الإنسان عند أهل السنة

مفهوم الإنسان

المعنى اللغوي

تدور مادة (أ ن س) في اللغة حول معنيين رئيسين هما: الظهور والنسيان.

  1. الظهور: قال ابن فارسٍ: «الهمزة والنون والسين أصلٌ واحدٌ، وهو ظهور الشيء، وكل شيءٍ خالف طريقة التوحش. قالوا: الإنس خلاف الجن، وسموا لظهورهم. يقال: آنست الشيء، إذا رأيته، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً[١]. والأنس: أنس الإنسان بالشيء إذا لم يستوحش منه» [٢]. فالإنسان: من الإنس خلاف الجن، أو من الأنس خلاف النفور، والإنسي منسوبٌ إلى الإنس، يقال ذلك لمن كثر أنسه، ولكل ما يؤنس به [٣].
  2. النسيان: أورد ابن منظور في لسان العرب عن ابن عباسٍ أنه قال: «إنما سمي الإنسان إنساناً؛ لأنه عهد إليه فنسي» [٤].[٥]

المعنى الاصطلاحي

ذكر أبو البقاء الكفوي أن بعض الناس جعل الإنسان هو: المعنى القائم بالبدن، ولا مدخل للبدن في مسماه، وهو قول الأحناف والغزالي، وجعله آخرون الهيكل المحسوس، وهو قول جمهور المتكلمين [٦].

وقد أورد الأشعري في (مقالات الإسلاميين) تسعة عشر قولاً في تعريف الإنسان [٧]، أرجحها القول الثالث، وذلك أن ماهية الإنسان وحقيقته لا تكون من دون جسدٍ وروحٍ، فالإنسان مجموع الروح والجسد، ولذا يسميه بعضهم حيٌ ناطقٌ أو حيوانٌ ناطقٌ،كما عرفه الجرجاني بقوله: الإنسان هو الحيوان الناطق [٨].[٩]

الإنسان في الاستعمال القرآني

وردت مادة (أنس) في القرآن (٩٧) مرة ٧.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة عدد المرات المثال
الفعل الماضي ٥ ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ[١٠]
الفعل المضارع ١ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا[١١]
اسم الفاعل ١ ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ[١٢]
اسم ٩٠ ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً[١٣]

وجاء الإنسان في القرآن على ثلاثة أوجه [١٤]:

  1. آدم (ع)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ[١٥].
  2. جنس بني آدم، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى[١٦].
  3. أحد أبناء آدم بعينه، ومنه قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى[١٧]. أُريد به: أبو جهل.[١٨]

الألفاظ ذات الصلة

بنو آدم

بنو آدم لغة: بنو: أصلها: بنون، حذفت النون للإضافة، وهي جمع ابن، وتجمع أيضاً على أبناء [١٩].

وآدم: أبو البشر.

وأديم كل شيء: ظاهر جلده، وأدمة الأرض: وجهها، وقيل سمي آدم (ع) لأنه خلق من أدمة الأرض، وقيل: بل من أدمةٍ جعلت فيه [٢٠].

بنو آدم اصطلاحاً: هم الناس [٢١]، وبنو أبي البشر [٢٢]

الصلة بين الإنسان وبني آدم: من الألفاظ التي يستعملها القرآن مرادفةً للفظ (الإنسان) لفظ (بني آدم)، وقد ورد هذا اللفظ في القرآن الكريم سبع مراتٍ، ومن خلال القراءة المتأنية لهذه المواضع تبين أن هذه المواضع فيها تذكير بأن الإنسان له أصلٌ واحدٌ، وهو آدم (ع)، وفيها تذكيرٌ وإحالةٌ إلى الحيثيات الملابسة لقصة آدم (ع)، واستدعاء لأحداث تلك القصة وللمعاني المرتبطة بها.[٢٣]

الإنس

الإنس لغة: جماعة الناس، والجمع أناسٌ، وهم الأنس. تقول: رأيت بمكان كذا وكذا أنساً كثيراً، أي: ناساً كثيراً. والإنس: خلاف الجن، والإنس خلاف النفور، والإنسي منسوبٌ إلى الإنس. والإنس: البشر، الواحد إنسيٌ وأنسيٌ أيضاً، والجمع أناسي [٢٤].

الإنس اصطلاحاً: لا يخرج عن معناه اللغوي، وهم: بنو آدم، سموا بذلك؛ لأنهم لا يعيشون بدون إيناسٍ، فهم يأنس بعضهم ببعضٍ، ويتحرك بعضهم إلى بعض [٢٥].

وقيل: سمي بذلك؛ لظهوره، وإدراك البصر إياه، فيقال: آنست الشيء: إذا أبصرته، فهو بذلك ضد الجن.

الصلة بين الإنسان والإنس: الإنسان في الاستعمال القرآني غير الإنس وإن كان بينهما ملحظٌ مشتركٌ من الأصل اللغوي لمادة (أ ن س) في دلالتها على نقيض التوحش،إلا أن لفظ (الإنس) يأتي دائماً مع لفظ (الجن) على وجه التقابل، يطرد ذلك ولا يتخلف في كل الآيات التي ورد فيها ذكر (الإنس) وعددها ثماني عشرة آية [٢٦]، ومن خلال القراءة المتأنية لتلك الآيات تبين أن الإنسية تعني عدم التوحش، وهو المفهوم صراحةً من مقابلتها بالجن في دلالتها أصلاً على الخفاء الذي هو قرين التوحش، وبهذه الإنسية يتميز جنسنا عن أجناسٍ أخرى خفيةٍ مجهولةٍ لا تنتمي إلينا ولا تحيا حياتنا [٢٧].[٢٨]

الناس

الناس لغة: اسمٌ للجمع من بني آدم، واحده: إنسانٌ من غير لفظه، قيل: أصله أناسٌ، فحذف فاؤه لما أدخل عليه الألف واللام، وقيل: قلب من نسي، وأصله إنسيان على إفعلان، وقيل: أصله من ناس ينوس إذا اضطرب.

والناس قد يذكر ويراد به الفضلاء دون غيرهم في تناوله اسم الناس تجوزاً، وذلك إذا اعتبر معنى الإنسانية، وهو وجود الفضل والذكر وسائر الأخلاق الحميدة والمعاني المختصة به، فإن كل شيءٍ عدم فعله المختص به لا يكاد يستحق اسمه [٢٩].

قال الكفوي: الناس: هو اسم جمعٍ؛ ولذلك يستعمل في مقابلة الجنة: وهي جماعة الجن [٣٠].

الناس اصطلاحاً: لا يخرج عن معناه اللغوي.

الصلة بين الإنسان والناس: لفظ الإنسان في الاستعمال القرآني يختلف -كذلك- عن لفظ الناس، فقد ورد لفظ الناس في القرآن الكريم نحو مائتين وأربعين مرةً بدلالةٍ واضحةٍ على اسم الجنس لهذه السلالة الآدمية، أو هذا النوع من الكائنات في عمومه المطلق. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ[٣١].[٣٢].[٣٣]

البشر

البشر لغة: (بشر) الباء والشين والراء أصلٌ واحد: ظهور الشيء مع حسنٍ وجمال، فالبشرة ظاهر جلد الإنسان، والبشر: الإنسان.

البشر اصطلاحاً: والبشر: هم الخلق، يقع على الأنثى والذكر والواحد والاثنين والجمع [٣٤] .

وإطلاق البشر على الإنسان اعتباراً بظهور جلده من الشعر، بخلاف الحيوان الذي عليه نحو صوف أو شعر [٣٥] .

الصلة بين الإنسان والبشر: الإنسان في الاستعمال القرآني يختلف- كذلك- عن البشر، فاستقراء مواضع ورود (بشر) في القرآن كله، يؤذن بأن البشرية فيه هي هذه الآدمية المادية التي تأكل الطعام وتمشي في الأسواق، وفيها يلتقي بنو آدم جميعاً على وجه المماثلة التي هي أتم المشابهة. وبهذه الدلالة، ورد لفظ البشر، اسم جنس، في خمسةٍ وثلاثين موضعاً من القرآن الكريم، منها خمسة وعشرون موضعاً في بشرية الرسل والأنبياء، مع النص على المماثلة فيما هو من ظواهر البشرية وأعراضها المادية بينهم وبين سائر البشر.وقد تأتي الآيات في تقدير بشرية الرسل دون التصريح بلفظ المماثلة فيها لبشرية الناس جميعاً، لكن السياق فيها شاهد على هذه المماثلة وإن لم تذكر بلفظها نصاً [٣٦]. والبشر يقتضي حسن الهيئة؛ وذلك أنه مشتقٌ من البشارة وهي حسن الهيئة، ولذلك استعمل في سياقاتٍ دالة على القدرة والإعجاز، في تخليق بشر ظاهر الهيئة من الماء أو الطين [٣٧].[٣٨]

الأنام

الأنام لغةً: الأنام هم ما على ظهر الأرض من جميع الخلق، ويجوز في الشعر: الأنيم [٣٩] .

الأنام اصطلاحاً: هم الجن والإنس [٤٠].

الصلة بين الإنسان والأنام: الإنسان في الاستعمال القرآني يختلف عن الأنام، فقد ورد لفظ الأنام في القرآن الكريم في موضعٍ واحدٍ، وذلك في قول الله عز وجل: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ[٤١].

ونلحظ من خلال السياق العام للسورة الكريمة أن اللفظ يشمل الثقلين الإنس والجن على الراجح؛ لأن الخطاب في سورة الرحمن لهما [٤٢].[٤٣]

الغاية من خلق الإنسان

إن الله تعالى خلق المخلوقات، وأوجد الموجودات لغايةٍ يريدها، وحكمةٍ يعلمها، ولم يخلقهم سدًى، ولم يتركهم هملاً. قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ[٤٤].

وقد أوضح الحق سبحانه وتعالى في كتابه الكريم تلك الغاية وهي متمثلة في أمرين: أحدهما: تحقيق العبودية لله عز وجل . والثاني: تحقيق عمارة الأرض. وفي المطلبين الآتيين تفصيلٌ لهذين الأمرين.[٤٥]

تحقيق العبودية

لعل الغاية الأسمى التي خلق لأجلها الإنسان هي تحقيق العبودية لله تعالى بجميع أنواعها.وذلك مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[٤٦].

وتلك غايةٌ عظيمةٌ ساميةٌ عليها مدار سعادة الإنسان. قال الإمام النووي: «وهذا تصريحٌ بأنهم خلقوا للعبادة، فحق عليهم الاعتناء بما خلقوا له والإعراض عن حظوظ الدنيا بالزهادة، فإنها دار نفادٍ لا محل إخلادٍ، ومركب عبورٍ لا منزل حبورٍ» [٤٧].

وأهل الإيمان يوقنون في قرارة أنفسهم بذلك. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إن الله خلق الخلق لعبادته الجامعة لمعرفته والإنابة إليه ومحبته والإخلاص له» [٤٨].

لكن ما معنى العبودية؟ وما حقيقتها ؟

العبادة لغةً: معناها: الانقياد والذل والخضوع [٤٩].

قال الأزهري: «العبادة: الطاعة مع الخضوع. ويقال: طريقٌ معبدٌ إذا كان مذللا بكثرة الوطء» [٥٠]. وقال الراغب: «العبودية إظهار التذلل، والعبادة أبلغ منها، لأنها غاية التذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال وهو الله تعالى؛ ولهذا قال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ[٥١]». [٥٢]

والمعنى الاصطلاحي للعبادة، لا يخرج عن المعنى اللغوي، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «العبادة هي اسمٌ جامعٌ لكل ما يحبه الله تعالى ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة» [٥٣].

ويضيف أيضاً: «وذلك أن العبادة لله هي الغاية المحبوبة له، والمرضية له، التي خلق الخلق لها؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[٥٤]»[٥٥].

وهذا تعريفٌ شاملٌ للعبادة بكل أنواعها وحالاتها. فالعبودية مفهومٌ شاملٌ لكل عملٍ إنساني صالحٍ يقصد به وجه الله في هذه الحياة.

قال الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[٥٦]. وتحقيق العبادة يقتضي أن يجعل الإنسان حياته وسائر أفعاله وتصرفاته وعلاقاته مع الناس وفق المناهج التي وضعتها الشريعة الإسلامية.

وحقيقة العبادة: «هي استسلام القلب والجوارح لله حباً وخضوعاً له، وخوفاً من عقابه، لا شريك له في شيءٍ من ذلك ألبته، فهو المستحق للعبادة وحده دون ما سواه» [٥٧].

وجميع الرسل عليهم الصلاة والسلام من أولهم إلى خاتمهم- كانت دعوتهم أساسها تحقيق العبودية لله عز وجل.

قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ[٥٨].

وقال سبحانه: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ[٥٩].

وقال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ[٦٠].

وقال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ[٦١].

وقال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ[٦٢].

وكذلك قال المسيح عيسى بن مريم (ع) فيما أخبر الله عنه: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ[٦٣].

والعبودية لرب العالمين غاية كمال المتقين، فقد جعل الله سبحانه وتعالى العبودية وصف أكمل خلقه، وأقربهم إليه، وأعلاهم منزلة لديه في أشرف مقاماته، فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ[٦٤].

وبها افتتح عيسى عليه الصلاة والسلام كلامه وهو في المهد فقال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِياً[٦٥].

يقول شارح الطحاوية: «واعلم أن كمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله تعالى، وكلما ازداد العبد تحقيقاً للعبودية ازداد كماله وعلت درجته» [٦٦].[٦٧]

عمارة الأرض

لاشك أن الغاية الأساسية من وجود الإنسان هي تحقيق العبودية لله تعالى، إذ يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[٦٨].

ومع هذا فليست الغاية من الخلق محصورةً فقط على العبادة كما ظن كثيرٌ من الناس، حيث إن الآية لم يقصد منها الاقتصار على أداء الشعائر التعبدية فحسب، ولكن الله عز وجل هيأ الإنسان لأمرٍ آخر لا يتعارض مع تحقيق العبودية، ألا وهو عمارة الأرض واستخلافه.

فالله سبحانه وتعالى استخلف البشر في الأرض بقصد عمارة الكون وإنمائه واستغلال كنوزه وثرواته.

قال صالح (ع) مخاطباً قومه: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا[٦٩].

لكن ما معنى الاستعمار؟ وما حقيقته؟

الاستعمار لغةً: طلب التعمير والسعي لتحقيق العمران [٧٠].

يقول الراغب الأصفهاني: «العمارة نقيض الخراب، يقال: عمر أرضه يعمرها عمارةً، قال تعالى: ﴿وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ[٧١]. ويقال: عمرته فعمر فهو معمورٌ. قال: ﴿وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا[٧٢]. ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ[٧٣].

وأعمرته الأرض واستعمرته: إذا فوضت إليه العمارة، قال: ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا[٧٤]». [٧٥]

والمعنى الاصطلاحي للاستعمار لا يختلف عن معناه اللغوي، فيراد به: طلب التعمير والسعي لتحقيق العمران، ويراد به كذلك: التمكين والتسلط، كما هو واضحٌ من قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ[٧٦]. وقوله عز شأنه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً[٧٧]. وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ[٧٨]. وقال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً[٧٩]. ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى[٨٠]. ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ[٨١]. [٨٢]

والمقصود بعمارة الأرض: «جعلها عامرةً غير خلاءٍ وذلك بالبناء والغرس والزرع» [٨٣].

ويعد إعمار الكون ضرورة من ضرورات الحياة الإنسانية، فلا بد للإنسان من أن يكتشف ويخترع من أجل تذليل العقبات التي تعترض طريقه، وتحول بينه وبين تحقيق ما يطمح إليه من سبل العيش الآمن والحياة الكريمة. قال ابن عاشور عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ[٨٤].

قال: «وهذا استدعاءٌ لأهل العلم والحكمة لتتوجه أنظارهم إلى ما في الكون من دقائق الحكمة، وبديع الصنعة. وهذا من العلم الذي أودع في القرآن ليكون معجزةً من الجانب العلمي يدركها أهل العلم، كما كان معجزةً للبلغاء من جانبه النظمي» [٨٥].

وذكر الألوسي أن معنى قوله سبحانه: ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا[٨٦]. أي: جعلكم عمارها وسكانها فالاستفعال بمعنى الإفعال، يقال: أعمرته الأرض واستعمرته إذا جعلته عامرها وفوضت إليه عمارتها. وذكر معنى آخر، وهو أنه أمركم بعمارة ما تحتاجون إليه من بناء مساكن، وحفر أنهار، وغرس أشجار، وغير ذلك، فالسين للطلب.

واستدل بالآية على أن عمارة الأرض واجبة لهذا الطلب». فلا تستقيم حياة الإنسان بدونها.

ولا يقصد هنا؛ أن تكون عمارة الأرض بالعلم المادي فقط، فلو كانت عمارة الأرض بالحضارة والتمدن والعلوم الدنيوية هي المقصود بحسن العمل، لما أرسل الله الرسل في التاريخ البشري أصلاً؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد أثبت تميز الأمم أصلاً في عمارة الأرض وعمق علمها بالدنيا؛ كما قال تعالى عن الأمم السابقة: ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا[٨٧].

وقال عن علمهم المدني ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ[٨٨]. فالمقصود من عمارة الأرض تحكيم شريعة الله تعالى في أرضه؛ كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ[٨٩].

والقرآن الكريم يربط بين عمارة الأرض والأخذ بهدي الأنبياء- (ع)-، كما أن البعد عن هذا الهدي السماوي يجلب فيما يجلب التعاسة والحروب، وسقوط الحضارة.

يقول تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ[٩٠].[٩١]

خلق الإنسان

يعد خلق الإنسان آيةً من آيات الله عز وجل العظيمة، خصوصاً إذا علمنا أن عملية الخلق هذه قد مرت بمراحل عديدةٍ وأطوار مختلفة.

قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً[٩٢].

ومن الواضح أنه قبل عملية الخلق هذه، قد أتى على الإنسان حينٌ من الدهر لم يكن فيه الإنسان شيئاً مذكوراً، فأوجده الله بعد أن لم يكن موجوداً، كما في قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً[٩٣].

وقوله عز وجل: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً[٩٤].[٩٥]

وقد خلق الله عز وجل الإنسان على أربعة أوجهٍ:

  1. خلق آدم (ع) من غير ذكرٍ ولا أنثى.
  2. خلق حواء من ذكرٍ بلا أنثى.
  3. خلق المسيح عيسى ابن مريم عليهما السلام من أنثى بلا ذكر.
  4. خلق سائر البشر من ذكر وأنثى.[٩٦]

خلق آدم (ع)

أخبر الحق سبحانه وتعالى عن خلق آدم (ع) في مواضع عديدة من القرآن الكريم، وكذلك ورد الحديث عن خلق آدم في أحاديث النبي (ص)، ومن خلال الآيات القرآنية الكريمة وأحاديث المصطفى (ص) في خلق آدم (ع) يمكن أن نقول بأن «خلق آدم (ع) مر في ثلاثة أطوارٍ رئيسةٍ هي:

  1. طور التخليق.
  2. طور التصوير.
  3. طور نفخ الروح» [٩٧].

الطور الأول: طور التخليق.

ويتضمن أربع مراحل رئيسةٍ هي:

المرحلة الأولى: التراب.

يعد التراب المرحلة الأولى والبداية الحقيقية لخلق الإنسان الأول، أي: آدم (ع).

قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[٩٨]. فهذه الآية صريحة في أن آدم (ع) خلق من تراب، فالهاء في قوله: ﴿خَلَقَهُ تعود على آدم (ع) .

المرحلة الثانية: من طينٍ.

وهذه هي المرحلة الثانية التي يصير فيها التراب طيناً.

قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ[٩٩].

وقال سبحانه: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ[١٠٠]. والطين ناتج عن خلط التراب بالماء. ويلاحظ أن هذا الطين بالنسبة للإنسان الأول، وهو آدم (ع)، كان: طيناً لازباً. يصور ذلك قوله سبحانه: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ[١٠١].

واللازب: هو الثابت شديد الثبوت [١٠٢].

المرحلة الثالثة: خلقه من حمأ مسنونٍ.

بعد ذلك يتغير الطين اللازب إلى أن يصير طيناً متغير الرائحة أسود، وهو ما سماه القرآن الكريم بالحمأ المسنون، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ[١٠٣].

المرحلة الرابعة: خلقه من صلصالٍ كالفخار.

والمراحل السابقة مجتمعة أدت إلى مرحلة الصلصال هذه: قال تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ[١٠٤].

والصلصال: الطين اليابس الذي تسمع له صلصلة، أي: صوتٌ إذا قرع بشيء [١٠٥].

وهذا الصلصال يشبه الفخار إلا أنه ليس فخاراً؛ لأن الفخار مطبوخ بالنار بخلاف الصلصال، فهو طين يابس غير مطبوخ بالنار.

هذا هو الطور الأول: طور التخليق، بمراحله الأربعة السابق ذكرها.

الطور الثاني: طور التصوير.

يقول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ[١٠٦]. ويلاحظ من خلال هذه الآية الكريمة أن مرحلة التصوير ثانية بعد الخلق، حيث عطفت جملة صورناكم بحرف (ثم) الدالة على تراخي رتبة التصوير عن رتبة الخلق [١٠٧].

الطور الثالث: طور نفخ الروح.

بعد أن سوى الله عز وجل الإنسان الأول وصوره، وهو آدم (ع) أراد أن يبث فيه الحياة، نفخ فيه من روحه، فصار بشراً حياً. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ[١٠٨].

والنفخ: إجراء الريح في الشيء؛ وإنما سمى إجراء الروح فيه نفخاً؛ لأنها جرت في بدنه مثل جري الريح فيه [١٠٩].[١١٠]

خلق حواء

لما خلق الله عز وجل آدم (ع) خلق له زوجه حواء عليها السلام.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً[١١١].

وقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا[١١٢].

وقال جل شأنه: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ[١١٣].

فدلت هذه الآيات الكريمات على أن آدم (ع) قد خلق أولا، وأن حواء قد خلقت بعده. حيث ذكر جمهور المفسرين أن المراد ب (النفس الواحدة): آدم (ع)، والمراد بقوله تعالى: (زوجها): حواء عليها السلام [١١٤].

وقد اختلف العلماء في كيفية خلق حواء على قولين مشهورين، وهما:

القول الأول: وهو قول جمهور المفسرين، حيث ذهبوا إلى أن الآيات الكريمات قد نصت على أن حواء خلقت من آدم كما يقتضيه ظاهر قوله: ﴿مِنْهَا، ولهذا قالوا بأن (من) في قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا للتبعيض، ومعنى التبعيض أن حواء خلقت من جزءٍ من آدم (ع) [١١٥].

واختلفوا في الجزء الذي خلقت منه حواء على قولين:

الأول: قالوا بأنها خلقت من ضلع آدم، وممن قال بهذا الرأي: جماعةٌ من مفسري السلف رضوان الله عليهم.

واحتجوا عليه بقول النبي (ص): «إن المرأة خلقت من ضلعٍ، لن تستقيم لك على طريقةٍ، فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوجٌ، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها» [١١٦].

الثاني: قالوا بأنها خلقت من بقية الطينة التي خلق منها آدم.

وقد حكى هذا القول ابن عاشور [١١٧]، وشهاب الدين الخفاجي في (حاشيته على تفسير البيضاوي) [١١٨]،وابن عادل في تفسيره (اللباب في علوم الكتاب) [١١٩].

القول الثاني: وهو اختيار أبي مسلمٍ الأصفهاني، أن المراد من قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا أي: من جنسها.

وهو كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً[١٢٠].

وكقوله: ﴿إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ[١٢١].

وقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ[١٢٢][١٢٣].

والراجح - والله أعلم- أن حواء خلقت من جنس خلق آدم (ع) أي: من نفس العناصر التي خلق منها آدم، فالله خلق حواء من نفس نوع آدم كما خلق لنا من أنفسنا أزوجا.

قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ[١٢٤].

وأما ما جاء في الحديث (إن المرأة خلقت من ضلع) فلا يدل على أنه ضلع آدم، إنما يحمل على جهة التمثيل لاضطراب أخلاقهن، وكونهن لا يثبتن على حالة واحدة، أي: صعبات المراس، فهي كالضلع العوجاء، كما جاء ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ[١٢٥].

ويؤيد هذا قوله (إن المرأة) فأتى بالجنس، ولم يقل حواء [١٢٦].[١٢٧]

خلق عيسى (ع)

يعد خلق عيسى (ع) من أم بلا أب معجزةً دالةً على عظيم قدرة الله التي لا تحدها حدود ولا يقف أمامها مانع ليظهر للناس أنه عز وجل على كل شيءٍ قدير. وقد تحدث القرآن الكريم عن خلق عيسى (ع) وحكى مراحل حياته المختلفة، وسأقتصر في حديثي عن خلق عيسى (ع) على أمرين:

الأول: البشارة بعيسى (ع).

والثاني: الحمل بعيسى (ع).

وفيما يأتي بيان لهذين الأمرين.

أولا: البشارة بعيسى (ع).

قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ[١٢٨]

وقال سبحانه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِياً قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِياً قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِياً قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِياً قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِياً[١٢٩]

لما بلغت مريم عليها السلام مبلغ النساء، خرجت ذات يومٍ من محرابها، وسارت جهة شرقي بيت المقدس، فبينما هي تسير، وقد ابتعدت عن أهلها وقومها،إذ فاجأها شاب وضيء الوجه، حسن الصورة، مستوي الخلق، ففزعت واضطربت وخافت على نفسها منه، ثم قالت له: ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِياً[١٣٠].

ولم يكن في خاطرها أنه ملك كريم، هو جبريل الأمين (ع) تمثل لها في صورة إنسان.قال سبحانه: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِياً[١٣١]

قال أبو حيان في تفسيره: «وإنما مثل لها الملك في صورة الإنسان لتستأنس بكلامه، ولا تنفر عنه، ولو بدا لها في الصورة الملكية لنفرت، ولم تقدر على استماع كلامه، ودل على عفافها وورعها أنها تعوذت من تلك الصورة الجميلة الفائقة الحسن، وكان تمثيله على تلك الصفة ابتلاءً لها وسبراً لعفتها» [١٣٢].

وحين ظهر لمريم بعد ذلك أن الذي عرض لها في خلوتها ليس بشراً إنما هو ملك كريم، أنست واستبشرت به، ولكنها تعجبت من قوله حين بشرها بالغلام: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِياً[١٣٣] فهي امرأة بكر لم تتزوج ولم يقربها أحد من الرجال، ولا تزال عذراء. وهي عفيفة لم تقارف إثماً، فكيف يمكن أن يأتيها غلام مع عدم اتصال رجل بها؟! ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِياً[١٣٤]

وقد كان جوابه لها أنها إرادة الله ومشيئته، فهو جل ثناؤه لا يعجزه شيء، وإذا أراد أمراً فإنما يقول له كن فيكون، ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْراً مَقْضِياً[١٣٥].

وقال سبحانه في آية أخرى: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[١٣٦]. ي: كمثل هذا الخلق البديع يخلق الله ما يشاء، فإن من شأنه الاختراع والإبداع [١٣٧].

ثانياً: الحمل بعيسى (ع).

بعد أن سكنت مريم لأمر الله ورضيت بقضاء الله، وأيقنت أن تلك إرادة الله وحكمته، نفخ فيها روح القدس، كما قال تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ[١٣٨].

وقال سبحانه: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ[١٣٩]

فالذي عليه الجمهور من العلماء: أن المراد بذلك النفخ: نفخ جبريل فيها بإذن الله فحملت، ولا ينافي ذلك إسناد الله جل وعلا النفخ المذكور لنفسه في قوله: ﴿فَنَفَخْنَا؛ لأن جبريل إنما أوقعه بإذنه وأمره ومشيئته، وهو تعالى الذي خلق الحمل من ذلك النفخ؛ فجبريل لا قدرة له على أن يخلق الحمل من ذلك النفخ، بل من أجل كونه بإذنه ومشيئته وأمره تعالى. وذكر المفسرون أن جبريل (ع) لما نفخ في جيب درعها، نزلت النفخة إلى فرجها فحملت من فورها . قال تعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِياً[١٤٠].

واختلف العلماء في مدة الحمل على أقوال مضطربة متناقضة لا حاجة إلى ذكرها، والصحيح أنها حملت به حملاً طبيعياً كما تحمل سائر النساء، ووضعته كما تضع النساء.

وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ[١٤١]. بينت هذه الآية الكريمة أن عيسى (ع) خلق بأمرين: بكلمة من الله، وروح منه.

الأمر الأول: خلق عيسى (ع) بكلمة الله (كن).

جاء في محكم التنزيل: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[١٤٢]. وبهذا يتبين أن الله سبحانه وتعالى خلقه بكلمةٍ منه، وهي (كن)، كما خلق آدم، وكان عيسى بهذا كلمة الله ؛ لأنه خلقه بها [١٤٣]. وقال سبحانه: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ[١٤٤].

إن الكلمة من الله المذكورة في الآية مفسرة بأنها المسيح عيسى ابن مريم، بدليل أن الضمير في كلمة (اسمه) جاء مذكراً مع أنه يعود على مؤنث (كلمة)، فلم يقل: بكلمة منه اسمها المسيح؛ لأن المراد بالكلمة مذكر، وهو عيسى (ع)، فذكر مراعاة للمعنى [١٤٥].

الأمر الثاني: خلق الله عيسى (ع) بروح من الله.

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ[١٤٦].

ذكر الإمام فخر الدين الرازي وجوه اختلاف أهل العلم في تأويل قوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ:

الأول: أنه جرت عادة الناس أنهم إذا وصفوا شيئاً بغاية الطهارة والنظافة قالوا: إنه روحٌ، فلما كان عيسى لم يتكون من نطفة الأب وإنما تكون من نفخة جبريل - (ع)- لا جرم وصف بأنه روح، والمراد من قوله (منه) التشريف والتفضيل، كما يقال: هذه نعمةٌ من الله، والمراد كون تلك النعمة كاملة شريفة.

الثاني: أنه كان سبباً لحياة الخلق في أديانهم، ومن كان كذلك وصف بأنه روحٌ. قال تعالى في صفة القرآن: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا[١٤٧].

الثالث: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ أي رحمة منه، قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ[١٤٨]. أي: برحمة منه، فلما كان عيسى رحمة من الله على الخلق من حيث إنه كان يرشدهم إلى مصالحهم في دينهم ودنياهم لا جرم سمي روحاً منه.

الرابع: أن الروح هو النفخ في كلام العرب، فإن الروح والريح متقاربان، فالروح عبارة عن نفخة جبريل، وقوله (منه) يعني أن ذلك النفخ من جبريل كان بأمرٍ الله وإذنه فهو منه، وهذا كقوله: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا[١٤٩].

والراجح - والله أعلم- هو القول الأول، حيث إن عيسى (ع) سمي روحاً لكونه نشأ من الروح مباشرةً، ولأنه غلبت عليه الروحانية، وإن كان بشراً كسائر البشر، يأكل ويشرب، ويمشي في الأسواق، و(من) هنا للابتداء، أي: أن الروح مرسل من عند الله تعالى، ونفخ بإذنه [١٥٠]. ويؤيد ذلك أن الآية جاءت في معرض الرد على النصارى الذين غالوا في المسيح (ع).[١٥١]

خلق سائر بني آدم

بعد أن خلق الحق سبحانه وتعالى الإنسان الأول وهو آدم (ع)، وخلق منه زوجه حواء عليها السلام بين لنا في كتابه العزيز أطوار خلق ذرية آدم ؛ إظهاراً لعظمته سبحانه وتعالى وقدرته، وقد دلت نصوص القرآن الكريم على أن الإنسان يخلق على أطورٍ ومراحل متتاليةٍ. قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً[١٥٢].

وقال سبحانه: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ[١٥٣]، أي: طوراً من بعد طورٍ.

ولقد تعرض القرآن الكريم إلى أطوار خلق الإنسان بأساليب مختلفةٍ، فمرةً يذكر أطوار الخلق كلها، وأخرى يكتفي بذكر طورٍ واحدٍ أو طورين، فالقرآن تناول الخلق في كل مرةٍ من زاويةٍ؛ لتكتمل الصورة، وذلك لحكمةٍ بيانيةٍ وبلاغيةٍ، لما يحققه هذا الأسلوب من العبرة والموعظة في إثبات القدرة الإلهية في مخلوقاته، والتي يرفضها الملحدون، لقصورٍ عقليٍ أو عنادٍ أو غرورٍ [١٥٤]. ومن خلال تتبع الآيات القرآنية المتعلقة بأطوار خلق الإنسان، نجد أن القرآن الكريم حدد أطوار خلق الإنسان الأساسية في ثلاثة أطوارٍ [١٥٥]:

الطور الأول: طور النطفة.

النطفة- بضم النون- في لغة العرب: تعني القليل من الماء، وقيل: الماء القليل يبقى في القربة، وقيل: هي الماء الصافي قل أو كثر، والجمع نطفٌ ونطافٌ [١٥٦]. وقد ورد التعبير بالنطفة في اثني عشر موضعاً من كتاب الله [١٥٧].

والنطفة أنواع ثلاثة:

نطفة الذكر: وهي الحيوانات المنوية الموجودة في المني.

نطفة الأنثى: وهي البويضة.

النطفة الأمشاج: وهي النطفة المختلطة من الحيوان المنوي الذي يلقح البويضة [١٥٨].

مراحل تكوين النطفة:

يبدأ مصطلح النطفة من الحيوان المنوي والبويضة، وينتهي بمرحلة الحرث والانغراس، وتمر النطفة خلال تكونها بمراحل، أطلق القرآن الكريم على كل مرحلةٍ منها تسمية تتناسب مع تلك المرحلة، والمراحل التي تمر بها النطفة أربع [١٥٩]، وهي:

أولاً: مرحلة الماء الدافق.

ثانياً: مرحلة السلالة.

ثالثاً: مرحلة النطفة الأمشاج.

رابعاً: مرحلة الحرث.

المرحلة الأولى من مراحل طور النطفة: مرحلة الماء الدافق.

قال تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ[١٦٠]

الدفق في كلام العرب صب الماء، وهو متعدٍ، يقال: دفقت الكوز فاندفق، وهو مدفوق.وأهل الحجاز يطلقون صيغة فاعل على المفعول كقولهم: هذا سرٌ كاتمٌ (أي مكتوم)، وهمٌ ناصبٌ (أي منصوب) [١٦١].

و﴿دَافِقٍ بمعنى مدفوق، اسم الفاعل بمعنى مفعول [١٦٢]. وقال الخليل وسيبويه: هو على النسب ك(لابن، وتامر)، أي: ذي دفق وهو صادق على الفاعل والمفعول.

والراجح والله أعلم أن المراد: ماء ذي دفق؛ لأن تفسيرها على مدفوقٍ، يعد من صرف اللفظ عن ظاهره، فهم اعتبروا أن الماء الدافق مفعولاً وليس فاعلاً. ولكن الحقيقة أن للماء - بإذن الله- قوة دفق ذاتية. فهو بذلك فاعل وليس مفعولاً [١٦٣]. فالدافق هو المندفق بشدة قوته [١٦٤]. وقد أثبت العلم الحديث أن المنويات التي يحتويها ماء الرجل لابد أن تكون حيوية متدفقة متحركة كشرط أساسي للإخصاب. وأثبت العلم أيضاً أن ماء المرأة الذي يحمل البويضة يخرج متدفقاً إلى قناة الرحم (فالوب)، وأن اندفاعة البويضة لابد أن تكون حيوية متدفقة حتى يتم الإخصاب [١٦٥].

والمراد بالماء الدافق عند المفسرين: مني الرجل ومني المرأة، وعبر عنهما بماء وهو مفرد؛ لأن الإنسان مخلوقٌ منهما، ولكن جعلهما ماءً واحداً لامتزاجهما [١٦٦].

وقد وصف الله سبحانه وتعالى هذا الماء في آياتٍ أخرى بأنه ماء مهينٌ ضعيفٌ ليس كالماء العادي المنطلق، قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ[١٦٧]. وقال سبحانه: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ[١٦٨].

ووصفه الله جل وعلا في آيةٍ أخرى أنه نطفة أي قليل من الماء، قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى[١٦٩]. وقال سبحانه: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَ[١٧٠].

ثم وصف الحق سبحانه وتعالى ذلك الماء الذي هو النطفة، بأنه يخرج من بين الصلب والترائب، ذلك في قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ[١٧١].

والصلب في اللغة: جمعه أصلبٌ وأصلابٌ وهو فقار الظهر، وهو عظم من لدن الكاهل (الكاهل من الإنسان هو مابين كتفه) إلى العجب (أي: أصل الذنب، وهو العصعص). ويقال: هو من صلب فلان: أي من ذريته. والصلب: الشديد، وباعتبار الصلابة والشدة سمي الظهر صلباً [١٧٢].

أما الترائب: فهي جمع تريبة، وقد اختلف في معناها على أقوالٍ [١٧٣].

والراجح- والله أعلم- هو ما ذهب إليه ابن جرير الطبري، وهو قول جمهور المفسرين، أن المراد بالترائب: هو موضع القلادة من الصدر، لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب، وبه جاءت أشعارهم [١٧٤].

والمعنى: يخرج هذا الماء المنصب من موضع العمود الفقري وأضلاع الصدر التي تضع المرأة القلادة عليها [١٧٥].

المرحلة الثانية من مراحل طور النطفة: مرحلة السلالة:

يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ[١٧٦].

هذه الآية تشير إلى المرحلة الثانية التي تمر بها النطفة عبر رحلتها الطويلة من المهبل إلى البويضة ليتم التلقيح وهي مرحلة السلالة. والسلالة في اللغة: على وزن (فعالةٌ)، من سللت الشيء من الشيء: إذا استخرجته منه، والسل: انتزاع الشيء وإخراجه في رفقٍ [١٧٧]. وفعالة تأتي للقليل من الشيء، نحو: القلامة، والنخالة [١٧٨]. والسلالة: الخلاصة، وأصلها ما ينسل ويخلص بالتصفية [١٧٩].

وروي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿مِنْ سُلَالَةٍ قال: صفو الماء [١٨٠]. وقيل في تفسير السلالة إنها خلاصة وأصلها ما يسل ويخلص بالتصفية.

ومن خلال معاني لفظة (سلالة) نستطيع أن نتلمس مدى انطباق هذه المعاني على النطفة (الحيوانات المنوية للرجل والبويضة للمرأة)، فقد ذكر علماء الطب أنه من بين مئات الملايين من الحيوانات المنوية التي توجد عادة في نطفة الرجل، ينسل حيوان واحد فقط منها كلها ليلقح بويضة المرأة التي تنسل هي بدورها من حويصلة البويضة، لتلتقي بسلالة الرجل في أنبوب الرحم. وبذلك تنشأ البويضة الملقحة، ويبدأ الحمل [١٨١]. وهذا هو ما تدل عليه لفظة السلالة من (التصفية والانتقاء) وهذا يؤكد لنا أيضاً دلالة اللفظة على (القلة) فهي عبارة عن جزء يسير جداً من نطفة الرجل والمرأة.

ومن هنا نفهم سر الإعجاز الوارد في قوله (ص): (ما من كل الماء يكون الولد، وإذا أراد الله خلق شيءٍ لم يمنعه شيءٌ) [١٨٢].

فالحديث صريحٌ في أنه ليس من كل الماء يكون الولد، وإنما من جزءٍ يسيرٍ منه [١٨٣].

ولم يكتشف الحيوان المنوي والبويضة إلا في القرن السابع عشر مع اكتشاف المجهر، ولم يعرف دورهما الحقيقي في تكوين الجنين إلا في القرن التاسع عشر. أما القرآن الكريم فقد أعطى الحيوان المنوي والبويضة اسم (السلالة) وهي التسمية الأبلغ والأسهل والأصح علمياً، إذ إنها تعني النخبة المستخلصة والمنسلة من الشيء، وهي من صفات الحيوان المني وميزاتهما [١٨٤].

المرحلة الثالثة من مراحل طور النطفة: مرحلة النطفة الأمشاج.

أشار القرآن الكريم إلى هذه المرحلة من مراحل النطفة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً[١٨٥].

والمشج في اللغة: الخلط، يقال: مشج يمشج مشجاً إذا خلط، والأمشاج: الأخلاط [١٨٦].

قال ابن فارس: «الميم والشين والجيم أصلٌ صحيحٌ، وهو الخلط. ونطفةٌ أمشاجٌ، وذلك اختلاط الماء والدم. ويقال إن الواحد مشجٌ ومشج ومشيج» [١٨٧].

ومن خلال استقراء أقوال أهل التفسير حول معنى (أمشاج) تبين أن أغلبهم متفقون على أن الأمشاج هي الأخلاط من ماء الرجل (الحيوان المنوي) وماء المرأة (بويضتها). ولكن الخلاف الذي وقع بين المفسرين هو في المقصود بذلك الخلط، وكيفيته. وهذه النطفة الأمشاج تعرف علمياً عند بدء تكوينها (بالزيجوت) [١٨٨].

وقد كانت العرب وبعض الأمم تعتقد أن تكوين الجنين إنما يكون من الرجل، وليس للمرأة إلا الحمل والرعاية، وليس كذلك، بل إن الجنين يتكون من عملية التلقيح بين الحيوان المنوي للرجل والبويضة للأنثى ليكونا خلية واحدة تحمل الصفات الوراثية لكل منهما، وهي النطفة التي جاء وصفها في القرآن الكريم ب (النطفة الأمشاج) [١٨٩].

ويمكن تقسيم النطفة الأمشاج إلى:

طور الخلق: وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الطور في قوله تعالى: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ[١٩٠]

طور التقدير: ذكر الحق سبحانه وتعالى التقدير بعد الخلق مباشرة بوصفهما عمليتين متعاقبتين في أول تطورات النطفة الأمشاج، وهذا هو ما يتحقق يقيناً، فبعد ساعات من تخلق إنسان جديد، تبدأ عملية أخرى تتحدد فيها الصفات التي ستظهر على الجنين [١٩١].

المرحلة الرابعة من مراحل طور النطفة: مرحلة الحرث (الانغراس).

هذه المرحلة هي آخر مرحلةٍ في طور النطفة، وبنهايتها تنتقل النطفة الأمشاج لتنغرس في بطانة الرحم بما يشبه انغراس البذرة في التربة في عملية الحرث، وبهذا الانغراس يبدأ طور الحرث، ويكون عمر النطفة حينئذٍ ستة أيامٍ [١٩٢].

والحديث عن مرحلة الحرث يقتضي الحديث عن المكان الذي تستقر فيه النطفة في جسد المرأة، ألا وهو رحم المرأة، وقد وصف الحق سبحانه وتعالى هذا المكان بوصفين جامعين في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ[١٩٣]. وقوله جل وعلا: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ[١٩٤].

هذان الوصفان هما (قرار) و(مكين)، وهما يعبران أتم التعبير عن أهم خصائص الرحم ومميزاته. والقرار: المستقر، وهو موضع الاستقرار، والمراد بالقرار: الرحم، ومكينٌ: أي متمكنٌ قد هيئ لاستقراره فيه إلى بلوغ أمده الذي جعل له [١٩٥].

الطور الثاني: طور التخليق.

ويشمل هذا الطور أربع مراحل هي: العلقة، والمضغة، والعظام، واللحم.

ومن أهم ما يميز هذا الطور هو التكاثر السريع للخلايا ونشاطها الفائق في تكوين الأجهزة، ولأن هذه العمليات التخليقية تتم بسرعة كبيرة، فقد استعمل القرآن الكريم حرف الفاء للربط بين مراحل هذا الطور.

قال تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ[١٩٦]. [١٩٧]

المرحلة الأولى: مرحلة العلقة.

تطلق العلقة في اللغة على عدة معانٍ منها:

التشبث بالشيء، يقال: علق الصيد في الحبلة، وعلق دم فلانٍ بزيدٍ إذا كان زيد قاتله [١٩٨].

دودة في الماء تمص الدم [١٩٩].

الدم الجامد الغليظ [٢٠٠].

وقد ورد ذكر العلقة في القرآن الكريم ست مراتٍ في خمسة مواضع على النحو الآتي:

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ[٢٠١]

وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ[٢٠٢].

وقال جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ[٢٠٣].

وقال عز وجل: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى[٢٠٤].

وقال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ[٢٠٥]

وفي سبب تسميتها بذلك يقول ابن الجوزي: «سميت علقة لرطوبتها وتعلقها بما تمر به، فإذا جفت فليست علقة» [٢٠٦].

ومن خلال تتبع أقوال المفسرين في تفسير معنى العلقة، تبين أن أغلبهم فسروا العلقة بالدم الجامد أو العبيط [٢٠٧].

بيد أنه من المعروف علمياً أن الإنسان لا يمر بمرحلة الدم المتجمد أو كتلة الدم [٢٠٨].

لكن إذا عرفنا أن حجم العلقة عند انغرازها لا يزيد عن ربع مليمتر أدركنا على الفور لماذا أصر المفسرون على أن العلقة هي الدم الغليظ. فالعلقة لا تكاد ترى بالعين المجردة، وهي مع ذلك محاطة بالدم من كل جهاتها، فتفسير العلقة إذن بالدم الغليظ ناتج عن الملاحظة بالعين المجردة، ولم يبعد بذلك المفسرون عن الحقيقة كثيراً، فالعلقة العالقة بجدار الرحم والتي لا تكاد ترى بالعين المجردة محاطةٌ بدمٍ غليظٍ يراه كل ذي عينين [٢٠٩].

وبعد أن تقدم العلم لاحظ العلماء أيضاً أن الجنين في هذه المرحلة يفقد شكله المستدير ويستطيل حتى يأخذ شكل دودة العلقة، وفي هذه المرحلة يتشبث الجنين بالمشيمة بواسطة ساقٍ موصلةٍ تصبح فيما بعد هي الحبل السري وهو ما يتفق مع معنى (التشبث بالشيء) [٢١٠].

وبهذا نلاحظ أن لفظة (علقة) جاءت مطلقةً في القرآن الكريم لتشتمل على كل المعاني اللغوية السابقة، حيث إن اسم (علقة) يتسع ليشمل وصف الهيئة العامة للجنين كدودة العلقة، كما يدل لفظ (علقة) على تعلق الجنين بالمشيمة. كذلك نجد أن المظهر الخارجي للجنين وأكياسه يتشابه مع الدم المتخثر الجامد الغليظ [٢١١].

المرحلة الثانية: مرحلة المضغة.

المضغة في اللغة: فعلةٌ من مضغ، وهي تطلق على عدة معانٍ منها:

الشيء الذي لاكته الأسنان [٢١٢].

الشيء الصغير من المادة، مأخوذةٌ من قولنا: مضغ الأمور، أي صغارها [٢١٣].

القطعة من اللحم قدر ما يمضغ [٢١٤].

وقد ورد ذكر المضغة في القرآن الكريم ثلاث مراتٍ في موضعين على النحو الآتي:

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ[٢١٥].

وقال سبحانه: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ[٢١٦].

وفي سبب تسميتها بذلك يقول ابن قتيبة: «وسميت بذلك؛ لأنها بقدر ما يمضغ، كما قيل: غرفة لقدر ما يغرف» [٢١٧].

وقد فسرت المضغة بقطعة اللحم الصغيرة بقدر ما يمضغ [٢١٨]، وهو ما يتطابق مع المعاني اللغوية، وقد أوضح علم الأجنة الحديث مدى الدقة في اختيار القرآن الكريم لتسمية (مضغة) من حيث ارتباطها بالشكل الخارجي للجنين، وتركيباته الداخلية الأساسية. فقد وجد أنه بعد تخلق الجنين والمشيمة في هذه المرحلة، فإن الجنين يتلقى الغذاء والطاقة، وبذلك تتزايد عملية النمو بسرعةٍ، ويبدأ ظهور الكتل البدنية المسماة فلقات، والتي تتكون منها العظام والعضلات. ونظراً لتعدد الفلقات التي تتكون، فإن الجنين يبدو وكأنه مادةٌ ممضوغة عليها طبعات أسنانٍ واضحة [٢١٩].

أطوار المضغة: يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ[٢٢٠]. يتضح من هذه الآية أن هناك طورين للمضغة هما، الأول: طور المضغة المخلقة. والثاني: طور المضغة غير المخلقة.

وقد اختلف المفسرون في تفسير قوله تعالى: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ، وهل هي من صفات النطفة أم من صفات المضغة [٢٢١]. والراجح- والله أعلم- أن معنى مخلقة، أي: تامة، وغير مخلقة، أي: غير تامة، وأن هذا من صفات المضغة، لأن ذلك تطورٌ من تطورات المضغة، والتخليق صيغةٌ تدل على تكرير الفعل، أي خلقاً بعد خلقٍ، والنطفة لا يمكن وصفها بذلك، كما أن تفسير (المخلقة) بتامة الخلق أو مستبينة الخلق، و(غير المخلقة): بغير ذلك، هو المشهور من كلام العرب.

المرحلة الثالثة: مرحلة العظام.

هذه المرحلة من أطوار خلق الإنسان وردت في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ[٢٢٢]

العظام: جمع عظمٍ، وهو ما منه تركيب الجسد للإنسان والدواب [٢٢٣]. والعظام المرادة في الآية هي عظام الجنين، جعلها سبحانه متصلبة ؛ لتكون عموداً للبدن على أشكال مخصوصة [٢٢٤].

وفي قوله تعالى: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً نلاحظ أن استعمال حرف (ف) يشير إلى أن مرحلة العظام تنمو بعد مرحلة المضغة بفترةٍ قصيرةٍ؛ لأن حرف الفاء يفيد الترتيب والتعقيب، بخلاف حرف (ثم) الذي يفيد الترتيب والتراخي [٢٢٥].

والمعنى: أن المضغة بعد أن تخلقت، وتميزت أجزاؤها، جعلها الله تعالى عظاماً، أي: جعل من هذه المضغة عظاماً صلبةً تتحمل [٢٢٦].

ومن ثم فإن المضغة لا تتحول كلها إلى عظامٍ- كما ذكر ذلك بعض المفسرين-، وإنما يتحول جزءٌ منها فقط، وهذا متفقٌ مع ما كشفه علم الأجنة. قال الألوسي وأبو السعود: قوله تعالى: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ أي: غالبها ومعظمها أو كلها [٢٢٧].

المرحلة الرابعة: مرحلة اللحم.

بعد خلق العظام تأتي مرحلةٌ تاليةٌ تتميز بكساء جميع العظام باللحم من كل الجهات، فبذلك يتغير شكل الجنين، ويصير هنالك تناسقٌ بين الأعضاء، وهو ما عبر عنه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً. أي: فأنبتنا عليها اللحم فصار لها كاللباس [٢٢٨].

ومن خلال تتبع أقوال المفسرين نلاحظ أنهم لم يخوضوا في تفصيلات إنبات اللحم على العظم، وإنما اكتفوا بما ذكرناه أو نحواً منه بإيجاز شديد.لكن السؤال الذي يرد هنا، هل هذا اللحم من لحم المضغة أم لحماً آخر خلقه الله على العظام؟

ذكر الألوسي قولين في تفسيره:

  1. أن ذلك اللحم يحتمل أن يكون من لحم المضغة بأن لم تجعل كلها عظاماً، بل بعضها ويبقى البعض فيمد على العظام حتى يسترها.
  2. يحتمل أن يكون لحماً آخر خلقه الله تعالى على العظام من دمٍ في الرحم [٢٢٩].

هذان القولان مبنيان على ما سبق ذكره من كون بعض المفسرين ذهب إلى أن المضغة كلها تتحول إلى العظام، وبعضهم ذهب إلى أن التحويل يكون لجزءٍ منها. وقد مال البيضاوي إلى القول الأول قائلاً: «قوله تعالى: ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً مما بقي من المضغة، أو مما أنبتنا عليها مما يصل إليها» [٢٣٠].

الطور الثالث: طور النشأة.

قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ[٢٣١]. والإنشاء كما ذكر الراغب: إيجاد الشيء وتربيته [٢٣٢]. والإنشاء هو الإحداث حالاً بعد حالٍ من غير احتذاء على مثال، ومنه يقال: نشأ الغلام وهي ناشئ: إذا نما وزاد شيئاً فشيئاً، وقال بعضهم: الإنشاء: ابتداء الإيجاد من غير سببٍ [٢٣٣].

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ بيان لما انتهت إليه أطوار خلق الإنسان، أي: ثم صيرنا هذا الإنسان بشراً سوياً، بعد أن كان نطفةً، فعلقةً، فمضغةً، فعظاماً، فلحماً يكسو هذه العظام، وهذا كله يدل على كمال قدرة الله تعالى وعلى أنه حق، إذ قدرته- سبحانه- لا يعجزها شيء [٢٣٤]. وعليه: فقد صير الله تعالى هذا الإنسان خلقاً مبايناً للخلق الأول، حيث جعله حيواناً، وكان جماداً،وناطقاً وسميعاً وبصيراً، وكان بضد هذه الصفات [٢٣٥].[٢٣٦]

الإنسان بين الإيمان والكفر

خلق الله عز وجل الإنسان وسواه بيده، ونفخ فيه من روحه، وكرمه وفضله على كثيرٍ من المخلوقات.

قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً[٢٣٧].

وكان من مظاهر تشريف وتكريم الله للإنسان تكليفه، ومنحه نعمة العقل التي بها يوازن بين ما ينفع وما يضر، وبها يتلقى دعوات الأنبياء وما نزل به الوحي من السماء، وجعله مختاراً يستطيع أن يختار بين البدائل ما يشاء دون قسرٍ أو إجبارٍ، فله حرية الاختيار بين الخير والشر، وبين الحق والباطل، وبين الانضواء في حزب الله أو حزب الشيطان.

وتظهر جلياً حرية الاختيار التي ميز الله بها الإنسان، من خلال قصة آدم (ع) الذي كان يملك القدرة على الاختيار بين طاعة الله ومعصيته.

قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لّا يَبْلَى فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى[٢٣٨]

فالخطاب الموجه من الله تبارك وتعالى لآدم (ع) يدل دلالةً واضحةً على أنه موجه لمن يتمتع بحرية الاختيار، ولمن يمتلك الاستعداد نحو الطاعة والمعصية، ولمن هو موضع التكليف، ولذلك مارس آدم (ع) كامل حريته، وعصى الله، فالحرية مغروسةٌ في فطرة الإنسان منذ خلق الله تعالى آدم (ع) [٢٣٩].

فالله تعالى أودع في الإنسان استعدادات وقدرات للتمييز بين الخير والشر وبين الهدى والضلال، ومن الآيات الدالة على فطرية الحرية الإنسانية.

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ[٢٤٠].

وقوله سبحانه: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً[٢٤١].

وقوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا[٢٤٢].

وقوله عز وجل: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ[٢٤٣].

وقوله سبحانه: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ[٢٤٤].

وبناءً على ذلك فالإنسان حرٌ في اختيار نوع الطريق الذي يسلكه في الحياة الدنيا، فإما أن يختار طريق الحق والاستقامة أو أن يختار طريق الغواية والضلال[٢٤٥]، لكن الحق سبحانه وتعالى إذ جعله مختاراً لم يتركه سدًى، وإنما أرسل له الرسل وأنزل له الكتب وأرشده إلى الطريق الصحيح.

وقد جعل الحق سبحانه وتعالى طبيعة الإنسان صالحةً للميل إلى الخير كما أنها صالحة للميل إلى الشر، فقال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا[٢٤٦].

وقال سبحانه: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً[٢٤٧].

وقرن سبحانه صلاحية طبيعته للفجور والتقوى بمنحه القدرة على تحقيق ما تميل إليه نفسه، وبين له أن نتيجة اختياره وثمرة عمله ستعود عليه، ومن نوع ما عمل.

قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا[٢٤٨]. [٢٤٩]

وإذا كانت طبيعة الإنسان صالحةً للميل إلى الخير وللميل إلى الشر، فإن الميل إلى الخير هو الجانب الأغلب في هذه الطبيعة، حيث إن الله عز وجل فطر الإنسان على الإخلاص والتوحيد إذ هو ما تقتضيه العقول السليمة.

قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا[٢٥٠].

وإنما كفر من كفر لعارضٍ أخرجه عن أصل فطرته، كما قال رسول الله (ص): «ما من مولودٍ إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه»[٢٥١].

﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ[٢٥٢].

يعني يخلق الله الفطرة التي خلق الناس عليها من الإيمان، ومعنى أن الله لا يبدلها أي: لا يخلق الناس على غيرها، ولكن يبدلها شياطين الإنس والجن بعد الخلقة الأولى [٢٥٣].

وليس معنى قول الرسول (ص): «ما من مولودٍ إلا يولد على الفطرة» أنه يخرج من بطن أمه وهو يعلم هذا الدين ويعرفه، ولكن المراد أن فطرته موجبةٌ ومقتضيةٌ لمعرفة كل ما هو حقٌ، فقد صرح القرآن أن الإنسان يولد وهو لا يملك من المعرفة شيئاً، ثم يتم اكتساب مهارات وقيم من خلال أدوات الطاقة التي منحه الله تعالى إياها.

قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ[٢٥٤].

كما بين القرآن أن الإنسان إذا بلغ مبلغ الرشد، وأصبح مسئولاً عن تصرفاته فإنه ينقسم- بسبب اختياره وإرادته- إلى مؤمنٍ وكافرٍ، أو طائعٍ وعاصٍ، أو مهتدٍ وضالٍ، وتلك هي المرحلة التي نراها في كثيرٍ من آيات الله البينات، وقد حكم على الإنسان فيها بأحد الوصفين [٢٥٥].

ويلاحظ أن القرآن الكريم في تقسيمه الإنسان إلى مؤمنٍ وكافرٍ، إنما يفعل ذلك بعد أن يذكر بعض النعم التي أسبغها على عباده جميعاً مما يستلزم الشكر والاعتراف بالجميل والإقرار بالفضل.

ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً[٢٥٦].

نلمس المساواة بين الأفراد جميعاً في كل ما ذكر، ونجد أن النعم التي تحدث القرآن عنها لا دخل للفرد فيها، ولا إرادة له في الحصول عليها أو الحرمان منها، وإنما هي هبةٌ من الله له، أما ما بعد ذلك من قوله سبحانه في الآية نفسها: ﴿إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً فهو ينطق بإسناد الشكر أو الكفر إلى الإنسان، وهو ما يحقق التفرقة بين من يعترف بالجميل ومن يجحد الفضل ولا يقدر النعمة.

وفي قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ[٢٥٧]. لا تخطئ المساواة التامة في ذلك بين أفراد النوع كله.

لكن التفرقة جاءت في قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ[٢٥٨].

وهي تفرقةٌ مشروعةٌ ومسببة.

وفي قوله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً[٢٥٩].

تبرز المكانة التي أعدها الله لهذا الإنسان في هذه الحياة، وهي مرحلة الاختبار والابتلاء، وكما قرر القرآن وقررت الأديان السماوية جميعاً، لا بد من نتيجةٍ لهذه المرحلة.

ولا بد من تفرقةٍ بين من شكر النعمة ومن جحد بها وأنكرها، وهو ما نجده في الآيتين التاليتين: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَؤُونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً[٢٦٠].

وفيما قصه القرآن الكريم من شأن آدم (ع) نجد هذا المنهج واضحاً جلياً، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ[٢٦١].

وقوله عز وجل: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى[٢٦٢].

فهداية الله إلى عباده والممثلة في رسالاته وهديه عامةٌ وشاملة، أما أثر هذه الهداية في الناس فيختلف باختلاف موقفهم منها وعليهم تبعات هذا الموقف. وهذا الذي وجه إلى آدم (ع) في أول عهد الإنسان بالحياة، وجه إلى ذريته كذلك يقول جل شأنه: ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ[٢٦٣]. [٢٦٤]

ويلاحظ أنه ما من أمةٍ بعث الله إليها رسولاً إلا انقسم أهلها قسمين لا ثالث لهما: مؤمن وكافر، وإن تفاوتت درجاتهم في الدنيا واختلفت درجاتهم ودركاتهم في الآخرة. فالمؤمنون منهم السابقون، ومنهم أصحاب اليمين ؛ والكافرون تختلف دركاتهم، فالمنافقون في الدرك الأسفل من النار، حيث يعلوهم إخوانهم الكفار.

قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ[٢٦٥].

بين سبحانه أنه ما ترك أمةً من غير نذيرٍ، بل بعث في كل أمةٍ رسولها بالحق، وهذا من رحمة الله بعباده، حيث لم يتركهم دون عون لهم في صراعهم المستمر طول وجودهم في هذه الحياة، بل أنار أمامهم الطريق وتعهدهم في أطوار حياتهم بالرسالات التي بينت لهم ما تتطلبه الحياة الصالحة في كل عصر.

قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ[٢٦٦].

وقد تلقى الناس رسالة الرسل الهادية المرشدة ما بين مهتد مؤمن، وما بين ضالٍ قد حقت عليه الضلالة.

﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ أي: فممن بعثنا فيهم رسلنا من هدى الله، فوفقه لتصديق رسله والقبول منها، والإيمان بالله، والعمل بطاعته، ففاز وأفلح، ونجا من عذاب الله، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ أي: وممن بعثنا رسلنا إليه من الأمم، آخرون حقت عليهم الضلالة فجاروا عن قصد السبيل، فكفروا بالله، وكذبوا رسله، واتبعوا الطاغوت فأهلكهم بعقابه، وأنزل بهم بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين [٢٦٧].

وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ[٢٦٨]. يعني: مؤمنون وكافرون [٢٦٩].

وقد ذكر الله عز وجل هذه الخصومة في قوله: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ[٢٧٠].

وهذا أيضاً دليلٌ واضحٌ جداً، على أنهم كانوا فريقاً واحداً قبل أن يرسل الله إليهم صالحاً مجتمعين على الكفر، ثم انشق منهم فريقٌ آخر وهم نبي الله صالح ومن آمن به، ومن لم يؤمن بقي في الفريق الأول، ولا ثالث لهما.[٢٧١]

صفات الإنسان

وصف الحق سبحانه وتعالى الإنسان بصفاتٍ عديدةٍ في القرآن الكريم، نتوصل من خلالها إلى فهم أنفسنا ومعرفتها، كي نحافظ على الجيد منها، ونعالج الرديء؛ ليستطيع الإنسان أداء رسالته، وهذه الصفات بعضها فطريٌ جبليٌ، وبعضها الآخر مكتسبٌ، وفي المطلبين الآتيين سأتناول تفصيل تلك الصفات.[٢٧٢]

صفاتٌ فطرية

الضعف

وصف الله عز وجل الإنسان بأنه مخلوقٌ ضعيفٌ، فقال تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً[٢٧٣]. أي خلقه الله والضعف ملازمٌ له، وليس الضعف المذكور هو الضعف البدني فقط، بل يشمل الضعف النفسي، وضعف العزيمة والإرادة، وضعف القدرة على الضبط الدائم تجاه دوافع نفسه وغرائزه وشهواته وأهوائه [٢٧٤].

وقال الراغب: ووصف الإنسان بأنه خلق ضعيفاً إنما هو باعتباره بالملأ الأعلى، نحو: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا[٢٧٥].

أو باعتباره بنفسه دون ما يعتريه من فيض الله ومعونته، أو اعتباراً بكثرة حاجاته، وافتقار بعضهم إلى بعض، أو اعتباراً بمبدئه ومنتهاه، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ[٢٧٦].

وأما إذا اعتبر بعقله، وما أعطاه من القوة التي يتمكن بها من خلافة الله في أرضه، ويبلغ بها في الآخرة إلى جواره تعالى فهو أقوى ما في هذا العالم،ولهذا قال تعالى: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً[٢٧٧]

وإذ خلق الله الإنسان ضعيفاً، فقد قضت حكمته عز وجل أن يراعي هذا الواقع فيه، في أحكامه وشرائعه لعباده، وفي أصول وقواعد محاسبتهم ومجازاتهم على أعمالهم، وفي وسائل تربيتهم وتعليمهم.[٢٧٨]

العجلة

قال تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولاً[٢٧٩]. أي في طبعه العجلة في الأمور، فيعجل بسؤال الشر كما يعجل بسؤال الخير.وكما في قوله سبحانه: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ[٢٨٠].

والعجل هو العجلة والتسرع والسبق إلى مخاطر الأمور من غير تفكيرٍ، ومعنى أنه خلق من عجل، المبالغة في عجلته، كما يقال: خلق من كرمٍ مبالغة في الكرم، والعرب قد تسمي المرء بما يكثر فيه. وليس أصل فطرة العجلة من النقائص في تكوين الإنسان الفطري؛ لأنها تمثل في الإنسان عنصراً مهماً من حوافز الجد والعمل، ولكنها تغدو من النقائص حين يسيء الإنسان إدارتها، أو يهملها، إذ المفروض فيها أن تكون خاضعة لعقل الإنسان وإرادته، فإذا انعكس الأمر فصارت هي المسيطرة على العقل والإرادة، اختل توازن الإنسان وجانب سبيل الحكمة في الأمور [٢٨١].[٢٨٢]

الجدل

وصف الله عز وجل الإنسان بأنه أكثر شيءٍ جدلاً، فقال تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً[٢٨٣]. أي: وكان الإنسان بحسب جبلته، أكثر الأشياء التي يتأتى منها الجدل [٢٨٤].

قال الراغب: «الجدال: المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة، وأصله من جدلت الحبل، أي: أحكمت فتله، ومنه الجديل، وجدلت البناء أحكمته، ودرعٌ مجدولةٌ» [٢٨٥].

وذهب الألوسي إلى أن الأليق بالمقام أن يراد به هنا الخصومة بالباطل والمماراة وهو الأكثر استعمالاً [٢٨٦]. والسبب في كون الإنسان أكثر شيءٍ جدلا أن القدرات الفكرية التي زود الله الإنسان بها، قد مكنته من استخدام حيلٍ كثيرةٍ، تعتمد على الإظهار والإخفاء، والمراوغة والمخادعة بمكرٍ عظيمٍ، فهو بذلك قادرٌ على أن يكون طويل النفس في المجادلة بالحق أو بالباطل [٢٨٧].

وقوله: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً[٢٨٨]

هذا وقع في قول الرسول (ص) لعلي بن أبي طالبٍ وزوجه فاطمة حين جاء إليهما ذات ليلةٍ ووجدهما نائمين فقال: (ألا تصليان)، قال علي: «إن أنفسنا بيد الله ولو شاء لأيقظنا»، فانصرف الرسول (ص) وهو يضرب فخذه ويقول: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً[٢٨٩]. [٢٩٠]

ولا شك أن الرسول (ص) يعلم أن أنفسهما بيد الله، والرسول عليه الصلاة والسلام قال في الفريضة: من نام عن صلاةٍ أو نسيها فليصلها إذا ذكرها. فعذر الناسي والنائم وهو يعلم عليه الصلاة والسلام ذلك، ولكنه يريد أن يحثهما، وأراد عليٌ أن يدفع اللوم عنه وعن زوجه فاطمة [٢٩١].[٢٩٢]

التقتير

وصف الله عز وجل الإنسان بأنه قتورٌ في أصل فطرته، فقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُوراً[٢٩٣].

والقتر والتقتير في اللغة: يعني الرمقة من العيش. والإقتار يقصد به: التضييق على الإنسان في الرزق، ولذا يقال: أقتر الله رزقه أي ضيقه وقلله. والقتر: ضيق العيش، يقال أيضاً: قتر الرجل على عياله: أي ضيق عليهم في النفقة [٢٩٤].

وكلمة (قتور) صيغة مبالغةٍ على وزن فعول، وقد جاءت في القرآن دالةً على الإنسان البخيل الشحيح الذي يمسك عن الإنفاق.قال المفسرون في قوله تعالى: ﴿ِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُوراً[٢٩٥] أي: بخيلاً مضيقاً [٢٩٦].

وبين الحق سبحانه وتعالى في آيةٍ أخرى أن بخل الإنسان سببه حبه للمال، فقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ[٢٩٧].

ومما يدل كذلك على أن الشح صفةٌ ملازمةٌ للنفس الإنسانية بوجهٍ عام قوله تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ[٢٩٨].[٢٩٩]

الهلع

وصف الحق سبحانه وتعالى الإنسان بأنه خلق هلوعاً، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً[٣٠٠].

والهلع: بعد الحرص. رجلٌ هلعٌ هلوعٌ هلواعٌ هلواعةٌ: جزوعٌ حريصٌ [٣٠١].وقيل: الهلع: الجزع وقلة الصبر [٣٠٢]، وقيل: الهلع: أفحش الجزع [٣٠٣]، وقيل: الهلوع: الضجور [٣٠٤]، وقيل: الهلوع: الذي يفزع ويجزع من الشر [٣٠٥].

هذا ما فسر به بعض من أئمة اللغة لفظة (الهلع)، ولكن ابن عاشور علق على ما أورده أئمة اللغة قائلاً: «الجزع أثر من آثار الهلع وليس عينه، فإن ذلك لا يستقيم في قول عمرو بن معديكرب [٣٠٦]:

ما إن جزعتُ ولا هلعــتُ ولا يرد بكاي زندا

إذ عطف نفي الهلع على نفي الجزع، ولو كان الهلع هو الجزع لم يحسن العطف، ولو كان الهلع أشد الجزع كان عطف نفيه على نفي الجزع حشواً. والذي استخلصته من تتبع استعمالات كلمة الهلع أن الهلع قلة إمساك النفس عند اعتراء ما يحزنها أو ما يسرها أو عند توقع ذلك والإشفاق منه» [٣٠٧].

وقد فسر أكثر المفسرين وأهل اللغة الهلع الموجود في فطرة الإنسان بأنه ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً[٣٠٨].

فقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وغيرهما عن عكرمة قال: سئل ابن عباس عن الهلوع، فقال: هو كما قال الله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً[٣٠٩].

وأخرج ابن المنذر عن الحسن أنه سئل عن ذلك أيضاً فقرأ الآية. وحكى نحوه عن ثعلب قال: قال لي محمد بن عبد الله بن طاهر: ما الهلع ؟ فقلت: قد فسره الله تعالى ولا يكون تفسير أبين من تفسيره سبحانه، يعني قوله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً[٣١٠]. [٣١١].[٣١٢]

الظلم والجهل

وصف الإنسان بالظلم وبالجهل في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً[٣١٣].

والظلم في اللغة: وضع الشيء في غير موضعه. والظلم: الميل عن القصد، والعرب تقول: الزم هذا الصواب ولا تظلم عنه، أي: لا تجر عنه [٣١٤]. والظلم: الاعتداء على حق الغير، وأريد به هنا الاعتداء على حق الله الملتزم له بتحمل الأمانة، وهو حق الوفاء بالأمانة [٣١٥].

والجهل في اللغة: هو عدم العلم أو هو نقيضه. وفي قوله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ[٣١٦].[٣١٧] والمراد به هنا انتفاء علم الإنسان بمواقع الصواب فيما تحمل به [٣١٨].

قال المفسرون: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً[٣١٩]، أي: إنه كان مفرطاً في الظلم مبالغاً في الجهل-بحسب غالب أفراده- [٣٢٠] حيث حمل الأمانة ثم لم يف بها، وضمنها ثم خان بضمانه فيها [٣٢١].

وصفة الظلم والجهل أصل في الإنسان، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «والإنسان خلق ظلوماً جهولاً ؛ فالأصل فيه عدم العلم، وميله إلى ما يهواه من الشر؛ فيحتاج دائماً إلى علمٍ مفصلٍ يزول به جهله، وعدلٍ في محبته وبغضه، ورضاه وغضبه، وفعله وتركه، وإعطائه ومنعه» [٣٢٢].[٣٢٣]

الطغيان

بين الحق سبحانه وتعالى أن الإنسان من طبيعته الطغيان والتمرد متى رأى نفسه في غنًى، قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى[٣٢٤]. والطغيان في اللغة: مجاوزة الحد في كل شيءٍ، يقال: طغى الماء وطغى السيل إذا جاء بماءٍ كثيرٍ، وطغى البحر: هاجت أمواجه، وطغى الإنسان طغياناً: جاوز القدر في الكبر والمعصية والكفر، وفيه إفراط ومبالغة في الشر والكبر [٣٢٥].

قال ابن عاشور: «التعريف في (الإنسان) للجنس، أي من طبع الإنسان أن يطغى إذا أحس من نفسه الاستغناء، واللام مفيدة الاستغراق العرفي، أي أغلب الناس في ذلك الزمان إلا من عصمه خلقه أو دينه. وعلة هذا الخلق أن الاستغناء تحدث صاحبه نفسه بأنه غير محتاج إلى غيره وأن غيره محتاج، فيرى نفسه أعظم من أهل الحاجة، ولا يزال ذلك التوهم يربو في نفسه حتى يصير خلقاً لا وازع يزعه من دين أو تفكير صحيح، فيطغى على الناس لشعوره بأنه لا يخاف بأسهم» [٣٢٦]. ولما كانت صفة الطغيان ملازمة لمن يرى من الناس أنه استغنى، كان من التربية الربانية للناس أن الله تبارك وتعالى قد جعل الإنسان حبيس الحاجة والافتقار، في كل أمرٍ من أموره، حتى يرجع دائماً إلى ربه [٣٢٧].[٣٢٨]

الكنود

قال جل وعلا: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ[٣٢٩].

والكنود في اللغة: وصف من أمثلة المبالغة من كند، يقال: كند يكند كنوداً: كفر النعمة؛ ورجلٌ كنادٌ وكنودٌ . وقيل: الكنود هو الجحود [٣٣٠].

وأصل الكنود الأرض التي لا تنبت شيئاً، شبه بها الإنسان الذي يمنع الخير ويجحد ما عليه من واجبات [٣٣١]، ولغات العرب مختلفة في معناه، فهو في لغة مضر وربيعة: الكفور بالنعمة، وبلغة كنانة: البخيل، وفي لغة كندة وحضرموت: العاصي. والمعنى: لشديد الكفران لله [٣٣٢].

والتعريف في (الإنسان) تعريف الجنس وهو يفيد الاستغراق غالباً، قال المفسرون: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ: أي طبع الإنسان على كفران النعمة [٣٣٣]، وهذا عارضٌ يعرض لكل إنسانٍ على تفاوت فيه، ولا يسلم منه إلا الأنبياء وكمل أهل الصلاح؛ لأنه عارض ينشأ عن إيثار المرء نفسه وهو أمرٌ في الجبلة لا تدفعه إلا المراقبة النفسية وتذكر حق غيره [٣٣٤].

وروي عن رسول الله (ص) أنه قال: أتدرون ما الكنود؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: الكنود الذي يأكل وحده، ويمنع رفده، ويضرب عبده [٣٣٥]. أي: أنه لا يعطي شيئاً مما أنعم الله به عليه، ولا يرأف بعباده كما رأف به؛ فهو كافر بنعمته، مجانف لما يقضي به العقل والشرع [٣٣٦]. وسر هذه الجبلة- أن الإنسان يحصر همه فيما حضره، وينسى ماضيه، وما عسى أن يستقبله؛ فإذا أنعم الله عليه بنعمة غرته غفلته، وقسا قلبه، وامتلأ جفوة على عباده[٣٣٧].[٣٣٨]

الفرح

الفرح في اللغة: نقيض الحزن، وهو السرور، يقال: فرح يفرح فرحاً: سر وابتهج. وفي ذلك يقول تعالى: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ[٣٣٩].

والفرح أيضاً: البطر، يقال: فرح فلان: أي استخفته النعمة فأبطرته، فهو فرح وفرحان [٣٤٠].

وقد وصف الإنسان في القرآن الكريم بالفرح على سبيل الذم وذلك بصيغة المبالغة (فرح) على وزن (فعل) للدلالة على بطر ذلك الإنسان الجاحد في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ[٣٤١].

فلفظ (فرح) مثال مبالغة، أي: شديد الفرح. وشدة الفرح: تجاوزه الحد والبطر والأشر.

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ[٣٤٢]. [٣٤٣]

فإن قيل ما وجه ذم الإنسان على الفرح وقد وصف الله الشهداء فقال: (فرحين)؟ أجاب عن ذلك ابن الأنباري فقال: إنما ذمه بهذا الفرح؛ لأنه يرجع إلى معنى المرح والتكبر عن طاعة الله.

وذهب بعض المفسرين إلى تمييز الفرح الممدوح من المذموم حسب وروده مقيداً أو مطلقاً في القرآن، فقالوا: إن الفرح إذا جاء مطلقاً فهو مذموم، ولا يأتي ممدوحاً إلا مقيداً بما فيه خير، كقوله: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ[٣٤٤]. [٣٤٥].[٣٤٦]

الفخر

الفخر في اللغة: التمدح بالخصال والافتخار وعد القديم، وهو المباهاة والتعاظم والتكبر، يقال: فخر فخراً وفخاراً، فهو فاخرٌ وفخورٌ: تباهى وتكبر [٣٤٧].

قال الراغب: الفخر: المباهاة في الأشياء الخارجة عن الإنسان كالمال والجاه، ويقال له: الفخر، ورجلٌ فاخرٌ وفخورٌ وفخيرٌ على التكثير [٣٤٨].

وقد وصف الإنسان في القرآن الكريم بالفخر والمباهاة، وذلك بصيغة المبالغة (فخور) على وزن (فعول) ؛ للدلالة على شدة التكبر والتعاظم عند الإنسان الجاحد في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ[٣٤٩].

وفي هذه الآية بيان لحال ذلك الإنسان إذا منحه الله الصحة والسلامة والغنى بعد أن كان في ضرٍ من فقرٍ أو مرضٍ أو خوفٍ، لم يقابل ذلك بما يليق به من الشكر لله سبحانه، بل يقول مباهياً بجحوده: ذهب السيئات، أي المصائب التي ساءته، وأصبح بطراً أشراً، متعاظماً على الناس بما أوتي من النعم مشغولاً بذلك عن القيام بحقها [٣٥٠].

والفخر فيه أمران مفسدان للنفس: الأمر الأول: المطاولة على الغير وغمط الناس حقوقهم. الأمر الثاني: إنكار نعمة المنعم معتقداً أنه مجهوده وعمله وليس بعطاءٍ من الله، وإن التفاخر يوهم صاحبه أنه في حالٍ لم يصل إليها غيره فيتخيل ما ليس عنده، وقد نهى النبي (ص) عن هذا حين قال: (كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير سرفٍ ولا مخيلةٍ)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً[٣٥١].[٣٥٢].[٣٥٣]

صفاتٌ مكتسبةٌ

الكفر

من أبرز وأكثر صفات الإنسان المكتسبة التي وردت في القرآن الكريم، صفة الكفر، وقد وردت خبراً عن الإنسان في ستة مواضع، وهي صفةٌ قبيحةٌ ذمها الله تعالى حتى قال سبحانه: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ[٣٥٤].

والكفر في اللغة: ستر الشيء، ووصف الليل بالكافر لستره الأشخاص،والزراع لستره البذر في الأرض، والكفر: نقيض الإيمان، وقيل: الكفر: كفر النعمة، وهو نقيض الشكر. ويقال: رجل كفار وكفورٌ: أي كافر، والكافر الجاحد لأنعم الله، ويطلق الكافر أيضاً على: البحر، والوادي العظيم، والنهر الكبير، والسحاب المظلم، والدرع [٣٥٥].

وقال بعض أهل العلم: الكفر على أربعة أنحاء: كفر إنكار، وكفر جحود، وكفر معاندة، وكفر نفاق [٣٥٦].

وقد عبر القرآن الكريم عن كفر الإنسان بصيغة المبالغة (كفار) على وزن (فعال) وهي تفيد كثرة المزاولة للفعل وتكراره، و(كفور) على وزن (فعول) وهي تفيد الدلالة على المبالغة مع التجدد والاستمرار [٣٥٧]؛ وذلك للتشنيع على هذا الكفر الذي يقابل به الإنسان نعم ربه عليه.

ومن خلال استقراء أقوال المفسرين للمواضع الستة التي وردت فيها صفة الكفر خبراً عن الإنسان، تبين أن كفر الإنسان في القرآن الكريم نوعان:

النوع الأول: الكفر المقابل للشكر، أو كفران النعمة، كما يدل عليه قوله عز وجل: ﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ[٣٥٨].

وقوله سبحانه: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ[٣٥٩].

وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُوراً[٣٦٠].

وقد قرن القرآن بين الظلم وهذا النوع من الكفر لأنهما يتقاربان في هذا السياق: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ[٣٦١].

والنوع الثاني: الكفر المقابل للإيمان، كما في قوله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً[٣٦٢].

ومن تجليات هذا الكفر عدم إخلاص العبادة لله وحده وإشراك غيره معه: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ[٣٦٣].

وقد بالغ هنا في إظهار فظاعة هذا الكفر حين وصفه بالمبين؛ أي بين الكفر.[٣٦٤]

الفجور

وصف الإنسان في القرآن الكريم بصفة الفجور، وذلك في قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ[٣٦٥].

والفجور في اللغة: الانبعاث في المعاصي، يقال: فجر الإنسان يفجر فجراً وفجوراً: انبعث في المعاصي، وقيل: فجر: إذا ركب رأسه غير مكترث [٣٦٦]. والفجور: فعل السوء الشديد ويطلق على الكذب، ومنه وصفت اليمين الكاذبة بالفاجرة [٣٦٧]. وأصل الفجور: الميل، وسمي الفاسق والكافر: فاجراً، لميله عن الحق [٣٦٨].

والآية الكريمة التي عبرت عن فجور الإنسان تقفنا على حقيقة ذلك الإنسان الكافر الذي يرغب ألا يقيد أهواءه قيدٌ، بل يريد أن يمضي قدماً على معاصي الله ما عاش راكباً رأسه لا ينزع عنها ولا يتوب، ومن ثم فهو ينكر اليوم الآخر لما يترتب على إيمانه به من قيود وضوابط [٣٦٩].[٣٧٠]

المخاصمة

صفة الخصام من صفات الإنسان المكتسبة، وقد عبر عنها القرآن بصيغة المبالغة ﴿خَصِيمً في موضعين؛ في قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ[٣٧١].

وفي قوله جل وعلا: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ[٣٧٢].

خصيمٌ: صيغة مبالغةٍ على وزن (فعيلٌ) بمعنى: شديد الخصومة، أو كثير الخصام، ويجوز أن تكون بمعنى مخاصم، وإتيان الفعيل بمعنى المفاعل كثيرٌ في كلام العرب،كالخليط بمعنى المخالط، والقعيد بمعنى المقاعد، والجليس بمعنى المجالس، ونحو ذلك، ومعنى (خصيمٌ) جدول بالباطل [٣٧٣]. ومبينٌ: اسم فاعل أبان اللازمة، بمعنى بان وظهر [٣٧٤]. ومعنى المبين: المظهر لما يقوله، الموضح له بقوة عارضته وطلاقة لسانه [٣٧٥].

وجاء التعقيب في الموضعين بذكر هذه الصفة بعد الحديث عن خلق الإنسان، والتنبيه على أن الله عز وجل خلقه من نطفة، أي من ماءٍ مهينٍ، وصوره ونقله من حالٍ إلى حالٍ، وأخرجه إلى ضياء الدنيا وغذاه ورزقه وقواه، حتى إذا استوى، كفر بخالقه وجحد نعمته، بل خاصمه في أمر عظيم كأمر البعث، فأنكره وساق حججه على ذلك فقال: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ[٣٧٦].

وعبد ما لا يضره وما لا ينفعه: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيراً[٣٧٧]. ونسي خلقه، وانتقاله من ماء، إلى علقة، إلى مضغة، إلى عظم، إلى تصوير، إلى خروج إلى الدنيا، وضعف إلى قوة، وضعف بعد قوة [٣٧٨].

وجاءت صفة الخصام في هذين الموضعين مقترنة بصفة الإبانة: التي كانت من أعظم منن الله على الإنسان بعد منة الخلق: ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ[٣٧٩].[٣٨٠]

اليأس

اليأس في اللغة: القنوط، ضد الرجاء أو قطع الأمل، يقال: يئس من الشيء ييأس: أي انقطع أمله. ويئست المرأة: أي عقمت فهي يائسة. ويقال: رجلٌ يائسٌ ويئوسٌ: أي شديد اليأس [٣٨١]. ويئوس: فعولٌ من قول القائل يئس فلانٌ من كذا فهو يئوس إذا كان صفة له [٣٨٢].

وقد ورد لفظ (يئوس) في القرآن الكريم في أكثر من موضعٍ بصيغة المبالغة دالاً على وصف الإنسان باليأس الشديد إذا أصابه شرٌ أو ضررٌ أو سلبت منه نعمة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ[٣٨٣].

وقوله سبحانه: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ[٣٨٤].

وقوله جل وعلا: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوساً[٣٨٥]

ففي هذه الآيات الكريمة بيانٌ لحال الإنسان الكافر في اختبار الله له بزوال النعمة أو إصابته بالشدة والضر، فإنه يصير يئوساً؛ وذلك لأنه يعتقد أن السبب في حصول تلك النعمة سبب اتفاقي، ثم إنه يستبعد حدوث ذلك الاتفاق مرة أخرى، فلا جرم يستبعد عود تلك النعمة فيقع في اليأس. وكل ذلك لأنه مادي لا يؤمن إلا بالمادة، ولا يرجو ما عند الله الذي يعطي ويمنع ويعز ويذل [٣٨٦].[٣٨٧]

القنوط

القنوط في اللغة: مصدر قنط، يقال: قنط يقنط ويقنط قنوطاً، وقنط قنطاً وهو قانطٌ: يئس. فالقنوط: اليأس، وقيل: اليأس من الخير، وقيل: أشد اليأس من الشيء [٣٨٨].

وقد ورد لفظ (قنوط) بصيغة المبالغة في القرآن الكريم في موضعٍ واحدٍ فقط، دالاً على شدة يأس الإنسان، في قوله جل وعلا: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ[٣٨٩]. أي: يئوس من الخير، قنوطٌ من الرحمة. وقيل: قنوطٌ أي: سيء الظن بربه، كأنه يقول: لا يكشف الله تعالى ما بي من البلاء والشدة [٣٩٠].

وقد فرق بعض المفسرين بين اليأس والقنوط؛ إذ لو كانت الكلمتان متطابقتين لاستغنى السياق القرآني عن واحدة منها، فقالوا: اليأس من صفة القلب، وهو قطع الرجاء من رحمة الله تعالى، والقنوط من صفة البدن، بأن يظهر أثر اليأس في بدنه، فيتضاءل ويحزن وينكسر ويتذلل [٣٩١].

وقال بعضهم: هما مترادفان؛ وذكرهما معاً للتأكيد [٣٩٢].

وقد جاءت تربية الشريعة للأمة على ذم القنوط.

قال تعالى حكايةً عن إبراهيم: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ[٣٩٣]. [٣٩٤].[٣٩٥]

الإنسان والشيطان

بين لنا القرآن الكريم- في آياتٍ كثيرةٍ - أن علاقة الشيطان بالإنسان علاقة عداوة، وهي من سنن الله الكونية التي قررها الله عز وجل في قوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُواً[٣٩٦].

والهدف منها واضحٌ جليٌ ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ[٣٩٧].

ويرجع تاريخ تلك العداوة إلى اليوم الذي شكل الله عز وجل فيه آدم (ع) قبل أن ينفخ فيه الروح، فأخذ الشيطان يطيف به، ويقول: لئن سلطت علي لأعصينك، ولئن سلطت عليك لأهلكنك. فعن أنسٍ أن رسول الله (ص) قال: «لما صور الله آدم في الجنة، تركه ما شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يطيف به، ينظر ما هو، فلما رآه أجوف عرف أنه خلق خلقاً لا يتمالك» [٣٩٨]. فلما نفخ الله في آدم الروح، وأمر الملائكة بالسجود لآدم، وكان إبليس يتعبد الله مع ملائكة السماء فشمله الأمر، فسجدوا جميعاً إلا إبليس أبى أن يسجد لآدم (ع).

قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ[٣٩٩]. فكان الاستعلاء والاستكبار من قبل إبليس رداً على الأمر الإلهي بالسجود، إذ يعتقد بأفضليته وخيريته على آدم فقال: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ[٤٠٠].

وقال: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً[٤٠١]. والحسد على تكريم الله إياه، قال: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ[٤٠٢].

فكان جزاؤه أن عامله الحق سبحانه وتعالى بنقيض قصده، حيث كان قصده التعاظم والتكبر، فأخرجه الله صاغراً حقيراً ذليلاً، ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ[٤٠٣].

لكن إبليس لم يرد أن يترك جهلاً محادته لله سبحانه وتعالى ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ[٤٠٤]. أي: أمهلني فلا تعجل بموتي إلى يوم يبعثون، وقد ذكر ما يريد عمله من ذلك الإمهال وهو إضلال الناس، فأجابه الله إلى طلبه ﴿قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ[٤٠٥].

وقطع اللعين على نفسه عهداً بإضلال آدم وذريته والكيد لهم: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ[٤٠٦].

وابتدأ اللعين يعد عدته ويدبر للفتك بآدم وذريته، فبعد أن أكرم الله عز وجل آدم بأنواع التكريم، وأسجد له ملائكته، وبعد ما تحقق من إبليس ما تسبب في طرده- لعنه الله- من الجنة، زاد حقده على آدم أن يسكن الجنة التي طرد منها بسببه.

فعقد العزم على إغواء أبينا آدم، فجاءه وزوجه بطريق الوسوسة: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ[٤٠٧].

﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لّا يَبْلَى فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى[٤٠٨]

بل أقسم على إضلال آدم وذريته، كما أخبر القرآن الكريم على لسانه: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاء مَّوْفُوراً وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً[٤٠٩].

وقد أطال القرآن في تحذيرنا من الشيطان وبيان عداوته للإنسان، فقد ورد ذكره بصفة المفرد في سبعين آية، وبصفة الجمع في ثماني عشرة آية، وذلك لشدة عداوته وفتنته، ومهارته في الإظلال، ودأبه وحرصه على ذلك.

ومن خلال تتبع آيات القرآن الكريم في ذكره لكلمة (عدو) نجد أنها وردت مقرونةً بوصف (مبين) تسع مراتٍ، ثمانية منها في شأن العداوة مع الشيطان.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالاً طَيِّباً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ[٤١٠].

وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ[٤١١].

وقال جل وعلا: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ[٤١٢].

وقال تعالى: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ[٤١٣].

وقال تعالى: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ[٤١٤].

وقال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ[٤١٥].

قال تعالى: ﴿وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ[٤١٦].

وقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُواً مُبِيناً[٤١٧].

ومعنى قوله: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ بين العداوة لا يخفيها ولا يطويها، عداوته جلية واضحة [٤١٨].

والموضع الوحيد الذي وصفت فيه عداوة غير الشيطان بهذا الوصف هو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُواً مُبِيناً[٤١٩].

وزد على ذلك أن (الخسران) لم يوصف بأنه مبيٌن إلا في سياق العلاقة مع الشيطان!

وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِياً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً[٤٢٠].

وعداوة الشيطان للإنسان مستمرةٌ لانهاية لها بل هي باقيةٌ أبد الدهر، بيد أنه لا يعدو الشيطان في حياة الإنسان أنه مخلوقٌ باستطاعته أن يوسوس في صدر الإنسان بالشر، ويزين له ارتكاب الخطيئة بإرادته، ويعد مسئولا عنها مسئولية تامة.ففي المفاهيم الإسلامية عدة حقائق عن الشيطان تبين موقعه في حياة الإنسان، وأثره على إرادته، والحكمة الربانية من وجوده.

الحقيقة الأولى: تتلخص في أن الشيطان ليس له سلطانٌ على إرادة الإنسان، إلا من سلم قيادة نفسه له وتبعه مختاراً لنفسه طريق الغواية، ونجد الدليل على هذه الحقيقة في عدة نصوصٍ قرآنيةٍ، منها قول الله تعالى يخاطب إبليس رأس الشياطين:

ومنها قول الله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ[٤٢١].

ومنها قول الله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً[٤٢٢].

ومنها قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ[٤٢٣].

فمن الظاهر في هذه النصوص أن الله تبارك وتعالى لم يجعل للشيطان سلطاناً على الإنسان، وأن سلطانه لا يكون إلا على الذين يتولونه، ويجعلونه قائداً لهم، ويتبعونه مختارين لأنفسهم طريق الغواية.

ومن أجل ذلك فإن الشيطان سيعلن هذه الحقيقة يوم القيامة للذين استجابوا لوساوسه في الدنيا.

ويدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ[٤٢٤].

﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ أي: ما أنا بقادرٍ على إغاثتكم وما أنتم بقادرين على إغاثتي، حينما يصرخ كلٌ منا طالبا من صاحبه أن يغيثه فيرفع عنه عذاب الله.

الحقيقة الثانية: تتلخص في أن وظيفة الشيطان في حياة الإنسان إنما هي الوسوسة في صدره وليس له قدرة على أكثر من ذلك، ويشعر الإنسان بهذه الوسوسة في صورة خواطر تزين له الإثم والمعصية، وتزين له الانحراف عن سواء السبيل، وقد تصوغ له ذلك بحججٍ مغرية.

قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ[٤٢٥]

وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ[٤٢٦]. أي: غرهم بالأماني والآمال في وساوسه وتسويفاته، وهذا ما فعله مع آدم وحواء، إذ كانا في الجنة فوسوس لهما فأخرجهما من الجنة. فكيد الشيطان في الإضلال كيدٌ ضعيفٌ، وبذلك وصفه الله بقوله: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً[٤٢٧].

الحقيقة الثالثة: تتلخص في أن الله تبارك وتعالى جعل الشيطان في حياة الإنسان لإقامة التوازن بين دوافع الخير ودوافع الشر والمحرضات عليهما، وليطرح الإنسان عليه قسماً من مسئولية الخطيئة التي يقع بها، فيجد لنفسه عذراً بأن فعل الشر ليس من فطرته، وإنما كان بتأثير وساوس قرينه الشيطان الملازم له.وبهذا لا تظل صورة الخطيئة القبيحة ماثلةً في نفس الإنسان، إذ يشعر بأن القبح في العمل ليس من شأنه. وهذا الشعور الذي يشعر به المخطئ، قد يساعده على تقويم نفسه، مستعيذاً بالله من الشيطان، ساعياً في التخلص مما علق به من أدناس المعاصي، كما يساعده على نسيان خطيئته إذا هو استغفر الله وتاب إليه؛ إذ من وسائل الإصلاح التربوي فتح باب العذر لمن نربيه إذا ارتكب الخطيئة، ولو عاقبناه عليها نظراً إلى مسئوليته، وذلك لنبقى له مجالاً يحتفظ فيه بصورة الكمال التي يجب أن يتصورها الناس فيه، ولنبق له مجالاً للارتقاء في مراتب الكمال الإنساني [٤٢٨].[٤٢٩]

نداءاتٌ ووصايا للإنسان

جاءت النداءات والوصايا من الله عز وجل للإنسان في القرآن الكريم كي ترشد الإنسان إلى الطريق القويم ليفوز بالسعادة في الدنيا والآخرة، فالله عز وجل إذا كان قد جعل الإنسان مختاراً فإنه لم يتركه سدى، بل أرسل له الرسل، وأنزل له الكتب، وأرشده إلى الطريق الصحيح، ولذا كان حريٌ بالإنسان أن يعنى بتلك النداءات والوصايا، وقد ورد نداء الإنسان في القرآن في موضعين، وفي استخدام أسلوب النداء تلطفٌ بالمخاطب، بخلاف مواجهة المخاطب بالأمر والنهي مباشرة فإن فيها جفوة وقسوة، كما جاءت وصية الله للإنسان في ثلاثة مواضع جميعها توصية بالإحسان إلى الوالدين، وفي استخدام أسلوب الوصية أثرٌ بالغٌ في النفس وأقوى في الامتثال من أسلوب الأمر والتكليف، وفي المطلبين الآتيين بيان لتلك النداءات والوصايا.[٤٣٠]

نداءات الله للإنسان

ورد نداء الله عز وجل للإنسان في القرآن الكريم في موضعين:

الموضع الأول: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ[٤٣١].

النداء هنا للتنبيه، تنبيهاً يشعر بالاهتمام بالكلام والاستدعاء لسماعه، فليس النداء مستعملاً في حقيقته، إذ ليس مراداً به طلب إقبال، ولا هو موجه لشخصٍ معينٍ أو جماعةٍ معينةٍ، بل مثله يجعله المتكلم موجهاً لكل من يسمعه بقصدٍ أو بغير قصدٍ [٤٣٢].

والتعريف في (الإنسان) تعريف للجنس، وعلى ذلك حمله جمهور المفسرين، أي: ليس مراداً إنساناً معيناً، وقرينة ذلك سياق الكلام عقبه: ﴿كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ[٤٣٣].[٤٣٤]

وهذا العموم مراد به الذين أنكروا البعث [٤٣٥].

وقد خاطب الله عز وجل الإنسان بصفة الإنسانية التي تميزه على المخلوقات؛ ليرعوي ويتذكر أنه إنسان مكرمٌ حريٌ به أن يستجيب لمن أكرمه بالنعم التي لا تعد ولا تحصى. ففي هذا الخطاب: استدعاء لمعاني الإنسانية التي أودعها الله سبحانه وتعالى في الإنسان، من قوى عاقلة مدركة، من شأنها أن تميز بين الخير والشر، وتفرق بين الإحسان والإساءة [٤٣٦].

فتصدير الآية القرآنية بقوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ، أي: تنبه!!

إن الصفة التي أعطيتك إياها ما كان ينبغي أن يوجد معها الغرور، ومع ذلك وجد منك الغرور، واغتررت بربك الكريم، فلو أنك اغتررت بالذي وهب لو كان غير كريم لكان من الممكن أن تكون حفيظة نفسك قد أثرت فيك، ولكنه سبحانه وتعالى رب كريم، فما داعي الغرور إذاً؟!.

ويلاحظ أن جملة النداء وليها الجملة الاستفهامية (ٹ ڤ ڤ ڤ) وهي تقرر وتوضح كرم الربوبية، وفي ذلك لفت وإثارة، والمعنى: أي شيءٍ خدعك وجرأك على عصيان ربك الكريم الذي أنعم عليك بنعمة الوجود والعقل والتدبر، ولا تزال أياديه تتوالى عليك، ونعمه تترى لديك؟ [٤٣٧].

روي أن النبي (ص) قرأ: (ٹ ڤ ڤ ڤ) فقال: جهله، وقاله عمر وقرأ: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً[٤٣٨]. [٤٣٩]

وقيل: غره عدوه المسلط عليه. وقيل: غره ستر الله تعالى عليه. وقيل: غره كرم الله تعالى. وقيل: غره طمعه في عفو الله عنه [٤٤٠].

قال ابن جزي: «ولا تعارض بين هذه الأقوال؛ لأن كل واحدٍ منها مما يغر الإنسان، إلا أن بعضها يغر قوماً، وبعضها يغر قوماً آخرين» [٤٤١].

ثم يفصل الله عز وجل شيئاً من هذا الكرم الإلهي، الذي أجمله في النداء الموحي العميق الدلالة، المشتمل على الكثير من الإشارات المضمرة في التعبير. يفصل شيئاً من هذا الكرم الإلهي المغدق على الإنسان المتمثل في إنسانيته التي ناداه بها في صدر الآية، فيشير في هذا التفصيل إلى خلقه وتسويته وتعديله [٤٤٢].

قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ[٤٤٣] وهذه صفاتٌ مقررةٌ للربوبية مبينةٌ وموضحةٌ لكرم الله على الإنسان.حيث إنه تعالى لما وصف نفسه بالكرم، ذكر هذه الأمور الثلاثة (الخلق والتسوية والتعديل)، كالدلالة على تحقق ذلك الكرم، فقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ لا شك أنه كرمٌ؛ لأنه وجود، والوجود خير من العدم، والحياة خير من الموت، كما قال تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ[٤٤٤].

وقوله تعالى: ﴿فَسَوَّاكَ أي: جعلك سوياً سالم الأعضاء، ونظيره قوله تعالى: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً[٤٤٥]. أي: معتدل الخلق والأعضاء [٤٤٦].

وقوله: ﴿فَعَدَلَكَ أي: عدل أعضاءك بعضها ببعض، أي وازن بينها، فلم يجعل إحدى اليدين أطول من الأخرى ولا إحدى العينين أكبر من الأخرى، ولا إحداهما كحلى والأخرى زرقاء، ولا بعض الأعضاء أبيض وبعضها أسود، وشبه ذلك من الموازنة [٤٤٧].

ويلاحظ في هذه الآية الكريمة تعدد الصلات وإن كان بعضها قد يغني عن البعض، فإن التسوية حالة من حالات الخلق، وقد يغني ذكرها عن ذكر الخلق كقوله: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ[٤٤٨].

ولكن قصد إظهار مراتب النعمة، وهذا من الإطناب المقصود به التذكير بكل صلة والتوقيف عليها بخصوصها، ومن مقتضيات الإطناب مقام التوبيخ [٤٤٩].

ثم أجمل ما فصله أولاً بقوله: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ[٤٥٠]: أي ركبك في صورةٍ هي من أبهى الصور وأجملها، وأدلها على بقائك الأبدي في نشأة أخرى بعد هذه النشأة، فإن الكريم يوفي كل مرتبة من الوجود حقها، فمن خص بهذه المنزلة الرفيعة لا ينبغي أن يعيش كما يعيش سائر الحيوان، ويموت كما يموت الوحش وصغار الذر، وإنما الذي يليق بعقله وقوة نفسه أن تكون له حياة أبدية لا حد لها، ولا فناء بعدها، يوفى كل ذي حق حقه، وكل عامل جزاء عمله [٤٥١].

نخلص من ذلك: إلى أن هذا النداء للإنسان فيه توبيخٌ له على جحود النعم وتحذيرٌ له من الانهماك في الدنيا، فالله عز وجل خلقه في أحسن تقويم، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ[٤٥٢].

ومنحه من النعم ما لا يعد ولا يحصى ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ[٤٥٣].

وأهم هذه النعم ما يتعلق بنفسه، حيث خلقه الله من نطفة ولم يك شيئاً، وجعله سليم الأعضاء منتصب القامة، متناسب الأعضاء، وصوره في أحسن الصور وأعجبها، ومنحه عقلاً امتاز به على كثير من المخلوقات: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً[٤٥٤]؛ كي يحقق العبودية لله تعالى، كما قال جل شأنه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[٤٥٥].

فهل يليق بالإنسان بعد هذا الإكرام أن يكفر بنعمة المنعم أو يجحد إحسان المحسن؟.

والموضع الثاني: قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً وَيَصْلَى سَعِيراً إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً[٤٥٦]

والخطاب عام لكل إنسانٍ، فاللام في قوله (الإنسان) لتعريف الجنس وهو للاستغراق، كما دل عليه التفصيل في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ[٤٥٧] إلى قوله: ﴿كَانَ بِهِ بَصِيراً [٤٥٨]. فهو يشمل كل فردٍ من أفراد الناس الموضوعين في الحياة الدنيا موضع الامتحان، بأسلوب الخطاب الإفرادي، لإعلام كل فرد فأنه محل عناية الرب في خطابه [٤٥٩].

والمقصود الأول من هذا وعيد المشركين؛ لأنهم الذين كذبوا بالبعث. فالخطاب بالنسبة إليهم زيادة للإنذار، وهو بالنسبة إلى المؤمنين تذكير وتبشير [٤٦٠].

وفي هذا الخطاب كذلك يستدعي الحق سبحانه وتعالى في الإنسان صفة الإنسانية التي تفرده في هذا الكون بخصائص من شأنها أن يكون أعرف بربه، وأطوع لأمره، ولعل في طبيعة هذا النداء ما يلفت الانتباه إلى هذه الربوبية، والدعوة للعودة إليها، بما يوحيه هذا النداء من بلاغةٍ في الخطاب، وذلك بما فيه من التخصيص لكل فردٍ فيه.

فهي دعوة تمتلئ شفقة ورحمة بالإنسان ليعود إلى ربه بما تحمله كلمة الرب من معاني العناية والرعاية، وكذلك بما توحيه أداة النداء التي للبعيد تنبيهاً على أن معاصيه أبعدته عن القرب من الله، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ[٤٦١]

و(الكادح): العامل بشدةٍ وسرعة واجتهاد مؤثر، ومنه قول النبي (ص): «من سأل وله ما يغنيه، جاءت مسألته حدوثاً أو كدوحاً في وجهه يوم القيامة»[٤٦٢].

والمعنى: يا أيها الإنسان المجد في سعيه، النشيط في عمله السريع في تحصيل معاشه وكسبه: إنك تكدح في طلب الدنيا، حتى استبطأت حركة الزمن، وكم تمنيت نهاية اليوم أو الشهر أو العام لتحصل على طلبك، أيها الإنسان ما أجهلك!!

ألم تعلم بأن هذا كله من عمرك، وأنت تكدح صائراً إلى ربك، وتجدك واصلاً إلى نهايتك وموتك.

فأنت تجد في السير إلى ربك، فتلاقي عملك هناك أوضح من الشمس، فاعمل في دنياك على هذا الأساس. ستلاقي ربك يوم القيامة، وستلاقي عملك يوم يقوم الناس للعرض على الملك الجبار ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ[٤٦٣]. [٤٦٤]

وقد خلق الله الإنسان ضمن ظروف هذه الحياة الدنيا في محيط الكبد، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ[٤٦٥]. أي: في محيطٍ من الشدة والمشقة والضيق، لذلك فهو بحاجة لتحقيق مطالبه من خيرٍ أو شرٍ إلى الكدح، أي: إلى السعي والعمل بنصبٍ ومشقةٍ.

فالإنسان حريصٌ على البقاء، ومن أجل ذلك فهو يتحمل أنواعاً من الكدح والمكابدة، فلا نكاد نجد في الناس إنساناً غير كادحٍ، وهذه حقيقةٌ مشاهدة في السلوك الدائم للإنسان.

ولا يشترط أن يكون الكدح في عملٍ جسديٍ، بل قد يكون في حركاتٍ نفسيةٍ ذات مشقةٍ على النفس أكثر من حركات الكد الجسدي، فمن الكدح ما يعانيه الإنسان من أمراضٍ، وأوجاع، وآلامٍ، جسديةٍ ونفسيةٍ. ومن الكدح ما يعانيه الإنسان من آلام المصائب في الأموال والأنفس، وفقد الأحبة.

ويستمر كدح الإنسانٍ حتى اللحظات الأخيرة من حياته، وملاقاة ربه بالموت، وبعد ملاقاته ربه بالموت تبدأ مرحلة ملاقاة حسابه، وفصل القضاء بشأنه، ومجازاته على ما كسبه بإرادته في رحلة امتحانه، وأكبر ذلك ما يكون يوم الدين [٤٦٦].

وما دام الإنسان في ظروف الحياة التي تتطلب منه أن يكون كادحاً في الخير أو في الشر، فإن العقل السديد والرأي الرشيد يوجبان عليه أن يكدح كدحاً يحقق له النجاح في الدنيا، وأكبر حظٍ من سعادة النفس فيها، ثم يحقق له مرضاة الله والسعادة الخالدة عنده يوم الجزاء الأكبر [٤٦٧].

وقد فصًل الحق سبحانه وتعالى الإجمال الذي في قوله: ﴿إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ[٤٦٨] مبيناً أحوال الإنسان عندما يلاقي ربه، ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً[٤٦٩]. أي: وهناك في موقف الحساب، يؤتى كل إنسانٍ كتابه: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً[٤٧٠].

فأما من أوتى كتابه بيمينه، فهو من أهل السلامة والنجاة. إنه يحاسب حساباً يسيراً، لا رهق فيه، لا عسر. فما هو إلا أن يعرض في موقف الحساب، حتى يخلى سبيله. ففترة العرض والانتظار، هي هذا الحساب اليسير. ففي الحديث عن عائشة قالت: قال رسول الله (ص): (من حوسب يوم القيامة عذب). قالت: فقلت: يا رسول الله: أليس قد قال الله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً[٤٧١]. فقال: (ليس ذلك الحساب، إنما ذلك العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة عذب) [٤٧٢].

ثم ينقلب من هذا الحساب- وقد برئت ساحته- يزف إلى أهله من إخوانه المؤمنين بشرى نجاته وسلامته، وقد غمره السرور، وفاض عليه البشر فلا يملك إلا أن يهتف بكل من يلقاه من أهل المحشر: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ[٤٧٣]. [٤٧٤]

يلحظ مما سبق أن النداء بـ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ لم يأت إلا في موضعين؛ الموضع الأول: في سورة الانفطار، والموضع الثاني: في سورة الانشقاق، وقد جاء النداء فيهما بعد الحديث عن أهوال القيامة وبداية اللقاء الأخروي، وتذكيره بأمره وبمصيره الذي هو صائر إليه، وهذا يدل على الرعاية الحانية للإنسان كي يتنبه قبل فوات الأوان، وهذا واضحٌ جداً من أسلوب الخطاب في الموضعين.كما يلحظ أن (الإنسان) عندما ينادى في القرآن فهو وإن كان عاماً إلا أن ملاحظة معنى الإنسانية مراد ومطلوب، بخلاف (الناس) فإن ملاحظة الجنس هي المطلوبة أولاً. وكلا النداءين يقتربان في أن المطلوب من الإنسان فيهما أن يعلم أنه ملاقٍ ربه فعليه أن لا يغتر بكرمه فيعمل ليوم الدين، كما ترشد إلى ذلك آية الانفطار، كذلك آية الانشقاق تلتقي مع أختها في ضرورة أن يعمل الإنسان في سعيه خيراً فهو لا محالة ملاقٍ ربه.[٤٧٥]

وصايا الله للإنسان

الوصية كما عرفها الراغب الأصفهاني: «التقدم إلى الغير بما يعمل به مقترناً بوعظٍ، من قولهم: أرضٌ واصيةٌ: متصلة النبات، ويقال: أوصاه ووصاه، قال: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ[٤٧٦].

وقرئ: (وأوصى) قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ[٤٧٧].

﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ[٤٧٨].

﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا[٤٧٩].

﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ[٤٨٠].

ووصى: أنشأ فضله، وتواصى القوم: إذا أوصى بعضهم إلى بعضٍ، قال: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[٤٨١].

﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ[٤٨٢]. [٤٨٣]

والوصية شأنها في نفس من تربى على الإيمان أعمق وأبعد أثراً، لاسيما حينما تكون من صاحب نعمة، ومن صاحب الأمر والتدبير وموجد الخلق أجمعين، فهي تحمل معنى الأمر وتحمل معنى الالتزام.

والفرق بين الأمر الصريح والوصية، أن آخر ما استقر الأمر عليه الوصية، وبهذا تكون الوصية خالدة مخلدة، وهي أيضاً في قوتها أقوى من الأمر وفي أثرها أبلغ منه .ومن هنا كان أسلوب الإيصاء أقوى في البعث على الامتثال من أسلوب الأمر والتكليف.

وإذا كان هذا هو شأن الوصية، فقد وصى الله عز وجل الإنسان بالإحسان إلى والديه؛ لأنهما سبب وجوده، ولهما عليه غاية الفضل والإحسان، وذلك في ثلاثة مواضع من الكتاب العزيز:

الموضع الأول: قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ[٤٨٤]

الموضع الثاني: قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ[٤٨٥]

الموضع الثالث: قوله جل شأنه: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ[٤٨٦]

وجاءت وصية الله عز وجل للإنسان بالفعل (وصى) المشدد فقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ للدلالة على المبالغة والتكثير، ووصية الله عز وجل للإنسان- في هذه المواضع الثلاثة- هي أمرٌ وعزيمةٌ وتكليفٌ.

ذكر بعض المفسرين: أن هذه المواضع الثلاثة التي ورد فيها توصية الله عز وجل الإنسان بوالديه نزلت في شأن سعد بن أبي وقاص [٤٨٧]. والراجح- والله أعلم- أن الآيات عامة في جميع الناس، وإن كانت نزلت في شأن شخص عين، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب الذي نزلت الآية من أجله.ويكون المراد بالإنسان في قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ جنس الإنسان.

فهي وصيةٌ صادرةٌ من خالق الإنسان لجنس الإنسان كله، قائمةٌ على أساس إنسانيته، وهي وصية بالإحسان إلى الوالدين مطلقة من كل شرطٍ ومن كل قيدٍ، فصفة الوالدية تقتضي هذا الإحسان بذاتها، دون الحاجة إلى أية صفة أخرى.

ولا ترد وصية الوالدين بالأولاد إلا نادرة، ولمناسبة حالات معينة؛ ذلك أن الفطرة وحدها تتكفل برعاية الوالدين للأولاد، رعاية تلقائية مندفعة بذاتها لا تحتاج إلى مثير [٤٨٨].

ونلحظ أن الآيات في الموضعين الأول والثالث جاءت منوهة بالحسن في وصيتها بلفظ ﴿حُسْناً في الموضع الأول، وبلفظ ﴿احَسَناً في الموضع الثالث، أما الموضع الثاني فقد تركت الوصية مفتوحة.

فما المراد بالإحسان؟ وهل هناك فرق بين لفظي ﴿حُسْناً و ﴿احَسَناً ؟

قال الراغب الأصفهاني: «الإحسان يقال على وجهين: أحدهما: الإنعام على الغير، يقال: أحسن إلى فلانٍ، والثاني: إحسانٌ في فعله، وذلك إذا علم علماً حسناً، أو عمل عملاً حسناً، وعلى هذا قول أمير المؤمنين: «وَ اَلنَّاسُ أَبْنَاءُ مَا يُحْسِنُونَ» أي: منسوبون إلى ما يعلمون وما يعملونه من الأفعال الحسنة» [٤٨٩].

ومعنى ﴿حُسْناً أي: وصيناه فعلاً ذا حسن، أو ما هو في ذاته حسن لفرط حسنه، والحسن خلاف القبح، ثم أقام الصفة مقام الموصوف؛ وهو الأمر، ثم حذف المضاف وهو (ذا) وأقام المضاف إليه مقامه، وهو (حسن)؛ من: حسن يحسن حسناً، ومعنى ﴿احَسَناً: أي تحسن إليهما إحساناً، من: أحسن يحسن إحساناً، والإحسان خلاف الإساءة [٤٩٠].

وقد جاءت الوصية من الله عز وجل مباشرةً بالوالدين بالإحسان إليهما، فقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً[٤٩١].

يأمر الحق سبحانه وتعالى الإنسان بالإحسان إلى الوالدين؛ لأنهما سبب وجود الإنسان، ولهما عليه غاية الإحسان، فالوالد بالإنفاق، والوالدة بالإشفاق.

ومع هذه الوصية بالرأفة والرحمة والإحسان إليهما، في مقابلة إحسانهما المتقدم، قال: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا[٤٩٢]. أي: وإن حرصا عليك أن تتابعهما على دينهما إذا كانا مشركين، فإياك وإياهما، لا تطعهما في ذلك، ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ[٤٩٣] فإن مرجعكم إلي يوم القيامة، فأجزيك بإحسانك إليهما، وصبرك على دينك، وأحشرك مع الصالحين لا في زمرة والديك، وإن كنت أقرب الناس إليهما في الدنيا [٤٩٤].

وفي الموضع الثاني تأتي الوصية مفتوحة أو مطلقة ففي قوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ ذكر عز وجل ضعف الأم بصفة الوهن، والوهن: الضعف وقلة الطاقة على تحمل شيءٍ [٤٩٥]. كأنه عز وجل لما ذكر ضعف الأم بوصفه ﴿وَهْناً عَلَى وَهْنٍ ترك الوصية مطلقةً فلم يحددها بالقول إحساناً أو حسناً، فإن مراتب هذه المفردات على سموها لا تفي حق الوالدين، وإن كان ذكر الأم على التخصيص دون الأب مع أن الوصية بكليهما؛ لأنه ادعى للشفقة، فهو لمما يدر هذه الشفقة تجاه الوالدين. كما أن هذا الحمل أظهر وأوضح في وقوعه، وهو أيضاً من الأشياء التي تنسى بسهولةٍ بعد حصولها، كما أنها هي الأصل الظاهر في وجود هذا الإنسان، وإن كان للأب لا شك دورٌ جوهريٌ، أضف إلى ذلك عملية تعميق دور الأم ورسالتها بذكر الحمل ووهنه على وجه الخصوص، ولذلك كان الوصف لصورة هذه الأم الواهنة الكارهة للحمل، ولكن الوصية للاثنين والشكر لهما معا، كما أن رفض الطاعة في الإشراك بالله لكليهما إن صدر من كليهما.

ونرى هذا التنديد بالشرك واضحاً عندما نبه على أن شكر الوالدين جاء مقروناً بشكر الله، ثم نوه على المرجعية إليه في قوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ[٤٩٦].

وفي الآية اللاحقة أكد صراحةً رفض الشرك حينما قال: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ[٤٩٧]

فالوصية بهم والإحسان إليهم لا يجب أن يؤدي بحالٍ من الأحوال إلى الشرك حتى في أقصى الظروف من مجاهدتهم إياكم، والسبيل إلى ذلك باتباع سبيل من أناب إلى الله وأدرك مرجعيته الحقة، وإن كان ولابد في كل هذه الظروف من الإبقاء على مصاحبة الوالدين بالمعروف.

وهنا تبرز قدرة المؤمنين على هذا التوازن الدقيق بين قوة الإيمان الرافضة للإشراك وهي قوة النفس المصاحبة بالحسن للأبوين المشركين بالمعروف المألوف [٤٩٨].

وفي الموضع الثالث نجد أن الإحسان جاء في مقابلة الكره الذي تعانيه الأم، حيث يصور القرآن تلك التضحية النبيلة الكريمة الواهبة التي تتقدم بها الأمومة، والتي لا يجزيها أبداً إحسان من الأولاد مهما أحسنوا القيام بوصية الله في الوالدين: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً[٤٩٩].

وتركيب الألفاظ وجرسها يكاد يجسم العناء والجهد والضنى والكلال: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً[٥٠٠] لكأنها آهة مجهد مكروب ينوء بعبء ويتنفس بجهد، ويلهث بالأنفاس!

إنها صورة الحمل وبخاصة في أواخر أيامه، وصورة الوضع وطلقه وآلامه! ويتقدم علم الأجنة فإذا به يكشف لنا في عملية الحمل عن جسامة التضحية ونبلها في صورة حسية مؤثرة [٥٠١].

كما توضح الآيات أن الإنسان تدرج في أطواره من وقت فصاله إلى أن بلغ أشده، فهو موصى بوالديه حسناً في الأطوار الموالية لفصاله، فيوصيه وليه في أطوار طفولته، ثم عليه مراعاة وصية الله في وقت تكليفه [٥٠٢].

فقال سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ[٥٠٣]

والأشد: حالة اشتداد القوى العقلية والجسدية [٥٠٤].

ويلحظ في الموضعين الثاني والثالث أن الله تعالى جعل لكلٍ من الأم والوالد نصيباً من الوصية، ثم خصص الأم بدرجة ذكر الحمل، وبدرجة الرضاع، فتحصل للأم ثلاث مراتب، وللأب واحدة، وأشبه ذلك قول الرسول (ص) - حين قال له رجلٌ-: من أبر؟ قال: (أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك) [٥٠٥]، فجعل له الربع من المبرة كالآية [٥٠٦].

يتبين من خلال ما سبق: أن تلك الوصايا الصادرة من خالق الإنسان إنما هي لجنس الإنسان كله، حيث إنها قائمةٌ على أساس إنسانيته، توصيه بالإحسان لوالديه، مبينة على وجه الخصوص مبلغ متاعب الأم بولدها، فقد ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ، كما ﴿مَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً.

إشعاراً بمبلغ استحقاقها للإحسان والرعاية، شكراً لها على ما قدمت من عطاء دفعت إليه دوافع الرحمة.

ولما كانت العناية الربانية هي المهيمنة على الإنسان منذ نشأته، والمسايرة له مدى وجوده، كان من حقه على عباده أن يشكروه. ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ[٥٠٧].

فشكر الوالدين حق وواجب لكنه مسبوق وهو تابع. فإن اختلفت العقيدة سقط حق الطاعة لهما ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ[٥٠٨].

﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ[٥٠٩].[٥١٠]

المراجع والمصادر

  1.   موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

الهوامش

  1. سورة النساء، الآية ٦.
  2. مقاييس اللغة، ابن فارس ١/١٤٥.
  3. المفردات، الراغب الأصفهاني ص٢٨.
  4. لسان العرب، ابن منظور ١/١٤٧. والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، ٨/٢٦٨٧، رقم ١٥١١٣.
  5. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  6. الكليات، الكفوي ص١٩٨-١٩٩.
  7. مقالات الإسلاميين، الأشعري ٢/٢٥-٢٨.
  8. التعريفات، الجرجاني ص٣٨.
  9. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  10. سورة النساء، الآية ٦.
  11. سورة النور، الآية ٢٧.
  12. سورة الأحزاب، الآية ٥٣.
  13. سورة الإنسان، الآية ٢.
  14. انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ٦٨، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، ٢/٣١-٣٥، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص١٧٦-١٨٣، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، ١/١٢٩-١٣٢.
  15. سورة المؤمنون، الآية ١٢.
  16. سورة النازعات، الآية ٣٥.
  17. سورة العلق، الآية ٦.
  18. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  19. انظر: لسان العرب، ابن منظور، ١٤/٨٩ .
  20. انظر: العين،الفراهيدي، ٨/٨٨ .
  21. انظر: الفروق اللغوية، العسكري، ١/١٣ .
  22. انظر: المفردات، الأصفهاني، ص١٤.
  23. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  24. انظر: الصحاح، الجوهري ٣/٩٠٤، مختار الصحاح، الرازي ص٢٤، لسان العرب، ابن منظور ١/١٤٧.
  25. القول المفيد على كتاب التوحيد، ابن عثيمين ١/٢٠.
  26. انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن، محمد فؤاد عبدالباقي ص١١٥.
  27. انظر: القرآن وقضايا الإنسان، عائشة بنت الشاطئ ص١٨.
  28. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  29. انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص٥٠٩، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ص٩٦٢.
  30. الكليات، الكفوي ص٩١٢.
  31. سورة الحجرات، الآية ١٣.
  32. انظر: القرآن وقضايا الإنسان، عائشة بنت الشاطئ ص١٧.
  33. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  34. انظر: لسان العرب،ابن منظور، ٤/٥٩.
  35. انظر: التعاريف، المناوي، ص١٣٢ .
  36. القرآن وقضايا الإنسان، عائشة بنت الشاطئ ص١٥-١٧.
  37. انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص٢٧٦، معجم الفروق الدلالية في القرآن الكريم، محمد داوود ص ٨٤.
  38. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  39. انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص٢٧٦، معجم الفروق الدلالية في القرآن الكريم، محمد داوود ص ٨٤.
  40. انظر: لسان العرب، ابن منظور، ١٢/٣٧ .
  41. سورة الرحمن، الآية ١٠.
  42. انظر: معجم الفروق الدلالية في القرآن الكريم، محمد داوود ص٨٣.
  43. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  44. سورة المؤمنون، الآية ١١٥.
  45. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  46. سورة الذاريات، الآية ٥٦.
  47. رياض الصالحين، النووي ص٩-١٠.
  48. مجموع فتاوى ابن تيمية ١/٢٣.
  49. انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٢/٢٣٤، مقاييس اللغة، ابن فارس ٤/٢٠٥-٢٠٧، لسان العرب، ابن منظور ٤/٢٧٧٦.
  50. تهذيب اللغة، ٢/٢٣٤.
  51. سورة الإسراء، الآية ٢٣.
  52. المفردات، الراغب الأصفهاني ص٣١٩.
  53. العبودية، ابن تيمية ص١٩.
  54. سورة الذاريات، الآية ٥٦.
  55. العبودية، ابن تيمية ص١٩.
  56. سورة الأنعام، الآية ١٦٢.
  57. العبادة، سليمان العثيم ص١٣.
  58. سورة الأعراف، الآية ٥٩.
  59. سورة العنكبوت، الآية ١٦ -١٧.
  60. سورة الأعراف، الآية ٦٥.
  61. سورة الأعراف، الآية ٧٣.
  62. سورة الأعراف، الآية ٨٥.
  63. سورة آل عمران، الآية ٥١.
  64. سورة الإسراء، الآية ١.
  65. سورة مريم، الآية ٣٠.
  66. شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز الحنفي ص١٠٤.
  67. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  68. سورة الذاريات، الآية ٥٦.
  69. سورة هود، الآية ٦١.
  70. انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٢/٣٨٣، لسان العرب، ابن منظور ٤/٣١٠١، تاج العروس ١٣/١٢٩.
  71. سورة التوبة، الآية ١٩.
  72. سورة الروم، الآية ٩.
  73. سورة الطور، الآية ٤.
  74. سورة هود، الآية ٦١.
  75. المفردات، ص٣٤٧.
  76. سورة الأعراف، الآية ١٠.
  77. سورة البقرة، الآية ٢٩.
  78. سورة الجاثية، الآية ١٣.
  79. سورة البقرة، الآية ٢٢.
  80. سورة طه، الآية ٥٣.
  81. سورة الملك، الآية ١٥.
  82. انظر: الفقه الإسلامي وأدلته، وهبة الزحيلي ٨/٦٣٨٧.
  83. التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١/٥٧.
  84. سورة النمل، الآية ٨٨.
  85. التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٠/٤٨-٤٩.
  86. سورة هود، الآية ٦١.
  87. سورة الروم، الآية ٩.
  88. سورة الروم، الآية ٧.
  89. سورة الحج، الآية ٤١.
  90. سورة النحل، الآية ١١٢.
  91. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  92. سورة نوح، الآية ١٤.
  93. سورة الإنسان، الآية ١.
  94. سورة مريم، الآية ٦٧.
  95. الموسوعة القرآنية المتخصصة، مجموعة مؤلفين ص٧٧٩.
  96. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  97. مراحل خلق الإنسان في آيات القرآن، منى رفعت ص١٦.
  98. سورة آل عمران، الآية ٥٩.
  99. سورة ص، الآية ٧١.
  100. سورة السجدة، الآية ٧.
  101. سورة الصافات، الآية ١١.
  102. المفردات، الراغب الأصفهاني ص٤٤٩.
  103. سورة الحجر، الآية ٢٦.
  104. سورة الرحمن، الآية ١٤.
  105. انظر: جامع البيان، الطبري ٢٢/١٩١، النكت والعيون، الماوردي ٣/١٥٧.
  106. سورة الأعراف، الآية ١١.
  107. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٨/٣٦.
  108. سورة الحجر، الآية ٢٨-٢٩.
  109. زاد المسير، ابن الجوزي ٤/٤٠٠.
  110. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  111. سورة النساء، الآية ١.
  112. سورة الأعراف، الآية ١٨٩.
  113. سورة الزمر، الآية ٦.
  114. المحرر الوجيز، ابن عطية ٤/١٠٧، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/٤٠٨.
  115. التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤/٢١٥.
  116. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الرضاع، باب الوصية بالنساء، رقم ١٤٦٨، ١/٦٧٣.
  117. التحرير والتنوير ٤/٢١٥.
  118. حاشية شهاب الدين الخفاجي ٣/٢٤٥.
  119. اللباب في علوم الكتاب ٦/١٤١.
  120. سورة النحل، الآية ٧٢.
  121. سورة آل عمران، الآية ١٦٤.
  122. سورة التوبة، الآية ١٢٨.
  123. تفسير أبي مسلم الأصفهاني ص٩٦.
  124. سورة الروم، الآية ٢١.
  125. سورة الأنبياء، الآية ٣٧.
  126. انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٣/١٦٣.
  127. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  128. سورة آل عمران، الآية ٤٥-٤٦.
  129. سورة مريم، الآية ١٦-٢١.
  130. سورة مريم، الآية ١٨.
  131. سورة مريم، الآية ١٧.
  132. البحر المحيط، أبو حيان ٦/١٧٠.
  133. سورة مريم، الآية ١٩.
  134. سورة مريم، الآية ٢٠.
  135. سورة مريم، الآية ٢١.
  136. سورة آل عمران، الآية ٤٧.
  137. النبوة والأنبياء ص٢٠١-٢٠٢.
  138. سورة الأنبياء، الآية ٩١.
  139. سورة التحريم، الآية ١٢.
  140. سورة مريم، الآية ٢٢.
  141. سورة النساء، الآية ١٧١.
  142. سورة آل عمران، الآية ٥٩.
  143. انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٤/١٩٨٠.
  144. سورة آل عمران، الآية ٤٥.
  145. مراحل خلق الإنسان في آيات القرآن، منى رفعت ص٣٣.
  146. سورة النساء، الآية ١٧١.
  147. سورة الشورى، الآية ٥٢.
  148. سورة المجادلة، الآية ٢٢.
  149. سورة الأنبياء، الآية ٩١.
  150. انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٤/١٩٨١.
  151. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  152. سورة نوح، الآية ١٤.
  153. سورة الزمر، الآية ٦.
  154. الإنسان وجوده وخلافته في الأرض في ضوء القرآن الكريم، عبد الرحمن المطرودي ص٥١.
  155. الطور بالفتح: التارة، يقال: طوراً بعد طورٍ، أي تارةً بعد تارةٍ. انظر: تاج العروس، ١٢/٤٣٩.
  156. انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٥/٤٤٠، لسان العرب، ابن منظور ١٦/٤٤٦١، القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص٨٥٧.
  157. انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبدالباقي ص٧٩٨.
  158. انظر: خلق الإنسان بين الطب والقرآن، محمد البار ص١٠٩، إعجاز آيات القرآن في بيان خلق الإنسان، محمد فياض ص٦٦.
  159. انظر: علم الأجنة في ضوء القرآن والسنة، عبدالمجيد الزنداني ص١٧-٢٧، مراحل خلق الإنسان في آيات القرآن الكريم، منى رفعت ص٥٧.
  160. سورة الطارق، الآية ٥-٦.
  161. انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٩/٥٢، لسان العرب، ابن منظور ٢/١٣٩٦، القاموس المحيط الفيروزآبادي ص٨٨٣.
  162. انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٨/٥٨٤.
  163. انظر: مراحل تطور خلق الإنسان في القرآن، منى رفعت ص١٨٣، إعجاز آيات القرآن في خلق الإنسان، محمد فياض ص٦٧.
  164. انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٢/٢٠٦، اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٢٠/٢٦٢.
  165. انظر: إعجاز آيات القرآن في خلق الإنسان، محمد فياض ص٦٧-٦٩، خلق الإنسان بين الطب والقرآن، محمد البار ص ١٢٣-١٢٤.
  166. انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٢/٢٠٦، البحر المحيط، أبو حيان ٨/٤٤٩.
  167. سورة المرسلات، الآية ٢٠.
  168. سورة السجدة، الآية ٨.
  169. سورة القيامة، الآية ٣٧.
  170. سورة النجم، الآية ٤٥-٤٦.
  171. سورة الطارق، الآية ٧.
  172. انظر: لسان العرب، ابن منظور ٤/٢٤٧٦، القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص١٠٥، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ص٥١٩.
  173. انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤/٢٩٦،، الكشف والبيان، الثعلبي ١٠/١٧٩، النكت والعيون، الماوردي ٦/٢٤٧.
  174. جامع البيان٢٤/٢٩٦.
  175. تفسير جزء عم، مساعد الطيار ص١١٥.
  176. سورة السجدة، الآية ٨.
  177. انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ١٢/٢٩٢، العين، الفراهيدي ٧/١٩٢، لسان العرب، ابن منظور ٣/٢٠٧٤، القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص١٠١٥.
  178. انظر: معاني القرآن، الزجاج ٤/٢٠٥، معاني القرآن، النحاس ٤/٤٤٦.
  179. انظر: روح المعاني، الألوسي ١١/١٢١، محاسن التأويل، القاسمي ١٣/٤٨١٢.
  180. انظر: جامع البيان، الطبري ١٨/٦٠١.
  181. من علم الطب القرآني، عدنان الشريف ص٤٠.
  182. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب النكاح، باب حكم العزل، رقم ١٣٣، ١/٦٥٦.
  183. خلق الإنسان بين الطب والقرآن، محمد البار ص٣٨٧.
  184. من علم الطب القرآني، عدنان الشريف ١٦٦.
  185. سورة الإنسان، الآية ٢.
  186. انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ١٠/٥٥١، لسان العرب، ابن منظور ٦/٤٢٠٧، تاج العروس، الزبيدي ٦/٢١٤.
  187. مقاييس اللغة ٥/٣٢٦.
  188. علم الأجنة في ضوء القرآن والسنة، عبدالمجيد الزنداني ص٤٤.
  189. الإنسان وجوده وخلافته في الأرض، عبد الرحمن المطرودي ص٤٠.
  190. سورة عبس، الآية ١٨-١٩.
  191. إعجاز آيات القرآن في بيان خلق الإنسان، محمد فياض ص٧٩.
  192. إعجاز آيات القرآن في بيان خلق الإنسان، محمد فياض ص٨٠.
  193. سورة المؤمنون، الآية ١٣.
  194. سورة المرسلات، الآية ٢٠-٢٣.
  195. انظر: النكت والعيون، الماوردي ٤/٤٨، التفسير البسيط، الواحدي ١٥/٥٣٨.
  196. سورة المؤمنون، الآية ١٤.
  197. انظر: إعجاز آيات القرآن في بيان خلق الإنسان، محمد فياض ص٨٥، مراحل خلق الإنسان في آيات القرآن، منى رفعت ص١٥٤.
  198. المفردات، الراغب الأصفهاني ص٣٤٣.
  199. انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤/١٢٦، لسان العرب، ابن منظور ٤/٣٠٧٥.
  200. انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤/١٢٦، لسان العرب، ابن منظور ٤/٣٠٧٥.
  201. سورة الحج، الآية ٥.
  202. سورة المؤمنون، الآية ١٢-١٤.
  203. سورة غافر، الآية ٦٧.
  204. سورة القيامة، الآية ٣٧-٣٨.
  205. سورة العلق، الآية ١-٢.
  206. زاد المسير، ابن الجوزي ٥/٤٠٦.
  207. انظر: الكشاف ٤/١٧٧، مفاتيح الغيب، الرازي ٢٣/٩، فتح القدير، الشوكاني ٣/٥٩٥، التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٧/١٩٧.
  208. التوراة والإنجيل والقرآن والعلم، موريس بوكاي ص٢٤٢.
  209. خلق الإنسان بين الطب والقرآن، محمد البار ص٢٠٦.
  210. إعجاز آيات القرآن في بيان خلق الإنسان، محمد فياض ص٨٦.
  211. إعجاز آيات القرآن في بيان خلق الإنسان، محمد فياض ص٨٦.
  212. انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٥/٣٣٠، تاج العروس، الزبيدي ٢٢/٥٦٨، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ص٨٧٤.
  213. لسان العرب، ابن منظور ٦/٤٢٢٢.
  214. تهذيب اللغة، الأزهري ٨/١٨-٢٠، الصحاح، الجوهري ٤/١٣٢٦، تاج العروس، الزبيدي ٢٢/٥٦٩.
  215. سورة الحج، الآية ٥.
  216. سورة المؤمنون، الآية ١٤.
  217. غريب القرآن ص٢٩٦.
  218. انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٣/٩، روح المعاني، الألوسي ٩/١١٢.
  219. انظر: إعجاز آيات القرآن في بيان خلق الإنسان، محمد فياض ص٩٣، مراحل خلق الإنسان في آيات القرآن، منى رفعت ص١٧٠.
  220. سورة الحج، الآية ٥.
  221. انظر: جامع البيان، الطبري ١٩/٤٦٢، الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ٧/٤٨٤٤، النكت والعيون، الماوردي ٤/٧.
  222. سورة المؤمنون، الآية ١٤.
  223. التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٥/١٢٣.
  224. انظر: فتح القدير، الشوكاني ٣/٦٤٩.
  225. إعجاز آيات القرآن في بيان خلق الإنسان، محمد فياض ص١٠١.
  226. زهرة التفاسير ٩/٥٠٥٣.
  227. انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٤/٥٢، روح المعاني، الألوسي ٩/٢١٦.
  228. مدارك التنزيل، النسفي ٢/٢٦١.
  229. روح المعاني ٩/٢١٧.
  230. أنوار التنزيل، البيضاوي ٢/٤٦٤.
  231. سورة المؤمنون، الآية ١٤.
  232. المفردات ص٤٩٣.
  233. الفروق اللغوية، العسكري ص٨٠.
  234. التفسير الوسيط، سيد طنطاوي ١٠/١٨.
  235. البحر المديد، ابن عجيبة ٣/٥٦٥.
  236. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  237. سورة الإسراء، الآية ٧٠.
  238. سورة طه، الآية ١١٦-١٢١.
  239. المبادئ التربوية لطبيعة الإنسان في القرآن، هشام بني خلف ص١١-١٢.
  240. سورة البلد، الآية ٨-١٠.
  241. سورة الإنسان، الآية ٢-٣.
  242. سورة الكهف، الآية ٢٩.
  243. سورة التكوير، الآية ٢٧-٢٨.
  244. سورة الزمر، الآية ١٥.
  245. المبادئ التربوية لطبيعة الإنسان في القرآن، هشام بني خلف ص١١-١٢.
  246. سورة الشمس، الآية ٧-٨.
  247. سورة الإنسان، الآية ٢-٣.
  248. سورة الشمس، الآية ٩-١٠.
  249. انظر: مقومات الإنسانية في القرآن الكريم، أحمد مهنا، ص٨-٩.
  250. سورة الروم، الآية ٣٠.
  251. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب ما قيل في أولاد المشركين، ٢/١٠٠، رقم ١٣٨٥.
  252. سورة الروم، الآية ٣٠.
  253. انظر: التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٢/١٦٧،١٦٨.
  254. سورة النحل، الآية ٧٨.
  255. مقومات الإنسانية في القرآن الكريم، أحمد مهنا ص١٨-١٩.
  256. سورة الإنسان، الآية ٢-٣.
  257. سورة التين، الآية ٤.
  258. سورة التين، الآية ٥-٦.
  259. سورة الإسراء، الآية ٧٠.
  260. سورة الإسراء، الآية ٧١-٧٢.
  261. سورة البقرة، الآية ٣٧-٣٩.
  262. سورة طه، الآية ١٢٣-١٢٤.
  263. سورة الأعراف، الآية ٣٥-٣٦.
  264. مقومات الإنسانية في القرآن الكريم، أحمد مهنا ص١٩-٢٢.
  265. سورة النحل، الآية ٣٦.
  266. سورة فاطر، الآية ٢٤.
  267. جامع البيان، الطبري ١٤/٢١٧.
  268. سورة النمل، الآية ٤٥.
  269. انظر: تفسير السمرقندي ٢/٤٩٩، زاد المسير، ابن الجوزي ٦/١٨٠.
  270. سورة الأعراف، الآية ٧٥-٧٦.
  271. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  272. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  273. سورة النساء، الآية ٢٨.
  274. الأخلاق الإسلامية وأسسها، الميداني ١/٣٧٠.
  275. سورة النازعات، الآية ٢٧.
  276. سورة الروم، الآية ٥٤.
  277. سورة الإسراء، الآية ٧٠.
  278. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  279. سورة الإسراء، الآية ١١.
  280. سورة الأنبياء، الآية ٣٧.
  281. الأخلاق الإسلامية وأسسها، الميداني ١/٣٩٠ .
  282. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  283. سورة الكهف، الآية ٥٤.
  284. روح المعاني، الألوسي ٨/٣٨٣ .
  285. المفردات ص٨٩ .
  286. روح المعاني ٨/٣٨٣ .
  287. الأخلاق الإسلامية وأسسها، الميداني ١/٣٦١ .
  288. سورة الكهف، الآية ٥٤.
  289. سورة الكهف، الآية ٥٤.
  290. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التهجد، باب تحريض النبي، (ص)، على قيام الليل، رقم ١٢٧، ومسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب ما روي فيمن نام أجمع حتى أصبح، رقم ٧٧٥.
  291. تفسير القرآن الكريم، سورة الكهف، ابن عثيمين ص٩٧ .
  292. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  293. سورة الإسراء، الآية ١٠٠.
  294. انظر: لسان العرب، ابن منظور ٢/٣٥٢٥.
  295. سورة الإسراء، الآية ١٠٠.
  296. انظر: جامع البيان، الطبري ١٥/٩٨، تفسير السمرقندي ٢/٢٨٥.
  297. سورة العاديات، الآية ٨.
  298. سورة النساء، الآية ١٢٨.
  299. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  300. سورة المعارج، الآية ١٩.
  301. العين، الفراهيدي ١/١٠٧.
  302. انظر: لسان العرب، ابن منظور ٦/٤٦٨٥.
  303. انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص٧٧٦.
  304. انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ١/١٤٣.
  305. انظر: لسان العرب، ابن منظور ٦/٤٦٨٥.
  306. البيت في ديوانه ص٥٩١
  307. التحرير والتنوير ٢٩/١٦٧ .
  308. سورة المعارج، الآية ٢٠-٢١.
  309. سورة المعارج، الآية ٢٠-٢١.
  310. سورة المعارج، الآية ٢٠-٢١.
  311. انظر: روح المعاني، الألوسي ١٥/٦٩.
  312. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  313. سورة الأحزاب، الآية ٧٢.
  314. انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣/٤٦٨، لسان العرب، ابن منظور ٤/٢٧٥٦.
  315. انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣/٤٦٨، لسان العرب، ابن منظور ٤/٢٧٥٦.
  316. سورة البقرة، الآية ٢٧٣.
  317. التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٢/١٣٠.
  318. انظر: لسان العرب ١/٧١٣.
  319. سورة الأحزاب، الآية ٧٢.
  320. انظر: روح المعاني، الألوسي ١١/٢٧١.
  321. انظر: مدارك التنزيل، النسفي ٣/٤٩.
  322. مجموع فتاوى ابن تيمية ١٤/٣٨.
  323. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  324. سورة العلق، الآية ٦-٧.
  325. انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣/٤١٢، تهذيب اللغة، الأزهري ٨/١٥٣.
  326. التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٠/٤٤٤.
  327. الأخلاق الإسلامية وأسسها، الميداني ١/٣٧٩.
  328. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  329. سورة العاديات، الآية ٦.
  330. انظر: العين، الفراهيدي ٥/٣٣١، لسان العرب، ابن منظور ٥/٣٩٣٦.
  331. تفسير المراغي ٣٠/٢٢٢.
  332. التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٠/٥٠٢.
  333. انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٢/٤٣٦.
  334. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٠/٥٠٣.
  335. أخرجه البخاري في الأدب المفرد، رقم ١٦٠، ص٦٥.
  336. تفسير المراغي ٣٠/٢٢٢.
  337. تفسير المراغي ٣٠/٢٢٢.
  338. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  339. سورة الروم، الآية ٤-٥.
  340. انظر: لسان العرب، ابن منظور ٥/٣٣٧٢.
  341. سورة هود، الآية ١٠.
  342. سورة القصص، الآية ٧٦.
  343. التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٢/١٤.
  344. سورة آل عمران، الآية ١٧٠.
  345. انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٤/٥٤٧، البحر المحيط، أبو حيان ٥/٢٠٧.
  346. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  347. انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص٤٥٥.
  348. المفردات، الراغب الأصفهاني ص٣٧٤.
  349. سورة هود، الآية ١٠.
  350. انظر: فتح القدير، الشوكاني ٢/٦٧٧، روح المعاني، الألوسي ٦/٢١٦.
  351. سورة النساء، الآية ٣٦.
  352. زهرة التفاسير، أبو زهرة ٧/٣٦٧٤.
  353. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  354. سورة عبس، الآية ١٧.
  355. انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ١٠/١٩٣-٢٠٢.
  356. انظر: الوسيط، الواحدي ١/٨٣، معالم التنزيل، البغوي ١/٦٤.
  357. انظر: معاني الأبنية في العربية ص٩٤-١٠٠.
  358. سورة الشورى، الآية ٤٨.
  359. سورة هود، الآية ٩.
  360. سورة الإسراء، الآية ٦٧.
  361. سورة إبراهيم، الآية ٣٤.
  362. سورة الإسراء، الآية ٨٩.
  363. سورة الزخرف، الآية ١٥.
  364. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  365. سورة القيامة، الآية ٥.
  366. انظر: لسان العرب، ابن منظور ٥/٣٣٥٢.
  367. التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٩/٣٤١.
  368. معالم التنزيل، البغوي ٨/٢٨١.
  369. انظر: مفاتيح الغيب ٣٠/٢١٨، أنوار التنزيل، البيضاوي ٣/٤٧٢.
  370. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  371. سورة النحل، الآية ٤.
  372. سورة يس، الآية ٧٧.
  373. انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٣/٢٦١، التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٤/١٠٢.
  374. أضواء البيان، الشنقيطي ٣/٢٦١.
  375. فتح البيان، القنوجي ١١/٣٢٥.
  376. سورة يس، الآية ٧٨.
  377. سورة الفرقان، الآية ٥٥.
  378. انظر: الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ٦/٣٩٥٠.
  379. سورة الرحمن، الآية ٣-٤.
  380. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  381. انظر: لسان العرب، ابن منظور ٦/٤٩٤٥، القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص٥٨٢.
  382. جامع البيان، الطبري ١٢/٣٣٩.
  383. سورة هود، الآية ٩.
  384. سورة فصلت، الآية ٤٩.
  385. سورة الإسراء، الآية ٨٣.
  386. انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٧/١٩٩، زهرة التفاسير، أبو زهرة ٧/٣٦٧٣.
  387. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  388. انظر: لسان العرب، ابن منظور ٥/٣٧٥٢، تاج العروس، الزبيدي ٢٠/٥٦.
  389. سورة فصلت، الآية ٤٩.
  390. تفسير القرآن، السمعاني ٥/٥٩.
  391. انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٧/٤٨٢، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٥/١٠.
  392. حدائق الروح والريحان، الهرري ٢٦/١٣.
  393. سورة الحجر، الآية ٥٦.
  394. التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٥/١١.
  395. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  396. سورة فاطر، الآية ٦.
  397. سورة فاطر، الآية ٦.
  398. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب،باب خلق الإنسان خلقاً لا يتمالك، رقم ٢٦١١، ٢/١٢١٠.
  399. سورة البقرة، الآية ٣٤.
  400. سورة الأعراف، الآية ١٢.
  401. سورة الإسراء، الآية ٦١.
  402. سورة الإسراء، الآية ٦٢.
  403. سورة الأعراف، الآية ١٣.
  404. سورة الأعراف، الآية ١٤.
  405. سورة الأعراف، الآية ١٥.
  406. سورة الأعراف، الآية ١٦-١٧.
  407. سورة الأعراف، الآية ٢٠.
  408. سورة طه، الآية ١٢٠-١٢٣.
  409. سورة الإسراء، الآية ٦٢-٦٥.
  410. سورة البقرة، الآية ١٦٨.
  411. سورة البقرة، الآية ٢٠٨.
  412. سورة الأنعام، الآية ١٤٢.
  413. سورة الأعراف، الآية ٢٢.
  414. سورة يوسف، الآية ٥.
  415. سورة يس، الآية ٦٠.
  416. سورة الزخرف، الآية ٦٢.
  417. سورة الإسراء، الآية ٥٣.
  418. زهرة التفاسير، أبو زهرة ١/٤٩٩.
  419. سورة النساء، الآية ١٠١.
  420. سورة النساء، الآية ١١٩.
  421. سورة الحجر، الآية ٤٢.
  422. سورة الإسراء، الآية ٦٥.
  423. سورة النحل، الآية ٩٨-١٠٠.
  424. سورة إبراهيم، الآية ٢٢.
  425. سورة الناس، الآية ١-٦.
  426. سورة محمد، الآية ٢٥.
  427. سورة النساء، الآية ٧٦.
  428. الأخلاق الإسلامية وأسسها، الميداني ١/١٧٣.
  429. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  430. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  431. سورة الإنفطار، الآية ٦-٨.
  432. التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٠/١٧٣.
  433. سورة الإنفطار، الآية ٩-١٠.
  434. التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٠/١٧٣.
  435. انظر: التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٢/٥٤٤، روح المعاني، الألوسي ١٥/٢٦٩.
  436. التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب ١٦/١٨٤٠.
  437. تفسير المراغي ٣٠/٦٦.
  438. سورة الأحزاب، الآية ٧٢.
  439. انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٨/٥٥٤، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٢/١٢٢.
  440. انظر: التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٢/٥٤٤، مدارك التنزيل، النسفي ٣/٦١٠.
  441. التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٢/٥٤٤.
  442. في ظلال القرآن، سيد قطب ٦/٣٨٤٧.
  443. سورة الإنفطار، الآية ٧.
  444. سورة البقرة، الآية ٢٨.
  445. سورة الكهف، الآية ٣٧.
  446. اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٢٠/١٩٨.
  447. انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٨/٥٥٤، التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٢/٥٤٥.
  448. سورة البقرة، الآية ٢٩.
  449. التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٠/١٧٥.
  450. سورة الإنفطار، الآية ٨.
  451. تفسير المراغي ٣٠/٦٦.
  452. سورة التين، الآية ٤.
  453. سورة إبراهيم، الآية ٣٤.
  454. سورة الإسراء، الآية ٧٠.
  455. سورة الذاريات، الآية ٥٦.
  456. سورة الإنشقاق، الآية ٦-١٥.
  457. سورة الحاقة، الآية ١٩.
  458. التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٠/٢٢١.
  459. معارج التفكر ودقائق التدبر، الميداني ١٥/٩٣.
  460. التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٠/٢٢١.
  461. سورة الإنشقاق، الآية ٦.
  462. أخرجه أحمد في مسنده ٧/٢٥٩، رقم ٤٢٠٧، وأبو داوود في سننه، كتاب الزكاة، باب من يعطى من الصدقة، ٢/١١٦، رقم ١٦٢٦، والنسائي في سننه، باب حد الغنى، ٥/٩٧، رقم ٢٥٩٢، وابن ماجه في سننه، كتاب الزكاة، باب من سأل عن ظهر غنى، ١/٥٨٩، رقم ١٨٤٠. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، ١/٨٩٩، رقم ٤٩٩.
  463. سورة الحاقة، الآية ١٨.
  464. انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٨/٥٦٨.
  465. سورة البلد، الآية ٤.
  466. معارج التفكر ودقائق التدبر، الميداني ١٥/٩٨.
  467. الأخلاق الإسلامية، الميداني ١/٣٤٦.
  468. سورة الإنشقاق، الآية ٦.
  469. سورة الانشقاق، الآية ٧-٩.
  470. سورة الإسراء، الآية ١٣-١٤.
  471. سورة الانشقاق، الآية ٧-٨.
  472. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب من سمع شيئاً فلم يفهمه، ١/٣٢، رقم ١٠٣، ومسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب إثبات الحساب، ٤/٢٢٠٤، رقم ٢٨٧٦.
  473. سورة الحاقة، الآية ١٩.
  474. التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب ١٦/١٥٠٣.
  475. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  476. سورة البقرة، الآية ١٣٢.
  477. سورة النساء، الآية ١٣١.
  478. سورة العنكبوت، الآية ٨.
  479. سورة النساء، الآية ١١.
  480. سورة المائدة، الآية ١٠٦.
  481. سورة العصر، الآية ٣.
  482. سورة الذاريات، الآية ٥٣.
  483. المفردات ص٥٢٥.
  484. سورة العنكبوت، الآية ٨.
  485. سورة لقمان، الآية ١٤-١٥.
  486. سورة الأحقاف، الآية ١٥-١٦.
  487. انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٦/٢٥٧، روح المعاني، الألوسي ١٠/٣٤٤.
  488. في ظلال القرآن، سيد قطب ٦/٣٢٦١.
  489. المفردات ص١١٩.
  490. انظر: الكشاف، الزمخشري ٤/٥٣٧، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٦/٣٤٠.
  491. سورة العنكبوت، الآية ٨.
  492. سورة العنكبوت، الآية ٨.
  493. سورة العنكبوت، الآية ٨.
  494. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/٢٦٥.
  495. التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١/١٥٧.
  496. سورة لقمان، الآية ١٤.
  497. سورة لقمان، الآية ١٥.
  498. ملامح الطبيعة الإنسانية في القرآن، أروى التل، ص٢٨٥.
  499. سورة الأحقاف، الآية ١٥.
  500. سورة الأحقاف، الآية ١٥.
  501. في ظلال القرآن، سيد قطب ٦/٣٢٦٢.
  502. التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦/٣١.
  503. سورة الأحقاف، الآية ١٥.
  504. التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦/٣١.
  505. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب من أحق الناس بحسن الصحبة، رقم ٥٩٧١.
  506. المحرر الوجيز، ابن عطية ٧/٤٧.
  507. سورة لقمان، الآية ١٤.
  508. سورة العنكبوت، الآية ٨.
  509. سورة لقمان، الآية ١٥.
  510. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.