بعثة الأنبياء في علم الكلام
أسباب ضرورة بعثة الأنبياء
البحث هنا يدور حول الأدلة المثبتة لضرورة وجود النبي؛ فضلاً عن كون وجوده أمراً غير ممتنع عقلاً.
وعلى هذا الأساس فقد تناول الفلاسفة والمتكلمون والعرفاء المسلمون هذا الموضوع، وأقاموا الحجج والبراهين على إثبات ضرورة بعثة الأنبياء.
وقبل البدء بسرد تلك الأدلة، تتحتّم الإشارة إلى منهجيّة البحث في تناول هذه المسألة؛ فقد انتهج المفكرون الإسلاميون لإثبات ضرورة ابتعاث الأنبياء جملةً من المناهج المتنوعة منها: المنهج العقلي النظري، والمنهج العقلي العملي، والمنهج الوظيفي. وقد تطرّق الفلاسفة من خلال بيانهم لحاجات الإنسان، والمتكلّمون من زاوية تناولهم لبحث الحسن والقبح العقليين وقاعدة اللطف، وكلاهما من نافذة استعراضهم لوظائف البعثة، تطرّقوا إلى ضرورة وجود الأنبياء ومدى حاجة الإنسان إليهم. وفيما يأتي نشير بتفصيل إلى الضرورة الوحيانية والكلامية والفلسفية والعرفانية التي تكتنف بعثة الأنبياء. [١]
الضرورة الوحيانية لابتعاث الأنبياء
تناول القرآن الكريم والحديث الشريف المروي عن أئمّة الدين: ضرورة وجود الأنبياء الإلهيين وحاجة البشرية إليهم بسلوك المنهج الوظيفي الشارح لوظائفهم والمنافع المترتبة على وجودهم؛ نشير إلى بعضها فيما يأتي:
الوظيفة الأولى
بعث الحق تبارك وتعالى الأنبياء لهداية الإنسان نحو عبادة الله واجتناب الطاغوت؛ يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾[٢]. ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾[٣].
فالأنبياء - علاوةً على قيامهم بترغيب الناس في عبادة الله واجتناب الطاغوت والأصنام التي صنعتها أيديهم - كانوا يوصون بمجابهة طاغوت النفس وأصنامها، وإنّ شرّ الأصنام لهي الأصنام التي في النفوس، وإنّ اتباع الإنسان لهواه وما تشتهيه نفسه وتميل إليه لأمر ينتهي بالمرء إلى الوقوع في هاوية الانحراف والاعوجاج والابتعاد عن الصراط المستقيم وجادّة القرب الإلهي.
لقد ابتلي الإنسان في العصر الراهن بعد ما كنز من ثروات، وما اكتسبه من سلطة وأمور دنيوية وصلت معه إلى حدّ الذروة، وما اقترفه بانغماسه في أوحال الشهوة والغضب، لقد ابتلي بمزيد من التخبط وهو يرزح تحت وطأة عبادة النفس والصنم. والتاريخ شاهد على أنّ المجتمع كلّما ابتعد عن الأنبياء زادت معاناته من ويلات الشرك والطاغوت.
الوظيفة الثانية
وهي الحكم والقضاء بين الناس بالحقّ، ومخالفة الهوى والنفس. يقول تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾[٤].
وإذا قيل إنّ الإنسان قادر على تمييز الحق من الباطل بما يعرفه من الحسن والقبح العقليين؛ من دون الحاجة إلى الشريعة، فإنّنا نقول:
- إنّ كثيراً من القوانين لا يُدركها العقل البشري، ولا يُتوصّل إليها باتّباع الأذواق والمشارب العرفية المتلونة.
- لعلّ الأحكام التي يتوصّل الإنسان إلى حُسنها أو قبحها بسلوكه طريق العقل والتجربة قد تؤدّي به إلى نتائج ضارّة، لا يمكن له تفاديها، وهي حقائق قابلة للتجربة، لكنّها غير قابلة للاستدراك والتعويض، ويكفي للإنسان أن يخوض غمار تجربتها ليقضي بذلك على جوهر وجوده، ويعرّضه للدمار والاضمحلال؛ كما في موضوع العلاقات الجنسية مثلاً؛ فلو لم تؤطّر بإطار الشريعة الإسلامية التي أمرت بوضع حدود لها، وتُرك أمرها بيد التجربة البشرية، لعاثت هذه التجربة في أرض الوجود الإنساني وكيانه فساداً، ولمرّغت أنف الإنسان في التراب، ولما نفعه أيّ شيء بعد إزاحة الستار عن الأضرار التي لحقت بالبشرية من جراء إطلاق العنان لحرّيّة جنسيّة مطلقة، وعندئذٍ ليس هناك ما يجبر خسائر هذا الإنسان أو ما يعوّض له مصيباته. ولهذا، فليس من محيص عن التمسك بالشريعة التي ضمنت تطابق قوانينها مع مسيرة الإنسان التكاملية؛ من دون دفع أيّ ضريبة، أو الوقوع في رهانات خاسرة غير قابلة للتعويض.
الوظيفة الثالثة
وهي إقامة القسط وإرساء العدالة الاجتماعية بين الناس. يقول تعالي: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾[٥]
فإنّ الأنبياء موظفون بتبليغ حقائق الشريعة والمعارف والقوانين الإلهية الحقة حتى يتحقّق العدل الذي أمر الناس بتحقيقه والقيام بأمره.
الوظيفة الرابعة
وهي تعليم الكتاب والحكمة والأوامر الإلهية وما لا يعرفه الإنسان، وتهذيب المجتمع على مختلف الصعد. يقول تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾[٦].
فالأنبياء الإلهيون مأمورون بتعليم الحكمة وتزكية النفوس؛ فضلاً عن واجبهم بشأن تلاوة الآيات الإلهية، وتعليم الكتاب السماوي، والرقيّ بمعلومات البشر التي لا يستغني فيها الإنسان عن الغيب.
والحكمة هنا بمعنى إدراك الحقائق التي إن عمل الإنسان على وفقها لأخذت به إلى طريق الفلاح، وهي علم قرين بالعمل، نتيجته تهذيب النفس، وتطهير الباطن.
الوظيفة الخامسة
وهي إخراج الناس من الظلمات إلى النور. يقول تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾[٧].
فالناس قد ابتلوا في حياتهم بظلمات الدنيا وحُجُبها، ولا سبيل لهم للخلاص من دون التشبث بأذيال الفطرة النيرة التي أودعها الله تبارك وتعالى لانتشال الإنسان من ظلمات الضياع، وقد نزل الكتاب السماوي الإلهي على الأنبياء ليُخرج الناس من الظلمات ويُنقذهم من الحجب الظلمانية.
الوظيفة السادسة
وهي إتمام الحجة وإلقائها على الناس يقول تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾[٨].
ليس في وسع الإنسان أن يجد طريق سعادته على نحو تامّ إذا ما اكتفى بما يملك من أدوات ومصادر معرفيّة أو دعتها السماء في خلقته؛ مثل: الحس والتجربة والعقل والضمير، ولهذا فلن يصل إلى جادّة الهداية. وإذن لأمكن لهذا الإنسان أن يقف بين يدي ربّه محاججاً ومبرهناً بالدليل العقلي حقّه في الدفاع عن نفسه بوجود نقص وخلل معرفيّ كان بالإمكان تفاديه؛ بأن يمنحه الله سبحانه وتعالى مصدراً معرفياً آخر يهتدي به إلى سواء السبيل. فلأجل أن يقطع الله عز وجل هذه الحجة من الأساس، بعث إلى الناس رسله وأنبياءه هداةً، يحملون لهم البشرى والنُّذُر. ولهذا، عُدّ موضوع إتمام الحجة وإلقائها على الناس واحداً من الأسباب الداعية لابتعاث الأنبياء.
الوظيفة السابعة
وهي إعادة الروح والحياة إلى الإنسان يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾[٩].
وهذه الآية تشير إلى أنّ الإنسان يمتلك حياة أخرى غير حياته النباتية والحيوانية؛ ألا وهي الحياة الروحانية الإنسانية، ولا يتيسّر له تأمين متطلّبات هذه الحياة الروحانية من دون بعثة الأنبياء، وطاعة الناس لهم.
الوظيفة الثامنة
وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبيان الأحكام الإلهية، والحلال والحرام، والتحرّر من أغلال الأسر والقهر. يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[١٠].
ما من شكّ في أنّ التعاليم والأحكام السماوية التي يُظهرها الأنبياء الإلهيون للناس كفيلة بإنقاذ البشرية من قيود الأسر الداخلي والخارجيّ؛ فإنّ الإنسان قد يقع بتمرّده على الأحكام الإلهية في شباك شياطينه الداخلية (النفس الأمارة بالسوء)، وشياطينه الخارجية (الطاغوت)، وهو أمرٌ يُسفر - في نهاية المطاف - عن تكبيله بقيود الأسر الروحي والاجتماعيّ. وليس هناك من منقذٍ يقوده إلى الحرية الروحية والاجتماعيّة وإلى الفلاح والسعادة غير اتّباع الرسل الإلهيين وطاعة أمرهم.
الوظيفة التاسعة
وهي رفع الاختلاف والانشقاق في صفوف الأمة. يقول تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾[١١].
إحدى الوظائف الأخرى المناطة بالأنبياء هي رفع الاختلاف في المجتمع الإنساني قبل أن يأتيه العلم أو يدعى للهداية والصراط المستقيم.
يقول العلامة الطباطبائي في تفسيره لهذه الآية الكريمة: إنّ الإنسان - وهو نوع مفطور على الاجتماع والتعاون - كان في أوّل اجتماعه أمة واحدة ثم ظهر فيه بحسب الفطرة الاختلاف في اقتناء المزايا الحيوية، فاستدعى ذلك وضع قوانين ترفع الاختلافات الطارئة، والمشاجرات في لوازم الحياة فألبست القوانين الموضوعة لباس الدين، وشفعت بالتبشير والانذار: بالثواب والعقاب، وأصلحت بالعبادات المندوبة إليها ببعث النبيين، وإرسال المرسلين، ثم اختلفوا في معارف الدين أو أمور المبدأ والمعاد، فاختل بذلك أمر الوحدة الدينية، وظهرت الشعوب والأحزاب، وتبع ذلك الاختلاف في غيره، ولم يكن هذا الاختلاف الثاني إلا بغيا من الذين أوتوا الكتاب، وظلما وعتوا منهم بعد ما تبين لهم أصوله ومعارفه، وتمت عليهم الحجة، فالاختلاف اختلافان: اختلاف في أمر الدين مستند إلى بغي الباغين دون فطرتهم وغريزتهم، واختلاف في أمر الدنيا وهو فطري وسبب لتشريع الدين، ثم هدى الله سبحانه المؤمنين إلى الحق المختلف فيه بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. فالدين الإلهي هو السبب الوحيد لسعادة هذا النوع الإنساني، والمصلح الأمر حياته[١٢].
ثمّ يتابع في بيانه للاختلاف الثاني قائلاً:
ومن هنا، يُعلم أنّ قريحة الاستخدام في الإنسان بانضمامها إلى الاختلاف الضروري بين الأفراد من حيث الخلقة ومنطقة الحياة والعادات والأخلاق المستندة إلى ذلك، وإنتاج ذلك للاختلاف الضروري من حيث القوة والضعف يؤدّي إلى الاختلاف والانحراف عن ما يقتضيه الاجتماع الصالح من العدل الاجتماعي،... فكان بروز الاختلاف مؤدياً إلى الهرج والمرج، وداعياً إلى هلاك الإنسانية، وفناء الفطرة، وبطلان السعادة. وهذا الاختلاف ضروريّ الوقوع بين أفراد المجتمعين من الإنسان؛ لاختلاف الخلقة باختلاف المواد، وإن كان الجميع إنساناً بحسب الصورة الإنسانية الواحدة، والوحدة في الصورة تقتضي الوحدة من حيث الأفكار والأفعال بوجه، واختلاف المواد يؤدّي إلى اختلاف الإحساسات والإدراكات والأحوال - في عين أنها متحدة بنحو - أو اختلافها يؤدّي إلى اختلاف الأغراض والمقاصد والآمال، واختلافها يؤدّي إلى اختلاف الأفعال، وهو المؤدي إلى اختلال نظام الاجتماع. وظهور هذا الاختلاف هو الذي استدعى التشريع، وهو جعل قوانين كلّيّة يوجب العمل بها ارتفاع الاختلاف، ونيل كلّ ذي حقّ حقّه[١٣].
وهنا، يمكن الإشارة إلى بعض النقاط التي يمكن لنا أن نستفيدها من هذه الآية الكريمة على النحو الآتي:
- الدين هو نهج معيّن في الحياة الدنيا يضمن للإنسان مصالحه في الدنيا، كما يضمن له كماله الأخروي وحياته الحقيقية الخالدة عند المليك المقتدر.
- نزل الدين منذ فجر ظهوره لحلّ الاختلاف الفطري بين البشر.
- الدين الإلهي متّجه دائماً نحو الكمال حتّى يضمن للإنسان تلبيته لجميع التشريعات التي يحتاجها على مختلف الصعد، وهنا يبلغ الدين كماله.
- كلّ شريعة لاحقة أكمل من الشريعة السابقة لها.
- السبب الذي دعا لإرسال الرسل وإنزال الكتب هو المسار الطبيعي والفطري الذي يسير فيه البشر نحو الاختلاف، ولهذا فإنّ الله تبارك وتعالى قاد المجتمع البشري صوب الكمال المطلوب وإلى جهة الصلاح والفلاح في الحياة من خلال إرساله الأنبياء وتشريعه للشرائع، وبدّد بذلك الفرقة والاختلاف؛ فإنّ إحدى الشؤون الربوبية لله جل وعلا هو أن يهدي كل مخلوق من مخلوقاته إلى درجة الكمال في خلقته.
- يُستفاد من انتساب البعثة إلى الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم الاختلاف أن بين الناس لا يُحلّ إلا من جانبه عَزَّوَجَلَّ.
- المجتمع الإنساني ينزع نحو الاختلاف كما ينزع نحو التمدن والتحضّر.
- الاختلاف على السبيل المؤدي إلى السعادة يمكن له أن يؤدّي إلى استئصال البشرية واقتلاعها من جذورها.
- لا يمكن للمعادلات العقلية والفكرية عند البشر أن تقضي على الاختلاف في المجتمع الإنساني.
- نستنتج أنّ الله تبارك وتعالى هو الوحيد القادر على رفع هذه الاختلافات بإرساله الرسل، وبما يُفيضه على عباده من الوحي والشريعة.
الوظيفة العاشرة
وهي الجامعية والشموليّة. يروي الشيخ الكليني خمسة أحاديث عن ضرورة ابتعاث الأنبياء والحجج الإلهية في كتابه «الكافي»؛ أحدها: رواية هشام بن الحكم؛ حيث ورد فيها أنّ الإمام الصادق. عندما سأله زنديق عن الأنبياء والرسل؛ كيف السبيل إلى إثباتهم؟ قال: «لَمَّا أَثْبَتْنَا أَنَّ لَنَا خَالِقاً، صَائِعاً، مُتَعَالِياً عَنَّا وَعَنْ جَميع مَا خَلَقَ، وَكَانَ ذلِكَ الصَّانِعُ حَكِيماً مُتَعَالِياً، لَمْ يَجْرُ أَنْ يُشَاهِدَهُ خَلْقُهُ وَلاَ يُلاَ مِسُوهُ؛ فَيُبَاشِرَهُمْ وَيُبَاشِرُوهُ، وَيُجَاجهُمْ وَيُحَاجُوهُ، ثَبَتَ أَنَّ لَهُ سُفَرَاءَ فِي خَلْقِهِ يُعَبِّرُونَ عَنْهُ إِلى خَلْقِهِ وَعِبَادِهِ، وَيَدُلُّونَهُمْ عَلَى مَصَاحِهِمْ وَمَنَافِعِهِمْ وَمَا بِهِ بَقَاوِهُهُمْ وَفِي تَرْكِهِ فَنَاوِهُهُمْ، فَثَبَتَ الْآمِرُونَ وَالنَّاهُونَ عَن الحكيم الْعَلِيم في خَلْقِهِ، وَالمُعَبِّرُونَ عَنْهُ جَلَّ وَعَزَّ، وَهُمُ الأنبياء: وَصَفْوَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ، حُكَماءَ مُوءَ ذَبِينَ بِالحِكْمَةِ، مَبْعُوثِينَ بِهَا، غَيْرَ مُشَارِكِينَ لِلنَّاسِ - عَلى مُشَارَكَتِهِمْ هُمْ فِي الخَلْقِ وَالتَّرْكِيب - في شَيْءٍ مِنْ أَحْوَالِهِمْ، مُؤَيَّدِينَ مِنْ عِنْدِ الحكيم العليم بالحِكْمَةِ، ثُمَّ ثَبَتَ ذلِكَ فِي كُلِّ دَهْرٍ وَزَمَانِ مِمَّا أَنتُ بِهِ الرُّسُلُ وَالأَنْبِيَاءُ مِنَ الدَّلائِل وَالْبَرَاهِينِ؛ لِكَيْلَا تَخْلُوَ أَرْضُ اللهُ مِنْ حُجَّةٍ يَكُونُ مَعَهُ عِلْمٌ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِ مَقَالَتِهِ وَجَوَازِ عَدَالَتِهِ»[١٤].
وبناءً على ما تقدّم، فإنّ تحقّق الهدف من خلق الإنسان - وهو معرفة المبدأ والمعاد وسائر المجهولات - مرتهن بابتعاث الأنبياء، وغير ممكن من دونه. وقد بعث الله تبارك وتعالى الأنبياء على أساس من حكمته البالغة واستعداد الإنسان في تحمّل الدعوة؛ ليعلّموا الناس التوحيد وعبادة الله الواحد الأحد؛ رجاء مثوبة الآخرة، وقدموا إليهم ليضعوا عنهم أغلال الاختلاف والخصومة، وليتمّوا الحجة عليهم بالتبشير والإنذار، وتأسيس الحكومة الدينية، وتعليم الكتاب والحكمة[١٥]
الضرورة الكلامية لابتعاث الأنبياء
تناول المتكلمون المسلمون قضية ضرورة ابتعاث الأنبياء، وأقاموا الحجة عليها من خلال دراستهم لصفتي «الكمال» و«اللطف» الإلهيين، أو من خلال «قاعدة اللطف»، أو «مبدأ الحسن والقبلح العقليين».
يبيّن المحقق اللاهيجي آراء المتكلمين المسلمين فيما يخصّ إثبات النبوة على النحو الآتي:
اعلم أنّ الأشاعرة لا سبيل لهم لإثبات النبوة عقلاً، بل طريقهم إلى ذلك منحصر بالسمع، وبتصديق النبوة من خلال مشاهدة المعجزة. ولهذا، فإنّ أمرهم عسير؛ لأنّه يلزم من اتباع طريقتهم إلزام الأنبياء؛ فهم لا يؤمنون بحكم العقل، ولا يقبلون بأن يكون العقل قد أوجب شيئاً، فلا يجب إذن النظر في المعجزة إلا عن طريق السمع، والسمع الموقوف على النبوة لا يثبت إلا بالنظر في المعجزة، وللأمة أن تمتنع عن النظرة في المعجزة قائلةً: لا أنظر حتى يجب عليّ النظر، وإذا لم أنظر لم يجب عليّ قبول الدعوى، ولا تصديق النبوة؛ فلا طريق إذن للنبيّ لكي يثبت به نبوّته، ويُلزم الآخرين بها.
أمّا المعتزلة القائلين بوجوب النظر عقلاً، فيرون أنّ دفع الخوف عن النفس واجب بضرورة العقل، وإهمال النظر في المعجزة موجب للخوف لا محالة، وجب للخوف لا محالة، وطالما أنّ قول مدّعي المعجزة يُحتمل فيه الصدق، وعلى تقدير الصدق وعدم الاتباع يرد الضرر، فلا يمكن بعد وجوب دفع الضرر المتوقع أن يمتنع المرء من النظر في المعجزة. وبهذا، يكتفي المعتزلي بوجوب النظر في المعجزة؛ لأنها تُثبت نبوّة الشحص المدعي لها، لكنّ وجوب النظر في المعجزة مرتهن باحتمال الصدق كما أشير إليه، واحتمال الصدق يتحقق عندما يكون أصل النبوة أمراً مكن الوقوع بالإمكان العام؛ فلابدّ أوّلاً من إثبات صحّة النبوة وحسن بعثة الأنبياء[١٦].
وفيما يلي نورد بإيجاز بعض الأدلة الكلامية الدالة على ضرورة ابتعاث الأنبياء[١٧]:
دليل اللطف
يرى المتكلمون المسلمون أنّ ابتعاث الأنبياء لطفٌ؛ لأنه بيان لقبح الأفعال والأحوال في القيامة، أو هو بيان لحُسنها؛ أي إنّه يقرب الناس من طاعة الله، ويبعدعم عن معصيته مع المحافظة على اختيارهم، واللطف يتحلّى بالحسن العقلي، وكلّ ما هو حسن عقلاً، فهو واجب على الله. ولهذا، فإنّ بعثة الأنبياء واجبة عليه عز وجل عقلاً.
وقد ذهب الشيخ المفيد - وهو أحد كبار المتكلمين من الإمامية - في جوابه على مسألة الدليل على وجوب نصب الأنبياء والرسل إلى أنّ دليلنا هو اللطف الواجب على الله سبحانه وتعالى، وقال معرَّفاً اللطف: اللطف هو ما يقرب المكلف معه من الطاعة، ويبعد عن المعصية، ولا حظّ له في التمكين، ولم يبلغ الإلجاء[١٨].
بيّن توقف غرض الله تبارك وتعالى المتمثل بهداية الناس عليه قائلاً: الدليل على وجوبه توقف غرض المكلف عليه، فيكون واجباً في الحكمة؛ وهو المطلوب[١٩].
وكتب السيد المرتضى - وهو أحد أعلام المتكلمين الشيعة - في موضوع ضرورة ابتعاث الأنبياء مستفيداً من قاعدة اللطف ما نصّه: اعلم أنه غير ممتنع أن يعلم الله تعالى أنّ في أفعال المكلف ما إذا فعله اختار عنده فعل الواجبات العقلية، أو الامتناع عن القبائح العقلية، وفيها ما إذا فعله اختار فعل القبيح أو الإخلال بالواجب، وإذا علم الله تعالى ذلك فلا بدَّ من اعلام المكلف به ليفعل ما يدعوه إلى فعل الواجب ويعدل ما يدعوه إلى فعل القبيح، لأن اعلامه بذلك من جملة ازاحة علّته في التكليف. وإذا كان تمييز ما يدعو من أفعاله أو يصرف لا سبيل إليه باستدلال عقلي، ولم يحسن أن يفعل الله تعالى له العلم الضروري به؛ فتجب بعثة من يُعلِمه بذلك[٢٠].
وقرّر المحقق الطوسي في «التجريد» يقول: البعثة واجبة؛ لاشتمالها على اللطف في التكاليف العقلية[٢١].
وهذا يعني أنّ بعثة الأنبياء طالما أنها لطف في التكاليف العقلية، واللطف فعل إلهيّ، وواجب على الله جل وعلا، فإنّ ابتعاث الأنبياء واجب على الحق عَزّ وَجَلَّ. وكما تقدّم فإنّ تعريف اللطف أن يقال: ما يقرب المكلف معه من الطاعة، ويبعد عن المعصية، ولا حظّ له في التمكين، ولم يبلغ الإلجاء[٢٢].
وقد قالوا في تعريفه أيضاً: اللطف هو كلّ ما يختار عنده المرء الواجب، ويتجنّب القبيح، أو ما يكون عنده أقرب إما إلى اختيار الواجب، أو ترك القبيح[٢٣].
ولمزيد من الأضواء على ذلك نقول: اللطف صفة فعلية من صفات الله سبحانه وتعالى تتعلق بالمكلّفين، وهي أمر يوجد في انفسهم الداعي لإيجاد التكليف، أو التقرب منه، ولهذا قسّموا اللطف إلى قسمين: مُقرّب، ومحصِّل.
وشروط اللطف هي:
- ألا تكون القدرة على فعل التكاليف مرتهنة بذلك اللطف؛ لأنّ اللطف فرع التكليف، والتكليف فرع القدرة على فعل المكلف به.
- ألا يؤدّي اللطف بالمكلّف إلى الدخول في دائرة الإجبار وسلب الاختيار.
والدليل على وجوب اللطف هو «الحكمة الإلهية»؛ فاللطف هو أحد التدابير الحكيمة التي يقرّرها المولى تبارك وتعالى ليتحقق بها هدف خلق الإنسان؛ ألا وهو الهداية. ولهذا قال المحقق الطوسي: اللطف واجب؛ ليحصل الغرض به[٢٤].
وهذا يعني أنّ الله تبارك وتعالى إذا علم بأنّ الطاعة أو التقرب إلى الطاعة لا يحصل من دون تحقق فعل أو أمر ما، فمن الواجب على الله عز وجل أن يفعله؛ كي لا يؤدّي ذلك إلى نقض الغرض. وقد أشار المتكلمون أيضاً إلى نقطة أخرى تتعلق بفاعل اللطف؛ فقالوا إنّه إما الله سبحانه وتعالى كما في إرسال الرسل، أو إنه المكلف نسبةً إلى نفسه، ومثاله: التأمل في معجزات الأنبياء، أو إنّه المكلف نسبةً إلى الغير، ومثاله: تبليغ الأحكام الإلهية إلى الناس.
وحصيلة القول: تُعدّ بعثة الأنبياء لبيان الأحكام التي هي مؤكّدة لأحكام العقل لُطفاً، أمّا بعثتهم لبيان الأحكام التي لا يستقلّ العقل في إدراكها، فليست من مصاديق اللطف؛ لأنّ الأحكام التي يُبيّنها الأنبياء في هذه الحالة أحكام صانعة للتكليف، وقد ذكرنا أنّ الشرط في قاعدة اللطف أن يكون هذا اللطف متفرّعاً عن التكليف. وعلى هذا الافتراض، فإنّ ضرورة بعثة الأنبياء مبنيّة على الحكمة الإلهية.
وبناءً على ما تقدّم، تدلّ قاعد اللطف على ضرورة البعثة حينما تكون أحكام الأنبياء أحكاماً مؤكّدة لأحكام العقل، وتدلّ قاعدة الحكمة على ضرورة البعثة حينما يكون بيان الأحكام من قبل الأنبياء خارجاً عن دائرة أحكام العقل البشري. [٢٥]
برهان الحكمة
استخدم المتكلمون من الإمامية والمعتزلة والماتريدية برهان الحكمة في إثبات ضرورة بعثة الأنبياء؛ ومنهم: القاضي عبد الجبار المعتزلي[٢٦]، وأبو منصور الماتريدي. [٢٧] أمّا المتكلمون من الأشاعرة فقد أقصوا هذا البرهان عن أبحاثهم لأجل موقفهم المانع من استخدام معطيات العقل العملي في إثبات ضرورة بعثة الأنبياء. وقد أعلنوا معارضتهم لذلك صراحةً؛ ومنهم: الشهرستاني بصفته أحد أعلام المتكلمين الأشاعرة؛ حيث قال: لا يجب على الله شيء ما بالعقل[٢٨].
وهذا يعني أنّ إثبات ضرورة البعثة لا يقوم عليه أيّ دليل عقلي.
ويرى العلامة الحلي أنّ النبوة أمر حسن؛ خلافاً لما ذهبت إليه البراهمة، وأمر واجب في الحكمة؛ خلافاً للأشاعرة؛ فإنّ غاية الله تبارك وتعالى من خلق الإنسان أن ينال المصلحة، ومعرفة المصلحة، وكذا طرد المفسدة واجب في الحكمة الإلهية. وهذا الوجوب جارٍ في أحوال المعاش، وأحوال المعاد.
وقد ذهب العلامة إلى أنّ الحكمة الإلهية تقتضي في بيان أحوال المعاش أن يسلم الجنس البشري في حياته الاجتماعية. أمّا الحكمة الإلهية في بيان أحوال المعاد فهي مبنيّة على أساس السعادة الأخروية التي لا تنال إلا من خلال المعارف الحقة والأعمال الصالحة. وإنّ بيان هذه الحقائق والأعمال لا يتيسّر إلا عن طريق الأنبياء الإلهيين[٢٩].
ومن المعاصرين، استخدم العلامة الشيخ مصباح اليزدي في كتابه «دروس في العقيدة الإسلامية» برهان الحكمة لإثبات ضرورة بعثة الأنبياء، وقد جعله متشكّلاً من ثلاث مقدّمات؛ هي:
- هدف خلق الإنسان هو التكامل بالاختيار.
- التكامل الاختياري للإنسان رهين بالأفعال الاختيارية.
- المعارف العقلية والحسية عند الإنسان غير كافية للوقوف على طريق الكمال والسعادة.
والنتيجة: يلزم على الله جل وعلا أن يدلّ الإنسان على طريق آخر غير الحس والعقل؛ ليوصله به إلى الكمال[٣٠].
وبتعبير آخر: الله سبحانه وتعالى حكيم في خلقه للإنسان، وهو يريد له الكمال والسعادة الحقيقية. وإنّ القوى الإدراكية عند الإنسان غير كافية لتعريفه بنحو تامّ على السعادة الحقيقية. إذن، فإنّ بعثة الأنبياء أمر ضروري لهداية الإنسان وسعادته، فإذا لم يُبعث الأنبياء الإلهيون من قِبل الله عز وجل لهداية الإنسان، لانتقضت بذلك الحكمة الإلهية، لكن الحكمة الإلهية ضرورية، فبعثة الأنبياء إذن لازمة.
ويقول العلامة اليزدي في موضع آخر: تقتضي الحكمة الإلهية أن يكوّن الإنسان ذا معرفة وافية بطريق الكمال. وأنّ صفة الحكمة - في واقع الأمر - يُدركها العقل، كما أنه يدرك أيضاً لوازم هذه الصفة. وإذا كان الحكيم حكيماً فإنّ من لوازم حكمته أن تكون أفعاله بنحو يوصله إلى المقصود.. وليس هذا اللزوم يعني أن يأمر العقل، أو أن يُصدر حكماً يوجبه على الله؛ حتى يقول القائل: كيف يجرؤ المخلوق على إصدار أمر يوجّهه إلى خالقه؟! ليست القضية قضية «أوامر»، بل هي اكتشاف ما تقتضيه الحكمة الإلهية، وهذا الحكم باللزوم ليس إلا كشف للضرورة القائمة بين العلة والمعلول[٣١]. [٣٢]
أدلّة المصالح المترتبة على النبوة
يُعدّ البحث عن الفوائد والمصالح المترتبة على النبوة أحد الأدلة النافعة في إثبات النبوة في مدرسة المتكلمين. وقد تناول شيخ الطائفة الطوسي وهو من أعاظم الفقهاء وأعلام المتكلمين الإماميين في «كتابيه الاقتصاد فيما يجب على العباد»، و«تمهيد الأصول» قضية ضرورة ابتعاث الأنبياء والمصالح المترتبة على ذلك؛ حيث قال: فأما الذي يدلّ على حسن بعثة الرسل فهو ما يؤدّونه إلينا من المصالح والألطاف؛ لأنّه لا يمتنع أن يعلم الله تعالى أنّ في أفعال المكلف ما إذا فعله دعاه إلى فعل الواجب العقلي، أو صرفه عن فعل القبيح العقلي، أو ما إذا فعله دعاه إلى فعل القبيح والإخلال بالواجب، فيجب إعلامه ذلك؛ لأنّ الأول لطف له، والثاني مفسدة، ويجب عليه تعالى إزاحة علته في التكليف في فعل اللطف على ما بيّناه فيما مضى، ولا يمكن إعلام المكلف ذلك إلا بأن يبعث إليه نبياً يعلمه ذلك، وإنّما قلنا ذلك لأنه لا يمكن الوصول إلى ذلك باستدلال عقليّ، ولا يحسن خلق العلم ضرورة بذلك؛ لأنّ التكليف يمنع منه، فلم يبق بعد ذلك إلّا بعثة الرسول؛ ليعرّفه ذلك. وهذا الوجه الذي نقول إنّه متى حسنت بعثة الانبياء وجبت، فلا ينفصل الحسن من الوجوب[٣٣].
ويسرد الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي - وهو من كبار علماء الإمامية في القرن السابع - فوائد البعثة وحاجة الإنسان إلى النبوة في كتابه «المنقذ من التقليد» شارحاً ذلك في نقاط ستّ؛ هي:
- تعريف المكلفين بالمصالح والمفاسد.
- بيان الثواب والعقاب الإلهيين.
- معرفة التوحيد الإلهي.
- التأكيد على أحكام العقل.
- بيان الأطعمة والأشربة المفيدة والضارّة.
- معرفة اللغات.
ثمّ يتناولها بالنقد، فيقول: لم لا يجوز أن يتوصّل إلى معرفة هذه المصالح والمفاسد من جهة اخرى غير جهة الأنبياء؟ فأمّا استحقاق العقاب ودوامه ودوام الثواب، فلم لا يجوز أن يتوصّل إلى معرفتها من جهة العقل؟
ثمّ يكتب مجيباً: لا يمكن التوصل إلى معرفة هذه المصالح إلّا من جهة الأنبياء: ... لا يمكننا معرفتها ضرورةً، من حيث أنّا كلّفنا أداء هذه العبادات الشرعية التي هي مصالح لنا على وجه القربة إلى الله تعالى والعبادة له؛ فلو عرفناها ضرورةً، لكنّا عارفين بالله تعالى ضرورةً، والتكليف يمنع منها، ولا شيء من أدلّة العقل يدلّ على هذه المصالح، وأنّها تدعونا إلى الطاعات، وتصرفنا عن المعاصي، فعلمنا بهذا أنّه لا يمكننا التوصل إلي معرفة هذه المصالح إلّا من جهة الأنبياء... وأمّا الفرق بين الطعوم المغذية وبين السموم المتلفة، فإنّه وإن أمكن التوصل إليه بالتجربة، إلّا أن الزمان يطول فيها، وربما يهلك كثير من الناس فيها... الشرعيات تتضمّن التذلل والتضرّع والخشوع إلى الله تعالى، كما أنّ في العقليات نوع تذلّل وتضرّع وخشوع إذا أديت لوجوبها وطلبا لمرضاة الله تعالى في هذا الوجه تناسب الشرعيات والعقليات[٣٤].
وقد قام المحقق الطوسي - علاوةً على إقامته الحجج الفلسفية وبرهان العدالة الاجتماعية - بسرد الفوائد والمصالح المترتبة على بعثة الأنبياء، مشيراً في أبحاثه إلى عشر نقاط في هذا الصدد؛ وهي:
- أنّ فوائد البعثة تظهر في الحالات التي يأتي الشرع فيها مناصراً للعقل، فيدعم فيها الأحكام العقلية في دائرة المستقلات أو غير المستقلات العقلية؛ مثل: إثبات وجود الله وصفاته.
- يحتاج العقل إلى الشرع في بعض الحالات التي يعجز فيها عن الإدراك والحكم؛ مثل: التعريف بدرجات الجنة والنار، ومراحل القيامة، أو القضايا المرتبطة بفروع الدين.
- شريعة الأنبياء هي المصدر الذي يُبدّد خوف الإنسان وقلقه بشأن كلّ ما يقوم به من أفعال وتصرّفات حينما يطبّق هذا الإنسان أعماله وفقاً للأوامر والنواهي الشرعية.
- العقل محتاج للشرع في إدراكه للأفعال الحسنة والسيئة.
- الشرع مفيد أيضاً في تعريف الإنسان بالأدوية والمأكولات النافعة والضارّة، وكلّ ما من شأنه أن يجلب للإنسان النفع والضرر من الأمور التي تتطلّب تجربتها تجاوز أزمنة طويلة.
- المحافظة على الجنس البشري من خلال إرساء أسس الانتظام الاجتماعي وقواعد السنن والتشريعات الإلهية.
- تتميم القضايا الأخلاقية والتربوية والروحية عند الإنسان على حسب القابليات المتنوعة.
- تعليم الصناعات والفنون الخفية على الناس.
- تعليم الأخلاق والسياسات الاجتماعية.
- التعريف بالثواب والعقاب الأخرويين[٣٥].
وقد استعرض المحقق الطوسي هذه الفوائد والمصالح أيضاً في كتابه «تحصيل المحصل»[٣٦].
أمّا العلامة الحلي - وهو من أكابر الفقهاء وأعاظم المتكلمين الشيعة - فقد عرض موضوع ضرورة ابتعاث الأنبياء كغيره من المفكرين الإسلاميين، ورتّب على النبوة مجموعة من الفوائد والأدلّة، متمسّكاً بقاعدة اللطف التي عدّ فيها بعثة الأنبياء لطفاً في التكليف العقلي والسمعي والشرعي، فذهب إلى أنّ هذا اللطف الإلهي إذا ما قورن بالتكاليف العقلية عُدّ لطفاً مقرّباً، وإذا ما قورن بالتكاليف السمعية والشرعية كان لطفاً محصّلاً؛ لأنّ في التكاليف السمعية أمور (مثل: العلم باستمرار الثواب والعقاب) لا تتحصّل إلا من ناحية بعثة الأنبياء[٣٧].
وقد تناول العلامة الحلي شرح مسلك الحكماء، وما ذهبت إليه العدلية في هذا الصدد قائلاً: الإنسان لا يمكن أن يستقل وحده بأمور معاشه لاحتياجه إلى الغذاء والملبوس والمسكن وغير ذلك من ضرورياته التي تخصه ويشاركه غيره من اتباعه فيها، وهي صناعية لا يمكن أن يعيش الإنسان مدة يصنعها ويستعملها، فلابد من إجماع على تلك الأفعال بحيث يحصل التعاون الموجب لتسهيل الفعل، فيكون كل واحد منهم يعمل لصاحبه عملا يستعيض منه أحد... الطبائع البشرية مجبولة بالشهوة والغضب والتحاسد والتنازع والإجماع مظنة ذلك، فيقع بسبب الإجماع الهرج والمرج ويختل أمر النظام، فلا بد من معاملة وعدل يجمعها قوانين كلية هي الشرع، فلا بد من شريعة ناظمة لأمور نوع الإنسان... الشريعة لا بدّ لها من واضع يمتاز عن بني نوعه بخاصة من الله تعالى هي المعجزة، لأن الشريعة لو فوّضت إلى بني آدم لوقع منهم النزاع في وضعها وكيفيته ومن يستقل به، وتلك المعجزات قد يكون قوله وقد يكون فعله[٣٨].
وفي سرده للفوائد والمصالح المترتبة على بعثة الأنبياء يذكر النقاط الآتية:
- الأخبار القطعية بوقوع العقاب على المذنبين؛ لأنّ العقل لا يحكم بأكثر من استحقاقهم للعقوبة، أمّا وقوعها عليهم، فليس له حكم يخصّ ذلك، وما من شكّ في تأثير هذه الأخبار للحدّ من ارتكاب المعاصي.
- التعريف بالمصالح والمفاسد.
- تأكيد الشرع على المعارف العقلية؛ مثل: التوحيد والصفات الإلهية.
- بيان وجوب التكاليف التي يستعصي على العقول النفوذ إلى كنهها وسبر أغوارها.
- قد تُبتلى العقول البشرية ببعض الأضداد؛ مثل: الشهوة والكراهية والوهم وما إلى ذلك، والتي قد تدعو الإنسان في بعض الأحيان إلى القيام بأمور تتعارض مع العقل، ولا سبيل للوقوف في وجه هذه القوى ومنعها أو زجرها سوى الأنبياء.
- التعريف ببعض الصفات الإلهية التي لا سبيل للعقل إلى كشفها؛ مثل: الكلام الإلهي، أو السمع والبصر الإلهيين.
- تطبيقات الحسن والقبح التي يقوم الأنبياء بكشف الستار عنها.
- ما يقوم به الأنبياء من تبديد الخوف الذي يستولي على الإنسان، وإخراجه من الحيرة التي تسيطر على كيانه.
- الكشف عن المنافع والمضارّ التي في النباتات ولا يعرفها العقل البشري.
- ما ينعم به الإنسان من اختفاء المظاهر الناع في الحياة الاجتماعية.
- الكشف عن الصناعات الغائبة والخفية عن عقول البشر[٣٩].
وقد كتب المحقق اللاهيجي مجموعة من الفوائد المترتبة على النبوة، واستدل بها على ضرورة ابتعاث الأنبياء قائلاً: الدليل على ذلك [[[إثبات]] النبوة]أن النبوة تنطوي على فوائد عديدة؛ مثل: تقوية العقل في الأحكام التي يستقلّ بإدراكها، ودلالتها على الأحكام التي لا يستقلّ بإدراكها، وإيقاظ العقل من هجعة الغفلة بتحصيل المعرفة الإلهية، والحصول على السعادة الأبدية- كما بيّن في مقدمة الكتاب - وإرشاد الناس إلى الضار والنافع من الأدوية والأطعمة التي يضطر الإنسان إلى استعمالها، ولا سبيل للعقل إلى معرفتها من دون تجربة، والتجربة تتطلب وقتاً، والوقت هذا لا يمكن له أن يكون خالياً عن استعمال الأطعمة والأدوية، فإنّ هذا يؤدّي إلى الهلاك، كما أنّ التجربة بذاتها قد تُفضى أحياناً إلى الهلاك، وغير ذلك من الفوائد التي لا تحصى. وما من شكّ في إمكانية وجود شخص كهذا في الجملة. وعليه: فإنّ ترك إيجاد النبي وإرسال الرسول يوجب إهمال الجنس البشري، وهو أفضل أجناس الكائنات، والإهمال يؤدّي إلى هلاك الجنس، ويلزم منه انتقاض الغرض.
ولهذا، فإنّ بعثة الأنبياء وإرسال الرسل واجب في الجملة. وقد ثبت أيضاً وجوب التكليف، وما من شكّ في أنّ تلقي الوحي الإلهي وتحمل الإتيان بالأوامر والنواهي الربانية ليس متاحاً لأيّ شخص، فيلزم إذن وجود شخص ممتاز يتحلّى بقابليات تؤهّله للأمور المذكورة، ويكون ذا جهتين؛ حتّى يقوم في جهة بتلقّي الوحي الإلهي، ويقوم في الجهة الأخرى بتبليغ الأوامر والنواهي للمكلّفين[٤٠].
وقد استهوى بعض علماء أهل السنة هذا الدليل (المصالح المترتبة على النبوة)، فأخذوا يستخدمونه في أبحاثهم، ومنهم الفخر الرازي الذي ذكر من فوائد ابتعاث الأنبياء اثنتي عشر فائدة؛ منها - على سبيل المثال-: التعريف بالأحكام العقلية المستقلة وغير المستقلة، وبيان المنافع والمضار للمواد الغذائية، وقيام نظام المجتمع على أساس من القوانين العادلة، وتكامل الإنسان وفقاً لاختلافهم في القابليات، والتعرف على الصناعات النافعة، والعلم بالأحكام الدنيوية والسياسات الاجتماعية، وغير ذلك[٤١]. [٤٢]
دليل الحاجة
اختار العلامة المطهري في إثباته لضرورة ابتعاث الأنبياء أن يسلك طريق الحاجة إلى الرسالة؛ فقال في هذا الصدد: إذا ما آمنا بالآخرة وأن حياة الإنسان لا تنتهي بالموت في هذه الدنيا، بل هناك نشأة أخرى، وحياة أخرى، ونحو آخر من الرزق والسعادة والشقاء؛ حيث يقول الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾[٤٣]، إِذا ما آمنا بذلك فلا شكّ في انّ العلم والعقل الإنسانيين غير كافيين للبحث في مسألة الآخرة، وتحديد الأشياء النافعة والضارة للسعادة الأخروية. والأكثر من ذلك أن البشرية لم تستطع أن تبلغ بعلها وعقلها وجود نشأة أخرى؛ فمع كل التقدم الذي أحرزه العلم البشري، ما يزال عالم ما بعد الموت يتجلّى مجهولاً أمام البشرية. والحقيقة أنه إذا ما أردنا أن ننظر إلى المسألة بشكل عام بغضّ النظر عن أي فكرة، فعالم ما بعد الموت لم يزل مجهولاً لا يمكن للعلم أن يبتّ بأمر وجوده أو عدمه بنحو قاطع، ومن ثمّ ظلّت المسألة هذه جزءاً من مجهولات البشرية.
فإذا أخذنا إذن مسألة الآخرة التي أخبر الأنبياء أنفسهم عن أصل وجودها وأوضحوا فيها نهج السعادة ونهج الشقاء فإنّ الحاجة إلى النبوات تصير ثابتة قطعية لا مجال في للنقاش. أما الجهة التي تحتاج إلى بحث أكثر فهي تلك التي تتعلق بالحياة الاجتماعية؛ فهل تحتاج الحياة الدنيوية للبشر إلى الأنبياء حقاً أم لا؟ وهل عني القرآن بهذا الجانب أيضاً أم اقتصرت رسالته على النشأة الآخرة وحسب؟
عندما نرجع إلى القرآن نرى أن اهتمامه لم يقتصر على الآخرة وحدها، بل كانت الحياة الدنيا من أهداف الأنبياء أيضاً؛ إذ تشير لذلك الآية المعروفة: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾[٤٤].
وفي حديث القرآن دلالة على وجود هذه الحاجة وإيمانه بأصالتها، حتى أنه لم يذكر الهدف الآخر (أي معرفة الله)أبدا، بعكس المواضع الأخرى، ربما ليؤكد أن لهذا الجانب أصالته، وأنه يعكس حاجة لابدّ منها. فالقرآن يؤكّد أن العدالة من ضرورات الحياة البشرية، وأن وجود الأنبياء ضروري لازم لبسط العدالة.
ولكن ما هو موقف العلم؟وما هي نظرة الدراسات الاجتماعية؟ فهل تذعن هي الأخرى لوجود ضرورة مثل هذه أم لا؟هناك بحوث وافرة يمكن سوقها حيال هذا الجانب، بيد أني سأشير إلى بحث موجز، وإذا ما كانت هناك حاجة فيمكن الاستطراد بالمزيد.
يعد الإنسان موجوداً خاصاً ينبغي لحياته أن تكون اجتماعية؛ إذ لا يمكن لبني البشر إلا أن يعيشوا بعضهم مع بعض، وأن يكون بينهم ضرب من الترابط والتعاون. بيد أن الإنسان يختلف عن بقية الكائنات الاجتماعية التي تمارس حياتها بدافع الغريزة، وتلجأ إلى الحياة الاجتماعية بالإجبار. فالإنسان مدفوع للحياة الاجتماعية، ولكن ليس بحكم الغريزة، وبدافع الإجبار. وما أريد أن أقوله إن الحيوانات الاجتماعية مدفوعة لأن تعيش اجتماعياً من قبل نظام التكوين، ومسخّرة لهذا النمط من العيش بقانون الطبيعة. فالطبيعة هي التي قسّمت الاعمال فيما بينها، ونظام الخلق هو الذي وضع قانون حياتها الاجتماعية بدافع الضرورة والجبر.
والحيوانات الاجتماعية مضطرة لهذا النمط من الحياة تلقائياً من دون تعليم وتربية. أمامنا مثلاً: نحل العسل وتجربته الحياتية، فكل صنف من أصنافه يعرف وظيفته بالضرورة دونما حاجة إلى التعليم وبذل السعي لكي يعرف مسؤوليته وواجباته. فهو يعرف الطريق الذي يسلكه، والمواقع لا تتبدل. فالعاملة تمارس وظيفتها في إطار موقعها وحسب، والملكة تمارس دورها انطلاقاً من هذه المسؤولية والموقع، بل تختلف أصناف نحل العسل فيما بينها حتى في الأبنية التي تستقر فيها.
أما الإنسان فهو على عكس ذلك، فمع أنه مضطر لأن يعيش حياةً اجتماعية، ولكنه يمارس كل شيء بنفسه وبإرادته لأنه موجود مختار، حر وعاقل. فعليه أن يفكّر، ثم يلجأ للاختيار على وفق إرادته. وهذا نقص في البشر من حيث الغريزة، بمعنى أنه لم يزوّد بالغريزة التي تضطرّه لذلك اضطراراً.
أما لماذا لم يزوّد الإنسان بمثل هذه الغريزة، فلذلك شأن آخر.
وما دام الإنسان قد خلق مختاراً حراً، فهو يستطيع إذن أن يتخلف عن وظيفته دائماً. وما دام يتمتع بغريزة الحياة، ويريد أن يعيش، فقد خُلق مجبولاً على طلب النفع لنفسه. فأوّل ما يفكّر به كل إنسان هو أن يسعى في المجتمع وراء أهدافه الشخصية والفردية، وليس وراء مصلحة المجمع. فأول ما يفكّر به الإنسان هو منفعته الخاصة، وليس المصلحة الاجتماعية، وهو لا يشخّص مصلحة المجتمع على نحو حسن، وإذا افترضنا أنه يفعل ذلك فهو لا يرعاها.
أما الحيوان الاجتماعي فهو يشخص المصلحة الاجتماعية بحكم الغريزة، ويسير بهذا الاتجاه، وينفذ مطلباته بدافع الغريزة أيضاً. أما الإنسان فهو محتاج من هاتين الحيثيتين كلتيهما؛ محتاج إلى نحو من الهداية والتوجيه يسوقه صوب مصالحه الاجتماعية، كما هو بحاجة إلى قوة تكون مهيمنة على وجوده تسوقه وراء المصالح الاجتماعية.
وما يقال هنا هو أن الأنبياء بعثوا كي ينهضوا بالمهمتين معاً؛ فهم يهدون الإنسان وير شدونه نحو المصالح الاجتماعية، وفي الوقت ذاته يجعلونه - وربما كانت هذه هي الوظيفة الأهم - مسؤولاً في أن يمكّن قوّة معينة باسم «الإيمان» للهيمنة على وجوده، بحيث يستطيع بحكم هذه القوة أو القدرة أن ينفّذ المصالح الاجتماعية، وأن يسعى وراء كل ما يشخّص أنه مصلحة اجتماعية؛ لا فرق بين أن يكون هذا التشخيص للمصالح بحكم الوحي أو العقل أو العلم.
ولو لم تكن هذه السلطة للدين والأنبياء موجودة بين بني البشر في الماضي والحاضر، فإنّ أصحاب هذا الرأي يذهبون إلى اندثار البشرية وعدم وجودها على الأرض بالأساس؛ إذ كانت البشرية قد أكلت نفسها، ودمرّت وجودها بذاتها.
إن البشرية والحضارة الموجودتين الآن على سطح الأرض مدينتان للأنبياء؛ فالأنبياء نهضوا بهداية البشرية، كما حموها من شرّ نفسه في الوقت ذاته. بل مع كل تقدم أحرزته الإنسانية على خط رقيها العلمي وتكاملها العقلي، فإنّ دور الأنبياء ما يزال محفوظاً. فما تملكه الإنسانية المعاصرة من إرث تربوي يعود منشؤه إلى الأنبياء، والقدر الذي تحظى به من الإنسانية يعود هو الآخر إلى تأثير الكتب السماوية.
وإذا ما قُدّر لنا أن نسلب بقوة وكيفية ما هذه البقايا وذلك الموروث من البشرية على نحو تامّ، فإن ذلك سيعني اضمحلال الروح الإنسانية، وسيتساوى ذلك مع فناء البشرية بالضرورة. فمن دون تلك الروح ستتحول البشرية إلى موجودات وحشية لا حظّ لها من الحياة الاجتماعية. ومن ثمّ سيكون الجميع مضطرين للعيش بعضهم مع بعض، ولكن ليس كما تعيش مجموعة من الأسود والسباع الضارية.
ومردّ الاختلاف يعود إلى التفاوت الموجود بين أفراد البشر؛ إذ ستتحول حياتهم إلى غابة يعيش فيها قطيع من الغنم، ومجموعة من الذئاب والثعالب والنمور، وعدد من الجمال والخيول يفترس بعضها بعضاً، ويسحق القوي فيها الضعيف.
هذه خلاصة وددت أن أبدأ بها، ولا أدري إذا كان من الضروري أن أستفيض بهذا البحث أكثر أم لا. إنّ ما مرّ يعكس بعبارة أخرى بحث «الحاجة إلى الدين»، ولماذا تحتاج الإنسانية إلى الدين في حياتها الاجتماعية. لقد عرضت جوهر الفكرة، وإذا ما كانت ثمة ضرورة فسأزيد. وهكذا يتضح من العرض بأن علل الحاجة إلى النبوة تمثلت بأمرين؛ هما: الآخرة، والحياة الاجتماعية والفردية[٤٥]. [٤٦]
الضرورة الفلسفية لابتعاث الأنبياء
استدلّ الفلاسفة المسلمون - ومنهم الفارابي وابن سينا والسهروردي وصدر الدين الشيرازي - على لزوم بعثة الأنبياء مستهلّين بذكر مقدمات تناولت الجانب الاجتماعي في الإنسان، وفيما يأتي نستعرض بعضاً من تقريرات الفلاسفة لضرورة ابتعاث الأنبياء:
بيان الفارابي
تطرّق الفارابي لتقسيم المدينة إلى فاضلة وغير فاضلة، ثمّ لأنواع المدن غير الفاضلة، ومبدأ ضرورة الحياة الاجتماعية عند الإنسان ليصل من خلال ذلك إلى ضرورة وجود النبي[٤٧].
وحسب رؤية الفارابي فإنّ وجود الرئيس الفاضل والنبيّ ضروريّ؛ لأنّ حسن المعاش وصلاح المعاد مرهون بمشاركة مجموعة من الناس في المدينة، ولأنّ علاقات هؤلاء الناس وتعاملاتهم تستوجب الحاجة إلى العدل، ولا يتحقق العدل من دون وجود القانون والسياسة المدنية، فإنّ الحاجة إلى واضع النواميس أمر مسلّم وطبيعي، وواضع النواميس هو الشخص الذي يُحدّد صلاح معاش الناس ومعادهم، وهو صاحب النفس القدسية، وهو بعد هذه الصفات شخص يمتاز عن جميع الناس. وللنبي أن يتصرف في مواد الكائنات، وذلك بمعنى أنه يمتلك نفساً ناطقةً بلغت حدّاً من القوة جعلته تتشابه مع عالم العقول، وأصبحت بعد ذلك النقوش الثابتة في اللوح المحفوظ منتقشة في روحه القدسية. وقد أمسى جسم العالم الكبير بقواه الطبيعية محكوماً لما تمليه روحه القدسية. ولهذا، فهو قادر على فعل المعجزات وخوارق العادات، ولأجل ما يتحلّى به من صفاء ونقاوة، ولأنه منزّه عن جميع مكدِّرات عالم الطبيعة، فهو عالم بالأسرار والصفات والغيبيات من دون الحاجة لكسب العلم عند أقرانه من البشر، وعلمه مأخوذ من عالم الملكوت والملائكة، وهو يُبلّغه إلى عامّة الخلق حيث يهديهم إلى جادّة السعادة الدنيوية والأخرويّة[٤٨].
وعند تطرّقه لبيان السمات والشروط التي يتحلّى بها رئيس الأمة الفاضلة والمدينة الفاضلة يذكر الفارابي أنه تامّ الأعضاء، فطن، ذو ذاكرة ثاقبة، وذكاء حادّ، وذو بيان فصيح، محبّ للعلم، ومنقاد للحكمة، ومنزّه عن الحرص والولع في الأكل والشرب والنكاح، مجتنب للهو واللعب، محبّ للصدق والصادقين، عدوّ للكذب والكاذبين، كريم النفس، توّاق للعدل والعادلين، وخصم للظلم والظالمين، راسخ في قراره وعزمه، محتقر للدرهم، والدينار معرض عن الدنيا، ومقترن بالوحي الإلهي[٤٩].
وقد أضاف الفارابي إلى مواصفات رئيس المدينة الفاضلة سمةً أخرى هي معرفته بعلم الفقه؛ لأنّ الفقه ضروري في إدارة المجتمع، وفي الأحكام العملية للأمّة[٥٠].
وقد عرّفه الفارابي بأنه الفقيه الحكيم الحافظ للآثار المتبقية من الرئيس الأول، وقد أسماه بـ «ملك السنة»، وقال: والثالث أن لا يوجد [هؤلاء أيضا ] فيكون رئيس المدينة حينئذ هو الذي اجتمع فيه إن كان عارفاً بالشرائع والسنن المتقدمة التي أتى بها الأولون من الأئمة ودبّروا بها المدن. ثمّ أن يكون له[جودة تمييز الأمكنة والأحوال التي ينبغي أن تستعمل فيها تلك السنن على حسب مقصود الأولين بها، ثم أن يكون له] قدرة على استنباط ما ليس يوجد مصرّحابه في المحفوظة والمكتوبة من السنن القديمة محتذيا بما يستنبط منها حذو ما تقدّم عن السنن. ثم أن تكون له جودة رأي وتعقّل في الحوادث الواردة شيئاً شيئاً ممّا ليس سبيلها أن تكون في السير المتقدمة ممّا يحفظ به عمارة المدينة، وأن يكون له جودة إقناع وتخييل ويكون له مع ذلك قدرة على الجهاد. فهذا يسمّى ملك السنة، ورئاسته تسمّى مُلكاً سنيّاً. والرابع الا يوجد إنسان واحد تجتمع فيه هذه كلّها ولكن تكون هذه متفرّقة في جماعة، فيكونون بأجمعهم يقومون مقام ملك السنة، وهؤلاء الجماعة يسمّون رؤساء السنة[٥١].
وحسبما بيّن فإنّ سمات الملك السني أو السلطان القانوني على النحو الآتي:
- أن يكون عارفاً بالشرائع والسنن المتقدمة التي وضعها الرئيس الأول وخلفاؤه، وأن يدير دفّة المدينة على أساس من ذلك.
- أن يتحلّى بفضيلة الإلمام بمقتضيات الزمان والمكان.
- أن يكون قادراً على استنباط السنن، وقادراً على الاجتهاد واتخاذ الآراء الجديدة مستفيداً من التراث المحفوظ الذي وصل مكتوباً عن الرؤساء السابقين.
- أن يكون حائزاً على فضيلة امتلاك الرأي، والتعقّل في الأمور المستحدثة، يجتهد فيها، ويستخرج الإجابة التي تلبّي حاجة المدينة في ذلك العصر.
- أن يمتلك الفضيلة والمقدرة والأهلية التي تمكّنه من إقناع أهل المدينة والنفوذ إلى قلوبهم عن طريق قواهم المتخيلة.
- أن يكون قادراً على الجهاد. [٥٢]
بيان ابن سينا
تطرّق الشيخ الرئيس ابن سينا في إلهيات الشفاء بنحو تفصيلي إلى ضرورة ابتعاث الأنبياء من خلال استخدامه لدليل العدالة الاجتماعية[٥٣]
وقد تناول بحث ضرورة بعثة الأنبياء وحاجة الإنسان إلى الدين بأدلة أوضح، وبتنسيق أجود في كتاب «الإشارات والتنبيهات»؛ حيث قال: لما لم يكن الإنسان بحيث يستقلّ وحده بأمر نفسه لا بمشاركة آخر من بني جنسه، وبمعاوضة ومعارضة تجريان بينهما يفرغ كل واحد منهما لصاحبه عن مهم لو تولاه بنفسه لازدحم على الواحد كثير، وكان مما يتعسر إن أمكن وجب أن يكون بين الناس معاملة وعدل يحفظه شرع يفرضه شارع متميز باستحقاق الطاعة لاختصاصه بآيات تدل على أنها من عند ربه، ووجب أن يكون للمحسن والمسيء جزاء من عند القدير الخبير. فوجب معرفة المجازي والشارع. ومع المعرفة سبب حافظ للمعرفة ففرضت عليهم العبادة المذكرة للمعبود، وكررت عليهم ليستحفظ التذكير بالتكرير حتى استمرت الدعوة إلى العدل المقيم لحياة النوع، ثم زيد المستعمليها بعد النفع العظيم في الدنيا الأجر الجزيل في الأخرى، ثم زيد للعارفين من مستعمليها المنفعة التي خصوا بها فيما هم مولون وجوههم شطره[٥٤].
ويمكن استخلاص هذا الاستدلال في ما يأتي:
- لا يستقلّ الإنسان في أمور حياته؛ فهو مفتقر للغير في مأكله وملبسه ومسكنه وفي غير ذلك؛ لأنّ كلّ هذه الاحتياجات لا تُسدّ على يد رجل واحد، ومن دون هذه الأمور تكون الحياة مستحيلة أو تكون مقرونة بالعسر والحرج الشديدين.
- يلزم من أجل رفع هذه الاحتياجات وتسهيل أمرها أن يتعاون الناس ويتشاركوا فيما بينهم في الأخذ والعطاء، وعليه فإنّ الإنسان يحتاج في حياته ومعيشته طبيعياً للمجتمع والحضارة.
- ليس من الممكن أن تجد المجتمع والحضارة من دون وجود العدالة. وذلك لأنّ الشهوة والغضب يجرّان الإنسان إلى هاوية الظلم والهرج والمرج.
- نستنتج أننا محتاجون للشريعة من أجل أن تتحقق العدالة.
- تتطلّب الشريعة مُشرِّعاً ومُقنِّناً يضع فيها الشرائع ويسنّ القوانين.
- يجب أن يتّصف المشرع والمقنِّن بمجموعة من الصفات والمؤهِّلات التي تجعله مستحقّاً للطاعة عند نشوب الهرج والمرج وبروز النزاعات في المجتمع، فيلجأ الناس إلى طاعته فزعاً من الهرج والمرج. وعليه: يجب أن يكون منصوباً من قِبل الله سبحانه وتعالى.
- لأجل أن يكون المشرع مستحقّاً للطاعة، يجب أن يمتلك من الآيات والمعجزات ما يدلّ على ارتباطه بالله سبحانه وتعالى، وانتساب شريعته إلى الله عز وجل. ويمكن لهذه المعجزات أن تكون قولية أو فعلية، فمن الضروري إذن أن يتحلى المشرۀع بالمعجزة.
- لأجل أن يُضمن تنفيذ القوانين والتشريعات الإلهية، ويُضمن تطبيقها على الأرض - لا سيّما لزمرة من ضعفاء العقول الذين لا يتردّدون في الإخلال بالنظام الاجتماعي لأجل مصالحهم الخاصة - يتوجّب تثبيت نظام الثواب والعقاب للمطيعين والعاصين؛ حتّى يتأكّد التزامهم بالأوامر والنواهي الإلهية، ويتحتّم تشريع عبادات وأفعال تحقّق الاتصال الخاص والمباشر بين الإنسان وربّه، تضمن حالة الذكر المستمر للإنسان.
- بعد أن احتاج العباد إلى هذه الأمور، وتوقّف انتفاع الناس على تحقّقها، اقتضت العناية الربانية أن تلبّي هذه الحاجة.
- الحصيلة التي نخرج بها أن الحفاظ على الحياة الاجتماعية وحاجة الإنسان إلى التشريعات الإلهية يستلزم وجود الأنبياء والشرائع والدين بالضرورة.
ولكنّ برهنة الشيخ الرئيس التي اختصّها بحاجة الإنسان الاجتماعية إلى الدين لا تخلو من إشكال؛ لما يأتي:
أوّلاً: أن لازم قوله أن تكون الآخرة لأجل الدنيا؛ وليس العكس! توضيح ذلك: أن الدنيا والآخرة وفقاً للأدلة العقلية والنقلية هما الظاهر والباطن لحقيقة واحدة، وأن الجنة والنار إنما هي باطن أعمالنا الدنيوية، أو قل: هي نتيجة هذه الأعمال. أما الدنيا فهي ظاهر الآخرة، أو قل: مقدّمتها.
يقول الرسول الأعظم: «اَلدُّنْيَا مَزْرَعَةُ اَلْآخِرَةِ»، فالآخرة هي الأصل، والدنيا فرعٌ لذلك؛ في حين أنّ بيان ابن سينا يُشير إلى أنّ الدنيا والحاجات الدنيوية والقوانين الاجتماعية هي الأصل، وكأنّ الله سبحانه وتعالى قد أتى بقضايا الذكر الإلهي والمعاد والأفعال العبادية من أجل أن يضمن بها تنفيذ تلك القوانين، ولكي لا تُنسى أو يُمحى ذكرها. وهذا يعني أنّ الآخرة وسيلة يُتوسّل بها لإعمار الدنيا؛ وهو أمر لا يتماشى مع التعاليم الدينية، ولا مع العقل.
ثانياً: هذا الاستدلال يعاني من مشكلة الدور؛ لأنّ ضرورة ابتعاث الأنبياء وحاجة الإنسان إلى الدين في برهان ابن سينا مرتهن بضرورة المعاد والإيمان بالحياة في الآخرة، فإذا احتجنا لإثبات المعاد والحياة الأخروية إلى الدليل النقلي (مثل: الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة)فقد وقعنا في الدور؛ لأنّ حجية الآيات والأحاديث متوقّفة على ضرورة بعثة الأنبياء. اللهم إلا أن يُقال بأنّ المعاد يثبت بالدليل العقلي الصرف؛ وهو متوقف على مقدّمات أبحاث الإلهيات، وليس أبحاث النبوة، فعندئذٍ يرتفع الدور. [٥٥]
بيان السهروردي
أوضح شهاب الدين السهروردي - الشهير بشيخ الإشراق - برهان العدالة الاجتماعية في أكثر من رسالة ألفها؛ منها على سبيل المثال: «التلويحات» التي اختطّ فيها نهج الفلاسفة المشائين في التعاطي مع ضرورة بعثة الأنبياء، متبعاً في ذلك منحاهم الحقوقي الجانح إلى مسلك العدلية[٥٦]
وقد أورد شيخ الإشراق هذا التقرير وإيضاحاته في رسالته الموسومة بـ «پرتونامه»[٥٧]، وفي رسالة أخرى عُرفت بـ «يزدان شناخت»، بيّن فيهما برهان العدالة الاجتماعية بالقول: بعد أن خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان وميّزه عن الحيوانات، جعل كلّ فرد في الصناعات البدنية بحاجة إلى غيره من الأفراد في الجنس البشري؛ فإذا أراد أحدهم أن ينفرد بجميع الأشغال التي هي ضرورية في هذا العالم ويكتفي بذاته ما أمكنه ذلك لوحده إلا بمعونة الآخرين من بني جنسه ومؤازرتهم. ومثاله: الفرد الذي يخبز الخبز لغيره، والآخر الذي يُعدّ آلة الخبز للأوّل، والآخر الذي يُعدّ غيرها من الوسائل حتّى يقيموا باجتماعهم وتآزرهم وتشاركهم النظام بأسره، فكانوا محتاجين بسبب اجتماعهم لتنظيم مدنهم وتأسيس بلدانهم والقيام بأمر مصالحهم، والظروف الملائمة للمدن والبلاد، وهكذا يتحقّق نظام العالم، ولأجل الحفاظ على وجود الإنسان وبقاء جنسه لا محيص عن التعاون فيما بين بني البشر، ولا يتمّ أمر التعاون من دون المعاملة، ولا يتمّ أمر المعاملة من دون قانون وعدالة، ولا يتمّ أمر القانون والعدالة إلا بما تُسنّ به القوانين، وتُبسط به العدالة، ومن الواجب بطبيعة الحال أن يكون القانون والعدل مستمرّين ومستقيمين، فكانت الحاجة لحضور شخص النبي والوليّ، وأن يكونا من جنس البشر؛ حتّى تُبسط القوانين بين الناس، ويُقضى على الظلم والجور والباطل، فكانت الحاجة لوجود هذه الشخصية أكثر إلحاحاً من وجود رموش العين، أو شعر الحاجب، أو تقعّر أسفل القدم، أو حمرة الشفاه، أو اختلاف شكل الأصابع، وما إلى ذلك ممّا هو زائد على أمر الخلق وما يتبعه من مصلحة للإنسان، وطالما أنّ الحكمة الإلهية اقتضت وجود هذه الزيادات في الخلق ممّا لا ينطوي على حاجة ما، فإنّ اقتضاء وجود هذه الشخصية التي تستجلب هذه المصالح العامة وتبسطها بين الخلق أولى، وإنّ العناية الأزلية التي اقتضت خلق مخلوقات غير ضروريّة لهي أكبر وأكمل من أن تُفرّط في مصلحة بهذه العظمة. وهنا نقول: إنّ وجود شخص مثل هذا في العالم ضروريّ، ويحظى بعدد من الفضائل[٥٨]. [٥٩]
بيان صدر الدين الشيرازي
لم يتطرّق صدر الدين الشيرازي في مصنّفاته الفلسفية والتفسيرية كثيراً للأبحاث المرتبطة بالنبوّة، وقد أفاد في أغلب الأحيان من المقاربات المتنوعة التي جاء بها الحكماء من أمثال ابن سينا في «إلهيات الشفاء» و«النجاة»، وما أورده الفارابي في «آراء أهل المدينة الفاضلة». يقول في معرض بيانه لبرهان العدالة الاجتماعية:
- الإنسان مدني بالطبع لا ينتظم حياته إلا بتمدن واجتماع وتعاون، لأن نوعه لم ينحصر في شخص، ولا يمكن وجوده بالانفراد، فافترقت الأعداد، واختلفت الأحزاب، وانعقدت ضياع وبلاد.
- فاضطروا في معاملاتهم ومناكحاتهم وجناياتهم إلى قانون مطبوع مرجوع إليه بين كافة الخلق، يحكمون به بالعدل، وإلا تغالبوا وفسد الجميع واختل النظام، لما جبل عليه كل أحد من أنه يشتهي لما يحتاج إليه ويغضب على من يزاحمه. وذلك القانون هو الشرع.
- ولا بدّ من شارع يعين لهم منهجاً يسلكونه لانتظام معيشتهم في الدنيا، ويسنّ لهم طريقاً يصلون به إلى الله، ويذكرهم أمر الآخرة والرحيل إلى ربهم وينذرهم بيوم ﴿يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾[٦٠]، و﴿تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً﴾[٦١]، ﴿يَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾[٦٢].
- ولا بدّ أن يكون إنساناً؛ لأنّ مباشرة الملك لتعليم الإنسان وتصرّفه فيهم على هذا الوجه فيهم، ممتنع ودرجة باقي الحيوانات أنزل من هذا.
- ولا بدّ من تخصصه بآيات من الله دالة على أن شريعته من عند ربّه العالم القادر الغافر المنتقم، ليخضع له النوع ويوجب لمن وقف لها أن يقرّ بنبوّته وهي المعجزة...
- فهذا النبي يجب أن يفرض على الناس في شرعه العبادات. منها، وجوديّة يخصهم نفعها؛ كالأذكار والصلوات، فيحرّكهم بالشوق إلى الله تعالى، أو نافعة لهم ولغيرهم؛ كالقرابين، والزكوات، والصدقات، وعدميّة يخصّهم أيضاً، ويزكّيهم؛ كالصوم[٦٣].
وفي المحصلة فإنّ ابتعاث الأنبياء من وجهة نظر صدر الدين الشيرازي هي صمّام الأمان للحياة الاجتماعية وحاجة المجتمع إلى القانون الشرعي الصادر من الله سبحانه وتعالى المقترن بالعدالة الاجتماعية. ويجب التنويه هنا بأنّ الحكيم الشيرازي يؤمن بوظائف وفوائد أخرى لجميع الأحكام الشرعية سواء الفردية منها أو الاجتماعية، وكذا الإيجابية أو السلبية علاوةً على ما ذكره من موضوع العدالة. وقد أورد هذا الاستدلال أيضاً في كتابه «الشواهد الربوبية في المناهج السلوكية»[٦٤].
وقد تابع سلفه الفارابي في نصّ آخر، وتطرّق لضرورة بعثة الأنبياء بقوله:
- الإنسان لم يمكن أن ينال الكمال الذي لأجله خلقت إلا باجتماعات جماعة كثيرة متعاونين كلّ واحد منهم لكلّ واحد ببعض ما يحتاج إليه، فيجتمع مما يقوم به جملة الجماعة جميع ما يحتاج إليه في قوامه وفي بلوغه إلى كماله.
- ولهذا كثرت الاجتماعات الإنسانية: فمنها الكاملة، ومنها غير الكاملة؛ فالأولى: ثلث عظمى كاجتماعات أفراد الإنسان كلها في المعمورة من الأرض، ووسطى كاجتماع أمة في جزء من المعمورة، وصغرى كاجتماع أهل مدينة في جزء من أمة. والثانية: كاجتماع أهل القرية، وأهل المحلة، والسكّة، والبيت...
- فالخير الأفضل والكمال الأقصى إنما ينال بالمدينة الفاضلة والأمة الفاضلة التي يتعاون مدنها كلها على ما ينال بها الغاية الحقيقية، والخير الحقيقي دون المدينة الناقصة، والأمّة الجاهلة التي يتعاونون على بلوغ بعض الغايات التي هي الشرور...
- كذلك المدينة أجزاؤها مختلفة الفطر، والطبائع متفاضلة الهيئات بحسب عناية الله على عباده، ووقع ظلال من نور صفاته العليا وأسماء الحسنى على خلقه وبلاده، كوقوع ظلال من صفات النفس الناطقة وأخلاقها على خلائق البدن، وبلادها من القوى والأعضاء.
- ففيها إنسان واحد هو رئيس مطاع، وآخرون يقرب مراتبها من الرئيس...
- ويكون ذلك الإنسان إنساناً قد استكملت نفسه، وصارت عقلاً بالفعل، وقد استكملت قوّته المتخيلة بالطبع غاية الكمال، وكذا قوّته الحساسة والمحركة في غاية الكمال... فبقوّته الحساسة والمحركة يباشر السلطنة، ويجري الأحكام الإلهية، ويحارب أعداء الله، ويذبّ عن المدينة الفاضلة، وتقاتل المشركين والفاسقين من أهل المدينة الجاهلية والظالمة والفاسقة، ليفيئوا إلى أمر الله. وبقوّته المتخيلة معداً بالطبع ليقبل إما في اليقظة، أو في وقت النوم عن العقل الفعال، أما الجزئيات بأنفسها، وأما الكليات بحاكيها. وبقوته العاقلة يكون بحيث قد استكمل عقله المنفعل بالمعقولات حتى لا يكون بقي عليه منها شيء وصار عقلاً بالفعل.
- فأيّ إنسان استكمل عقله المنفعل بالمعقولات كلّها وصار عقلاً بالفعل ومعقولاً بالفعل وصار المعقول منه هو الذي يعقل حصل له عقل بالفعل، فيصير عقلاً مستفاداً...
- وهذا إذا حصل للجزء النظري من قوته الناطقة هذا الإنسان حكيماً يسمى وفيلسوفاً. وإذا حصل ذلك في كلا جزأي قوته الناطقة، وهما النظرية والعملية، وفي قوته المتخيلة، كان هذا الإنسان هو الذي يوحى إليه، فيكون الله عز وجل يوحي إليه بتوسط الملك الذي هو العقل الفعال، فيكون بما يفيض عن الله تبارك وتعالى إلى العقل الفعال، ولفيضه العقل الفعال إلى عقله يفيضه منه إلى عقله المنفعل حكيماً فيلسوفاً وولياً، وبما يفيض منه إلى قوته المتخيلة نبيّاً منذراً[٦٥].
وقد أشار الحكيم الشيرازي-في حديثه عن درجات الإنسان - إلى درجة النبوة وصفات النبي وصرح قائلاً: للإنسان مقامات ودرجات متفاوتة بعضها حسّيّة، وبعضها خياليّة، وبعضها فكريّة، وبعضها شهوديّة. وهي بإزاء عوالم مرتبة بعضها فوق بعض: فأوّل منازل النفس الإنسانية درجة المحسوسات... وبعد ذلك درجة المتخيلات... وبعد ذلك وهو منزلة الثالث درجة الموهومات... وبعد هذا يترقى إلى عالم الإنسانية فيدرك الأشياء التي لا يدخل في حس ولا تخيل ولا وهم... ويدرك الأشياء الغائبة عن الحس والخيال والوهم، ويطلب الآخرة والبقاء الأبدي. ومن هاهنا، يقع عليه اسم الإنسانية بالحقيقة؛ وهذه الحقيقة هي الروح... الإنسان البالغ حدّ الكمال ملتئم من عوالم ثلاثة من جهة مبادي إدراكاته الثلاثة: قوّة الإحساس، وقوّة التخيل، وقوّة التعقل... جوهر النبوة كأنه مجمع الأنوار العقلية والنفسيّة والحسّية[٦٦].
وله مقاربة أخرى بشأن ضرورة بعثة الأنبياء، وهي ترتكز على استعراض منافع العبادات والالتزام العملي بالأعمال المحللة والمحرّمة والمكروهة والمندوبة والمباحة؛ حيث يقول في هذا الصدد: أمّا سرّ الصلاة فخشوع الجوارح، وخضوع البدن بعد تنظيفه وتطهيره... وأمّا الصوم فيكسر به قوّة الشهوة الغالبة، ويضعف صورة أعداء الله فيك، ويسدّ مجاري جنود إبليس؛ وهو جُنّة من النار... [٦٧]
وقد أورد فوائد أخرى لإرسال الرسل وإنزال الكتب؛ منها: تكميل النفوس الإنسانية الضعيفة[٦٨]. وبمقاربة معرفيّة إبستمولوجية يقول صدر الدين الشيرازي: قد علم أن فهم رموز القرآن وأغواره وأسراره مما لا يمكن حصوله بدقة الفكر وكثرة البحث والنظر من غير طريق التصفية والمراجعة إلى أهل بيت الولاية واقتباس أنوار الحكمة من مشكاة علوم النبوة[٦٩].
وهذه المعارف الإلهية سيما ما يتعلق بأحوال المعاد مما لا يستقل بإدراكه العقول البشرية على طريقة النظر البحثي بل يحتاج إلى اقتباس النور من مشكاة خاتم النبوة[٧٠].
ولأجل أن يبرهن على حاجة العقل إلى الشريعة والطريقة في الإدراك يعمد الحكيم الشيرازي إلى الرد على شبهات بعضهم من أمثال فخر الدين الرازي وابن أبي الحديد[٧١]، مستشهداً بالأحاديث الشريفة المروية عن أئمة الدين: الواردة في زوال العقل بطول الأمل والشهوات وهوى النفس[٧٢].
وبعد اتضاح أنّ قدرة العقل على المعرفة الصحيحة مشروطة ببعض الشروط المعينة - ومنها: الإفادة من الدين والنبوّة - يُطرح السؤال الآتي: هل إنّ العقل قادر على فهم الشريعة والقضايا الدينية أيضاً؟ يجيب الحكيم الشيرازي على هذا السؤال بالإيجاب، لكنّه يلاحظ أيضاً الفوارق الثابتة بين العقول[٧٣]؛ فعلى سبيل المثال: علماء الدنيا الذين يمتلكون مرتبةً عقليةً متدنّية ليسوا قادرين على تفسير الشريعة، وهذا الأمر منحصر في علماء الآخرة، والراسخين في العلم بأسرار الدين وحِكَم الشريعة[٧٤].
ويعترف صدر الدين الشيرازي بإمكانية قدرة الإنسان على فهم الشريعة التي أتت لهدايته كما يرى أنّ خلاف ذلك ليس إلا نقضاً لغرض المشرع[٧٥].
هذا، ويختلف أنموذج المقاربة التي يوظّفها صدر المتألهين عن نظائرها عند المعتزلة والأشاعرة وأهل الحديث؛ فهو لا يعتمد على العقل بنحو مفرط ومتطرِّف، كما أنه لا يُعطّل العقل بنحو تامّ، وليس من منهجه أيضاً أن يسير شطراً من الطريق بمؤازرة العقل، وشطراً آخر منه متكئاً على الشرع كما صنع الأشاعرة، بل يسلك سبيل الراسخين في العلم حينما يختار الطريقة الوسطى، فيمارس تهذيب النفس وتنوير العقل من أجل تمهيد الطريق لتفسير القضايا الدينية ومتشابهات القرآن الكريم، فيمضي في هذا الدرب مستنيراً بنور المكاشفة، ومستر شداً ببصيرة العقل[٧٦].
يمكن لنا من خلال هذا الأنموذج استنتاج أن دائرة العقل والدين مندكّتان وممزوجتان بحيث لا يمكن الفصل بينهما بحال؛ فالدين يمهّد الطريق لحصول المعرفة بما يقدّمه من أعمال وأحوال، كما أنّه منتج للمعرفة في بعض الجوانب الأخرى[٧٧]. [٧٨]
الضرورة العرفانية لابتعاث الأنبياء
يوظّف العرفاء في فهمهم للحقائق المنهج الشهودي، ولم يكونوا في وارد البرهنة على مكاشفاتهم العرفانية. ولعلّ أوّل عارف إسلاميّ مارس عقلنة القضايا العرفانية وشرحها هو محيي الدين بن عربيّ، ثمّ أتباعه الذين انتهجوا نهجه في البرهنة وإلقاء الضوء على المشاهدات العرفانية.
لقد أطبق العرفاء المسلمون على ضرورة الشريعة ووجوب وجودها.
يقول السيد حيدر الآملي: الشرع وضع إلهيّ وترتيب ربّانيّ، واجب على الأنبياء والأولياء. القيام به، والأمر بإقامته؛ أعني: واجب عليهم تكميل مراتبه الثلاثة الجامعة لجميع المراتب[٧٩].
وقد ذهب العرفاء إلى أنّ طريق الوصول إلى مقام الحب والمعرفة هي الشريعة: واعلم أنّ الطريق الحق الذي طلب الله سبحانه بمثل قوله: «أحببت»، أو «أردت أن أعرف فخلقت الخلق»، أن يعرفوه به هو ما جاءت به ألسنة الشرائع المنزلة على الرسل صلوات الله عليهم أجمعين[٨٠].
وبناءً على ذلك، يُقام الدين من خلال الانقياد إلى الأوامر والأحكام الواردة في الشريعة، وبهذا يحصل الإنسان على الكمال، ويُكتب في السعداء[٨١]. أما منصب التشريع والتقنين، وكذلك نسخ بعضٍ من أحكام الشريعة التي وُضعت من ذي قبل فلا يجري إلا للنبيّ والرسول[٨٢].
إنّ سرّ انقطاع نبوّة التشريع والرسالة بالنبيّ الخاتم يكمن في أنه. امتلك مقاماً جامعاً لم يُبقِ مجالاً لأحد من الخلق بعده. ولهذا، كانت شريعته خالدة ومهيمنة على ما سواها من الشرائع[٨٣]. وإنّ صاحب الشريعة الإسلامية كان مستجمعاً لكلّ الكلمات الإلهية، ولهذا كانت شريعة الإسلام أكمل الشرائع[٨٤]؛ فإنّ حكمة جعل الشريعة تابعة لكمال الأنبياء، ومدى صفاء بواطنهم، ومستوى ظهور تجليات الحق لهم، ممّا يؤهّلهم لإدراك الملك، وتلقّي الأحكام الإلهية، وكشف الأعيان الثابتة[٨٥].
وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ الشريعة والرسالة على الرغم من كونها قد خُتمتا وانقطعتا لكنّ باب اكتساب المعارف والحقائق الربانية من دون تشريع ما زال مفتوحاً لعباد الله الصالحين، كما أنّ باب الاجتهاد في الأحكام الفرعية أيضاً لم يؤصد أمام أهله[٨٦]. ولهذا السبب، انقسمت النبوة والرسالة عند العرفاء إلى شُعبتين: إحداهما تتعلّق بالتشريع، والأخرى بالإخبار عن الحقائق الإلهية، وأسرار الغيوب، والإرشاد الباطني للعباد. فالذي انقطع وخُتم هو القسم الأول من النبوة والرسالة[٨٧]. وقد ذهب محيي الدين بن عربي إلى أنّ سبب اختصاص الشريعة بالأنبياء هو كون النبوات والشرائع أموراً لدنّيّة وغير اكتسابيّة[٨٨]، وأوضح أن امتداد الشريعة يشمل إرشاد الناس لطرق إعمار قلوبهم، مشيراً إلى تفريق الخواطر المحمودة والمذمومة، وبيان مقاصد الشريعة[٨٩].
وقد اعترف بالحسن والقبح الذاتيين، واتصاف الأشياء بهما، مذعناً بمقدرة الإنسان على إدراك شطرٍ من الأمور الحسنة والقبيحة من حيث الكمال والنقص، أو الغرض، أو ملاءمة الطبع أو منافرته، وكذا عجزه عن إدراك شطر آخر من الأمور الحسنة والقبيحة، وأنّ الشرعية ضرورية لمعرفة هذا النوع الثاني[٩٠].
وعلاوةً على ضرورة الشريعة في مقام الثبوت، يُشير ابن عربي إلى لزومها في مقام الإثبات أيضاً، مصرِّحاً بكفاية شريعة الإسلام وغنائها، وأنّ الناس بحاجة إلى الرجوع للفقهاء والعلماء من أجل معرفتها، وأنّ المرء إذا فارق الحياة من دون أن يكون عارفاً بمصطلحاتٍ؛ مثل: الجوهر والعرض، والجسم والجسمانيّ، والروح والروحانيّ، فإنّ الله عز وجل لن يحاسبه على ذلك، لكنه سوف يُسأل عن تكاليفه الشرعية لا محالة[٩١].
وممّن أشار إلى طريقة التصوف في إثبات النبوات المحقق اللاهيجي عند استعراضه لمطالب الفصل الرابع من الباب الثاني من المقالة الثالثة في كتابه «جوهر المراد»؛ حيث قال: إنّ غاية وجود الإنسان هي سيره وسلوكه نحو الله عز وجل، وإِن مراتب سير السالك أربعة:
المرتبة الأولى: سيره من الخلق إلى الله بنفي ما سواه عن النفس، بل بنفي النفس عن النفس - كما تقدّمت الإشارة إلى ذلك في مقدّمة الكتاب - ومشاهدة الذات الأحدية المطلقة من دون ملاحظة التعينات والشؤون والاعتبارات.
المرتبة الثانية: سيره في الله بمشاهدة الذات الأحدية باعتبار تعيّن من تعيّنات الصفات، والترقّي من تعيّن صفة إلى تعيّن صفة أخرى إلى آخر التعينات الصفاتية.
المرتبة الثالثة: السير مع الله بمشاهدة الهوية المطلقة مع تعيّن من التعينات الخلقية الكونية حتّى لا يبقى تعيّن إمكانيّ وماهيّة اعتبارية إلا وقد شاهد فيه الهوية المطلقة حقيقة متأصلة، والماهية الإمكانية اعتبارية محضة.
المرتبة الرابعة: سير من الله إلى الخلق، وهو عود إلى عالم الوجود الإمكاني بعد التحقق بالحقيقة الوجوبية، بحمل الأوامر والنواهي الإلهية، والقوانين والسنن الناموسىة؛ لأجل الأخذ بيد عطاشى بادية عالم الإمكان إلى واحة الحياة الخالدة، ولا يمكن إعادة التشرذم في وادي الكثرة الاعتبارية إلى جموع الوحدة الحقيقية - وهي الغاية الأصلية والغرض الحقيقي من بعثة الأنبياء والرسل - إلا من خلال ذلك. وما من شكّ في أنّ كلاً من هذه الأسفار الأربعة يترتب بعضه على بعض. والمراد من النبي هو المسافر بالسفر الرابع بعد طيّه للأسفار الثلاثة السابقة. ولابدّ من وجود مسافر بهذه الصفة؛ ليتزعّم قافلة السلوك من عالم الإمكان إلى مدينة الوجوب. وإنّ تزعّم هذا المسافر القائد توفيق لا يُحالف أيّ سالك إلا بعد تناسبه. ولا يخفى أنّ هذه الطريقة المذكورة من أبي عبد الله. مشتملة لطريقة الحكماء والمتكلمين، وهذا ظاهر غاية الظهور، أمّا اشتمالها لطريقة الصوفية فلا يخلو من خفاء. وهو ما يظهر من قوله: «مؤيَّدين عند الحكيم العليم بالحكمة»؛ فإنّ لفظ «عند» قد يومي إلى السفر الثاني والثالث: «في الله» و«مع الله»، وكلاهما متوقّف على السفر الأول؛ أي «إلى الله». وإنّ لفظ «المبعوثين» المذكور قبل هذا الكلام، بل لفظ «الرسول»، بل معنى «الرسالة» و«النبوّة» مُشعر بالسفر الرابع؛ كما لا يخفى. [٩٢]. [٩٣]
شبهات حول ضرورة ابتعاث الأنبياء
ناقش المنكرون لضرورة ابتعاث الأنبياء أو لزوم ذلك حسبما أفاده الفلاسفة والمتكلمون، وخلصوا في بعض مناقشاتهم إلى إنكار حاجة الإنسان إلى الأنبياء الإلهيين، وعمدوا إلى الطعن في الأدلة العقلية الدالة على هذه الحقيقة. وفيما يأتي إشارات إلى جانب من تلك المناقشات:
شبهة الحاجة إلى البعثة
ذهبت جماعة من «البراهمة» إلى استحالة ابتعاث الأنبياء أو إلى لغويّة ذلك وانتفاء أيّ طائل منه؛ فقالوا: لا يخرج ما جاء به الأنبياء عن حالتين: إما أن يوافق العقل؛ فابتعاثهم عندئذٍ لغو لا طائل منه، أو يكون مخالفاً للعقل؛ فتكون أوامرهم حينئذ غير مقبولة.
والجواب على ذلك: أنّ ما جاء به الأنبياء على ضربين:
- التعاليم المنسجمة مع العقل بنحو تامّ، وهي التي حكم العقل وفقاً لها؛ مثل: «حسن العدل» و«قبح الظلم».
- ما سكت عنه العقل، ولم يتطرّق له نفياً أو إثباتاً. قال تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾[٩٤].
وهذا يدلّنا إلى أنّ قسطاً من تعاليم الأنبياء يتناول أموراً خارجةً عن دائرة العلم الاعتيادي عند البشر .[٩٥]
شبهة انتفاء ضرورة البعثة
ناقش الفخر الرازي في شرحه للإشارات بعد استعراضه لدليل ابن سينا وتلخيصه في خمس مقدّمات؛ ومنها - حسب تقريره وتلخيصه -:
وأما الثانية: وهي أن الاجتماع لا يكمل إلا عند شريعة ضابطة، فلأنّ كلّ أحد يريد تحصيل جميع الخيرات والسعادات لنفسه، وذلك لأنّ الخير مطلوب لذاته، وحصول المطالب الجسمانية لواحد يقتضى فواتها عن الآخر، وذلك يقتضى وقوع العداوة في قلب ذلك الآخر، فظاهر أنّ الاجتماع سبب لظهور الخصومات والمنازعات، فلولا شريعة ضابطة، وإلّا لتأدّى الأمر إلى إثارة الفتن العظيمة[٩٦].
فقال مستشكلاً على الحكم بالتلازم في هذا البرهان بما نصّه:
لقائل أن يقول: ما المعنى بقولكم: «لمّا احتاج أهل العالم إلى الشارع، وجب وجوده»؟ إن عنيتم به «كونه موجوداً واجباً لذاته»، فهو ظاهر الفساد. وإن عنيتم به«أنّه يجب على الله تكوينه وايجاده»كما يقوله المعتزلة ان العوض واجب على الله تعالى أي لو لم يفعله لاستحقّ الذم، فذلك مما لا يقول به الفلاسفة أصلاً! وإن عنيتم به أنّ وجود النبي لمّا كان سبباً لنظام هذا العالم وثبت أنه تعالى مبدأ لكلّ كمال وخير، وجب أن يكون تعالى علة لهذا الشخص،فهذا باطل أيضاً؛لأنّا نقول: ليس كلّ ما كان أصلح لهذا العالم، وجب حصوله في هذا العالم[٩٧].
وهذه المناقشات مرتكزة على إنكار «قاعدة اللطف» و«قاعدة الأصلح»؛ فإذا فرضنا عدم اعتماد دليل ابن سينا على أيّ منهما - بنحو من الأنحاء - بطلت هذه المناقشات من الأساس.
بيان ذلك أن يُقال: من الممكن استبدال مفهوم«الوجوب على الله» وهو وجوب أخلاقي وحقوقي بمفهوم «الوجوب عن الله» وهو وجوب فلسفي؛ وهو يستتبع القول بأنّ العلاقة بين تلبية احتياجات الإنسان الأساسية والمصيرية من جهة، والفيض الإلهي أو إرادة الخير من الله وكمالاته اللامتناهية من جهة أخرى هي الضرورة بالقياس. ومن هنا،تتلبّس تلبية هذه الاحتياجات من خلال الفيض الإلهي اللامحدود وصدور الكمالات الربانية بلباس الوجوب الفلسفي؛ وليس الأخلاقي أو الحقوقي .
يقول العلامة الشيخ مصباح اليزدي في مناقشته لهذا الاستدلال: لم يلتفت الفلاسفة في هذا البرهان إلى الكمال الإنساني أو إلى حياة الإنسان الأبدية، والجوانب الأخروية لسلوكه، مكتفين بالتركيز على حياته الدنيوية، وحاجته إلى القوانين والمصالح الاجتماعية[٩٨].
ومن هنا،اهتمّ في بحوثه حول «معرفة الدليل»و «برهان ضرورة ابتعاث الأنبياء» بالحياة الخالدة والسعادة والكمال الأبديين والأخرويين بصفتها مقصداً رئيسياً. أمّا مصالح الحياة الدنيوية فقد عدّها مقدّمةً لبلوغ ذلك.
وعلى هذا، فإنّ الحكماء - من أمثال ابن سينا - لم يتناسوا في استدلالهم هذا الحياة الأبدية والأخروية للإنسان، وأنّ المناقشة الوحيدة التي تعترضهم - حسبما نرى - منصبّة على أن «الآخرة» في دليلهم هذا مأخوذة من أجل «الدنيا»؛ في حين أنّ التعاليم الإسلامية ما فتئت تؤكّد على نظريّة«الدنيا من أجل الآخرة».[٩٩]
شبهة الأنظمة غير الدينية
تطرّق ابن خلدون - وهو أحد المستشكلين على منهج الحكماء - إلى الأنظمة الاجتماعية المنافسة، وأتى على ذكر الأنظمة الاجتماعية الأخرى التي من شأنها أن تقدّم العمران والازدهار في الدنيا من دون الحاجة إلى الشريعة[١٠٠].
وقد ألمح المحقق الطوسي إلى هذه المناقشة في شرحه للإشارات بقوله: اعلم أنّ جميع ما ذكره الشيخ ابن سينا من أمور الشريعة والنبوّة، ليست ممّا لا يمكن أن يعيش الإنسان إلا به، إنّما هي أمور لا يكمل النظام المؤدي إلى صلاح حال العموم في المعاش والمعاد إلّا بها، والإنسان يكفيه في أن يعيش نوعاً من السياسة؛ لحفظ اجتماعهم الضروري؛ وإن كان ذلك النوع مناطاً يتغلّب، أو ما يجري مجراه. والدليل على ذلك تعيش سكان أطراف العمارة بالسياسات الضرورية[١٠١].
وهنا يمكن أن نعلّق على كلام ابن خلدون والمحقق الطوسي بالقول: إذا كنّا حقّاً محتاجين إلى الشريعة في حياتنا الاجتماعية فهل كلّ قانون يمكن له أن يوفّر السعادة الدنيوية؟ إنّ شمولية القانون وجامعيته تتطلّب - من دون شكٍّ - اهتمامه بجميع الأبعاد والجوانب الروحية والجسمية، وكذا الفردية والاجتماعية، وتستلزم أيضاً تصدّيه للاستعمار والعبودية والتسلّط على رقاب الشعوب، واقتلاعه لجذور الظلم والاستبداد، وهي تستدعي كذلك أن يكون القانون منسجماً مع الحاجة الحقيقية والطبيعية للإنسان؛ بما يضمن له تغطية شاملة لشؤونه الاجتماعية والسياسية والقانونية والأخلاقية. ومن اللازم أيضاً أن يوفّر هذا القانون لجميع الناس صمّام الأمان لتطبيقه على أرض الواقع بما يرعى مصالح مختلف الطبقات الاجتماعية ومنافعها بنحو كامل ودقيق وشامل؛ من دون استثناء أو إقصاء لطبقة معيّنة لصالح طبقة أخرى.
وهنا نتساءل: هل من الممكن للإنسان الاعتيادي الذي لا يُؤمَن عليه من مزالق العواطف والأحاسيس ودوّامات المصالح الشخصية والفئوية أن يُبلور قانوناً وضعياً يحمل جميع المواصفات المذكورة أعلاه؟ وهل تتّصف طاعة الناس لهذا الإنسان الاعتيادي بأيّ معقوليّة أو مشروعيّة عقليّة أو شرعيّة؟ من الواضح أن الجواب على ذلك سلبيّ.
وهنا نضيف أيضاً: لم يكتفِ ابن سينا في برهانه بالتركيز على تبلور المدنية ونشأة المجتمع البشري من دون أن يلحظ مكانة إرساء العدل، وما يضمن تطبيق القانون، وما شاكل ذلك؛ فإنّ المذاهب الاقتصادية والسياسية والإدارية ومثيلاتها أمور لا تنفكّ عن شؤون الإنسان الدنيوية، غير أنّ الإنسان - وفي ظلّ تضارب العقل والعواطف والأحاسيس وعشرات القضايا الروحية والنفسية الأخرى – عاجز عن توحيد الرؤية ورأب الصدع والبون الشاسع الذي يُرى في بعض الأحيان بين النظريات المختلفة؛ بما لا يُبقي أيّ فرصة للعثور على نقاط التقاء واشتراك.
وعلى أيّ حال، فإننا نرى ضرورةً وحاجةً ماسّةً وملحّةً للشريعة في الحياة الدنيوية؛ بغضّ النظر عن الموقف بإزاء الحاجة الأخروية.[١٠٢]
شبهة برهان الحكمة الإلهية
كتب بعضهم في مناقشاته لضرورة ابتعاث الأنبياء مجموعة من النقاط[١٠٣]؛ نستعرضها فيما يأتي:
المناقشة الأولى
أحد أهمّ الأدلة التي اعتمدها العلامة الشيخ مصباح اليزدي في أبحاثه عن النبوة والإمامة أنّ الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى خلقنا مختارين، وأنّ حكمته تقتضي إيصالنا لمرتبة الكمال، وطالما أنّ وسائل المعرفة البشرية الاعتيادية ليست كافية للوصول إلى الكمال، فإنّنا إذن محتاجون للوحي.
والإشكال هنا أن يُقال: لو فرضنا ثبوت الحكمة الإلهية فإننا لا نُسلّم اقتضاءها إيصالنا للكمال؛ إذ لا دليل على ذلك! وبعبارة أخرى: ما هو التلازم المنطقي المزعوم بين الحكمة الإلهية والكمال الإنساني؟ وبتعبير مختلف: الحكيم هو من تتصف أفعاله بالهدفية، والفرض أنّ الله تبارك وتعالى حكيم، وأنّ له غايةً تقف خلف خلقه للإنسان، لكن ما الدليل على أنّ هدفه يكمن في إيصال الإنسان إلى درجة الكمال؟
والجواب على ذلك: يكفي أن تتبلور لدينا صورة صحيحة عن معنى الحكمة الإلهية أو اتصاف الله تبارك وتعالى بالحكيم من أجل أن يتّضح التلازم بين الحكمة الإلهية والكمال الإنساني. لقد استفاد نصير الدين الطوسي من صفة «وجوب الوجود» ليستنبط منها بعض صفات الكمال الإلهي .
وعلى هذا الأساس، يستتبع الفهم الصحيح لمعنى«واجب الوجوب» الوصول إلى أنّ الله عز وجل مستجمع الجميع صفات الكمال، ومنزّه عن كلّ نقيصة. أما معنى الحكمة الإلهية فهو استهداف هدف فعليّ - علاوةً على استهداف هدف فاعليّ؛ وهو ذاته سُبحَانَهُ وَتَعَالى - والمراد بالهدف الفعلي: رفع النقص الذي يعاني منه الفعل (المخلوق)، وهذا يعني أنّ الله كامل، والذي يريده متعلّق بفعله، فإمّا أن يُقال بأنه تبارك وتعالى يريد نقص فعله، أو أنه يريد كماله. فإذا أراد نقص الفعل عاد هذا النقص إلى ذاته جل وعلا ؛ لأنّ الكامل المحض فيّاض بالكمال؛ لا بالنقص! فهو إذن يريد الكمال.
وبناءً على ذلك لا محيص عن وجود تلازم منطقيّ بين حكمة الله وكمال الفعل الإلهي؛ وهو في مثالنا هذا: الإنسان.
المناقشة الثانية
لو فرضنا ثبوت الهدفية لفعل الله عز وجل، وأن هدفه هو الكمال الإنساني، وأن عقل الإنسان غير كافٍ للوصول إلى هذه الغاية، لكن ما الدليل على أنّ تحقّق كمال الإنسان وسعادته مرهون بالوحي؛ حتى يستتبع ذلك الحاجة إلى النبي؟ وهل أنكم توصلتم لذلك بعد إجراء استقراء تامّ أو مسح شامل لوسائل المعرفة الإنسانية؟ فلعلّ هناك طرقاً ووسائط مغايرة أخرى يتخذها الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى لإيصال الإنسان لدرجة الكمال ؛ منها على سبيل المثال: «الهداية الباطنية»! فما الضرورة التي تستلزم انحصار تحقق الكمال الإنساني في الطريق المذكور؟
الجواب على ذلك: هذا الاستشكال ناشئ من عدم الالتفات إلى الأدلة والبراهين التي أقيمت لإثبات ضرورة ابتعاث الأنبياء. فإذا آمنا بأنّ الله تبارك وتعالى حكيم، وأنّ الإنسان يجب أن يبلغ مرتبة الكمال، يتلو ذلك أن نقول: أودع الله تبارك وتعالى الإنسان عدداً من الوسائل العامة المعينة؛ كالحسّ والعقل والضمير، لكنّ هذه الوسائل ليست كافية لإيصال الإنسان إلى الكمال والسعادة. وهنا، لسنا ندعي أن طرق الهداية منحصرة في هذه الوسائل التي نملكها؛ فلعلّ هناك عشرات الطرق والوسائط الأخرى التي لم تُمنح للبشر، ولسنا هنا في صدد اكتشاف سبب حرمانه منها؛ فلربّما لم يكن البشر قابلاً لأكثر مما قد أعطي، مَثَله في ذلك مَثَل الكأس الذي له حدّ محدود؛ لا يسمح له بتقبّل مقدار زائد عليه من الماء.
وبناءً على ذلك، فإنّ الوسائل التي نملكها غير كافية للهداية، ولا نشكّ في أنّ هداية الإنسان أمر لازم وضروري. ومن ثَمَّ: تثبت ضرورة الوحي والنبوة.
ويمكن هنا أن نضيف مقدّمة أخرى لهذا الاستدلال؛ مفادها أن الإنسان راحل لا محالة إلى المعاد وعالم الآخرة، وأنه مفتقر لسعادة دنيوية تضمن له السعادة الأخروية، وأنّ هذه الوسائل الاعتيادية التي بين يديه لا تكفيه المؤونة لمعرفة تلك السعادة، فاقتضت الحكمة الإلهية أن تُرسل للإنسان وسيلةً أخرى لهدايته، عنوانها «الوحي»، وهدفها انتشال البشرية من الضياع، وتوفير الهداية له. وعليه: يلزم وجود واسطة أخرى بين الإنسان والوحي، وهي النبوة.
المناقشة الثالثة
مع فرض تماميّة برهان ضرورة الوحي، يبقى تساؤل مهمّ لم يُجب عنه لحد الآن؛ وهو: هل أرسل الله عز وجل رسلاً لجميع المجتمعات البشرية؟ إذ إنّ أكثر الرسل الذين وردت أسماؤهم في القرآن الكريم بُعثوا إلى منطقة الشرق الأوسط، وعليه إلى ماذا سيؤول أمر الشعوب التي لم يبعث الله لها رسلاً؟
والرد على ذلك أن يقال: لقد أورد بعض المستشرقين هذا الإشكال، وقد أجيب عليهم بعدّة ردود؛ أحدها: أنّ القرآن الكريم - ومن حيث كونه كتاب هداية لا كتاب تاريخ - قد أورد أسماء بعض الأنبياء؛ لا كلّهم، وقد ورد فيه ذكر أسماء أربعة وعشرين منهم فقط، كما أنّ القرآن الكريم قد تطرّق إلى هذا الأمر صراحة؛ حيث قال الله تعالى فيه مخاطباً نبيه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾[١٠٤]. ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾[١٠٥].
فضلاً عن أنّ الدليل العقلي قد بيّن ضرورة النبوة. وبناء على ذلك: لا يمكن أن ينقض عليه بمثال تاريخي، بل يتعيّن النقض عليه بدليل عقليّ.
المناقشة الرابعة
لا يرتاب أصحاب هذه المناقشة في كون النبي محمّد خاتم الأنبياء، ومن المقبول عندهم عدم وجود أيّ نبيّ آخر في زمان بعثته، وكذا لن يُبعث أي نبيّ من بعده إلى الأبد. وهنا يُقال: يجب أن تمضي عدّة أجيال حتّى تصل رسالة النبي الخاتم إلى درجة من الانتشار تمكّنها من الوصول إلى جميع سكّان العالم، ومن المعلوم أنّ النبي .استطاع أن يوصل صوته إلى الناس في زمانه؛ أي في العصر الأول من تاريخ الإسلام؛ وإلى أن تنتشر دعوته لتصل للمجتمعات الأخرى سيكون هناك عدد كبير من الناس - في هذه المدة - قد فارق الحياة وهو محروم من نيل السعادة، لا سيّما أنّ كتب الأنبياء السابقين قد امتدّت إليها يد التحريف، فلو كانت بعثة الأنبياء أمراً ضرورياً؛ فكيف يمكن تبرير حرمان بعض البشر من الهداية في هذه الفترة؟
الرد على هذه المناقشة: من الممكن أن يجاب عن هذه الإشكالية على نحوين:
- أنّ البرهان العقلي لا يمكن النقض عليه بمثال واستقراء تاريخي؛ بل يجب على المستشكل أن يحلّل استقراءه؛ فالبرهان المنطقي لا يتسنّى إبطاله إلا من خلال نقض كبراه أو صغراه. على سبيل المثال: فلنفرض أنّ البرهان العقلي قد قام على أنّ«كلّ إنسان حيوان ناطق»، فلو وجدنا كائناً يشبه الإنسان؛ لكنّه لم يكن حيواناً ناطقاً، فإنّ هذا لا يؤدّي لانخرام البرهان العقلي؛ فلعلّ ذلك الكائن لم يكن إنساناً، بل هو شيء يشبه الإنسان.
وكذا هو الحال في مقام بحثنا الذي نصبو فيه إلى إقامة برهان عقليّ على ضرورة بعثة الأنبياء، فبعد أن قام البرهان على هذا الأمر، يدرك العقل بأنّ الضرورة تقتضي أن يبعث الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى نبياً، فهل عدم علمنا بإرساله لهذا النبي في بعض الأماكن كالصين أو غيرها - مثلاً - يصلح دليلاً على عدم ضرورة بعثة الرسل؟ إنّ الدليل العقلي يُثبت لزوم بعثة نبيّ في تلك المناطق أيضاً، لكن ما هو الواقع؟ هل أنّ الله تبارك وتعالى لم يُبعث نبياً في ذلك المكان؟ أم أنّه جل وعلا قد بعث نبياً ولم يصل خبره للناس؟ وما السبب الذي اقتضى عدم ابتعاث النبي فيما لو أنّ الله عز وجل لم يرسله؟ حاصل الكلام: أن الاستدلال على قضيّة ما قد يكون في بعض الأحيان استقرائياً، فإذا عثرنا على مثال نقض واحد فإنّ هذا كافٍ لانخرام الاستدلال . أمّا في الحالات التي يكون فيها الاستدلال على دعوى ما مبنيّاً على البرهان العقلي، فإنّ مثال النقض التجريبي لن يجدي نفعاً، وليس من صلاحيتّه أن يخدش هذا البرهان.
- ثبت وفقاً للأدلّة النقلية القطعية الواردة في هذا الصدد أنّ الله سبحانه وتعالى قد بعث الأنبياء إلى جميع الأقوام والملل، لكنّ الإرادة السيئة لبعض الناس قد تؤدّي إلى إضلالهم، وعدم نيلهم الهداية والسعادة. وقد يعرف الإنسان طريق الهداية لكنّه يتبع طريق الضلال بدلاً عنه، وقد يتسبّب الآخر أحياناً في منعه عن نيل الهداية؛ كأن يطوّقه في دوّامة من الشبهات العويصة المضلة، أو أن يحول بينه وبين وصول صوت الهداية إليه، وهذه الأنحاء من وقوع الضلالة لا تؤدّي إلى انتقاض براهين ضرورة بعثة الأنبياء؛ ذلك لأنّ الأدلة على ضرورة البعثة لا تتنافى مع اختياريّة الإنسان، بل إنّ مقدّمات تلك الأدلة لا تُساق إلا بعد افتراض الإنسان مختاراً.
وعلى هذا الأساس، يثبت أنّ الله تبارك وتعالى قد أرسل لكلّ قوم نبيّاً، لكن من الممكن أن يُحرم بعض الناس من الهداية بسبب ما يقوم به أصحاب الضلالة، ولكن - بالرغم ممّا تقدّم - فإنّ الناس جميعاً يستفيدون من نعمة هداية الأنبياء مع اختلافهم في درجات تلك الاستفادة. وعليه، فإنّ حرمان بعض الناس من بلوغ الدرجات العليا من الهداية بسبب منع الآخرين لهم لا ينقض أصل برهان ضرورة ابتعاث الأنبياء.
وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ البرهان لم يدّع ابتعاث الأنبياء لحظة بلحظة، كما أنّه لم يقطع بتخليص البشر من شرّ المعاندين، بل حاصل برهان ضرورة بعثة الأنبياء هو أنّ الله تبارك وتعالى يرسل أنبياءه بقصد هداية البشر لا محالة، وأما الحديث عن مصير هذه البعثة ونتيجتها في مجتمع بشريّ يتمتّع بإرادة واختيار، وبيان أن غالبية البشر سوف يكونون من المهتدين أم لا،فهي أمور سكت عنها الدليل.
وبالإضافة إلى ما تقدّم، نجد أنّ المعاندين الذين يريدون الوقوف في وجه الهداية وصدّها لا يهتمون فيما لو كان عدد الأنبياء المبعوثين قليلاً أم كثيراً، والأمر سواء عندهم أكان المبعوث واحداً أم آلافاً مؤلّفةً.
بناءً على ما تقدّم، فإنّ الدليل العقلي قائم على ضرورة بعثة الأنبياء؛ فإن ثبت أن الله عز وجل لم يبعث نبياً في مكان أو زمان ما، وجب أن نبحث عن سبب ذلك؛ فهل كان المقتضي معدوماً، أم كان هناك مانع ما؟ أم أنّ النبي قد بعث إليهم لكنّهم لم يرغبوا في الوصول إلى الكمال، أو أنّ المعاندين من منعوهم من الوصول إلى الكمال. فما ذكر على أنّه إشكال لا يتمّ إلا إذا ثبت حرمان بعض البشر القاصرين - لا المقصرين - إثر منع الآخرين لهم. وهنا، يجيء الكلام عن مبحث الأعواض ومبحث عالم البرزخ؛ فعالم البرزخ ليس عالماً نهائياً، واستمرار رقيّ الإنسان لدرجات الكمال ممكن فيه أيضاً.
وتجدر الإشارة أيضاً إلى أنّ الهداية والسعادة أمر ذو مراتب ودرجات، ولهذا فإنّ المجال لأولئك الناس الذين عاشوا في عصر رسول الله .لكنّهم لم يسمعوا بدعوته غير أنهم التزموا بدعوة الرسول السابق بالعقل والفطرة السليمين متاح في أن ينالوا قسطاً من السعادة والهداية، وهذا المقدار من الهداية كافٍ لإبطال هذه الشبهة والردّ على هذا الإشكال.
ويمكن أن نضيف هنا أيضاً أنّ بعض الناس لمّا فقدوا الدليل الكافي لنفي ضرورة بعثة الرسل عمدوا إلى اصطناع الأسباب الواهية غافلين عن كون هذا الأمر في نفسه هو امتحان إلهيّ لهم. وقد ذكر الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى حقيقة الامتحان الإلهي وحذّر الناس منه في عددٍ من الآيات؛ إذ قال في بعضها مثلاً:
- ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾[١٠٦]
- ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾[١٠٧]
- ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾[١٠٨]
وقد أجاب الإمام علي في خطبته القاصعة في رده على منكري النبوة: «وَ لَقَدْ دَخَلَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَ مَعَهُ أَخُوهُ هَارُونُ عَلَى فِرْعَوْنَ وَ عَلَيْهِمَا مَدَارِعُ الصُّوفِ وَ بِأَيْدِيهِمَا الْعِصِيُّ فَشَرَطَا لَهُ إِنْ أَسْلَمَ بَقَاءَ مُلْكِهِ وَ دَوَامَ عِزِّهِ؛ فَقَالَ أَ لَا تَعْجَبُونَ مِنْ هَذَيْنِ يَشْرِطَانِ لِي دَوَامَ الْعِزِّ وَ بَقَاءَ الْمُلْكِ وَ هُمَا بِمَا تَرَوْنَ مِنْ حَالِ الْفَقْرِ وَ الذُّلِّ؟ فَهَلَّا أُلْقِيَ عَلَيْهِمَا أَسَاوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ إِعْظَاماً لِلذَّهَبِ وَ جَمْعِهِ وَ احْتِقَاراً لِلصُّوفِ وَ لُبْسِهِ؟ وَ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِأَنْبِيَائِهِ حَيْثُ بَعَثَهُمْ أَنْ يَفْتَحَ لَهُمْ كُنُوزَ الذِّهْبَانِ وَ مَعَادِنَ الْعِقْيَانِ وَ مَغَارِسَ الْجِنَانِ وَ أَنْ يَحْشُرَ مَعَهُمْ طُيُورَ السَّمَاءِ وَ وُحُوشَ الْأَرَضِينَ لَفَعَلَ، وَ لَوْ فَعَلَ لَسَقَطَ الْبَلَاءُ وَ بَطَلَ الْجَزَاءُ وَ اضْمَحَلَّتِ الْأَنْبَاءُ وَ لَمَا وَجَبَ لِلْقَابِلِينَ أُجُورُ الْمُبْتَلَيْنَ وَ لَا اسْتَحَقَّ الْمُؤْمِنُونَ ثَوَابَ الْمُحْسِنِينَ»[١٠٩].[١١٠]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ٥٠-٥١.
- ↑ سورة النحل، الآية ٣٦.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ٦٥.
- ↑ سورة ص، الآية ٢٦.
- ↑ سورة الحديد، الآية ٢٥.
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٥١.
- ↑ سورة إبراهيم، الآية ١.
- ↑ سورة النساء، الآية ١٦٥.
- ↑ سورة الأنفال، الآية ٢٤.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ١٥٧.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢١٣.
- ↑ راجع: بحر المعارف، الهمدانيّ، الفصل ٦٤: في النبوّة والولاية. ولا يخفى أنّ أصل هذه العبارة موجود في كلمات السيد حيدر الآمليّ (٧٨٧ه)، فالأولى الإحالة إلى كتابه جامع الأسرار ص ٣٨٠-٣٨٢ بدلاً عمّا قرّره عبدالصمد الهمداني (١٢١٦ه) في بحر المعارف؛ وهو متأخّر عنه بقرون. [م].
- ↑ راجع: بحر المعارف، الهمداني، الفصل ٦٤: في النبوّة والولاية. ولا يخفى أنّ أصل هذه العبارة موجود في كلمات السيد حيدر الآملي، فالأولى الإحالة إلى كتابه جامع الأسرار ص ٣٨٠-٣٨٢ بدلاً عمّا قرّره عبدالصمد الهمداني في بحر المعارف؛ وهو متأخّر عنه بقرون. [م]
- ↑ الكافي، الكليني، ج ١، كتاب الحجة، باب الاضطرار.
- ↑ عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ٥١-٦٣.
- ↑ جوهر المراد(بالفارسية: گوهر مراد)، الفياض اللاهيجيّ، ص ٣٥٨.
- ↑ عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ٦٣-٦٥.
- ↑ النكت الاعتقادية، الشيخ المفيد، ص ٣٥.
- ↑ النكت الاعتقادية، الشيخ المفيد، ص ٣٥.
- ↑ الذخيرة في علم الكلام، السيّد المرتضى، ص ٣٢٣.
- ↑ تجريد العقائد، نصير الدين الطوسي، المقصد الرابع، البعثة.
- ↑ النكت الاعتقادية، الشيخ المفيد، ص ٣٥.
- ↑ شرح الأصول الخمسة، القاضي عبدالجبار، ص ٣٥١.
- ↑ كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، ص٣٥٠.
- ↑ عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ٦٥-٦٨.
- ↑ شرح الأصول الخمسة، القاضي عبد الجبّار، ص ٥٦٤.
- ↑ كتاب التوحيد، الماتريدي، ص ١٧٧.
- ↑ الملل والنحل، الشهرستاني، ج ١، ص ٩٣.
- ↑ الباب الحادي عشر مع شرحيه النافع يوم الحشر ومفتاح الباب، العلامة الحلي، ص ٣٤-٣٥
- ↑ دروس في العقيدة الإسلامية، مصباح اليزدي، درس النبوّة.
- ↑ معارف القرآن، مباحث السبيل والدليل (بالفارسية: معارف قرآن، راه وراهنما شناسي)، محمّد تقي مصباح، ج ٤ و٥، ص ١١٥-١١٦.
- ↑ عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ٦٨-٧١.
- ↑ تمهيد الأصول، الطوسّي، ص ٦٨٥-٦٨٥.
- ↑ المنقذ من التقليد، الحمصي، ج ١، ص ٣٧٣-٣٨٢.
- ↑ راجع: كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، الحلّي ص ٢٧١؛ الحاشية على الإلهيات الشرح الجديد للتجريد، أحمد الأردبيلي، ص ٢٩٢.
- ↑ راجع: نقد المحصل، الطوسي، ص ٣٦١-٣٦٤.
- ↑ نقد المحصل، الطوسي، ص ٢١٧ و٢٢٦.
- ↑ مناهج اليقين، العلامة الحلّي، ص٢٧٦؛ الباب الحادي عشر، العلامة الحلي، ص٣٥.
- ↑ مناهج اليقين، العلامة الحلّي، ص ٢٦٤ -٢٦٥ كشف المراد، العلامة الحلي، ص٢١٦.
- ↑ جوهر المراد(بالفارسية: گوهرمراد)، اللاهيجي، ص ٣٥٩.
- ↑ محصل أفكار المتقدّمين والمتأخرين، الفخر الرازي، ص ١٦٥-١٦٦.
- ↑ عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ٧١-٨٠.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٦٩-١٧٠.
- ↑ سورة الحديد، الآية ٢٥.
- ↑ النبوّة(النسخة المعرّبة)، المطهّريّ، ص ٤٩-٥٤.
- ↑ عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ٨٠-٨٥.
- ↑ أفكار أهل المدينة الفاضلة، الفارابي، ص٢٨٠-٢٩٣.
- ↑ الفارابيّ، رضا داوري (مصدر بالفارسيّة)، ص ٢٤٤-٢٤٥.
- ↑ الملّة ونصوص أخرى، الفارابي، البند ١، ص ٤٤.
- ↑ الملّة ونصوص أخرى، الفارابي، البند ١، ص ٥٠-٥٢.
- ↑ فصول منتزعة، الفارابي، فصل ٥٨، ص ٦٧.
- ↑ عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ٨٥-٨٩.
- ↑ الشفاء (الإلهيات)، ابن سين، المقدمة العاشرة، الفصل الثاني والثالث.
- ↑ الإشارات والتنبيهات ابن سينا، ج ٣، ص ٣٧١-٣٧٣.
- ↑ عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ٨٩-٩٣.
- ↑ مجموعة مصنّفات السهرورديّ (التلويحات)، ج ١، ص ٩٥-٩٦.
- ↑ مجموعة مصنّفات السهرورديّ (پرتونامه)، ج ٣، ص ٧٥.
- ↑ المصدر السابق (يزدان شناخت)، ج ٣، السهرورديّ، ص ٤٥٣-٤٥٥.
- ↑ عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ٩٣-٩٥.
- ↑ سورة فصلت، الآية ٤٤.
- ↑ سورة ق، الآية ٤٤.
- ↑ سورة المائدة، الآية ١٦.
- ↑ المبدأ والمعاد، صدر الدين الشيرازي، ص ٤٨٨-٤٨٩.
- ↑ الشواهد الربوبية، صدر الدين الشيرازي، ص ٣٥٩-٣٦١.
- ↑ المبدأ والمعاد، صدر الدين الشيرازي، ص ٤٩٠-٤٩٣.
- ↑ الشواهد الربوبية، صدر الدين الشيرازي، ص ٣٣٧-٣٤٥.
- ↑ الشواهد الربوبية، صدر الدين الشيرازي، ص ٣٦٨-٣٦٩.
- ↑ الأسفار الأربعة، صدر الدين الشيرازي، ج ٧، ص ١٩-٢٢.
- ↑ مفاتيح الغيب، صدر الدين الشيرازي، ص ٨١.
- ↑ مفاتيح الغيب، ص ٦٧٩. راجع أيضاً: متشابهات القرآن، ص ٨٦؛ تفسير القرآن الكريم، ج ٢، ص ٧٩-٨٠ وكلّها لصدر الدين الشيرازيّ.
- ↑ متشابهات القرآن، ص ٧٩-٧٨.
- ↑ شرح أصول الكافي، ج ١، ص ٣٦٦.
- ↑ شرح أصول الكافي، ج ١، ص ٢٢٧ و٢٤٠.
- ↑ متشابهات القرآن، ص ٧٦.
- ↑ تفسير القرآن الكريم، ج ١، ص ٢٠٥-٢٠٦.
- ↑ مفاتيح الغيب، ص ٧٣-٧٤؛ متشابهات القرآن، ص ٦-٧ و٩٠-٩٣.
- ↑ شرح أصول، الكافي، ج ١، ص ٢٣٧ و٢٤٠ - ٢٤١.
- ↑ عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ٩٥-١٠٣.
- ↑ جامع الأسرار، حيدر الآملي، ص ٣٥٩.
- ↑ المقدّمات من كتاب نص النصوص في شرح فصوص الحكم، حيدر الآملي، ص١٢٩.
- ↑ راجع: شرح فصوص الحكم، الخوارزمي، ج ١، ص ٣١٨.
- ↑ راجع: نقد النصوص في شرح نقش الفصوص، الجاميّ، ج ١، ص ٢١٣؛ الفتوحات المكّية، ابن عربي، ج ١٤، ص ٦١٦، ج١٣، ص٧٧، ج٢، ص٣٣١، ٣٥٦.
- ↑ راجع: مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية، الإمام الخميني، ص ٩٠.
- ↑ راجع: الفتوحات المكيّة، ابن عربي ج ٢، ص ٣٠٩، ج ٣، ص ٣٥٧.
- ↑ راجع: شرح فصوص الحكم، الخوارزمي، ج ١، ص ٥٨٩.
- ↑ راجع: شرح فصوص الحكم، الخوارزمي، ج ١، ص ٤٨٣.
- ↑ راجع: شرح فصوص الحكم، القيصري، ج ١، ص ٢٤٣؛ الفتوحات المكيّة، ابن عربي، ج ٣، ص ٣٩١.
- ↑ راجع: الفتوحات المكيّة، ابن عربي، ج ٤، ص ١٢١.
- ↑ راجع: الفتوحات المكيّة، ابن عربي، ج ٤، ص ٢٠٤.
- ↑ راجع: الفتوحات المكيّة، ابن عربي، ج ١، ص ٢٠٦.
- ↑ الفتوحات المكيّة، ابن عربي، ج ٤، ص ١٦١.
- ↑ جوهر المراد (بالفارسية: گوهر مراد)، الفياض اللاهيجيّ، ص ٣٦٢-٣٦٣.
- ↑ عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ١٠٣ -١٠٨.
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٥١.
- ↑ عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ١٠٩.
- ↑ شرح الإشارات، فخر الدين الرازي، ج ٢، ص ١٠٦ .
- ↑ شرح الإشارات، فخر الدين الرازي، ج ٢، ص ١٠٦.
- ↑ معارف القرآن،مباحث السبيل والدليل (بالفارسية: معارف قرآن، راه وراهنما شناسي)، محمد تقي مصباح، ج٤و٥، ص٣٨-٣٩.
- ↑ عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ١١٠-١١٢.
- ↑ المقدمة،ابن خلدون.
- ↑ شرح الإشارات، نصير الدين الطوسي، ج٣، ص ٣٧٤.
- ↑ عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ١١٢-١١٤.
- ↑ نظرية الإمامة في ميزان النقد [بالفارسية: تئوري امامت در ترازوي نقد]، حجة الله نيكويي.
- ↑ سورة غافر، الآية ٧٨.
- ↑ سورة فاطر، الآية ٢٤.
- ↑ سورة هود، الآية ٧.
- ↑ سورة الملك، الآية ٢.
- ↑ سورة الأنبياء، الآية ٣٥.
- ↑ نهج البلاغة،الخطبة: ١٩٢.
- ↑ عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ١١٥-١٢٤.