إرادة الله في معارف الإمام الحسين وسيرته
تمهيد
قال الإمام الحسين(ع) _ في جوابه لأم سلمة حينما قالت: يا بني، لا تُحزنّي بخروجك إلى العراق، فإني سمعت جدك يقول: يُقتل ولدي الحسين(ع) بأرض العراق _: «يَا أُمَّاهُ، قَدْ شَاءَ اللهُ عِزَّ وَجَلَّ أَنْ يَرَانِي مَقْتُولًا مَذْبُوحًا ظُلْمًا وَعُدْوَانًا، وَقَدْ شَاءَ أَنْ يَرَى حَرَمِي وَرَهْطِي وَنِسَائِي مُشَرَّدِينَ، وَأَطْفَالِي مَذْبُوحِينَ مَظْلُومِينَ مَأْسُورِينَ مُقَيَّدِينَ، وَهُمْ يَسْتَغِيثُونَ فَلَا يَجِدُونَ نَاصِرًا وَلَا مُعِينًا.»[١].
وقال(ع) لما عزم على الخروج إلى العراق: «اَلْحَمْدُ لِلَّهِ وَمَا شَاءَ اَللهُ وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ صَلَّى اَللهُ عَلَى رَسُولِهِ وَسَلَّمَ خُطَّ اَلْمَوْتُ عَلَى وُلْدِ آدَمَ مَخَطَّ اَلْقِلاَدَةِ عَلَى جِيدِ اَلْفَتَاةِ وَمَا أَوْلَهَنِي إِلَى أَسْلاَفِي اِشْتِيَاقَ يَعْقُوبَ...»[٢].
وفي جوابه(ع) لمحمد بن الحنفية حينما أشار عليه بالعدول عن السفر إلى العراق، قال: «أَتَانِي رَسُولُ اَللهِ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ بَعْدَ مَا فَارَقْتُكَ فَقَالَ يَا حُسَيْنُ اُخْرُجْ فَإِنَّ اَللهَ قَدْ شَاءَ أَنْ يَرَاكَ قَتِيلاً فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ اَلْحَنَفِيَّةِ إِنّٰا لِلّٰهِ وَإِنّٰا إِلَيْهِ رٰاجِعُونَ فَمَا مَعْنَى حَمْلِكَ هَؤُلاَءِ اَلنِّسَاءَ مَعَكَ وَأَنْتَ تَخْرُجُ عَلَى مِثْلِ هَذَا اَلْحَالِ قَالَ فَقَالَ لِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ إِنَّ اَللهَ قَدْ شَاءَ أَنْ يَرَاهُنَّ سَبَايَا فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَمَضَى.»[٣].
وسُئل الإمام الحسين بن علي(عليهما السلام): كيف أصبحت يا بن رسول الله؟! قال(ع): «أَصْبَحْتُ وَ لِيَ رَبٌّ فَوْقِي وَ اَلنَّارُ أَمَامِي وَ اَلْمَوْتُ يَطْلُبُنِي وَ اَلْحِسَابُ مُحْدِقٌ بِي وَ أَنَا مُرْتَهَنٌ بِعَمَلِي لاَ أَجِدُ مَا أُحِبُّ وَ لاَ أَدْفَعُ مَا أَكْرَهُ وَ اَلْأُمُورُ بِيَدِ غَيْرِي فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَنِي وَ إِنْ شَاءَ عَفَى عَنِّي فَأَيُّ فَقِيرٍ أَفْقَرُ مِنِّي؟»[٤]. وفي حديث آخر قال(ع) لأحدهم: «كَيفَ خَلَّفتَ أهلَ العِراقِ؟ قالَ: يَا ابنَ بِنتِ رَسولِ اللهِ، خَلَّفتُ القُلوبَ مَعَكَ وَالسُّيوفَ مَعَ بَني امَيَّةَ! فَقالَ لَهُ الحُسَينُ (ع): صَدَقتَ يا أخَا العَرَبِ، إنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى يَفعَلُ ما يَشاءُ، ويَحكُمُ ما يُريدُ.»[٥]. وقال(ع) _ في تفسير كلمات الأذان _: «اَللهُ أَكْبَرُ أَيِ اَلْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ يَقْدِرُ عَلَى مَا يَشَاءُ».
والبحث في الإرادة في النص الحسيني يكتسب الهيكلية الآتية: [٦].
المشيئة والإرادة في اللغة والاصطلاح
قال الفيومي في المصباح: «شاء زيد الأمر يشاؤه شيئاً، من باب نال: أراده، والمشيئة اسم منه بالهمزة»[٧]. وقال الجوهري في الصحاح: «والمشيئة: الإرادة، وقد شئت الشيء أشاؤه. وقولهم: كل شيء لشيئة الله مثل شيعة، أي: بمشيئته. وقال الأصمعي: شيَّأت الرجل على الأمر: حملته عليه»[٨]. فالأصل في هذه المادة: هو تميل يصل إلى حد الطلب.
وتتحقق المشيئة في الخارج بعد التوجه إلى المشاء أولاً، ثم تصوره ثانياً، ثم التميل والرغبة إليه ثالثاً، وبعد المشيئة يتحقق العزم والتصميم، ومن ثم تحصل الإرادة، وهذا يُتصور في المخلوق.
وأما المشيئة عند الله تعالى، فلا تحتاج إلى التوجه إلى المشاء، ولا إلى تصوره، ولا إلى الرغبة إليه؛ لأن الله تعالى محيط وعالم بكل شيء، وإحاطته وعلمه تعالى حضوري، كما تقدم في مبحث العلم الإلهي.[٩].
الفرق بين المشيئة والإرادة
قال الإمام الحسين(ع): «شَاءَ اللهُ أَنْ يَرَانِي قَتِيلًا».
لا فرق بين المشيئة والإرادة، نعم هناك فرق اعتباري بينهما من جهة أن الشيء إذا نسبناه إلى الفاعل يُسمى مشيئةً، وإذا نُسب الشيء إلى الفعل المراد يُسمى إرادةً، وهذا من قَبيل الفرق بين الإيجاد والوجود؛ حيث إن المعلول إذا نُسب إلى فاعله يُسمى إيجاداً، وإذا نُظر إليه بما هو موجود من الموجودات يُسمى وجوداً، فالوجود والإيجاد شيء واحد، ولكن يختلفان بالاعتبار، وكذلك المشيئة والإرادة شيء واحد، ولكن يختلفان بالاعتبار.
وهذا ما ذكره الطباطبائي في تعليقته على أصول الكافي، حيث يقول: «لا ريب أن لنا في أفعالنا الاختيارية مشيئةً وإرادةً وتقديراً وقضاءً، وهو الحكم البتّي، وحيث عدّ الله سبحانه الموجودات أفعالاً لنفسه، صادرة عن علمه وقدرته، لم يكن بدّ من أن نُذعن في فعله بالجهات التي لا يخلو عنها فعل اختياري بما أنه فعل اختياري، من المشيئة والإرادة والتقدير والقضاء، فالمشيئة والإرادة هما معنى الذي لا بد في الفعل الاختياري من تحققه في نفس الفاعل منَّا بعد العلم وقبل الفعل، وهذا المعنى من حيث ارتباطه بالفاعل يُسمى مشيئة به. ومن حيث ارتباطه بالفعل وتعلقه به يُسمى إرادةً، والتقدير تحديد مقدار الفعل من حيث تعلق المشيئة به، أما القضاء فهو الحكم الأخير الذي لا واسطة بينه وبين الفعل»[١٠].[١١].
أقسام الإرادة الإلهية في كلمات الإمام(ع)
تنقسم الإرادة الإلهية إلى قسمين:
القسم الأول: الإرادة التكوينية
قال الإمام الحسين(ع): «وَمَهْمَا يُقْضَ مِنْ أَمْرٍ يَكُنْ»[١٢].
لكي يتضح معنى الإرادة التكوينية حري بنا أن نأتي بمثال الإرادة عند الإنسان، فالإنسان فاعل علميّ، أي: إنَّ لعلمه مدخليّة في فعله، وليس من قَبيل النار التي تفعل الإحراق من دون أن يكون لها علم بالإحراق.
فالإنسان فاعل علميّ، ولعلمه دخل في أفعاله الاختيارية، فلو شاء فعل ولو لم يشأ لم يتحقق منه الفعل في الواقع الخارجي، فلو لم يشأ الأكل لما أكل، ولو لم يشأ الكلام لما تكلّم، وهكذا.
وعلى هذا الأساس؛ فإنَّ الإنسان إذا تصوَّر فعلاً من الأفعال، ثمَّ صدَّق بأنَّ هذا الفعل لو تحقق منه في الخارج سوف يحصل على كمال وفائدة له، فحينئذٍ يحصل له شوق وميل لذلك الفعل، ومن ثمَّ يحصل له عزم وتصميم وتحريك العضلات لإيجاده. وهذا العزم الذي يتبعه تحريك العضلات لإيجاد الفعل يُطلق عليه الإرادة التكوينية.
وعليه؛ فتكون الإرادة أمراً اختيارياً، إذ لعلَّ الإنسان يحصل له شوق وميل نحو الفعل، لكن لا يحصل له إجماعُ عزمٍ وتصميم وتحريك العضلات لإيجاده في الخارج، كما في الصائم _مثلاً_ فإنَّه يحصل له شوق نحو الأكل، لكن لا تحصل له إرادة لتناول الطعام، فالإرادة التكوينية هي التي تتعلَّق بفعل المريد نفسه[١٣]، وتقابلها الإرادة التشريعية التي تتعلَّق بفعل الغير على أن يصدر منه، وهي التي تكون في التكاليف كما سيأتي.
إذاً مقدمات الإرادة التكوينية عند الإنسان هي التصور والتصديق والشوق، فالإرادة هي العزم على الفعل، ويتبعها تحريك العضلات لتحقيق الفعل في الخارج. ومن هنا؛ يتضح أنَّ المراد من الإرادة التكوينية هو أن لا يتوسَّط بينها وبين تحقق الفعل في الخارج إرادة فاعل آخر.
هذا كلُّه في الإرادة التكوينية عند الإنسان. لكن السؤال عن كيفية الإرادة التكوينية عند الله تعالى؟
والجواب: إنَّ الله تعالى منزَّه عن مقدمات الإرادة عند الإنسان، وهي تصور الفعل والتصديق بفائدته والعزم عليه؛ وذلك لما ذكره الإمام الحسين(ع) مراراً، من أنَّه تعالى منزَّه لا يُوصف بشيء من صفات المخلوقين[١٤].
ومن الواضح أنَّ التصور والتصديق والشوق من صفات المخلوقين، أما سبب تنزُّهه تعالى عن التصور والتصديق؛ فلأنَّهما من أقسام العلم الحصولي، وقد تقدم في مبحث العلم أنَّ علمه تعالى حضوري لا حصولي.
وأما تنزُّهه تعالى عن الشوق والميل؛ فلأنَّ الشوق والميل هما الرغبة إلى كمال مفقود، وهما يلازمان الفقدان والنقص، والله تعالى منزَّه عن كلِّ نقصٍ كما سبق في مبحث التوحيد الأحدي، وثبت أنَّ ذاته تعالى مشتملة على كلِّ كمالٍ وجمالٍ؛ إذ لو كانت فاقدةً لكمالٍ معينٍ أو أن درجة الكمال محدودة ومتناهية، للزم أن تكون الذات الإلهية مركَّبة من وجود كمال وفقدان كمال آخر، وهو خلاف ما ثبت من أنَّ ذاته تعالى بسيطة غير مركَّبة.
فلا وجود للتفكير عند الله تعالى؛ لأنَّ التفكير حركة في الفكر، والله تعالى ليس مُنزَّهاً عن الحركات الظاهرية المادية فحسب، بل مُنزَّهٌ أيضاً عن الحركات الفكرية؛ لذا يقول الإمام الحسين(ع): «هُوَ اَلْأَوَّلُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ لَمْ يَزَلْ وَاَلْآخِرُ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ لاَ يَزَالُ»[١٥]، وهذه هي مسألة الأزلية، أي: إنَّه تعالى لا أول له، وإذا كان لا أول له فلا نهاية له، وعليه فلا يكون محدوداً، فيكون أزلياً محضاً؛ لذا يكون الحقُّ تعالى مُنزَّهاً عن مقدِّمات الإرادة التي هي التصور والشوق والميل.
ولكن يوجد شيء آخر في الذات الإلهية بدل الشوق الملازم للفقدان، وهذا الشيء هو الحب للخير، فالخير محبوب له تعالى لا بما أنَّه مفقود بالنسبة لله تعالى، بل لأنَّه يُحبُّ ذاته المقدسة، وإذا أحبَّ ذاته أحبَّ آثار ذاته، ومن آثار ذاته تعالى هي أفعاله، وهو الذي يُصطلح عليه بالابتهاج الذاتي والحب الذاتي، فحبُّ ذاته منشأ لاختيار الفعل على عدمه؛ لأنَّ الفعل من آثار ذاته المقدسة، ومَن أحبَّ شيئاً أحبَّ آثاره، فلو لم يوجد حبٌّ ذاتي عند الله تعالى لذاته، لما صدر الفعل. فالفعل يصدر منه تعالى لأنَّه من آثار ذاته سبحانه، نعم ليس الفعل محبوباً بالذات، ولكنَّه محبوب بالعرض؛ لأنَّ المحبوب بالذات هي ذاته تعالى. وبتعبير السيد الخميني(قدس سرُّه): «لولا ذلك الحب لا يظهر موجود من الموجودات، ولا يصل أحد إلى كمال من الكمالات، فإنَّه بالعشق قامت السماوات»[١٦].
وبهذا يتضح أنَّ منشأ الفعل من قِبَلَه تعالى هو الحب في ذاته المقدسة، وعلى أساس هذا الحب يختار الله تعالى ذلك الفعل.
فالله تعالى إذا أحبَّ شيئاً فعله من دون توسط شيء آخر، وهو ما أشار إليه الإمام الحسين(ع) بقوله: «وَمَهْمَا يُقْضَ مِنْ أَمْرٍ يَكُنْ»، بمعنى إذا قضى الله تعالى شيئاً، فهو يتحقق مباشرة بمجرد إرادته تعالى، ولا يتوقف على شيء آخر، وهو يلتقي مع قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾[١٧]، والمراد من قوله للشيء: (كن) ليس القول اللفظي المتعارف، والصوت المسموع، بل هذا القول هو إحداث الشيء[١٨]، من قبيل قوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾[١٩]، فقوله تعالى: ﴿كُونُوا﴾ ليس لفظاً وأمراً لأصحاب السبت بأن صيِّروا أنفسكم قردةً، بل هو إحداث الشيء، ولهذا انقلب أصحاب السبت بعد هذا الخطاب إلى قردة خاسئين، وهذه هي الإرادة التكوينية عند الله تعالى.[٢٠].
القسم الثاني: الإرادة التشريعية
قال الإمام الحسين(ع): «مَا أَخَذَ اَللهُ طَاقَةَ أَحَدٍ إِلاَّ وَضَعَ عَنْهُ طَاعَتَهُ وَلاَ أَخَذَ قُدْرَتَهُ إِلاَّ وَضَعَ عَنْهُ كُلْفَتَهُ»[٢١].
المراد من الإرادة التشريعية: هي التي يتوسَّط بين الآمر وبين تحقُّق الفعل في الخارج إرادة فاعل آخر، فالإنسان إذا تصوَّر شرب الماء وصدَّق بالفائدة – وهي الإرواء – فحينئذٍ يحصل له شوق لشرب الماء، عند ذلك إن أراد تحريك عضلات يده ورفع الماء وشربه فهذه إرادة تكوينية، وإذا توسَّط بين تحقُّق المراد – وهو شرب الماء – وبين إرادته لتناول الماء إرادة فاعل علمي مختار آخر، كما لو أمر زيداً بأن ائتني بالماء، فهذه الإرادة لأمر من قِبَل الآمر لزید تُسمى إرادة تشريعيّة.
والشاهد على أن له تعالى إرادة تشريعيّة: إرادته لأفعال عباده، بمعنى أنه تعالى طلب منهم أداء هذه الأفعال على وجه الاختيار لا الحتم والإجبار والإلجاء[٢٢]، من قَبیل أمره تعالى بالصلاة والصيام ونحو ذلك، هذا في جانب الطاعات، أما إرادته تعالى التشريعيّة في المعاصي فهي بمعنى النهي عنها، وهذا أمر واضح في كلمات الإمام الحسين(ع)، حيث نجد حشداً وافراً من الروايات التي وردت عنه(ع) في أبواب مختلفة من الفقه[٢٣]، تكشف عن إرادته تعالى لبعض أفعاله الاختياريّة المرتبطة بالعبادات والمعاملات[٢٤].
فالفرق بين الإرادة التشريعيّة والتكوينيّة هو: إنْ توسّط بين تحقّق الفعل والمريد إرادةُ فاعل علمي مختار آخر، فهي إرادة تشريعيّة، وإلا فهي إرادة تكوينيّة.
هذا وقد أشار الإمام الحسين(ع) إلى أن الإرادة التشريعيّة لله تعالى لا تتعلّق بالشيء إلا بما هو مقدور من قِبَل المكلّف، أما إذا كان الفعل أو الترك خارجاً عن قدرة المكلّف فلا تتعلّق به الإرادة، وهذا ما ذكره(ع) بقوله: «مَا أَخَذَ اَللهُ طَاقَةَ أَحَدٍ إِلاَّ وَضَعَ عَنْهُ طَاعَتَهُ وَلاَ أَخَذَ قُدْرَتَهُ إِلاَّ وَضَعَ عَنْهُ كُلْفَتَهُ»[٢٥].[٢٦].
المشيئة والإرادة هل هي صفة ذاتيّة لله تعالى أم فعليّة
قبل الدخول في البحث ينبغي الإشارة إلى أن صفة الإرادة من الصفات التي وقع فيها اختلاف شديد بين الحكماء والمتكلّمين، لا نريد الخوض في تفاصيلها، لكن لا بأس بتقديم لمحة إجمالية بما يناسب المقام: [٢٧].
الرأي الأول: الإرادة صفة ذاتيّة
وهذا ما ذهب إليه مشهور الفلاسفة، حيث قالوا: إن الفاعل المريد أكمل من الفاعل غير المريد؛ لذا تكون الإرادة كمالاً وعدمها نقصاً؛ وعليه لا بد أن تكون الإرادة صفةً ذاتيّةً، لكنّهم فسّروها بأنها العلم بالنظام الأصلح، بمعنى أن الإرادة هي علم الله الموجب لإيجاد فعل معيّن؛ بسبب اشتمال ذلك الفعل على مصلحة داعية إلى إيجاده، أي: إن علمه تعالى هو الذي يدعوه إلى إيجاد فعل معيّن بكيفية مخصوصة وفي وقت معيّن؛ لعلمه تعالى بأن هذا الفعل يشتمل على المصلحة بتلك الكيفية، وفي ذلك الوقت دون غيره.
قال صدر المتألهين: «معنى كونه مريداً أنه سبحانه يعقل ذاته ويعقل نظام الخير الموجود في الكلّ من ذاته، وأنه كيف يكون، وذلك النظام يكون لا محالة كائناً ومستفيضاً»[٢٨].
ونوقش هذا الرأي: بأنه ليس هنالك شكّ في أن الله تعالى عالم بذاته، وعالم بالنظام الأكمل، والأتمّ والأصلح، لكن تفسير الإرادة بالعلم يعني إنكار حقيقة الإرادة فيه سبحانه، وإنكارها في مرتبة الذات مساوق لإنكار كونه تعالى مريداً مختاراً. ومن الواضح أن هذا نقص، والله تعالى منزّه عن كلّ نقص.
ومن الشواهد على أن الإرادة ليست هي العلم، هو أن الإنسان يقول: سأفعل كذا غداً إن شاء الله تعالى. ولا يقول: سأفعل إن علم الله تعالى[٢٩].[٣٠].
الرأي الثاني: الإرادة الإلهية من صفات الأفعال
هذا الرأي يذهب إلى أن إرادة الله تعالى هي نفس عملية الخلق والإيجاد لذلك الشيء، فعندما نقول: إن الله تعالى أراد شيئاً، بمعنى خلقه وأوجده، وإذا لم يرد الله الشيء المعيّن، فهو بمعنى لم يخلقه ولم يوجده.
وهذا المعنى هو الظاهر من كلمات الإمام الحسين(ع) كقوله: «وَمَهْمَا يُقْضَ مِنْ أَمْرٍ يَكُنْ»، بمعنى إذا قضى الله شيئاً لا بد أن يريده؛ لأن مرتبة الإرادة سابقة على مرتبة القدر والقضاء[٣١]، وإذا أراده وقضاه يقول له: كُن. فيكون. ومن الواضح أن مقام ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾[٣٢] مرتبط بالفعل لا بالذات، ومما يعضد ذلك ما رُوي عن صفوان بن يحيى، قال قلت لأبي الحسن(ع): أخبرني عن الإرادة من الله، ومن الخلق؟ قال: فقال(ع): «الْإِرَادَةُ مِنَ الْخَلْقِ الضَّمِيرُ وَمَا يَبْدُو لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْفِعْلِ، وَأَمَّا مِنَ اللهِ فَإِرَادَتُهُ إِحْدَاثُهُ لَا غَيْر، لِأَنَّهُ لَا يُرَوِّي وَلَا يَهُمُّ وَلَا يَتَفَكَّرُ، وَهَذِهِ الصِّفَاتُ مَنْفِيَّةٌ عَنْهُ وَهِيَ صِفَاتُ الْخَلْقِ، فَإِرَادَةُ اللهِ الْفِعْلُ لَا غَيْرُ ذَلِكَ، يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ بِلَا لَفْظٍ وَلَا نُطْقٍ بِلِسَانٍ وَلَا هِمَّةٍ وَلَا تَفَكُّرٍ وَلَا كَيْفَ لِذَلِكَ، كَمَا أَنَّهُ لَا كَيْفَ لَهُ»[٣٣]، ومعنى تفسير الإرادة بالضمير: هو ما يضمره الإنسان في نفسه.
ومحلّ الشاهد قول الإمام(ع): «يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ»، وهو صريح في تفسير الإرادة الإلهية بمعنى فعله تعالى، وهو يلتقي مع تفسير الإمام الحسين(ع) للإرادة بالفعل في قوله المتقدّم: «وَمهما يَقضِ الله ُ مِن أمرٍ يَكُن»[٣٤].
لكن يمكن الجمع بين كونهما ذاتية وفعلية، وتوضيح ذلك:
أما أن المشيئة والإرادة صفة ذاتية؛ فلأن الإرادة صفة كمال لكونها رمز الاختيار، والله سبحانه واجد لهذا الكمال على النحو الأكمل؛ إذ هو الفاعل المختار غير المقهور في سلطانه؛ وعليه فلا بد أن يتصف الحقّ تعالى بهذه الصفة الكمالية، ولا بد أن تكون ذاتية، وإلا تكون الذات فاقدة لها وهو محال.
ولكن ثمّة سؤال: وهو بناء على القاعدة التي ذكرها الشيخ الكليني في التمييز بين الصفات الذاتية والفعلية، التي تفيد بأن الصفة الذاتية لا تدخل في إطار النفي والإثبات، فمثلاً: صفة العلم، فلا يقال: إن الله يعلم بشيء، ولا يعلم بشيء آخر. وكذلك القدرة، فلا يقال: الله قادر على الشيء الفلاني، وغير قادر على الشيء الفلاني. وهذا بخلاف الصفة الفعلية التي تقع تحت دائرة النفي والإثبات، فيقال: إن الله يخلق الشيء الفلاني، ولا يخلق الشيء الفلاني.
وعلى هذا؛ يجب أن تكون المشيئة والإرادة من الصفات الفعلية؛ لأنها مما يتوارد عليها النفي والإثبات، كما في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾[٣٥].
ويمكن الإجابة عن هذا السؤال: بأن المشيئة والإرادة الإلهية التي تكون مورداً للنفي والإثبات هي الإرادة في مقام الفعل، وأما الإرادة في مقام الذات التي هي الاختيار وعدم المقهورية، فهي لا تقع مورداً للنفي والإثبات، فلا يقال: إن الله تعالى مختار وغير مختار.
فإن قيل: لو كانت الإرادة صفةً ذاتيةً، والصفات الذاتية عين ذاته سبحانه، فلا بد أن يكون هذا العالم قديماً؛ لأن الإرادة لا تنفك عن المراد؟
والجواب: إن إرادته تعالى وإن كانت عين ذاته تعالى، لكن ذكرنا بأن إرادته تعالى عبارة عن كونه مختاراً غير مقهور على أحد الطرفين.
وعلى هذا الأساس؛ يمكن القول: إنه تعالى اختار إيجاد العالم متأخراً عن ذاته[٣٦].[٣٧].
تقسيم المشيئة والإرادة إلى حتمية وغير حتمية
قال الإمام الحسين(ع): «لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ وَاحِدٌ لَطَوَّلَ اللهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ حَتَّي يَخْرُجَ فَيَمْلَأَهَا عَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وظُلْماً»[٣٨].[٣٩].
المشيئة والإرادة الحتمية
لم يُصرّح الإمام(ع) بتقسيم المشيئة والإرادة إلى حتمية وغير حتمية، لكن هذا التقسيم يمكن استيحاؤه من بعض كلماته(ع)، من قَبيَل مقولته آنف الذكر التي تفيد بأن مشيئة الله تعالى وإرادته حتمية في ظهور المهدي من ولد الحسين(ع)، يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما مُلئت جوراً وظلماً.[٤٠].
المشيئة والإرادة غير الحتمية
في مقابل المشيئة والإرادة الحتمية المتقدمة، هناك مشيئة وإرادة غير حتمية، وهي قابلة للتغيير، كما هو واضح من أدعيته(ع) الكثيرة، وبيان فضل الأعمال الحسنة ودورها في تغيير مصير الإنسان إلى الأحسن والأفضل، وهذا بدوره يكشف عن أن مشيئته تعالى وإرادته لبعض الحوادث التي يتعرّض لها الإنسان ليست إرادة ومشيئة حتمية، وإنما هي معلّقة على أعمال الإنسان وأدعيته، كما تقدّم في مبحث البداء، من قَبيَل أنه تعالى شاء وأراد أن يكون عمر زيد ثلاثين سنة _ مثلاً _ لكن هذه المشيئة والإرادة غير حتمية؛ لأنه تعالى علّقها على أفعال زيد، فلو وصل رحمه لطوّل عمره إلى خمسين سنة _ مثلاً _ فهذه المشيئة والإرادة لموت زيد في عمر الثلاثين مشيئة وإرادة غير حتمية.[٤١].
النظام الأحسن أنموذج الإرادة الحتمية للباري تعالى
ورد النظام الأحسن في كلمات الإمام الحسين(ع) في مواضع متعددة، منها: قوله(ع) في دعاء عرفة: «ولا كَصُنعِهِ صُنعُ صانِعٍ، وهُوَ الجَوادُ الواسِعُ، فَطَرَ أجناسَ البَدائِعِ، وأتقَنَ بِحِكمَتِهِ الصَّنائِعَ»[٤٢]. وقوله(ع) أيضاً: «رَبِّ بِما أنشَأتَني فَأَحسَنتَ صورَتي، يا رَبِّ بِما أحسَنتَ بي»[٤٣]. وقوله: «أنتَ الَّذي أحسَنتَ، أنتَ الَّذي أجمَلتَ، أنتَ الَّذي أفضَلتَ أنتَ الَّذي مَنَنتَ، أنتَ الَّذي أكمَلتَ»[٤٤].
ولكي يتضح النظام الأحسن من خلال كلمات الإمام(ع) ينبغي البحث في الجهات الآتية: [٤٥].
الجهة الأولى: المراد من النظام الأحسن
النظام الأحسن هو واحد من المباحث التي لها أهمية كبيرة في النصوص القرآنية والروائية، لا سيما التي وردت في كلمات الإمام الحسين(ع)، والمراد به هو أن الله تعالى خلق عالم الإمكان _ وهو كل شيء ما سوى الله تعالى _ بأحسن نظام، ولا يمكن تصوّر نظام أفضل منه، وتعبير الإمام الحسين(ع): «لا كَصُنعِهِ صُنعُ صانِعٍ... أتقَنَ بِحِكمَتِهِ الصَّنائِعَ».[٤٦].
الجهة الثانية: الأدلة على أن نظام الخلق هو الأحسن
قال الإمام الحسين(ع): «رَبِّ بِمَا أَنْشَأْتَنِي فَأَحْسَنْتَ صُورَتِي». وقال كذلك: «أَتْقَنَ بِحِكْمَتِهِ الصَّنائِعَ».
إن نظام العالم هو الأحسن، ولا يمكن أن يوجد أحسن وأفضل منه، واستدل على ذلك بعدة أدلة، منها: [٤٧]
دليل البرهان لِمِّي
يعتمد على ثلاث مقدمات، تقدّم الكلام عنها في الأبحاث السابقة:
- المقدمة الأولى: إن الله تعالى عالم بجميع الموجودات، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة، وهو ما يُصرّح به الإمام الحسين(ع) بقوله: «يا مَنْ اَحاطَ بِكُلِّ شَىء عِلْماً»[٤٨]، فهو تعالى يعلم بجميع الموجودات وبجميع ما لها من الخصوصيات.
- المقدمة الثانية: إن علمه تعالى عين ذاته؛ لأن صفاته الذاتية عين ذاته كما تقدّم في بحث الصفات.
- المقدمة الثالثة: إن الله تعالى علّة وسبب لجميع المخلوقات كما هو واضح من كلمات الإمام الحسين(ع) من قبيل قوله: «يَا مُسَبِّبَ الاسْبَابِ»[٤٩]. فالله تعالى علّة وسبب لجميع المخلوقات، وعلّة أيضاً لجميع ما للمخلوقات من خصوصيات.
- والنتيجة المتحصلة: حيث إن الله تعالى عالم بجميع الموجودات والمخلوقات، وما لها من الخصوصيات، فهو تعالى يعلم بالنظام الأصلح والأتقن والأشرف لهذه الموجودات، وحيث إنه تعالى علّة وسبب لجميع المخلوقات كما في المقدمة الثالثة، فعلى هذا الأساس؛ فإن الله تعالى خلق هذه المخلوقات والموجودات في هذا العالم على وفق النظام الأصلح؛ لأن جميع الخصوصيات الداخلة في إتقان الفعل على الوجه الأحسن معلومة له تعالى.
إذاً نظام عالم الخلق هو النظام الأحسن، لكن لا يكون خافياً على القارئ الكريم بأن هذا الاستدلال بهذا القدر لا يمكن أن يُجيب عن تساؤل مؤداه: إن الواجب تعالى كما يعلم بالنظام الأحسن، يعلم كذلك بالنظام غير الأحسن، فلماذا خلق النظام الأحسن دون النظام غير الأحسن؟
وتأسيساً على هذا؛ فإن الاستدلال بحاجة إلى تتميم، يتلخّص بالقول: بأن إيجاد النظام غير الأحسن من قِبَل الله تعالى، وعدم إيجاده للنظام الأحسن، يرجع لأحد الاحتمالات الآتية:
- الاحتمال الأول: عدم خلق المخلوقات على وفق النظام الأحسن من قِبَل الله تعالى، يرجع إلى عدم علمه تعالى بالنظام الأحسن. وهذا الاحتمال واضح البطلان، لما تقدّم من أن الله تعالى لا تخفى عليه خافية، وأن علمه عين ذاته اللامتناهية.
- الاحتمال الثاني: عدم خلق المخلوقات على وفق النظام الأحسن يرجع إلى عجزه وعدم قدرته تعالى لإيجاده مع علمه به. وهذا الاحتمال باطل أيضاً؛ لأن قدرته تعالى لا متناهية.
- الاحتمال الثالث: عدم خلق المخلوقات على وفق النظام الأحسن لا يرجع إلى علمه وقدرته، بل هو عالم بكل شيء وقادر على كل شيء، لكن لا يخلق النظام الأحسن لبخل عن تكملة الممكنات، أو عدم حبه للكمال (حاشاه تعالى). وهذا الاحتمال باطل أيضاً؛ لأنه الجواد الكريم، كما قال الإمام الحسين(ع): «وَلا كَصُنْعِهِ صُنْعُ صانِع، وَهُوَ الْجَوادُ الْواسِعُ، فَطَرَ اَجْناسَ الْبَدائِعِ، واَتْقَنَ بِحِكْمَتِهِ الصَّنائِعَ»[٥٠]، وفي موضع آخر، قال(ع): «أنتَ الجَوادُ الكَريمُ، الرَّؤوفُ الرَّحيمُ»[٥١]، وبهذا يتضح بطلان جميع الاحتمالات التي تكون السبب في عدم خلق الله تعالى للنظام الأحسن وخلقه للنظام غير الأحسن[٥٢]؛ لأن جميع هذه الاحتمالات ترجع إلى نسبة النقص إلى الله تعالى وهو مستحيل. فجميع هذه النقائص مسلوبة عنه تعالى، كما قال (عز وجل): ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾[٥٣] وقال أيضاً: ﴿صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾[٥٤]
ومما يشهد على أن خلق هذا العالم جاء وفق النظام الأحسن، هو ما نلمسه بالوجدان من خلال النظام الخاص في كل نوع، وفي كل صنف من هذه المخلوقات، كالإنسان والنبات ونحوها من المخلوقات التي فيها من النظام الدقيق الذي يحكم هذه الأنواع، فضلاً عن النظام الدقيق لكل فرد من أفرادها، كذلك النظام الدقيق بين أجزاء هذا الكون والروابط العجيبة بين المخلوقات، وكلما تقدّم العلم في مسيرته التكاملية يكتشف الكثير من هذه الروابط العجيبة بين موجودات هذا الكون.
وبهذا يتّضح أن خلق هذا العالم جاء وفق النظام الأحسن.
ولكن قد يقال: إن غاية ما نشاهده في هذه المخلوقات هو أن هذا النظام الجاري في الخلق هو نظام حسن متقن، لكنه لا يثبت أن هذا النظام هو الأحسن والأصلح ولا يوجد نظام أحسن منه.
والجواب على ذلك: هو أننا لو تأملنا في الاستدلال المتقدّم نجده دليلاً محكماً على أن هذا العالم خُلق وفق النظام الأحسن، بالنحو الذي لا يمكن تصوّر ما هو أفضل وأحسن منه، وذلك لما تقدّم من أن انتخاب غير الأصلح إنما ينشأ من الضعف والحاجة، ومن الواضح أن الضعف والحاجة مستحيلة بحق الله تعالى، وإذا كان كذلك فكيف يُتصوّر اختيار المرجوح مع وجود الأرجح؟![٥٥].
الجواب عن إشكالية مشيئة وإرادة الله تعالى لقتل الحسين ظلماً
قال الإمام الحسين(ع): «شَاءَ اللهُ (عَزّّ وَجَلَّ) أَن يَّرانِي مَقْتُولاً مَذْبُوحاً ظُلْمَاً وَعُدْوَانَاً، وَقَدْ شَاءَ أَن يَّرَى حَرَمِي وَرَهْطِي وَنِسَائِي مُشَرَّدِينَ، وَأَطْفَالِي مَذْبُوحِينَ مَظْلُومِينَ مَأْسُورِينَ مُقَيَّدينَ، وَهُمْ يَسْتَغِيْثُونَ فَلَاْ يَجِدُونَ نَاصِرَاً وَلَاْ مُعِيْنَاً»[٥٦].
حاصل هذه الإشكالية تُفيد بأن الله تعالى شاء وأراد للحسين(ع) أن يُقتل مظلوماً، وشاء لأطفال الحسين(ع) أن يُقتلوا ذبحاً، وتُؤخذ نساؤه وعياله سبايا مقيدين، ومن الواضح أن هذا الأمر لا يكاد أن يُصدَّق؛ إذ كيف لله تعالى وهو العادل الرحيم أن يشاء ويريد ظلم الإمام الحسين(ع)، وهو خامس أصحاب الكساء الذين أحبَّهم واصطفاهم لخلقه؟! وكيف يشاء تعالى الظلم لأطفال صغار لا ذنب لهم أن يُذبحوا ويُظلموا؟! وكيف يشاء تعالى أن يُؤسر نساء بيت النبوة وبنات الزهراء(عليها السلام) بهذه الحال المؤلمة؟!
الجواب عن الإشكالية
يمكن تقديم بعض الإجابات على هذه الإشكالية: [٥٧].
الجواب الأول: المشيئة الإلهية في قتل الحسين(ع) تشريعية لا تكوينية
حاصل هذا الجواب: هو أن مقصود الإمام(ع) من قوله: «شَاءَ اللهُ أَنْ يَرَانِي قَتِيلاً... وَشَاءَ اللهُ أَنْ يَرَاهُنَّ سَبَايَا». هو وجود تكليف خاص من الله تعالى بأن يخرج ويقف بوجه الظالم، وأمره أن تكون النساء والأطفال معه، وهو الحكيم العليم بما يترتب على أمره.
الأمر الذي يدل على أن هناك أمراً وتكليفاً شرعياً، كما يُستفاد هذا أيضاً من كلمة (شاء الله)؛ حيث قيل: إنها المشيئة التشريعية التي يتعلّق بها الأمر، فالله تعالى يريد أن يرى الحسين(ع) المدافع والمحامي عن الدين، والمصلح لما فسد منه، ولو أدى ذلك إلى الشهادة والقتل في سبيله.
وهذا ما ذهب إليه الشيخ صاحب الجواهر، حیث قال: «إنَّه له تكليف خاصّ، قد قَدِم علیه وبادر إلی إجابته، ومعصوم من الخطأ لا يعترض علی فعله ولا قوله، فلا يُقاس عليه»[٥٨].[٥٩].
الجواب الثاني: المشيئة في قتل الحسين(ع) تكوينية لا تشريعية
لكي يتضح هذا الجواب ينبغي بيان الأمور الآتية:
- الأمر الأول: إن الله تعالى خلق هذا العالم على ضوء النظام الأحسن، الذي لا يوجد أحسن منه كما تقدّم، ومن جملة حلقات وفقرات هذا النظام الأحسن أن الله تعالى خلق الإنسان مختاراً في أفعاله؛ لأن هذه الدنيا هي دار امتحان واختبار، فالله تعالى شاء وأراد تكويناً أن يجعل الإنسان مختاراً في دار الدنيا.
- الأمر الثاني: إن كل فعلٍ في الوجود سواء كان فعلاً طبيعياً كنزول المطر وطلوع الشمس ونحوهما، أم كان فعلاً اختيارياً كأفعال الإنسان التي يفعلها باختياره، لا يتحقق في الواقع الخارجي إلا بمشيئة الله وإرادته، وهو الذي يُعبّر عنه في كلمات الفلاسفة والمتكلّمين بأنه لا مؤثر في الوجود إلا الله تعالى، وهذا ما سيأتي إثباته في التوحيد الأفعالى.
أما كيف يكون الفعل منسوباً إلى الإنسان باختياره، وفي نفس الوقت يُنسب إلى الله تعالى؟
فالجواب عنه: إن الله تعالى أعطى القدرة والقوة للإنسان، والإنسان يتصرّف في هذه القوة باختياره، فقد يستخدم القوة الإلهية في أعمال الخير، وقد يستخدمها في أعمال
الشرِّ، فإن الله سبحانه وهب لعباده الوجود والحياة، والعلم والقدرة، وجعل هذه النعم تحت تصرف الإنسان، فيتصرّف بها كيف ما يشاء. فالإنسان لو قام بفعل معيّن باختياره، من قبيل المسح على رأس اليتيم، فهذا الفعل يمكن أن يُنسب إلى الله تعالى؛ لأنه تعالى هو الذي أعطى ذلك الإنسان القدرة والعلم... وكذلك يمكن أن يُنسب هذا الفعل إلى الإنسان؛ لكونه هو الذي تصرّف بالقوة التي وهبها الله تعالى له في هذا المورد باختياره وإرادته، ولتقريب هذا المعنى نستعين بالمثال الآتي:
«لو فرضنا أن شخصاً مشلول اليد، غير قادر على الحركة أصلاً، إلا بعد إيصال رجل آخر التيار الكهربائي إليه ليبعث في عضلاته قوة ونشاطاً، بحيث يكون رأس السلك الكهربائي بيد الرجل، ولو رفع يده في آن ما، لانقطعت القوة عن جسم هذا الشخص في الحال، وأصبح عاجزاً. فلو أوصل الرجل تلك القوة إلى جسم الشخص المشلول فذهب باختياره وقتل إنساناً، والرجل يعلم بما فعله، ففي مثل ذلك يستند الفعل إلى كل منهما، أما إلى المباشر فلأنه قد فعل باختياره وإعمال قدرته، وأما إلى الموصل فلأنه أقدره وأعطاه التمكن حتى في حال الفعل والاشتغال بالقتل، وكان متمكناً من قطع القوة عنه في كل آن متى شاء وأراد... فالإنسان في كل حال يحتاج إلى إفاضة القوة والحياة من الله تعالى، بحيث لو قُطع الفيض عنه في آن واحد بطلت الحياة والقدرة، فهو حين الفعل يفعل بقوة مفاضة من الله تعالى. وعليه؛ فإن لهذا الفعل الصادر من الإنسان نِسبتين واقعيتين، إحداهما: نسبة الفعل إلى فاعله بالمباشرة وهو الإنسان، باعتبار صدوره منه باختياره وإعمال قدرته، والأخرى: نسبة الفعل إلى الله تعالى؛ لأنه تعالى هو الذي أعطى الحياة والقدرة في كل آنٍ وبصورة مستمرة حتى في آن اشتغاله بالعمل»[٦٠].
وعلى هذا الأساس؛ يتضح الأمر في مسألة الظالم الذي يقتل الناس ظلماً وعدواناً، فهو يمارس الظلم والاستعباد للناس بواسطة القوة التي وهبها الله تعالى إيّاه، والسارق الذي يسرق إنما يفعل ذلك بقوة الله تعالى، وفي مقابل ذلك أيضاً الإنسان الذي يحسن للآخرين إنما يفعل ذلك بقوة الله تعالى.
فكل ما في الوجود منه تعالى وليس لغيره شيء، ولا يقع أي فعلٍ من الأفعال إلا بإرادته ومشيئته وإذنه، فلا خالق ولا رازق بالاستقلال إلا هو، كما نص عليه الإمام الحسين(ع) بأن: «اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ»[٦١].
وهذا لا يعني إنكار عالم الأسباب، وتجاهل المسببات، بل إن تأثير الأسباب، إنما يكون بأمر الله، فالله سبحانه هو الذي يمنح النار خاصية الإحراق، والشمس خاصية الإضاءة، والماء خاصية الإحياء، فكل ما يحدث في الكون له سببه العادي، لكن تأثير هذا السبب إنما هو بإذنه سبحانه، فالله تعالى هو الذي جعل الشمس ضياءً، والقمر نوراً، والماء سبباً للحياة، فالكل مؤثرات فيما سواه حسب مشيئته وإذنه، وهذا ما نلمسه في عدد وافر من النصوص القرآنية والروائية، التي تنسب الشيء إلى الله تعالى، وفي الوقت ذاته تنسبه إلى غيره، من قبيل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾[٦٢]، حيث خُصصت الرازقية بالله تعالى، وفي عين الوقت ينسبها للإنسان، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾[٦٣]، حيث نسب الرزق إلى أولياء السفهاء.
وكذلك قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ*أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾[٦٤]، حيث خصص الزراعة به تعالى، وفي ذات الوقت يعد الإنسان زارعا، حيث يقول تعالى: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾[٦٥].
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾[٦٦]، حيث نسب أمر الخلق إلى النبي عيسى(ع) بصراحة؛ ولذا يحكي القرآن الكريم عن النبي عيسى(ع) وصف نفسه بالخالق، حيث قال: «أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير»، لكن في نصوص قرآنية أخرى يخصص الخلق بالله سبحانه، ولا تنافي بين مدلول الآيات التي تنسب خلق كل شيء إلى الله تعالى، وبين مدلول الآيات التي تنسب التأثير لغير الله تعالى؛ وذلك لأن تأثير غير الله تعالى في هذه المسببات إنما هو بإذن الله تعالى، فالله تعالى هو الذي أقدرها على التأثير.
والنتيجة المتحصلة من الأمرين المتقدمين هي: أن كل فعل في هذا الوجود ينسب إلى الله تعالى؛ لأن تأثير غيره تعالى إنما هو بإقدار الله تعالى وبمشيئته وإرادته التكوينية، فالظالم حينما يمارس الظلم إنما هو بقوة الله وبمشيئته التكوينية، التي شاء أن يكون النظام بهذه الحالة التي تقتضي أن تكون هذه الدنيا دار امتحان وبلاء.
وإلى جوار هذه الحقيقة ينبثق السؤال الآتي: وهو أنه بناء على أن كل فعل في هذا الكون، فهو منسوب إلى الله تعالى، فهذا يعني أن ظلم الظلمة والأفعال القبيحة التي يفعلها الفساق تنسب إلى الله تعالى، والحال أن الله تعالى منزه عن فعل القبيح من ظلم وغيره، فكيف يمكننا معالجة ذلك؟
والجواب: إن للفعل جهتين:
- أما الجهة الأولى: فما يسند من الفعل إلى الله تعالى فهو أن أصل وجود الفعل بقوة وبإذن الله تعالى، ولو شاء الله أن لا يقع ذلك الفعل لما وقع. فأصل وجود الفعل _ مع قطع النظر عن مقايسته إلى حكم العقل أو الشرع _ فهو يستند إلى الله تعالى وينتهي إلى إرادته التكوينية، والفعل بهذا الاعتبار لا يتصف بالقبح؛ لأنه وجود، والوجود خير وحسن في حد ذاته، كما قال سبحانه: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾[٦٧].
- أما الجهة الثانية: وهي إسناد الفعل إلى فاعله المباشر، فهي الجهة التي ينتزع منها عنوان الحسن والقبح، والطاعة والإحسان، أو يوصف بالظلم والمعصية والسرقة ونحو ذلك، وعلى هذا الأساس؛ فإن أفعال الإنسان الاختيارية توصف بالقبح والحسن والطاعة...؛ وذلك لأن الإنسان هو الفاعل المباشر لهذا الفعل، فضرب اليتيم _ مثلا _ من حيث أصل وجود هذا الفعل وأنه بقوة الله تعالى فينسب إليه تعالى، أما وصف هذه الضربة لليتيم بكونها ظلما أو إحسانا _ إذا كان بقصد التأديب _ فهذا يرجع إلى الفاعل المباشر وهو الإنسان؛ ومن هنا ركزت الشريعة على أهمية ودور النية في الأعمال وأنَّ الأعمال بالنيّات.
- وهذا يعني أنَّ المدار في وصف الفعل بأنَّه حسن أو قبيح يدور مدار الفاعل المباشر، وهذا ما نجده واضحاً في ترتب الثواب أو العقاب؛ حيث إنَّ الله تعالى لا ينظر فيه إلى كثرة العمل، كما قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾[٦٨]، فأكَّد تعالى على حسن العمل، ومن الواضح أنَّ حسن العمل يترتب على نية الفاعل المباشر وهو الإنسان، ولا يترتب حسن العمل على الكثرة، فلم يقلْ عزَّ وجلَّ: (أكثركم عملاً)، ولهذا لا تكون لأفعال الإنسان أيُّ قيمةٍ عند الله تعالى فيما لو كانت بدوافع مادية ودنيوية.
ونطوي هذا البحث بملخص يفيد: بأنَّ الظالم لو قتل إنساناً ظلماً وعدواناً، فهو قد استخدم القوة التي وهبها الله تعالى له.
إن قيل: لماذا الله تعالى أعطى القوة لهذا الظالم الذي يظلم الناس، أليس الله قادراً على سلب هذه القوة منه؛ لكي لا يتعرض الناس لظلمه؟
والجواب: إنَّ الله تعالى قادر على سلب القوة من الظالم، وقادر على منعه من الظلم، إلا أنَّه بناءً على النظام الأحسن، وأنَّ هذه الدنيا دار امتحان واختبار، شاء الله تعالى تكويناً أن يجعل نظام الدنيا بهذه الحالة، التي تتلخص بأنَّ الله أعطى الناس القوة والقدرة، وجعل الاختيار بيدهم، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.
نعم، فعل الظالم والفعل القبيح لا يريده الله ولا يحبه تشريعاً.
على ضوء ما سلف وتأسيساً عليه؛ يتضح الجواب عن السؤال المقدم، وهو أنَّ قول الإمام الحسين: «شَاءَ اللهُ أَنْ يَرَانِي قَتِيلاً»، بمعنى أنَّ أصل فعل أعداء الحسين(ع) وقتلهم إياه وظلمهم لأهل بيته، إنما كان بقوة الله التي أعطاها لكلِّ إنسانٍ سواء كان كافراً أو فاسقاً أو مؤمناً، لكنَّهم استعملوا هذه القوة في قتلهم وظلمهم لفلذة كبد النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلم)، فمعنى مشيئة الله في قول الإمام الحسين(ع) هي مشيئته التكوينية في جعل نظام الدنيا وفق النظام الأحسن، وهو الذي يبتني على أنَّ الدنيا دار امتحان واختبار، وأنَّ الله تعالى وهب الإنسان العقل والقوة وجعل الاختيار بيده، فمن شاء عمل صالحاً، ومن شاء الكفر كفر.
ومن جملة تطبيقات مشيئة الله تعالى لهذا النظام في الدنيا، وأنَّه عالم امتحان واختبار، هو أنَّ بعضاً من الذين اختاروا الدنيا أقدموا على قتل ابن بنت رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلم)، وقتل أهل بيته، وسبي عياله وأطفاله، ولكن هذا لا يعني أنَّ الله أراد وأحبَّ هذا الفعل الشنيع، بل المعنى أنَّه تعالى شاء وأراد هذا الفعل بمشيئته وإرادته للنظام الأحسن، الذي من جملة فقراته أن تكون دار الدنيا دار امتحان واختبار.
وعلى هذا الأساس، فلا يقال: لماذا سلَّط الله يزيد وجيشه على الحسين(ع) وأهله؟ وذلك لأنَّ الله سبحانه لا يُسلِّط، ولن يُسلِّط الأشرار على الأخيار، حاشا وكلا، بل نهى الأشرار عن الفساد والعدوان، وأمر الأخيار بمواجهتهم وجهادهم إن أصروا وتمردوا، وأنذر العاصي بالعقاب، وبشَّر المطيع بالثواب، وما ذلك إلا لأنَّ الدنيا دار امتحان واختبار، قال تعالى: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾[٦٩].
أما لماذا أجاب الإمام الحسين(ع) مَن سأله عن سبب خروجه إلى العراق، بقوله: «شَاءَ اللهُ أَنْ يَرَانِي مَقْتُولًا مَظْلُومًا»، الذي يتضمن بيان مشيئة الله وإرادته التكوينية لنظام هذا العالم، مع أنَّ السؤال لم يكن عن إرادة الله التكوينية، بل كان السائل يطلب من الحسين(ع) عدم الخروج إلى مواجهة هؤلاء الظالمين؛ خوفاً على الإمام من القتل؟
والجواب: إنَّ الإمام(ع) كان قد أجاب السائل على قدر عقله؛ لأنَّهم(ع) يتكلمون مع الناس على قدر عقولهم، فالإمام(ع) لمّا رأى أنَّ السائل كابن عباس، أو محمد بن الحنفية، وأم سلمة، لا يعلمون هدف الإمام(ع)، وهو الوقوف بوجه الظالم مهما كلف الأمر، ولم يعلموا دور أخته العقيلة زينب(عليها السّلام) في إيصال ثورته إلى أقطار الأرض، مهما حاول بنو أمية من تشويه تلك الثورة؛ لذا أجابهم(ع) بهذا الجواب الإقناعي، وهو أنَّ الله تعالى شاء أن يراه قتيلاً، وشاء أن يرى أطفاله ونساءه سبايا.[٧٠].
الجواب الثالث: المشيئة في قتل الحسين(ع) تكوينية بتفصيل آخر
يتطلب هذا الجواب استعراض بعض المقدمات:
المقدمة الأولى: تنوع أهداف الثورة الحسينية
للثورة الحسينية أهداف متعددة، فلها هدف قريب ومتوسط وبعيد. نحاول فيما يلي إعطاء لمحة إجمالية حول هذه الأهداف:
- الهدف القريب: هو كشف الانحراف في ذلك المقطع من الزمان؛ لأنَّ الأمة انحرفت بعد رسول الله، وبدأ الانحراف منذ يوم السقيفة؛ ولذلك ورد في مصادر الفريقين أنَّ الصحابة رجعوا القهقري. روي في صحيح مسلم عن أبي حازم، قال: «سَمِعْتُ سَهْلًا يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ مِنْ وَرَدَ شَرِبَ وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا.. وَلَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ. قَالَ أَبُو حَازِمٍ: فَسَمِعَ النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ وَأَنَا أُحَدِّثُهُمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْتُ سَهْلًا يَقُولُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ! قَالَ فَأَنَا أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ لَسَمِعْتُهُ يَزِيدُ فِيهِ فَأَقُولُ: إِنَّهُمْ مِنِّي!! فَيُقَالُ إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ! فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي»[٧١]، وهذا الانحراف لم تكشف خيوطه بصورةٍ واضحةٍ، إلا بقتل الحسين(ع)، فكان دم الحسين(ع) المصباح الذي كشف الانحراف. ولعلَّ هذا أحد معاني قول النبيّ((ص) وسلّم): «إنَّ الحُسَينَ مِصباحُ الهُدى وسَفينَةُ النَّجاةِ»[٧٢]، فالحسين مصباح يكشف الظلمة ويُبيّن الحقيقة. ولذلك نادى الإمام الحسين(ع) بأعلى صوته بأنَّ: «ويَزيدُ رَجُلٌ فاسِقٌ، شارِبُ الخَمرِ، قاتِلُ النَّفسِ المُحَرَّمَةِ، مُعلِنٌ بِالفِسقِ، لَيسَ لَهُ هذِهِ المَنزِلَةُ، وَمِثلي لا يُبايِعُ مِثلَهُ»[٧٣]، ونحوها من الكلمات التي تكشف طبيعة الانحراف في ذلك المقطع من الزمان.
- الهدف المتوسط: وهو الحفاظ على الإسلام الحقيقي الذي جاء به الرسول الأكرم((ص) وسلّم)، ذلك الإسلام الذي يمثله منهج أهل البيت(ع) كما في قوله((ص) وسلّم): «إنّي تارِكٌ فيكُمُ الثِّقلَينِ، كِتابَ اللهِ، وعِترَتي أهلَ بَيتي، فَإِنَّهُما لَن يَفتَرِقا حَتّى يَرِدا عَلَيَّ الحَوضَ»[٧٤]، فالقرآن والعترة هما السبيل الوحيد لاجتناب الباطل والنجاة من الضلال، متلازمان لا يفترقان إلى يوم القيامة.
- إذاً الهدف المتوسط هو الحفاظ على منهج أهل البيت(ع)، وهو الإسلام الحقيقي الذي جاء به رسول الله((ص) وسلّم)، ولولا الحسين(ع) لطُمِس الإسلام، واستُبدل بإسلام السقيفة، وإسلام بني أمية. وبعبارة أخرى: إنَّ ثورة الحسين(ع) حافظت على بقاء التشيع؛ لأنَّ التشيع وإن كان قد نشأ في عهد رسول الله((ص))، وأوصى المسلمين في مواطن كثيرة بالتمسك بأهل البيت(ع)، كما دعاهم إلى ولاء علي(ع) في حجة الوداع الأخيرة وغيرها، إلا أنَّه على الرغم من ذلك فقد كاد التشيع أن يُمحى ويندرس؛ نتيجة الجور والظلم الذي لحق بأهله جراء السياسات الجائرة التي تولدت من حكم السقيفة؛ ولذا جاءت ثورة الإمام الحسين(ع) للحفاظ على التشيع الذي يمثل الإسلام والدين الحقيقي، الذي جاء به الرسول الأكرم((ص)).
- الهدف البعيد: إقامة الدولة العادلة على يد الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، ونهضة الإمام الحسين(ع) هي التي تهيئ القاعدة لهذا المشروع الإلهي، وهو مشروع **«ليُظهره على الدين كله»**، كما أشار لذلك الإمام الحسين(ع) بقوله: «مِنَّا اثنا عَشَرَ مَهدِيّاً، أوَّلُهُم أميرُ المُؤمِنينَ عَلِيُّ بنُ أبي طالِبٍ، وآخِرُهُمُ التّاسِعُ مِن وُلدي، وهُوَ الإِمامُ القائِمُ بِالحَقِّ، يُحيِي اللهُ بِهِ الأَرضَ بَعدَ مَوتِهِا، ويُظهِرُ بِهِ دينَ الحَقِّ عَلَى الدّينِ كُلِّهِ ولَو كَرِهَ المُشرِكونَ»[٧٥]. فالهدف البعيد هو التهيئة لظهور الإمام المهدي(عجل الله فرجه)، وهو الهدف الأصلي والنهائي. ومن الواضح أنَّ الهدف النهائي لا يتحقق إلا بتحقق الهدف المتوسط، والهدف المتوسط لا يتحقق إلا بتحقق الهدف القريب لنهضة الإمام الحسين(ع).[٧٦].
المقدمة الثانية: أراد الله تعالى أن يقيم العدل في آخر الزمان بأسبابه الطبيعية
وهذه المقدمة واضحة؛ لأنَّ الله تعالى جعل هذا العالم عالم الأسباب والمسببات الطبيعية، وقد شاءت الإرادة الإلهية أن يكون الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت(ع)، هو القائد الذي يكون محققاً للهدف النهائي، والثمرة الكبيرة والمرجوة من رسالات السماء وبعثة الأنبياء، قال تعالى: «﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾[٧٧].
إلا أنَّ النقطة الجديرة بالالتفات هي أنَّ تحقق هذا الهدف _ وهو إقامة العدل والقسط في الأرض _ يتوقف على توفر شرائطه التي أراد الله تعالى بحكمته أن تكون عن الطريق الطبيعي لا الإعجازي، وهذا ما جرت عليه السنن الإلهية في هذا العالم، كما ذكر الله تعالى ذلك في عدة نصوص قرآنية، كقوله تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾[٧٨]، وقوله تعالى: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾[٧٩]. وغير ذلك من النصوص القرآنية المباركة، التي تكشف عن أنَّ التخطيط الإلهي لجريان السنن في هذا العالم، مبني على العوامل الطبيعية المتعارفة للبشرية، إلا في الظروف الخاصة والاستثنائية، التي تقتضي فيها الحكمة الإلهية إنجاز الهدف والوصول إليه عن طريق الإعجاز وخرق المعتاد، كما في إثبات أصل نبوة الأنبياء _ مثلاً _ لأنَّ النبيَّ لكي يثبت أنَّه مبعوث من الله تعالى لا بدَّ له من الإتيان بالمعجزة؛ لكي يصدقه الناس.
إذاً إقامة الدولة العادلة في آخر الزمان، إنما تتحقق **ضمن الأسباب والمسببات الطبيعية المتعارفة**، وعلى هذا الأساس تحتاج إقامة العدل على يد الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف إلى توفر مجموعة من الشرائط، من قبيل استيعاب وتقبُّل الناس لهذه الدولة العادلة، ونحوها من الشرائط الأُخرى. وعليه؛ فلا تتحقق هذه الدولة العادلة إلا بعد توفر هذه الشروط بصورة طبيعية، إذ لو أراد الله أن يُقيم دولة العدل بطريق الإعجاز لأقامها على يد الرسول الأكرم((ص))، بل لأقامها على يد أول الأنبياء، ولم تكن حاجة إلى إرسال هذا العدد الكبير من الأنبياء. إذاً فالله تعالى أراد أن يُقيم العدل في الأرض بصورة طبيعية، لا إعجازية، نعم يتدخل الإعجاز في الحالات الاستثنائية، وذلك فيما إذا توقفت الأُمور الطبيعية، كما نجد ذلك في غيبة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.[٨٠].
المقدمة الثالثة: شرائط إقامة الدولة العادلة في الأرض
من جملة شرائط إقامة الدولة العادلة في الأرض هي:
- وجود القائد الذي يستطيع أن يُقيم العدل، وهو ما تمثَّل بالإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.
- وجود شريعة جامعة تتلاءم وتنسجم مع متغيرات الزمان، وقد تمثَّل ذلك بالشريعة الخاتمة للنبيّ((ص))، وعلى أساس مبدأ الخاتمية، وأنَّ الرسول الأكرم((ص)) هو خاتم الأنبياء ولا نبوة بعده، فلا بدَّ أن تكون أحكام الرسالة الخاتمة متلائمة مع كلِّ المتغيرات، وشاملة لكلِّ ما يحتاجه الإنسان في دنياه وآخرته، فمن خلال كون الشريعة الإسلامية شريعة خاتمة، يثبت لنا كونها جامعة ومستوعبة لكلِّ حاجات البشر؛ لأنَّ النبوة الخاتمة تعني أنَّ كلَّ ما ينبغي للقرآن بيانه فقد بيَّنه، ولم يُفرِّط فيه بشيء، وإلا استلزم نبوةً أخرى، وهو خلاف ما ثبت من أنَّ هذه النبوة والرسالة هي الخاتمة.[٨١].
المقدمة الرابعة: عوامل ربط وجذب الناس بالدين
إنَّ الإيمان بالدين وتطبيق أحكامه والسير والثبات على منهجه يحتاج إلى أمرين:
- الأمر الأول: العقل، والمراد بالعقل هو الاستدلالات العقلية التي تثبت مسائله وحقيقته. وهذا ما نلمسه واضحاً في الاستدلالات العقلية التي عرضها القرآن الكريم وأئمَّة أهل البيت(ع) في مواضع متعددة.
- الأمر الثاني: الجانب العاطفي، فالدين كما يحتاج إلى العقل في استدلالاته، كذلك يحتاج إلى عامل جذب عاطفي نحو الدين.
النتيجة: مظلومية الإمام الحسين(ع) عامل جذب إلى الدين
بناءً على ما سلف من المقدمات _ وهي أنَّ الهدف الأصلي والنهائي لثورة الإمام الحسين(ع) هو التهيئة والإعداد لقيام الدولة العادلة على يد الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، وأنَّ الدين كما يحتاج إلى الاستدلال العقلي لإثبات مطالبه كذلك يحتاج إلى عوامل ربط وجذب الناس بالدين _ ننتهي إلى هذه النتيجة، وهي أنَّ عامل الجذب نحو الدين يتمثَّل بمظلومية الإمام الحسين(ع)، الذي قُتل بتلك الصورة البشعة، وما تلاها من أحداث مؤلمة لا نظير لها في التاريخ.
فإنَّ مظلومية الإمام الحسين(ع) لا نظير لها في التاريخ البشري؛ لأنَّها كانت مظلومية متعددة الجوانب والأبعاد، فإنَّ مأساة الإمام الحسين(ع) لم تكن ذات بعد واحد، بل فيها أبعاد متعددة يكاد الإنسان يجد في معالمها جميع الأبعاد المأساوية التي يواجهها في حياته الشخصية أو الاجتماعية.
إذاً ثورة الإمام الحسين(ع) من أهمِّ عوامل جذب الناس إلى الحسين(ع) ومن ثَمَّ نحو الدين؛ ولذلك نجد أنَّ بعض الناس مستعد أن يُقدِّم كلَّ شيء للحسين(ع)، والسرُّ هو قوة الجذب نحو الحسين(ع).
ومن هنا؛ نجد هذا الحشد الوافر من الروايات التي تحثُّ على ذكر الحسين(ع) والبكاء عليه وإحياء ذكره، والروايات التي تحثُّ على زيارة الإمام الحسين، بل نجد الحثَّ على زيارة الإمام الحسين(ع) حتى لو استلزم الموت والضرر، على الرغم من أنَّهم(ع) يأمرون شيعتهم بالتقية في موارد احتمال الضرر، كلُّ ذلك لأجل الارتباط بالحسين(ع).
النتيجة المتحصلة من الجواب الثالث: هي أنَّ الله تعالى شاء أن يُقتل الحسين مظلوماً؛ لما يستلزمه من ضرورة وجود عامل الجذب والقوة في نفوس الناس إلى الدين، الذي يُقيم العدل في الأرض على يد الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، وقد تمثَّل هذا الجانب بمظلومية الإمام الحسين(ع).
ولكن ينبغي الالتفات إلى أنَّ مشيئة الله تعالى في قتل الإمام الحسين(ع) مظلوماً، هي مشيئة تكوينية وليست تشريعية كما تقدَّم بيانها، وهذا يعني أنَّ الله تعالى لا يحبُّ أن يُقتل الحسين مظلوماً؛ لأنَّه كما قلنا: إنَّ هذه الإرادة التكوينية لا تلازم الحبَّ، فالله تعالى لا يحب المظلومية ولا يحب أن يتعرض أحد من خلقه إلى الظلم، نعم حفظ الدين واستمراره يستلزم وجود مظلومية، بحيث لا يمكن أن يوجد الدين ويستمر بهذه الشاكلة إلا مع وجود عامل جذب يتمثَّل بالمظلومية، من قبيل ملازمة الزوجية للأربعة، فكما لا يمكن أن توجد أربعة من دون زوجية، كذلك لا يمكن أن يوجد دين، ولا يمكن أن تُقام الدولة العادلة في آخر الزمان إلا مع وجود عامل جذب متمثِّل بالمظلومية، وبعبارة أخرى: إنَّ المظلومية ليست مرادة لذاتها، بل مرادة لأنَّها تُحقق عامل الجذب نحو الدين.
وهذا نظير وجود الشرور في عالم المادة، فإنَّ وجود الشرور لا يعني أنَّ الله تعالى يحب الشرور، بل لأنَّها ملازمة لعالم المادة الذي هو عالم التزاحم والتدافع، الذي من خلاله تحصل الشرور، فالله تعالى لم يخلق الشرور، بل خلق عالم المادة وحيث إنَّ الشرور ملازمة لعالم المادة، فتوجد الشرور بوجود عالم المادة، لذلك يقال: إنَّ الشرور ليست مرادة لذاتها، بل مرادة بالعرض.
وفي المقام كذلك، فإنَّ استمرار الدين وحفظه وإقامة الدولة العادلة في آخر الزمان، يستلزم وجود عامل جذب يتمثَّل بالمظلومية، فالمظلومية ليست مرادة لذاتها، بل مرادة بالعرض. وقد تمثَّلت هذه المظلومية بمظلومية الإمام الحسين(ع)، وهذا هو معنى قول الإمام الحسين(ع): «شَاءَ اللهُ أَنْ يَرَانِي قَتِيلً».
ومما ينبغي الالتفات إليه هو أنَّ مشيئة الله تعالى لقتل الإمام الحسين(ع) مظلوماً، لا تعني أنَّ الله تعالى أجبر الإمام الحسين(ع) على أن يُقتل مظلوماً، وأجبر الشمر ومَن معه أن يقتلوا الإمام الحسين(ع)، حاشا الله تعالى أن يفعل ذلك، بل الثابت ومن ضروريات مذهب أهل البيت(ع) أنَّ الإنسان مختار في أفعاله، فالإمام الحسين(ع) إنَّما أقدم على مواجهة الانحراف بمحض إرادته، وليس بإجبار من الله تعالى، وكذلك ما فعله الظلمة بالإمام الحسين(ع) وأعوانه إنَّما هو باختيارهم وإرادتهم؛ لأنَّ هذه الدنيا دار امتحان واختبار.[٨٢].
خلاصة المبحث
- المراد بالمشيئة: هي الميل نحو الشيء، وتتحقق عند الإنسان بعد التوجُّه إلى المُشَاء أولاً، ثم تصوُّره ثانياً، ثم التمَايُل والرغبة إليه ثالثاً، وبعدها وبعد المشيئة يتحقق العزم والتصميم، ومن ثم تحصل الإرادة، وهذا يُتصوَّر في المخلوق.
وأما المشيئة عند الله تعالى، فلا تحتاج إلى التوجُّه إلى المشاء، ولا إلى تصوُّر، ولا إلى رغبة؛ لأنَّ الله تعالى مُحيط وعالم بكل شيءٍ، وإحاطته وعلمه تعالى حضوري، كما تقدَّم في مبحث العلم الإلهي.
- لا فرق بين المشيئة والإرادة، نعم هناك فرق اعتباري بينهما من جهة أنَّ الشيء إذا نسبناه إلى الفاعل يُسمَّى مشيئة، وإذا نُسب الشيء إلى الفعل المراد يُسمَّى إرادة.
- تنقسم المشيئة والإرادة الإلهية في كلمات الإمام الحسين(ع) إلى قسمين:
- القسم الأول: الإرادة التكوينية، وهي: أن لا يتوسَّط بينها وبين تحقق الفعل في الخارج إرادة فاعل آخر.
- القسم الثاني: الإرادة التشريعية، وهي: إرادة الله تعالى لأفعال عباده بمعنى أنَّه تعالى طلب منهم أداء هذه الأفعال على وجه الاختيار لا الحتم والإجبار والإلجاء.
- الله تعالى مُنزَّه عن الشوق والميل؛ لأنَّ الشوق والميل هما الرغبة إلى كمال مفقود، وهما يلازمان الفقدان والنقص، والله تعالى مُنزَّه عن كل نقصٍ، ولكن يوجد شيء آخر في الذات الإلهية بدل الشوق الملازم للفقدان، وهذا الشيء هو الحب للخير، فالخير محبوب له تعالى لا بما أنَّه مفقود بالنسبة لله تعالى، بل إنَّ الله تعالى يُحبُّ الخير.
- تنقسم المشيئة والإرادة في كلمات الإمام الحسين(ع) إلى حتمية (وهي غير قابلة للتغيير)، وغير حتمية (وهي القابلة إلى التغيير).
- النظام الأحسن أنموذج الإرادة الحتمية للباري تعالى، بمعنى أنَّ المشيئة والإرادة الإلهية شاءت أن يكون نظام العالم هو الأحسن، ولا يمكن أن يوجد أحسن وأفضل منه.
- ورد في كلمات الإمام الحسين(ع) أنَّ الله شاء أن يراه مقتولاً مظلوماً، وشاء أن يرى نساء بيت الرسالة سبايا، وقد أثارت هذه المقولة بعض التساؤلات؛ إذ إنَّ هذا الأمر لا يمكن تصديقه؛ إذ كيف لله تعالى وهو العادل الرحيم أن يشاء ويريد ظلم الإمام الحسين(ع)؟!
وأُجيب على هذه الإشكالية بأجوبة متعددة:
- الجواب الأول: المشيئة الإلهية في قتل الحسين تشريعية لا تكوينية، بمعنى إنَّ الله تعالى أمر الإمام الحسين(ع) بالوقوف بوجه الظالم.
- الجواب الثاني: المشيئة في قتل الحسين(ع) تكوينية لا تشريعية، وأنَّ أصل فعل أعداء الحسين(ع) وقتلهم إياه وظلمهم لأهل بيته، إنَّما كان بقوة الله التي أعطاها لكلِّ إنسانٍ، لكنَّهم استعملوا هذه القوة في قتلهم وظلمهم لفلذة كبد النبيّ((ص)).
- الجواب الثالث: يبتني على مقدمات حاصلها:
- المقدمة الأولى: تنوع أهداف الثورة الحسينية، إلى هدف قريب، وهو كشف الانحراف في ذلك المقطع من الزمان، وهدف متوسط، وهو الحفاظ على منهج الإسلام الحقيقي الذي جاء به الرسول الأكرم((ص))، وهدف بعيد، هو إقامة الدولة العادلة على يد الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، ونهضة الإمام الحسين(ع) هي التي تُهيِّئ القاعدة لهذا المشروع الإلهي.
- المقدمة الثانية: الله تعالى أراد أن يُقيم العدل في آخر الزمان بأسبابه الطبيعية لا الإعجازية.
- المقدمة الثالثة: شرائط إقامة الدولة العادلة في الأرض، ومن جملتها وجود القائد الذي يستطيع أن يُقيم العدل، وهو ما تمثَّل بالإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.
- المقدمة الرابعة: إنَّ الإيمان بالدين وتطبيق أحكامه، والسير والثبات على منهجه يحتاج إلى أمرين:
- والنتيجة المتحصِّلة من هذا الجواب: هي أنَّ الله تعالى شاء أن يُقتل الحسين(ع) مظلوماً، بمعنى أنَّ الله تعالى شاء أن يُقيم العدل في الأرض على يد الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، ولازم هذا وجود عامل الجذب والقوة في نفوس الناس نحو الدين، وقد تمثَّل هذا الجانب بمظلومية الإمام الحسين(ع)، فمشيئته تعالى للمظلومية كمشيئته للزوجية عند إيجاده للأربعة، بمعنى أنَّها مرادة لا بذاتها بل بالعرض.
- إنَّ قتل الإمام الحسين(ع) مظلوماً لا يعني أنَّ الله تعالى يُحبُّ أن يُقتل الحسين مظلوماً؛ لأنَّ الله تعالى لا يُحبُّ المظلومية، ولا يُحبُّ أن يتعرَّض أحد من خلقه إلى الظلم، نعم حفظ الدين واستمراره يستلزم وجود مظلومية، بحيث لا يمكن أن يوجد الدين ويستمر بهذه الشاكلة إلا مع وجود عامل جذب يتمثَّل بالمظلومية.[٨٣].
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ المجلسی، محمد باقر، بحار الأنوار: ج٤٤، ص٣٣١.
- ↑ ابن طاووس، علی بن موسى، اللهوف: ص٢٦.
- ↑ ابن طاووس، علی بن موسى، اللهوف: ص٢٦.
- ↑ الصدوق، محمد بن علي، الأمالي: ص٤٨٧.
- ↑ ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف: ص٣٠.
- ↑ علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص١٣٥-١٣٦.
- ↑ الفیّومی، أحمد بن محمد، المصباح المنیر: ج١، ص٣٣٠.
- ↑ الجوهري، إسماعيل بن حماد، الصحاح: ج١، ص٥٨.
- ↑ علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص١٣٦.
- ↑ الكليني، محمد بن يعقوب، أصول الكافي (تعليقة العلامة الطباطبائي): ج١، ص١٥٠.
- ↑ علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص١٣٧.
- ↑ ابن سعد، محمد، ترجمة الإمام الحسين(ع)، ص٥٩.
- ↑ انظر: صدر الدين الشيرازي، محمد، الحكمة المتعالية: ج٦، ص٣٧٩.
- ↑ انظر: ابن شعبة الحراني، الحسن بن علي، تحف العقول: ص١٧٣.
- ↑ الصدوق، محمد بن علي، التوحيد: ص٢٣٨.
- ↑ الخميني، روح الله، مصباح الهداية: ص٧١.
- ↑ سورة النحل، الآية ٤٠.
- ↑ عن أمير المؤمنين(ع): «يَقُولُ لَمَّا أَرَادَ كَوْنَهُ كُنْ فَيَكُونُ لاَ بِصَوْتٍ يَقْرَعُ وَلاَ نِدَاءٍ يُسْمَعُ وَإِنَّمَا كَلاَمُهُ سُبْحَانَهُ فِعْلٌ مِنْهُ أَنْشَأَهُ». خطب الإمام أمير المؤمنين(ع)، نهج البلاغة: ج٢، ص١٢٢.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٦٥.
- ↑ علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص١٣٨-١٤٠.
- ↑ ابن شعبة الحراني، الحسن بن علي، تحف العقول: ص١٧٥.
- ↑ انظر: المفيد، محمد بن محمد، أوائل المقالات: ص٥٣. المحقق الحلّي، جعفر بن الحسن، المسلك في أصول الدين: ص٥٠.
- ↑ انظر: لجنة الحديث في معهد باقر العلوم(ع)، موسوعة كلمات الإمام الحسين(ع): ص٨٠٧، ص٨٨٠.
- ↑ قال الإمام الرضا(ع) حول إرادة الله ومشيئته في أفعال العباد: «فَأَمَّا اَلطَّاعَاتُ فَإِرَادَةُ اَللهِ وَمَشِيَّتُهُ فِيهَا اَلْأَمْرُ بِهَا وَاَلرِّضَا لَهَا وَاَلْمُعَاوَنَةُ عَلَيْهَا وَإِرَادَتُهُ وَمَشِيَّتُهُ فِي اَلْمَعَاصِي اَلنَّهْيُ عَنْهَا وَاَلسَّخَطُ لَهَا وَاَلْخِذْلاَنُ عَلَيْهَا». الصدوق، محمد بن علي، عيون أخبار الرضا(ع): ج١، ص١١٤.
- ↑ ابن شعبة الحراني، الحسن بن علي، تحف العقول: ص١٧٥.
- ↑ علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص١٤١-١٤٢.
- ↑ علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص١٤٣.
- ↑ صدر الدين الشيرازي، محمد، الحكمة المتعالية: ج٨، ص٣١٦.
- ↑ ولهذا نجد الأئمة(ع) ينكرون تفسير الإرادة بالعلم، فعن بكير بن أعين، قلت لأبي عبد الله الصادق(ع): «عِلمُ الله ِ ومَشيئَتُهُ هُما مُختَلِفانِ أَو مُتَّفِقانِ؟ فَقالَ: العِلمُ لَيسَ هُوَ المَشيئَةُ، أَلا تَرى أَنَّكَ تَقولُ: سَأَفعَلُ كَذا إِن شاءَ الله ُ، ولا تَقولُ سَأَفعَلُ كَذا إِن عَلِمَ الله ُ!»، الکلینی، محمد بن یعقوب، الکافی: ج1، ص109. والسؤال والجواب وإن کان عن المشیئه لا الإراده، لکنّهما بمعنی واحد کما تقدّم.
- ↑ علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص١٤٣-١٤٤.
- ↑ إن مراتب الفعل هي: العلم، ثم المشيئة، ثم الإرادة، ثم القدر، ثم القضاء والإمضاء. وهذا ما أشار إليه الإمام الرضا(ع) بقوله: «عَلِمَ وَشَاءَ، وَأَرَادَ وَقَدَّرَ، وَقَضى وَأَمْضى؛ فَأَمْضى مَا قَضى، وَقَضى مَا قَدَّرَ، وَقَدَّرَ مَا أَرَادَ؛ فَبِعِلْمِهِ كَانَتِ الْمَشِيئَةُ، وَبِمَشِيئَتِهِ كَانَتِ الْاءِرَادَةُ، وَبِإِرَادَتِهِ كَانَ التَّقْدِيرُ، وَبِتَقْدِيرِهِ كَانَ الْقَضَاءُ، وَبِقَضَائِهِ كَانَ الْاءِمْضَاءُ، وَالْعِلْمُ يَتَقَدِّمٌ الْمَشِيئَةِ، وَالْمَشِيئَةُ ثَانِيَةٌ، وَالْإِرَادَةُ ثَالِثَةٌ، وَالتَّقْدِيرُ وَاقِعٌ عَلَى الْقَضَاءِ بِالْإمْضَاءِ». الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج١، ص١٤٨.
- ↑ سورة البقرة، الآية 117.
- ↑ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج١، ص١٠٩.
- ↑ هنالك روايات متعددة وردت عن أهل البيت(ع) صنّفت الإرادة من الصفات الفعلية للباري تعالى، انظر: الصدوق، محمد بن علي، التوحيد: ص١٤٢.
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٨٥.
- ↑ هناك روايات كثيرة فسّرت الإرادة بأنها من صفات الله تعالى الفعلية، ونفت أن تكون الإرادة أزلية، والظاهر أن هذه الروايات في مقام تفسير الإرادة الفعلية، من هذه الروايات ما رواه عاصم بن حميد، عن أبي عبد الله(ع)، قلت: لم يزل الله مريداً؟ قال: «إِنَّ المُريدَ لا يَكونُ إِلاّ لِمُرادٍ مَعَهُ، لَم يَزَلِ الله ُ عالِما قادِرا ثُمَّ أَرادَ». الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج١، ص١٠٩. والظاهر في هذه الرواية أن الإرادة التي كانت في ذهن السائل وسأل عنها هي الإرادة بمعنى العزم على الفعل، والعزم في الغالب لا ينفك عن الفعل، فأراد الإمام إرشاده إلى أن الإرادة بمعنى العزم لا يمكن أن تكون من أوصافه الذاتية؛ لأن العزم من صفات المخلوقين؛ ولذا أجابه(ع) بما يناسب مستوى تفكيره، وفسّر له الإرادة بالمعنى الذي يناسب الحقّ تعالى في مقام الفعل، وقال: «لَم يَزَلِ الله ُ عالِما قادِرا ثُمَّ أَرادَ»، أي: ثم خلق. ولا يخفى أن تفسير الإمام للإرادة في مقام الفعل لا ينفي أن تكون الإرادة من صفاته الذاتية، وهو كونه تعالى مختاراً بالذات غير مجبور، وهي صفة قديمة عين ذاته المقدسة، وبهذا تنحل العقدة عما رُوي عن المعصومين(ع)، من أن الإرادة حادثة ومن صفات الفعل لا من صفات الذات.
- ↑ علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص١٤٤-١٤٦.
- ↑ أبو الفرج الأصفهاني، علي بن الحسين، مقاتل الطالبيين: ص١١٦.
- ↑ علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص١٤٦-١٤٧.
- ↑ علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص١٤٧.
- ↑ علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص١٤٧.
- ↑ ابن طاووس، علي بن موسى، إقبال الأعمال: ج٢، ص٧٤.
- ↑ ابن طاووس، علي بن موسى، إقبال الأعمال: ج٢، ص٧٩.
- ↑ ابن طاووس، علي بن موسى، إقبال الأعمال: ج٢، ص٨٢.
- ↑ علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص١٤٧-١٤٨.
- ↑ علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص١٤٨.
- ↑ علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص١٤٨.
- ↑ ابن طاووس، علي بن موسى، إقبال الأعمال: ج٢، ص٨٥.
- ↑ لجنة الحديث في معهد باقر العلوم(ع)، موسوعة كلمات الإمام الحسين(ع): ص٩٧٢.
- ↑ الكفعمي، إبراهيم، البلد الأمين: ص٢٥١.
- ↑ الكفعمي، إبراهيم، البلد الأمين: ص٢٥١.
- ↑ انظر: الطباطبائي، محمد حسين، نهاية الحكمة (تعليقة الشيخ مصباح اليزدي): ص٤٦٣.
- ↑ سورة السجدة، الآية ٧.
- ↑ سورة النمل، الآية ٨٨.
- ↑ علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص١٤٨-١٥١.
- ↑ المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج٤٤، ص٣٣١.
- ↑ علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص١٤٩-١٥٢.
- ↑ الجواهري، محمد حسن، جواهر الكلام: ج٢١، ص ٢٩٦.
- ↑ علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص١٥٢-١٥٣.
- ↑ السبحاني، جعفر، لُبّ الأثر في الجبر والقدر، تقرير بحث السيد الخميني(رحمه الله): ص٢٤٤.
- ↑ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج٦، ص٤٧٣. وهناك العشرات من النصوص القرآنية والروائية، التي تؤكد هذا المعنى، وأن لا خالق ولا رازق ولا مؤثر إلا الله تعالى، كقوله عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ اللهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ سورة الأنعام، الآية ٩٥، وقوله: ﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ سورة الرعد، الآية ٢٦، وقوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ سورة الأعراف، الآية ٥٤، وقوله: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ سورة الصافات، الآية ٩٦، وقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ سورة الأنعام، الآية ١٠٢، ونحوها مما يشاركها في المضمون ذاته.
- ↑ سورة الذاريات، الآية ٥٨.
- ↑ سورة النساء، الآية ٥.
- ↑ سورة الواقعة، الآية ٦٣-٦٤.
- ↑ سورة الفتح، الآية ٢٩.
- ↑ سورة المائدة، الآية ١١٠.
- ↑ سورة السجدة، الآية ٧.
- ↑ سورة الملك، الآية ٢.
- ↑ سورة محمد، الآية ٤.
- ↑ علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص١٥٣-١٦٠.
- ↑ النيسابوري، مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم: ج١، ص٦٦.
- ↑ اُنظر: البحراني، هاشم، مدينة المعاجز: ج٤، ص٥٤.
- ↑ ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف: ص١٧.
- ↑ الصفار، محمد بن الحسن، بصائر الدرجات: ص٤٣٤.
- ↑ الصدوق، محمد بن علي، إكمال الدين: ج١، ص٣١٧.
- ↑ علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص١٦٠-١٦٢.
- ↑ سورة الحديد، الآية ٢٥.
- ↑ سورة الأنفال، الآية ٣٧.
- ↑ سورة الأنفال، الآية ٤٢.
- ↑ علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص١٦٢-١٦٤.
- ↑ علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص١٦٤.
- ↑ علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص١٦٤-١٦٧.
- ↑ علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص١٦٨-١٧٠.