الوحي في علم الكلام

معاني الوحي لغةً

«الوحي» لغةً يحمل معاني متنوّعة؛ منها: الإشارة، والكتابة، والرسالة، والنداء، والكلام الخفي، والتسارع والعجلة، والإعلان خفية، وإلقاء كلام أو رسالة أو كتابة على الآخرين. وقد عدّ بعضهم الوحي من قبيل الكلام الشفهي، ورأى آخرون أنه ينطوي على الكلام الكتابي والشفهيّ. وقد ذهبت جماعة إلى أنّ معناه إعلان الخبر وإلقائه خُفيةً على الغير[١]. وقد أخذ أبو إسحاق بالمعنى الثالث [٢]. وقام آخرون بتفسير الوحي في معنى أوسع فكتبوا: «الإشارة، والكتابة، والرسالة، والإلهام، والكلام الخفي، وكلّ ما ألقيته إلى غيرك.. وما يكتب في الحجارة وينقش عليها»[٣]، وفسرّ بعضهم الوحي بمعنى السرعة،كما فسّروه بالإعلان السريع الخفي .

وبناءً على ذلك، فإنّ إرسال أيّ نوع من الرسالة والخبر، من أيّ طرف وإلى أيّ أحد، بشرط كونهما سريعين وخفيّين هو المقصود بالوحي[٤].[٥]

حقيقة الوحي

إحدى النقاط التي يتميّز بها الأنبياء عن غيرهم هي المصدر المعرفي لهم؛ فالأناس الاعتياديون يدركون الحقائق عن طريق الوسائل والمصادر الاعتيادية لاكتساب المعرفة؛ ألا وهي،الحس والعقل والشهود. أما الأناس الإلهيون الذين يرتبطون بالله تعالى ويتولّون مهمّة هداية البشر، فلا بدّ لهم من الإفادة من مصدر معرفيّ آخر يفوق المصادر المعرفية المألوفة. وهذا المصدر المعرفي هو الوحي الإلهي.

وعلى هذا الأساس، فإنّ تبيين الوحي وماهيّته يُعدّان من بحوث النبوة العامة.[٦]

شبهة تفسير الوحي بالنبوغ

الوحي والنبوغ الفكري

يرى بعض علماء الاجتماع أنّ الوحي هو نوع من النبوغ الفكري، حيث يوجد في كلّ مجتمع أفراد ذوو ذكاء خارق للعادة يتقدّمون على عصرهم. ولكنّ هناك فرق بين النبوغ والوحي. فالنبوغ أمر موجود في كلّ المجتمعات، وينبغ فيها أفراد بين الحين والآخر. أمّا الوحي فهو اتّصال مباشر بالله.[٧]

مصادر النبوغ الفكري

من مصادر النبوغ الفكري:

  1. الحب والعشق، فهو من أقوى العوامل التي تحرّك الأفكار وتدفع للإبداع.
  2. المحنة الطويلة والظلم والاضطهاد الشديد، فهذا يدفع الإنسان للتفكير والإبداع.
  3. الأقليات الاجتماعية التي لا تحصل على حقوقها كاملة، فتحاول تعويض النقص بالإبداع.
  4. مرحلة الطفولة التي تخلو من المشاكل، فيمكن للإنسان التركيز على الجانب الإبداعي.
  5. الخلوة والانفراد والبُعد عن الضوضاء، فهذا يسمح بالتفرّغ لفكر واحد.
  6. التربية الأولى المناسبة التي توجّه الإنسان نحو النبوغ.[٨]

الفرق بين الوحي والنبوغ

بشكلٍ عامٍّ، هناك ستّة عوامل تخلق النابغة. إذا اجتمعت كلّ هذه العوامل أو اثنان أو ثلاثة أو أربعة منها، فإنّها تجعل الإنسان يُبدع فكريّاً وأدبيّاً وعلميّاً، وتُنتج إنجازات راقية. في النهاية، هذه العوامل تصنع من الإنسان العادي نابغةً.

لكن، لا يُمكننا أبداً أن نُقارن أو نُشبّه كلّ هذه العوامل والقضايا بمسألة الوحي والنبوة. علينا أن ننظر إلى مسألة أساسيّة جدّاً، وهي أنّ كثيراً من القائلين بنظرات اجتماعيّة يبدؤون أوّلاً بأساسٍ وبتصوّر، وبعد ذلك يُحاولون أن يُبرّروا. هذا - مع الأسف - أسلوب خاطئ في الاستدلال وبعيد عن روح الموضوعية والدقّة والأمانة العلمية.

الوحي لا يُمكن أن يُقارن تماماً بما يُقدّمه العلماء، حيث إنّ كلّ ما يُقدّمونه مرتبطٌ بأنفسهم وما وصلت إليه أفكارهم، وليست له علاقةٌ أو ارتباطٌ بالمبدأ الأول للعطاء الغيبي وهو الله تعالى. بينما نجد أنّ الأنبياء، رغم ما وصلوا إليه، لا ينسبونه لأنفسهم، بل ينسبونه إلى المصدر الإلهي وإلى الوحي، وليس إلى إنجازاتهم وفي سجلّ اختراعاتهم وفي براعة الاختراع كما يُسجّل المخترع الفلاني.

النتيجة، أنّه لا مجال للخلط بين الوحي والنبوغ أبداً؛ لأنّ الوحي ليس وليد النبوغ[٩].

الوحي و الإلهام

الإلهام حقيقة تماثل الوحي الإلهي، وتختلف عنه في نقاط وتختلف عنه في نقاط عدّة. ويلزم معرفة التمييز بين هاتين الحقيقتين في البحوث الدارسة للنبوّة.

يقول بعضهم في تبيان الاختلاف بين هاتين الظاهرتين: المعرفة التي تحصل للإنسان بالواسطة أو بدون واسطة، إن علم بأنها من جانب الله تعالى، فهي الوحي، وإن لم يعلم، سُمّي بالإلهام. فالإلهام إذن، ضربٌ من ضروب الشعور؛ كالحزن والفرح، أو الجوع والعطش[١٠].

ويكتب ابن عربيّ عند تفريقه بين الوحي والإلهام: إنّ الإلهام قد يحصل من الحق تعالى بغير واسطة الملك بالوجه الخاص الذي له مع كل موجود، والوحي يحصل بواسطته؛ لذلك لا تُسمّى الأحاديث القدسية بالوحي والقرآن؛وإن كانت كلام الله تعالى.

وأيضاً: قد مرّ أنّ الوحي قد يحصل بشهود الملك وسماع كلامه، فهو من الكشف الشهودي المتضمن للكشف المعنوي، والإلهام من المعنوي فقط. وأيضاً،الوحي من خواصّ النبوة لتعلّقه بالظاهر والإلهام من خواصّ الولاية. وأيضاً هو مشروط بالتبليغ دون الإلهام[١١].

نستخلص ممّا تقدّم أنّ الوحي والإلهام يحملان معاني شتّى، وينطويان على نِسَب مختلفة على ضوء كلّ من هذه المعاني؛ فإذا كان المقصود بالوحي: «الوحي النبوي»، ومن الإلهام: «الإلهام الإلهي»، ففي هذه الحالة، تتوحّد كلتا الحقيقتين باعتبار كونهما إلهيّتين، وجريانهما من عالم الغيب، وقدرتهما على كشف الحقائق الملكوتية؛ وإن تختلف الواحدة عن الأخرى في جوانب عدّة؛ يشتمل الوحي الإلهي على الشريعة والدين الإلهيين؛ أي يحتوي على طبيعة ووظيفة دنيويّتين تدلّان على الملكوت والسعادة الإنسانية. والإلهام الإلهي أعمّ من الوحي؛ أي إنّه قد لا يشتمل على الشريعة؛ كالإلهامات التي تنزله الملائكة على الأئمة وتطلعهم بها على حقائق العالم. وإذا اعتُبر الإلهام أعمّ من نوعيه الحقيقي والمزيّف وشمل المكاشفات الشيطانية والواردات النفسانية أيضاً، فعندئذٍ، يصبح الإنهام أعمّ من الوحي أيضاً؛ لأنّ الوحي إلهام إلهيّ وحقيقيّ، ولأنّ الإلهام أعمّ من الواردات الإلهية والشيطانيّة.[١٢]

أقسام الوحي النبوي

عرض القرآن الكريم - إضافة إلى تبيان معاني الوحي المختلفة - لتبيين أقسام الوحي النبوي ؛ فالأقسام الثلاثة للوحي النبوي هي: الوحي الإلهي المباشر إلى النبي، والوحي المباشر عن طريق الملك الإلهي، والوحي عن طريق الحجاب أو أيّ شيء آخر. يقول الله سبحانه في هذا المجال: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا[١٣].

ويشير في آيات أخرى إلى الوحي في المنام والوحي المباشر وبواسطة الروح الأمين والوحي المباشر:

  1. ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ[١٤]؛
  2. ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ[١٥]
  3. ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً[١٦]

ينقسم الوحي في تقسيم آخر، إلى تكويني وتشريعيّ:

أمّا الوحي التشريعي فهو مجموعة التعاليم والأحكام التي أنزلها الله تعالى على الأنبياء دفعة أو تدريجيّاً تحت تسمية الشريعة والدين.

وأما الوحي التكويني فهو استعداد وغريزة في المخلوقات، وكذلك القوانين العامة الحاكمة على نظام الكون والتي تسير بأهداف محدّدة. وعلى هذا الأساس، يمكن عدّ الوحي حقيقة تتحقّق في جميع المخلوقات وتضمن هدايتها. وتوجد هذه الحقيقة الإلهية بمراتب طوليّة شتّى في المخلوقات. ويتمتع الأنبياء الإلهيون بالمرتبة العالية من هذه الحقيقة، وتتمتع سائر المخلوقات بالمراتب اللاحقة للوحي؛ كالرؤى الصادقة التي تحصل للأناس الاعتياديين.[١٧]

خصائص الوحي النبوي

للوحي النبوي والإلهيّ خصائص مختلفة؛وقد ذكر العلامة المطهري في كتابه«النبوّة»،أربع سمات تخصّ وحي الأنبياء. وفيما يأتي نقدّم شرحاً لهذه الخصائص الأربع بمزيد من الإيضاح:

  1. علاقة الوحي بالباطن: ويعني ذلك أنّ الوحي ذلك أنّ الوحي الإلهي يُتلقّى من الباطن؛ لا عن طريق الحواس الظاهرية. ولهذا، كانت حواسّ النبي الأعظم.في أغلب الأحيان التي ينزل فيها الوحي عليه تتثاقل، ثمّ يتصبّب عرقاً. وقد أشار القرآن إلى ذلك بالقول: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ[١٨]. ومن المصاديق الأخرى للوحي: الإلهام، والرؤى الصادقة، وهي أمور تنكشف للإنسان باطنياً.
  2. مصاحبة الوحي للتعليم الإلهي: حينما لا يكون هناك وحي إلهيّ خارجيّ، ولا يحصل هذا الوحي عن طريق الحواس الظاهرية أيضاً، فلن يكون له معلّم طبيعيّ وإنسانيّ، ولا يمكن اكتشافه بالاختبار والتجربة؛ لكنّه لا يشبه غرائز الحيوانات التي لا تعليم لها، بل هو التعليم في ذاته ومعلّمه هو الله سبحانه وتعالى. وقد أشارت إلى ذلك الآيات الكريمة التي تقول:
    1. ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى[١٩].
    2. ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ[٢٠].
    3. ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى[٢١].
  3. وساطة الوحي: اعتاد الأنبياء على تلقّي الوحي النبوي عن طريق مخلوق آخر يُدعى الروح الأمين وجبرئيل. ويُعدّ جبرئيل وسيطاً للوحي الإلهي[٢٢]
  4. استشعار الوحي النبوي: يعي ويستشعر الأنبياء أحوالهم المعنوية والملكوتيّة، وهم يدركون الطابع الوحياني للتعاليم الدينية. وبعبارة أخرى، كيف عرف الأنبياء أنّ الوحي قد نزل عليهم، وأنهم بُعثوا، وأن جبرئيل هو الوسيط؟

يجب أن نعلم بأنّ الله سبحانه وتعالى يوفّر على أساس قاعدة اللطف والحكمة جميع الطرق والوسائل الكفيلة بهداية العباد وإطاعتهم وسعادتهم، ولو لم يكن الأمر على هذا النحو،للزم نقض الغرض. ولهذا، يمهّد الله بنفسه الأرضية لعلم الأنبياء.

يقول الحق سبحانه وتعالى بهذا الشأن:

  1. ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ[٢٣].
  2. ﴿يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[٢٤].
  3. ﴿يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ[٢٥].

وقال الإمام الصادق ردّاً عن سؤال زرارة بن أعين عن كيفيّة علم النبي: «إِنَّ اَللَّهَ إِذَا اِتَّخَذَ عَبْداً - رَسُولاً أَنْزَلَ عَلَيْهِ اَلسَّكِينَةَ وَ اَلْوَقَارَ، وَ كَانَ يَأْتِيهِ مِنْ قِبَلِ اَللَّهِ مِثْلُ اَلَّذِي يَرَاهُ بِعَيْنِهِ»[٢٦].

ومن الجدير بالذكر هنا أنّ الوحي لا ينزل على الأنبياء إلّا بعد اجتيازهم المراحل المتدنية، وبلوغهم المنازل السامية. وفي هذه الحالة، يقف الإنسان بالعلم الحضوري على المنزل والمقام الذي تبوّأه.[٢٧]

اضطراب النبي وغشيته عند نزول الوحي

إن من بين الشبهات المطروحة بشأن النبي الأكرم (ص)وشخصيته، عروض حالة من الاضطراب بل وفقدان الوعي والدخول في شبه غيبوبة أثناء نزول الوحي عليه. وقد سعى المخالفون إلى اتخاذ هذه الحالة دليلاً على عدم نبوته، وإنه لم يكن ثمّة وحي في البين أبداً، وإلا لما كان هناك من معنى لهذا الاضطراب.

وقد طرحت هذه الشبهة من قبل المستشرقين وبعض الملحدين[٢٨]، حيث فسّروا هذه الظاهرة على أنها نوع من الصرع أو الغيبوبة التي تعرض للنبي (ص)من حين لآخر. وقد استندوا في ذلك إلى روايات مروية من مصادر أهل السنة تدل على ظهور هذه الحالة عليه عند نزول الوحي، وخاصّة في بدايته.

مناقشة وتحليل

فيما يتعلق بتحليل هذه الشبهة لا بدّ من الالتفات إلى المسائل الآتية:

عدم ابتلاء النبي بعارضة الصرع قبل البعثة

طبقاً للروايات المتواترة فإن النبي محمد (ص) قد بُعث بالرسالة بعد أن بلغ سنّ الأربعين من عمره الشريف، ولم تذكر المصادر التاريخية التي رصدت تلك الفترة أنه كان يعاني حالة غياب الوعي بسبب مرض نفسي أو عصبي، بل الأمر على عكس ذلك تماماً، حيث عُرف بين جميع الناس بالاستقامة وصدق الأمانة. ولو كان النبي الأكرم (ص) يعاني من مشكلة نفسية، هل كانت السيدة خديجة وهي التي عرفت بثرائها وموقعها الاجتماعي وشخصيتها المؤثرة بين قريش أن تستأمنه على ثروتها وتجعله مديراً لأعمالها التجارية، وفوق ذلك تتخذه زوجاً لها، رغم رفضها الزواج من كثير من الوجهاء الذين تقدّموا لخطبتها؟

وعندما تقدّم أبو طالب لخطبتها وزواجها من النبي محمد - وكان له من العمر حينها خمسة وعشرون سنة - أثنى على شخصية النبي واصفاً إياه بالشخص الفذ الذي لا يدانيه في الفضل أي رجل من رجال مكة.

وعليه فإن هذه الحالة التي بدأت تظهر عليه وتعتريه عند نزول الوحي، إنما هي بسبب ثقل الوحى وعظمته.

اقتران عروض هذه الحالة بالنبوة

أمّا احتمال أن تكون هذه الظاهرة المرضية قد عرضت للنبي (ص)في مستهل النبوة والرسالة، فهو مجرّد احتمال لا يستند إلى دليل. ذلك لأنّ الأعراض النفسية التى تعتري الفرد إنما تنشأ عن أسباب وعوامل نفسية قد تكون تدريجية أو دفعية. وقد تقدّم أن ذكرنا أن النبي (ص)قبل النبوة كان يتمتع بالصحة والسلامة على المستوى الجسدي والنفسي، وكان يُعرف بالأمين من شدّة وثوق الناس بصدقه وأمانته وحكمته، ولو أنه كان يعاني من أدنى مشكلة على المستوى النفسي لبان ذلك واشتهر بين الناس، أو عرفه المقربون منه. في حين لم يرد في التاريخ أيّ ذكر لهذه المسألة. وعليه فإن دعوى أن النبي كان يعاني قبل النبوة من مؤشرات وعلامات هذه الظاهرة قبل النبوة، وإنها بلغت ذروتها في بداية النبوة مجرّد دعوى باطلة لا تقوم على دليل.

كما أن القول باقتران النبوة بحادثة وقعت للرسول تسببت في عروض حالات الإغماء عليه بعد ذلك، فجوابها أن المؤرخين من المسلمين وغير المسلمين لم يذكروا حدوث مثل هذا الأمر، لكي يكون هو المبرر لعروض حالة الإغماء للرسول بعد بلوغه سن الأربعين.

ومع هذا التحليل، أي عدم وجود علّة ومنشأ لحالة الإغماء التي كانت تعتري النبي الأكرم (ص)عند نزول الوحي عليه - سواء أكانت تلك العلة تدريجية أو دفعية - لا يبقى أمامنا لتفسير هذه الظاهرة سوى الفرضيتين الآتيتين:

  1. إنكار الإغماء، والالتزام بحالة من الاضطراب عند نزول الوحي.
  2. تصنّع الإغماء بمعنى أن النبي إنما كان يتظاهر بفقدان الوعي عند نزول الوحي.

والفرضية الأولى فرضية معقولة، حيث سنعمل على تقريرها ضمن العنوان الآتى. أما الفرضية الثانية فسوف نبحثها بشكل مستقل ونعمل على بيانها ونقدها ضمن الشبهة الآتية.

بيان وتفسير الاضطراب الذي كان يعتري النبي (ص)عند نزول الوحي

ذكرنا أن نفس النبي نفس كاملة ومنزّهة من جميع الآفات الروحية والنفسية، بيد أنه عند نزول الوحي وخاصّة في بداية الرسالة، كان يعتريه اضطراب خاص يشعر معه بالبرد ويتفصّد منه العرق وتأخذه الرعدة من شدّة ثقل الوحي، وفي بيان ذلك تجدر الإشارة إلى الأمور الآتية:

١. الاضطراب من متعلقات النفس الدنيوية: إن النفس والروح المتصلة بعالم العقول والملكوت والعقل الفعال هي نفس النبي وروحه المجردة التي تحرّرت من الجسد المادي. وفي هذه المرحلة لا وجود لأيّ خوف أو اضطراب. ولكن بعد اتمام المسار والاتصال بعالم العقل، وعند عودة النفس النبوية إلى جسدها المادي، لا يعود بمقدور الجسد المادي والنفس المتعلقة بها أن تتحمّل نقل المعارف المجردة ومشاهدة الملك الموكل بحمل الوحي، ومن هنا تكون عملية نقل الوحي مصحوبة باضطراب الجسد، حيث تطرأ على النبي حالة من الضعف والخوف[٢٩] والنوم وما يشبه الإغماء، ومن هنا فإن الخوف والاضطراب إنما يتعلق بالجانب الجسدي من النبي الأكرم.

يرى الشيخ عبد الوهاب الشعراني أن عروض حالة البرد والرعدة وتصبب العرق من جسد رسول الله (ص) عند نزول الوحي ناشئة عن التقاء روح الملك ونفس النبي، وهو أمر يؤدي إلى حدوث ضغط وثقل على الروح النبوية مما يستوجب اختلاط المزاج والهواء الداخلي والخارجي من جسد رسول الله[٣٠].

وقد ذهب صدر المتألهين إلى الاعتقاد بأن اضطراب النبي لا يتعلق بعالم العقل، وإنما يرتبط بعالم الملكوت والمادة الذي تتمثل فيه الصور العقلية على صورة جزئية مثل جبرائيل، وهو أمر يؤدّي إلى اضطراب حواس النبي «إذا نزل إلى ساحة الملكوت السماوي يتمثل له صورة ما عقلها وشاهدها ... وحينئذ يقع للحواس شبه دهش ونوم ... مرجع ذلك [الوحي] إلى انبعاث نفس النبي من نشأة الغيب إلى نشأة الظهور، ولهذا كان يعرض شبه الدهش والغشى»[٣١].

وقال سيد روح الله الموسوي الخميني في هذا الشأن: «فإن ضعف أجسامهم الشريفة عن تحمل الأرواح المجردة فيها غير قوّة مقام الروحانية والجنبة الولوية»[٣٢].

وقد تمّت الإشارة إلى ثقل الوحي على النبي الأكرم (ص)في آيات القرآن الكريم أيضاً، من قبيل قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً[٣٣].

٢. الاضطراب ناشئ عن المواجهة المباشرة للوحي: أن الوحي على أقسام، فهو تارة ينزل به الملك، وتارة يكون من خلال سماع الكلام الإلهي، وتارة يتجلى الله للنبي مباشرة ومن دون واسطة، وهذا النوع الأخير من الوحي هو الذي يكون مصحوباً بالرعدة والاضطراب والخوف لدى النبي.

قال العلامة الطباطبائي في بيان أقسام الوحي: «أحياناً يكون النظر الرئيس إلى ذات الحق تعالى، بحيث لا يُنظر إلى جبرائيل أو السفرة، وهذا هو الذي كان يتغيّر فيه وضع رسول الله» [٣٤].

وهناك من الروايات ما يؤيد هذا المعنى، ومن ذلك ما روي عن الإمام جعفر الصادق (ع) حيث قال في جوابه عن سؤال زرارة في هذا الشأن: «ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ اَللَّهِ أَحَدٌ ذَاكَ إِذَا تَجَلَّى اَللَّهُ لَهُ»[٣٥].

كما روي في حديث آخر عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: «وَ إِذَا أَتَاهُ اَلْوَحْيُ وَ لَيْسَ بَيْنَهُمَا جَبْرَئِيلُ تُصِيبُهُ تِلْكَ اَلسَّبْتَةُ وَ يَغْشَاهُ مِنْهُ مَا يَغْشَاهُ لَثَقُلَ اَلْوَحْيُ عَلَيْهِ مِنَ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ .»[٣٦].

وفي رواية أخرى يسأل السائل عن إغماء النبي عند نزول جبرائيل (ع)، فأنكر الإمام الصادق (ع) أن يكون ذلك بصريح العبارة، وقال بأن هذه الحالة إنما كانت تعتريه عندما يخاطبه الله مباشرة: «فَسُئِلَ اَلصَّادِقُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ عَنِ اَلْغَشْيَةِ اَلَّتِي كَانَتْ تَأْخُذُ اَلنَّبِيَّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ أَ كَانَتْ تَكُونُ عِنْدَ هُبُوطِ جَبْرَئِيلَ فَقَالَ لاَ إِنَّ جَبْرَئِيلَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ إِذَا أَتَى اَلنَّبِيَّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْتَأْذِنَهُ فَإِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ قَعَدَ بَيْنَ يَدَيْهِ قِعْدَةَ اَلْعَبْدِ وَ إِنَّمَا ذَلِكَ عِنْدَ مُخَاطَبَةِ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ إِيَّاهُ بِغَيْرِ تَرْجُمَانٍ وَ وَاسِطَةٍ»[٣٧].

٣ . الاضطراب ناشئ عن مواجه الأمر المجرد: أما الرأي الآخر فلا يرى أن هذا الاضطراب مختص بمواجهة المقام الإلهي فقط، وإنما هو يحصل للنبي عند مواجهة الأمر المجرد حتى إذا كان جبرائيل؛ فإن الجسد والنفس الدنيوية للنبي مغايرة للأمر المجرد، ولذلك يحصل لها خوف واضطراب عند مواجهتها له، قال ابن الفارض في هذا الشأن: «وأعجب ما فيها شهدتُ فراعنى .. ومن نفخ روح القدس في الروح روعتي»[٣٨].

وقال سعد الدين الفرغاني في شرح هذا البيت: «حيث أن المرتبة الروحانية لبساطتها، تختلف عن مرتبة المزاج والطبيعة لتركيبها، من هنا كانت تعرض على النبي المصطفى (ص)شدّة وكربة عند ظهور جبرائيل وإبلاغ الوحي له، فيستولي لذلك الخوف على النبي»[٣٩].

وفي بعض الروايات تمّ إسناد حالة الاضطراب - التي كانت تعتري النبي عند نزول الوحي - إلى مطلق نزول الوحي، ومن ذلك: «إن الرسول كان إذا نزل عليه الوحى أخذه مثل السبات»[٤٠].

وعن عثمان بن مضعون قال: «مررت عليه وهو بفناء بابه فجلست إليه، فبينا هو يحدثني إذ رأيت بصره شاخصا إلى السماء حتى رأيت طرفه قد انقطع، ثم رأيته خفضه حتى وضعه عن يمينه، ثم ولاني ركبته وجعل ينفض برأسه كأنه الهم شيئا فقال ثم رأيته أيضا رفع طرفة إلى السماء، ثم خفضه عن شماله ثم أقبل إلي محمر الوجه يفيض عرقا، فقلت: يا رسول الله ما رأيتك فعلت الذي فعلت اليوم ... قال رسول الله(ص): ذاك جبرئيل لم يكن لي همّة غيره»[٤١].

وجاء في بعض الروايات الأخرى أن النبي الأكرم (ص)كان إذا نزل عليه الوحي وهو راكب على دابته، كانت الرعدة تأخذه وتأخذ دابته أيضاً [٤٢].

تحليل وجمع بين الروايات: فيما يتعلق بتحليل هذه الروايات التي تبدو متعارضة في ظاهرها، نشير إلى نقطتين:

  1. يحتمل أن تكون حالة الاضطراب من مشاهدة جبرائيل (ع) عائدة إلى الأشهر والسنوات الأولى من نزول الوحي، ثم اعتاد العنصر المادي لجسد ونفس رسول الله على هذه المشاهدة بفعل التكرار، ومع ذلك كانت تظهر هذه الحالة عند مواجهة الوحي المباشر ومن دون أن تكون بين النفس النبوية واسطة بين الله ونبيه.
  2. قد يمكن لنا الفصل بين أنواع الاضطراب والحالة الشبيهة بالإغماء، بالقول إن مواجهة الأمر الإلهى على نحو مباشر كانت تستوجب الاضطراب والإغماء الشديد، وأما مشاهدة جبرائيل فكانت تستوجب ما يشبه النوم والاضطراب الخفيف الذي لا يمكن الإحساس به، وإن الروايات النافية للخوف من مشاهدة جبرائيل ناظرة إلى هذه الحالة.

تجريح الروايات الدالة على الإغماء وشدّة الوحي في مراحله الأولى

ورد في بعض المصادر الروائية - مثل صحيح البخاري و صحيح مسلم[٤٣]- بعض الروايات الدالة على عروض ظاهرة الإغماء وما كان يصحب ذلك من العلامات، من قبيل الزبد الذي يُحيط بالفم، وهو أمرٌ اعتقد به أصحاب الجمود على الظاهر وأصبحت مستمسكاً بيد أعداء الإسلام في مقام المقارنة بين النبي الأكرم وسائر الأنبياء الآخرين، وقالوا بأن عروض هذه الحالة على محمد (ص)دليل على عدم نبوّته أو نقص في مرتبته ومنزلته بالقياس إلى غيره من الأنبياء.

ويجب القول في هذا الشأن إن هذا الادعاء لا يمكن أن يُستفاد من أيّ وثيقة تاريخية أو روائية، وفيما يأتي نشير إلى جانب من ذلك[٤٤]:

١. مخالفة هذه الأدلة لآيات القرآن: إن أول شيء ينفي دلالة هذه الروايات الدالة على عروض حالة الإغماء وعدم التوازن الروحي للنبي (ص)، هو ظاهر بل نصّ الآيات الدالة على الاعتدال والتوازن الروحي والنفسي للأنبياء وعدم خوفهم عند مواجهة الوحي، من قبيل قوله تعالى: ﴿يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ[٤٥].

حيث يدل ذيل هذه الآية بشكل مطلق على عدم خوف الأنبياء وطمأنينتهم عند تلقي الوحي.

٢. مخالفة هذه الأدلة للروايات الدالة على طمأنينة الأنبياء وسكينتهم عند نزول الوحي: هناك كثير من الروايات التي دلت على حصول الأنبياء عند اختيارهم ونزول الوحى عليهم من قبل الله على قوّة وطاقة عبّر عنها في بعض الروايات بـ «السكينة» و«الوقار»، كي يتمكنوا في ضوئها من تلقي الوحي بسكينة واطمئنان.

روي عن النبي الأكرم (ص) أنه قال: «إِنَّ اَللَّهَ إِذَا اِتَّخَذَ عَبْداً - رَسُولاً أَنْزَلَ عَلَيْهِ اَلسَّكِينَةَ وَ اَلْوَقَارَ، وَ كَانَ يَأْتِيهِ مِنْ قِبَلِ اَللَّهِ مِثْلُ اَلَّذِي يَرَاهُ بِعَيْنِهِ»[٤٦].

كما أكد الإمام جعفر الصادق (ع) هذا المعنى، عندما سُئل عن كيفية معرفة الرسل أنها رسل؛ فقال «كُشِفَ عَنْهُمُ اَلْغِطَاءُ»[٤٧].[٤٨]

شبهة تصنّع النبي وتظاهره بالإغماء عند نزول الوحي عليه

إن حالة الإغماء التي كانت تعرض للنبي (ص) هي حالة حقيقية، بيد أن بعض أعداء الإسلام في العالم الغربي قالوا بأن النبي - والعياذ بالله - كان يتصنّع هذه الحالة كي يوهم الناس أنه بذلك يرتبط بعالم الغيب[٤٩].

مناقشة وتحليل

في تحليل هذه الشبهة لابدّ من التأمل فيما يأتي:

مجرّد اتهام وادّعاء

إن أصل الإغماء والحالات المشابهة التي تعرض للإنسان المريض لم تعرض للنبي الأكرم (ص)حتى يصل الدور إلى البحث فيما إذا كانت حالة طبيعية أو مصطنعة، إلا أنه إذا كان المراد من التصنع والإغماء يعني نوعاً من الشعور بالثقل والاضطراب الناجم عن تلقي الوحى، فيجب القول بأن هذه الحالة كانت موجودة بالفعل، وإن دعوى التصنع مجرد اتهام لم يستند إلى دليل.

عدم الانسجام مع شخصية النبي الأكرم (ص)

تقدّم أن ذكرنا في الحديث عن سيرة النبي الأكرم (ص)أن قلنا: إنه كان يتمتع قبل البعثة بشخصية اجتماعية مرموقة ومحترمة، وكان معروفاً بالوثاقة والصدق والأمانة. ومثل هذا الشخص يُستبعد أن يخدع الناس من خلال التظاهر بالإغماء، وإن حياته السابقة لا تؤيّد ذلك، ومن هنا يجب على المدعى أن يأتي بدليل يثبت مدّعاه.

المعجزات الكثيرة

ولو سلمنا جدلاً باحتمال أن يتظاهر شخص بالإغماء، نقول إن غاية ما يستطيعه مثل هذا الشخص هو مجرّد التظاهر بالإغماء والاضطراب، أما أن يأتي لإثبات مدعاه (النبوّة) بكثير من البراهين العقلية، من قبيل الإتيان بالقرآن بما يشتمل عليه من كثير من وجوه الإعجاز وصدوره عن فرد أمّي، وإخباره بالغيب فيما يتعلق بالماضي والمستقبل، وكثير من المعجزات الأخرى، من قبيل شق القمر وتحريك الشجر، وهو أمرٌ يُثبت أنه كان متصلاً حقيقة بعالم الغيب ووحى السماء، وإلا فإن صدور هذه المعجزات عن مثل هذا الشخص يعدّ ضرباً من المحال.

عدم اقتصار الاضطراب على النبي (ص)

ذكرت المصادر التاريخية والروائية أن الاضطراب الذي كان يصاحب نزول الوحي لم يقتصر على رسول الله (ص)فحسب، بل كان ينتقل إلى من بجنبه من الصحابة وعلى الدابة التي يصدف أن يكون راكباً عليها عند مباغتة الوحي له. مما يدل على أن هذا الاضطراب كان أمراً حقيقياً ولم يكن مفتعلاً، ولو كان مجرّد تصنّع من النبي لما انعكس على مركوبه أيضاً.

كما تدل على صدق النبي في مدّعاه الكثير من الشواهد والقرائن الأخرى، من قبيل استقامته وصبره في بلوغ الهدف، وبشارة الأنبياء السابقين بنبوّته، وقد تقدّم توضيح ذلك في معرض نقد وشبهة اعتبار الوحي مجرّد وهم أو خيال[٥٠]

شبهة الوحي نتاج وهم النبي الأكرم (ص)

يذهب بعض المستشرقين إلى الاعتقاد بأن الوحي - وفي مورد بحثنا الوحي الذي نزل على رسول الله (ص) - إنما هو نتاج الضمير واللاشعور الباطني الذي يفرزه السير والسلوك الروحي والعرفاني للأنبياء[٥١]. حيث قال: إن الأنبياء الذين يمثلون شريحة من الأبرار والأتقياء الذين حملوا هموماً كبيرة من أجل هداية الناس إلى طريق الفضيلة والاستقامة، يحملهم هذا الهاجس - بعد تراكم هذه الحالة النفسية - إلى تصور ارتباطهم بعالم الغيب والملائكة، ويتصورون نوازعهم الداخلية على أنها رسائل تصدر إليهم من عالم الغيب والسماء، ويبلغونها إلى الناس بوصفها من «الوحي الإلهي».

إنّ هذا الاتجاه ينكر الارتباط الحقيقي القائم بين الأنبياء والعالم الإلهي والملائكة، ويعتبرونه مجرد وهم يتوهمه الأنبياء.

وقد ذهب بعض المستشرقين وعلماء اللاهوت في الغرب بعد دراسات جامعة بشأن شخصية النبي محمد (ص) إلى الإذعان بأنه يتصف بالأمانة والصلاح والثقة، وإنه يتمتع بنبوغ خاص صرفه في شأن الدعوة إلى الدين، ولكن هل كان إلى جانب ذلك نبياً مرسلاً من السماء؟ هذا ما لا يمكن إثباته بضرس قاطع.

يرى البروفسور مونتغمري واط الباحث الغربي في حقل الإسلام، أنّ الوحى بشكل عام «خيال مبدع» يتصف به الأنبياء الذين يتمتعون بخيال خصب، مثل سائر الفنانين والشعراء والأدباء، فهم يستطيون تجسيد ما يشعر به الآخرون ولا يستطيعون التعبير عنه بشكل ملموس[٥٢].

وهناك من المعاصرين من تأثر بهذه الرؤية. فقد عجز علي دشتي في العقود المنصرمة عن استيعاب مسألة الوحى وفهمها وحقيقته الغيبية والسماوية، ولذلك عمد إلى تفسير وحي النبي الأكرم (ص) من قبل جبرائيل (ع) على أنه مجرد أوهام وإفرازات لتمنيات الرسول الكامنة في صقع ضميره وما يضمره في اللاشعور من نفسه[٥٣].

وتعود بداية التفسير النفسي للوحى وتجاهل ارتباط النفس النبوية بعالم الغيب إلى عصر نزول القرآن. حيث كان المشركون والكفار يلجأون إلى هذا التفسير لتبرير إنكار الوحي ونبوّة رسول الله (ص)وارتباطه بعالم الغيب. وقد أرجع القرآن بعض تبريرات وحجج أعداء النبي الأكرم (ص)إلى التفسير الحسي والنفسي للوحي، وفي تحليل هذا الموقف منهم، نشير إلى قوله تعالى:

  1. ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ[٥٤]
  2. ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ[٥٥]
  3. ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ[٥٦]

مناقشة وتحليل

  1. مجرّد ادعاء بحت: إن هذا الاتجاه لا يعدو أن يكون مجرّد ادعاء محض، فإن كون بعض الناس تتنازعهم حالات نفسية وباطنية مختلفة تصل عند بعضهم إلى مستوى النبوغ والعبقرية الخاصّة، لا تنهض دليلاً على النبوة وإرجاعها إلى الوحي. وبعبارة أخرى لم يقم تمّة دليل على اعتبار الوحي نتاج قوّة الخيال التي يتمتع بها النبي.
  2. الخيال رهن بتوفر الظروف والشرائط الخاصة: إن تجلي الحالات النفسية والضمير اللاشعوري رهن بالشرائط والظروف الخاصة، فإنها تُشاهد في الغالب - مثلاً - عند أولئك الذين يعانون من بعض الأمراض أو الذين يعانون الحزن والقلق والاحباط أو المرتاضين، في حين أن تاريخ حياة الأنبياء بمن فيهم النبي الأكرم (ص)لا يتحدّث عن مثل هذه الموارد، بل على العكس من ذلك فإن بعض الآيات قد نزلت على رسول الله في أجواء من قبيل الحرب والقتال التي يستحيل مقارنتها بقوّة الخيال والطاقات النفسية العادية.
  3. الطريق العقلي لمعرفة النبي الأكرم (ص): ذكر علماء الإسلام لإثبات صدق مدّعي النبوة وتمييز النبي الصادق من النبي الكاذب - فضلاً عن النص على النبي اللاحق من قبل النبي السابق - طريقين آخرين، وهما: الطريق الأول الدليل العقلي، بمعنى أن العقل يحكم بضرورة دراسة القرائن والشواهد التي تثبت صدق مدعي النبوة، وإن التأمل في تاريخ وسيرة النبي الأكرم (ص)يُثبت أنه كان منذ الصغر يتصف بالصلاح والصدق والأمانة والوثاقة، ولذلك كان يحظى بثقة عالية بين أفراد مجتمعه، كما كان متصفاً بسائر الصفات الأخلاقية الإيجابية الأخرى أيضاً. بل أبدى مقاومة منقطعة النظير - على المستوى الروحي والجسدي - في مواجهة شتى أنواع التعذيب والألم والأذى، ولم يستسلم للضغوط والمغريات والوعود والتهديدات، مما يعكس عمق إيمانه الراسخ، وثباته على المبدأ والهدف المنشود. وفي مقابل الأنبياء الحقيقيين نجد أولئك الذين يدّعون الوحي والنبوة يفتقرون إلى الصفات المتقدمة، وإنهم منذ مراحل الطفولة والشباب كانوا يعانون من ضعف في واحدة من الجهات والصفات الأخلاقية في الحد الأدنى، من قبيل مسألة الأخلاق والسلوك أو الأمراض الجسدية والنفسية، أو الإيمان بالهدف وتحمّل أنواع التهديد والوعيد، بحيث أنهم يستسلمون غالباً ويتراجعون عن ادعاء النبوة. وعليه يمكن لنا من خلال التأمل والنظر في سيرة النبوة ومرحلتها وجهاد النبي الأكرم (ص)أن نثبت صدقه فيما ذهب إليه من ادعاء النبوة وارتباطه بعالم الغيب واتصاله بالله سبحانه وتعالى [٥٧].
  4. الإعجاز دليل النبوة: أما الطريق العقلي الآخر لإثبات صدق الأنبياء في ادعائهم فهو المعجزة. فالأنبياء لم يكتفوا بادعاء النبوة، وإنما قرنوا ذلك باجتراح المعجزات التي لم يستطع الآخرون أن يأتوا بمثلها. وقد قام النبي الأكرم (ص)لإثبات نبوته باجتراح معجزة هي من جنس ما يخرق العادة وتتناسب في الوقت نفسه مع طبيعة ما كان شائعاً في عصره من الصناعات الأدبية والبلاغية، فكان «القرآن الكريم» يمثل تحدياً لمن كان الشعر يمثل خبز يومهم، هذا مع أن النبي لم يدخل مدرسة أو يتعلم العلوم عند معلم، وجاء بكتاب وكلام أذهل الجهابذة من فطاحل الأدب العربي في عصره. فإن كان الوحي والقرآن الكريم حصيلة الخيال أو نبوغ النبي الأكرم (ص)، فلماذا لم يتمكن سائر العباقرة والأفذاذ طوال القرون الأربعة عشر المنصرمة من الإتيان بمثل هذا القرآن أو سورة واحدة من سوره في الحدّ الأدنى؟ ألا يُشكل ذلك دليلاً على أن الوحي الذي نزل على النبي الأكرم (ص)كان من سنخ الخوارق للطبيعة؟
  5. إخبار الأنبياء السابقين وبشارتهم: لقد اشتملت الكتب السماوية السابقة، ومن بينها التوراة والإنجيل على البشارة بظهور نبي في مكة يحمل صفات النبي محمد (ص). وقد قام عدد من المحققين من اليهود والمسيحيين المعاصرين باعتناق الدين الذي جاء به النبي الأكرم (ص)بالنظر إلى ما وجدوه في كتبهم مما ينطبق على النبي محمد انطباقاً كاملاً لا يبقى معه من شك. بل هناك منهم من ألف الكتب في إثبات هذا المدعى، من أمثال الميرزا محمد رضا، من علماء اليهود في طهران، حيث ألف كتاب «إقامة الشهود في ردّ اليهود»، ومحمد صادق فخر الإسلام في كتابه «أنيس الأعلام في نصرة الإسلام»، وعلي بن ربان الطبري في كتابه «الكتاب والدين والدولة».[٥٨]

شبهة إنكار دور النبي الأكرم (ص) في الوحي (شبهة النحلة والببغاء)

هناك من يرى أن اللازم من نظرية علماء الإسلام بشأن نزول ألفاظ القرآن من قبل الله على النبي هو إنكار دور النبي في الوحي، بمعنى أن الوحي والقرآن الكريم إذا لم يكن ثمرة تمخّضت عنها التجربة الدينية للنبي، فإن ذلك سيلزم منه تدني مستوى دور النبي إلى مجرد وسيط، أو أنه - على حدّ تعبير صاحب الشبهة - سيكون مثل الببغاء أو آلة التسجيل[٥٩].

قال أصحاب هذه الشبهة: إن القول بنظرية «النزول اللفظي للوحي» لا يتناسب مع «شخصية النبي»، ولذلك لا بد - للحفاظ على مكانة النبي - من إنكار النزول اللفظي للوحي بزعمهم والاعتقاد بأن القرآن الكريم هو ثمرة التجربة الدينية للنبي.[٦٠]

نقد ورأي

إنّ الإشكال الهام في هذه المقاربة يكمن في الغفلة عن نظرية علماء الإسلام، فإنهم رغم اعتقادهم بأن الوحي والقرآن عين الألفاظ الصادرة عن الله، إلا أنهم من ناحية أخرى يؤكدون على دور النبي الأكرم (ص) في مختلف الحقول التكوينية والتشريعية من العقيدة. ولأجل عدم طرح المباحث الجديدة من هذا النوع، لم يتم بيانه وتقريره بوصفه دوراً للنبي في الوحي، وهذا ما سنعمل على عرضه هنا من خلال التأمل فى آراء العلماء من المسلمين.[٦١]

إشارة إلى حقيقة الوحي

إن الوحي حقيقة خافية ومستترة لا يمكن التوصل إلى إدراك كنهها إلا لأصحاب الوحى من «الأنبياء» أنفسهم. وبالالتفات إلى هذه الحقيقة فإن دور أصحاب الوحي في تلقي الوحي سيكون خافياً بدوره على الناس العاديين، شأنه في ذلك شأن حقيقة الوحي نفسها. ومع ذلك قد يمكن - من خلال التمسك بالروايات المأثورة عن النبي الأكرم (ص)بشأن الوحي، والنظر في قواعد وأصول علوم من قبيل العرفان والفلسفة - تقديم صورة إجمالية عن حقيقة الوحى ودور الأنبياء فيه. ولهذه الغاية لا بد أولاً من الإشارة إلى حقيقة الوحي.[٦٢]

الاتجاه الإخباري والموضوعي

في هذا الاتجاه يتمّ تفسير حقيقة الوحي على أنها الإخبار والإعلان عن نداء ورسالة السماء من قبل الله بشكل مباشر أو بواسطة إنسان خاص (النبي)، لغرض إبلاغه إلى الناس.

وإن مثل هذا الوحي يتحقق على مختلف الصور، من قبيل نزول الملك، والرؤيا، والإلقاء في القلب والروع، أو سماع النداء الغيبي.

وقد استدلّ أصحاب هذا الرأي على نظريتهم بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ[٦٣].

فقد تحدّثت هذه الآية الشريفة أولاً عن «الكلام» بوصفه وسيلة للتخاطب بين الله والبشر، والمراد منه مطلق الارتباط والإخبار والإعلان من قبل الله والذي يكون أحياناً من خلال الكلام والألفاظ والإلقاء في القلب والروع (الإلهام = القريب من معنى الحدس) الذي يدل عليه القسم الأول منه «﴿إِلَّا وَحْياً» طبقاً لما عليه رأي المفسرين. ويؤيد هذا القسم القسمان الآخران، أي «﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ» و«﴿يُرْسِلَ رَسُولاً»؛ وذلك لأن الأول يعني سماع النداء الإلهي من وراء حجاب مثل الشجر، والثاني يعني الحوار الملك، فيبقى العبارة «﴿إِلَّا وَحْياً» مفهوم الإلهام في القلب أو الإلهام في عالم الرؤيا.

وهذا التفسير هو التفسير التقليدي للوحي والذي عليه أكثر علماء الإسلام وحتى المسيحيين أيضاً.[٦٤]

الاتجاه الفلسفي والعرفاني

الاتجاه الآخر يعود إلى الفلاسفة والعرفاء، حيث يُدّعى أن الوحى ليس مجرّد نزول ملَك الوحي أو التكلم الإلهي مع النبي، بل يتحقق في ضوء الكشف والشهود الذي يحصل للنفس النبوية بفعل تكاملها بحيث يغدو بإمكانها الارتباط بعالم الغيب، وتنجح في الحصول على الأخبار والأحكام المغيبة عن سواهم.

وقد وصف صدر المتألهين مبدأ الوحى بالتفات النفس وتوجّهها إلى عالم الغيب، فقال «إن جهة النفس التي إلى عالم الغيب هي مدخل الإلهام والوحي»[٦٥].

وقال سماحة السيد روح الله الموسوي الخميني في توضيح مفهوم الوحي: «بعد خروج النبي الأكرم (ص) من الحالة البشرية، وتوجيه شطر قلبه إلى ناحية الجبروت، يتصل بتلك الروح العظمى المتمثلة بجبرائيل(ع)»[٦٦].

حصيلة الكلام أنّ هناك تفسيرين مختلفين لحقيقة الوحي، وطبقاً للتفسير التقليدي نجد الوحى عبارة عن نزول النداء السماوى من طريق الملك أو النداء الغيبي. وطبقاً للتفسير الفلسفي والعرفاني فإن الوحي يعني صعود النبي واتصاله النفسي والروحي بالعوالم العليا التي هي عوالم العقول والملائكة.

رؤية المتكلمين والفلاسفة

نبدأ أولاً ببيان دور النبي الأكرم (ص)في الوحي على أساس النظرية المشهورة والتقليدية:

١. الاستعداد اللازم لتلقي الوحي: إنّ أهم دور يراه هذا الاتجاه لأصحاب الوحى - أي الأنبياء - هو الاستعداد الخاص لتقبّل الوحي، بمعنى أن الوصول إلى مقام النبوة وتلقي الوحي ليس مقدوراً لجميع الناس، وإنما يتوقف ذلك على توفر الصلاحية والاستعداد لتقبّل الوحي، ذلك من خلال الاتصاف بالصفات الكمالية بشكل تام. بعبارة أخرى إن الأنبياء هم من الأفراد الصالحين والكاملين الذي اجتباهم الله واصطفاهم لحمل رسالته. فهم يتمتعون بأقصى درجات الكمال والصلاح في مختلف الأبعاد العقلية والأخلاقية.

وهذا المعنى من النبوة قد تمّ التأكيد عليه في الروايات، فقد روي عن النبي الأكرم (ص)أنه قال: «وَ لاَ بَعَثَ اَللَّهُ نَبِيّاً وَ لاَ رَسُولاً حَتَّى يَسْتَكْمِلَ اَلْعَقْلَ، وَ يَكُونَ عَقْلُهُ أَفْضَلَ مِنْ جَمِيعِ عُقُولِ أُمَّتِهِ»[٦٧].

وكما روي عن الإمام الحسين (ع) أنه قال: «إِنَّ اللَّهَ وَجَدَ قَلْبُ مُحَمَّدٍ أَفْضَلَ الْقُلُوبِ وَ أَوْعَاهَا؛ فَاخْتَارَهُ لِلنُّبُوَّةِ»[٦٨].

وقد أكد بعض الفلاسفة على لزوم توفر شرط الكفاءة والاستعداد والنورانية في النفس النبوية، كي يتمكن النبي من اللقاء بملك الوحي[٦٩].

وقد صرّح الأستاذ الشهيد مرتضى المطهري من المعاصرين قائلاً: «إن الوحي - خلافاً للغريزة - هداية تتخطى الحس والعقل، بل هو من الأمور الاكتسابية إلى حدّ كبير. بل هو من أعلى درجات الوعي والإدراك»[٧٠].

وعليه فإن أول دور للنبي في الوحي يكمن في استعداده لتقبل الوحي وتوجيه خطابه إليه. وهذه الصفة في حدّ ذاتها تحظى بأهمية بالغة، إذ لا يمكن الاتصاف بهذه الصفة إلا للأفراد من البشر؛ ليكونوا أهلاً لتلقي رسالة السماء.

زبدة الكلام أن الرؤية التقليدية لا ترى دور حامل الوحي يقتصر على مجرد دور الوسيط والببغاء وآلة التسجيل؛ لأن هذه الأمور مجرّد وسائل مادية تمّ تصميمها من قبل شخص بعينه. وأما حامل الوحي فهو إنسان مختار ومجتبى؛ إذ لا بد لتقبل خطاب الوحي من مواصفات خاصة، وإن هذا الأمر رهن بأن يتحلى الإنسان (النبي) بأتمّ الصفات الكمالية.

٢. تحمّل الوحي: لقد أشرنا إلى أن الشرط الأساس في تقبّل حمل خطاب الوحي هو الاستعداد الخاص لتلقي نداء الخالق تعالى. وإن المرحلة التالية أو الدور التالي لحامل الوحي يكمن في قدرته على تحمّل الوحي، توضيح ذلك:

إن ارتباط الإنسان بمحيطه يتمّ عادة من خلال الحواس الخمسة. أما الارتباط بعالم الغيب فهو ارتباط خاص وخارق للعادة، وإن أصل إقامة هذا الارتباط والقدرة على المحافظة عليه تستدعي وجود أرضية خاصة، من قبيل الأفراد الذين يقيمون الارتباط مع العوالم الغيبية من خلال اللجوء إلى مختلف الأساليب، مثل إحضار الأرواح والجن وما إلى ذلك مما يصعب على البعض تحمّله، وقد يؤدي بهم أحياناً إلى الاضطراب أو الحالات النفسية الأخرى، كما أن استمرار مثل هذا الارتباط يتوقف على أسباب وعناصر، من بينها وجود بعض الصفات الخاصة لدى الفرد، والمثابرة على مزاولتها.

ولمّا كانت النبوة والوحي عبارة عن ارتباط من نوع خاص بعالم الغيب، فإن شرائطه ستكون أكثر تعقيداً من سائر أنواع الارتباط الأخرى بالغيب، وإن على شخص النبي أن يستعد ويوفّر في نفسه أرضية نزول الوحي والملَك أو سماع النداء الغيبي؛ ذلك لأن الوحي ليس مجرّد رؤية شخص عادي أو سماع صوت مألوف.

وإن ما ورد في الروايات من الأحوال العجيبة التي كانت تظهر على النبي أثناء نزول الوحى من قبيل الضعف والإحساس بالبرد وترشّح العرق والاضطراب وما يُشبه الإغماء تعكس صعوبة تحمّل الوحي، وقد روي عن النبي الأكرم (ص)، أنه قال: «أَحْيَاناً يَأْتِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ اَلْجَرَسِ وَ هُوَ أَشَدُّ عَلَيَّ فَيَفْصِمُ عَنِّي وَ قَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ»[٧١].

وقال في موضع آخر في جوابه عن سؤال بشأن كيفية الشعور بالوحي: «أَسْمِعْ صلاصل ثُمَّ أَسْكُتْ عِنْدَ ذَلِكَ، فَمَا مِنْ مَرَّةٍ يُوحى إِلَيَّ، إِلَّا ظَنَنْتُ أَنَّ نَفْسِي تُقْبَضْ»[٧٢].

بالالتفات إلى حقيقة أن تلقّي الوحي يكون محفوفاً بالصعوبات في بعض الحالات في الحد الأدنى، يتضح أن نزول الوحي لم يكن مجرّد سماع صوت أو رؤية اعتيادية كي نكون قد تنزلنا بدور النبي الأكرم (ص)إلى مستوى الببغاء أو آلة التسجيل، بل إن لنزول الوحي إطاره الخاص المصحوب بكثير من الصعوبات التي لم يكن بمقدور غير النفس الإلهية التي يتمتع بها النبي أن تتحملها، أو أن تنقلها بفضل العناية الإلهية بشكل خالص.

٣. تلقي الوحي الخالص: أمّا الدور اللاحق للنبي الأكرم (ص)بعد أصل التعرض للوحي والخطاب الإلهي، فيكمن في تلقي الوحي الخالص من الله مباشرة من خلال الواسطة. ولمّا كان الارتباط بعالم الغيب يُعدّ أمراً خارقاً للعادة بالنسبة إلى الإنسان الدنيوي، فهناك إمكانية لوقوع حامل الوحي في الخطأ أو النسيان في تلقي الوحي. من هنا فقد لحظ الله سبحانه وتعالى طريقين لصيانة الوحي؛ الطريق الأول اختيار النبي من بين الكاملين من الناس الذين يتوفّر لديهم الاستعداد لحفظ الوحي. ويكون دور النبي في هذا الطريق بارزاً، ذلك لأن النبي لما يتمتع به من الصفات الكمالية يتمكن من الاضطلاع بتلقي الوحي. وبعبارة أخرى إن كفاءة النفس النبوية دخيلة ومؤثرة في هذا المقام. وقد تحدّث القرآن الكريم عن التعليم الإلهي للنبي الأكرم (ص)، وهذا فرع استعداد المتعلم، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً[٧٣].

وأما الطريق الثاني فيتمثل في عناية الله وفضله الشامل للنفس النبوية، وهو ما تؤكد عليه الآيات الآتية:

  1. ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً[٧٤]
  2. ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً[٧٥]
  3. ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ[٧٦]

وإن نتيجة هذين الطريقين (النفس النبوية، والعناية الإلهية)، تثبت عصمة النبي الأكرم (ص) في مقام تلقي الوحي [٧٧].

٤. حفظ الوحي: أمّا الدور الرابع الذي يضطلع به النبي الأكرم (ص)فيما يتعلق بالوحي، والذي يرتبط بمرحلة ما بعد الحصول على الوحي الخالص، فيتمثل بمرحلة الحفظ. بمعنى أن النبي الأكرم (ص)يمكنه بفضل الله وعنايته من حفظ جميع الآيات النازلة عليه من دون نقصان ومن دون تقديم حرف على حرف، حتى يبلغه إلى المخاطبين. قال تعالى في محكم كتابه الكريم: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى[٧٨].

كما أكد النبي الأكرم (ص) نفسه على مسألة حفظ الوحي بعد بواسطة الملك قائلاً: «فَقَدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ» [٧٩].

وكان النبي - كما قال الإمام علي (ع) في وصفه - مستأمناً على الوحى الإلهى «أَمِينُ وَحْيِهِ»[٨٠].

٥. إبلاغ الوحي بشكل كامل وتام: وفي مرحلة إبلاغ نداء الوحي إلى الناس، قد يُقال بأن النبي يعمل على تغيير رسالة الوحي، أو يؤجل إبلاغه إلى وقت آخر بسبب بعض المصالح، من قبيل الخوف أو الطمع، أو أن يمتنع عن إبلاغه من الأساس. بيد أن القرآن الكريم قال في هذا الشأن:

  1. ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ[٨١]
  2. ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ[٨٢]

أما الآية الآتية فتؤكد على أن جميع ما ينطق به النبي هو عين الوحي الإلهي: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى[٨٣].

فهذه الآية الشريفة تبرّئ النبي من اتباع جميع أنواع الهوى في القول، وترى أن ما ينطق به هو الوحي الإلهي، وهو أمرٌ يحكي عن قداسة النفس النبوية وتكاملها.

هذا وقد ذهب بعض أهل الحديث من أهل السنة إلى الاعتقاد بإمكان تلبيس الشيطان في الوحى، وهو ما عرف عندهم بقصة «الغرانيق».

٦. تفسير وبيان الوحي «الولاية التشريعية»: إنّ من بين أهمّ الأدوار التي يضطلع بها رسول الله (ص)، بيان الوحي وتفسيره بشكل خالص. فإن القرآن الكريم يحتوي على قسمين من الآيات، وهما المحكمات والمتشابهات. والمتشابهات لا يمكن تفسيرهن إلا للراسخين في العلم، والنبي الأكرم (ص)على رأسهم، حيث يستطيع بسبب ارتباطه بعالم الغيب أن يقدم تفسيراً صادقاً وخالصاً لهذا النوع من الآيات، وهذا ما أكد عليه القرآن الكريم بقوله:

  1. ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ[٨٤]
  2. ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ[٨٥]
  3. ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ[٨٦]

وبعبارة أخرى إن الله سبحانه وتعالى قد فوّض لرسوله الكريم تشريع بعض الأحكام على أن يكون ذلك بإذنه، وطبقاً لبعض الروايات يمكن للنبي أن يضيف ركعتين إلى الصلاة اليومية، واستحباب صيام ثلاثة أيام في كل شهر، وتحريم جميع المسكرات بالإضافة إلى الخمر، ودية النفس والأنف، وتفصيلات الصلاة وما إلى ذلك[٨٧].

وعليه رغم أن الرؤية التقليدية تصف دور النبي (ص)بالدور القابل والمتلّقي للوحي، إلا أن الدور الذي يضطلع به النبي أكثر أهمية وأكبر تأثيراً من ذلك بكثير، إذ إنّه من السنخ التكويني الذي يعود إلى طبيعة النفس القدسية والإلهية التي يتمتع بها النبي الأكرم (ص)، ولولا هذه النفس النبوية القدسية التي هي نفس إلهية، لما أمكن للنبي أن يتصل بعالم الغيب أبداً، ولما تمكن من الحصول على الوحى وحفظه وإبلاغه .

ولا تتوفر هذه الخصال والصفات إلا لدى الأنبياء، وإن تفسير النظرية التقليدية لدور النبي في الوحي بدور الببغاء ينشأ من عدم الفهم الصحيح لنظرية علماء الإسلام فيما يتعلق بحقيقة الوحي والنبوة.[٨٨]

رأي الفلاسفة والعرفاء (الدور التكويني)

أن الفلاسفة والعرفاء قد فسّروا حقيقة النبوة والوحي بتكامل النفس النبوية والاتصال بعالم الغيب (عالم العقول والبرزخ والملكوت)، وإنه بموجب ذلك يتمكن النبي من الاتصال بعالم الغيب ويحصل بذلك على الأخبار والمعلومات بشأن عالم التكوين والتشريع.

ولمزيد من التوضيح بشأن نظرية الفلاسفة والعرفاء لا بدّ من الإشارة إلى النقاط الآتية:

١. إن الاختلاف الجوهري بين الوحي النازل على نبي الإسلام وسائر الأنبياء الآخرين يعود إلى كون النبي الأكرم (ص)هو المخلوق والصادر الأول. ففي عالم العقول قام الله سبحانه وتعالى بخلق العقل الأول الذي هو عبارة عن «الحقيقة المحمدية»، وإن سائر الكائنات - ومنها الملائكة والأنبياء - قد وجدت في ضوء وجود هذه الحقيقة المحمدية». وبعبارة أخرى إن الحقيقة المحمدية هي واسطة الفيض الإلهي إلى سائر الكائنات، وطبقاً لقاعدة «الواحد» فإن «الحقيقة المحمدية» تلعب دوراً إيجابياً فى ظهور الحياة وبقائها ووجود سائر الكائنات، ومن بينها ملائكة الوحي. وهذا ما تدلّ عليه بعض الروايات أيضاً، فقد روي عن الإمام علي (ع)، أنه قال: «نَحْنُ صَنَائِعُ اللَّهُ، وَ الْخَلْقُ صَنَائِعُ لَنَا»[٨٩].

يذهب الفلاسفة والعرفاء إلى الاعتقاد بأن العقل الأول «الحقيقة المحمدية» هو أكمل الموجودات، وإن العوالم الأخرى إنما تنشأ وتتفرّع عنها[٩٠].

٢. وعلى هذا الأساس هناك للقرآن الكريم وجود عقلي بسيط سابق فى عالم العقول أيضاً، وعلى رأس هذه العقول «الحقيقة المحمدية»، وقد نزل منها إلى عالم المادة والألفاظ، وقد دلّ القرآن الكريم على هذا المعنى أيضاً، ومن ذلك قوله تعالى:

  1. ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ[٩١].
  2. ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ[٩٢]
  3. ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ[٩٣]
  4. ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ[٩٤]

٣. طبقاً لنظرية العرفاء فإن للوجودات الدنيوية للناس وجوداً مجرداً وسابقاً باسم «العين الثابتة» في عالم العقول أو «الأعيان الثابتة» وإن العنصر المادي للإنسان هو من مقتضيات العين الثابتة.

وإن العنصر المادي للنبي الأكرم (ص)لا يشذ عن هذه القاعدة. وطبقاً لذلك تكون النفس النبوية مظهراً ومقتضى ل- «العين الثابتة». ولمّا كانت العين الثابتة للنبي الأكرم (ص)قد بلغت مقام النبوة، فإن العنصر المادي له يقتضي ذلك أيضاً.

٤. لكي يبلغ الفرد مقام النبوة فإنه بحاجة إلى تهذيب على مستوى النفس والجسد وإلى عناية إلهية. ولتحقيق هذه الغاية فإن النفس النبوية بعد اكتساب الأهلية اللازمة ترتبط بالعقل الفعال (جبرائيل)، ويقوم جبرائيل بنقل شيء من المعلومات والمعارف القرآنية التي حصل عليها بدوره من الحقيقة المحمدية إلى النفس الدنيوية للنبي الأكرم (ص).

٥. من خلال سموّ وقوّة النفس النبوية يشتدّ ارتباطها بجبرائيل، ولربما أمكن للعنصر المادي للنبي أن يتصل بـ «حقيقته المحمدية» مباشرة، ليأخذ منها المعارف الدينية الخالصة [٩٥]

وفي ضوء هذا الارتباط تتكامل النفس النبوية بحيث تغدو الملائكة - ومن بينها ملَك الوحي (جبرائيل) - مأتمرة بأمره، وتأخذ الإذن منه بالنزول والصعود [٩٦].[٩٧]

شبهة انحصار شأن النبوة والنبي (ص) بإبلاغ الوحي والهداية دون الحكم

يذهب العلمانيون إلى الادعاء بأن الرجوع إلى القرآن يثبت أن شأن النبي الأكرم (ص)ومهمته تقتصر على إبلاغ رسالة السماء وهداية الناس إلى الله والآخرة، ولم ترد أيّ آية بشأن الدنيا والحكم، واستندوا لإثبات مدعاهم ببعض الآيات القرآنية، من قبيل قوله تعالى:

  1. ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ[٩٨]
  2. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً[٩٩]

وقد سبق أن تمّ طرح هذه الشبهة أولاً من قبل علي عبد الرزاق [١٠٠] بين أهل السنة، وتسرّبت في العقود الأخيرة لتلقى رواجاً بين العلمانيين من الشيعة [١٠١].[١٠٢]

أبعاد منزلة النبوة والنبي الأكرم (ص)

يذهب أكثر الباحثين الغربيين وبعض المستنيرين المسلمين في السنوات الأخيرة إلى دعم «التعددية الدينية»، ولا يتحملون حصر الحق في دين خاص، وقد أصبحوا فيما يتعلق بتفسير النبوة وغايتها حصريين للأسف الشديد، حيث قالوا بأن فلسفة النبوة الوحيدة هي الله، وتأتي الآخرة تبعاً لذلك. إلا أن الرجوع إلى القرآن الكريم يثبت لنا أن جميع الأنبياء كانوا يمتازون برؤية جامعة وشاملة، بمعنى أنهم كانوا يسعون بمختلف الوسائل والسُبل إلى التأثير في البعد الدنيوي والأخروي من حياة الإنسان. حيث كانوا ينشدون مختلف الغايات والأهداف التي يمكن تسميتها بالتعددية في الأهداف أو «التعددية الغائية».

نعم إنّ أول الأهداف والغايات وأهمّها من البعثة والنبوّة ينظر إلى الآخرة وهداية الناس إلى الفلاح والنجاح الروحي والمعنوي، ولكن هذا هو أول الأهداف وليس آخرها . فإن الأنبياء إلى جانب هذا الهدف، كانوا يسعون إلى إقامة العدل والحرية وبناء الدولة وحل النزاعات والخصومات بين الناس، ولم تكن هذه الغايات من منطلق أنهم من جملة الناس الذين يحملون هموم المواطنة والحياة الاجتماعية، بل يأتي اهتمام الأنبياء بهذه الأهداف طبقاً لإرشادات السماء وتعاليمها، من هنا فإنّ الأهداف الثلاثة الآنفة تدخل في ضمن البرنامج والرسالة الإلهية التي حملها الأنبياء، وهو ما سنقوم بتوضيحه.

العدالة الاجتماعية

تذهب بعض الآيات إلى بيان أحد أهداف بعثة الأنبياء الإلهيين بشكل عام في إبلاغ مجموعة من القرارات والقوانين الاجتماعية والدنيوية، وتعتبر امتثالها موجباً لتحقيق القسط والعدل، من قبيل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ[١٠٣].

فهذه الآية لا تتحدّث عن الهداية وإنزال النور، بل هي تشير إلى بعض القوانين ذات الصلة بعالم الدنيا، والتي تؤدي مراعاتها إلى تحقيق العدالة، وهي قوانين أرسلت للناس بواسطة الأنبياء لتكون جزءاً من جدول أعمالهم. وهذه المسألة تعني الاهتمام بالبُعد الدنيوي من حياة الناس.

توضيح ذلك أن عنوان «الكتاب» في الآية الشريفة لا يختص بالأحكام الفردية والعبادية، وإنما هو بشكل عام يشمل حتى الأحكام الاجتماعية أيضاً؛ إذ تمّ وصف تحقيق العدالة والقسط من قبل الناس بأنه من نتائج إنزال الكتاب، وبين هذين الأمرين ارتباط وثيق. فلو قلنا بعدم شمول الكتاب للأحكام الدنيوية، وقصرناه على الهداية والآخرة، سيعني ذلك زوال هذا الارتباط.

وعلاوة على ذلك فإن التذكير بالحديد (بوصفه رمزاً للقهر والقضاء المبرم) في الآية بهذا الوصف لما يثيره من الرعب، يُعدّ شاهداً آخر على عمومية «الكتاب» وشموله للأحكام الاجتماعية ومعاقبة المتخلفين في هذه الدنيا؛ لأن ظاهر التهديد بالسيف، فعليته وتحققه في هذه الدنيا، كما أن منافع الحديد إنما تكون للناس في هذه الدنيا أيضاً.

حاصل الكلام أن الآية الشريفة تقرّ في الحد الأدنى بحقيقة إنزال بعض القوانين الناظرة إلى الأمور الدنيوية من حياة الناس من قبل الله بواسطة الأنبياء، وإن مهمة هؤلاء الأنبياء لم تقتصر على الوعظ والإرشاد فقط. وهناك كثير من الآيات التي تدعو النبي الأكرم (ص)وسائر المؤمنين برعاية العدل في القضاء وفى الأمور الاقتصادية والاجتماعية أيضاً، من قبيل قوله تعالى:

  1. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ[١٠٤]
  2. ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ[١٠٥]
  3. ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ[١٠٦]
  4. ﴿يَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ[١٠٧]

والآية الأولى والثانية ذات صلة بالقضاء، والآيتان الأخيرتان ترتبطان بالاقتصاد، وفي جميع هذه الحالات يأمر الله رسوله وسائر العباد بتطبيق العدل.

الحرية الاجتماعية

كانت الطبقة التي تنتمي إلى الأقلية على طول التاريخ هي التي تتسلط على رقاب الأكثرية من أبناء المجتمع، وتعمل على الاستئثار في السلطة وتستثمر أرواح المواطنين وأموالهم وأعراضهم. ولربما حظي هذا الواقع المرير بدعم وتأييد كبار المفكرين والفلاسفة في العالم، كما نشهد ذلك في نظريات الفلسفة السياسية لكل من أرسطو[١٠٨] فيما ذهب إليه من الحق الطبيعي، وإفلاطون في حكم الأشراف والطبقات الفذة. أما الأنبياء فقد وقفوا بأجمعهم في وجوه حكام الجور والطاغوت، وكانوا يطالبونهم برعاية الحقوق الفطرية والحريات البديهية للمواطنين، وأن لا ينتهكوا حقوقهم، وفيما يأتي نشير إلى بعض هذه الاعتراضات:

يؤكد القرآن الكريم على أن الله تعالى قد أرسل كل نبي إلى أمتي لغاية الدعوة إلى عبادة الله ونبذ الطاغوت: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ[١٠٩].

يبادر النبي الأكرم (ص)مستلهماً تعاليم وحي السماء إلى دعوة الأمة الإسلامية إلى تحرير سائر الشعوب الأخرى من ربقة الظالمين - ولو باللجوء إلى الحرب - ويرى الركون إلى السلم في هذه الحالات أمراً غير مقبول: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا[١١٠].

كما أخبر القرآن بقتل كثير من الأنبياء بسبب معارضتهم لظلم الحكومات، من قبيل قوله تعالى:

  1. ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ[١١١]
  2. ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ[١١٢]

وقد تحدثت آية أخرى عن مواجهة أتباع الأنبياء على طول التاريخ للطغات والظالمين مشكلين جبهة محكمة وراسخة، وكان دعاؤهم من الله أن يثبت أقدامهم وينصرهم على الكافرين: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ[١١٣].

وفي عصر النبي الأكرم (ص) لم تكن هناك حكومة أو حاكم بعينه ممسكاً بمقاليد الأمور في شبه الجزيرة العربية، وإنما كانت المنطقة نهباً للنزاعات القبلية. وكانت الطبقة الارستقراطية تستثمر الطبقة المستضعفة لصالحها وتلبية مآربها، وكانوا يستعبدون الناس ضمن نظام الرقية ويحمّلونهم ما لا يطيقون ويصادرون جهودهم ويبخسونهم حقوقهم. في مثل هذا المجتمع ظهر النبي الأكرم (ص)فلقي ترحيباً واسعاً من الطبقات المستضعفة والمحرومة، وهو أمرٌ أثار مخاوف الطبقة الارستقراطية في مكة. وقد سعى قادة قريش في المرحلة الأولى إلى ثني الرسول عن المضي في دعوته من خلال الوعود بتأميره أو جعله ملكاً عليهم[١١٤]، وبعد أن يأسوا من ذلك خططوا لقتله، ولكن الله أخبره بما يضمرونه له[١١٥]، فاختار الهجرة إلى المدينة للنجاة من كيد الأعداء.

وقد ذكر القرآن الكريم أن من بين الأهداف التي كان ينشدها رسول الله (ص)تحرير الناس من جميع قيود العبودية التي فرضها عليهم النظام الجاهلي، قال تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ[١١٦].

وقد صرّح النبي الأكرم (ص)في رسالته إلى نصارى نجران قائلاً بأن دعوته تتلخص في تحرير الناس من عبادة العباد والدعوة إلى عبادة الله، إذ يقول: «أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوكُمْ إِلَى عِبَادَةِ اَللَّهِ مِنْ عِبَادَةِ اَلْعِبَادِ وَ أَدْعُوكُمْ إِلَى وَلاَيَةِ اَللَّهِ مِنْ وَلاَيَةِ اَلْعِبَادِ» [١١٧].

وقال رسول الله في رواية أخرى إن الهدف من بعثه هو مواجهة الطغاة من السلاطين: «إِنَّ اَللَّهَ بَعَثَنِي أَنْ أَقْتُلَ جَمِيعَ مُلُوكِ اَلدُّنْيَا» [١١٨].

كما توجد هناك إشارات صريحة إلى هذه الغاية في مختلف الروايات المأثورة عن الأئمة الأطهار (ع) .

والجدير بالذكر فيما يتعلق بمقارعة الأنبياء للظلم أنّ الله يحذّرهم من مغبّة الوقوع في نفس الأخطاء التي ارتكبها الطغاة من قبلهم، فلا ينبغي بالمؤمنين بعد تحقيق الانتصار أن يمارسوا ذات الظلم الذي كان يمارسه الطغاة بحق الناس، كما هي الحالة السائدة بالنسبة إلى أكثر الثورات والانقلابات في العالم، قال تعالى في محكم كتابه الكريم: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ[١١٩].

حلّ الخصومات والنزاعات بين أفراد الشعب والدولة

لا تخلو طبيعة الحياة الاجتماعية من الاختلافات والنزاعات بين مختلف الأفراد لمختلف الأسباب والدوافع وإن حل هذه النزاعات يكون من خلال السلطة القضائية. ومن ناحية أخرى قد يتمرّد الخصم الذي تحكم المحكمة عليه فلا ينصاع لقرارها، وهو أمرٌ يستدعي تأسيس كيان رافد للسلطة القضائية يمكنه إلزام المحكوم عليه بما قضت به المحكمة عملياً.

إن نظرة القرآن إلى النبوة ليست نظرة أحادية، ولا يريد القرآن من الأنبياء أن يقتصروا على بيان التعاليم الدينية فقط، بل إن من بين أهداف النبوة وإنزال الكتاب هو القضاء بين الناس وحسم النزاعات والخصومات بينهم. وفي الحقيقة فإن الله يريد من الأنبياء أن لا يتخذوا موقف المتفرج تجاه الاختلاف بين أفراد الأمة، بل يأمرهم بالتدخل من أجل حلها، قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ[١٢٠] .

كما أمر الله تعالى الناس في آية أخرى بالاحتكام إلى المراجع القضائية وإلى حكم الله ورسوله عند احتدام الخلاف فيما بينهم، إذ يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً[١٢١].

فهذه الآية الشريفة لا تكتفى بمجرّد إلزام الناس بالرجوع عند الاختلاف إلى حكم النبوة فقط، بل ترى ذلك من شروط الإيمان بالله والمعاد.

وهناك آية أخرى تؤكد على حسم جميع أنواع الخلافات من خلال الانصياع لحكم الله، قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ[١٢٢].

وقد اشتملت هذه الآيات الثلاث على نوعين من الإلزام؛ النوع الأول إلزام للنبي حيث يؤمر بالعمل على حل الخلافات والفصل بين النزاعات الدنيوية. والنوع الثاني إلزام للناس حيث يؤمرون بالرجوع إلى الأنبياء في حل نزاعاتهم.

والجدير بالذكر هنا أن من لوازم الحكم بين الناس امتعاض المحكوم من قرار المحكمة الإلهية ولربما عمد الطرف المحكوم إلى اتهام المحكمة بالانحياز ضدّه، إلا أن هذا لا يشكل سبباً وجيها أو مبرراً منطقياً يمنع الله من إرسال الرسل لحل المشاكل الاجتماعية، كما يقول نصّ الشبهة التي يتبنى العلمانيون طرحها حيث ينطلقون من منطلق الحفاظ على قداسة الدين وعدم الدخول في معمعات الدوائر السياسية.

وفيما يأتي نشير إلى آيتين أخريين تم التعريف فيهما بالقضاء والحكم بين الناس بوصفه من أهداف بعثة الأنبياء والمرسلين، إذ يقول تعالى:

  1. ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً[١٢٣]
  2. ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ[١٢٤]

إن هذه الآيات لا تعرّف القرآن الكريم وسائر الكتب السماوية بوصفها كتب هداية فحسب، بل إن الله في هذه الآيات يُشير إلى الفلسفة الدنيوية والمادية من بعث الأنبياء، وإن هذه الفلسفة تتمثل في مهمة النبي الأكرم (ص)وسائر الأنبياء في حسم الخلافات والفصل بين الخصومات، ليكونوا بذلك عاملين على وفق التعاليم والموازين المذكورة فى الكتب السماوية. وهذا الأمر لا يعتبر دون شأن الأنبياء، بل هو الغاية والهدف من وراء نزول الكتب السماوية وبعثة الأنبياء.

وقد ورد في بعض الروايات أن الاهتمام بأمور الدنيا وإصلاحها مسألة تقضي بضرورة النبوة، فقد روي عن الإمام الرضا (ع) أنه قال في هذا الشأن: «لَم يَكُنْ بُدٌّ مِن رَسولٍ بَينَهُ وبَينَهُم مَعصومٍ يُؤدّي إلَيهِم أمرَهُ ونَهيَهُ وأدَبَهُ، ويَقِفُهُم على ما يَكونُ بهِ إحرازُ مَنافِعِهِم ودَفعُ مَضارِّهِم، إذ لَم يَكُنْ في خَلقِهِم ما يَعرِفونَ بهِ ما يَحتاجونَ إلَيهِ مَنافِعَهُم ومَضارَّهُم»[١٢٥]

من هنا ذهب الحكماء وبعض المفكرين من أمثال القاضي عبد الجبار المعتزلي[١٢٦]، و ابن ميثم البحراني[١٢٧]، و الفاضل المقداد السيوري[١٢٨]، والعلامة محمد حسين الطباطبائي والشهيد الأستاذ مرتضى المطهري[١٢٩]، إلى القول باعتبار القيام بالشؤون الدنيوية للناس جزءاً من حقيقة «النبوّة».

وقال العلامة الطباطبائي في تعريف النبي في تفسير الميزان: «النبي هو الذي يبيّن للناس صلاح معاشهم ومعادهم»[١٣٠].

ثمّ إن الهدف الذاتي من خلق الإنسان وبعثة الأنبياء وإنزال الكتب السماوية يكمن في هداية الناس إلى المنازل المعنوية والروحية التي تبلغ ذروتها من الزاوية القرآنية في الوصول من الله «قاب قوسين». ويأتي وضع القوانين والتشريعات الحكومية في إطار بلوغ الإنسان محطة القرب من الله، الذي يلعب في الحقيقة دور المقدمة الموصلة. كما أن ذكر «الآخرة» بوصفها هي الفلسفة من البعثة في عرض «الله» لا يخلو من مسامحة؛ لأن الآخرة - الأعم من الجنة أو النار - ليست هي الغاية من البعثة، وإنما هي غاية مطمح العبيد والتجار.

وعليه فإن الالتزام بأن القرآن الكريم إنما يطرح المسائل والأسس المطروحة في أمور الدنيا لغاية تربية الإنسان وإيصاله إلى محطة القرب من الله، وإن الأمور الدنيوية تأتي في المرحلة الثانوية من أهداف الأنياء لا يخدش في ذكر الحياة الدنيوية بوصفها واحدة من أهداف البعثة أبداً.

قال السيد روح الله الموسوي الخميني في هذا الشأن: «إن جميع ما جاء به الأنبياء لم يكن هو المقصود بالذات، ومن ذلك إقامة الحكومة أيضاً»[١٣١].

من هنا أرى أن وصف التعاليم والأحكام القرآنية الناظرة إلى الأمور الدنيوية بأنها «نتاج فرعي» أو «ضمني»[١٣٢] صحيح ومطابق للواقع من بعض الزوايا. وفى ذلك يقول السيد مهدي بازرگان: «لقد كان الهدف من البعثة يرصد هذين الأمرين (الله والآخرة)، بيد أن تحقيق هذه الغاية يقتضي قيام دولة يقودها المسلمون»[١٣٣].

بيد أن محل الخلاف يأتي من منشأ المشروعية لمثل هذه الحكومة التي اعتبرها السيد مهدي بازرگان عبارة عن الرأي العام، ولا يستثني من ذلك حتى حكومة النبي الأكرم (ص)، وفي الصفحات القادمة سيتضح بطلان هذا القول.[١٣٤]

الخلط بين الحصر الإضافي والحصر الحقيقي

إن الحصر الوارد في الآيات التي ترى شأن النبي ومسؤوليته منحصراً بالإبلاغ والذكر هو حصر إضافي. وقد تقدّم في علم المعاني والبيان أن هذا المورد من الحصر يستعمل لبيان الموارد التي تحظى بأهمية كبيرة، كأن يقول الأب لولده إن مهمتك اليوم تنحصر بالدراسة. ومن الواضح أن الأب في هذا الكلام لا يريد من الولد إهمال الوظائف الأخرى، من قبيل مسألة التربية، والأخلاق وسائر الوظائف والتكاليف الأخرى.

وهكذا الأمر بالنسبة إلى هذه الآيات التي تحصر مهمة النبي بالتبليغ بوصفه المسؤولية الأولى والأهم بالنسبة له بوصفه سفير السماء، وهو أمرٌ يعكس الأهمية القصوى للتبليغ، ولا يمكن التمسك بذلك دليلاً على العلمانية. وذلك لوجود سائر الشؤون والمسؤوليات الأخرى التي تصرّح الآيات بأنها من جملة مهام النبي.

الأمر الآخر أنّنا إذا اعتبرنا الحصر هنا حصراً حقيقياً، للزم من ذلك أن تكون مسؤولية النبي الأكرم (ص)أدنى من مسؤوليات بعض الأنبياء؛ إذ إنّ بعض الأنبياء - طبقاً لكثير من الآيات - قد تولى مناصب من قبيل الحكم والقضاء وتحقيق الحريات الاجتماعية وإقامة الحدود بتخويل من الله سبحانه وتعالى. وعليه فإن أفضل السبل للجمع بين آيات الحصر، والآيات الأخرى التي تدل على وجود وظائف ومهام أخرى للنبي هو حمل الحصر المتقدم على الحصر الإضافي.[١٣٥]

المراجع والمصادر

  1.   السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية
  2.   عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر
  3.   محمد حسن قدردان قراملكي، النبي الأعظم أجوبة الشبهات الكلامية

الهوامش

  1. أقرب الموارد، سعيد الخوري الشرتوني، ج ٢، الوحي.
  2. لسان العرب، ج ١٥، ص ٢٨٠.
  3. مجمع البحرين ولسان العرب، ج ١٥، ص ٢٨٠.
  4. المفردات في غريب القرآن،الراغب الأصفهاني، ص ٥١٥ ؛وابن منظور، لسان العرب، ج ١٥، ص ٣٨٠.
  5. عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ١٣٦-١٣٧.
  6. عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ١٣٦.
  7. انظر: السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية: ١٧٦.
  8. انظر: السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية: ١٧٧.
  9. انظر: السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية: ١٧٨ - ١٧٩.
  10. الوحي والنبوّة (بالفارسية: وحي ونبوّت)محمّد تقي شريعتي، ص ٤.
  11. شرح مقدّمة القيصري، ص ٥٩٠.
  12. عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ١٤١-١٤٢.
  13. سورة الشورى، الآية ٥١ -٥٢.
  14. سورة الفتح، الآية ٢٧.
  15. سورة الشعراء، الآية ١٩٣-١٩٤.
  16. سورة المزمل، الآية ٥.
  17. عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ١٥٣ - ١٥٤.
  18. سورة الشعراء، الآية ١٩٣-١٩٤.
  19. سورة الضحى، الآية ٦-٨.
  20. سورة النساء، الآية ١١٣.
  21. سورة النجم، الآية ٥.
  22. لاحظ: النبوّة،مرتضى المطهري، ص ٨١-٨٤(النسخة الفارسية).
  23. سورة الأنعام، الآية ٧٥.
  24. سورة النمل، الآية ٩.
  25. سورة النمل، الآية ١٠.
  26. تفسير العياشي، ج ٢، ص ٢٠١ .
  27. عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ١٥٤ - ١٥٧.
  28. أُنظر: ابن وراق، إسلام ومسلماني (الإسلام والإسلاموية)، ترجمه إلى الفارسية مسعود انصاري (روشنگر)، ج ١، ص ١٩٧ .
  29. ليس هناك من ضرورة إلى وصف هذه الحالة بالضعف والخوف، وإنما هي حالة يفرزها ثقل الوحي لا أكثر، من دون أن يكون هناك خوف أو وجل، خاصة وأن الله سبحانه وتعالى يقول في الآية العاشرة من سورة النمل (إنّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ المرسلون)، المعرب .
  30. أُنظر: عبد الوهاب الشعراني، اليواقيت والجواهر، ج ٢، ص ٣٥٨ .
  31. صدر المتألهين الشيرازي، الحكمة المتعالية في الأسفار الأربعة، ج ٧، ص ٢٧ - ٢٨ .
  32. السيد الإمام روح الله الموسوي الخميني، التعليقات على شرح فصوص الحكم، ص ٣٧.
  33. سورة المزمل، الآية ٥.
  34. العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، مهر تابان (الشمس المضيئة)، ص ٢١٠.
  35. أُنظر: الشيخ عباس القمي، سفينة البحار، ج ٢، ص ٦٣٨ .
  36. العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ١٨، ص ٢٧١.
  37. العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ١٨، ص ٢٦٠ .
  38. نقلاً عن سعد الدين الفرغاني، مشارق الدراري، ص ٥٣٦ .
  39. سعد الدين الفرغاني، مشارق الدراري، ص ٥٣٧ .
  40. الشيخ عباس القمي، سفينة البحار، ج ٨، ص ٤٢٢ .
  41. العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ١٨، ص ٢٦٩.
  42. أُنظر: المصدر أعلاه، ص ٢٧١؛ الشيخ عباس القمي، سفينة البحار، ج ٨، ص ١٥٨ و٤٢٢ .
  43. أُنظر: صحيح البخاري، ج ١، ص ٥، وج ٩، ص ٢٨؛ صحيح مسلم، ج ١، ص ٩٧.
  44. أُنظر: السيد جعفر مرتضى العاملي، الصحيح من سيرة النبي الأعظم، ج ٢، ص ٢٩٥ و٣١٠ - ٣١١؛ محمد هادي معرفت، التمهيد في علوم القرآن، ج ١، ص ٧٥ - ٧٧ .
  45. سورة النمل، الآية ١٠.
  46. تفسير العياشي، ج ٢، ص ٢٠١؛ العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ١٨، ص ٢٦٢ .
  47. العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ١١، ص ٥٦ .
  48. محمد حسن قدردان قراملكي، النبي الأعظم أجوبة الشبهات الكلامية، ص ١٤٤.
  49. أُنظر: ابن ورّاق، إسلام ومسلماني، ترجمه إلى الفارسية مسعود انصاري (روشنگر)، ص ١٩٧ .
  50. محمد حسن قدردان قراملكي، النبي الأعظم أجوبة الشبهات الكلامية، ص ١٥١.
  51. أُنظر: ابن وراق، إسلام ومسلماني، ترجمه إلى الفارسية مسعود انصاري (روشنگر)، ص ١٧٧؛ سياوش اوستا (حسن عباسي)، دين داري وخرد گرايي (التديّن والعقلانية)، ص ١٣ - ١٦ .
  52. أُنظر: مونتغمري واط، محمد النبي والسياسي، ص ٢٩٨.
  53. أُنظر: علي دشتي، بيست وسه سال، إعداد وتنقيح بهرام چوبينه، ص ٤٣؛ وقد قام آية الله الشيخ جعفر سبحاني بنقد هذا الكتاب نقداً علمياً في كتاب له تحت عنوان (راز بزرگ رسالت).
  54. سورة ص، الآية ٧.
  55. سورة الأنعام، الآية ٢٥.
  56. سورة الأنبياء، الآية ٥.
  57. أُنظر: محمد رشيد رضا، الوحي المحمدي، ص ٣٥؛ جعفر سبحاني، الإلهيات، ج ٢، ص ١٠٩ و٤٣٦ .
  58. محمد حسن قدردان قراملكي، النبي الأعظم أجوبة الشبهات الكلامية، ص ١٦٤.
  59. "إن القرآن نتاج كشف وتجربة بشرية مرسلة ومؤيدة بشكل خارق للعادة ... [ النظرية المشهورة ] إن النموذج الذي يجعل من النبي مجرّد قابل وناقل للوحي، واعتبار النسبة بين الله ونبيه من قبيل نسبة الخطيب إلى مكبر الصوت (اللاقطة)، لو أنه استعمل مثال النحلة أو النخلة بدلاً من الببغاء، لكن أبلغ وأجلى في بيان نسبة الوحي إلى النبي محمد (ص)، فأين الببغاء الذي هو مجرد مقلد من النحلة التي ترقى إلى مستوى الخلق والانتاج المبدع؟" (أُنظر: طوطي وزنبور، الجواب الثاني لآية الله جعفر سبحاني، موقع سروش).
  60. محمد حسن قدردان قراملكي، النبي الأعظم أجوبة الشبهات الكلامية، ص ١٧٨.
  61. محمد حسن قدردان قراملكي، النبي الأعظم أجوبة الشبهات الكلامية (كتاب)|النبي الأعظم أجوبة الشبهات الكلامية، ص ١٧٨.
  62. محمد حسن قدردان قراملكي، النبي الأعظم أجوبة الشبهات الكلامية، ص١٧٩.
  63. سورة الشورى، الآية ٥١.
  64. محمد حسن قدردان قراملكي، النبي الأعظم أجوبة الشبهات الكلامية، ص ١٧٩.
  65. صدر المتألهين، المبدأ والمعاد، ص ٥٩٩.
  66. السيد روح الله الموسوي الخميني، تفسير سورة الحمد، ص ١٨٣ .
  67. محمد بن يعقوب الكليني، أصول الكافي، ج ١، ص ١٣.
  68. محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ١٨، ص ٢٠٥.
  69. سلسلة مصنفات شيخ الإشراق، مقدمة وتصحيح هنري كوربان، ج ١، ص ٩٥؛ شيخ الإشراق، سه رساله از شيخ اشراق (ثلاث رسائل لشيخ الإشراق)، ص ٦ .
  70. مرتضى المطهري، مجوعه آثار (الأعمال الكاملة)، ج ٢، ص١٩٢.
  71. محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ١٨، ص ٢٦٠، وج ٥٦، ص ٢١٤؛ ابن شهر آشوب، المناقب، ج ١، ص ٤٣ .
  72. السيوطي، جلال الدين، الإتقان في علوم القرآن، ج ١، ص ١٢٧ .
  73. سورة النساء، الآية ١١٣.
  74. سورة الجن، الآية ٢٨.
  75. سورة الجن، الآية ٢٦-٢٧.
  76. سورة الحجر، الآية ٩.
  77. أُنظر: العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج ٢٠، ص ١٣٣ .
  78. سورة الأعلى، الآية ٦.
  79. العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ١٨، ص ٢٦٠.
  80. نهج البلاغة، الخطبة ١٧٢.
  81. سورة التكوير، الآية ٢٤.
  82. سورة يونس، الآية ١٥.
  83. سورة النجم، الآية ٣-٤.
  84. سورة النحل، الآية ٤٤.
  85. سورة البقرة، الآية ١٥١.
  86. سورة آل عمران، الآية ١٦٤.
  87. أُنظر: محمد بن يعقوب الكليني، أصول الكافي، ج ١، ص ٢٦٦؛ محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٢٥، ص ٣٣٢؛ العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج ٤، ص ٣٨٨، وج ١٢، ص ٢٥٩ .
  88. محمد حسن قدردان قراملكي، النبي الأعظم أجوبة الشبهات الكلامية، ص ١٨١.
  89. نهج البلاغة، الكتاب رقم ٢٨ .
  90. أُنظر: الإمام السيد روح الله الموسوي الخميني، آداب الصلاة، ص ١٤٩ - ١٨٠؛ السيد روح الله الموسوي الخميني، تفسير سورة الحمد، ص ٦٥-٦٦.
  91. سورة الزخرف، الآية ٤.
  92. سورة هود، الآية ١.
  93. سورة البروج، الآية ٢١.
  94. سورة الواقعة، الآية ٧٧-٧٩.
  95. أنظر: صدر المتألهين، الحكمة المتعالية في الأسفار الأربعة، ج٧، ص ٢٧.
  96. أنظر: الإمام السيد روح الله الموسوي الخميني، صجيفة نور، ج١٩، ص ١٧٦.
  97. محمد حسن قدردان قراملكي، النبي الأعظم أجوبة الشبهات الكلامية، ص ١٨٨.
  98. سورة الجمعة، الآية ٢.
  99. سورة الأحزاب، الآية ٤٥-٤٦.
  100. أُنظر: عبد الرزاق، على، الإسلام وأصول الحكم، ص ٦٠ و١٥٠ . وقد ترجم هذا الكتاب إلى اللغة الفارسية تحت عنوان (إسلام ومباني قدرت) .
  101. أُنظر: مهدي بازرگان، آخرت وخدا هدف بعثت، ص ٨٢ و٢٢٩؛ مهدي حائري يزدي، حكمت وحكومت، ص ١٤٠ .
  102. محمد حسن قدردان قراملكي، النبي الأعظم أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٢٣٠.
  103. سورة الحديد، الآية ٢٥. قال الأستاذ الشهيد مرتضى المطهري في تفسير هذه الآية "إن كل نبي قام بالثورة على النظام الديني القائم، وسعى إلى إصلاح النظم الاجتماعي، وهذا ما يؤكد عليه القرآن بشكل خاص. فإن الثورة على النظام الفاسد وبناء نظام عادل بدلاً منه كان يمثل غاية لجميع الأنبياء والرسالات، بيد أن هذه الحقيقة قد تجلت في الإسلام - بوصفه الدين الخاتم - بشكل أوضح". (أُنظر: مرتضى المطهري، پيرامون انقلاب إسلامي، ص ١٠١) .
  104. سورة النساء، الآية ٥٨.
  105. سورة المائدة، الآية ٤٢.
  106. سورة الأنعام، الآية ١٥٢.
  107. سورة هود، الآية ٨٥.
  108. أُنظر: أرسطو، السياسة، نقله إلى الفارسية حميد عنايت، ص ١٠ .
  109. سورة النحل، الآية ٣٦.
  110. سورة النساء، الآية ٧٥.
  111. سورة البقرة، الآية ٦١.
  112. سورة آل عمران، الآية ١٨١.
  113. سورة آل عمران، الآية ١٤٦-١٤٧.
  114. أُنظر: ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب، ج ١، ص ٥٨؛ محمد رضا الحكيمي وآخرين، الحياة، ج ٢، ص ٢٣٧ .
  115. أُنظر: الأنفال: ٣٠.
  116. سورة الأعراف، الآية ١٥٧.
  117. العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٢١، ص ٢٨٥ .
  118. العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٩، ص ٢١٠، وج ١٨، ص ٢٣٤.
  119. سورة آل عمران، الآية ٧٩.
  120. سورة البقرة، الآية ٢١٣.
  121. سورة النساء، الآية ٥٩.
  122. سورة الشورى، الآية ١٠.
  123. سورة النساء، الآية ١٠٥.
  124. سورة البقرة، الآية ٢١٣.
  125. العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٦، ص ٦٠، وج ١١، ص ٤٠ .
  126. أُنظر: القاضي عبد الجبار المعتزلي، شرح الأصول الخمسة، ص ٥٦٤.
  127. أُنظر: ابن ميثم البحراني، قواعد المرام، ص ١٢٢ .
  128. أُنظر: الفاضل المقداد السيوري، اللوامع الإلهية، ص ١٦٥.
  129. أُنظر: مرتضى المطهري، مجموعه آثار (الأعمال الكاملة)، ج ٢، ص ١٧٥ و٤٤٣، وج ١، ص ٥٧٥؛ مرتضى المطهري، پيرامون انقلاب إسلامي، ص ١٠١؛ مرتضى المطهري، نظام حقوق زن در إسلام، ص ٨٨ .
  130. العلامة محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج ٢، ص ١٢٢. ولمزيد من الاطلاع على آراء العلماء المسلمين، أُنظر أحد فرامرز قراملكي، مباني كلامي جهت گيري دعوت انبيا (الأسس الكلامية لدعوة الأنبياء).
  131. السيد الإمام روح الله الموسوي الخميني، صحيفه نور، ج ١، ص ٢٣٨، وج ١٨، ص ١٨١ .
  132. أُنظر: مهدي بازرگان، آخرت وخدا هدف بعثت، ص ٧٤.
  133. أُنظر: مهدي بازرگان، آخرت وخدا هدف بعثت، ص ٢٢٧.
  134. محمد حسن قدردان قراملكي، النبي الأعظم أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٢٣٠.
  135. محمد حسن قدردان قراملكي، النبي الأعظم أجوبة الشبهات الكلامية (كتاب)|النبي الأعظم أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٢٤٠.