النبي الخاتم في التاريخ الإسلامي

من إمامةبيديا

مولد النبي

كان مولده (ص) - كما جاء في أكثر الروايات - خلال العام الذي غزا فيه أبرهة مكة لهدم الكعبة، وهو المعروف بعام الفيل الموافق لسنة ٥٧٠ من ميلاد السيد المسيح، وقيل إنه ولد قبل ذلك بخمسة عشر عاماً، وقيل بعد عام الفيل بسبعين عاماً [١]

وبالرغم من وجود أمه وانصرافها إليه فلقد أصبح الشاغل الوحيد لعبد المطلب حتى عن أولاده وأعز شيء لديه وأوكل امر إرضاعه إلى جارية لولده أبي لهب تدعى ثويبة، وضم إليه اليتيم وأمه، ورأى أن يرسل حفيده اليتيم إلى بادية بني سعد ليرضع هناك وينشأ، ويتعلم في البادية النطق بالكلمات، كما كانت عادة الأشراف في مكة حيث كانوا يسلمون أولادهم الرضع إلى المراضع اللواتي كن يقصدن مكة في السنين العجاف، وكانت تلك السنة قاسية على قبيلة بني سعد بالذات، فقدم نسوة بني سعد مع غيرهن يلتمسن الأطفال طمعا في بر الآباء وعطائهم، فعرضت عليهن آمنة و عبد المطلب طفلهما، فأعرضن عنه بعد ان عرفن يتمه وفقره .

وأوشكت القافلة ان ترجع بالنسوة ومع كل واحدة رضيع، وكانت حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية قد رأته أولا ورفضته كغيرها من المرضعات، ولكنها لم تجد طفلا آخر غيره لأن أمهات الأطفال كن يعرضن عنها لضعفها وهزالها، وفيما هي خارجة من مكة عز عليها ان ترجع ولا شيء معها، فقالت لزوجها: اني لأكره من بين صواحبي ان أعود ولم آخذ معي أحدا لأرجعن إلى ذلك اليتيم ورجح لها زوجها ذلك فرجعت إليه واحتضنته والأمل يملأ نفسها في أن تجد بسببه ما لم تجده مرضعة غيرها[٢]

محمد في حي بني سعد

وعادت به حليمة إلى حيها حيث لم تجد غيره ولكنها وجدت في بركته منذ ان وطئت قدماها الحي ما لم تجده امرأة من اللواتي كن معها وشعرت حليمة وزوجها انهما قد رجعا من مكة باليمن والغنم لا بالفقر واليتم اللذين منعا غيرها من النسوة ان يقدمن عليه .

وروى الرواة عنها انها قالت: قدمنا منازل بني سعد ومعي يتيم عبد المطلب ولا أعلم أرضا من أرض الله أجدب من أرضنا، فكانت غنمي تجيء حين حل محمد فينا شباعا فنحلب منها ونشرب ويتدفق الخير علينا، وأصبح جميع من في الحي يتمنى ذلك اليتيم الذي يسر الله لنا ببركته الخير ودفع عنا الفقر والبلاء .

وكانت حليمة ترعاه هي وزوجها وتقدمه على أولادها إلى أن بلغ السنتين من عمره فرجعت به إلى أمه وجده كما هي العادة بين المراضع، ولكن على كره منها، وأحب جده ان يبقى معها خوفا عليه من الأمراض التي كانت تتعرض لها مكة بسبب الوفود التي تلتقي فيها من جميع انحاء شبه الجزيرة، وفي الوقت ذاته فإن جو الصحراء يساعد على صفاء الفطرة ونمو الأعضاء ويزود الجسم بالقوة والمناعة ولا سيما وقد رأى عبد المطلب من عطف حليمة عليه ولهفتها على بقائه معها ما لم يره من أم على طفلها الوحيد، واستجابت آمنة لرغبة جده فرجعت به حليمة إلى حيها وهي تحس بالسعادة والغبطة .

وجاء عن حليمة انها قالت: لقد قدمنا مكة على آمنة بعد ان تم لمحمد عامان ونحن نحرص على مكثه فينا لما نرى من بركته فكلمنا أمه وقلنا لها لو تركته معنا حتى يغلظ ويشتد ولو هذه السنة فإنا نخشى عليه وباء مكة فلم نزل بها حتى ردته معنا، وأضافت حليمة إلى ذلك: إنه لما ترعرع كان يخرج فينظر إلى الصبيان يلعبون فيتجنبهم .

وقال لي يوماً: يا أماه، ما لي لا أرى اخوتي بالنهار وكان اخوته من الرضاع «عبد الله» و «أنيسة» و «الشيماء»، فقلت: فدتك نفسي انهم يرعون غنما لنا فيروحون من ليل إلى ليل، فقال لي: ابعثيني معهم فأرسلته معهم فكان يخرج مسرورا ويعود مسرورا وظل فترة من الوقت على ذلك الحال إلى أن جاءه في بعض الأيام ملكان فأضجعاه وشقا صدره .

وجاء في تاريخ اليعقوبي ان عبد المطلب كان قد سلمه إلى الحارث بن عبد العزى بن رفاعة السعدي زوج حليمة بنت أبي ذؤيب فلم يزل مقيما في بني سعد يرون به البركة في أنفسهم وأموالهم حتى كان من شأنه في الذي أتاه في صورة رجل فشق عن بطنه وغسل جوفه وشاعت هذه الحادثة في الأحياء العربية ولكنهم لم يعرفوا الغاية منها فخافوا عليه وردوه إلى جده وأمه وله من العمر خمس سنوات، وقيل أربع سنين وهو في خلق ابن عشر وقوته .[٣]

محمد مع جده عبد المطلب

ويدعي أكثر المؤرخين والمؤلفين في السيرة ان آمنة بنت وهب توفيت وله من العمر ست سنين وقيل أكثر من ذلك، وكانت في حدود الثلاثين من عمرها في مكان يعرف بالابواء بين مكة والمدينة في طريقها لزيارة أهلها في يثرب فانصرف إليه جده العظيم يرعاه ويحوطه ويفضله على جميع ولده وبنيه .

وكان قد تعود ان يستظل نهارا بالكعبة على فراش مرتفع يحيط به ولده وأشراف مكة، فيأتي محمد وهو غلام صغير فيثب على فراش جده، فيأخذه أعمامه ليصرفوه عنه، فيقول لهم عبد المطلب: دعوه ان لا بني هذا لشأنا .

وبلا شك فإن الملامح التي كانت تظهر عليه، والبركات التي رافقته منذ ولادته في أحضان حليمة وأمه وجده بشكل غير عادي، كل ذلك كان من دواعي الفراسة بمستقبل سعيد حافل بالحوادث الجسام لهذا اليتيم الذي لم تكن مكة وطواغيتها وجبابرتها يعرفون يوم ذاك ما تخبئه الأعوام القليلة الآتية من امر محمد يتيم عبد الله .

ويدعي الأخباريون بأن عبد المطلب كان يعرف من تلميحات الكهان والأحبار ما سيكون من امره وأنه قد وفد على سيف بن ذي يزن مع وجوه مكة من القرشيين وغيرهم لما تغلب على اليمن وتمكن من احتلالها، فخلا به سيف بن ذي يزن وبشره بمولود لقريش في مكة يكون رسولا إلى الناس أجمعين ووصفه له بصفاته فوجد عبد المطلب ان تلك الصفات لم تتوفر في غير حفيده فسجد لله شاكرا، وأحس سيف بأن المولود الذي يتحدث عنه موجود في بيت عبد المطلب، فأوصاه به خيرا وحذره من اليهود وغيرهم .

ويكاد المؤرخون يتفقون على أن بعض الأحبار والكهان كانوا يعلمون عن طريق الأناجيل والتوراة وأخبار الأنبياء السابقين بظهور نبي في ذلك العصر تتفق صفاته تمام الاتفاق مع الصفات الكريمة التي تحلى بها النبي (ص) وكانوا يخبرون بذلك من يطمئنون إليه أحيانا، وفي كتب الحديث والتاريخ عشرات الأمثلة على ذلك .[٤]

محمد مع عمه أبي طالب

على أن هذا الحنان الدافق الذي مسح به جده جراحات يتيمه لم يدم له طويلا، فما أن بلغ الثامنة من عمره حتى أحس عبد المطلب بالانهيار وان الموت يسرع إليه بين عشية وضحاها، وكان قد بلغ مائة عام أو تزيد فجمع ولده ووزع عليهم المهمات التي كان يقوم بها، والخدمات التي كان يقدمها للمكيين وغيرهم من الوافدين إلى مكة، ولم يكن يفكر في شيء تفكيره في حفيده الذي سيمضي عنه ويتركه وحيدا في هذه الدنيا العريضة بلا مال ولا أب ولا أم فأوصى أولاده العشرة بمحمد، واختار من بينهم عبد مناف فعهد إليه برعايته وان يضمه إلى أولاده، وهو شقيق والده الراحل ولدتهما أم واحدة، ولوح لهم بما سيكون له من شأن في مستقبل حياته، وكان مما قاله لهم: اني قد خلفت لكم الشرف العظيم الذي تطأون به رقاب الناس على حد تعبير اليعقوبي في تاريخه وانتقل الغلام اليتيم إلى بيت عمه أبي طالب بعد ان رحل جده عن هذه الدنيا فأدى أبو طالب الأمانة وحفظ الوصية، وكان خير كفيل له في صغره وخير ناصر له عندما احتاج إلى الأنصار والاتباع، وظل محمد شغله الشاغل الذي شغله حتى عن أولاده في أشد المراحل ضيقا وحرجا حتى النفس الأخير من حياته .

وجاء في تاريخ اليعقوبي وغيره ان عبد الله والد الرسول، وأبا طالب والزبير والمقدم المعروف بعبد الكعبة كانوا لأم واحدة وهي فاطمة بنت عائذ ابن عمران بن مخزوم، وتكنى بأم حكيم البيضاء، وبقية أولاده لأمهات شتى، وورث أبو طالب مع أنه كان فقيرا لا يملك شيئا زعامة أبيه عبد المطلب، وخضع له القريب والبعيد .

وجاء عن علي (ع) أنه قال: ان أبي ساد الناس فقيرا وما ساد فقير قبله، وكما ذكرنا لم يكن يعنيه شيء كما تعنيه رعاية محمد والمحافظة عليه فإذا اضطر إلى سفر لخارج مكة أو الحجاز اخرجه معه، وكانت أولى سفرات النبي معه إلى بصرى وله من العمر تسع سنوات، فلم تطب نفسه يوم ذاك ان يتركه مع أولاده ويمضي في سفرته الطويلة، في حين ان زوجته فاطمة كانت تحرص عليه أكثر من صبيتها وترعاه في ليلها ونهارها . ويدعي الأخباريون ان الأحبار والرهبان ومن رآه من الكهان في تلك السفرة قد نصحوا أبا طالب بالحرص عليه وخوفوه من اليهود الذين كانوا ينتظرون مولودا من قريش يرسله الله إلى العرب والعجم .

كما يدعي المؤلفون في السيرة النبوية من الكتاب القدامى انه قد ظهر للنبي (ص) في تلك الرحلة من الكرامات والفضائل ما لا يدخل في حدود التصور، وهو مع تلك القافلة التي ضمت أعيان المكيين والقرشيين، ولكن تلك المرويات على كثرتها وشهرتها بين المؤرخين والمؤلفين في سيرته لا يكاد يثبت منها شيء عند عرضها على أصول علم الدراية.

وظل يتيم عبد الله في أحضان عمه وزوجته فاطمة بنت أسد لا يشعر بالغربة بين أولادهما ولا يحس بمرارة اليتم والفقر، ووجد منهما من الحرص والرعاية فوق ما يتصوره إنسان من أبوين مع وحيد عزيز عليهما، وبلغ من حرص فاطمة بنت أسد عليه انها كانت في سني الجدب والقحط التي مات فيها الناس جوعا وعطشا تحرم أولادها من القوت الضروري وتطعمه إياه واستمرت تعامله بهذه المعاملة إلى أن شب وترعرع، وأسرعت إلى تصديقه والإيمان برسالته والاخلاص لها في السر والعلانية هي وزوجها وأولادها منذ ان بدأ يدعو الناس لعبادة الواحد الاحد والاستخفاف بالأصنام والتماثيل التي اتخذوها أربابا من دون الله، ولم يكن محمد بن عبد الله وهو الوفي الكريم الذي علم الناس الوفاء والاحسان، لم يكن لينسى لها مواقفها التي أنسته فقد أبيه وأمه وجده، فلما ماتت بكاها وقال والدموع تنهمر من عينيه، اليوم ماتت أمي وكفنها بقميصه ونزل في قبرها واضطجع فيه، وصنع ما لم يصنعه مع مسلم قبلها، وقال لمن سأله عن هذا الموقف الذي لم يعهدوه منه مع أحد قبلها، انها كانت أمي تجيع أولادها وتطعمني وتشعثهم وتدهنني وما أحسست باليتم منذ ان التجأت إليها .

وعلى أي الأحوال فكما كان الزوج كانت الزوجة وأولادها حرصاً وعطفاً وايماناً وتضحية في سبيل محمد ورسالته ودفاعا عنه وعنها في جميع المواقف والمشاهد .

وامتاز هذا البيت عن غيره حتى من بني عمومته وبنيهم الأقربين ومن تناسل منهم في جميع المراحل التي مرّ بها محمد ودعوته.

واتفق المؤرخون والمحدثون ان محمداً في المراحل التي مر بها في صباه وشبابه كان يخطو إلى الأمام بخطى واسعة سريعة في خلقه وخلقه وأصبح في مطلع شبابه مرموقا ومثلا كريما لكل الصفات النبيلة والأخلاق الفاضلة، ووجد فيه المكيون والقرشيون سيداً من سادات العرب الموهوبين ومرجعاً إليهم في المهمات وحل الخصومات كعمه الكفيل، ففي حرب الفجار التي نشبت بين كنانة وقيس كان هو وعمه عوناً وسنداً للمظلومين على الظالمين، وعندما اشتركا مع كنانة كان النصر حليفهما على قيس كما جاء في رواية اليعقوبي وقالوا له: يا ابن مطعم الطير وساقي الحجيج لا تغب عنا فإنا نرى بحضورك الغلبة والظفر، فقال: إذا اجتنبتم الظلم والعدوان والقطيعة والبهتان فاني لا أغيب عنكم فعاهدوه على ذلك .

وروى بعض الأخباريين ان النبي (ص) كان يوم ذاك في حدود العشرين فاشترك مع كنانه وطعن أبا البراء ملاعب الأسنة فأرداه عن فرسه وكانت الغلبة للكنانيين على غيرهم .

وجاء عن أسباب تلك المعارك بين كنانة وقيس ان البراض بن قيس وثب على رجل من هذيل فقتله وكان إلى جوار حرب بن أميّة، فأخرجه حرب بن أميّة من جواره ففر إلى الحيرة والتحق بالنعمان بن المنذر، واجتمع هو وعروة بن عتبة في جوار النعمان، وقد اعتاد النعمان ان يوجه في كل سنة قافلة إلى سوق عكاظ للتجارة ولا يتعرض لها أحد، حتى قتل النعمان أخا لبلعاء بن قيس، فكان بلعاء يعترض قوافل النعمان ويستولي عليها، فطلب النعمان من عروة بن عتبة بن جعفر بن كلاب والبراض بن قيس حمايتها، فتبرع كل منهما لذلك وتنازعا أيهما يقدم هذه الخدمة للنعمان، وكان الحل الأخير ان تعرض البراض لعروة وقتله، فاجتمعت قيس على مقاومة البراض، والتجأت كنانة لقريش، ونشب القتال بين الطرفين في رجب أحد الأشهر الحرم، وسميت تلك الحرب بالفجار لأنها تحدت حرمة الأشهر الحرم .

ويدعي بعض المؤرخين ان الزبير بن عبد المطلب كان قائد الهاشميين في تلك المعركة، بينما يرى فريق آخر ان أبا طالب قد منع الهاشميين من الاشتراك فيها وتخلف عنها عبد الله بن جدعان وحرب بن أميّة .[٥]

ذريته

أنجبت خديجة لرسول الله (ص) ستة من الأولاد، اثنين من الذكور، أكبرهما «القاسم» و «عبد الله»، وأربعة من الإناث. وذكر ابن هاشم، انّ أكبر بناته: «رقية» ثمّ «زينب» ثمّ «أُم كلثوم»، ثمّ «فاطمة»، وكلّهن أدركنَ الإسلام، أمّا الذكور فقد ماتوا قبل البعثة.

تبنّي النبي (ص) لـ زيد بن حارثة

كان ممّن سباه العرب من حدود الشام وباعوه في أسواق مكة رقيقاً لأحد أقرباء السيدة خديجة ويدعى حكيم بن حزام. وقد أحبه النبي (ص) لذكائه وطهره،فوهبته خديجة له، حينما تزوّجت به (ص)، إلاّ أنّ أباه حارثة الذي كان يبحث عنه لقيه عند النبي (ص) فطلبه منه، الأمر الذي جعل النبي (ص) يخيّره بين المقام معه (ص) والرحيل إلى وطنه، فاختار المقام مع الرسول (ص) الذي أخرجه إلى الحجر الأسود وأعتقه ثمّ تبناه أمام الملأ قائلاً: «يامن حضر اشهدوا أنّزيداً ابني»[٦].[٧]

الشمائل والصفات الخَلقية

السيرة التاريخية

أولاً: من الولادة حتى البعثة النبوية

وها هنا محطات:

المحطة الأولى: مولده(ص)

ولد النبي الأعظم (ص) في عام الفيل (٥٧٠م) بإتّفاق كتّاب السيرة، ورحل عن الدنيا في (٦٣٢م) عن ٦٢ أو ٦٣ عاماً، كما اتّفقوا على أنّه ولد في شهر ربيع الأوّل، يوم الجمعة السابع عشر منه، عند الشيعة، أمّا السنّة فقد عيّنوا يوم الإثنين الثاني عشر من الشهر نفسه.[٨]

ولمّا كان الشيعة ينقلون أخبار أهل البيت عنهم، فلابدّ من الإقرار بأنّ ما ينقله هؤلاء ويكتبونه من تفاصيل تتعلّق بحياة الرسول (ص) هي أقرب من غيرها إلى الحقيقة، لأنّها مأخوذة عن أقربائه وأبنائه.

وقد حملت به أُمّه «السيدة آمنة بنت وهب» في أيّام التشريق من شهر رجب، فإذا اعتبرنا يوم ولادته، ١٧ من ربيع الأوّل، فتكون مدّة حملها به ثمانية أشهر وأيّاماً.

وقد وقعت يوم ولادته أحداث عجيبة، فقد وُلِد مختوناً مقطوع السرة، وهو يقول: «الله أكبر والحمد لله كثيراً، سبحان الله بكرةً وأصيلاً»[٩] كما تساقطت الأصنام في الكعبة على وجوهها، وخرج نورٌ معه أضاء مساحة واسعة من الجزيرة العربية، وانكسر إيوان كسرى، وسقطت أربعة عشر شرفة منه، وانخمدت نار فارس التي كانت تعبد، وجفت بحيرة ساوة.

وهدفت هذه الأحداث الخارقة والعجيبة إلى أمرين مؤثرين:

  1. فهي تدفع الجبابرة والوثنيين إلى التفكير فيما هم فيه من أحوال، فيتساءلون عن الأسباب التي دعت إلى كلّذلك لعلهم يعقلون. إذ أنّ تلك الأحداث كانت في الواقع تبشر بعصر جديد هو عصر انتهاء الوثنيةوزوال مظاهر السلطة الشيطانية واندحارها.
  2. ومن جهة أُخرى، تبرهن على الشأن العظيم للوليد الجديد، على أنّه ليس عادياً، بل هو كغيره من الأنبياء العظام الذين رافقت ولادتُهم أمثالَ تلك الحوادث العجيبة والوقائع الغريبة.

وفي اليوم السابع لمولده المبارك، عقّ عبد المطلب عنه بكبش شكراً لله تعالى، واحتفل به مع عامة قريش.

وقال عن تسميته النبي الكريم (ص) محمداً (ص) وعن سببه: أردت أن يُحمَد في السماء والأرض[١٠]

وكانت أُمّه(ع) قد سمّته أحمد قبل أن يسمّيه جدّه[١١] وكان هذا الاسم نادراً بين العرب فلم يسم به منهم سوى ١٦ شخصاً، ولذا فإنّه كان من إحدى العلامات الخاصّة به.

أمّا عن رضاعته (ص) فقد ارتضع من أُمّه ثلاثة أيّام ثمّ أرضعته امرأتان هما:

  1. ثويبة: مولاة أبي لهب، إذ أرضعته لمدّة أربعة أشهر فقط، وقد قدّر النبي (ص) وزوجته خديجة(ع) هذا العمل لها حتى آخر حياتها، فأكرمها وأراد أن يعتقها فأبى أبو لهب، وكان يبعث إليها بالصلة حتّى وفاتها. كما أنّها أرضعت من قبل حمزة، و أبا سلمة بن عبد الله المخزومي، فكانوا إخوة في الرضاعة.
  2. حليمة السعدية، بنت أبي ذوَيب. وكان لها من الأولاد: «عبد الله»، «أنيسة»، «شيماء». وقامت «شيماء» بحضانة النبي (ص) أيضاً.

وقد استلمت حليمة السعديةُ النبيّص في عمر لم يتجاوز أربعة أشهر، في عام قحط وجدب،فأصابها الرخاء وازدهرت حياتها بعد ذلك. ومن المعروف أنّ النبي (ص) لم يقبل في ذلك الزمان أي ثدي من المرضعات إلاّ ثدي حليمة.[١٢]

وفي هذه المناسبة، أودُّ القول والتذكير، أنّه ينبغي أن يحتفل المسلمون جميعاً بمولد النبي (ص) بإقامة المهرجانات الكبرى والاحتفالات، تكريماً له (ص)، فهو أمر مطلوب ومحبّب في الشريعة المقدسة لقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[١٣] وعزّر بمعنى كرّم وبجّل.

فالاحتفال بمولده (ص) يعني ذكر أخلاقه العظيمة، وسجاياه النبيلة، والإشادة بشرفه وفضله، وهي أُمور مدحه بها القرآن الكريم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ[١٤]، ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ[١٥]

فالاحتفال بمولده الكريم هو احتفالٌ بالقيم السامية، وشكرٌ لله على منّه، وإظهار للحبّ الكامن في النفوس له، وتكريم لمن كرمه الله تعالى وأمر بتكريمه واحترامه وحبّه ومودّته. وهو ردّعلى من يزعم بأنّذلك محرم لكونه بدعة، لا يخلو من منكرات ومحرمات كالرقص والغناء. فالمسلمون درِجوا في العصور الإسلامية الأُولى على الاحتفال بذكرى مولدهبإنشاد القصائد الرائعة في مدحه، وذكر خصاله ومكارم أخلاقه وإظهار السرور والفرح، والشكر لله تعالى بلطفه وتفضّله به ص على البشرية.[١٦]

ولذا كان لابدّ من أداء هذا الاحتفال في كلّ وقت وزمان، في حياته وبعد مماته.[١٧]

المحطة الثانية: طفولته(ص)

استقر النبي الأكرم (ص) في قبيلة «بني سعد» خمسة أعوام زارته أُمّه خلالها ثلاث مرّات، وقامت حليمة برعاية شوَونه خير قيام، وبالغت في كفالته والعناية به، كما حافظ فيها (ص) على فصاحته وبلاغته، وعندما رجع إلى أُمّه(ع) فكّرت بزيارة المدينة وقبر زوجها عبدالله، ورافقتهم «أُمّ أيمن» حيث أمضوا هناك شهراً، رأى فيه النبيّ (ص) بيت أبيه الذي توفّي فيه ودفن. إلاّ أنّ أُمّه العزيزة توفّيت أيضاً في الطريق إلى مكة بمنطقة الأبواء[١٨] ممّا دفع الجميع إلى إظهار المحبة له والعناية به، خاصةً جدّه «عبد المطلب» الذي أحبه أكثر من أولاده.

وربما كان يُتم النبي (ص) في صالحه، فقد أراد الله تعالى منه أن يهيّئه لمواجهة المستقبل بشدائده ومصاعبه ومتاعبه، أو أراد ألا يكون في عنقه طاعة لأحد، فنشأ حراً من كلّ قيد، يصنع نفسه بنفسه، وليتضح أنّ نبوغه ليس نبوغاً بشرياً عادياً ومألوفاً، وأنّه لم يكن لوالديه أيّ دخل فيه وفي مصيره، فتكون بالتالي عظمته الباهرة نابعة من مصدر الوحي وليس من العوامل العادية المتعارفة.

وقد فاجأت الحياةُ نفس النبي (ص) الحزينة بوفاة جدّه العظيم «عبد المطلب» وهو في الثامنة من عمره، فبكى عليه (ص) كثيراً وظلّت دموعه تجري حتى وُري في لحده[١٩].[٢٠]

كفالة أبي طالب للنبي

كان أبو طالب أخاً لوالد النبي (ص) من أُمّواحدة، وقد تقبّل كفالة النبيص وتحمّل المسوَولية بفخر واعتزاز.

وفي العاشرة من عمره، شارك النبيّ (ص) عمّه في إحدى الحروب التي وقعت في الأشهر الحرم فسمّيت بحرب الفجار، إلاّ أنّ «اليعقوبي» ينفي في تاريخه اشتراك النبي (ص) وأبي طالب فيها.[٢١]

ورافق عمّه في سفره إلى الشام وهو في ربيعه الثاني عشر، شاهد فيها «مدين، ووادي القرى، وديار ثمود»، واطّلع على مشاهد الشام وطبيعتها الجميلة.

إلاّ أنّ أحداث «بصرى» غيّرت برنامج رحلة أبي طالب، ودفعته إلى العودة إلى مكّة، وهي الأحداث المرتبطة بمقابلة الراهب «بحيرا» بالنبي (ص) وما تنبّأ عنه بقوله: «إنّه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم، نجده في كتبنا وما روينا عن آبائنا، هذا سيّد العالمين، هذا رسول ربّ العالمين يبعثه رحمةً للعالمين. احذر عليه اليهود لئن رأوه وعرفوا ما أعرف ليقصدُنّ قتله»[٢٢].

أمّا ما قيل عن تلك المقابلة من آراء متطرفة، وبأنّالراهب بحيرا علّم النبي (ص) أُمور دينه التي درسها من كتب الإنجيل والتوراة، فهو فرية المستشرقين والكارهين للإسلام، إذ أنّ النبي (ص) لم يمكث هناك أكثرمن أربعة أشهر هي فترة رحلة الشام عند العرب، ثمّ إذا كان هذا الراهب يمتلك هذه الكمية من المعلومات الدينية والعلمية التي عرضها الرسول (ص) فلماذا لم يقم هو بنشرها، فيأخذ شهرته منها؟ ثمّ لماذا اختار محمداً (ص) دون غيره ليعرض عليه تلك المعلومات بالرغم من توافد القبائل عليه دوماً؟

إنّ الآيات القرآنية تصرح بأنّ الأخبار الغيبية وصلت إلى النبي ص عن طريق الوحي فقط، فلم يكن على عِلمٍ بها مطلقاً. كما أنّ كُتب التوراة والإنجيل لا تذكر أُموراً طيّبة عن الأنبياء، في حين أنّ القرآن الكريم يجلّهم ويعظمهم ويكرمهم،على عكس ما جاء عنهم في كتب هوَلاء.

ولذا لم يعقل أن يقتبس القرآن الكريم من تلك الكتب وبينهما بُعد المشرقين. كما أنّ النبي (ص) لم يشرح تلك القصص والقضايا للناس قبل الوحي والرسالة: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ[٢٣]

فالآية توَكد على أنّ النبيّ (ص) لبث في قومه فترة طويلة لم يتلو فيها سورة من القرآن ولا آية من آياته، فكلّ ما أخبر به هو ممّا أوحى به الله تعالى إليه بعد أن بعثه بالرسالة [٢٤].[٢٥]

المحطة الثالثة: فترة شبابه(ص)

كانت آثار الشجاعة والقوة باديةً على جبينه (ص) منذ طفولته وصباه، ففي الخامسة عشرة من عمره قيل انّه شارك في حرب الفجّار بين قريش وهوازن، وهي حرب الفجّار الرابعة التي استمرّت أربع سنوات، كان يناول فيها أعمامه النبال. وتكشف مشاركته في تلك العمليات العسكرية وهو في تلك السن، عن شجاعته وقدرته الروحية الكبرى، ولهذا كان المسلمون ـ فيما بعد ـ يحتمون بالنبي (ص) عند اشتداد المعركة.

وفي مقابل هذا روى الموَرخ اليعقوبي في تاريخه: «وقد روي أنّ أبا طالب منع أن يكون فيها أحدٌ من بني هاشم. وقال هذا ظلم وعدوان وقطيعة واستحلال للشهر الحرام ولا أحضره ولا أحدٌ من أهلي. فأخرج الزبير بن عبد المطلب متكرهاً وقال عبد الله بن جدعان التيمي وحرب ابن أُميّة: لا نحضر أمراً تغيب عنه بنوهاشم فخرج الزبير»[٢٦]

كما أنّ النبي (ص) كان أحد المشاركين في حلف الفضول، الذي اعتبر ميثاقاً بين الجرهميين يهدف إلى الدفاع عن حقوق الضعفاء والمظلومين. وقد أسّسه جماعة اشتُقّت أسماوَهم جميعاً من لفظة «الفضل»، مثل: فضل بن فضالة، و فضل بن الحارث، و فضل بن وداعة. وقد نُقلت عبارات كثيرة عن النبي (ص) أشاد فيها بالحِلف، واعتز بمشاركته فيه: «لقد شهدتُ في دار عبد الله بن جدعان حِلفاً لو دعيت به في الإسلام لأجبت».

كما أشاد به الإمام الحسين (ع) أيضاً، فضرب به المثل في أخذ الحقّوردّه لصاحبه، مثلما طلب هو حقّه من «الوليد بن عتبة» أمير المدينة.[٢٧]

التنزه عن اللهو واللعب
التنزه عن عبادة غير الله
الإرهاصات
مناهضة الظلم
الشهرة بالصدق والعقل والأمانة

حينما كان (ص) في عمر ٣٥ عاماً واجه اختلافاً كبيراً بين قريش، تمكن بحكمته من إزالة ذلك التخاصم، ممّا كشف عن مدى الاحترام الذي حظا به عند قريش. فعندما هُدمت الكعبة بسبب سيل عظيم، قام القوم بإعادة بنائها، إلاّ أنّهم اختلفوا في وضع الحجر الأسود في مكانه، فتنازع زعماء قريش فيمن يتولى وضعه،ممّا أخّر عملية البناء مدة خمسة أيّام، وكادت أن تنشب فيما بينهم بسببه حرب دامية، وربما طويلة، حتى قام فيهم شيخ منهم وقال: يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أوّل من يدخُل من باب هذا المسجد يقضي بينكم فيه. فقَبِلُوا رأيه فكان أوّلَ داخل عليهم محمد رسول الله (ص) فقالوا: هذا محمد الأمين، رضينا، هذا محمد. فقال (ص): هلمَّ إليَّ ثوباً فأخذ الحجر ووضعه فيه وقال: لتأخذ كلّ قبيلة بناحية من الثوب ثمّ ارفعوه جميعاً. ثمّ وضعه (ص) بيده في مكانه [٢٨].[٢٩]

الأسفار والرحلات
الحِرَف والمِهَن

أمضى الرسول الأعظم (ص) شطراً من شبابه في رعي الغنم في الصحارى، لعلّه ليصبح بذلك صبوراً في تربية الناس الذين سيُكلف بقيادتهم وهدايتهم، ويستسهل كلّ صعب في هذا المجال. إذ كان لابدّ أن يتسلّح بسلاح الصبر، ويتجهّز بأداة التحمّل، ويتزوّد بقدرة الاستقامة على طريق الهدف، وذلك حتى يمكنه إدارة البشر في المستقبل. إذ أنّ ذلك لا يكون إلاّبتعويد النفس على هذه الصفات وحملها على مشاق الإعمال. كما أنّ عمله في الصحراء والجبال، ساعده في التخلّص بعض الشيء من آلامه الروحية الناشئة من روَية الأوضاع المزرية والأحوال المشينة التي كان عليها أهل مكة وما كانوا فيه من عادات سيئة وظلم وانحراف وطغيان. كما أنّعمله في تلك البقاع، أعطاه فرصة طيبةللنظر في خلق السموات والتطلع في النجوم والكواكب وأحوالها، ثمّ الإمعان في الآيات الدالة على وجود الله سبحانه وتعالى، وقدرته وحكمته وعلمه وإرادته.

فبالرغم من أنّ قلوب الأنبياء تكون منورة بمصابيح المعرفة، ومضاءة بأنوار الإيمان والتوحيد، إلاّأنّهم لا يرون أنفسهم في غنى عن النظر في عالم الخلق والتفكّر في الآيات الإلهية، إذ أنّه من خلال هذا الطريق يصلون إلى أعلى مراتب الإيمان، ويبلغون أسمى درجات اليقين، وبالتالي يتمكّنون من الوقوف على ملكوت السماوات والأرضين.

وبعد هذا العمل الصحراويّ الجبلي، تعاطى (ص) العمل التجاري، باقتراح من عمّه أبي طالب، الذي أرشده بالتوجه للعمل في تجارة السيدة «خديجة بنت خويلد» التي كانت تعمل بالتجارة الواسعة، فأصبحت غنيةً ذات مال كثير وذات شرف عظيم، استخدمت الرجال في إدارة أعمالها الكثيرة. فقال أبو طالب للنبي (ص): «يابن أخي، هذه خديجة بنت خويلد قد انتفع بما لها أكثر الناس، وهي تبحث عن رجل أمين، فلو جئتها فعرضتَ نفسك عليها لأسرعتْ إليك، وفضّلتك على غيرك، لما يبلغها عنك من طهارتك».

إلاّ أنّ إباء الرسول (ص) وعلوّ طبعه منعاه من الإقدام بنفسه على ذلك فردَّ عليه: «فلعلّها أن ترسل إليّفي ذلك» لأنّها تعرف أنّه المعروف بالأمين بين الناس. وقد حدث ماأراده النبي (ص) فقد بعثت إليه قائلةً: «إنّي دعاني إلى البعثة إليك ما بلغني من صدق حديثك وعظم أمانتك وكرم أخلاقك، وأنا أعطيك ضعف ما أعطي رجلاً من قومك، وأبعث معك غلامين يأتمران بأمرك في السفر».[٣٠]

ولمّا علم عمّه أبو طالب بذلك قال له: «إنّ هذا رزق ساقه الله إليك».

وهكذا تمّ الاتفاق على أن يقوم النبي (ص) بالعمل في أموالها وتجارتها على نحو المضاربة لا الإجارة، فقد ذكر «اليعقوبي»: إنّ النبي (ص) ما كان أجيراً لأحد قط.[٣١]

ولذا فإنّ النبي (ص) حصل على أرباح وفيرَة من أوّل تجارته إلى الشام. ولما مرّ في الطريق على ديار عاد وثمود، تذكر سفره الأوّل مع عمّه إلى تلك المناطق. وعند وصولهم إلى مكّة، قال «ميسرة» غلام السيدة خديجة: يا محمد لقد ربحنا في هذه السفرة ببركتك ما لم نربح في أربعين سنة، فاستقبلْ بخديجة وأبشرها بربحنا. فأسرع النبي ص وسبق القافلة متوجهاً نحو بيت خديجة، التي استقبلته بحفاوة كبيرة، وسرّت بحديثه وأخباره عن رحلته ومكاسبه التجارية. ثمّ إنّ «ميسرة» أخبرها بكلّما حدث وحصل لهم في السفر، منذ خروجهم ودخولهم إلى البلاد، وخاصةً ما جرى، بين النبي (ص) وأحد التجّار الذي جادله في البيع طالباً منه أن يحلف باللات والعزّى، فرد عليه (ص): ماحلفت بهما قط، وإنّي لأمرُّ فأعرض عنهما. كما أخبرها عن النبي (ص) حينما استراح في ظلّ شجرة عندما كانوا في بصرى، فشاهده راهب فقال: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلاّ نبي. ولما سأل عن اسمه من ميسرة فقال: هو نبيّ وهو آخر الأنبياء، إنّه هو هو ومنزِّلُ الإنجيل، وقد قرأتُ عنهُ بشائر كثيرة.[٣٢]

وقد سلّم النبي (ص) كلّ ما ربحه واستلمه من مال إلى عمّه أبي طالب، ليوسّع به على أهله، ممّا جعله فرِحاً مسروراً بما قام به ابن أخيه تجاهه.[٣٣]

المحطة الرابعة: زواجه(ص)

في هذا الوقت، فكّر (ص) جدياً في أن يتّخذ شريكة لحياته ويكوّن أُسرة، فكيف وقع اختياره على السيدة خديجة التي رفضت كلّ مَن تقدّم إليها من كبار الشخصيات القرشية، أمثال: عقبة بن أبي معيط، و أبي جهل، و أبي سفيان؟ وكيف أدّى الارتباط بينهما والعلاقة العميقة والأُلفة والمحبة، إلى درجة أنّها وهبت كلّ ثروتها للنبيحتى ينفقها في نشر الإسلام؟

كانت السيدة خديجة من خيرة نساء قريش شرفاً وأقواهن عقلاً وأكثرهن فهماً، وقد قيل لها: سيدة قريش، وسمّيت الطاهرة لشدة عفافها، وذلك في أيّام الجاهلية.

وحين رفضت الزواج من سادة القوم قَبِلت بسيد البشر لما عرفت عنه من كرم الأخلاق، وشرف النفس، والسجايا الكريمة، والصفات العالية. وهي المرأة الثرية التي وإن عاشت في الترف وأفضل العيش، إلاّ أنّها أصبحت في بيت زوجها الرسول (ص) الزوجة المطيعة الخاضعة الوفية المخلصة، وسارعت إلى قبول دعوته واعتناق دينه بوعي وبصيرةٍ، مع علمها بما ينطوي ذلك على مخاطر ومتاعب. ثمّ جعلت كلَّ ثروتها ومالها في خدمة العقيدة والمبدأ، مشاطرة زوجها بذلك آلامَه ومتاعبَه، وراضية بمرارة الحصار في شعب أبي طالب ثلاث سنوات، وهي في سن الرابعة والستين.[٣٤]

وقد بلغ من خضوعها للرسول (ص) وحبها له، أنّها بعد أن تم الزواج بينهما قالت له: إلى بيتك، فبيتي بيتك وأنا جاريتك.[٣٥]

ويوَكد الموَرّخون أنّها هي التي اقترحت على النبيالزواج، وكما يعتقد أكثر الموَرّّخين، أنّ «نفيسة بنت عليّة» بلّغت رسالتها إلى النبي (ص) الذي تقبّل عرضها، فأخبرت السيدة خديجة بذلك، فأرسلت بوكيلها «عمرو بن أسد» لتحديد ساعة مراسم الخطبة في محضر الأقارب.[٣٦]

فشاور النبي (ص) أعمامه وعلى رأسهم «أبو طالب» الذي خطب في القوم يمدح النبي (ص) ويطلب الزواج له من السيدة خديجة قائلاً: «وله في خديجة رغبة ولها فيه رغبة، والصداق ما سألتم عاجله وآجله من مالي، ومحمد من قد عرفتم قرابتَه».

ثمّ أجرى عقد النكاح، ومهرها النبي (ص) ٤٠٠ دينار، وقيل أصدقها عشرين بكرة.[٣٧]

وكان عمرها في هذا الوقت أربعين عاماً، إذ أنّها وُلدت قبل عام الفيل بخمسة عشر عاماً، كما جاء عنها أنّها تزوجت قبل النبي (ص) برجلين، أوّلهما: «عتيق ابن عائذ»، ثمّ بعده: «أبو هالة التميمي». وقد توفي كلٌّ منهما بعد زواجه منها.[٣٨]

وقد تميّزت السيدة خديجة من نساء النبي (ص) بأنّه لم يتزوّج عليها مدّة حياتها، وبلغت لديه مالم تبلغه امرأة قطّمن زوجاته.[٣٩] وممّا يدل على سموّ مقامها وعلوّمنزلتها، أنّ أهل البيت(ع) طالماً افتخروا بأنّخديجة منهم، وإنّهم من خديجة، فكانوا يعتزون بها ويشيدون بمكانتها. فالسيدة خديجة(ع) هي مثال الشرف والعقل، والحبّ العميق للرسول(ص) والوفاء والإخلاص، والتضحية بالغالي والنفيس في سبيل الإسلام الحنيف، فهي أوّل من آمنت بالله ورسوله، وصدقت محمداً (ص) وآزرته، فكان (ص) لا يسمع من المشركين شيئاً يكرهه، من إيذاء وتكذيب، إلاّوفرّج الله عنه بخديجة التي خفّفت عنه، بلطفها وعطفها وعنايتها به في غاية الإخلاص والود.[٤٠]

لقد اكتسبت السيدة خديجة بفضل إيمانها العميق بالرسالة المحمدية، وتفانيها في سبيل الإسلام، وحرصها العجيب على حياة صاحب الرسالة، مكانةً ساميةً في الإسلام، حتى أنّ النبي (ص) ذَكَرَها في أحاديثه الكثيرة، وأشاد بفضلها ومكانتها وشرفها، وذلك لإلفات نظر المرأة المسلمة إلى القدوة التي ينبغي أن تقتدي بها في حياتها وسلوكها في جميع المجالات والحالات، بالإضافة إلى ما يمكن أن تقدمه المرأة ـ وهي نصف المجتمع ـ من دعم جدّىٍّ للرسالة، مادياً كان أم معنوياً.

ومن أشهر الأحاديث التي نُقلت عن النبي (ص) أنّه قال عنها: «أَتَى جَبْرَئِيلُ اَلنَّبِيَّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اَللَّهِ هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ وَ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا اَلسَّلأمَ مِنْ رَبِّهَا وَ بَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي اَلْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لأ صَخَبَ فِيهِ وَ لأ نَصَبَ».[٤١]

وقال عنها (ص): «لا والله ما أبدلني الله خيراً منها، آمنَت بي إذ كفر الناس، وصدّقتني إذ كذبني الناس، وواسَتْني في مالها إذ حَرمني الناس، ورزقني الله منها أولاداً إذ حرَمَني أولاد النساء».[٤٢]

كما روى أنس بن مالك، أنّا لنبي (ص) إذا أتى بهدية قال: «اذهبوا بها إلى بيت فلانة فإنّها كانت صديقة لخديجة، إنّها كانت تحبّ خديجة».[٤٣]

كما قال عنها الإمام علي (ع): «كنتُ أوّل من أسلم، فمكثنا بذلك ثلاث حِجَج وما على الأرض خلق يصلّي ويشهد لرسول الله (ص) بما أتاه، غيري، وغير ابنة خويلد رحمها الله، وقد فَعَلَ».[٤٤]

وقد تحدّث عنها أيضاً الكثير من الشخصيات الإسلامية المتقدمة والمتأخرة، فقد ذكر عنها «محمد بن إسحاق»: «إنّ خديجة بنت خويلد وأبا طالب، ماتا في عام واحد، فتتابع على رسول الله (ص) هلاك خديجة وأبي طالب، وكانت خديجة وزيرة صدق على الإسلام، وكان رسول الله يسكُن إليها».[٤٥]

ولكلّ ذلك، فإنّ وفاتها كانت من أعظم المصائب التي أحزنت الرسول (ص) ممّا دفعه أن يسمّي العام الذي توفّي فيه ناصراه وحامياه ورفيقا آلامه ـ: زوجته خديجة، وعمّه الموَمن الصامد أبو طالب ـ بعام الحداد أو عام الحزن . فينزل عند دفنها في حفرتها، ويُدخلُها القبر بيده في الحجون، فيلزم بيته ويقل الخروج.[٤٦][٤٧]

دينه وإيمانه قبل البعثة

تنزيهه عن عبادة غير الله

تدلّ الدلائل التاريخية والعقلية والمنطقية، على أنّ النبي الأكرم (ص) لم يعبد غيرَ الله منذُ ولد حتى رحل إلى ربّه، وكذلك ما كان عليه آباوَه وكفلاوَه.

فجدّه عبد المطلب، طلب من الله وهو في الكعبة أن يرد هجوم أبرهة ويهزم جيشه، فقد كان الموحّد الذي لا يلتجىَ في المصائب والمكاره إلى غير كهف الله. كما أنّه كان يستسقي بالتوسّل إلى الله تعالى. وقد اعترف الموَرّخون بذلك، فقد ذكر اليعقوبي: «ورفض عبد المطلب عبادة الأوثان والأصنام، ووحّد الله عزّوجلّ، ووفى بالنذر، وسنّ سنناً نزل القرآن بأكثرها، وجاءت السنّة الشريفة من رسول الله بها، وهي الوفاء بالنذر، ومائة من الإبل في الدية، وألا تنكح ذاتُ محرم، ولا توَتى البيوت من ظهورها، وقطع يد السارق، والنهي عن قتل الموَودة، وتحريم الخمر، وتحريم الزنا والحدّعليه، والقرعة، وألاّ يطوف أحد بالبيت عرياناً، وتكريم الضيف، وألا ينفقوا إذا حجّوا إلاّ من طيب أموالهم، وتعظيم الأشهر الحرم، ونفي ذات الرايات».[٤٨]

كل ذلك يوَكد تماماً توحيده وإيمانه بالله واعترافه برسالة النبي (ص) .

وكذلك كان عمّه أبو طالب، فله مواقف كثيرة بارزة قبل البعثة، تكشف عن عمق إيمانه وتوحيده، فقد اعتبر حامي الدين والمدافع عن المسلمين، آمن بالنبي (ص) واعتبره في قمة الكمال الإنساني، بالإضافة إلى أنّه أحلّه من قلبه محلَ الابن والأخ، فكان يصحبه معه إلى المصلّى، ويستسقي به، حيث كانت دعوته تُستجاب دون تأخير، كما اصطحبه معه في سفره إلى الشام، كما أنّ دفاعه عن النبي (ص) لم يكن مادياً، فلم يقصد من وراء ذلك كسباً مادياً من مال وثروة، كما لم يهدف للحصول على جاه ومقام وإحراز مكانة اجتماعية مرموقة، لأنّه كان يمتلك في المجتمع أعلى المناصب، فقد كان رئيساً لمكّة المكرّمة، بل إنّه فقد منصبه ومكانته بسبب موقفه الموالي للنبي (ص) وعدم الاستجابة لقومه في تسليمه (ص) لهم، ممّا استوجب سخط الزعماء عليه واستياءهم منه، وإظهار العداء له ولبني هاشم عامة.

فالقول بأنّ تضحية أبي طالب في سبيل النبي (ص) بالنفس والنفيس كان بدافع علاقة القربى والعصبية القبلية، تصوّر باطل، إذ أنّذلك كان بدافع اعتقاده الراسخ برسول الله (ص) الذي اعتبره مظهراً كاملاً للفضيلة والإنسانية، وأنّ دينه أفضل برنامج للسعادة. ولما كان يحب الحقيقة والكمال والحقّ، فقد كان من الطبيعي أن يدافع عن تلك الفضائل وينصرها بكلّ جهوده وقواه.[٤٩]

كما أنّ هناك مواقف محددة توَكد المعنى السابق:

فقد أصدر تهديداً بمحاربة رجال قريش بالسلاح، إذا أقدموا على أي سوء نحو النبي (ص) فقد حافظ على حياته (ص) لفترة ٤٢ عاماً، ودافع عنه، وخاصةً في سنوات البعثة العشرة، فهو قد تولى مهمة كفالته والدفاع عنه والمحافظة على حياته بصدق وإخلاص، بالنفس والمال، وإيثاره على نفسه وأولاده والإنفاق عليه من ماله، منذ صِغَره (ص) وحتى الخمسين من عمره. ولذا كان لفقده أكبرُ الأثر على سير الدعوة الإسلامية.

وهو ما دفع ابن أبي الحديد المعتزلي أن ينشد بيتين يوضح تضحيته هو وابنه علي (ع):

ولولا أبو طالب وابنُهلما مثلُ الدّين شخصاً وقاما
فذاك بمكة آوى وحامىوهذا بيثرب جسّ الحِماما‏[٥٠]


ويمكن التعرّف على إيمانه وإخلاصه عن طريق أشعاره وخدماته القيّمة في السنوات العشر الأخيرة من عمره، فمن قصائده المطولة نختار البيتين التاليين:

ليعلم خيارُ الناس أنّ محمداًنبيُّ كموسى والمسيحِ بن مريم
أتى بهدى مثلما أتيا بهفكلّ بأمر الله يهدي ويعصم[٥١]


لقد كان إيمانه قوياً لدرجة أنّه رضى بأن يتعرض كل أبنائه لخطر القتل والاغتيال ليبقى محمد (ص) دون أن يمسّه أعداوَه بأيّ سوء. كما أنّه أوصى أولاده عند وفاته قائلاً: أُوصيكم بمحمد خيراً فإنّه الأمين في قريش، وهو الجامع لكلّما أوصيكم به. كونوا له ولاةً، ولحزبه حماةً، والله لا يسلك أحد منكم سبيله إلاّرَشَد، ولا يأخذ أحد بهديه إلاّ سعد.[٥٢]

وبينما كفّره البعض من علماء السنة، إلاّ أنّ منهم من حكموا بإسلامه وبإيمانه، مثل: «زيني دحلان» مفتي مكة، وقد تمادى بعض منهم في توسيع دائرة الكفر فشملت آباء النبي (ص)، وكان ذلك من آثار الحكومات الأموية والعباسية التي عملت بكلّ جهدها لتأكيد كفر أبي طالب والإعلام ضدّ إيمانه، لأنّه كان والد الإمام علي(ع) الذي اجتهدت الأجهزة الإعلامية لتلك الحكومات في الحط من شأنه دوماً، وخاصةً إنّ إسلامه مع أبيه كان يعد فضيلة بارزة من فضائله.

أمّا علماء الشيعة الإمامية والزيدية فقد اتّفقوا على أنّه كان من أبرز الموَمنين برسول الله (ص) ولم يخرج من الدنيا إلاّ بقلب يفيض إيماناً بالإسلام وإخلاصاً لله تعالى وحباً للمسلمين.[٥٣]

وأمّا أقاربه وما قدّموه من أفعال وأقوال توَكد موقفه الإيجابي، فإنّ النبي (ص) دفنه بنفسه. كما أنّ الإمام الحسين (ع) أجاب عندما سُئل عن إيمانه قال: «وَا عَجَبَا إِنَّ اَللَّهَ تَعَالَى نَهَى رَسُولَهُ أَنْ يُقِرَّ مُسْلِمَةً عَلَى نِكَاحِ كَافِرٍ وَ قَدْ كَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدٍ مِنَ اَلسَّابِقَاتِ إِلَى اَلْإِسْلأمِ وَ لَمْ تَزَلْ تَحْتَ أَبِي طَالِبٍ حَتَّى مَاتَ».

وقال (ع): «أَ لَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلِيّاً عَلَيْهِ السَّلأمُ كَانَ يَأْمُرُ أَنْ يُحَجَّ عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ وَ آمِنَةَ وَ أَبِي طَالِبٍ فِي حَيَاتِهِ ثُمَّ أَوْصَى فِي وَصِيَّتِهِ بِالْحَجِّ عَنْهُمْ».

وقال الإمام الصادق (ع): «إِنَّ مَثَلَ أَبِي طَالِبٍ مَثَلُ أَصْحَابِ اَلْكَهْفِ، أَسَرُّوا اَلْإِيمَانَ وَ أَظْهَرُوا اَلشِّرْكَ فَآتَاهُمُ اَللَّهُ ﴿أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ[٥٤]»[٥٥]

ومن المعروف، أنّه للتعرف على عقيدة فردٍ ونمط تفكيره،ينبغي الاعتماد على:

  1. دراسة آثاره العلمية والأدبية وما تركه من أقوال وكلمات.
  2. و أسلوب عمله وتصرفاته في المجتمع.
  3. و آراء أقربائه ومعارفه حوله.

وكلّتلك الجوانب أكدت إسلام أبي طالب، حامي الرسول العظيم (ص)، فتسقط كلّ الأقاويل والأحاديث التي بثّها أعداوَه للحط من شأنه وإلصاق الكفر به.

وكذلك كان أبو النبي (ص) عبد الله، فقد ذكر النبي (ص) إنّه انتقل في الأرحام المطهّرة ممّا يوَكّد طهارة آبائه وأُمّهاته من كلّدنس وشرك.

وقد أشار الشيخ المفيد إلى أنّ الإماميّة تتفق على أنّ آباء رسول الله (ص) من لدن آدم إلى عبد الله بن عبد المطلب كانوا موَمنين بالله وموحّدين إيّاه، واحتجّوا في ذلك بالقرآن والأخبار.[٥٦]

إيمانه بالله قبل البعثة

تدلّ الشواهد التاريخية بالإضافة إلى البراهين العقلية، على أنّه النبي كان موَمناً بالله وموحّداً إيّاه قبل البعثة، فلم يعبد وثناً قط، ولم يسجد لصنم أبداً. وقد أجمع الموَرّخون على أنّه (ص) كان يخلو بحراء أشهراً كلّ عام يعبد الله تعالى فيه، فقد ذكر الإمام علي (ع): «وَ لَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ فَأَرَاهُ وَ لَا يَرَاهُ غَيْرِي».[٥٧]

حتى وافاه جبرائيل (ع) بالرسالة في هذا المكان وفي تلك الحال، وقد صرح بهذا أيضاً أصحاب الصحاح الستة، وجاء في الأخبار أنّ الرسول (ص) حجّ قبل البعثة عدّة حجّات، وكان يأتي بمناسكها على وجه صحيح بعيداً عن أعين قريش، فقال الإمام الصادق(ع): «حَجَّ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ عَشْرَ حَجَّاتٍ مُسْتَسِرّاً فِي كُلِّهَا».[٥٨]

وكلّ تلك الوقائع أصدق دليل على إيمانه وتوحيده، وهو النبي الخاتم والأفضل من جميع الأنبياء والمرسلين بنصّ القرآن الكريم. وجاء عن «العلاّمة المجلسي»، أنّه قد وردت أخبار كثيرة أنّه (ص) كان يطوف ويعبد الله في حراء، ويرعى الآداب المنقولة من التسمية والتحميد عند الأكل وغيره،فكيف يمكن لله تعالى أن يهمل أفضل أنبيائه أربعين سنة بغير عبادة[٥٩]

والنبي (ص) كان موَمناً موحّداً عابداً لله ساجداً قائماً بالفرائض العقلية والشرعية، مجتنباً عن المحرمات، عالماً بالكتاب وموَمناً به إجمالاً، وراجياً لنزوله إليه، إلى أن بعثه الله لإنقاذ البشرية عن الجهل وسوقها إلى الكمال.

فكان (ص) أفضل الخلق وأكملهم خلقاً وخُلقاً وعقلاً، وأنّه كان يعمل حسب ما يُلهَم سواء كان مطابقاً لشرع ماقبله أم مخالفاً، وأنّ هاديه وقائده، منذ صباه إلى أن بُعِث هو نفس هاديه بعد البعثة.[٦٠].[٦١]

ثانياً: من البعثة حتى الهجرة النبوية

وها هنا أحداث:

الحدث الأول: الدعوة السرية

الحدث الثاني: هجرة المسلمين إلى الحبشة

الحدث الثالث: الحصار في شعب أبي طالب

الحدث الرابع: الرحلة إلى الطائف

الحدث الخامس: بيعة العقبة الأولى

الحدث السادس: بيعة العقبة الثانية

الحدث السابع: بيعة العقبة الثانية

الحدث الثامن: ليلة المبيت

ثالثاً: من الهجرة حتى الوفاة

وها هنا منعطفات:

المنعطف الأول: هجرته إلى يثرب(ص)

المنعطف الثاني: هجرته إلى يثرب(ص)

المنعطف الثالث: غزواته(ص)

غزوة بدر
غزوة أحد
غزوة الخندق

المنعطف الرابع: فتح مكة(ص)

المنعطف الخامس: حجة الوداع(ص)

النبوة والرسالة

طرق إثبات نبوة محمد(ص)

معاجز النبي الخاتم

سيرة النبي الخاتم

أصحاب النبي الخاتم

الرحيل إلى جوار الرب

قبر النبي ومزاره

رضاع النبي(ص)

روى المجلسي عن الكازروني في (المنتقى) عن برّة الخزاعية: ان أوّل من أرضع رسول الله(ص) «ثويبة» - مولاة أبي لهب عمّ النبي - بلبن ابن لها يقال له مسروح، قبل أن تقدم حليمة، أياما.

وكانت قد أرضعت قبله حمزة بن عبد المطلب وأرضعت بعده أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي.

وكانت رسول الله - ثويبة - تدخل على رسول الله(ص) فيكرمها، وكان يبعث إليها رسول الله بعد الهجرة بكسوة وصلة، وكانت قد اسلمت، فماتت بعد فتح خيبر[٦٢].

وروى عن الكليني في (فروع الكافي) بسنده عن الصادق(ع) قال: انّ عليا ذكر لرسول الله ابنة حمزة، فقال رسول الله(ص): أ ما علمت انّها ابنة أخي من الرضاعة. ثمّ قال الصادق(ع): وكان رسول الله وعمّه حمزة قد رضعا من امرأة[٦٣].

وقال اليعقوبي: كان أوّل لبن شربه بعد امّه لبن «ثويبة» مولاة أبي لهب. وقد أرضعت ثويبة هذه حمزة بن عبد المطلب، وجعفر بن أبي طالب، وأبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي[٦٤].

والطبري روى الخبر نفسه الذي رواه الكازروني، بسنده إلى برّة ابنة أبي تجزأة عن طريق الواقدي[٦٥].

وقال الطبرسي في (اعلام الورى): وكانت ثويبة مولاة أبي لهب بن عبد المطلب أرضعت النبي(ص) بلبن ابنها مسروح، قبل أن تقدم حليمة، وتوفيت ثويبة مسلمة سنة سبع من الهجرة، ومات ابنها قبلها. وكانت ثويبة قد أرضعت قبل حمزة بن عبد المطلب عمّه، فلذلك قال رسول الله لابنة حمزة: انّها ابنة أخي من الرضاعة. وكان حمزة أسنّ من رسول الله بأربع سنين[٦٦].

وروى ابن شهرآشوب رواية الطبري[٦٧].

وقال الاربلي في (كشف الغمة): أرضعته ثويبة مولاة أبي لهب، قبل قدوم حليمة أياما بلبن ابنها مسروح، وتوفيت ثويبة مسلمة سنة سبع من الهجرة، ومات ابنها قبلها. وكانت ثويبة قد أرضعت قبله عمّه حمزة، فلهذا قال(ص) وقد حودث في التزويج بابنة حمزة: انّها ابنة أخي من الرضاعة. وكان حمزة أسنّ منه بأربع سنين[٦٨].[٦٩]

رضاعه من حليمة السعدية

روى ابن إسحاق بسنده إلى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب عن حليمة بنت ابي ذؤيب السعدية انها كانت تقول: انّها خرجت من بلدها مع زوجها الحارث بن عبد العزى من بني هوازن ومعها رضيعها عبد الله بن الحارث، ومعها نسوة من بني سعد كلّ واحدة منهن تلتمس رضيعا ترضعه ترجو المعروف من أبيه. وذلك في سنة مجدبة لم تبق لهم شيئا، وما أرض أجدب من بلاد بني سعد. فما كان في ثدييها ما يغني صبيّها الرضيع حتّى كانوا ما ينامون ليلهم من بكائه من الجوع، ومعها ناقة لها مسنّة ما ترشح بشي‌ء يغذيهم، وكانت هي على أتان يتخلف عن الركب ضعفا وهزالا.

حتّى قدموا إلى مكّة، فما بقيت امرأة ممّن مع حليمة الا أخذت رضيعا لها سوى حليمة وكلّما كان يعرض رسول الله(ص) على امرأة منهن يقال لها انّه يتيم، كانت تأباه ليتمه. وبقيت حليمة لم تأخذ رضيعا، ولم يبق رضيع سوى رسول الله(ص)، قالت حليمة: فقلت لزوجي: والله انّي لأكره ان ارجع وانا بين صواحبي لم آخذ رضيعا، والله لاذهبنّ إلى ذلك اليتيم فلآخذنّه، قال صاحبي: لا عليك ان تفعلي عسى الله ان يجعل لنا فيه بركة. قالت: فذهبت إليه فأخذته - وما حملني على أخذه الا انّي لم أجد غيره - ورجعت به إلى رحلي ووضعته في حجري وأقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن فشرب حتّى روي، وشرب معه أخوه فروي. وقام زوجي إلى ناقتنا فإذا ضرعها ملئ باللبن فحلب ما شرب وشربت معه حتّى روينا، فقال لي صاحبي: يا حليمة لقد اخذت نسمة مباركة، فقلت والله اني لأرجو ذلك.

ثمّ قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد، فلم نزل نتعرّف من الله الزيادة والخير، وكانت غنمي ترجع إلينا بعد العصر شباعا قد امتلأ ضرعها من اللبن، وترجع غنم القوم جياعا لا تشرح بقطرة لبن. وكان رسول الله(ص) يشبّ ما لا يشبه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه من الرضاعة حتّى غلظ واشتدّ جسمه، حتّى اذا مضت سنتاه وفصلته، فقدمنا به على امّه ونحن أحرص شي‌ء على مكثه فينا لما نرجو من بركته، فكلمنا امّه فلم نزل بها حتّى ردته معنا فرجعنا به.

قالت حليمة: وبعد مقدمنا به بأشهر احتملناه فقدمنا به على امّه.

فقالت آمنة: ما أقدمك به وقد كنت حريصة عليه وعلى مكثه عندك؟

فقلت: قد بلغ الله بابني وقضيت الذي عليّ، وتخوفت الأحداث عليه، فأديته إليك كما كنت تحبّين.

فقالت: أ فتخوفت عليه الشيطان؟ قالت: قلت: نعم. قالت: كلاّ والله ما للشيطان عليه من سبيل. ثمّ أخبرتها بما رأته منه حين حمله ووضعه.

قال ابن إسحاق: حدثني بعض أهل العلم: انّ ممّا هاج امّه السعدية على رده إلى امّه: ان نفرا من نصارى الحبشة رأوه فنظروا إليه وسألوها عنه وقلبوه ثمّ قالوا لها: انه يكون لهذا الغلام شأن نحن نعرف أمره، وأرادوا ان يأخذوه إلى بلدهم، حتّى كادت ان لا تنفلت به منهم.

قال ابن إسحاق: يتحدث الناس: انّها لمّا قدمت به إلى مكّة نحو اهله افتقدته في الناس، وكلّما التمسته لم تجده، فأتت عبد المطلب فقالت له: انّي قد قدمت بمحمد البارحة، فلمّا كنت بأعلى مكّة افتقدته فو الله ما أدري أين هو؟

فقام عبد المطلب عند الكعبة يدعو الله ان يردّه عليه، فوجده رجلان من قريش أحدهما ورقة بن نوفل بن أسد - ابن عمّ خديجة - فأتيا به عبد المطلب فقالا له: هذا ابنك وجدناه بأعلى مكّة. فأخذه عبد المطلب فجعله على عنقه وطاف به الكعبة يعوّذه ويدعو له ثمّ أرسل به إلى امّه آمنة[٧٠].[٧١]

رعي النبي(ص) للغنم

لم يرو عن أئمة أهل البيت(ع) أنّ رسول الله(ص) كان يرعى الأغنام، اللهم الا ما رواه الشيخ الصدوق في (علل الشرائع)، بسنده إلى الإمام الصادق(ع) أنّه قال: «مَا بَعَثَ اَللَّهُ نَبِيّاً قَطُّ حَتَّى يَسْتَرْعِيَهُ اَلْغَنَمَ يُعَلِّمُهُ بِذَلِكَ رِعْيَةَ اَلنَّاسِ» وأيضاً فيه عنه(ع) قال: «إِنَّ اَللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَحَبَّ لِأَنْبِيَائِهِ مِنَ اَلْأَعْمَالِ اَلْحَرْثَ وَ اَلرَّعْيَ لِأَنْ لاَ يَكْرَهُوا شَيْئاً مِنْ قَطْرِ اَلسَّمَاءِ»[٧٢] ورواه الكليني في (فروع الكافي) هكذا «إِنَّ اَللَّهَ جَعَلَ أَرْزَاقَ أَنْبِيَائِهِ فِي اَلزَّرْعِ وَ اَلضَّرْعِ لِئَلاَّ يَكْرَهُوا شَيْئاً مِنْ قَطْرِ اَلسَّمَاءِ»[٧٣].

ورواه البخاري بسنده إلى أبي هريرة عنه أنّه كان يقول «ما بعث الله نبيا الا رعى الغنم. فقال أصحابه: وأنت؟ قال: نعم، كنت أرعاها على قراريط، لأهل مكّة»[٧٤] وبما أنّ الخبر مشتمل على جملة «لأهل مكّة» لذلك ذكره البخاري في كتاب الإجارة، ولذلك فسروا القراريط بأنّها: أجزاء الدراهم والدنانير يشترى بها الحوائج الحقيرة!

ولكن في شرح الحديث في (فتح الباري) نقل عن إبراهيم الحربي انّه كان يقول: انّ العرب ما كانت تعرف القراريط، وإنمّا هي اسم لمكان في مكّة. ويؤيد هذا أنّ لفظ الخبر في بعض رواياته: بالقراريط، وفي اخرى: بأجياد، ممّا يفيد أنّ القراريط وأجيادا اسم لمكان واحد او متداخل او متقارب. ولا يضرّ لفظ: على قراريط، اذ هو اسم جبل كما نقله الطريحي في (المجمع) عن الجوهري قال «و أما القيراط الذي جاء في الحديث فقد جاء تفسيره فيه: أنّه مثل جبل احد» فيكون المعنى: أنّه(ص) قد رعى الغنم على ذلك الجبل بأجياد، وهذا هو الأوفق بالاعتبار فانّ الرعي لا يكون في سهل مكّة في البلد.

وحاول بعضهم أن يوجّه فهم البخاري للحديث بما نقل في (فتح الباري) عن بعضهم قولهم: لا يعرف مكان في مكّة بهذا الاسم. وردّه السيد المرتضى العاملي بقوله: انّ عدم معروفيته الآن لا يستلزم عدم معروفيته في ذلك الزمان‌[٧٥].

فلا يبقى الا أن نشك قويا في أن يكون(ص) قد رعى لغير أهله بأجر، ولا يجدي البخاري لفظ رواية عن أبي هريرة: لأهل مكّة، فإنّ بعضها يقول: لأهلي.

واذا كان الراوي هو أبو هريرة فلم يبق ما يعيّن معنى إجارة رسول الله نفسه لأهل مكّة.

على أنّ أبا هريرة ممّن لا يمكن الاعتماد عليه أصلاً.

هذا، وقد روى اليعقوبي وابن كثير عن عمار بن ياسر أنّه قال: «أنّه ما كان أجيراً لأحد قط»[٧٦].

وقد تقول في (فتح الباري) شرحا لفلسفة رعيه للغنم، وتبعه بعض كتّاب السيرة كالحلبي وزيني دحلان[٧٧] ولا نراه يتفق والقواعد العقائدية بشأن الأنبياء والمرسلين. فان صحّ رعيه للغنم أصلا - وهو الصحيح - فلا علة له سوى ما جاء في رواية الشيخ الصدوق عن الإمام الصادق(ع)، في كتابه (علل الشرائع).

ويمكن تفصيل ذلك التعليل بما نقله السيد المرتضى العاملي من قول البعض: إنّ الرعي فيه تحمل مسئولية آحاد متفرقة، وهو يناسب المهمة التي سوف توكل إليه، الأمر الذي من شأنه أن يروّض النفس ويزيدها اندفاعا نحو طلب الخير للآخرين من رعايته لهم والحرص على ما ينفعهم.

وقد كان الله تعالى يهتم في رفع مستوى تحمّل وملكات وقدرات نبيّه ليواجه المسئولية العظمى، ولكن بالطرق العادية والطبيعية، كما هو معلوم»[٧٨].[٧٩]

المراجع

  1. محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي ج۱
  2. السيد هاشم معروف الحسني، سيرة المصطفى نظرة جديدة
  3. جعفر السبحاني، السيرة المحمدية

الهوامش

  1. وغير بعيد أن تكون ولادته قبيل عام الفيل أو بعده بيسير ولكن التحديد بسبعين عاما لا تؤيده حوادث التاريخ .
  2. السيد هاشم معروف الحسني، سيرة المصطفى نظرة جديدة، ص ٤١-٤٢.
  3. السيد هاشم معروف الحسني، سيرة المصطفى نظرة جديدة، ص ٤٢ - ٤٤.
  4. السيد هاشم معروف الحسني، سيرة المصطفى نظرة جديدة، ص ٤٦ - ٤٧.
  5. السيد هاشم معروف الحسني، سيرة المصطفى نظرة جديدة، ص ٤٧-٥٠.
  6. الإصابة في تمييز الصحابة: ١/ ٥٤٥؛ الكامل في التاريخ: ٢/ ٢٢٥.
  7. جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ٤٦-٤٧.
  8. إمتاع الأسماع: ص ٣، وقد ذكر جميع الأقوال التي وردت في ميلاد النبي (ص) .
  9. تاريخ اليعقوبي: ٢/ ٥؛ بحار الأنوار: ١٥/ ٢٤٨؛ السيرة الحلبية: ١/ ٦٧.
  10. السيرة الحلبية: ١/ ٧٨.
  11. السيرة الحلبية: ١/ ٨٢.
  12. البحار: ١٥/ ٣٤٢.
  13. سورة الأعراف، الآية ١٥٧.
  14. سورة القلم، الآية ٤.
  15. سورة الشرح، الآية ٤.
  16. للتوسع في هذا الموضوع، يرجع إلى: معالم التوحيد في القرآن الكريم.
  17. جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ٣٣-٣٦.
  18. السيرة الحلبية: ١/ ١٠٥.
  19. تاريخ اليعقوبي: ٢/ ١٠ حول سيرة عبد المطلب، أنّه كان موحداً لا وثنياً، وإنّ الإسلام قد أخذ الكثير من سننه.
  20. جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ٣٦-٣٧.
  21. تاريخ اليعقوبي: ٢/ ١٥.
  22. تاريخ الطبري: ٢/ ٣٢؛ السيرة الحلبية: ١/ ١٨٠.
  23. سورة يونس، الآية ١٦.
  24. للتوسع في الموضوع، راجع مفاهيم القرآن للشيخ جعفر السبحاني: ٣/ ٣٢١.
  25. جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ٣٧-٣٩.
  26. تاريخ اليعقوبي: ٢/ ١٢، طبع النجف.
  27. جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ٣٩-٤٠.
  28. السيرة النبوية: ١/ ١٩٢؛ فروع الكافي: ٤/ ٢١٧.
  29. جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ٥٢.
  30. البحار: ١٦/ ٢٢؛السيرة الحلبية: ١/ ١٣٢؛ الكامل في التاريخ: ٢/ ٢٤.
  31. تاريخ اليعقوبي: ٢/ ٢١.
  32. البحار: ١٦/ ١٨؛ طبقات ابن سعد: ١/ ١٣٠.
  33. جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ٤٠-٤٢.
  34. شرح نهج البلاغة: ١٤/ ٥٩.
  35. بحارالأنوار: ١٦/ ٤.
  36. تاريخ الخميس: ١/ ٢٦٤.
  37. السيرة الحلبية: ١/ ١٣٩.
  38. الاستغاثة: ١/ ٧٠.
  39. السيرة الحلبيّة: ١/ ١٦٩.
  40. أعلام النساء: ١/ ٣٢٨.
  41. صحيح مسلم: ٧/ ١٣٣؛ مستدرك الحاكم: ٣/ ١٨٤.
  42. أُسد الغابة: ٥|٤٣٨؛ صحيح مسلم: ٧/ ١٣٤؛ صحيح البخاري: ٥/ ٣٩.
  43. سفينة البحار: ١/ ٣٨٠.
  44. شرح نهج البلاغة: ١٤/ ٥٩.
  45. بحارالأنوار: ١٦/ ١٠.
  46. تاريخ اليعقوبي: ٢/ ٣٥؛ تاريخ الخميس: ١/ ٣٠١؛السيرة الحلبية: ١/ ٣٤٦.
  47. جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ٤٣-٤٦.
  48. تاريخ اليعقوبي: ٢/ ٩.
  49. وقد أشار إلى كلّ ذلك في قصائده وأشعاره. ونقل ابن هشام في سيرته: ١/ ٣٥٢، ١٥ بيتاً من قصيدته.
  50. شرح نهج البلاغة: ١٤/ ٨٤.
  51. مجمع البيان: ٧/ ٣٧؛ الحجة: ٥٧؛مستدرك الحاكم: ٣/ ٦٢٣.
  52. السيرة الحلبية: ١/ ٣٥.
  53. يوضح هذا الجانب جيداً صاحب موسوعة الغدير، العلاّمة الأميني.
  54. سورة القصص، الآية ٥٤.
  55. أُصول الكافي: ١|٤٤٨.
  56. جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ٥٣-٥٧.
  57. نهج البلاغة: الخطبة ١٩٢.
  58. وسائل الشيعة: ٨/ ٨٨.
  59. بحار الأنوار: ١٨/ ٢٨٠.
  60. للتوسع في ذلك يراجع مفاهيم القرآن: ٥/ ١٣٥.
  61. جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ٥٧-٥٨.
  62. البحار ١٥: ٣٨٤ عن المنتقى في مولد المصطفى لمحمد بن مسعود الكازروني.
  63. البحار ١٥: ٣٤٠ عن فروع الكافي ٢: ٤١ و٤٢ ورواه الصدوق في الفقيه ٣: ٢٦٠ والطوسي في التهذيب ٧: ٢٩٢. وراجع مفتاح الكتب الأربعة ١٤: ٣٤٠ و٣٤٣.
  64. اليعقوبي ٢: ٩.
  65. الطبري ٢: ١٥٨.
  66. اعلام الورى: ٦ ط النجف. ويقال: انه(ص) لما افتتح مكّة سأل عنها وعن ابنها فاخبر انهما ماتا، كما عن الاستيعاب والروض الانف وشرح المواهب.
  67. المناقب ١: ١٧٣ ط قم.
  68. كشف الغمة ١: ١٥، والعبارة هي عبارة الطبرسي في إعلام الورى بدون اسناد. وقد ثقل على بعض غلاة ولاة أئمة أهل البيت(ع) ان يقرّوا لمولاة ابي لهب ان تكون أوّل من أرضعت النبي(ص)، فلم يسلّموا لها بذلك، ثمّ حاولوا ان يسدّوا هذا الفراغ الزمني بعد ميلاده وقبل دفعه إلى حليمة السعدية بما رواه الكليني قدس سرّه بسنده إلى عليّ بن أبي حمزة البطائني عن أبي بصير عن الصادق(ع) أنّه قال: لمّا ولد النبي مكث أياما ليس له لبن، فألقاه أبو طالب على ثدي نفسه فأنزل الله فيه لبنا فرضع منه أياما! حتّى وقع أبو طالب على حليمة السعدية فدفعه إليها (اصول الكافي ١: ٤٤٨) هذا، وقد روى الكشي في رجاله في ذم علي بن أبي حمزة البطائني أخبارا كثيرة تتهمه بالكذب وتلعنه، فلعنة الله عليه.فر الله للكليني وابن شهرآشوب والمجلسي اذ رووا هذا الكذب، ورحم الله الشيخ الرباني الشيرازي محقق البحار (١٥) اذ علّق على هذا الكذب بقوله: الحديث لا يخلو عن غرابة، وفي اسناده جماعة لا يحتج بحديثهم‌ (البحار ١٥: ٣٤٠).
  69. محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج١، ص ٢٣٦-٢٣٨.
  70. سيرة ابن هشام ۱: ۱۷۱ - ۱۷۷ بتصرف ورواه عنه الطبري ۲: ۱۵۸، ۱۶۰، ورواه عنهما ابن أبي الحديد في شرح النهج ۳: ۲۵۲، ۲۵۳ وروى المجلسي عن الكازروني في (المنتقى): انّ رسول الله لمّا تزوّج بخديجة سمعت به حليمة فقدمت على رسول الله فشكت إليه جدب البلاد وهلاك الماشية. فكلّم رسول الله خديجة فأعطتها أربعين شاة وبعيرا، فانصرفت إلى أهلها. وبعد الإسلام قدمت عليه فاستأذنت عليه، فقال: امّي امّي، وعمد إلى ردائه فبسطه لها فقعدت عليه (البحار ۱۵: ۴۰۱).
  71. محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج١، ص ٢٣٩-٢٤١.
  72. علل الشرائع: ۲۳.
  73. فروع الكافي ۱: ۴۰۳ أضف إلى ذلك ما رواه الطبري في تأريخه بسنده عن محمد ابن الحنفية عن أبيه علي(ع) قال: «سمعت رسول الله يقول: «قلت ليلة لغلام من قريش كان يرعى معي بأعلى مكّة - لو أبصرت لي غنمي حتّى أدخل مكّة -» (الطبري ۲: ۲۷۹ ورواه عنه ابن أبي الحديد في شرح النهج). وأضف إليه ما نقله الشيخ الطبرسي في «إعلام الورى» عن علي بن إبراهيم القمّي في كتابه قال: «و كان بين الجبال يرعى غنما لأبي طالب» (اعلام الورى: ۳۶ والمناقب ۱: ۴۳ وليس في تفسيره).
  74. فتح الباري وبهامشه البخاري ۴: ۳۶۳ وسيرة ابن هشام ۱: وعنه في السيرة الحلبية ۱: ۱۲۵ وسيرة دحلان ۱: ۵۱.
  75. الصحيح ۱: ۱۰۹.
  76. اليعقوبي ۲: ۲۱. والبداية والنهاية: ۲۹۶.
  77. فتح الباري ۴: ۳۶۴ وسيرة دحلان ۱: ۵۱ والسيرة الحلبية ۱: ۱۲۶ وقال فيه: انّ رعي الغنم صعب لأنه أصعب البهائم، وهو يوجب أن يستشعر القلب رأفة ولطفا؛ فاذا انتقل إلى رعاية البشر كان قد هذّب أوّلا من الحدة الطبيعية والظلم الغريزي!.
  78. الصحيح ۱: ۱۱۰.
  79. محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج١، ص ٣١٧-٣٢٠.