْسُهُ مَعَهُ فَجِيءَ بِهِ إِلَى سَاقِيَةٍ تَجْرِي عِنْدَ بُسْتَانٍ زَائِدَةٍ فَحُفِرَ لَهُ فِيهَا وَ دُفِنَ وَ أُجْرِيَ عَلَيْهِ اَلْمَاءُ وَ كَانَ مَعَهُمْ غُلاَمٌ سِنْدِيٌّ لِبَعْضِهِمْ فَذَهَبَ إِلَى يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ مِنَ اَلْغَدِ فَأَخْبَرَهُ بِدَفْنِهِمْ إِيَّاهُ فَأَخْرَجَهُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ فَصَلَبَهُ فِي اَلْكُنَاسَةِ أَرْبَعَ سِنِينَ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَأُحْرِقَ بِالنَّارِ وَ ذُرِيَ فِي اَلرِّيَاحِ فَلَعَنَ اَللَّهُ قَاتِلَهُ وَ خَاذِلَهُ وَ إِلَى اَللَّهِ جَلَّ اِسْمُهُ أَشْكُو مَا نَزَلَ بِنَا أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَ بِهِ نَسْتَعِينُ عَلَى عَدُوِّنَا وَ هُوَ خَيْرُ مُسْتَعَانٍ »[١٣١][١٣٢]
ثانياً: ثورة محمد النفس الزكية
خلفيات الثورة
من الأحداث الهامة في الأيام الأخيرة من حياة الإمام الصادق(ع) والتي من المهم جدّاً أن يتضح موقف الإمام تجاهها هو قيام محمد النفس الزكية [١٣٣] على حكم أبي جعفر المنصور الدوانيقي ثاني خلفاء بني العباس.
كان محمد الذي ينتسب من ناحية الأب إلى الإمام الحسن(ع) ومن ناحية الأم إلى الإمام الحسين(ع) زاهداً عابداً ومن الصالحين حتى لقب بـ النفس الزكية، لما توارثه من صفات راقية عن أجداده. [١٣٤]
فقد كان من كبار بني هاشم وساداتهم وكان شخصية فريدة وممتازة من ناحية تمتعه بالصفات الحميدة والعالية كالتقوى والعلم والشجاعة والوعي السياسي والكرم و.... [١٣٥]
لم يكن باستطاعة النفس الزكية الذي ولد وتربّى في بيت الوحي والرسالة أن يؤيد الحكومات الطاغية التي استولت على مقدرات الأُمّة باسم الإسلام.
ومن هنا بدأ تمرّده على الحكم الأموي في أيامه الأخيرة وشكّل نواة مركزية لتقويضه وأخذ البيعة من مواليه وأصحابه لذلك.
وكان ممّن بايعه في ذلك الحين أبو جعفر المنصور[١٣٦] الذي تقلد الخلافة فيما بعد وتلطخت يده بدمائه كما سنشير إليه.
ومن الواضح انّ بيعة المنصور له كانت بهدف إسقاط الحكم الأموي ولتحقيق أهداف سياسية، ذلك انّ محمد النفس الزكية كان شخصية سياسية واعية وبارزة لم يكن للمنصور وأمثاله أن يكونوا بمستواه. [١٣٧]
بدايات الثورة
ونظراً لهذه الخلفية عندما أزال العباسيون الأمويين من على السلطة وتقلّد أبو العباس السفاح الخلافة لم يعترف محمد النفس الزكية وأخوه إبراهيم بشرعية خلافته ولم يهنّئوه وتواريا عن الأنظار. كان النفس الزكية يرى نفسه جديراً بالخلافة ويعتبر السفاح غاصباً لها، وكان يعتقد انّ على السفاح والمنصور أن يطيعاه بموجب بيعتهما له وليس العكس.
ولهذا كان أبو العباس قلقاً منهما وكان يسأل أباهما عنهما، وذات مرة وقعت رسالة لمحمد يدعو فيها شخصية كبيرة لمناصرته في ثورته في يد السفاح ممّا زاد في توجسه وقلقه. [١٣٨]
ومن حينها بدأت الحياة السرية والعمليات الخفية للأخوين الثائرين وراحا ينظمان حركتهما الثورية ويعبّ آن القوات المناهضة للسلطة الحاكمة.
وقد زار في نهايات خلافة أبي العباس أخوه وولي عهده أبو جعفر المنصور المدينة عام ١٣٦ ه واستقبله كبار المدينة ووجهاؤها وامتنع محمد وأخوه مع بقية بني هاشم عن ذلك. [١٣٩]
وعندما تقلد المنصور الخلافة أخذ في البحث عنهما بشدة وراح يستجوب العلويين الواحد تلو الآخر عنهما وعن أهدافهما. [١٤٠] ولمّا باءت محاولته بالفشل أعدّ جواسيس مدعومين بالمال والمراكب للحصول على أثر لهما. [١٤١]
وقد جعل في عام ١٣٨ه الفضل بن صالح أميراً على الحج وأمره بالعثور على النفس الزكية وأخيه إبراهيم واعتقالهما.
دخل الفضل المدينة واستقبله الناس والحسنيون ما عدا محمد وإبراهيم وقد سأل أباهما عبد الله عن سبب غيابهما، فاعتذر بالنيابة عنهما وقال: إنّهما منشغلان في الصيد واللعب[١٤٢].
وقد حدثت بعد ذلك أحداث هامة جعلت المنصور يعبّئ قواته لمواجهتهما وظل محمد بعيداً عن الضغط مؤقتاً واستغل ذلك لنشر دعوته وتعبئة قواته وإرسال مبعوثيه إلى المناطق المختلفة[١٤٣].
وبعد ان سيطر المنصور على الأمور وهدأت الأوضاع ركز جميع ضغوطه وقواته على الحجاز حتى يمتلك زمام الأمور فيها بعد أن شاع عن انتشار دعوة النفس الزكية وحركته. [١٤٤][١٤٥]
تصاعد الضغوط
سافر المنصور تحت ذريعة الحج إلى الحجاز عام ١٤٠ وقد قرر خلال ذلك أن يقضي على محمد وعلى حركة العلويين السياسية بشكل تام ومهما كان، ولذلك راح يلتقي بكبار العلويين وسياسيّيهم بعد دخوله المدينة وأخذ يغدق عليهم بالأموال وحاول أن يعرف مكان اختفاء محمد بالمال والتهديد، وتحقيقاً لهذا الغرض أحضر أباه عبد الله وضغط عليه وسأله عن مكان اختفائهما، فأجاب بعدم معرفته عن ذلك، وتبادلا كلمات جارحة فيما بينهما، وعندما أصر المنصور في كلامه، أجاب عبد الله بأنّه لو كان محمد مختبئاً تحت قدمي ما كنت أرفعها لتراه، استشاط المنصور غضباً من ذلك وأمر باعتقاله هو وبعضاً من أهل بيته وسجنوا لمدة ثلاث سنوات. [١٤٦][١٤٧]
بداية التحرك العسكري ونهايته
مع كلّ ما قام به المنصور من ممارسات قمعية لم ينجح في القضاء على انتفاضة النفس الزكية، وبالرغم من أنّ الأخير كان يعيش خارج المدينة متخفياً فانّ عدد أنصاره أخذ بالتزايد وبدأت المدينة تتحول إلى ساحة للثورة وبعد فترة من النضال والجهاد ووقوع الكثير من الأحداث التي انتهت بانتصار محمد ونجاحه، دخل محمد المدينة عام ١٤٥هجرية وراح يأخذ البيعة لنفسه وسيطر على الأمور في حين انّ شروط نجاح الثورة لم تتوفر بعد ولم ينه قادته المبعوثين إلى إرجاء البلاد مهامّهم.
وعلى أية حال بدأت الثورة المسلمة باقتحام السجن وتحرير السجناء. بعث المنصور جيشاً بقيادة أخيه عيسى لقمع تلك الثورة وسقطت المدينة بعد قتال مرير وحرب دامية وفشل الثوار وقتل محمد وكثيرمن أصحابه. وثار في [١٤٨] تلك السنة أخوه إبراهيم في البصرة ولم ينجح وقتل. [١٤٩]
ولفشل ثورة النفس الزكية أسباب سياسية واجتماعية واقتصادية وعسكرية لا مجال لشرحها هنا. [١٥٠][١٥١]
موقف الإمام الصادق ازاء ثورة محمد النفس الزكية
ازاء ثورات العلويين ينطبق إلى حد كبير على ثورة محمد النفس الزكية أيضاً، لأنّ ثورته هذه لم تخرج عن الطبيعة العامة لمجموع ثورات العلويين، ومن الطبيعي أن يكون موقف الصادق هو نفس ذلك الموقف الذي كان يتخذه الأئمّة ازاء تلك الثورات. وفيما يتعلّق بثورة النفس الزكية يجب إضافة انّ الإمام الصادق(ع) لم يوافق على تحركه ذلك انّ محمداً كان يستغل المهدوية (اي انتظار ظهور الإمام المهدي الموعود من بيت النبوة وسمّي رسول الله...) لصالح ثورته على نطاق واسع، وكان أبوه وأصحابه ينطلقون من هذه النقطة في نشر دعوتهم، وهكذا أصبح هذا الاعتقاد عقيدة عامة في المجتمع. [١٥٢]
ولم يكن هذا الأمر بالشيء الذي يتغاضى عنه الإمام الصادق(ع)، ففي الأيام الأخيرة من الحكم الأموي في اجتماع حضره مجموعة من العباسيين والعلويين كـ عبد الله المحض وابنيه محمد وإبراهيم و أبي جعفر المنصور و صالح بن علي و محمد بن عبد الله حفيد عثمان في الأبواء انْتخب محمد النفس الزكية كقائد للثورة وبايعه الحاضرون، فدعا أبوه عبد الله المحض الذي كان شخصية سياسية بارزة ونافذة ومن أسياد الحسنيين الإمام الصادق للمشاركة في هذا الاجتماع، ولمّا حضره أخبره عبد الله بما آل إليه الاجتماع فقال الصادق(ع): « مَا مَعْنَاهُ : لَا تَفْعَلُوا فَلَيْسَ الْيَوْمَ زَمَانٍ هَذَا الْأَمْرِ فَإِنَّ رَأَيْتَ انَّ ابْنِكَ هُوَ الْمَهْدِيُّ فَلَيْسَ هُوَ، وَ لَيْسَ هَذَا الزَّمَانِ زَمَانُ ظُهُورِهِ، وَ إِنْ كُنْتَ تَرْغَبُ عَلَى الْخُرُوجِ غَضَباً لِلَّهِ وَ أَمْراً بِمَعْرُوفِهِ وَ نَهْياً عَنِ الْمُنْكَرِ فَوَاللَّهِ أَنْتَ سَيِّدِنَا ولاندعك وَحِيداً فِي هَذَا وَ نُبَايِعُ ابْنِكَ ». غضب عبد الله من هذا الكلام وتصوره ناشئاً عن الحسد[١٥٣]
هذا ومن ناحية أُخرى فانّ الإمام الصادق(ع) وفي ضوء علمه ومعرفته النابعة من الإمامة كان يتنبأ بفشل ثورة محمد النفس الزكية فقد قال له في خاتمة ذلك الاجتماع: انّ ابنك لا ينالها يعني الخلافة ولن ينالها إلاّ صاحب القباء الأصفر يعني المنصور . [١٥٤]
وكما ينقل أبو الفرج الاصفهاني انّ الإمام الصادق(ع) أجاب بعد أن اتّهمه عبد الله بالحسد واضعاً يده على ظهر أبي العباس: « إِنَّ هذا وَ إِخْوَتَهُ وأبناءه سينالون الْخِلَافَةِ وَ لَيْسَ أَنْتَ ». ثمّ وضع يده(ع) على عاتق عبد الله وقال: « وَ اللَّهُ لَنْ تُنَالَ الْحُكْمُ لَا أَنْتَ وَ لَا ابْنَاكَ بَلْ يَنَالُهَا هَذَانِ وَ سَيُقْتَلُ ابْنَاكَ ».[١٥٥]
وفي تلك الفترة أي قبل فشل ثوره محمد النفس الزكية كانت نبوءة الإمام الصادق قد ذاعت في المدينة فكان الناس يرتادون بيته ويسألونه عن ذلك، وممّن راجعه أُمّ الحسن ابنة أُخت الإمام(ع) فقد سألته عن خروج محمد فقال: «إنّه سيقتل بجانب البيت الرومي [١٥٦] وسيقتل أخوه لأُمّه وأبيه في العراق وحوافر فرسه في الماء».[١٥٧]
إنّ الإمام الصادق(ع) وإن لم يؤيد خروج محمد ولم يدعمه غير انّه لم يعارضه في نفس الوقت بل بعث بابنيه موسى وعبد الله لمناصرته [١٥٨] وكانا إلى جانبه [١٥٩] وقد آوى(ع) الحسين بن زيد الشهيد الذي كان من أصحاب محمد بعد فشل ثورته [١٦٠] كما ينقل أبو الفرج الاصفهاني، وبالطبع أثار هذا غضب المنصور.
غير انّ عدم دعم الإمام للنفس الزكية لم يكن بمعنى ميله إلى الحكم العباسي أبداً. بل كان يراه حكماً غير شرعي وقد تعرض(ع) مرات عديدة لاضطهاد المنصور وعن جهيته، وقد أحضره من المدينة للكوفة وحاول قتله، لكن اللطف الإلهي كان يبطل نوايا المنصور الشيطانية ويجعلها هباء منثوراً كلّما حاول ذلك[١٦١]
وخلال حوادث قيام النفس الزكية تلقّى الإمام عدة مضايقات ومشاكل من قبل المنصور، ففي زحفه على المدينة عام ١٤٤ للقضاء على ثورة النفس الزكية عسكر في الزبدة [١٦٢]، وأمر باعتقال الإمام وإحضاره إلى هناك وخاطبه بلهجة وقحة وقاسية. [١٦٣]
وفي عام ١٤٥ه ليلة انطلاق ثورة النفس الزكية اعتقل الإمام مع مجموعة من سادات العلويين على يد حاكم المدينة آنذاك[١٦٤].
وقال(ع): لما دفعت إلى أبي جعفر المنصور بعد فشل الثورة انتهرني وكلّمني بكلام غليظ ثمّ قال لي: يا جعفر قد علمت بفعل محمد بن عبد الله الذي يسمّونه النفس الزكية وما نزل به، وإنّما انتظر الآن أن يتحرك منكم أحد فأُلحق الكبير بالصغير[١٦٥]
وفضلاً عن ذلك صادر عيسى قائد جيش المنصور خلال قمعه لحركة النفس الزكية أملاك ومزرعة الإمام الصادق المسماة بعين أبي زياد والقريبة من المدينة.
ولمّا التقى المنصور قال(ع) له: « اُرْدُدْ عَلَيَّ عَيْنَ أَبِي زِيَادٍ آكُلْ مِنْ سَعَفِهَا» فقال المنصور: إياي تكلّم بهذا الكلام؟! والله لأزهقن نفسك. [١٦٦]
ولم يكتف المنصور بذلك بل أمر بحرق بيت الإمام في المدينة غير انّ الإمام أنقذ نفسه من بين لهيب النيران برحمة ربّه جلّ وعلا، وفي إشارة إلى نجاة إبراهيم من نار نمرود قال الإمام الصادق(ع): « أَنَا اِبْنُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اَللَّهِ ».[١٦٧].[١٦٨]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٠٧.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٠٧.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣١١.
- ↑ سيرى در سيره أئمه أطهار، الشهيد المطهري، ص ١٤٢ ١٦٠.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣١١.
- ↑ الإمام الصادق (ع) والمذاهب الأربعة: ٢ /١١٣ ١٢٦.
- ↑ ويراد بعلم الكلام هو علم أُصول الدين، فقد كان هذا العلم مشهوراً ومن أكثر العلوم شعبية في ذلك العصر وكان كبار المتكلّمين يبحثون في مختلف الجوانب العقائدية.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣١٣.
- ↑ تذكرة الحفاظ: ١ /١٦٦.
- ↑ بحار الأنوار: ٤٧ /٢١٧؛ الإمام الصادق(ع) والمذاهب الأربعة: ٤ /٣٣٥.
- ↑ تهذيب التهذيب: ١ /٨٨.
- ↑ الإمام الصادق (ع) والمذاهب الأربعة: ١ /٥٣.
- ↑ الإرشاد، ص ٢٧٠.
- ↑ الصواعق المحرقة، ص ٢٠١.
- ↑ الإمام الصادق (ع) والمذاهب الأربعة: ١ /٥٥ نقلاً عن رسائل الجاحظ.
- ↑ مختصر تاريخ العرب ص ١٩٣.
- ↑ وفيات الأعيان: ١ /٣٢٧.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٠٨.
- ↑ الارشاد: ٢٧١، الإمام الصادق والمذاهب الأربعة: ١ /٦٩.
- ↑ هشام بن حكم مدافع حريم ولايت: ١٩، روضة الواعظين: ٢٢٩، اعلام الورى: ٢٨٤.
- ↑ الفهرست لابن النديم: ٥١٢٥١٧.
- ↑ توحيد المفضل، المقدمة (ترجمة العلاّمة المجلسي ص ٧١١)؛ پيشواى ششم حضرت إمام جعفر صادق (ع)، مؤسسه در راه حق، ص ٤٧ ٥٨.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣١٤.
- ↑ الإمام الصادق (ع) والمذاهب الأربعة: ١ /٧٠، كان اسم أبي حنيفة النعمان بن ثابت.
- ↑ الإمام الصادق (ع) والمذاهب الأربعة: ١ /٣٨.
- ↑ فهرست مصنفي الشيعة ص ٣٩ و٤٠.
- ↑ تهذيب التهذيب: ١ /٨٨.
- ↑ مرآة الجنان: ١ /٣٠٤.
- ↑ اختيار معرفة الرجال، ص ٢٧٥ ٢٧٨؛ قاموس الرجال: ٣ /٤١٦.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣١٦.
- ↑ سورة التكاثر، الآية ٨.
- ↑ بحار الأنوار: ١٠ /٢٢.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣١٩.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٢٢.
- ↑ أُصول الكافي: ١ /١٨٦.
- ↑ پيشواى صادق، السيد علي الخامئني، ص ٨٧ ٩١.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٢٣.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٢٤.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٢٥.
- ↑ وحول حياته يراجع هشام بن الحكم، عبد الله نعمة، ص ٣٩ ٥٣.
- ↑ قاموس الرجال، التستري: ٩ /٣٥١.
- ↑ هشام بن الحكم مدافع حريم ولايت، الصفائي ص ١٤؛ تنقيح المقال، المامقاني: ٣ /٣٠١.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٢٥.
- ↑ ضحى الإسلام: ٢ /٥٤.
- ↑ هشام بن الحكم مدافع حريم ولايت، ص ١٤.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٢٦.
- ↑ اختيار معرفة الرجال، الطوسي، ٢٥٦؛ هشام بن الحكم مدافع حريم ولايت، الصفائي ص ١٥.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٢٧.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٢٩.
- ↑ جمع الكتاب علي بن منصور من تلامذة هشام بن الحكم.
- ↑ الفهرست، الطوسي، ٣٥٥؛ فهرست مصنفي الشيعة ص ٣٠٤؛ الفهرست، ابن النديم، ص ٢٦٤؛ تأسيس الشيعة، الصدر، ص ٣٦١.
- ↑ فهرست أسماء مصنفي الشيعة، ص ٣٠٤.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٣٠.
- ↑ بحار الأنوار: ٤٧ /٧٢.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٣١.
- ↑ تاريخ تحليلى إسلام تا پايان امويان، ص ٢٠٤(بتصرف).
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٣٢.
- ↑ يراجع حول راياتهم وثيابهم السوداء: دو قرن سكوت، زرين كوب، ص ١١٦؛ الكامل في التاريخ: ٥ /٤٧٩؛ تاريخ بغداد: ١٠ /٢٠٨؛ البداية والنهاية: ١٠ /٦٧.
- ↑ واعتبر مجيء الرايات السود من المشرق علامة ظهور الدولة العادلة في روايات علائم الظهور؛ بحار الأنوار: ٥٢ /٢١٧ ٢٢٩ باب علائم الظهور؛ إرشاد المفيد،ص ٣٥٧.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٣٦.
- ↑ الملل والنحل، الشهرستاني: ١ /١٥٤.
- ↑ الروضة من الكافي، الكليني: ٨ /٢٧٤؛ بحار الأنوار: ٤٧/٢٩٧.
- ↑ ذكرت في سبب تسمية أبي سلمة بالخلال، ثلاثة أوجه (راجع ابن طقطقا، الفخري، ص ١٥٣١٥٤).
- ↑ الفخري، ابن طقطقا، ص ١٥٤؛ مروج الذهب: ٣ /٢٥٣ ٢٥٤، ولم يذكر المسعودي رسالة عمر ابن زين العابدين.
- ↑ بحار الأنوار: ٤٧ /١٣٣.
- ↑ بحار الأنوار: ٥٢ /١٣٩.
- ↑ بحار الأنوار: ٥٢ /١٣٩.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٣٧.
- ↑ طبيعة الدعوة العباسية عمر فاروق، ص ٢٢٦.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٣٩.
- ↑ ابن أثير، الكامل في التاريخ: ٥ /٤٣٦؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ١٠ /٥٤.
- ↑ العبر، ابن خلدون، ترجمة آيتي: ٢ /١٦٧؛ الكامل في التاريخ: ٥ /٣٤٨؛ النزاع والتخاصم، المقريزي ص ٦٦؛ البدايةوالنهاية: ١٠ /٢٨.
- ↑ النزاع والتخاصم فيما بين بني أُمية وبني هاشم، ص ٦٧.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٤٠.
- ↑ مرآة الجنان: ١ /٢٨٥.
- ↑ البداية والنهاية: ١٠ /٧٢؛ وفيات الأعيان: ٣ /١٤٨؛ الكامل في التاريخ: ٥ /٤٧٦؛ تاريخ الطبري: ٩ /١٦٧.
- ↑ الإمام الصادق والمذاهب الأربعة: ٢ /٥٣٣؛ تاريخ بغداد: ١٠ /٢٠٨.
- ↑ طبيعة الدعوة العباسية ص ٢٤٥.
- ↑ تاريخ اليعقوبي: ٣ /١٠٥.
- ↑ الكامل في التاريخ: ٥ /٤٣٦؛ البداية والنهاية: ١٠ /٥٤.
- ↑ وفيات الأعيان: ٢ /١٩٦.
- ↑ وفيات الأعيان: ٣ /١٤٨.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٤١.
- ↑ الأُصول من الكافي: ٢ /٢٤٢.
- ↑ حياة الأئمة الاثني عشر، عادل الأديب، ص ١٨٠ ١٨٣.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٤٣.
- ↑ تاريخ الأدب العربي، العصر الإسلامي، دكتور شوقي ضيف، ص ٣٤٠.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٤٥.
- ↑ تاريخ اليعقوبي: ٣ /١٢٥.
- ↑ حياة الإمام موسى بن جعفر عليمها السَّلام: ١ /٣٦٩.
- ↑ تاريخ اليعقوبي: ٣ /١٣٣.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٤٦.
- ↑ الإمام الصادق(ع) والمذاهب الأربعة: ١٢ /٤٨٠؛ تاريخ الخلفاء، ص٢٦٧.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٤٧.
- ↑ تاريخ اليعقوبي: ٣ /١١٤ ١١٥.
- ↑ الكامل في التاريخ: ٥ /٥٥١.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٤٩.
- ↑ بحار الأنوار: ٤٧ /١٦٢ ٢١٢ وقد عقد المجلسي فصلاً خاصاً للمواجهات التي كانت بين الإمام والمنصور.
- ↑ اختيار معرفة الرجال ص ٢٨٢، ط مشهد.
- ↑ وسائل الشيعة: ١٢ /١٢٩، ط بيروت.
- ↑ الإمام الصادق (ع) والمذاهب الأربعة: ٢١ / ٣-٤، نقلاً عن حلية الأولياء.
- ↑ بحار الأنوار: ٤٧ /١٨٤.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٥٠.
- ↑ للمزيد من الاطلاع على سيرة أبي الحارث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب راجع كتاب وفيات الأعيان بتحقيق يوسف علي الطويل والدكتورة مريم قاسم الطويل: ٤ /٣٦، والمعارف، تحقيق ثروة عكاشة، ص ٤٨٥.
- ↑ وفيات الأعيان: ٤ /١٣٥؛ تنوير الحوالك على موطأ مالك، السيوطي، المقدمة.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٥١.
- ↑ حياة الإمام موسى بن جعفر عليمها السَّلام: ١ /٩١، نقلاً عن شرح الزرقاني على موطأ مالك، وكتاب الموطأ اليوم أحد أشهر كتب أهل السنّة ومؤلّفه هو مالك بن أنس صاحب المذهب المالكي أحد المذاهب السنيّة الأربعة.
- ↑ تذكرة الحفاظ: ١ /٢١٢.
- ↑ وفيات الأعيان: ٤ /١٣٧.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٥٢.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٥٣.
- ↑ كان خالد بن عبد الله يحكم العراق قبل يوسف بن عمر وقد كان رجلاً قوياً وشجاعاً، ولطالما تولى أعمالاً من قبل هشام في عدة مناطق، سلطته النافذة أثارت الأعداء عليه، وسعوا به إلى هشام ليعزلوه عن منصبه من خلال التأثير على هشام، وأخيراً عزله هشام من عمل العراق وسجنه وولّى يوسف بن عمرو بدله. ومن أهمّ ما اتهم به خالد هو الميول إلى الشيعة وبني هاشم، ولهذا كانت التهمة التي اختلقوها لزيد هي انّ خالداً كان قد أعطاه أموالاً من بيت المال، مختصر تاريخ العرب، مير علي،ص ١٥٤.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٥٣.
- ↑ تاريخ اليعقوبي: ٣ /٦٧ ٦٨.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٥٤.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٥٦.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٥٦.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٥٧.
- ↑ استشهد زيد بن علي يوم الجمعة في صفر سنة إحدى وعشرين ومائة (مقاتل الطالبيين، ص١٣٩).
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٥٧.
- ↑ أنصار الحسين للشيخ محمد مهدي شمس الدين: ٢١.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٥٧.
- ↑ معجم رجال الحديث: ٧ /٣٤٥ ٣٥٦.
- ↑ بحار الأنوار: ٤٦، ويراجع شخصيت وقيام زيد بن علي ص ٥١٤ ٥٢٧، ويجب الانتباه إلى أنّ مدح علما ء الشيعة لزيد لا يعني بالضرورة تأييد وقبول المذهب الذي ظهر باسمه.
- ↑ عيون أخبار الرضا: ١ /٢٢٥، الباب ٢٥،الحديث ١، شخصيت وقيام زيد بن علي.
- ↑ قاموس الرجال: ٤ /٥٧٠.
- ↑ اختيار معرفة الرجال، ص ٣٦١.
- ↑ الأمالي، ص ٣٢٥، المجلس٨١، الحديث٦؛ قاموس الرجال: ٤ /٥٧٤.
- ↑ قاموس الرجال: ٤ /٥٦٦.
- ↑ اختيار معرفة الرجال ص ٢٨٥، وقد روى المرحوم الكليني حديثاً مماثلاً في الروضة من الكافي في هذا المجال أيضاً.
- ↑ أمالي الصدوق ص ٢٣٦،المجلس ٦٢،الحديث ٣؛ بحار الأنوار: ٤٦ /١٧٢.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٥٩.
- ↑ محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الذي اشتهر أبوه بعبد الله المحض.
- ↑ مروج الذهب: ٢ /٢٩٤؛ الأخبار الطوال، ص ٣٨٥.
- ↑ الفخري، ص ١٦٥.
- ↑ مقاتل الطالبيين، ص ١٧٣و ١٩٧.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٦٢.
- ↑ مقاتل الطالبيين: ١١٨١٢٠و ١٥٨.
- ↑ تاريخ الأُمم والملوك: ٩ /١٨٠؛ الكامل: ٥ /٥١٣.
- ↑ تاريخ الأُمم والملوك: ٩ /١٨١.
- ↑ تاريخ الأُمم والملوك: ٩ /١٨١.
- ↑ تاريخ الأُمم والملوك: ٩ /١٨١.
- ↑ الكامل في التاريخ: ٥ /٥١٧و ٥٢٢.
- ↑ جهاد الشيعة الدكتورة سميرة مختار الليثي، ص ١١٥.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٦٣.
- ↑ تاريخ الأُمم والملوك: ٩ /١٨٣ ١٨٤. راجع تاريخ اليعقوبي: ٣ /١٠٩ ١١٠؛ الفخري ١٦٥ ومقاتل الطالبيين ص ١٤٦. هذا وانّ قصة اعتقال عبد الله وتعذيبة مع السادة الحسنيين قصة مثيرة للاشمئزاز والتقزز.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٦٥.
- ↑ مقاتل الطالبيين ص ١٨٤ ١٨٥ ؛ تاريخ اليعقوبي: ٣ /١٤٥؛ مروج الذهب: ٣ /٢٩٤.
- ↑ مقاتل الطالبيين، ص ٢١٠ ومابعدها.
- ↑ ويراجع للاطلاع أكثر كتاب المقاتل وكتاب جهاد الشيعة، تأليف الدكتورة سميرة الليثي، ص ١٦٦ ومابعدها.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٦٦.
- ↑ مقاتل الطالبيين ص ١٤٠ و١٤٢و١٥٧و١٥٨ و١٦٠ ١٦٥؛ الفخري ص ١٦٥ ١٦٦، وللحد من شعبية محمد النفس الزكية التي كانت تنشأ من ادّعائه للمهدوية أطلق المنصور اسم محمد على ابنه ولقّبه بالمهدي وادّعى انّ المهدي الموعود هو ابنه لا النفس الزكية (مقاتل الطالبيين ص ١٦٢): وتحقيقاً لهذاً الهدف وضع أحد المتقرّبين من العباسيين حديثاً يقول: قال رسول الله المهدي من ولد العباس عمي.(تاريخ الخلفاء ص ٢٧٢).
- ↑ مقاتل الطالبيين، ص ١٤٠ و١٤١.
- ↑ الفخري، ص ١٦٥.
- ↑ مقاتل الطالبيين، ص ١٤١ ١٤٢، ١٧٢.
- ↑ اسم لمكان في المدينة.
- ↑ مقاتل الطالبيين ص ١٦٨.
- ↑ مقاتل الطالبيين، ص ١٧٠.
- ↑ مقاتل الطالبيين ص ١٨٦.
- ↑ مقاتل الطالبيين، ص ٢٥٧.
- ↑ بحار الأنوار: ٤٧ /١٦٢ ٢١٢.
- ↑ الكامل في التاريخ: ٥ /٥٢٤.
- ↑ مقاتل الطالبيين، ص ١٧٠ ؛ بحار الأنوار: ٤٧ /١٩٢.
- ↑ الكامل في التاريخ: ٥ /٥٣٠.
- ↑ بحار الأنوار: ٤٧ /٢٠٦ ؛ نور الأبصار ص ١٤٧.
- ↑ مقاتل الطالبيين ص ١٨٤.
- ↑ أُصول الكافي: ١ /٤٧٣.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٣٦٦.