النبي الخاتم في علم الكلام
تمهيد
وُلد الرسول الأعظم محمد بن عبد الله(ص) سنة ۵۷۰م في أسرة بني هاشم المشهورة بالفضل والشرف والطهارة عند قبيلة قريش واستمر على طهارته حتى الأربعين سنة وكان مشهوراً بين الناس بالفضيلة، اعترف له العام والخاص واحترمه الجميع، في سنة ۶۱۰م عندما بلغ الأربعين سنة بُعث بالنبوّة وبدأ بتبليغ الدعوة الإلهية ابتداءً من عشيرته المقربين، كما أمره الله، وبعد مضي بعض السنوات بدأت دعوته العامة للرسالة، فاتبعه جماعة من الناس، ثم تعرّضوا للتعذيب من المشركين وكانت ألوان العذاب تزداد يوماً بعد يوم إلا أنهم استقاموا على الإسلام حتى مضت عشر سنوات من بدء البعثة، ثم هاجر الرسول(ص) إلى يثرب وكانت لهجرته مع أتباعه بركات عظيمة فمنذ الهجرة بدأت تزداد شوكة المسلمين وقوتهم يوماً بعد يوم حتى لم تعد الدعوة الإسلامية مُقتصرة على مكة وماحولها، بل انتشرت في أرجاء الجزيرة العربية ورفع علم الإسلام بالتدريج في الدول المجاورة.
انتقل نبي الإسلام(ص) إلى لقاء معبوده سنة ۶۳۳م (۱۳ه) بعد أن جاهد غاية الجهاد ليخرج أمة الجزيرة العربية من حضيض التخلف الثقافي والأخلاقي إلى أن جعلها مركزاً من أكبر مراكز الحضارة. هذا أمير المؤمنين(ع) يصف المُحيط الذي بعث فيه نبي الله(ص): «أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ وَ طُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الْأُمَمِ وَ اعْتِزَامٍ مِنَ الْفِتَنِ وَ انْتِشَارٍ مِنَ الْأُمُورِ وَ تَلَظٍّ مِنَ الْحُرُوبِ وَ الدُّنْيَا كَاسِفَةُ النُّورِ ظَاهِرَةُ الْغُرُورِ عَلَى حِينِ اصْفِرَارٍ مِنْ وَرَقِهَا وَ إِيَاسٍ مِنْ ثَمَرِهَا وَ اغْوِرَارٍ مِنْ مَائِهَا قَدْ دَرَسَتْ مَنَارُ الْهُدَى وَ ظَهَرَتْ أَعْلَامُ الرَّدَى فَهِيَ مُتَجَهِّمَةٌ لِأَهْلِهَا عَابِسَةٌ فِي وَجْهِ طَالِبِهَا ثَمَرُهَا الْفِتْنَةُ وَ طَعَامُهَا الْجِيفَةُ وَ شِعَارُهَا الْخَوْفُ وَ دِثَارُهَا السَّيْفُ»[١].[٢]
شبهة اتهام النبي (ص) بالجنون
إن من بين الشبهات القديمة التي أثارها المخالفون للإسلام ضدّ النبي الأكرم (ص)حتى في عصره هو اتهامه بالجنون، بمعنى أن النبي الأكرم قد عرض عليه الجنون - والعياذ بالله - بتأثير من الجن أو لأسباب أخرى[٣]. ولمّا كانت هذه الشبهة تستند في الغالب إلى تأثير الجن، فقد أعرض المستشرقون عنها، وأخذوا يفسّرون هذه الحالة بإصابة النبي بالصرع[٤].
ويبدو ضعف هذه الشبهة من نقدنا لشبهة الإغماء والصرع، وفيما يأتي نكتفى بالإشارة إلى الأمور الآتية:
مناقشة وتحليل
محض اتهام
إن نسبة الجنون إلى النبي هي مجرّد تهمة وجّهت إلى النبي من قبل أعدائه في مواجهة له على نبوته ونزول الأكرم (ص)القرآن عليه، وقد عبّر القرآن عنها بأنها مجرّد افتراء. وعليه لا بدّ لهم من إثبات هذا الاتهام بالدليل، في حين أنهم لا يعجزون عن إقامة الدليل على ذلك فحسب، بل إن الأدلة والشواهد الكثيرة تثبت العكس أيضاً، وهو ما سنشير له.
عدم وجود سابقة لهذه التهمة
لو أن النبي الأكرم (ص)كان مصاباً بالجنون حقيقة، فلماذا لم توجّه إلى النبي هذه التهمة من قبل أهل مكة قبل البعثة، بل كما تقدم أن ذكرنا فإن النبي على عكس ذلك كان يتمتع بشخصية مرموقة، وكان الناس يعرفونه بالصدق والاستقامة والأمانة، وهذا يتعارض مع اتهامه بالجنون. وبعبارة أخرى إن أصحاب هذه التهمة كانوا يمتدحون النبي قبل البعثة، ولكن ما أن أصبح نبياً حتي بدأوا ينسبونه إلى الجنون بسبب عدم استيعابهم لهذه المسألة.
كما أن فرضية اقتران إصابته بالجنون بزمن ادعاء النبوة، فهو مجرّد ادعاء لا يستند إلى دليل، ولذلك يجب على من يدّعى مثل هذا الاقتران أن يبيّن لنا أسبابه ومناشئه، وهل كان لذلك صلة بادعاء النبوة أم لا؟ وقد تقدم بيان هذه المسألة في معرض نقدنا لشبهة الإغماء تحت عنوان اقتران الإغماء بالنبوّة.
العجز عن تفسير معجزات النبي الأكرم (ص)
إن الذي يُصاب بمرض الصرع أو الجنون يكون فرداً ضعيفاً وانطوائياً وغير فاعل في المجتمع، في حين عُرف عن النبي أنه كان يتمتع بشخصية مؤثرة كما هو واضح للجميع، واليوم يثني المؤرخون الغربيون على عبقرية النبي وذكائه [حتى وضعه أحدهم على قائمة مئة عبقري في العالم] معترفين له بهذه المزية.
هذا بالإضافة إلى اجتراح النبي للكثير من المعاجز من قبيل نزول القرآن الكريم، وانشقاق القمر، والإخبار بالغيب وما إلى ذلك مما يتعارض مع هذا الاتهام .[٥]
شبهة اتهام النبي الأكرم (ص) بالكهانة
إن الكاهن هو الشخص الذي يتصل بالجن ويحصل منهم على العلم بالمغيبات. وإن من بين التهم التى كالها المشركون إلى النبي صلي الله عليه وآله وسلم، هو اتهامه بالكهانة، وقد كانت هذه الشبهة مثارة حتى في عصر النبي الأكرم (ص)[٦].
نقد ورأي
تتضح ضحالة هذه الشبهة من خلال نقد الشبهة السابقة، وفيما يأتي نكتفي بعرض بعض المسائل على النحو الآتى:
مجرّد ادعاء بلا دليل
إن أعداء النبي محمد (ص)عندما أحسوا بعجزهم في مواجهة شخصية النبي ومعجزاته لجأوا إلى اتهامه بأنواع التهم من دون أن يقدموا دليلاً على ذلك، فاتهموه بالكهانة في ضمن ما اتهموه به، وهذا النوع من مواجهة الخصوم يتنافى مع المنهج العلمي والاستدلالي .
ثم يتبادر هنا السؤال الآتي إذا كان النبي كاهناً حقاً - والعياذ بالله - فلماذا لم يتمّ توجيه هذا الاتهام له قبل البعثة؟ ولماذا جاء هذا الاتهام في سياق عجزهم عن الإتيان بمثل معجزاته؟ أليس هذا خير دليل على أنهم إنما يتهمونه بهذا الاتهام لتبرير عدم إيمانهم بنبوّته، وإن هذا الاتهام لم يقم على دليل واقعي؟
الكهانة تحتاج إلى تعليم وممارسات خاصة
إن الاتصال بالجن وإن كان أمراً ممكناً وواقعاً، ولكن هذا الاتصال لا يأتي فجأة، وإنما يحتاج إلى تعلم وإلى ممارسات خاصّة يطويها الكهان عادة، وأمرهم في ذلك معروف في المجتمع.
وعلى هذا الأساس، لو كان النبي الأكرم (ص)قد تعلم الكهانة - والعياذ بالله - على يد كاهن متمرّس لشاع ذلك وتمّ الإعلان عنه من قبل أساتذته وزملائه في هذا الفن، ولما خفي منه ذلك على أحد، في حين أنه - كما تقدّم أن ذكرنا - لم يذكر التاريخ وجود مثل هذا المعلم في سيرة حياة النبي الأكرم (ص)أبداً.
المعجزات ناقضة للكهانة
إن الكهان في الغالب يتوصلون إلى العلم بالغيب بالماضي والمستقبل من خلال التواصل مع الجن، من دون أن تكون لديهم القدرة على اجتراح المعجزات، في حين أن النبي محمد (ص)قد جاء بكتاب ليس من سنخ الإخبار بالغيب ولكنه مشتمل على المغيبات، ويأتي إعجازه من عدّة جهات، ومنها الناحية اللغوية من الفصاحة والبلاغة (بين النظم والنثر) بحيث لم يتمكن أحد في عصر النبي ولا بعده من الإتيان بمثله، بل لم يتمكن حتى من المجيء بسورة واحدة من سوره.
وفضلاً عن القرآن الكريم هناك معجزات أخرى من قبيل انشقاق القمر، وتسبيح الحصى بين يدي رسول الله، وما إلى ذلك مما يعدّ دليلاً واضحاً على إعجازه وإثبات صدق دعواه بما يفوق أمر الكهانة، ولا يمكن تفسيره إلا بمنطق الوحي والإعجاز. وبعبارة أخرى إن ما يقوم به الإنسان الاعتيادي مهما كان خارقاً هو قابل للتقليد والتكرار، ومن الممكن إثبات بطلانه، بل من الممكن لغيره أن يأتي بما هو أبلغ منه، في حين أن معجزات النبي ليست من هذا القبيل، خاصة معجزته الخالدة المتمثلة بالقرآن الكريم الذى يمثل تحدياً قائماً للبشر حتى هذه اللحظة من دون أن يتمكن أحد من الإتيان بمثله. من هنا فإن معجزات النبي ودعوته ليست من قبيل الكهانة، بل يمكن بيانها وتفسيرها في إطار النبوة والإعجاز.[٧]
شبهة اتهام النبي الأكرم (ص) بالسحر
إن اتهام النبي الأكرم بممارسة السحر يعدّ من التهم التي اشترك فيها جميع أعداء النبي، وقد ظهرت هذه التهمة في عصر النبي محمد (ص)حيث كان السحر أمراً شائعاً في ذلك العصر [٨].
مناقشة وتحليل
يتضح خواء هذه التهمة والشبهة من خلال الإجابة عن شبهة اتهام النبي بالكهانة، وفيما يأتي نكتفي بإشارة عابرة إلى ذلك:
تهمة من دون دليل
حيث يتكرر هنا ما ذكرناه آنفاً في نقد شبهة الكهانة؛ إذ إنّ الذين جاؤوا بهذا الاتهام لم يقيموا عليه أيّ دليل أو شاهد يثبته.
عدم انسجام هذه التهمة مع شخصية النبي الأكرم (ص)
يسعى السحرة في الغالب وراء ضمان مصالحهم المادية والشخصية، وإن المجتمع ينظر إلى الساحر نظرة مشوبة بعدم الاحترام والتكريم. أما النبي الأكرم (ص)فلم يكن قبل البعثة مهتماً بالسحر والكهانة أبداً، بل كان يعرف بين أهل مكة بوصفه إنساناً مستقيماً وأميناً وصادقاً على ما تقدّم بيانه في شرحنا لسيرة حياته وأخلاقه.
اختلاف الإعجاز عن السحر
إنّ بين السحر والإعجاز كثيراً من موارد الاختلاف، وإن التفريق بينهما يثبت إعجاز النبي محمد (ص)، وفيما يأتي نشير إلى بعض هذه الفوارق:
١. عدم اشتمال السحر على التحدي: إن المعجزة تقترن بادعاء النبوة والتحدّي، وهذا لا يتوفر في السحر. وإن تجرّأ الساحر وادعى النبوة فإن أمره سرعان ما سيُفتضح وينكشف كذبه بالاستناد إلى المزايا الأخرى.
٢. اعتماد السحر على أسباب يمكن تعلمها: إن السحر يقوم على أسباب وعلل طبيعية ونفسية مجهولة لأكثر الناس، ولك بالإمكان الحصول عليها من طريق التعلم والممارسة، وأما المعجزة فهي - طبقاً للرأي المشهور - فعل إلهى خارق للطبيعة، ولذلك لا يمكن للإنسان العادي أن يتوصّل إلى معرفة كنهها. ولذلك نجد السحرة يُسارعون إلى إظهار عجزهم أمام النبي موسى (ع)؛ لعلمهم بأن ما قام به لا يندرج في ضمن دائرة السحر أبداً.
٣. اختصاص السحر بزمن خاص: إن ممارسة السحر تحتاج إلى زمن خاص، فلا يمكن للساحر أن يقوم بعمل السحر دائماً، بحيث أنه إذا ترك ممارسة السحر فترة فإنه سوف ينساه بالتدريج، حتى لا يعود قادراً على ممارسته إلا بعد تعلمه من جديد.
٤. الحاجة إلى التعلم والممارسة: إن السمة البارزة في السحر هي أنه من الفنون الاكتسابية. إذ يتعيّن على الساحر أن يدخل دورات تعليمية تمتد لفترات طويلة يتقن خلالها آليات عمل السحر وأدواتها ويمارسها لفترات طويلة في ضمن إطار بعض الطقوس والرياضات الروحية كيما يتمكن من الإتيان بما يبدو خارقاً للعادة، في حين أن صاحب المعجزة إنما يجترحها من دون مقدمات وبقدرة إلهية.
٥. فاعل السحر وغايته ليست إلهية: من خلال التأمل في حياة الساحر وخصوصياته الأخلاقية نتمكن من فهم ما يقوم به الساحر من الأعمال السحرية؛ وذلك لأن السحرة في الغالب يفتقرون إلى الأخلاق المثالية والكمالات البارزة، بل قد يتصف بعضهم بالرذائل الأخلاقية ولا تكون غايتهم من ممارسة السحر غير تحقيق بعض الأهداف الدنيوية والمادية، خلافاً لأصحاب المعجزات الذين يتمتعون قاطبة بمكارم الأخلاق ويتصفون بصفات الكمال العالية، ولا تكون غايتهم من اجتراح المعاجز سوى الكمال المعنوي وهداية الناس إلى الدين الإلهي القويم.
٦. إمكان معارضة السحر والتغلب عليه: إن من بين السمات الفاصلة بين السحر والمعجزة، أن الساحر يمكن التغلب عليه. فلمّا كان السحر والساحر يستندان إلى العلل والأسباب الطبيعية، وهي متوفرة للناس يمكن التغلب على الساحر في كل لحظة، وكما تقول الآية القرآنية ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾[٩]. أما المعجزة التي تستند إلى العلل الميتافيزيقية، فلا إمكانية للتغلب عليها أبداً.
من خلال الالتفات إلى هذه السمة الفارقة يمكن للقارئ الكريم أن يحكم بكل يسر على شخصية محمد بن عبد الله (ص)وما إذا كان نبياً أو ساحراً، ذلك لأن النبي الأكرم (ص)قد قرن جميع ما قام به من المعاجز بالتحدي، وإن معجزته الخالدة المتمثلة بالقرآن لا زال التحدي فيها قائماً إلى هذه اللحظة وسيبقى قائماً حتى يرث الله الأرض ومن عليها، من دون أن يتمكن أحد من الأتيان ولو بسورة من مثل سورَه.
لا يمكن للبشر أن يدرك طبيعة معجزات النبي الأكرم (ص)وماهيتها. لقد اجترح النبي المعجزات في جميع الأزمنة والحالات، ولم ينسب ذلك إلى مقدرته الشخصية، بل إلى قدرة الله سبحانه وعنايته وإذنه.
إنّ النبي الأكرم (ص)يتمتع بشخصية يحترمها المجتمع، وإنّ معجزاته كانت تأتي في سياق الأصول الأخلاقية ودعماً لنبوّته، ولم يهدف من خلالها إلى تحقيق أهداف وغايات مادية أو غير أخلاقية.
وأخيراً فإن معجزات النبي الأكرم وعلى رأسها القرآن الكريم قد تغلبت على البشر في إطار التحدي إلى يومنا هذا، وبذلك يثبت صدق نبوته للجميع[١٠]
شبهة اتهام النبي الأكرم (ص) بقول الشعر
علاوة على ما تقدم من التهم، من قبيل (اتهام النبي بالجنون والكهانة والسحر وما إلى ذلك)، أضاف المشركون في مكة إلى ذلك اتهامه بقول الشعر، كيما يثبتوا بذلك أن آيات القرآن ليست وحياً أو كلاماً إلهياً، وإنما هي مجرّد مقاطع شعرية ينظمها محمد، وبذلك ينكرون نبوته من الأساس. وقد استعرض القرآن الكريم هذه التهمة في عدد من الآيات القرآنية، من قبيل قوله تعالى:
- ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾[١١]
- ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ﴾[١٢]
وتجدر الإشارة هنا إلى أن المشركين كانوا يذهبون إلى الاعتقاد بأن الشاعر يرتبط بشكل خاص بالجن والشياطين، وإنما يمكنهم نظم الشعر في ضوء هذا الارتباط.
مناقشة وتحليل
في معرض تحليل هذه الشبهة يجب علينا أن نتبيّن جواز أو عدم جواز نظم الشعر لشخص النبي الأكرم (ص)، فنقول: إن الشعر نفسه من حيث المادة (توظيف عنصر الخيال)، أو من حيث الصورة (بوصفه كلاماً موزوناً ذا أسلوب خاص) يعدُّ من الكمالات والفنون الإنسانية الراقية. وإن الأشعار الأخلاقية ومدح الأبرار يشكل مثالاً بارزاً على هذه الحقيقة. إلا أن هذا الفن - كسائر الفنون الأخرى - قد تمّ توظيفه من قبل البعض في غايات ومقدمات فاسدة وكاذبة وخاطئة، ومن هذه الناحية استحق الشعر والشعراء التوبيخ والذم. من هنا لا يوجد أي محذور في قول النبي أو الإمام للشعر الأخلاقي الذي يصب في بناء العقيدة الصحيحة، كما تمّ ذكر بعض الأشعار بالفعل في ديوان منسوب إلى الإمام علي (ع) .
إلا أنه بالالتفات إلى المسألتين الآتيتين، فإن القرآن ينكر وينفي أصل وجود ملَكة الشعر لدى النبي (ص).
١. لمّا كانت المعجزة الرئيسة والخالدة للنبي الأكرم (ص)من جنس الكلام الذي له قرابة وسنخية خاصة بفن الشعر - فهو كلام له أسلوبه الخاص الذي لا هو من الشعر ولا من النثر - يكون هناك احتمال في أن النبي إذا عرف عنه قول الشعر ولو على مستوى بيت واحد - سواء قبل الرسالة أو بعدها - لشكل ذلك سنداً بيد المشركين لإنكار اعتبار إعجازه القرآني - سند النبوة والكلام الإلهي - وتذرعوا لذلك بوجود ملَكة الشعر لدى النبي. فلكي يُبعد الله عنه هذه التهمة والذريعة فقد جبل نبيه على نحو لا يستطيع معه قول الشعر، قال تعالى في محكم كتابه الكريم ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾[١٣].
وعلى الرغم من ذلك واصل بعض المعاندين اتهام النبي الأكرم (ص)بقول الشعر، وأن القرآن الذي جاء به ينشأ من قدرته على نظم الشعر، ولكن كان هناك أيضاً بعض المنصفين - الذين تمكنوا من ناصية الشعر - ممّن أقرّ بأن القرآن لا يمكن أن يكون شعراً، بل هو معجزة لا يستطيع أحد أن يأتي بمثلها. واضح لو أن النبي الأكرم (ص) كان قادراً على نظم الشعر قبل النبوة أو خلالها، لكان تأثير هذه الشبهة أشدّ، ولذلك حال الله من باب اللطف دون النبي وقول الشعر تمهيداً لهداية المنصفين من الناس، واعتبر أن قول الشعر لا ينبغي لنبيه.
٢. أمّا المسألة الثانية في عدم اتصاف النبي بنظم الشعر، وهي فرضية المشركين وتصورهم في مكة للشعر ونظمه. فقد تقدم أن أشرنا إلى أنهم كانوا يعتبرون القدرة على قول الشعر إنما تأتي من خلال ارتباط الشاعر بالجن والشياطين، وعلى هذا الأساس لو قال النبي شعراً، لسارعوا إلى اتهامه بأنه أبدع القرآن من خلال ارتباطه بهذين المصدرين من دون أن تكون ثمّة نبوّة في البين. فلكي يُبعد الله عنه هذه التهمة اقتضت حكمته أن يمنعه من القدرة على قول الشعر.[١٤]
الأدلة والشواهد على عدم كون النبي الأكرم شاعراً
لماذا لا يمكن اعتبار الآيات التى تنزل على رسول الله كلاماً شعرياً بل هو كلام إلهي؟ فلابدّ في الجواب عنه من التدقيق في المسائل الآتية:
- عدم معرفة النبي للشعر قبل البعثة: لقد أكدت الآيات المتقدمة أن النبي الأكرم (ص)لم يسبق له أن قال شعراً طوال عمره الشريف، حتى يقال إنه إنما أبدع الآيات المدعاة بفضل شاعريته وقوّة خياله. وهي آيات لا من سنخ النثر الاعتيادي ولا من سنخ الشعر والكلام الموزون، وفي الوقت نفسه قد بلغ ذروة الفصاحة والبلاغة حتى أعجز فطاحل الشعراء المعاصرين للنبي الأكرم (ص)واعترفوا بعجزهم عن وصفه.
- اختلاف القصائد الأولى للشعراء عن قصائدهم المتأخرة: قد يقول أحد إن الشعر والقدرة على نظمه لابدّ من أن يبدأ من نقطة معيّنة، وإن ما ادعى رسول الله أنه آيات قرآنية هو في الحقيقة يمثل تجربته الشعرية الأولى. وفي نقد هذا الكلام يجب القول من خلال التأمل في قصائد جميع الشعراء، يتضح أن قصائدهم الأولى بالقياس إلى قصائدهم المتأخرة - إذا لم تكن تعاني من بعض نقاط الضعف - فإنها في الحد الأدنى كانت تفتقر إلى شيء من الأمور الفنية، في حين أننا لا نجد شيئاً من ذلك في الآيات القرآنية سواء في ذلك ما نزل منها فى بداية البعثة وما نزل منها في المراحل اللاحقة، وعليه لا يمكن أن يكون القرآن من جنس الشعر.
- عدم اشتمال الشعر على عنصر التحدي: لم يقم شاعر بتوظيف قصائده في مجال التحدي أبداً، ولم يدّع شاعر أن قصائده تمثل دليلاً على نبوته، وإن على الذي يشك في ذلك أن يأتي بمثل تلك القصائد، في حين أن النبي الأكرم منذ بداية رسالته دعا جميع الناس بل وحتى الجن إلى الإتيان بمثل هذا القرآن، فلو كانت آياته من سنخ الشعر، لأمكن للشعراء الكبار أن يعارضوه.
- النقاط الإعجازية الأخرى في القرآن الكريم: إن إعجاز القرآن الكريم لا يقتصر على الجانب البلاغي والفصاحة منه حتى يقارن بالشعر وإبداع الشعراء، بل إن الآيات القرآنية تؤكد على جوانب إعجازية أخرى، من قبيل علم الغيب فيما يتعلق بالأحداث الماضية والآتية، والاتقان والإحكام الذي يحكم جميع آياته، والكشف عن القوانين العلمية كأصل حركة الأرض والشمس، وقانون الجاذبية وقانون الزوجية العام بين النباتات، وما إلى ذلك من الأمور التي نتوصل من خلالها إلى حقيقة القرآن السماوية، والإيمان بأنه من وحي الله .[١٥]
شبهة دلالة القرآن الكريم على نفي حاكمية النبي الأكرم (ص)
كانت الشبهة السابقة تحصر مهمّة النبي بالتبليغ والدعوة إلى التعاليم السماوية، وهى تقتصر على المعنويات والخالق والمعاد فقط. أما هذه الشبهة فتدّعي بأن القرآن ينفي الحاكمية عن النبي، وهي صريحة في الفصل بين النبوة والسياسة والحكومة.
قال الدكتور مهدي الحائري بالإشارة إلى قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾[١٦]: «لقد وردت مفردة (مصيطر) على شكل (مسيطر) أيضاً، وكلاهما يعني السيطرة والسلطة، وهي تعني تلك الولاية التي سعى بعض الفقهاء في القرن ونصف القرن الأخير إلى ادعائها لأنفسهم بأدلة واهية، هذا في حين أن تصريحات القرآن الكريم تؤكد على نفي هذا النوع من الولاية حتى بالنسبة إلى النبي نفسه»[١٧].
وقال في موضع آخر ضمن الإشارة إلى الآية الآنفة: «إن مسؤوليتك أيها النبي تنحصر بالتذكير والإنذار، وليس ممارسة السلطة (الولاية)»[١٨].
كما قام بعضهم الآخر بتقسيم آيات الدليل المتقدم إلى ثلاثة أقسام، فقال «إن القرآن يخاطب النبي صراحة ويقول أنت لست قيّماً ولا ولياً على الناس»[١٩].
ومن خلال الإشارة إلى الآيات الآتية:
- ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾[٢٠]
- ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾[٢١]
- ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾[٢٢]
قال علي عبد الرزاق: «القرآن كما ترى يمنع صريحاً أن يكون النبي (ص)حفيظاً على الناس ولا وكيلاً ولا جباراً ولا مسيطراً، فليس بملك؛ لأن من لوازم الملك السيطرة العامة والجبروت سلطاناً غير محدود، ومن لم يكن وكيلاً على الأمة فليس بملك أيضاً»[٢٣].
كما استدل لرأيه بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾[٢٤]. بتقريب أن الله سبحانه وتعالى بصدد حصر مقام النبي الأكرم (ص)بالرسالة والنبوّة، وإذا كان الحكم حقاً إلهياً على غرار الرسالة والنبوة لذكره. وفي ذلك يقول الدكتور عبد الرزاق علي: «القرآن صريح في أن محمداً (ص)لم يكن له من الحق على أمّته غير حق الرسالة، ولو كان (ص)ملكاً لكان له على أمته حق الملك أيضاً»[٢٥].[٢٦]
رأي ونقد
في معرض تحليل هذه الشبهة يجب التأمل في الأمور الآتية:
النص على حكومة النبي الأكرم (ص)
ذهب الدليل المتقدم إلى ادعاء عدم وجود أيّ آية تدلّ على إثبات الحكم لنبي الأكرم (ص). في حين هناك آيات واضحة الدلالة على إثبات حكومة النبي الأكرم على ما تقدم في الصفحات السابقة، وفيما يأتي نكتفي بذكر بعضها الآخر:
- ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾[٢٧]
- ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾[٢٨]
- ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾[٢٩]
إن الآيات المتقدمة تشتمل على خطاب وأمر للنبي الأكرم (ص)بتولي الحكم والقضاء بين الناس، والآية الأخيرة تصرّح بأن الحكم وإدارة البلاد والعباد تمثل الفلسفة والغاية من نزول الكتب السماوية. وعليه تكون هذه الآيات دليلاً على تنصيب النبي الأكرم (ص)في الحكم والقضاء.
وهناك آيات أخرى تلزم الناس بالرجوع إلى النبي الأكرم (ص)في حلّ اختلافاتهم ونزاعاتهم، من قبيل قوله تعالى:
- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾[٣٠]
- ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[٣١]
- ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾[٣٢]
- ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً﴾[٣٣]
وكما نلاحظ فإن هذه الآيات الأخيرة لا تكتفي بدعوة الناس إلى الرجوع إلى النبي الأكرم بوصفه واجباً شرعياً فحسب، بل وتحذّرهم من مغبة التمرد على هذه الأحكام الصادرة عن النبي الأكرم (ص).
الحصر الإضافي
إنّ الآيات التى تمسّك بها الدكتور الحائري وعبد الرزاق في نفى سلطة وسيطرة النبي الأكرم (ص)، وحصر مسؤوليته ومهمته بالتبليغ والهداية إلى الله والوعظ والتذكير وإبلاغ الوحي ورسالة السماء، يجاب عنها بأن هذا الحصر الوارد فيها إنما هو من الحصر الإضافي، وليس حصراً حقيقياً على ما تقدم بيانه .
عدم سلطة النبي في هداية الكفار
يتضح ضعف هذا الإسناد من خلال الرجوع إلى الآيات ذات الصلة؛ إذ أن الآيات المشتملة على نفي سلطة النبي ووكالته وسيطرته إنما تتحدّث عن الكفار الذين لم يعتنقوا الإسلام، رغم الجهود المضنية التي بذلها الرسول الأعظم (ص) من أجل وضعهم على الصراط المستقيم المتمثل بالدين الإسلامي الحنيف، وعليه فإن المراد من نفي وكالة النبي في ما يقرب من عشر آيات هو بيان هذه الحقيقة، وهي إن الهداية لا تكون بالإكراه، فلا تستطيع أن تكون وكيلاً ومتكفلاً لإيمانهم، من هنا فإن هذه الآيات ليست بوارد الحديث عن الحكومة والسلطة أبداً، ولذلك فهي خارجة عن محل البحث، وإن الاستدلال بها خروج عن موضع البحث. وقد أشار المفسرون من المسلمين إلى هذه الحقيقة عند تفسيرهم لهذه الآيات[٣٤].
وفيما يتعلق بالآية الثمانين من سورة النساء التي تنفي كون النبي حفيظاً، يجب القول على الرغم من أن المخاطب بهذه الآية هم المسلمون، ولكن يتضح من خلال الرجوع إلى الآيات السابقة أن المخاطب في هذه الآية هم أولئك المسلمون الذين خافوا من خوض الجهاد والشهادة في سبيل الله، وكانوا يعتقدون بأن الانتصارات والحسنات هي من عند الله، وأن الخسائر والسيئات من رسول الله (ص)، وقد عبّر القرآن عن موقفهم هذا بقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾[٣٥].[٣٦]
شبهة اتصاف النبي بالصفات القبيحة
لقد حاول بعضهم تشويه سمعة النبي الأكرم (ص)من خلال وصفه ببعض الصفات القبيحة، كما صنع مؤلف كتاب (إسلام ومسلماني) نقلاً عن مويير حيث قال: «بالتزامن مع النزعة الشديدة التي أظهرها النبي إلى تحطيم الأصنام ونشر الدين والطهر في العالم، فقد تكشف عن حماسة شديدة إلى الأنا والاعتداد بالنفس وحب الظهور»[٣٧].
وجاء في موضع آخر: «إن النتيجة الواضحة التى يمكن التوصل إليها من خلال مؤلفات المختصين في الإسلام وكبار المحققين في التاريخ الإسلامي وخاصة المؤلفين العرب، هي أن الغاية التي كان ينشدها محمد من خلال دعوته إلى دين الإسلام هي الحصول على السلطة والمال، ولم يكن يهدف إلى بناء دين سماوي حقيقي أو رفع مستوى القيم الأخلاقية والإنسانية»[٣٨].
الجواب:
فضلاً عمّا كان يتمتّع به النبي من المنزلة والمكانة المعنوية بوصفه نبياً، فقد أقرّ له العدو قبل الصديق بوصفه فرداً متميّزاً من أقرانه، وإن هذا التميز كان واضحاً عليه من الصغر وفترة الشباب وقبل البعثة، حتى شُهِرَ منذ باكورة أيامه بلقب «محمد الأمين».
قال الواقدي في المغازي: «لقد حباه الله من كريم الأخلاق أن غلب عليه لقب الأمين، فكان معروفاً في كل أنحاء مكة بمحمد الأمين»[٣٩].
هناك كثير من القرائن والشواهد التاريخية التي تثبت أن النبي الأكرم (ص)كان معروفاً بين الناس بالصدق والأمانة وما إلى ذلك من السجايا الأخلاقية، وإن السيدة العظيمة خديجة الكبرى إنما قبلت الزواج منه لما توسّمته فيه من هذه السجايا الأخلاقية الكريمة، رغم تقدم الكثير من وجهاء مكة لخطبتها. لقد كانت السيدة خديجة من أشرف نساء قريش وأجملهن وأوسعهن مالاً وثراءاً، وقد كان جميع الرجال في قريش يتمنى الاقتران بها، وقد تقدم لها كثير منهم بالفعل وعرضوا عليها الأموال الطائلة، ولكنها رفضت الجميع واختارت محمد (ص)من بينهم، لمعرفتها بما يتمتع به من الأخلاق العالية وشرف النفس والخصال الحميدة[٤٠].
وبعد البعثة كان النبي الأكرم أسوة كاملة يتأسى الناس بسجاياه الكريمة من جميع الجهات، وفي ذلك قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾[٤١].
وفي الحقيقة إن الأخلاق العالية والسجايا الكريمة التي كان يتصف بها النبي هي التي كانت تستقطب الناس إليه وتحببه إليهم، وقال تعالى في وصف أخلاق النبي الأكرم (ص) ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾[٤٢].
كما أمره الله سبحانه وتعالى قائلاً: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾[٤٣].
إن جميع هذه الموارد تحكي عن الأخلاق الكريمة التي كان يتمتع بها رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، ولم يكن يتصف أبداً بالصفات الرذيلة التي حاول صاحب الشبهة أن يلصقها به من قبيل الأنا وحب الذات والشهوة إلى السلطة والركون إلى الدعة أبداً، وفيما يأتي نشير إلى هذا الموارد إجمالاً:
- رفض الوعود الدنيوية وتسويده من قبل المشركين على مكة: يشهد التاريخ أن النبي الأكرم (ص)لم يكن شخصاً متعطشاً إلى السلطة أو محباً للجاه والمال والثروة، وليس هناك من يمكنه الادعاء بأنه قد أساء استغلال موقعه الرسالي. فإن النصوص التاريخية المتوفرة بين أيدينا تثبت أنه لم يكن يسعى إلى الجاه والسلطة أبداً. فعلى الرغم من عرض كبار قريش التخلي عن دعوته وتعهدهم بأنهم سيجعلون منه أغنى شخص في مكة ويزوجونه من أجمل نسائها، بل ويجعلونه سيداً عليهم[٤٤]، إلا أنه رفض التخلي عن دعوته، وآثر تحمل العناء وحتى الموت من أجل تلبية نداء السماء، وعدم الرضوخ لوعودهم رغم أن هذه الوعود كانت حقيقية؛ لأنه إنما كان يقوم بمسؤوليته التي كلفه بها الله سبحانه وتعالى، ولو أنه كان يسعى إلى السلطة لكان قبلها بمجرد عرضها عليه وتقديمها له على طبق من ذهب. إلا أن النبي لم يساوم أحداً ولم يقايض رسالته بحطام الدنيا. وفي ذلك يروي ابن هشام في سيرته: «قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَحَدَثَنِي الزهري أَنَّهُ أَتَى بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ فَدَعَاهُمْ إِلَى الله عَزَّ وَجَلَّ وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَرَأَيْتَ إِنْ نَحْنُ بَايَعْنَاك عَلَى أَمْرِكَ، ثُمّ أَظْهَرَك الله عَلَى مَنْ خَالَفَك، أَيَكُونُ لَنَا الأمر مِنْ بَعْدِكَ؟ قَالَ الأمر إِلَى الله يَضَعُهُ حَيْثُ يَشَاءُ»[٤٥].
- عدم توسيع رقعة الحكم بالحرب والسيطرة: إن من المؤشرات الأولى على التعطش إلى السلطة وتوسيع رقعتها، هي إثارة الحروب، أما النبي الأكرم (ص)فإنه على الرغم من إرادته تحصين السلطة ورفع القدرة على إدارة المجتمع، إلا أنه لم يكن شخصاً طالباً للسلطة بحيث يستنزف جميع طاقاته من أجلها، وإنما كان في ذلك واضعاً مرضاة الله نصب عينيه. لقد كانت حروب النبي بشكل عام ذات طابع دفاعي، فكانت تأتي إما في سياق الدفاع عن المدن أو لاستباق هجوم يخطط له العدو أو معاقبة العدو بسبب نقضه لعهوده ومواثيقه. والذي كان يؤكد عليه رسول الله هو توسيع رقعة الإسلام وانتشاره بين القبائل . فكانت كل قبيلة تعلن عن إسلامها يبادر النبي إلى إعطائها كامل الصلاحيات في إدارة شؤونها، بل كان يأمر بأخذ زكاة أموال الأغنياء من كل قبيلة وإنفاقها على فقراء القبيلة ذاتها فلا تخرج إلى القبائل الأخرى، وهو أمرٌ تسبب ببعض المشاكل للحكومات التي جاءت بعد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، حيث أصرّت بعض القبائل على إنفاق زكاة أموالها على فقرائها وعدم إرسالها إلى المدينة، بينما كان أبوبكر يريد أن تكون جميع أموال الزكاة تحت إشرافه، فاندلعت لذلك بعض المعارضات التي تمّ قمعها تحت مسمّى حروب الردة[٤٦].
- التشاور مع الناس: لم يرو عن النبي موردٌ واحدٌ دالٌّ على أنانيته لا قبل البعثة ولا بعدها، فقد كان شخصا متناغماً ومنسجماً مع قومه. وكان يستشير أصحابه في إدارة شؤون المدينة على الدوام، بل ويعمل أحياناً على طبق مشورتهم حتى إذا كانت على خلاف رأيه، كما حصل ذلك في واقعة أحد.[٤٧]
شبهة الركون إلى الدعة
أما شبهة ركون النبي الأكرم (ص)إلى الدعة والكسل فهي أبعد ما تكون عن الانصاف؛ لأن النبي قضى جميع أيام حياته ولحظاته بالجدّ والعمل والمثابرة، وبطبيعة الحال لا يمكن مقارنته بغيره من الناس في هذا المجال، فقد كان - صلوات الله عليه - متقدماً على أقرانه، وبغض النظر عن صفة النبوة كان أقرانه يرونه وافر النشاط والحيوية، بل كان النبى حتى ما قبل البعثة يذهب إلى العبادة في مغارة في منطقة جبلية في ضواحي مكة ذات تضاريس معقدة لا يمكن الوصول إليها إلا بشق النفس، وكان يقضي وقته هناك بالتهجد والعبادة، ولم يكن يكتفي بالتعبد في حلس بيته.
لقد كان النبي الأكرم (ص)أمة في رجل، كما هو شأن سيدنا إبراهيم (ع) بصريح القرآن الكريم، فقد خاض النبي في المدينة ما يقرب من ثمانين معركة، مما يعني أنه كان قائداً عسكرياً إلى جانب كونه سياسياً وعالماً دينياً، وفقا لمقتضيات هداية الأمة والاضطلاع بتعليمها وهدايتها، وعلى الرغم من ذلك كانت له حياته التفصيلية، فكان يدير ما يقرب من عشر زوجات تعيّن عليه أن يفي باحتياجاتهن العاطفية والاقتصادية وأن يقوم بحلّ خلافاتهن أيضاً.
وعلى الرغم من جميع هذه المشاكل كان - صلوات الله عليه - من أكثر أفراد أمته عبادة، وكان من كثرة العبادة أن اعترضت بعض زوجاته على كثرة تعبده رغم أن الله قد وعده بالجنة، فلا حاجة منه إلى كل هذا الشقاء، وهذا بالإضافة إلى قيامه بمهة كتابة القرآن الكريم. فلو نظرنا بعين منصفة هل يصح لنا أن نتهمّه بالكسل وإيثار الدعة؟![٤٨]
شبهة أن النبي كان يريد الحصول على مكاسب مادية ودنيوية من وراء إدعائه النبوة
ادعى مؤلف كتاب «إسلام ومسلماني» أنّ الهدف من نبوّة النبي كان دنيوياً، وقال بكل وقاحة إن هذا هو مكمن السر في تخلف المسلمين، وأضاف قائلاً: «لقد عمد محمد منذ البداية إلى الحصول على السلطة والحكم والاستيلاء على شبه الجزيرة العربية، مستخدماً أساليب الخداع والاحتيال تحت غطاء النبوة والدعوة إلى الإسلام»[٤٩].
«لا بد من الالتفات إلى أن محمداً لو كان ينشد التدين الحقيقي والمعنويات، لكان خلفاؤه الذين جاؤوا بعده قد اتبعوا النهج ذاته، إلا أن النهج الحقيقي الذي انتهجه هو الوصول إلى السلطة ونهب الأموال والحصول على الغنائم، وخلافاً لما اعتدنا سماعه من القصاصين من المعممين، فإن الأئمة لم يكونوا فقراء إطلاقاً، بل كانوا في غاية الثراء هم والمقربون منهم، ومحمد نفسه كان من أصحاب الإقطاعات، فبالإضافة إلى فدك وخيبر كان قد استولى على كثير من الأراضي الأخرى»[٥٠].
الجواب:
- امتلاك الثروة الكافية: إنّ النبي الأكرم (ص)لم يكن فقيراً على المستوى المادي أبداً، صحيح أنه كان يتيماً في الصغر، ولكنه كان ينعم تحت كنف جدّه عبدالمطلب وعمه أبي طالب، وكان كلاهما من كبار القوم وأصحاب النفوذ في قريش، وفي مرحلة الشباب مارس النبي مهنتين كانتا شائعتين في عصره، وهما رعي الماشية والتجارة. وقد كانت السيدة خديجة من أثرياء الحجاز، وكانت تمتلك الكثير من الأموال، وقد عمدت إلى توظيف الكثير من الرجال ليسيروا في تجارتها إلى اليمن والشام، وكانت تقوم بالمضاربات أيضاً[٥١]. وبعد زواجها من النبي الأكرم (ص) وهبته كل أموالها، وكان ذلك يعود إلى فترة ما قبل البعثة. وبذلك يتضح أن النبي الأكرم (ص)لم بحاجة إلى الأموال كي يسعى إلى الحصول عليها من خلال الاحتيال وادعاء النبوة.
- إنفاق ثروته وثروة زوجه خديجة في سبيل الله: لقد كان النبي الأكرم من الاندفاع والشوق إلى هداية الناس وتحقيق الأهداف الإلهية التى أنيطت به بحيث لم يتحمل أنواع العذاب الجسدي والروحي من أجل هذه الغاية، من دون أن يطلب من أتباعه أجراً فحسب، وإنما أنفق ثروته وأنفق الثروة الطائلة التي كانت تمتلكها زوجه خديجة من أجل تحقيق هذه الغاية. ولم يقتصر النبي الأكرم (ص)على هذا النهج في مستهل دعوته فحسب، بل واصل النهج ذاته حتى بعد بناء الدولة في المدينة المنورة، بحيث كان غالباً ما ينفق سهمه من الغنائم الحربية وسائر حقوقه على الفقراء والمساكين، ولا يبقي منها لنفسه سوى قليل مما يكفيه لاحتياجاته البسيطة والمتواضعة [٥٢].
- رفض الوعود الدنيوية التي قطعها له شيوخ مكة: كان سادة قريش بعد البعثة قد خبروا النبي من هذه الناحية. يروي ابن إسحاق أن سادة قريش قد اجتمعوا وقالوا للنبي الأكرم (ص) «يَا مُحَمَّدُ إِنَّا قَدْ بَعَثْنَا إِلَيْكَ لِنُكَلَّمَكَ، وَإِنَّا وَالله مَا نَعْلَمُ رَجُلاً مِنْ العرب أَدْخَلَ عَلَى قَوْمِهِ مِثْلَ مَا أَدْخَلْتَ عَلَى قَوْمِك ... فَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا جِئْتَ بِهَذَا الحديث تَطْلُبُ بِهِ مَالاً جَمَعْنَا لَكَ مِنْ أَمْوَالِنَا حَتَّى تَكُونَ أَكْثَرَنَا مَالاً، وَإِنْ كُنْتَ إنّما تَطْلُبُ بِهِ الشرف فِينَا، فَنَحْنُ نُسَوّدُك عَلَيْنَا، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِهِ مُلْكاً مَلّكْنَاكَ عَلَيْنَا .. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله (صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مَا جِئْتُ بِمَا جِئْتُكُمْ بِهِ أَطْلُبُ أَمْوَالَكُمْ وَلَا الشرف فِيكُمْ وَلَا الملك عَلَيْكُمْ وَلَكِنّ الله بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ رَسُولاً، وَأَنْزَلَ عَلَيَّ كِتَاباً، وَأَمَرَنِي أَنْ أَكُونَ لَكُمْ بَشِيراً وَنَذِيراً، فَبَلَّغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي، وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَإِنْ تَقْبَلُوا مِنِّي مَا جِئْتُكُمْ بِهِ فَهُوَ حَظّكُمْ فِي الدنيا وَالْآخِرَةِ، وَإِنّ تَرُدّوهُ عَلَىّ أَصْبِرْ لِأَمْرِ الله حَتَّى يَحْكُمَ الله بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ»[٥٣]. وعلى رواية أخرى أن سادة قريش قصدوا أباطالب للمرّة الثانية، واقترحوا أن يعطوه كل ما يريد على أن يترك دعوته، فقال لهم رسول الله في الجواب «يَا عَمُّ، وَ اللَّهِ لَوْ وَضَعُوا الشَّمْسُ فِي يَمِينِي، وَ الْقَمَرِ فِي يَسَارِي عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الْأَمْرُ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ أَوْ أَهْلَكَ فِيهِ مَا تَرَكْتُهُ»[٥٤]. وقد نزلت الآية السابعة والأربعون من سورة سبأ في شأن اقتراح المشركين تزويد النبي بأموالهم، حيث قال الله تعالى على لسان نبيه: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾[٥٥]. وقد ذكر صاحب كتاب (دلائل النبوة) في بحث إثبات النبوة من القرآن الكريم هذه الآية، وقال لا شك في أن النبي الأكرم (ص)كان مجرّداً ومنزّهاً من جميع المطامع الدنيوية[٥٦].
- حياة الزهد: ومما ذكروا في زهد النبي وحالاته العرفانية بهذا الشأن «كان النبي الأكرم (ص) لشدّة الجوع الذي يلمّ به يشدّ حجر المجاعة على بطنه .. مَا شَبعَ آلُ مُحَمَّدٍ غَدَاءً وَعَشَاءً مِنْ خُبْزِ الشعير ثَلاثَةَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ حَتَّى لَحِقَ بِاللهِ. كَانَ يَمُرُّ بِآلِ رَسُولِ الله (ص)هلالٌ ثُمَّ هِلالٌ ثُمَّ هِلالٌ لا يُوقَدُ فِي شَيْءٍ مِنْ بُيُوتِهِ نَارٌ لا لِخُبْزِ وَلا لِطَبيخٍ»[٥٧].[٥٨]
شبهة الأخلاق الجنسية وتعدد الزوجات
حاول بعضهم أن يلصق بالنبي الأكرم (ص) كلاماً لا أساس له من الصحة، ذلك من خلال اتهامه - رغم ما يتمتع به من الأخلاق الإلهية الكاملة - بضعف الشخصية والسلوكيات الجنسية القبيحة [٥٩].
كما حاول بعض المستشرقين المغرضين - من أجل تحقيق أهدافهم وغاياتهم المشؤومة في ضرب الإسلام - أن يتهم النبي الأكرم (ص) بأنه رجل شهواني وزير نساء. ومن بين هؤلاء المستشرقين رجل اسمه (ديدرو) حيث قال: لقد كان محمد أكبر عاشق للنساء، ومن أشدّ أعداء العقل السليم، وإن العالم لم يشهد مثيلاً له من هذه الناحية.
الجواب: في معرض تحليلنا لهذه الشبهة، لابدّ من الالتفات إلى الأمور الآتية:
١. الميل إلى المرأة غريزة إنسانية: إن ميل الرجل إلى المرأة أمر طبيعي، وقد عبّر القرآن الكريم عن النساء بأنهن عامل طمأنة وسكن للرجال، إذ يقول تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾[٦٠].
وإن هذا السكون هو سكون جسدي وروحي، كما هو سكون فردي واجتماعي، وعليه فإن علاقة الحب والودّ القائمة بين الرجل والمرأة مجعولة من قبل الله، وهى لذلك تُعدّ بطبيعة الحال صفة كمال للرجل.
وقد عبّر القرآن الكريم في موضع آخر عن أن هذه العلاقة إنما تأتي من أن الله قد خلق الناس من نفس واحدة، وأنه اختار لهم النساء أزواجاً من أنفسهم ليأنسوا بهن، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾[٦١].
لا يمكن اعتبار هذه الرغبة نقصاً في الرجل، بل هي من كمالات الرجل أن يميل إلى الجنس الآخر. وأنّ النبي الأكرم (ص)بوصفه إنساناً كاملاً من جميع الجهات، كانت له ميوله الإنسانية، ولا يمكن إنكار ميله إلى النساء، بل هو نفسه لم ينكر ذلك، وقد عبّر عن حبّه للنساء في أكثر من رواية، وبطبيعة الحال فإن هذا الكلام من النبي إنما هو ناظر إلى الناحية الإنسانية من وجوده الشريف، لأنه أراد للناس أن لا يغلوا فيه، فيجرِّدوه من الصفات الإنسانية الدالة على محدوديته، وعدم اتصافه بصفات المطلق الذي هو الخالق سبحانه وتعالى.
٢. ضبط الغريزة الجنسية وتهذيبها: وعلى الرغم ذلك فإن هذه الميول الإنسانية والمادية لدى النبي، إلا أنها كانت تحت سيطرته، حيث كان على الدوام سالكاً طريق العبودية لله، والهدف السامي الذي خلق الله الإنسان من أجله، وعليه لا يمكن النظر إلى تعدد زواج النبي من زاوية الشبق والإفراط في الجنس.
من ناحية أخرى يجب الالتفات إلى أن طبيعة زواج النبي المتكرر لم تأت فى ظل ظروف تساعد على القول بأنها ناشئة عن الرغبة الجنسية. فمن خلال النظر في كتب التأريخ التي رصدت حالات زواج النبي والظروف التي اكتنفت لجوء النبي إلى ذلك ندرك أن النبي إنما كان يهدف من ورائها معالجة بعض الأزمات الاجتماعية ويراعي بعض المصالح الخاصة.
لقد كان النبي الأكرم (ص) مطيعاً للأوامر الإلهية في جميع شؤون الحياة، ولذلك فإننا لا نستبعد أن تكون هذه الحالات من الزواج إنما تأتي في إطار القيام بالمسؤولية الملقاة على عاتقه من قبل الله بوصفه سفيراً له بين الناس. كما نرى من خلال نزول الآية الخامسة والعشرين من سورة الأحزاب إنهاء هذه المهمة، حيث يقول تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾[٦٢].
وقد قضى النبي الأكرم (ص)الفترة المتبقية من حياته مع تلك المجموعة من النساء اللاتي سبق له أن اقترن بهن، بل وقد صدر له الأمر من قبل الله بتخييرهن بين البقاء عنده مع الفقر أو الانفصال عنه وأخذ حقهنّ من المهر.
٣. شيوع تعدد الزوجات في صدر الإسلام: فيما يتعلّق بتعدد زوجات النبي الأكرم (ص)لا يمكن عدّ ذلك مثلبة عليه، فقد كان تعدد الزوجات أمراً شائعاً في عصره، حتى أن خلاف ذلك يُعدُّ هو الاستثناء.
وبشكل عام يمكن القول إن أكثر العرب وساداتهم وكبرائهم في ذلك الزمان كان لهم كثير من الزوجات، لا يستثنى من ذلك إلا أباطالب إذ يقال إنه لم يتخذ غير زوجة واحدة، وربما كان السبب في ذلك يعود إلى فقره رغم أنه كان من سادة العرب، فقد قيل (إنه ساد قومه فقيراً)[٦٣]. وقال الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) بشأن سيادة والده «أبي ساد فقيراً، وما ساد فقير قبله»[٦٤]. وأما في مورد غير أبي طالب فإن جميع الأشراف كانوا قد تزوجوا بعددٍ من النساء، وقد كانت هذه الظاهرة اعتيادية في ذلك العصر، وإن كثيراً من الصحابة كانوا قد تزوجوا بأكثر من عشر نساء بين من تزوجوهن بعقد دائم أو بملك اليمين.
٤. تعدّد الزوجات في الأديان السابقة: إن ظاهرة تعدد الزوجات ليست من المسائل المقتصرة على الشريعة الإسلامية، بل إن مسألة تعدد الزوجات كانت شائعة بين بني إسرائيل حتى قبل نزول شريعة موسى عليهم. وبعد إرسال النبي موسى إليهم من قبل الله، أمضت شريعته ما كانوا عليه من تعدد الزوجات، وحتى النبي موسى كانت لديه أكثر من زوجة، وقد اقترن النبي داوود (ع) بالكثير من النساء. وبعد أن انتشرت المسيحية في أوروبا كان تعدد الزوجات أمراً شائعاً ومقبولاً هناك[٦٥]. وحتى في عصر النبي عيسى (ع) كان تعدد الزوجات منتشراً ولم يكن محظوراً. وعليه لم يكن الإسلام هو الدين الوحيد الذي أقرّ هذه الظاهرة الاجتماعية، كما يحاول أعداء الإسلام أن يسوّقوا لهذه التهمة زوراً وبهتاناً، بل كان الإسلام هو الدين الوحيد الذي نظم هذه الظاهر وعمل على تحديد الزوجات بعدد معيّن[٦٦] .
٥. الاكتفاء بزوجة واحدة في فترة الشباب والكهولة: من الواضح أن الغرائز الجنسية تكون في أوج استعارها في مرحلة الشباب وإلى حد ما في فترة الكهولة، لتأخذ جذوتها بالانطفاء التدريجي عند تجاوز الرجل عتبة الخمسين سنة فما بعد .
وإن رسول الله (ص)كان في جميع هذه الفترة من شبابه وكهولته معروفاً بالطهر والعفاف، وقد شهد له بذلك حتى أعداؤه، فلم يتهم من قبلهم وهم الأقرب منه من هذه الناحية بما يخالف العفة أو السعي وراء الشهوة. وقد سبق أن ذكرنا أنه على الرغم من وجود الإمكانات المادية لدى النبي في مرحلة الشباب قد اكتفى بزوجة واحدة، ولم يتزوج من غيرها حتى بعد رحيلها إلا بعد أن مضى على ذلك عاماً كاملاً (قضاه بالحزن عليها وعلى عمّه أبي طالب، وسمّى ذلك العام بعام الحزن)[٦٧]، في حين أن الذي يجعل من الشهوة الجنسية تمام همّه، يمكنه أن يسعى إلى تلبيتها بالطرق المشروعة في الحد الأدنى، خاصة وأن تعدد الزوجات كان أمراً طبيعياً كما أسلفنا.
وعليه لا يمكن أن ترد هذه الشبهة والتهمة في حق النبي الأكرم (ص)أبداً؛ وذلك لأن التاريخ يثبت أن النبي لم يلجأ إلى تعدد الزوجات إلا في العقد الأخير من عمره الشريف، وإنه على الرغم من شيوع ظاهرة تعدد الزواج حتى كان أكثر رجال قريش قد اقترنوا بالعديد من الزوجات، اكتفى بزوجة واحدة وعاش معها خمساً وعشرين سنة، وهي زوجته خديجة الكبرى، ولم يدخل فى حياته امرأة أخرى غيرها مدّة حياتها معه.
ولم يلجأ النبي إلى تعدد الزوجات إلا بعد العام الهجري الثاني، وكان له من العمر حينها خمس وخمسون سنة[٦٨].
٦. زواج النبي تابع للمصالح الدينية والاجتماعية: إن دوافع النبي الأكرم (ص)من الزواج المتعدد لم تكن تلبية لشهوة أو طلباً لقضاء الوطر، وإنما جاءت في إطار الإرشادات والأوامر الإلهية على أساس المصالح والمقتضيات الإسلامية في تلك الحقبة التاريخية.
ولما بلغ أبا سفيان بن حرب - عدو النبي اللدود - خبر زواج رسول الله من ابنته (أم حبيبة) وقد بقيت وحيدة في الحبشة، قال «ذلك الفحل لا يُقرع أنفه» يعني بذلك الرجل الصالح الذي لا يرد نكاحه[٦٩].
إن الظروف الزمنية التي جاءت فيها حالات زواج النبي في ذروة الأزمات والحروب، ومن جهة أخرى الزواج من الأرامل اللاتي سبق لهن أن تزوجن أكثر من مّرة، وعدم الزواج من نساء الأنصار الذين أسلموا بكامل رغبتهم، وعدم انتقاد زواج النبي في تلك الفترة[٧٠]، يثبت أن زواجه المتعدد إنما كان يهدف إلى رعاية سلسلة من المصالح والمقتضيات الزمنية التي لا يمكن أن ندخل فيها عنصر الشهوة واللذة، كما يحاول بعضهم أن يلصق ذلك بالنبي الأكرم (ص)رغم الشواهد والمؤشرات الكثيرة التي تدل على خلاف ذلك.
يمكن حصر دوافع النبي الأكرم (ص)من تعدد الزوجات في السنوات الأخيرة من عمره بشكل عام في ثلاثة، وهي (الدوافع السياسية، والدوافع الاجتماعية، والدوافع الأخلاقية والدينية)، ولذلك سنقتصر على هذه الدوافع لنتناولها بالشرح والتحليل، على النحو الآتي:
أ. الدوافع السياسية والاجتماعية (التحالف مع القبائل المختلفة): عندما دعا النبي الأكرم (ص)الناس إلى الإسلام، لم يستجب له سوى قليل من الناس، وكان هذا أمراً طبيعياً، لأنّه جاء بدعوة تنسف جميع المعتقدات الخرافية لأبناء مجتمعه، وقد أعلنها حرباً على الجميع، وعليه فمن الطبيعي أن تحتشد جميع القبائل في تلك البيئة ضدّه. ولذلك كان عليه في المقابل أن يحشد كل الوسائل المشروعة والمتاحة للقضاء على هذه التحالفات المشؤومة، ومن بين تلك الوسائل الأكثر تأثيراً هي المصاهرة وإقامة العلاقات السببية من طريق الزواج؛ ذلك لأن علاقة القرابة كانت من أوثق العلاقات في المجتمعات العربية في زمن الجاهلية، فكانوا يعتبرون من ينتسب إليهم بالزواج واحداً من أفراد قبيلتهم، ويمنعونه مما يمنعون منه أنفسهم وأبناءهم، ويرون الدفاع عنه واجباً أخلاقياً لا محيص عنه، وإن بأيدينا كثيراً من الأدلة التي تثبت أن زواج النبي في تلك الفترة كان ذا خلفية سياسية فى الكثير من الحالات[٧١].
وفي إطار هذه الأهداف يأتي اقتران النبي الأكرم (ص)بعائشة بنت أبي بكر، لانتمائها إلى قبيلة «تيم» وهي من القبائل الكبيرة، وحفصة بنت عمر من قبيلة «عَديّ» الكبيرة أيضاً، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وهو من قبيلة بني أمية المعروفة، وأم سلمة من بني مخزوم، وسودة بنت زمعة من بني أسد، وميمونة من بني هلال، وصفية من بني إسرائيل. فإن الزواج من أهم أشكال المعاهدات والمواثيق الاجتماعية، خاصة في ثقافة القبائل العربية آنذاك، وكانت هذه المصاهرات ذات تأثير كبير وفاعل. ففي تلك البيئة التي ألفت الحروب والغارات وسفك الدماء، والتي كانت هذه المسائل من الكثرة بحيث اعتبرها ابن خلدون [٧٢] خصلة ثانية من خصال العرب، كان الزواج يمثل عنصراً مانعاً من الحروب ورادعاً عن سفك الدماء، وكان عاملاً مؤثراً في إقامة التحالفات، وإعادة الألفة والوئام.
من خلال التدقيق في زواج النبي الأكرم (ص) ندرك أن جميع زوجاته كن من بين نساء المهاجرين دون الأنصار، ذلك لوجود التحالف والتعاطف والانسجام فيما بينه وبين الأنصار، فلم تكن هناك حاجة إلى تحصيل ما هو حاصل، في حين كانت قد حصل هناك جفاء وعداوة وتباغض في القلوب بينه وبين القبائل المهاجرة، وكان لا بد من تجاوز هذه البغضاء، فكان لا بد من تحقيق ذلك من خلال اللجوء إلى المصاهرة. وهكذا كان أن أقدم النبي الأكرم (ص) على الاقتران ببعض النساء المنتسبات إلى كبرى القبائل العربية، خاصة تلك التي كانت تضمر له أكبر أنواع العداء، من قبيل بني أمية وبني إسرائيل. وأما قبائل الأنصار فلم يكن هناك شعور بأي خطر منهم تجاهه.
قال الكاتب المسيحي جيور جيو: «لقد تزوّج محمد (ص)من أم حبيبة، ليكون صهراً لأبي سفيان، ليخفف بذلك من عدوان قريش ضده. وهكذا أصبح النبي صهراً لآل بني أمية وهند زوج أبي سفيان وسائر أعدائه الألداء، وبذلك أصبحت أم حبيبة عنصراً فاعلاً في الدعوة إلى الإسلام بين الأسر المكيّة»[٧٣].
ب. الدوافع الأخلاقية وغير الجنسية: المسألة الأخرى الحائزة على أهمية قصوى، هي أننا إذا أمعنا النظر في سيرة النبي الأكرم (ص)سندرك أنه لم يقصد من وراء زواجه المتعدد أهدافاً شهوانية أبداً. فإننا عندما نطالع حالات زواجه سنرى دوافع أخلاقية تصب في دعم زوجاته مادياً، وفيما يأتي نستعرض بعض الشواهد التي تؤكد هذه الحقيقة:
١. إن النبي الأكرم (ص) في القسم الأكبر من عمره وذروته (أي من الخامسة والعشرين إلى الخمسين) لم يزد على زوجة واحدة وهي زوجه السيدة خديجة الكبرى، ولم يتخذ زوجة غيرها مدّة حياتها[٧٤]، رغم أنه كان في عنفوان الشباب، ولم يتزوج بعد ذلك إلا بعد انقضاء سنة كاملة على وفاتها.
وقد كان زواجه المتكرر في السنوات السبع الأولى من الهجرة، أي في الفترة ما بين السنة الرابعة والخمسين إلى الحادية والستين من عمره الشريف.
٢. وعلاوة على ذلك ليس هناك من شك في أن الذي يسعى إلى مجرّد طلب اللذة والشهوة من الزواج، لابدّ من أن يسعى إلى الجمال والفتيات الصغيرات ذوات النضرة والشباب، في حين أننا لا نلاحظ شيئاً من ذلك في زواج النبي الأكرم (ص)أبداً، فهو بعد أن تزوج من فتاة بكر صار إلى اختيار الأرامل بل حتى العجائز، وهذا الأمر لا يتناسب مع السعي وراء اللذة والشهوة.
٣. لقد كان سبب زواجه من أم حبيبة (رملة بنت أبي سفيان) أن زوجها قد ارتد عن الإسلام وتنصّر في الحبشة، وبقيت هي على إسلامها، فعقد عليها رسول الله غيابياً دعماً لموقفها الثابت من الإسلام، وكان النجاشي هو الذي تولى إجراء العقد بالنيابة عن النبي[٧٥].
وهنا يمكن لنا أن نرى الدافع الديني واضحاً في هذا الزواج، حيث يتجلى دعم النبي الأكرم (ص)لأصحابه في العمل الرسالي، وهذا لا ينسجم أبداً مع كلام أولئك الذين يسعون إلى تصوير هذه الظاهرة على أنها ذات خلفيات شهوانية؛ لأن هذه المرأة كانت في الحبشة، ولم يكن يعلم متى يتسنى لها العودة إلى حياتها الطبيعية بين أهلها في الوطن.
٤. وتارة يكون الهدف من زواج النبي الأكرم (ص) العمل على توفير الحماية للمرأة المسلمة، فقد قيل في بيان سبب زواج النبي الأكرم من السيدة (سودة بنت زمعة) إن زوجها قد مات عنها وكان جميع أهلها من الكفار، فكان يتعين عليها العودة إليهم بعد رحيل زوجها، وكان احتمال قتلها أو تعذيبها وارداً، فعقد عليها رسول الله (ص) بعد انتهاء عدّتها؛ ليوفر الحماية لها.
٥. كما كان النبي الأكرم (ص) يتزوّج أحياناً من بعض الناس لتوفير الحماية لهن على المستوى المادي، وفي هذا السياق جاء زواجه من بعض الأرامل، من أمثال زينب بنت خزيمة، التي اشتهرت في الجاهلية بإنفاقها على الفقراء والمساكين حتى لقبت بأم المساكين، ولكن أصابها فيما بعد من الفقر ما أصابها وعاشت حالة من الفقر المدقع؛ فتزوجها رسول الله تكريماً لها وحفاظاً على مكانتها السابقة.
٦. وأما دافعه إلى الزواج من السيدة أم سلمة، فهو أنها كانت ذات أيتام كثر، ولم تكن قادرة على إعالتهم[٧٦].
٧. وفي بعض الحالات كان النبي الأكرم (ص) يهدف من وراء الزواج إلى تحرير الأسرى وفكاك الرقاب، كما حصل ذلك بالنسبة إلى زواجه من السيدة صفية بنت حُيي بن أخطب اليهودي، حيث كانت بنتاً لكبير من كبار اليهود، وعمل بذلك على فكاك أسرها [٧٧].
٨. كما عمد النبي الأكرم (ص) - من خلال الاقتران بجويرية بنت الحارث بن أبي ضرار (كبير قبيلة بني المصطلق) الذي كان قد أسر - إلى العمل على إطلاق جميع الأسرى من قبيلتها. فقد وجد المسلمون أن جميع أفراد هذه القبيلة من الأسرى في أيديهم هم أصهار للنبي، فاستقبحوا أن يكون لديهم أسير من أنسباء الرسول فقاموا بإطلاقهم جميعاً، وكان ذلك سبباً في إسلامهم[٧٨].
وعليه ندرك أن زواج النبي بعددٍ من النساء كان بدافع إيجاد الحلول لسلسلة من المشاكل الاجتماعية والسياسية.
ج. الدوافع الدينية: إن بعض حالات زواج النبي الأكرم (ص)كانت تأتي استجابة للأوامر الإلهية بهدف القضاء على التقاليد الجاهلية والعادات الخاطئة، فكان النبي يضطلع بهذه المسؤولية من موقعه كصاحب رسالة؛ ليكون ذلك أوقع في ترسيخ الحكم الشرعي وجعله واضحاً لدى المسلمين، وهنا يمكن لنا الإشارة مثلاً إلى زواج النبي الأكرم (ص)من زينب بنت جحش.
لا يعدُّ الولد (بالتبني) في الإسلام ولداً حقيقياً، ولا تجري عليه أحكام الولد الصلبي، من تحريم زوجة المتبنى على أبيه بالتبنى، في حين كانت التقاليد في الجاهلية تقضي باعتبار المتبنى ولداً صلبياً؛ فجاء الدين الإسلامي ليُبطل هذا الأمر[٧٩]. فصدر الأمر من الله إلى رسوله بالعقد على زينب بنت جحش بعد طلاق زيد بن الحارثة لها، وكان النبي قد تبنى زيداً؛ ذلك ليبطل حكم الجاهلية في تحريم مطلقة المتبنى، وإباحتها للمتبني [٨٠] .
ولو لم يتمّ هذا الأمر لكان هناك احتمال أن يُطالب زيد بن حارثة أو نجله أسامة بن زيد بوراثة النبي بعد رحيله بوصفهما من أولاده وورثته الشرعيين، وبذلك تأخذ الإمامة ووراثة أهل بيت النبي (ص) منحىً آخر.[٨١]
شبهة الزواج من السيدة خديجة طمعاً بثروتها
على الرغم من أن زواج النبي الأكرم (ص) من السيدة خديجة الكبرى كان زواجاً مثالياً، لما يشتمل عليه من القيم الإنسانية الراقية، حيث تكلل بالنجاح وتمكن الطرفان من نسج أروع ما تكون عليه العلاقة بين الزوج وزوجه من الود والمحبّة والألفة والتعاون على صعوبات الحياة ومتطلباتها، وكان النبي يتذكر جميل تلك الأيام التي عاشها مع السيدة خديجة حتى بعد وفاتها، وبعد زواجه من كثير من النساء غيرها. ولكن مع ذلك هناك من حاول صنع المستحيل ليثبت أن زواج النبي الأكرم من السيدة خديجة كان زواج مصلحة، عازفاً في ذلك على وتر ثروة السيدة خديجة؛ حيث قال: إن النبي إنما تزوج منها طمعاً في مالها، وإليك نصّ كلام هذا القائل:
«واضح أن زواج محمد من السيدة خديجة كان الهدف منه توظيف محمد للموقع الاجتماعي الذي تحتله السيدة خديجة بسبب الثروة الطائلة التي تمتلكها، وليس طمعاً بجمالها. وبعبارة أخرى إن محمداً إنما تزوج خديجة لمالها ومكانتها، وليس حباً لها حقيقة. وبعد أن تزوّج محمد من السيدة الخديجة انتعش وضعه الاقتصادي، وظهر إلى الناس بحلة جديدة» [٨٢].
الجواب:
قبل كل شيء لا بد من التنويه إلى أن الثروة ليست أمراً مذموماً في الإسلام، بل إذا أحسن التصرف فيها والاستفادة منها يمكن أن تكون وسيلة صالحة لتحصيل السعادة في الدنيا والآخرة، وإن خير الناس من يمكنه أن يحسن الاستفادة من الثروات والنعم الإلهية هم عباد الله الصالحون، وفي ذلك يقول الله تعالى في محكم كتابه الكريم: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾[٨٣].
وفي هذا الإطار نجد الإسلام يشجب البطالة، ويربأ بالفرد أن يكون كلّاً على غيره، ودعا جميع الناس إلى العمل وكسب الرزق الحلال، وقد ورد في الحديث «اَلْكَادُّ عَلَى عِيَالِهِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ»[٨٤].
وقد أمر الله الأغنياء بالنظر إلى الفقراء والمساكين نظرة حانية، وأن يفكروا ويعملوا على انتشالهم من مستنقع الفقر والمسكنة. ولم ينكر عليهم الثراء، وإنما أنكر التبذير والإسراف والأثرة والطمع.
وقد أثبت رسول الله بسيرته العملية أن الثروة بالنسبة له لم تكن هدفاً لذاتها أبداً. ولم تكن ثروة السيدة خديجة لتكون هي الهدف من زواجه منها، ويمكن لنا إثبات ذلك من خلال الأدلة الآتية:
- كان الزواج باقتراح من السيدة خديجة الكبرى: إن الرواية التاريخية تؤكد أن السيدة خديجة الكبرى وقفت على السمو الروحي والأخلاقي الذي يتمتع به رسول الله، وتعرّفت على حسن أدائه للأمانة، فكانت هي التي تقدّمت له بطلب الزواج منها[٨٥]. ولذلك فإنها لم تستغرب نبوّته ونزول الوحي عليه أبداً، انطلاقاً مما توسّمته فيه من الصفات الأخلاقية الفذة التي لم تتوفر في غيره، فكانت هي أول من آمن به من النساء.
- بساطة عيش رسول الله (ص): تؤكد لنا المصادر التاريخية أن النبي الأكرم (ص)لم يكن من أولئك الذين يبحثون عن الثروة، وكانت حياته البسيطة خير شاهد ودليل على هذه الحقيقة، فكان يرتدي أبسط الثياب[٨٦]، وكان يركب دابة غير مسرجة[٨٧]، وكان يردف خلفه[٨٨]، ويحلب المعزى بنفسه، وكان بيته من الطين[٨٩]، وكان إذا رفع يده بلغت سقف البيت، وكان فراشه الحصير[٩٠]، وروي أنه (ص)رحل الدنيا وكانت له درع مرهونة عند يهودي على شيء من طحين الشعير اشتراه منه ديناً[٩١]. إن مسجد النبي الذي كان موضع عبادته ومقرّ حكومته في الوقت نفسه، قد بني على أبسط ما يكون، وكان لفترة من دون سقف، ثم وضع له بعد ذلك سقف لضروة فرضها المناخ[٩٢].
- إنفاق السيدة خديجة ثروتها لنشر الإسلام: إن النبي الأكرم (ص) لم ينفق أموال السيدة خديجة الكبرى في أغراضة الشخصية، وإنما عمل على استثمارها من أجل نشر الإسلام، وأعان بها الفقراء والمساكين.
- إنفاق ثروته وسهمه من بيت المال: لو أن النبي الأكرم (ص)كان من المتهالكين على طلب الدنيا، لكان بوسعه أن يحتفظ في الحد الأدنى بذلك السهم الذي له من بيت المال أسوة بسائر المسلمين، ولكنه - صلوات الله عليه - كان ينفق حتى ذلك المقدار الخاص به، حتى أنه قد أصاب في يوم واحد في معركة حنين أضعاف ما كانت السيدة خديجة الكبرى تمتلكه، فعمل على تقسيم ما حصل عليه وتفريقه بين المسلمين، بل أعطى حتى المنافقين الذين كانوا يتربصون به الدوائر.[٩٣]
شبهة العلاقة المشبوهة بين النبي ودحية الكلبي
إنّ من بين حالات عدم الانصاف في اتهام النبي الأكرم (ص)ما أثاره بعضهم بشأن علاقته بأحد أصحابه وهو دحية الكلبي. ومما قاله هؤلاء بهذا الشأن «ما هو دافع النبي الأكرم في العقد الأول من الهجرة في العلاقة التي أقامها مع دحية الكلبي وهو ابن العشرين ربيعاً، والذي كان مشهوراً بين العرب بجماله. وكان من قرب الاحتكاك به حتى شاهده أصحابه وهو يتحدث في حضور النبي وهو نائم؟ لماذا أمر محمد بعدم دخول أحد عليه إذا كان دحية عنده؟ ما هو سرّ العلاقة بين النبي ودحية حتى يخصه بلقاءات سرية للغاية؟ مع العلم أن دحية لم يعتنق الإسلام إلا بعد معركة أحد والخندق! ما هي طبيعة علاقة محمد بشاب وسيم لم يتجاوز العشرين ولم يكن مسلماً في تلك الأعوام؟!»[٩٤].
الجواب:
لقد كانت علاقة النبي الأكرم (ص) بأصحابه بوصفه خاتم الأنبياء هي علاقة الأب بأبنائه من المسلمين، وقد ورد في الحديث «أَنَا وَ عَلِيٌّ أَبَوَا هَذِهِ اَلْأُمَّةِ»[٩٥].
بغض النظر على الناحية الرسالية في وجود النبي الأكرم(ص)، يجب القول إنه كان معروفاً بالعفة والأمانة، حتى قبل الرسالة، وقد لقب لذلك بـ (محمد الأمين)[٩٦]. أما دحية بن خليفة الكلبي فهو واحد من الصحابة ليست له سابقة في الإسلام، وكل ما عرف عنه في كتب الأنساب أن النبي الأكرم (ص)أرسله مبعوثاً عنه إلى قيصر الروم. ولا نعرف عنه شيئاً أكثر من ذلك، وربما جاء إرساله من قبل النبي الأكرم إلى قيصر الروم بسبب اتقانه لغة السكان في تلك الأصقاع. ومما حكي أن جبرئيل كان يتمثل للرسول على شكل دحية الكلبي في أكثر الأوقات.
هناك كثير من الروايات التي تذكر مشاهدة جبرئيل على شكل دحية كما هو الحال في غزوة بني قريظة «عَنْ عائشة، قالت ضرب رسول الله (ص) عَلَى سَعْدٍ قُبَّةً فِي المسجد، وَوَضَعَ السلاح - يعنى عند منصرف رسول الله (ص)مِنَ الخندق - وَوَضَعَ المسلمون السلاح، فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ (ع)، فقال اوضعتم السلاح! فوالله مَا وَضَعَتِ الملائكة بَعْدُ السلاح، اخْرُجْ إِلَيْهِمْ فقاتلهم، فدعا رسول الله (ص)بِلَأْمَتِهِ فَلَبِسَهَا، ثُمَّ خَرَجَ وَخَرَجَ المسلمون، فَمَرَّ بِبَنِي غَنْمٍ، فَقَالَ مَنْ مَرَّ بِكُمْ؟ قَالُوا مَرَّ عَلَيْنَا دِحْيَةُ الكلبي، وَكَانَ يُشَبِّهُ سُنَّتَهُ ولحيته ووجهه بجبريل (ع)»ref>أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، تاريخ الأمم والملوك، تحقيق محمد أبوالفضل إبراهيم، ج ٢.</ref>.
واضح أنّ جبرائيل كان يتجلى للنبي على صورة دحية الكلبي في كثير من الأحيان، ومن هنا كان النبي يقول «إِذَا رَأَيْتُمْ دِحْيَةَ اَلْكَلْبِيَّ عِنْدِي فَلاَ يَدْخُلَنَّ عَلَيَّ أَحَدٌ»[٩٧].
لا شك في أنه لم يكن هناك بين النبي الأكرم (ص)وبين دحية أي علاقة وثيقة، ولم يكن مقرباً منه بالدرجة التي يحاول المغرضون تصويرها، وإنما كل ما هنالك أن جبرائيل (ع) كان يتجلى للنبي على صورة شبيهة بصورة دحية، وكان النبي يستغل هذا الشبه فيأمر بعدم دخول الصحابة عليه أثناء تواجد دحية الكلبي عنده؛ لأنهم لم يكونوا يعلمون أنه جبرائيل، فلا يزعجونه بحضوره .
ولو كانت هنالك علاقة وثيقة بين النبي الأكرم (ص)ودحية الكلبي، لكان في ذلك فخراً لدحية طارت بشهرته الآفاق، ولما بقى مغموراً لا يذكر التاريخ عنه شيئاً غير هذا اليسير، ولو كان لدحية مثل هذه المنقبة لعمل على استثمارها سلباً أو إيجاباً، ولوجد لنفسه موقعاً فى السلطة الحاكمة، ولكان من أكثر الشخصيات تأثيراً بعد رسول الله، أو كان بإمكانه الانتفاع بتأثيره في مواجهة سائر المؤثرين، في حين أننا لا نجد شيئاً من ذلك أبداً، ولا نرى لدحية أي ذكر في غير السفارة اليتيمة إلى الروم.[٩٨]
المراجع
الهوامش
- ↑ نهج البلاغة، خ ۸۹.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٤٣١.
- ↑ أُنظر: الصافات: ٣٦؛ الطور: ٢٩؛ الذاريات: ٣٩ و٥٢.
- ↑ أُنظر: مسعود انصاري (روشنگر)، كوروش بزرگ ومحمد بن عبد الله، ص ٢٧٥ و٢٧٧؛ مسعود انصاري (روشنگر)، الله أكبر، ص ٢٦٥ .
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، النبي الأعظم أجوبة الشبهات الكلامية، ص ١٥٣.
- ↑ أُنظر: الطور: ٢٩؛ الحاقة: ٦٩.
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، النبي الأعظم أجوبة الشبهات الكلامية، ص ١٥٥.
- ↑ أُنظر: ص: ٤؛ الذاريات ٥٢ .
- ↑ سورة يوسف، الآية ٧٦.
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، النبي الأعظم أجوبة الشبهات الكلامية، ص ١٥٧.
- ↑ سورة الأنبياء، الآية ٥.
- ↑ سورة الصافات، الآية ٣٦.
- ↑ سورة يس، الآية ٦٩.
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، النبي الأعظم أجوبة الشبهات الكلامية، ص ١٦٠.
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، النبي الأعظم أجوبة الشبهات الكلامية، ص ١٦٢.
- ↑ سورة الغاشية، الآية ٢١-٢٢.
- ↑ مهدي حائري يزدي، حكمت وحكومت، ص ١٥٣.
- ↑ مهدي حائري يزدي، حكمت وحكومت، ص ١٥٣.
- ↑ قال تعالى ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ سورة الشورى، الآية ٤٨. أُنظر: محمد بسته نگار، دين وحكومت، ص ٣٩٨ .
- ↑ سورة النساء، الآية ٨٠.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ١٠٧.
- ↑ سورة ق، الآية ٤٥.
- ↑ عبد الرزاق، علي، الإسلام وأصول الحكم، ص ٨١ و١٤٤ .
- ↑ سورة الأحزاب، الآية ٤٠.
- ↑ عبد الرزاق، علي، الإسلام وأصول الحكم، ص ٨١.
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، النبي الأعظم أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٢٤١.
- ↑ سورة المائدة، الآية ٤٨.
- ↑ سورة ص، الآية ٢٦.
- ↑ سورة النساء، الآية ١٠٥.
- ↑ سورة النساء، الآية ٥٩.
- ↑ سورة النور، الآية ٥١.
- ↑ سورة المائدة، الآية ٤٤.
- ↑ سورة الأحزاب، الآية ٣٦.
- ↑ أُنظر: العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج ٥، ص ٥، وج ١٢، ص ٢٥، وج ١٠، ص ١٣٦؛ آية الله السيد أبوالقاسم الخوئي، تفسير البيان، ص ٣٢٧. ومن الجدير ذكره أن بعض المفسرين يقول بنسخ هذه الآيات بآيات الجهاد، وبذلك يستطيع النبي أن يكره الكفار ويجبرهم على اعتناق الإسلام (أُنظر: محمد القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج ٥، ص ٢٨٨).
- ↑ سورة النساء، الآية ٧٨.
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، النبي الأعظم أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٢٤٣.
- ↑ ابن وراق، إسلام ومسلماني، ترجمه إلى الفارسية مسعود انصاري (روشنگر)، ص ٣٣ و١٩٤.
- ↑ مسعود انصاري (روشنگر)، شيعه گري وامام زمان، ص ١٥.
- ↑ محمد بن عمر الواقدي، المغازي، تحقيق مارسدن جونس، ج ١، ص ٩٧.
- ↑ أُنظر: السيد جعفر مرتضى العاملي، الصحيح من سيرة النبي الأعظم، ترجمه إلى الفارسية محمد سبهري، ج ١، ص ١٣٧.
- ↑ سورة الأحزاب، الآية ٢١.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٥٩.
- ↑ سورة الشعراء، الآية ٢١٥.
- ↑ أُنظر: ابن هشام، السيرة النبوية، تحقيق مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري الشلبي، ج ١، ص ٢٩٥.
- ↑ أُنظر: ابن هشام، السيرة النبوية، تحقيق مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري الشلبي، ج ١، ص ٤٢٤ - ٤٢٥ .
- ↑ أُنظر: ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج ٢، ص ٣٤٢.
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، النبي الأعظم أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٣٠٧.
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، النبي الأعظم أجوبة الشبهات الكلامية (كتاب)|النبي الأعظم أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٣١٠.
- ↑ ابن وراق، إسلام ومسلماني، ترجمه إلى الفارسية مسعود انصاري (روشنگر) ص ٢٠ .
- ↑ مسعود انصاري (روشنگر)، شيعه گري وامام زمان، ص ١٧ - ١٨؛ شهريار شيرازي، پيامبران خرد در پيكار با تاريكيها، إعداد هوشنگ معين زاده، ص ٢٨٥ .
- ↑ أُنظر: الزركلي، الأعلام، ج ٢، ص ٣٠٢.
- ↑ أُنظر: ابن هشام، السيرة النبوية، تحقيق مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري الشلبي، ج ٢، ص ٤٩٢ .
- ↑ ابن هشام، السيرة النبوية، تحقيق مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري، ج ١، ص ٢٩٥.
- ↑ ابن هشام، السيرة النبوية، تحقيق مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري، ج ١، ص ٢٦٥ .
- ↑ سورة سبأ، الآية ٤٧.
- ↑ أبوبكر البيهقي، دلائل النبوة، تحقيق عبد المعطي قلعجي، ج ١، ص ١٢.
- ↑ ابن سعد، الطبقات الكبرى، تحقيق محمد عبد القادر عطا، ج ١، ص ٣٠٦.
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، النبي الأعظم أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٣١٣.
- ↑ قال مسعود أنصاري في كتابه (بازشناسي قرآن) "إن ميل محمد إلى النساء وزواجه المتكرر يشكل واحدة من نقاط الضعف الأخلاقية الكبيرة، وواحدة من المثالب التي يأخذها عليه خصومه والتي لا يمكن الدفاع عنه وتبرئته منها. بعد أن استلم محمد مقاليد الحكم وقد تجاوز عمره الخمسين سنة، كان في حريمه ما يقرب من عشرين امرأة بين معقودة بالنكاح الدائم أو النكاح المنقطع على الجواري والإماء وغيرهن. لقد أصدر محمد رسول الله إعلاناً ادعى نزوله من السماء يحرره من القيود الأخلاقية فيما يتعلق بالزواج من النساء ويستثنيه دون سائر المسلمين، فيجوز له أن يتخطى القوانين الموضوعة للمسلمين ليتزوّج من أي امرأة شاء". أُنظر: مسعود أنصاري (روشنگر)، بازشناسي قرآن، ص ٣٦٢ - ٣٦٣.
- ↑ سورة الروم، الآية ٢١.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ١٨٩.
- ↑ سورة الأحزاب، الآية ٥٢.
- ↑ أُنظر: خير الدين الزركلي، الأعلام، ج ٤، ص ٢٠٠.
- ↑ ابن واضح اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، ج ٢، ص ١٤.
- ↑ أن تعدد الزوجات كان موجوداً حتى في القرن المسيحي الأول، ولم تمنعه الكنيسة إلا في القرن الثاني، وكان (أوغسطين) مؤرّخ الكنيسة يهاجم (تروتوليان) أحد أعمدة الكنيسة في القرن الأول؛ لاتخاذه أحد عشر امرأة له. المعرِّب.
- ↑ أُنظر: هاشم معروف الحسني، سيرة المصطفى، ترجمه إلى الفارسية حميد ترقي جاه، ج ٢، ص ١٢٦ - ١٢٨ .
- ↑ ما بين المعقوفتين من المعرّب.
- ↑ أُنظر: حسن عاشوري لنگرودي، همسران پيامبر، ص ٥٦.
- ↑ أُنظر: أحمد عابديني، شيوه همسرداري پيامبر به گزارش قرآن وسنت، ص ٥٨ ابن عساكر، تاريخ دمشق، ج ٢٣، ص ٤٤٦ .
- ↑ أُنظر: المصدر أعلاه، ص ٥٦ - ٥٧ .
- ↑ أُنظر: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، تفسير نمونه (الأمثل)، ج ١٧، ص٣٨١.
- ↑ أُنظر: ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، ج ١، ص ٢٨٦.
- ↑ جيور جيو، محمد بيامبري كه بايد از نو شناخت، ص ٢٠٧.
- ↑ ابن هشام، السيرة النبوية، تحقيق مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري شلبي، ج ١، ص١٩٠.
- ↑ أُنظر: ابن حجر العسقلاني، الإصابة في معرفة الصحابة، ج ٨، ص ١٤٠.
- ↑ ابن هشام، السيرة النبوية، تحقيق مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري شلبي، ج ٢، ص ٦٤٧
- ↑ أُنظر: تقي الدين المقريزي، امتاع الأسماع، تحقيق محمد عبد الحميد النميسي، ج ١، ص ٣١٦.
- ↑ ابن هشام، السيرة النبوية، تحقيق مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري شلبي، ج ٢، ص ٦٤٥ .
- ↑ أُنظر: الأحزاب: ٤.
- ↑ العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، فرازهائي از إسلام، ص ١٧٤ .
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، النبي الأعظم أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٣١٨.
- ↑ مسعود انصاري (روشنگر)، بازشناسي قرآن، ص 42.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ٣٢.
- ↑ محمد بن يعقوب الكليني، الكافي، ج ٥، ص ٨٨ .
- ↑ أبو محمد بن جرير الطبري، تاريخ الطبري، ج ١، ص ٣٢٠ .
- ↑ أبو الفرج عبد الرحمن بن علي ابن الجوزي، الوفا بأحوال المصطفى، ص ٥٧٥.
- ↑ نور الدين الحلبي، السيرة الحلبية (إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون)، ج ٣، ص ٤٦٤ .
- ↑ أبو الفرج عبد الرحمن بن علي ابن الجوزي، الوفا بأحوال المصطفى، ص ٥٩٠.
- ↑ أبو الفرج عبد الرحمن بن علي ابن الجوزي، الوفا بأحوال المصطفى، ص ٢٥٩ .
- ↑ أبو الفرج عبد الرحمن بن علي ابن الجوزي، الوفا بأحوال المصطفى، ص ٤٧٩ .
- ↑ أبو الفرج عبد الرحمن بن علي ابن الجوزي، الوفا بأحوال المصطفى، ص ٤٨٦ .
- ↑ أبو الفرج عبد الرحمن بن علي ابن الجوزي، الوفا بأحوال المصطفى، ص ٢٥٧ .
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، النبي الأعظم أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٣٢٨.
- ↑ مسعود انصاري (روشنگر)، شيعه گري وامام زمان، ص ٢١ - ٢٢؛ مسعود انصاري (روشنگر)، كوروش بزرگ ومحمد بن عبد الله، ص ٢٨ و٢٨٥.
- ↑ العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ١٦، ص ٩٥ .
- ↑ أُنظر: ابن هشام، السيرة النبوية، تحقيق مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري، ج ١، ص١٩٧.
- ↑ العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٣٧، ص ٣٢٦.
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، النبي الأعظم أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٣٤٥.