إنكار عصمة الأئمة في علم الكلام
شبهة إنكار عصمة الأئمة(ع)
من بين الشبهات القديمة التي يسوقها أهل السنة وبعض المعاصرين[١] - ضمن إنكارهم عصمة الأئمة(ع) - القول بأن صفة العصمة من مقترحات هشام بن الحكم أو أنها من مختلقات المتكلمين في القرنين الثاني والثالث للهجرة[٢]. إلا أن هذه التهمة ناشئة عن الرؤية السطحية لتعريف الإمامة وحقيقتها.
أن الروايات النبوية الدالة على صفة العصمة للأئمة الأطهار(ع) تثبت ضعف هذا الادعاء القائل بأن العصمة من مقترحات هشام بن الحكم.
نعم لقد كان لهشام بن الحكم فضل كبير في الجهود التي بذلها من أجل الاستدلال على العصمة الثابتة للأئمة(ع) بالأدلة النقلية والعقلية، وكما قال تلميذه ابن أبي عُمير فإن بعض الأدلة التي ذكرها هشام بن الحكم في إثبات نظرية العصمة لم يسبقه إليها أحد قبله، من قبيل: التمسك بقوله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾[٣].[٤]
وهناك قرائن وشواهد أخرى تنفي نسبة القول بأن العصمة من مبتدعات هشام بن الحكم، مثل: عدم وجود هذه النسبة إلى هشام في أيواحد من المصادر الشيعية، وحتى الشيخ الصدوق الذي يصفه البعض بأنه من أشدّ المخالفين لوصف الأئمة بالصفات ما فوق البشرية لم يؤثر عنه أنه نسب هذا الاتهام لهشام. وهناك من المحققين الغربيين من يذهب إلى الاعتقاد بأن نظرية العصمة كانت سائدة قبل عصر هشام وفي زمن الإمام الباقر(ع) [٥].
بل إن الشيخ الصدوق يثبت في كتابه القيم (معاني الأخبار) أن هشام بن الحكم قد استلهم العصمة وحقيقتها من الإمام الصادق(ع)[٦].[٧]
شبهة تعارض عصمة الأئمة مع الأدعية والروايات
العصمة من الصفات اللازمة لمقام الإمامة، وقد تم التأكيد على هذا المعنى في الآيات والروايات المستفيضة. إلا أن أهل السنة حيث تنزلوا بمقام الأئمة الأطهار(ع) إلى مستوى الحاكم أو العالم الديني، فقد تمسكوا لإثبات مدعاهم (عدم عصمة الأئمة الأطهار) بروايات عن الأئمة لم يصفوا أنفسهم فيها بالعصمة، بل على عكس ذلك تماماً فقد اعترفوا بعدم العصمة.[٨].
من ذلك قول الإمام علي(ع): «فَلَا تَكْفُوا عَنْ مَقَالَةٍ بِحَقِّ أَوْ مَشُورَةٍ بِعَدْلٍ، فَإِنِّي لَسْتُ فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أُخْطِيَ، وَلَا آمَنُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِي»[٩].
كما استند أصحاب هذه الشبهة إلى فقرة من دعاء للإمام علي(ع) إذ يقول: «اللهُمَّ اغْفِرْ لي مَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، فَإِنْ عُدْتُ فَعُدْ عَلَيَّ بِالْمَغْفِرَةِ، اللهُمَّ اغْفِرْ لي مَا وَأَيْتُ مِنْ نَفْسِي وَلَمْ تَجِدْ لَهُ وَفَاء عِنْدِي، اللهُمَّ اغْفِرْ لي مَا تَقَرَّبْتُ بِهِ إِلَيْكَ بِلِسَانِي، ثُمَّ خَالَفَهُ قَلْبِي، اللهُمَّ اغْفِرْ لي رَمَزَاتِ الْأَلْحَاظِ، وَسَقَطَاتِ الْأَلْفَاظِ، وَشَهَوَاتِ الْجَنَانِ، وَهَفَوَاتِ اللَّسَانِ»[١٠].
دراسة وتحليل
فيما يتعلق بنقد هذه الشبهة يجدر الالتفات إلى الأمور الآتية:
مخالفتها للآيات والروايات النبوية
طبقاً لهذه النصوص المتقنة، لا بد من اتصاف الإمام بالعصمة، كما أن الآيات والروايات فيما يتعلق بخصوص الإمام علي(ع) صريحة في هذا الشأن. وعليه إذا واجهنا مورداً أو عدداً قليلاً من النصوص الدالة عل خلاف العصمة الثابتة بتلك الأدلة المستفيضة، يجب العمل على تفسيرها وتبيينها بما يتناسب ودلالة تلك الأدلة والنصوص على العصمة.
وأما إذا عمد شخص منذ البداية إلى التنزل بمقام الإمام علي(ع) إلى مستوى الخلفاء الثلاثة الذين سبقوه، بل أدنى من ذلك - (كما يذهب أكثر أهل السنة) - متجاهلاً بذلك كثيراً من الآيات والروايات الدالة على عصمة أهل البيت(ع)، إنه يكون قد سار على خلاف هذه الآيات والروايات، وأقام مذهبه على ظاهر نصوص يتيمة هي في حدّ ذاتها بحاجة إلى تبرير عقلائي.
كلام الإمام يُشير إلى أصل عام ولا يختص بشخصه
فيما يتعلق بكلام الإمام علي(ع)، ومطالبته من الناس أن يشيروا عليه بحق؛ لأنه ليس بمأمن الخطأ، يجب القول: إذا طالعنا الخطبة التي ورد فيها هذا النص بشكل كامل، سوف يتضح لنا أن الإمام علي(ع) إنما قال هذه الخطبة في أحداث حرب صفين، وفي الأثناء قام شخص من بين أصحابه وبدأ بإطرائه ومدحه وثنائه بكلمات يظهر منها التملق، وحيث كان الإمام يكره المديح والثناء، فقد أضاف إلى كلمته هذه الفقرة مذكراً الناس أن الأجدر بهم بدل الثناء على الحاكم أن يشيروا عليه بما هو حق؛ ذلك لأن الحاكم من موقعه أحوج إلى الكلمة الناصحة من الكلمات المداهنة، وبطبيعة الحال حيث كان الإمام علي(ع) في حينها هو الحاكم، لم يكن يرى لنفسه من الناحية الأخلاقية أفضلية على الآخرين، ومن هنا تأتي إشارته إلى نفسه وأنه ليس استثناء من احتمال الخطأ والحاجة إلى المشورة. وأما في الواقع فإن لب مراده هو ذمّ مدح وثناء الحاكم، وبيان أصل عام للحكام فيما يتعلق بضرورة التشاور مع الناس. أما شخص الإمام فكان معصوماً ومبرءاً من الخطأ، ولذلك فإنه كان في غنى عن الاستشارة. والدليل على ذلك النصوص والكلمات الواردة عنه بهذا الشأن حيث يصرح فيها بعصمته وعدم حاجته إلى المشورة لعلمه التام والجامع بجميع أبعاد وزوايا الحكم والموضوع.
تعليق إمكان صدور الخطأ على عدم تدخل العناية الإلهية
كان على المنكرين للعصمة - أو بعبارة أخرى: الذين يقولون بإمكان صدور الخطأ والمعصية عن الأئمة(ع) - أن يستشهدوا بروايات صريحة في دلالاتها على صدور المعصية والخطأ عنهم. أما خطبة الإمام علي(ع) في نهج البلاغة فغاية ما تدلّ عليه هو الطبيعة الإنسانية للإمام، والقول بأنها بحيث لو خلّيت وطبعها، أمكن أن تكون منشأ لصدور الخطأ والمعصية. وهذا ما يدل ويشهد له بشكل كامل لفظ «في نفسي» إذ يقول: «فَإِنِّي لَسْتُ فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أُخْطِىَ». وأما أن تكون هذه النفس والطبيعة التي يتحلى بها الإمام باقية على هذه الشاكلة أم لا؟ فيمكن للفقرة الثانية في الخطبة نفسها أن تجيب عنها، إذ يقول: «إِلَّا أَنْ يَكْفِيَ الله مِنْ نَفْسِي مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنِّي». وعليه فإن هذه الفقرة تجعل إمكان صدور الخطأ والمعصية عنه معلقاً على عدم كفاية الله له من نفسه وتركه وشأنه، ولمّا كان قد ثبت في موضعه عند إثبات العصمة بالأدلة العقلية والنقلية، أن الله سبحانه قد كفاه من نفسه بالعصمة، فيكون مستثنى من ذلك الحكم العام، فلا يكون صدور الخطأ والمعصية في حقه ممكناً.
وعليه يكون صاحب هذه الشبهة قد ارتكب مغالطة حذف النص وتقطيعه، وحجب الاستثناء الوارد في الفقرة التي جعلها دليلاً على مدعاه.
نصوص الإمام الدالة على عصمته
أشرنا في العنوان المتقدم إلى أن غاية ما تدلّ عليه الخطبة أعلاه هو طبيعة وإمكان صدور الخطأ من دون وقوعه حقيقة، وأضفنا إلى ذلك أن هذا الإمكان قد تم نفيه من قبل الإمام علي(ع) في فقرة أخرى من الخطبة نفسها. وهناك روايات أخرى مأثورة عن الإمام تدلّ على عصمته وعدم صدور الخطأ عنه نشير إليها فيما يأتي. إنّ الإمام(ع) في هذه الخطبة رغم مطالبته من الحاضرين أن لا يبخلوا عليه بالمشورة، إلا أنه يُصرّح في موضع آخر بأنه غير محتاج إلى المشورة أصلاً، وذلك لعدم إمكان صدور الجهل والخطأ عنه. كما يظهر ذلك من جوابه عن عتاب طلحة والزبير وانتقادهما له بعدم استشارتهما، إذ أورد الشريف الرضي في نهج البلاغة قائلاً:
«ومن كلام له(ع) كلم به طلحة والزبير - بعد بيعته بالخلافة وقد عتبا عليه من ترك مشورتهما، والاستعانة في الأمور بهما «لَقَدْ نَقَمْتُها يَسِيراً وَأَرْجَأْتُمَا كَثِيراً، أَلَا تُخْبِرَانِي أَيُّ شَيْءٍ كَانَ لَكُمَا فِيهِ حَقٌّ دَفَعْتُكُمَا عَنْهُ، أَمْ أَيُّ قَسْمِ اسْتَأْثَرْتُ عَلَيْكُما بِهِ، أَمْ أَيُّ حَقٌّ رَفَعَهُ إِلَيَّ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، ضَعْفْتُ عَنْهُ أَمْ جَهِلْتُهُ أَمْ أَخْطَأْتُ بَابَهُ؟... فَلَمْ أَحْتَجْ فِي ذَلِكَ إِلَى رَأْيِكُمَا وَلَا رَأْي غَيْرِ كُمَا، وَلَا وَقَعَ حُكْمٌ جَهِلْتُهُ فَأَسْتَشِيرَكُما وَإِخْوَانِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ أَرْغَبْ عَنْكُما وَلَا عَنْ غَيْرِ كُما»[١١]
وقال الإمام علي(ع) بعد مقتل طلحة والزبير، مبيناً عدم تردّده وشكه في معرفة الحق: «بنَا اهْتَدَيْتُمْ فِي الظُّلْمَاءِ، وَتَسَنَّمْتُمْ ذُرْوَةَ الْعَلْيَاءِ، وَبِنَا أَفْجَرْتُمْ عَنِ السَّرَارِ، وَقِرَ سَمْعٌ لَمْ يَفْقَهِ الْوَاعِيَةَ، وَكَيْفَ يُرَاعِي النَّبأَةَ مَنْ أَصَمَّتْهُ الصَّيْحَةُ، رُبطَ جَنَانٌ لَمْ يُفَارِقْهُ الْخَفَقَانُ، مَا زِلْتُ أَنْتَظِرُ بِكُمْ عَوَاقِبَ الْغَدْرِ، وَأَتَوَسَّمُكُمْ بِحِلْيَةِ المُغْتَرِّينَ، حَتَّى سَتَرَنِي عَنْكُمْ جِلْبَابُ الدِّينِ، وَبَصَّرَنِيكُمْ صِدْقُ النِّيَّةِ، أَقَمْتُ لَكُمْ عَلَى سَنَنِ الحَقِّ فِي جَوَادُ المُضَلَّةِ، حَيْثُ تَلْتَقُونَ وَلَا دَلِيلَ، وَتَحْتَفِرُونَ وَلَا تُميهُونَ، الْيَوْمَ أُنْطِقُ لَكُمُ الْعَجْمَاءَ ذَاتَ الْبَيَانِ، عَزَبَ رَأْيُّ امْرِئٍ تَخَلَّفَ عَنِّي، مَا شَكَكْتُ فِي الحَقِّ مُذْ أُرِيتُهُ... مَنْ وَثِقَ بِمَاءٍ لَمْ يَظْمَأُ»[١٢].
وقال الإمام علي الا بشأن عصمته وعدم صدور الكذب والضلال عنه: «مَا كَذَبْتُ وَلَا كُذَّبْتُ وَلَا ضَلَلْتُ وَلَا ضُلَّ بي»[١٣].
تقرير آخر للشبهة: اعتراف الأئمة في أدعيتهم بأنهم مذنبون
إن من بين التقريرات الأخرى لشبهة إنكار عصمة الأئمة(ع)، التمسك بالأدعية المتعددة الواردة عنهم والتي يعترفون فيها بذنوبهم[١٤].
مناقشة وتحليل
في معرض تحليل هذه الشبهة يجب القول: إن مباحث المعاني والألفاظ تعد اليوم من المباحث الهامة في العلوم الإنسانية، ولأهمية هذه المباحث وارتباطها بالتعاليم والنصوص الدينية في علم فلسفة الدين والبحث الديني والتفسير، فإنها تحظى بأهمية خاصة. وعليه نقول: ما هي لغة الدين؟ وهل هي ذات اللغة العرفية أم أنها تختلف عنها؟ وما هو مكمن الاختلاف بينهما؟ إن القدر المتيقن هو أن لغة الدين - وخاصة لغة القرآن - لا تختلف عن لغة العرف من الناحية الماهوية، فإنها مثلها في الاشتمال على الاستعارة والكناية والتعليم والمبالغة، وفي الوقت نفسه تشتمل على معاني سامية وعميقة لا تتوفر في لغة العرف.
التفسير العرفاني
يمثل الدعاء نوعاً أخص من لغة الدين، فهو يمثل في الحقيقة لغة وواسطة الارتباط بين الداعي وبين الله والمعبود والعالم القدسي وما فوق الطبيعي. حيث الداعي يرى نفسه أمام خالق الوجود وواهب الحياة في غاية التضاؤل والعدم، فهو يرى نفسه متقوماً - في كل لحظة من حياته - بذلك الوجود القدسي، ولذلك يرى وجوده إلى وجود ذلك الخالق بمنزلة وجود قطرة الماء إلى المحيط الهادر، وأن ليس له من وظيفة سوى عبادة أوامر ذلك المعبود الفياض وإطاعته، ويرى كل خطوة يرفعها في هذا المسير باتجاه مرضاة المحبوب والمعبود، وتبعاً لذلك يضمن النجاح والفوز والفلاح، وبعكس ذلك فإن كل فعل ولحظة تؤدّي إلى الابتعاد عن غايته ومعبوده، تستتبع خسراناً وإثماً لا كفارة له حتى وإن كان ذلك لا يعد معصية وذنباً في إطار الشريعة.
إن العارف الذي لا يكتفي بترك المحرمات فحسب، بل يُضيف لها ترك المكروهات، بل حتى بعض المباحات لغاية القيام بالمستحبات والواجبات، تكمن غايته ودافعه في الوصول إلى هدفه الأخير المتمثل بالاتصال بالمحيط الإلهي الذي يتم التعبير عنه في المصطلح العرفاني بـ «الفناء». وقيل في ذلك: «حسنات الأبرار، سيئات المقربين».
إن شخصية مثل شخصية الإمام علي(ع) الذي يمثل قمة العارفين، وأفضل الكائنات بعد النبي الأكرم(ص) قد بذل كل وجوده من أجل الوصول إلى المقصود وكمال الله اللامتناهي، ويرى كل فعل أو حركة أو كلمة تبعده عن غايته، بل حتى إذا أدت إلى عرقلة حركته إلى الله أو كبحها (مثل المباحات)، خطأ وزلّة وذنباً، من هنا فإنه يلجأ لذلك إلى الدعاء والاستغفار وطلب الصفح من هنا فقد صدر عن الإمام علي(ع) كثير من الأدعية - من قبیل: دعاء كميل ودعاء الصباح - في هذا الشأن، وهي تنطوي بأجمعها - كما أسلفنا - على لغة الدعاء وطلب العفو والصفح عن المكروهات والمباحات التي لا تُعدُّ ذنباً في إطار الشريعة، وإنما هي معصية في حقل العرفان والإنسان الكامل[١٥].
التفسير العلمي والتربوي
الوجه الثاني هو القول بأن الأئمة(ع) يرومون من خلال هذه الأدعية تعليم الآخرين كيفية الدعاء والارتباط مع الله في خطابهم، فهم بصدد تعليم المذنبين بشكل غير مباشر كيفية تطهير صدورهم وجلاء قلوبهم من الأدران من خلال الاعتراف بذنوبهم بشكل مستمر، والانطلاق بذلك نحو مصدر النور والطهر والنقاء. بيد أن هناك من لا يرى هذا الجواب مقنعاً[١٦].
الحمل على الاستغفار الدفعي
قال بعض المعاصرين فى تحليل اعتراف الأئمة(ع) وتبريره ما حاصله: «إن الاستغفار الوارد في هذه الأدعية هو من الاستغفار الدفعي، بمعنى الاستغفار الذي يحول دون عروض الغفلة والمعصية، وليس من الاستغفار الرفعي الذي يأتي بعد اقتراف الذنوب حقيقة. ومثل ذلك مثل الغطاء الذي يوضع على المرآة كي لا يقع عليها شيء من الغبار، لا كمثل المنديل الذي يمسح به الغبار الواقع عليها أصلاً»[١٧].
طلب الاستغفار لذنوب الأمة
الأمر الآخر الذى يمكن أن نستفيده من بعض الروايات[١٨] هو أن أولئك السادة الهداة أنفسهم معصومون ومبرأون من الأخطاء والذنوب، ولكن حيث كانوا مثل النبي الأكرم(ص) في هداية الأمة المسلمة على المستوى الروحي والمعنوي، وأنهم اضطلعوا بشكل وآخر بمهمة هداية الناس، فإنه وإن لم تتوفر لهم الأرضية المناسبة للهداية، ولكنهم مع ذلك كانوا يشعرون بالمسؤولية، وكانوا يعتبرون أخطاء الناس أخطاءهم، فكانوا لذلك يستغفرون الله منها ويطلبون منه العفو والصفح. ويمكن تشبيه ذلك بالخطأ الذي يرتكبه الولد؛ فيأخذ الوالد خطأ الولد وكأنه صادر عنه، وهكذا نرى الوالدين يتحملان تبعات أخطاء أبنائهما، ويتوجهان إلى الشخص الذي أخطأ ابنهما في حقه؛ فيطلبان منه الصفح ويسألانه أن يقبل اعتذارهما، وهكذا كان الأمر بالنسبة إلى الأئمة بوصفهم آباء للأمة الإسلامية، وهذا ما تؤكد عليه النصوص الروائية، مثل الحديث النبوي الشريف القائل: «أَنَا وَ عَلِيٌّ أَبَوَا هَذِهِ اَلْأُمَّةِ»[١٩].
والذي يؤيد هذا الأمر والتفسير، جواب الإمام الصادق(ع) عن نسبة الذنب إلى النبي الأكرم(ص) الواردة في قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾[٢٠]، حيث قال(ع): «وَ اَللَّهِ مَا كَانَ لَهُ ذَنْبٌ وَ لَكِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ ضَمِنَ لَهُ أَنْ يَغْفِرَ ذُنُوبَ شِيعَةِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِمْ وَ مَا تَأَخَّرَ»[٢١]. وفي قول آخر: «مَا كَانَ لَهُ ذَنْبٌ وَ لاَ هَمَّ بِذَنْبٍ وَ لَكِنَّ اَللَّهَ حَمَّلَهُ ذُنُوبَ شِيعَتِهِ ثُمَّ غَفَرَهَا لَهُ»[٢٢].
وعلى هذا الأساس فإن استغفار الأئمة(ع) من قبيل استغفار الآباء لأمتهم، حيث كانوا يشاهدون ذنوب الأمة بعين البصيرة والوجود النوراني الذي يتمتعون به، ويطلبون الصفح والمغفرة من الله على ذلك.
عدم إمكان حمل الأدعية على الظاهر
لو كان الذين يطرحون هذه الشبهة - الأعم من السنة والشيعة - من الذين يُعربون عن حبّهم للإمام علي(ع) وشدة تعلقهم به، يصرون على حمل لغة الأئمة فى أدعيتهم على اللغة العرفية، وأن الإمام في أدعيته لا يريد غير المعاني الحقيقية، وأنه إنما يعترف فيها - والعياذ بالله - باقتراف الذنوب وارتكاب المعاصي. فهنا يحق لنا أن نسألهم: ما هو موقفكم بشأن تفسير الأدعية المشابهة للأدعية الآتية؟ من قبيل: دعاء الإمام علي(ع) الذي يقول فيه: «الهي قَلبي مَحْجُوبٌ، وَنَفْسي مَعْيُوبٌ، وَعَقْلِي مَغْلُوبٌ، وَهَوائي غالِبٌ، وَطاعَتِي قَليلٌ، وَمَعْصِيَتِي كَثِيرٌ»[٢٣]. «وَلا تُعاجِلْني بِالْعُقُوبَةِ عَلى ما عَمِلْتُهُ فِي خَلَواتِي مِنْ سُوءٍ فِعْلي وَإِساءَتي»[٢٤].
أو دعاء الإمام الحسين(ع) في يوم عرفة، والذي يقول فيه: «وَلَوْلا سَتْرُكَ إِيَّايَ لَكُنْتُ مِنَ المُفْضُوحِينَ»[٢٥].
أو دعاء الإمام زين العابدين وسيد الساجدين(ع)، إذ يقل فيه: «الهي الْبَسَتْنِى الخطايا ثَوْبَ مَذَلَّتِي، وَجَلَّلَنِي التَّباعُدُ مِنْكَ لِباسَ مَسْكَنَتِي، وَاَماتَ قَلْبِي عَظيمُ جِنايَتي»[٢٦].
هل يمكن للشخص المنصف - الأعم من الشيعي والسني - أن يلتزم بأن هوى الإمام علي(ع) - والعياذ بالله - غالب على عقله، وأن ذنوبه أكثر من طاعته؟! وهل إذا كُشف الغطاء والحجاب عن الإمام الحسين(ع) وهو سيد شباب أهل الجنة؛ سيكون من المفضوحين على رؤوس الأشهاد؟! وهل كانت ذنوب الإمام السجاد - الذي كان دائم السجود في صلاته - بحيث تميت قلبه؟!
النقض بأدعية النبي الأكرم(ص)
لو أصر المخالف على حمل الأدعية المأثورة عن الأئمة على ظاهرها، ليثبت بذلك عدم عصمتهم، فإننا نسأله عن تفسير الأدعية الواردة عن النبي الأكرم(ص) الدالة على اعترافه بالذنوب أيضاً، من قبيل قوله: «أَنْتَ اَلْجَوَادُ وَ أَنَا اَلْبَخِيلُ.. أَنْتَ اَلْغَافِرُ وَ أَنَا اَلْمُسِيءُ»[٢٧].
وهكذا فإن النبي الأكرم(ص) يكرر قول: «أَجِرْنَا مِنَ اَلنَّارِ»[٢٨] ما يقرب من تسعين مرة، وفي الجوشن الكبير، يكرر ذكر: «اَلْغَوْثَ اَلْغَوْثَ خَلِّصْنَا مِنَ اَلنَّارِ يَا رَبِّ»[٢٩] مئة مرة.
فهل يمكن للشخص الشيعي والسني أن يحملا أو يُفسّرا هذه الأدعية المأثورة عن النبي الأكرم(ص) على ظاهرها؟ فإذا كان لدعاء النبي تفسير خاص، لماذا لا نحمل معنى الدعاء المأثور عن أبنائه والمقربين منه من الأئمة المعصومين(ع) على المحمل ذاته؟!.[٣٠]
مناحي العصمة
ترتبط مفردة «العصمة» بمادّة «عَصَمَ»، وهي تعني المنع والإمساك. وتُسمّى العصمة بهذا الاسم؛ لأنّ الشخص المعصوم يُمنع من ارتكاب المعصية والخطأ. يقول اللغوي الشهير الخليل الفراهيدي في هذا الخصوص: أن يعصمك الله من الشر ؛ أي: يدفع عنك، واعتصمت بالله؛ أي: امتنعت به من الشر[٣١].
وقد عرّف ابن فارس، العصمة بالصيانة الإلهية من كل سوء يقع العباد فيه[٣٢]. وفسرّ الراغب الأصفهاني كلمة «العصمة» بالإمساك.[٣٣]
وأشار كلّ من الشيخ المفيد و السيد المرتضى و الشيخ الطوسي إلى المعنى اللغوي للعصمة[٣٤]
وفيما يخصّ المعنى الاصطلاحي للعصمة، نوقشت مناحٍ وتوجّهات مختلفة من قِبَل المتكلمين والحكماء الإسلاميين[٣٥]؛ فأدرج بعضهم العصمة تحت لواء اللطف والفضل الإلهيين، وعدّه آخرون القوة العاقلة، ووصفته جماعة بالكلمة النفسانية، وفسّرته أخرى بالحيثية الخاصة.
أما الشيخ المفيد والسيّد المرتضى والمحقّق الطوسي والعلّامة الحلي، فذهبوا إلى أنّ اللطف يمثل حقيقة العصمة[٣٦]. ومن متكلّمي الأشاعرة والمعتزلة الذين عدّوا العصمة لطفاً إلهياً البياضي[٣٧] الأشعري، والقاضي عبدالجبّار المعتزلي[٣٨].
ومع أنّ هذا الانطباع عن العصمة الذي يصنّفها في ضمن اللطف أو الفضل الإلهيين صحيح لا غبار عليه؛ إلّا أنّ ذلك لا يحدّد القوة المؤثرة في مصونيّة أئمة الدين من المعصية والخطأ.
وقد ذهب الحكماء المسلمون إلى أنّ حقيقة العصمة في أئمة الدين كمال القوة العاقلة للإنسان إزاء القوة الغضبية والشهويّة. فإنّ الإنسان الكامل من خلال هذا التوجه يسيطر بعد تقوية القوة العاقلة على القوى الأخرى للنفس ؛ أي القوى الغضبية والشهويّة، ويجعلها مطيعة للقوّة العاقلة. وتبلغ نفس النبي والولي بعد اجتياز مراحل التكامل والارتباط والاتصال بالعقل الفعال (الملك الإلهي) مقاماً لايتوفّر فيه المجال لتحقق المعصية في وجوده[٣٩].
ومع أنّنا لا نشكّ في أنّ تكامل القوة العاقلة يلعب دوراً فعالاً في حقيقة العصمة؛ لكن هل يكفي هذا النوع من التكامل للوصول إلى مقام النبوة؟ وهل يبلغ كلّ حكيم يملك فعليّة القوة العاقلة، مقام عصمة النبي أو الولي؛ أمّ أنّه يصل إلى مرتبة من مراتب العصمة وحسب؟
يرى كاتب هذه السطور أنّ الأنبياء المعصومين: لا يستغنون في نيل العصمة وهداية الناس عن الفضل واللطف الإلهيين حتى بعد ما بلغوه من الرقي العقلي.
إنّ فعليّة القوة العاقلة لا تقوم إلا بتوفير الأرضية اللازمة لحصول الإنسان العاقل على العقل المستفاد، ويرتبط عن طريق ذلك بالعقل الفعال، ويتلقّى الوحي الإلهي بشكل صحيح؛ ولكن هل له أن يحفظ الوحي الإلهي ويبلغه ويبيّنه بالقوّة العاقلة فقط ؛ وهو متمتّع بالعصمة؟ يبدو أنّ ذلك يستلزم الفيض واللطف الإلهيين أيضاً، وإن يُعدّ الوصول إلى فعليّة القوة العاقلة كذلك، فيضاً إلهياً.
يقول العلامة الجوادي في شرحه لكلمات ابن سينا[٤٠] في حقيقة العصمة:
العصمة على قسمين: أحدهما يعود إلى العلم، والآخر إلى العمل. أمّا القسم الأول؛ أي العصمة التي تعود إلى العلم، فهو أن يكون النبي معصوماً في جميع شؤونه وأموره العلمية وأبعاده الإدراكية، واتّضح عند تشريحه كمال القوة النظرية أنّ النبي يتلقّى الوحي بواسطة العقل المستفاد من حضرة الحكيم العليم وتتجسّم وتتمثّل تلك المعارف والمعلومات والعلوم المتلقاة، في حسّه المشترك ؛ بحيث لا يداخله الوهم ولا تتلاعب سائر القوة المهجورة.فلا يرى سوى الحق ولا يفكّر في سوى الحق؛ لأنّه نال مقاماً يدور حول مدار الحق وقد تلقّى المعارف والعلوم من عند حكيم عليم لا مجال للخطأ في حضرته.فإن تمّ حدّ العصمة ونصابها العلميان في هذه المرحلة من التلقي والأخذ، يأتي الدور على العصمة في المرحلة الثانية، وهي مرحلة الحفظ والضبط، بحيث يكون النبي محفوظاً ومصوناً من السهو والخطأ أيضاً؛ لأنّ القانون الكامل الوحيد لسعادة الإنسان هو الوحي ولو لم يكن الوحي النازل من حضرة المعلم الإلهي الذي هو العقل الفعال، مصوناً من الزوال وسهو المعصوم وخطئه، فلن يكون له جدوى البتة.. ومن هنا، يتّضح لزوم العصمة في مرحلة الإبلاغ والبيان؛ بحيث لا يبلّغ سوى عين ما أُوحي إليه منذ البدء ولا يملي عن هوى، فلا يخطئ ولا يعتريه النسيان، كما أنه لا يخطئ في الحفظ والضبط. هذه مقولة حول العصمة العلمية. وأمّا القسم الثاني؛ أي العصمة العملية، فهي أن يكون النبي في جميع الشؤون والأمور العملية وأبعاد فعليّته معصوماً بحيث يقوم بكلّ ما يستحقّ القيام به ويترك ما يستحقّ الترك حتّى يكون الجذب والدفع؛أي حبّه وبغضه في سبيل الله تعالى وخالصَينِ له[٤١].
وقد عدّ بعض المتكلمين وطائفة من الحكماء المسلمين حقيقة العصمة امتلاكَ ملكة نفسانيّة تصون الإنسان من ارتكاب الذنوب[٤٢]:
يقول الفاضل المقداد في كتابه اللوامع الإلهية: العصمة ملكة نفسانية تمنع المتصف بها من الفجور مع قدرته عليه[٤٣].
ويكتب العلامة النراقي في هذا الشأن: العصمة ملكة لا يكون معها داع إلى المعصية مع القدرة عليها[٤٤].
وقد أذعن بهذا المنحى بعضُ المتكلمين من أهل السنة؛ مثل: المحقق الجرجاني[٤٥]، و القاضي الإيجي[٤٦]، والتفتازانّي[٤٧].
وصوّر عدد من المتكلمين المسلمين - بدلاً من تصريحهم بكون العصمة من اللطف - أنّها صفة وحالة معيّنة، أو قوّة توجب مصونيّة المتصف بها من المعصية[٤٨].
إنّ ما يؤخذ على هذا التعريف من أساسه: إبهام الحيثية والقوّة والأمر، وكذا غموضها الذي لا يسمح بظهور حقيقة العصمة.
أمّا المسلك الذي تعتنقه غالبيّة الأشاعرة في قضيّة العصمة فهو أنّ الله سبحانه وتعالى لا يخلق في الإنسان المعصوم أي فعل قبيح أو معصية، لكنّ قدرة ارتكاب المعصية - في الوقت ذاته - غير منتفية عنه[٤٩].
ويبتني تحليل الأشاعرة هذا للعصمة على أساس نفي فاعليّة الإنسان؛ فهم يعدّون كلّ ضرب من الأفعال الإنسانية فعلاً إلهيّاً، ولا يقولون بأيّ دور للإنسان في ارتكاب فعله. وتتعارض هذه النظرية - إضافة إلى ما يُعاب عليها من القول بالجبر - مع معنى الاختيار والقدرة اللازمة في حقيقة تعريف العصمة.
وقد انبرت طائفة من المتكلمين السنة والشيعة من أمثال: الفخر الرازي والمحقّق الطوسي إلى التبيين التركيبي لحقيقة العصمة؛ فحسبما يراه الفخر الرازي تمثّل العصمة خاصّيّة في الجسم أو النفس تمنع من ارتكاب المعصية، أو أنّ المعصية هي القدرة على الطاعة التي تستلزم سلب الاختيار. أما العصمة في رؤية الإمامية فهي أمر يوجِده الله في المعصوم، يبعث على ترك المعصية، ولا يؤدّي إلى سلب الاختيار.
وأسباب العصمة عند الرازي هي:
- هناك في النفس أو الجسم خاصّيّة وملكة تمنعان من المعصية
- يوجد لدى المعصوم، العلم بشرّ المعصية وقبحها، وبخير الطاعة.
- تصل هذه العلوم عن طريق الوحي والكلام الإلهي إلى المعصوم.
- إذا صدر عن المعصوم خطأ يكون من باب ترك الأولى أو النسيان، ولا يوكَل إلى نفسه، بل يتعرّض للمعاقبة والتنبيه ويصعب الأمر عليه. فيجعل العوامل الأربعة صدور المعصية عن المعصوم معدوماً ومحالاً[٥٠].
فالعصمة من المعصية عند الفخر الرازي إذن، نتيجة لعمليّة محدّدة تبدأ من الملكة النفسانية المتمثلة في العلم بحقيقة الطاعة والذنوب وإلقاء الوحي الإلهي وتنتهي إلى الخوف من المؤاخذة والعقاب الإلهيين مع إتيان أصغر خطا أو معصية. ورغم أنّ المحقق الطوسي لم يقدّم في أيّ موضع، تعريفاً تركيبيّاً؛ غير أنّه يمكن الحصول على تعريف تركيبيّ من تعاريفه المتنوعة في باب العصمة. فهو يعرّف العصمة بالملكة النفسانية[٥١]، وإيجاد حيثيّة خاصة (ملكة) في المعصوم [٥٢]، واللطف والتفضّل الموهوبين[٥٣] من الله تعالى[٥٤]. كما يؤكّد العلامة الطباطبائي في تعريفه للعصمة، على عاملين هما الملكة النفسانية والعلم[٥٥].
وملخّص القول: إنّ في تحقّق ملكة العصمة، يؤثر الاستعداد والقابليّة للقوّة العاقلة لدى المعصوم (توجّه الفلاسفة) واللطف والعناية الإلهيان (توجه المتكلمين)، يؤثّر على منح هذا المقام. ويجعل الله سبحانه وتعالى العصمة في المعصومين عن طريق الملكة النفسانية والقوّة العقلائية ؛ فالعصمة - إذن - لها حيثيّة اكتسابيّة، وحيثيّة إعطائية معاً. ويرى كاتب هذه السطور أنّ الأئمة المعصومين تلقّوا قابليّة الاتصاف بالعصمة المعطاة من قبل الله تعالى في عهد عالم الذر؛ فطبقاً للآيات والأحاديث، كان قبل العالم الدنيوي، عالم اسمه عالم الذر، ولأرواح البشر فيه الاختيار والتعقل والقدرة على التصرف. فبلغت بعض الأرواح (أرواح أئمة الدين)هناك درجات باختيارهم، تُمكِّنهم من الاتصاف بالعصمة. وهذا البيان يساعدنا في إثبات عصمة الأنبياء: قبل البعثة، والإمامة، بل قبل العالم الدنيوي.[٥٦]
نطاق عصمة الأنبياء
للعصمة في الكلام الإسلامي مراتب. وقد اكتفى بعضهم بثلاث مراتب منها:
- العصمة من ارتكاب الذنوب ومخالفة الأوامر الإلهية (الواجبات والمحرّمات).
- العصمة من الخطأ والنسيان في تلقّي الوحي، وإبلاغه، وتبليغ الرسالة.
- العصمة من الخطأ والنسيان في تنفيذ الأحكام الإلهية، والمطابقة بينها وبين الشريعة، والمصونيّة من الخطأ في القيام بالشؤون الفردية والاجتماعيّة[٥٧].
إنّ الاهتمام بالتحليل المفهومي والإثبات التصديقي للعصمة، يدلّ على المراتب الأخرى لها؛ ومنها: العصمة في تلقي الوحي والإلهام، والعصمة في إبلاغ الوحي والإلهام بشكل صحيح، والعصمة في المعتقدات الدينية، والعصمة في العمل وتنفيذ الأحكام الإلهية بشكل صحيح، والعصمة في المعرفة الدقيقة لمواضيع الأحكام الشرعية، والعصمة في معرفة المصالح والمفاسد الفردية والاجتماعيّة، والعصمة في شؤون الحياة الاعتيادية. سُمّيت العصمة في العقيدة الدينية والعمل بالشريعة، بالعصمة من الذنوب والذنوب وذلك باعتبار أنواع الصغائر والكبائر والذنوب العمدية والسهويّة والنسيانية. وتنقسم العصمة من حيث مراتبها قبل مقام النبوة والإمام وبعده، إلى عدة أقسام[٥٨].
وهنا يمكن استعراض مراتب العصمة في ثلاثة مجالات:
- العصمة في البصيرة (المعرفة والمعتقدات).
- العصمة فى الأخلاق (الملكات).
- العصمة في السلوك الفردي والاجتماعي).
وقد قام العلامة الحلي في شرح التجريد بتبيين الآراء المختلفة للعلماء المسلمين حول نطاق العصمة على النحو الآتي:
فجماعة المعتزلة جوّزوا الصغائر على الأنبياء إمّا على سبيل السهو كما ذهب إليه بعضهم أو على سبيل التأويل كما ذهب إليه قوم منهم أو لأنها تقع محبطة بكثرة ثوابهم.
وذهبت الأشعرية والحشويّة إلى أنّه يجوز عليهم الصغائر والكبائر إلّا الكفر والكذب وقالت الإمامية أنّه تجب عصمتهم عن الذنوب كلّها صغيرها وكبيرها والدليل عليه وجوه: أحدها أنّ الغرض من بعثة الأنبياء: إنّما يحصل بالعصمة[٥٩].
يتّضح مما سبق وجود الاختلاف بين علماء المسلمين حول مراتب العصمة وأقسامها؛ فمشهور الإمامية يرون عصمة أئمة أهل البيت: من جميع الأخطاء والذنوب، سواء كبيرة منها أو صغيرة، عمديّة أو سهويّة، قبل النبوة والإمامة أو بعدهما، وهذا ما لا يذهب إليه أهل السنة[٦٠].
وتثبت عصمة الأنبياء عند علماء الإمامية ومتكلّميهم في جميع المجالات المذكورة آنفاً (العصمة في المعتقدات، والأفعال والأعمال الفردية، ومعرفة مصالح الناس ومفاسدهم، والتبيين والتفسير لأجل تنفيذ الأحكام الإلهية بشكل صحيح، سواء العثرات والذنوب العمدية أو السهوية، الكبيرة أو الصغيرة، قبل الإمامة أو بعدها)، ولم يقل أيّ من علماء المذاهب الإسلامية الأخرى بمعنى كهذا للعصمة بالنسبة إلى الأنبياء الإلهيين. وقد اختلف متكلّمو الأشاعرة والمعتزلة اختلافاً شديداً في المجالات المختلفة لعصمة الأنبياء؛ فحسَب رأي القاضي الإيجي ترى غالبيّة الأشاعرة جواز صدور الكبائر عن الأنبياء سهواً[٦١].
ويعزو الفاضل القوشجي منْعَ نسبة الكبائر والصغائر الدنيئة إلى الأنبياء بعد البعثة إلى محقّقي الأشاعرة؛ وإن أجاز إمام الحرمين الجويني، على غرار أبي هاشم المعتزلي نسبةَ الصغائر العمدية إلى الأنبياء[٦٢].
ويرى التفتازاني أنّ الأشاعرة والمعتزلة قاطبةً قد أجازوا ارتكاب جميع الصغائر على الأنبياء سهواً، سوى ما يوجب انتقاص شأنهم.[٦٣] ولكن، خطّأ صاحب النبراس هذه الدعوى، ونسَب ذلك إلى أكثر الأشاعرة والمعتزلة؛ وليس إلى كلّهم[٦٤].
ويذهب الفخر الرازي إلى أنّ جميع ما في أقوال العلماء المسلمين من اختلاف في مسألة العصمة، يتلخّص في أربعة أقسام عامّة: وفي البداية، يقدّم عصمة الأنبياء في هذه المجالات:
أمّا بخصوص القسم الأول، فينبغي للأنبياء أن يتنزّهوا من الكفر والضلال، ويرى الفخر الرازي ضرورة ذلك عند أكثر العلماء؛ بخلاف طائفة من الخوارج تُدعى الفضيلية، فقد آمنوا بإمكان صدور المعصية عن الأنبياء، وفسّروا ارتكاب المعصية بنوع من الكفر والشرك، فقبلوا بوقوع الكفر من الأنبياء.[٦٥] وقد ردّ الرازي قولهم بأنّ الإمام هو من يؤتمّ به، فأوجب على كلّ الناس أن يأتمّوا به، فلو صدر الذنب عنه لوجب عليهم أن يأتموا به في ذلك الذنب!وذلك يفضي إلى التناقض. وقد نسب الرازي مخطئاً، تجويز إظهار الكفر من الأنبياء بناءً على التقية إلى علماء الإمامية[٦٦].
أما بخصوص القسم الثاني من العصمة والذي يرتبط بتبليغ الوحي وتشريعه، فيُجمع - حسب رأيه - كلّ علماء الأمة على العصمة من الكذب والتحريف؛ لأنه في غير هذه الحالة، لا يعود يمكن الوثوق بأفعالهم وأقوالهم والاعتماد عليها. وكذلك يتفق العلماء على أنّ الخطأ والكذب لا يصدران عمداً عن الأنبياء؛ كما أنه لا يجوز وقوع الخطأ السهوي منهم غير أن جماعة أخرى أجازت الخطأ والكذب سهواً ودلّلت على ذلك بأنّ الاحتراز عنهما غير ممكن إطلاقاً ولا طاقة للإنسان بذلك.
وأما بخصوص القسم الثالث الذي يتعلّق بالعصمة في مجال الإفتاء وتبيين الأحكام وتشريعها، فقد اتفق العلماء على أنّه لا يُقبل الخطأ العمدي منهم؛ لكن بعضهم يجيز الخطأ السهوي[٦٧].
وأما القسم الرابع من العصمة والمرتبط بأفعالهم، ففيه اختلاف بين العلماء المسلمين، وسيقت بشأنه خمسة أقوال[٦٨].
وبناء على رؤية الفخر الرازي، تختص عصمة الأنبياء من الذنب والمعصية، كبيرة كانت أو صغيرة، بزمن النبوة فقط، ولا يقولون بلزومها قبل مقام الرسالة والنبوّة، وبالإضافة إلى ذلك، لا يجيز هؤلاء الذنوب العمدية للأنبياء فحسب، بل الذنوب التي تصدر عنهم سهواً[٦٩].
بناءً على ما تقدّم، يعتمد رأي الأشاعرة والمعتزلة في عدم اشتراط العصمة في الإمام على أنّ ملكة العصمة تخصّ من يتبوّأ مقام الحجة من جانب الله سبحانه وتعالى، وهم من يأخذ الناس عنهم المسائل الدينية؛ كالأنبياء، وهذا - حسب زعمهم - لا ينطبق على الإمام؛ لأنّ الناس لا يتلقّون معارف دينهم من الإمام[٧٠].
ويرى المتكلمون الشيعة أنّ المعصوم هو الذي لا تصدر عنه - من أوّل حياته إلى آخرها - أيّ معصية؛ كبيرة كانت أو صغيرة، على سبيل العمد أو السهو. أمّا أهل السنة فيرون أنّ المعصية أو الخطأ السهوي لا ينافي العصمة؛ كما أنّ مِن علماء أهل السنة مَن يقول: الصغائر لا تضرّ العصمة. وقد ذهب بعض علماء العامة إلى أنّ العصمة تشترط أن يكون الأنبياء معصومين في زمن بعثتهم ودعوتهم، وليس قبلهما. وحصر آخرون العصمة في زمن تبيين الوحي وإبلاغه إلى الناس؛ أي أن يكون صادقاً في مقام دعوة الناس إلى الرسالة، ولا يكذب عمداً أو سهواً أو عن نسيان، ولكن لا يلزم أن يكون معصوماً في غير ذلك من الحالات، بل يجوز صدور الخطأ والمعصية عنه[٧١].
يقول الشيخ الصدوق: اعتقادنا في الأنبياء والرسل والأئمة والملائكة (صلوات الله عليهم) أنهم معصومون مطهّرون من كلّ دنس، وأنهم لا يذنبون ذنباً، لا صغيراً ولا كبيراً، ولا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون. ومن نفى عنهم العصمة في شيء من أحوالهم فقد جهلهم[٧٢]. هذا، ويشمل نطاق عصمة الأنبياء، السهو والنسيان أيضاً.
وما رُوي من أنّ النبي. سها في صلاته، ثمّ أدّى سجدتي السهو، غير تامّ للأسباب الآتية:
- أنّ في هذا الحديث ضعف من ناحية السند، وفيه اضطراب من ناحية المتن.
- أنّه يتناقض مع ظاهر الكتاب والأحاديث العديدة التي تدلّ على مصونية النبي من السهو والنسيان.
- أنه يتنافى مع الأدلة العقلية المبنية على عصمة الأنبياء [٧٣].
وقد ناقش في الاستدلال بهذا الحديث علماء كبار من أمثال: الشيخ المفيد، و الشيخ الطوسي، و المحقّق الحلي، و الخواجة الطوسي، و العلّامة الحلي، والشهيد الأول، و الفاضل المقداد.[٧٤]
أدلّة عصمة الأنبياء
إنّ الأدلة التي سيقت لضرورة بعثة الأنبياء تشير أيضاً إلى عصمتهم. وقد استفاد المحقق اللاهيجي في تبيانه لأدلّة العصمة من طريقة الحكماء والمتكلّمين فقال:
اعلم أنّ ثبوت هذا الأمر في طريقة الحكماء، في كمال الظهور؛ لأنّه وبناء على الخاصية الثالثة، تكون جميع القوى النفسانية مطيعة ومنقادة للعقل، والعقل من حيث هو عقل يمتنع فيه إرادة المعصية وصدور الفعل القبيح منه. المراد بالعصمة هو الغريزة التي لا يمكن معها صدور الداعي إلى المعصية مع القدرة عليها؛ وهذه الغريزة عبارة عن قوّة العقل، بحيث توجب قهر القوى النفسانية. أمّا بطريقة المتكلمين، فإنّ الدليل على هذا الأمر هو أنه لا شكّ في أنّ عصمة الأنبياء لطف نظراً إلى المكلفين؛ لأنه إذا كانت عصمة النبي، واجبة، يحصل الوثوق التام بأفعاله وأقواله ويقترب المكلف -بسبب هذا المعنى - من الانقياد له ويبعد عن مخالفته، وإنّ اللطف واجب على الله تعالى، فتجب عصمة الأنبياء. وإذا ثبتت العصمة، وجب اعتبارها بالنسبة إلى جميع الصغائر والكبائر بعد البعثة؛ وقبل البعثة، إذ يكون اللطف لا محالة أتمّ في هذه الحالة، بل تتحقّق حقيقة اللطف بأن لا يتحقّق موجب الكراهة في أيّ حال وفي أيّ وقت[٧٥].
وبعد أن ذكرنا عبارة المحقق اللاهيجي في ضرورة العصمة من منظور الحكماء والمتكلّمين، نتطرّق إلى تبيين أهمّ الأدلة القائمة على عصمة الأنبياء:
أحد الأدلة على عصمة الأنبياء هو دليل الحكمة واللطف الإلهيين؛ فإذا أثبت الحكمة واللطف من الله تعالى، ضرورةَ بعثة الأنبياء وكان رمز هذه الضرورة يتمثّل في لزوم هداية البشر؛ حينئذ يجب أن يكون الأنبياء الإلهيون معصومين من الخطأ والمعصية في تلقّي الوحي وإبلاغه والعمل به حتّى يأخذوا المعارف والأوامر الإلهية بشكل صحيح، وينقلونها للناس بشكل سليم؛ ليتوفّر طريق الهداية أمام البشر.
والدليل الآخر على ضرورة عصمة الأنبياء هو أنّ على الناس ومن أجل الهداية عن طريق المعارف والأوامر التي يصدرها الأنبياء الإلهيون، أن يثقوا بكلامهم، وإنّ ثقة الناس تتفرع من عصمة الأنبياء؛ فإذا كان الأنبياء معصومين، وثق الناس بهم وعملوا بأقوالهم، وتحققت أسباب هدايتهم، والغرض من البعثة. يقول المحقق الطوسي في استعراضه لهذا الاستدلال: ويجب في النبي العصمة ليحصل الوثوق فيحصل الغرض[٧٦].
إن قلت: تكفي المصونية من الكذب لوثوق الناس بالأنبياء، ولا يضر بالنبوّة ارتكاب سائر الذنوب، قلنا:
- رؤية كلّ نوع من الذنب من الأنبياء، تسلب الثقة بهم، ولا فرق في ذلك بين الكذب وغيره. فكلّ خطا يصدر عن النبي، يؤدّي بالناس إلى التشكيك بهم، فلا ينالون الهداية بعد ذلك.
- ارتكاب الذنب من كلّ إنسان وليد ضعفه الوجودي؛ فإذا كان الأنبياء يتمتّعون بمقامات سامية ودرجات عالية وهبها الله لهم، فمن المستحيل إذن صدور الذنوب منهم مع وجود الاختيار والإرادة. ولا ينسجم انتساب الذنوب إلى النبي ونفي الكذب عنه مع النبوة.
والدليل الآخر على عصمة الأنبياء هو أنّ مسؤوليّة الأنبياء ليست تلقّي الوحي الإلهي وإبلاغه للناس فحسب، بل إنّهم يتولّون أيضاً مهمّة تربية الناس وتزكيتهم. يقول الله سبحانه وتعالى على لسان النبي إبراهيم: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾[٧٧].﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾[٧٨].
كما يأخذ الله سبحانه، المؤمنين بالأقوال غير المشفوعة بالأعمال ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾[٧٩].
ولو لم يتمتّع الأنبياء الإلهيون بالعصمة في العمل، وتورّطوا في أوحال الذنوب والمعاصي، فلا شكّ في أنّ تربية الناس وتزكيتهم لا تتحقّقان، ولا تتمّ بذلك مهمّتهم[٨٠]. فلا يمكن - إذن - تربية البشر وتزكيتهم حتّى البلوغ بهم إلى الكمال الحقيقي من دون معلّمين صالحين ومحصنين من دنس المعاصي والأخطاء [٨١].
يقول القاضي عبد الجبار: إنّ النفوس لا تسكن إلى القبول ممّن يخالف فعله قوله سكونها إلى من كان منزّهاً عن ذلك، فيجب أن لا يجوز في الأنبياء: إلّا ما نقوله من أنهم منزّهون عما يوجب العقاب والاستخفاف والخروج من ولاية الله تعالى إلى عداوته.
يبيّن ذلك أنّهم لو بعثوا للمنع من الكبائر والمعاصي بالمنع والردع والتخويف، فلا يجوز أن يكونوا مقدمين على مثل ذلك، لأنّ المعلوم أنّ المقدم على شيء، لا يقبل منه الغير بالنهي والزجر والنكير، وأنّ هذه الأحوال منه لا تؤثر.. ولو أنّ واعظاً انتصب يخوّف من المعاصي من يشاهده مقدماً على مثلها، لاستخف به وبوعظه[٨٢].
والدليل الآخر على ضرورة عصمة الأنبياء هو وجوب طاعة الأنبياء الإلهيين واتباعهم؛ فإن لم يكن الأنبياء معصومين، وارتكبوا الخطأ والمعصية، فالناس أمام احتمالين:
إمّا عليهم أن يطيعوهم؛ فيكونون بذلك مخطئين وعاصين، ولا تتحقق الهداية، أو ألّا يتبعوا أخطاء الأنبياء؛ فينتقض حينئذ الغرض من البعثة؛ لأنّ الحق تعالى بعث الأنبياء حتى يقتدي بهم الناس، وينالوا بذلك الهداية. فلا تتحقق هداية البشر في كلا الفرضين وتعود الهداية على غرضها بالنقض بابتعاث أنبياء غير معصومين[٨٣]. فيستلزم ابتعاث أنبياء عاصين (غير معصومين)، عدم قبول شهاداتهم!
ومن ثَمَّ: تعود الرسالة على غرضها بالنقض. وكذلك، فإنّ الأنبياء العاصين يستحقون العذاب واللعن الإلهيين؛ في حين أنّ الأنبياء الإلهيين جديرون بالمدح والثناء، ووفقاً للآية الكريمة: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾[٨٤]، لا تشمل الإمامة والرسالة الأنبياء المذنبين[٨٥].
من الضروري هنا الالتفات إلى نقاط مهمّة حول عصمة الأنبياء الإلهيين:
أوّلاً: يتّضح من تبيين حقيقة العصمة في البحث السابق أنّ الأدلة على إثبات عصمة الأنبياء لا تشمل عصمتهم في أثناء البعثة وبعدها فقط، بل تتجاوز ذلك إلى قبل البعثة أيضاً؛ لأنّ اللطف والحكمة كذلك يجريان في عهد ما قبل البعثة.
ثانياً: عصمة المعصومين مقام نفسي يصاحب اختيار الإنسان، ولا يفضي إلى نفي إرادة الإنسان في ترك المعصية؛ مثل: الطبيب الذي لا يُدخن لعلمه وباختياره؛ فإنّ الإنسان المعصوم هو الآخر لا يقدم على الذنب مستعيناً بتقواه واختياره[٨٦].
والعصمة ملكة ومنزلة يمنحهما الله سبحانه للأشخاص اللائقين. وتوجد ملكة العصمة في الإنسان مجالاً يتمكّن به الإنسان من القيام بالواجبات الإلهية واجتناب المحرمات إرادياً واختيارياً؛ كما أن الإنسان السليم يحترز بإرادته من شرب السائل السام[٨٧].
فالآية ﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾[٨٨] تدلّ على أنّ الشرك من قبل الأنبياء أمر ممكن ؛ غير أن أصفياء الله لاهتدائهم بالهدي الإلهي، يتجنبون هذا الذنب الكبير.
وكذلك يُستفاد من الآية ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾[٨٩] تحقّق اختيار نبيّ الإسلام في إمكان عدم إبلاغ الرسالة الإلهية للناس؛ وإن لم يقصّر النبي الأعظم بإرادته إطلاقاً في إنجاز المهمة الإلهية[٩٠].
فالعصمة ملكة علميّة في نفس الإنسان المعصوم وتنشأ منها أعماله الصالحة ولا تتنافى مع اختيار الإنسان المعصوم وإرادته؛ مثل الإنسان الذي يوفقه الله تعالى للقيام بعمل صالح.[٩١] نستنتج مما سبق أن العصمة لا تتعارض مع القدرة على الذنب والعصيان أيضاً؛ فإنّ الإنسان المعصوم يليق بالمدح والمكافأة على عمله الصالح[٩٢]. كما لا ينافي مقام العصمة ومنزلتها التكليف المولوي والإرشادي. فالشارع المقدس ليس له أن يأمر وينهى الإنسان المعصوم ويجبره على إتيان التكاليف الشرعية وينهاه عن المنكرات فحسب، بل إنّ الإنسان المعصوم أحوج ما يكون إلى التكاليف الشرعية لمسيرته التكاملية.[٩٣]
ثالثاً: تدلّ بعض الآيات القرآنية على عصمة الأنبياء؛ منها على سبيل المثال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾[٩٤].﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾[٩٥].
فلا يضلّ الأنبياء الإلهيون الذين ينعمون بالهداية الإلهية ولا تدبّ إلى ساحتهم المعصية. وتشير آيات الإطاعة للنبي الأعظم والأنبياء الإلهيين - من دون قيد أو شرط-إلى عصمتهم؛ منها قوله تعالى:
- ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾[٩٦].
- ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾[٩٧].
- ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾[٩٨].
كما تدلّ الآيات المتعلقة بالإخلاص ومقام المخلصين للأنبياء على عصمتهم؛ حيث يقول تعالى:
- ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾[٩٩].
- ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنْ الأَخْيَارِ﴾[١٠٠].
فالأنبياء جميعاً متصفون بالعصمة الإلهية؛ بوصفهم عباداً مخصلين[١٠١].
يقول الحق تعالى في آية أخرى:
- ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾[١٠٢]
- ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾[١٠٣]
إنّ ما نستنتج من هاتين الآيتين هو عصمة الأنبياء؛ لأنّ الأنبياء تشملهم النعم الإلهية، ومن شملته النعم الإلهية، فليس مغضوباً ولا ضالاً، فالأنبياء إذن، ليسوا من المغضوبين والضالين؛ أي إنّهم معصومون.
يقول الله سبحانه في آيات أخرى مشيراً إلى تبيان العصمة في التبليغ: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾[١٠٤].
ومن الآيات التي تصرّح بعصمة النبي الأعظم.قوله تعالى:
- ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً﴾[١٠٥].﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾[١٠٦].
رابعاً: ثمة أحاديث كثيرة في مصادر السنة والشيعة تدلّ على عصمة الأنبياء؛[١٠٧] منها: قال الإمام الباقر: «إِنَّ اَلْأَنْبِيَاءَ لاَ يُذْنِبُونَ لِأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مُطَهَّرُونَ، لاَ يُذْنِبُونَ، وَ لاَ يَزِيغُونَ، وَ لاَ يَرْتَكِبُونَ ذَنْباً صَغِيراً وَ لاَ كَبِيراً»[١٠٨]
ويصف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: في نهج البلاغة عصمة النبي الأعظم بالقول: «لَقَدْ قَرَنَ اَللَّهُ بِهِ مِنْ لَدُنْ كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلاَئِكَتِهِ يَسْلُكُ بِهِ سَبِيلَ اَلْمَكَارِمِ وَ مَحَاسِنَ أَخْلاَقِ اَلْعَالَمِ لَيْلَهُ وَ نَهَارَهُ»[١٠٩] وقد برهن الإمام الرضا في مجلس المأمون العباسي على عصمة الأنبياء لأحد المعارضين[١١٠]
خامساً: أجاز بعض من أنكر العصمة، الخطأ على الأنبياء مستفيدين من الآيات القرآنية؛ فعلى سبيل المثال، الآية: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾[١١١] ويُردّ على هؤلاء بأنّ الآية نزلت في مقام تربية الأمة ومعرفتها بوظائفها وواجباتها.[١١٢]
تحدّيات عصمة الأنبياء
لقد أثبتت الأدلة القرآنية والروائية عصمة الأنبياء بنحو لا غبار عليه. وينبغي هنا الإجابة والردّ على الأسئلة والشبهات التي أوردوها على عصمة بعض الأنبياء.
وقد قام علماء مسلمون؛ مثل: السيد المرتضى والفخر الرازي في مواجهة تحدّيات عصمة الأنبياء بتأليف كتب مثل: «تنزيه الأنبياء وعصمة الأنبياء»، دافعوا بها عن ساحة الأنبياء الإلهيين.[١١٣]
شبهة عصمة آدم
أحد الشبهات التي ترد على عصمة الأنبياء اقتراب نبي الله آدم من الشجرة الممنوعة على الرغم من النهي الإلهي؛ حيث قال تعالى:
- ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾[١١٤]
- ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾[١١٥]
- ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾[١١٦]
- ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ﴾[١١٧]
- ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾[١١٨]
- ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾[١١٩]
والجواب:
- أنّ النهي الوارد في هذه الآيات نهي إرشادي؛ لا مولوي نسبة إلى تداعيات الحياة لآدم وحوّاء؛ مثل: الجوع، والعطش، والعريّ، وغيرها؛ لأنّ الله سبحانه يقول: ﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾[١٢٠].
- العالم الذي كان يعيش فيه آدم وحوّاء لم يكن عالم التكليف ليشتمل على تشريع إلهيّ، ثمّ تنتفي عصمة الرسول بمخالفة ذلك التشريع[١٢١].
- أنّ وسوسة الشيطان كانت تختلف بالنسبة إلى آدم عن سائر وساوسه؛ لأنّ وساوس الشيطان بالنسبة إلى الناس هي الرسوخ في أنفسهم؛ كما قال تعالى: ﴿يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾[١٢٢]. في حين نجد القرآن الكريم قد عبّر عن وسوسته لآدم بـ «إلى»؛ أي إنّ الشيطان اقترب إلى آدم ؛ لكنّه لم ينفذ في قلبه ليتناقض ذلك مع عصمته.
- أن آدم اعترف بظلمه؛ ولكن ليس كلّ ظلم ذنب؛ لأنّ الظلم يعني العمل غير العادل، وما وضع في غير موضعه؛ سواء أكان ذنباً أم لم يكن.
- أنّ مفردتي «عصى» و«غوى» وإن كانتا تستعملان في العربية المعاصرة بمعنى الذنب؛ لكن معناهما في عصر نزول القرآن الكريم كان أوسع مما هو عليه الآن؛ فمفردة «عصى» تعني خلاف الطاعة، ولا تنحصر بالذنب ومفردة «غوى» كذلك تعني في العربية الخسارة والضياع والضلالة وما شاكل ذلك، ولا تتلازم أي من هذه المعاني مع الذنب. كما أنّ مفردة الغفران تعني الستر؛ وطلب الستر لا يعني دائماً طلب الستر على الذنب. فآدم إنّما طلب من الله سبحانه ستر النقص الذي عرض له بسبب عدم امتثال الأمر الإرشادي[١٢٣]؛ فلا ينافي إذن تخلّف آدم عن أمر الله الإرشادي مع عصمته.[١٢٤]
شبهة عصمة نوح
الشبهة الأخرى تتعلّق بطلب نبيّ الله نوح لنجاة ابنه المذنب.
قال نوح لله سبحانه: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾[١٢٥].
فردّ الله عليه بالقول: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾[١٢٦].
وقال تعالى: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾[١٢٧].
هذه الشبهة أيضاً لا تنفي عصمة نوح والحوار الذي دار بين الله سبحانه وتعالى وبين نوح، كالحوار الذي دار بينه سبحانه وتعالى وبين الملائكة حول خلقة آدم هو نوع من الاستفسار حول مصير ابن نوح. فنوح لما أخذ أهله معه في السفينة خاطب ابنه قائلاً: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾[١٢٨].
وهذا يبيّن أنّ ابنه لم يظهر كفره حتى ذلك الحين، وأنّ الله يخبر نوحاً بعدم صلاح ابنه بالتعبير المتقدم. وبناءً على ذلك، لا يتنافى طلب نوح مع عصمته[١٢٩]؛ فدعاء نوح لا يعني الزلل؛ لأنّ التوبة وطلب الغفران في كلام المعصومين لا تعني الاعتذار من الذنب، وإنّما نوع من السلوك إلى الله تعالى[١٣٠].[١٣١]
شبهة عصمة إبراهيم
من ضمن الشبهات المطروحة في هذا السياق قضيّة نبي الله إبراهيم، ومناظرته للكفّار؛ حيث قال الله تعالى نقلاً عن إبراهيم: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾[١٣٢].
والجواب أنّ نبي الله إبراهيم قام في هذه القضية في مقام المناظرة والجدل ببيان الفروض المختلفة ونقدها. قال السيد المرتضى: إنّه لم يقل ذلك مخبراً، وانّما قال فارضاً ومقدّراً على سبيل الفكر والتأمل.
وقد قال الإمام الصادق: «لَمْ يَكُنْ مِنْ إِبْرَاهِيمَ شِرْكٌ إِنَّمَا كَانَ فِي طَلَبِ رَبِّهِ وَ هُوَ مِنْ غَيْرِهِ شِرْكٌ»، كما قال الإمام الباقر: «وعندما قَالَ إِبْرَاهِيمَ ﴿هَذَا رَبِّي﴾[١٣٣] إِنَّما كانَ طَالِباً لِرَبِّهِ كَمَا إِذَا أَكْمَلَ أَحَدُ عِلْمُهُ وَ مَعْرِفَتُهُ بِوَاسِطَةِ التَّأَمُّلِ وَ التَّفَكُّرُ فِي الْآيَاتِ الإلهية وَ تَحْلِيلِهَا».
وأضاف السيد المرتضى: ان إبراهيم.لم يقل ما تضمنته الآيات على طريق الشك،... وإنّما قال ذلك على سبيل الإنكار على قومه، والتنبيه لهم على أنّ ما يغيب ويأفل لا يجوز أن يكون إلهاً معبوداً[١٣٤].
بمعنى أنه كان بصدد هداية قومه، وفكهم من عبادة الأجرام السماوية، فجاراهم في منطقهم، وناظرهم من خلال تعظيم نقاط الضعف في آلهتهم؛ فلا ينبغي عدّ كلام إبراهيم حيث قال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾[١٣٥].
من توهّم الكذب؛ لأنّ إبراهيم كان مشهوراً بعدائه. وغاية إبراهيم هي بيان حقيقة أخرى وكشف خطأ الناس. وكلام إبراهيم مشروط، فينتفي المشروط بانتفاء الشرط[١٣٦]. لكنّ تعبيره ب ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾[١٣٧] جاء في جواب طلب الكفار منه الخروج من المدينة، وهو لا يتنافى مع عصمته ؛فربّما كان سقيماً حقاً[١٣٨].[١٣٩]
شبهة عصمة يونس
الشبهة الأخرى تتعلّق بنبيّ الله يونس؛ حيث قال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾[١٤٠].
فتوهّم بعضهم أنّ بعض التعابير - مثل: ﴿مُغَاضِباً﴾، و﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾، و﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ - لا تتلاءم مع عصمة النبي.
والجواب:
- أنّ غضب يونس كان على قومه؛ وليس على الله سبحانه، ليتنافى ذلك مع عصمته.
- أنّ تركه لقومه لم يكن خلاف التشريع الإلهي؛ وإن كان الأجدر به أن يصبر على الصعوبات، وأن يتحمل تبعاتها. فإذن ما فعله يونس هو ترك الأولى الذي لا يتنافى مع عصمته.
- أنّ مفردة الظلم التي ورد على لسانه تعني العمل الذي ليس في محلّه؛ وليس بمعنى الذنب[١٤١].[١٤٢]
شبهة عصمة موسى
الشبهة الأخرى تخص قضية قتل القبطي على يد النبي موسى. قال تعالى: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾[١٤٣]، ﴿فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾[١٤٤].
والجواب:
- أنّ الله سبحانه وتعالى وصف موسى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾[١٤٥]. فأفعال موسى تقوم على أساس من العلم والحكمة[١٤٦].
- أن عبارة (هذا من عمل الشيطان)إما ناظرة إلى النزاع بين القبطي وشخص من بني إسرائيل ؛ ولا علاقة له بقتل موسى للقبطي[١٤٧]. وإما ناظرة إلى تداعيات قتله؛ لأنه عبّر عن النزاع وقتل القبطي بأنّه في غير محلّه، وعمل متسرّع يؤدّي إلى تأجيل غاية موسى ورسالته الرئيسية في إزالة الطاغوت[١٤٨]. وعليه: فإن موسى اعتذر من الله سبحانه بقوله: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾[١٤٩].[١٥٠].[١٥١]
شبهة عصمة يوسف
وردت شبهة أخرى بالنسبة إلى نبي الله يوسف. وقد ورد في القرآن الكريم إشارات تخصّ دعوة زليخا يوسف إلى نفسها؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾[١٥٢].
وقد توهّم بعضهم نتيجة تعبير ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ أن نبي الله يوسف همّ بالذنب كماهمّت به زليخا؛ لكنّ برهان الرب صرفه عن ذلك!
والجواب:
أنّ ﴿لَوْلَا﴾ حرف امتناع وجود، ومحتاج إلى جواب لم يأت في ظاهر الآية وهو مقدّر، وبما أنّ جملة ﴿هَمَّ بِهَا﴾ مقدّمة على حرف ﴿لَوْلَا﴾ فلا يمكن اعتبارها جواباً؛ فلا يمكن تقديم جواب لولا عليه بناء على قواعد اللغة العربية. والجملة تكون في الحقيقة هكذا: لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ لَهَمَّ بِهَا، وبما أنه رأى دليل ربّه وبرهانه لم يذهب بل حتى لم يعزم على الذنب ولم يفكّر به. وقد تجلّى هذا البرهان في ضوء عصمة يوسف. قال الإمام الرضا في تفسير هذه الآية: «إِنَّ يُوسُفَ كَانَ مَعْصُوماً وَ الْمَعْصُومِ لَا يَهُمُّ بِذَنْبٍ وَ لَا يَأْتِيهِ».
وإنّ سورة يوسف المباركة تؤكّد على طهارة يوسف وعصمته ونزاهته وعفّته البالغة وصدقه وصبره وصفحه وإيثاره وعظمته، وتعرّفه قدوة لأفضل الناس ومن جملة عباد الله المخلصين الذين لا يجرؤ الشيطان على الدنو منهم أبداً[١٥٣].[١٥٤]
شبهة عصمة سليمان
هناك شبهة تحوم حول فوات صلاة نبي الله سليمان؛فالقصة تقول: عندما كان سليمان منشغلاً باستعراض جياده وغفل عن الصلاة، أمر الملائكة بإرجاع الشمس، وصلّى، وضرب عنق جياده. وقد ورد ذكر لهذه الحادثة في بعض كتب قصص الأنبياء؛ وهي بعيدة عن الواقع؛ لأنّ القرآن يحكي هذه القضية كما يأتي: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾[١٥٥]
والملاحظات التي نسجّلها هنا:
- لا يوجد في هذه الآية أي دلالة على القصة المحرفة المتقدمة في فوات صلاة نبي الله سليمان.
- تتنافى تلك القصة مع الصفة التي ذكرها القرآن الكريم لسليمان ؛ حيث نصّ على أنّه ﴿أَوَّابٌ﴾. قال الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾[١٥٦].
- إنّ سليمان قال: ﴿أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾[١٥٧] بمعنى أنّ حبّي للجياد هو في الواقع حبّ الخير ؛ لأنّ الجياد وسيلة لمجاهدة أعداء الدين وخدمة الخلق.
- إنّ الفتنة الإلهية لسليمان كانت حين ألقى على كرسيه جسداً، فأناب سليمان إلى ربّه [١٥٨]. وهذا الاختبار - أيضاً - لا ينافي عصمة سليمان. كما أنّ طلبه من بأن يهب له ملكاً لا ينبغي لأحد في الآية: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾[١٥٩] لا يعني البخل ؛ وإنّما المعنى هو إعطاء سليمان ملكاً لا ينبغي لغير المعصوم في بلاده[١٦٠].[١٦١]
شبهة عصمة داوود
وردت شبهة أخرى تتعلّق بما أطلق عليه «القضاء غير العادل لنبي الله داوود»؛ فقد استمع إلى أحد المتخاصمين دون الآخر، ثمّ قضى. قال الله سبحانه: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾[١٦٢].
والجواب:
- أنّ حكم داوود كان معلقاً؛ وليس منجزاً وقطعياً؛ أي إنّه لو كان كما قال، فقد ظلمك أخوك.
- أنّ بعض الروايات عدّت القضية تخاصماً ظاهرياً بين الملائكة؛ وهذا ليس له واقع خارجي.
- أَنّ الله سبحانه وتعالى يثني على نبيه داوود قائلاً: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾[١٦٣]، ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾[١٦٤]
وبناءً على ذلك، فإنّ داوود لا يقضي ظلماً بما له من مقام إلهي رفيع[١٦٥].[١٦٦]
شبهة عصمة أيوب
الشبهة الأخرى هي مس الشيطان لأيوب النبي قال الله سبحانه: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾[١٦٧].
وهذا أيضاً لا يتعارض مع العصمة؛ لأنه:
- كان مراد أيوب من مسّ الشيطان، وسوسته للناس؛ لابتعادهم عن أيوب ممّا أدى إلى الطعن فيه والاستهانة والاستهزاء به[١٦٨].
- لا مجال لولوج الشيطان في عقل الأنبياء النظري والعمليّ؛ ولكن بإمكانه التصرف في أجسادهم، فنسبة بعض الأمراض الجسدية إلى الشيطان لا ينافي عصمة الأنبياء[١٦٩].
- ليس المراد من مسّ الشيطان هو اقتراف الذنب من قبل أيوب؛ بل إن معنى عبارة ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ﴾ هو (مسني الضر) الوارد في سورة أنبياء حول أيوب. والمقصود من العذاب ليس العقاب الإلهي؛ وإنّما هو النصب الذي عاناه أيوب من قومه[١٧٠].[١٧١]
شبهة عصمة زكريا
الشبهة الأخرى تحوم حول طلب نبي الله زكريا آية من الله سبحانه وتعالى؛ حين بشّره الله بالذرية؛ فطلب هذه الآية يعني الشك في الوعد الإلهي! قال الله سبحانه: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾[١٧٢]
والجواب: ما أراده زكريّا من طلب الآية هو تحقق بشارة الذرية على كبر سنّه، وأن يزيل الله قلقه حول ذلك[١٧٣].[١٧٤]
شبهة عصمة النبي الخاتم
استعرض بعضهم شبهة أخرى حول عصمة النبي الأكرم ؛وهي ترتبط بما ورد في قوله تعالى بخصوص الرسول الأعظم: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾[١٧٥].
والجواب: أنّ الآية المباركة ليست في صدد إثبات ذنب للنبي ؛ لأَنَّ الله سبحانه وتعالى قَالَ في الآية السابقة: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾[١٧٦].
والعلاقة بين الفتح المبين ومغفرة الذنب تهدينا إلى أنّ المراد من الذنب في الآية المباركة هو الذنب من وجهة نظر المشركين الذين كانوا يعدّون الرسول مذنباً.
قال الإمام الرضا: «لأَنَّ مُشْرِكِي مَكَّةَ أَسْلَمَ بَعْضُهُمْ وَ خَرَجَ بَعْضُهُمْ عَنْ مَكَّةَ وَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ لَمْ يَقْدِرُ عَلَى إِنْكَارِ التوحيد عَلَيْهِ إِذَا دَعَا الناس إِلَيْهِ فَصَارَ ذَنْبُهُ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ مَغْفُوراً بظهوره عَلَيْهِمْ»[١٧٧].
والآية الأخرى قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾[١٧٨].
فظاهر الآية هو مخاطبة النبي ومعاتبته؛ ولكن حسب تعبير الإمام الرضا فالآية من باب (إيّاك أعني واسمعي يا جارة)؛ فخطاب الآية موجّه لأمة الرسول.
وهناك آيات قرآنية أخرى تخاطب النبي في الظاهر؛ ولكن المقصود منها هو الأمة، فلا تناقض هذه الآيات عصمة النبي[١٧٩].
أضف إلى ذلك أنّ الآية تشتمل على مدح لطيف؛ وليس عتاباً حقيقياً فهي تبيّن مدى الرأفة النبوية، فلا تنافي العصمة إذن[١٨٠].
أما الآية الكريمة التي تقول: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى﴾[١٨١]، فهي لاتعني ضلال النبي في فترة صباه؛ وإنما (الضالّ) - حسب ما نقل من كلام الإمام الرضا -: أنّك كنت مجهولاً بين الناس، ولم يعرف منزلتك وعظمتك أحد، فهدى الله الناس إليك، فعرفك الجميع، وعرفوا عظيم قدرك[١٨٢].
والآية الأخرى في هذا السياق قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جَاءَهُ الأَعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾[١٨٣].
قيل: إنّها نزلت في قضيّة ابن أم مكتوم؛ الرجل الأعمى الذي حضر عند النبي عندما كان في حوار مع كبار قريش، فأهمله النبي حسب هذه الرواية.
والجواب: أنّ الآية لا تعاتب النبي ؛ فهو خير مطلق، ولم يعبس وجهه لصديق أو عدوّ، قط، وكان يعاشر الناس معاشرة حسنة، وكما عبّر الله سبحانه وتعالى عنه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾[١٨٤].
قال الإمام الصادق: «نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ كَانَ عِنْدَ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ، فَجَاءَهُ اِبْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَلَمَّا رَآهُ تَقَذَّرَ مِنْهُ وَ عَبَسَ وَ جَمَعَ نَفْسَهُ وَ أَعْرَضَ بِوَجْهِهِ عَنْهُ، فَحَكَى اَللَّهُ سُبْحَانَهُ ذَلِكَ وَ أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ»[١٨٥].
أما فيما يخص قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾[١٨٦].
فالشبهة التي قد تخطر بالبال تحوم حول كيفية إمكان تدخل للشيطان في أمنية الأنبياء الخلص؛ فالقرآن الكريم يصرح بانعدام أي سلطان أو نفوذ له على المخلصين، ومعلوم أنّ الأنبياء الإلهيين هم المخلصون؛ فيكون المقصود - إذن - محاولة الشيطان لوسوسة الناس لعدم استجابة دعوة الأنبياء كي لا تتحقق أمنية الأنبياء في هداية الناس.
ويجدر بالذكر أنّ بعض مؤلّفي أهل السنة اعتبروا بأنّ الآية نزلت في أسطورة الغرانيق وأسطورة الغرانيق أو الآيات الشيطانية أقصوصة كاذبة من نسج خيال القصاصين؛ مفادها أنهم قالوا: إنّ رسول الله لما رأى من قومه ما شق عليه من مباعدة ما جاءهم به من الله تمنى في نفسه أن يأتيه من الله ما يقارب بينه وبين قومه،... حتى حدثت بذلك نفسه وتمناه وأحبه، فانزل الله عليه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾[١٨٧].
فلما انتهى إلى قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾[١٨٨].
ألقى الشيطان على لسانه لما كان تحدّث به نفسه ويتمنّى أن يأتي به قومه: (تلك الغرانيق العلى، وإنّ شفاعتهنّ ترتجي) وتابع السورة، فلمّا سمعت ذلك قريش فرحوا وسرهم وأعجبهم ما ذكر به آلهتهم، ومدوا له يد الأخوة. وبلغ خبر السجدة من بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله وعادوا إلى مكة، وعاشوا مع المشركين إخواناً. فلما أمسى أتاه جبرائيل فطلب من أن عرض عليه السورة، فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه قال جبرائيل أسكت، ما هذا الذي جرى على لسانك، فعرف رسول الله بخطئه وأنّه انخدع بإبليس، فاشتدّ حزنه وملّ الحياة وقال: «عجباً، افتريت على الله وقلت على الله ما لم يقل، آه ما أعظم الخطب»[١٨٩].
وحسب بعض الروايات، فإنّ رسول الله قال لجبرئيل: «إِنَّهُ أَتَانِي آتٍ عَلَى صُورَتِكَ فَأَلْقَاهُ عَلَى لِسَانِي»، فقال جبرئيل: «معاذ الله أن أكون أقرأتك هذا». فاشتدّ حزن النبي. وقيل: فنزلت فيه هذه الآية: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً إِذاً لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾[١٩٠]. وقد زادت هذه على حزن الرسول أكثر من قبل، فما زال مغموماً محزوناً حتى شملته العناية الإلهية وأنزل الله يطيب نفسه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾[١٩١]؛ فطابت نفسه وزال غمّه[١٩٢].
وقد تناول العلامة الشيخ محمد هادي معرفة دراسة أسانيد قصّة الغرانيق ومضمونها بعد نقلها، وقال: «رفض جلّ المحققين المسلمين هذه الأسطورة واعتبروها خرافة». قال القاضي عياض: «هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل، وإنّما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرّخون المولعون بكل غريب، المتلقفون من الصحف كلّ صحيح وسقيم. وقال أبو بكر بن العربي: (كل ما يرويه الطبري في ذلك باطل لا أصل له). وصنّف محمد بن إسحاق بن خزيمة رسالة، فنّد فيها هذا الحديث المفتعل ونسبه إلى وضع الزنادقة. كما أن تهافت الأسطورة وتشتتها يدلّان على اختلاقها، وإنّ الواضع لم يكن محترفاً لأنّ السورة تبدأ بـ ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾[١٩٣]. فالله سبحانه أكّد في هذه الآيات على عدم ضلال النبي وغوائه ونطقه عن الهوى. كما صرح بأنّ ما يقوله الرسول وحي إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى. ولو قدر إبليس على التلبيس للزم منه تكذيب كلام الله وهذا مرفوض، كما أنّ الشيطان لن يغلب إرادة الله أبداً ف ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾[١٩٤] و﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾[١٩٥] والعزيز هو الذي لا يغلبه أحد. فكيف تكون الغلبة مع إبليس وهو الضعيف؟ يقول سبحانه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾[١٩٦] وكذلك ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾[١٩٧] فكما يقول الشيطان: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾[١٩٨]؛ فكيف يكون له التسلط على مشاعر النبي الأكرم؟
والأمر الآخر هو أنّ الله قد ضمن صيانة القرآن فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾[١٩٩] وأنّ القرآن ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾[٢٠٠] فالقرآن سيكون مصاناً من الأحداث على مرّ الزمان ولن يتمكّن أحد من التدخل فيه بزيادة أو نقصان.
وأضاف العلامة معرفة: والآيتان المتقدمتان لا علاقة لها بقصّة الغرانيق. فإنّ آية ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾[٢٠١] بعد أن كانت تشير إلى أنّ أمنية صاحب كلّ شريعة أن تثمر جهوده وتتحقق أهدافه ومطالبه وتستقرّ كلمة الله في أرجاء المعمورة؛ ولكن الشيطان يسعى دائماً في الحؤول دون ذلك ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾[٢٠٢]؛ ولكن ﴿اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾[٢٠٣] و﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾[٢٠٤]؛ فمهما قام الشيطان بالدسائس وعرقل الطريق، أدمغه الله ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾[٢٠٥] ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾[٢٠٦] وإنّ الآيات التالية ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً إِذاً لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾[٢٠٧]. باستخدامها حرف (لولا) لامتناع الوجود تبيّن مقام عصمة الأنبياء. ولو لم تشمل العصمة أنبياء الله كعناية إلهيّة لإنارة سبيلهم؛ لأمكن الزلل والانحراف إلى المبطلين. والعناية الإلهية هي التي تعمّ عباده الصالحين وتؤمنهم وساوس الشيطان ومكائده[٢٠٨].[٢٠٩]
المراجع والمصادر
محمد حسن قدردان قراملكي، الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية
عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر
الهوامش
- ↑ انظر: أبو الفضل برقعي، تضاد مفاتیح با قرآن، ص ٢١؛ أحمد الكاتب، تطوّر الفكر السياسي الشيعي، ص ٥١ - ٨٠.
- ↑ انظر: حسين المدرّسي الطباطبائي، مکتب در فرایند تکامل، ص ١٤. حيث نقل هذه التهمة ونسبتها إلى هشام بن الحكم عن مقال تحت عنوان: «العصمة» لكاتبه مادلونغ الموجود في دائرة المعارف الإنجليزية باسم العالم الإسلامي، الطبعة الجديدة، ج ٤، ص ١٨٢٠، ويبدو أن مصدر هذه المقالة كتاب (مقالات الإسلاميين) لأبي الحسن الأشعري. وفي هذا الشأن يجب القول، أولاً: كان على الكاتب أن يتأكد اولاً من هذا الاتهام ونسبته إلى هشام بن الحكم. وثانياً: كان عليه إرجاع هذه النسبة إلى مصدر معتبر، لا إلى مصدر مناوئ ومخالف للشيعة ومن قبل الذين كانوا يسعون إلى تشويه هشام بن الحكم بشتى الوسائل والطرق. وثالثاً: إذا رجعنا إلى كتاب (مقالات الإسلاميين) لوجدناه في الصفحة رقم ٤٨ يصف هشام بن الحكم بأنه من القائلين بعصمة الأئمة، لا أنه أول من أسسها وابتكرها، وفرق بين الأمرين.
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٢٤.
- ↑ انظر: عبد الله نعمة، هشام بن الحكم، ص ٢٠٤.
- ↑ انظر: ارزينا لالائي، نخستین اندیشه هاي شيعي «تعاليم امام محمد باقر(ع)»، ص ١٣٢، ترجمه إلى الفارسية: الدكتور فريدون بدره اي.
- ↑ انظر: معاني الأخبار، ص ١٣٢.
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٥٨٥-٥٨٧.
- ↑ انظر: أحمد الكاتب، تطوّر الفكر السياسي الشيعي، ص ٢٤ و٨١؛ عبد الكريم سروش، بسط تجربه ديني، ص ٢٧٩.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة رقم: ٢٠٧؛ فيض الإسلام، ص ٦٨٧.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة رقم: ٧٧، ص ١٧٦.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة رقم: ١٩٦ ؛ فيض الإسلام، ص ٦٥٦.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة رقم: ٤.
- ↑ نهج البلاغة، الحكمة رقم: ١٧٦.
- ↑ انظر: الآلوسي، تفسير روح المعاني، ج ١٢، ص ٢٦، تفسير الآية رقم ٣٣ من سورة الأحزاب.
- ↑ انظر: أبو الفتح الإربلي، كشف الغمة في معرفة الأئمة، ج ٣، ص ٤٦.
- ↑ انظر: ابن أبي الفتح الإربلي، كشف الغمة في معرفة الأئمة، ج ٣، ص ٤٦. إذ قال: «كنت أفكر في معناه وأقول: كيف يتنزل على ما تعتقده الشيعة من القول بالعصمة؟ وما اتضح لي ما يدفع التردد الذي يوجبه! فاجتمعت بالسيد السعيد النقيب رضي الدين أبي الحسن علي بن موسى بن طاووس العلوي الحسيني - رحمه الله - وألحقه بسلفه الطاهر فذكرت له ذلك فقال إن الوزير السعيد مؤيد الدين العلقمي - رحمه الله تعالى - سألني عنه ؛ فقلت: كان يقول هذا ليعلم الناس. ثم إني فكرت بعد ذلك فقلت: هذا كان يقوله في سجدته في الليل وليس عنده من يعلمه» وانظر أيضاً: العلامة عبد الله جوادي آملي، ادب فناي مقرّبان: (شرح زيارة الجامعة الكبيرة)، ج ٣، ص ٢٦٢.
- ↑ العلامة عبد الله جوادي آملي، ادب فناي مقرّبان: (شرح زيارة الجامعة الكبيرة)، ج ٣، ص ٢٦٣.
- ↑ انظر: تفسير مجمع البیان، ج ٩، ص١٨٥؛ تفسير الآية الرابعة من سورة الفتح ؛ العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج، ٦٨، ص ٢٤ ؛ ادب فناي مقربان، ج ٣، ص٢٦٣.
- ↑ العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٢٣، ص ٢٥٩.
- ↑ سورة الفتح، الآية ٢.
- ↑ العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ١٧، ص ٧٦.
- ↑ العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ١٧، ص ٧٦.
- ↑ المحدث عباس القمي، مفاتيح الجنان، دعاء الصباح.
- ↑ المحدث عباس القمي، دعاء كميل.
- ↑ المحدث عباس القمي، دعاء عرفة.
- ↑ المحدّث عباس القمي، مفاتيح الجنان، المناجيات الخمسة عشرة، المناجاة الأولى.
- ↑ المحدّث عباس القمي، مفاتيح الجنان، دعاء يستشير؛ الكفعمي، المصباح، ص ٢٨٦.
- ↑ المحدّث عباس القمي، مفاتيح الجنان، دعاء المجير.
- ↑ المحدّث عباس القمي، مفاتيح الجنان، دعاء الجوشن الكبير.
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٥٨٧-٥٩٩.
- ↑ كتاب العين، الخليل بن أحمد الفراهيدي، ج ١، ص ٣١٣.
- ↑ معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، ج ٤، ص ٣٣١.
- ↑ المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٣٣٦. وقال ما نصّه: «العصم الإمساك والاعتصام الاستمساك، قال: لا عاصم اليوم من أمر الله؛ أي: لا شيء يعصم منه».
- ↑ إنّ العصمة في أصل اللغة هي ما اعتصم به الإنسان من الشيء كأنه امتنع به عن الوقوع فيما يكره.. ومنه قولهم: «اعتصم فلان بالجبل» إذا امتنع به ومنه.سُمّيت «العصم» وهي وعول الجبال لامتناعها بها. والعصمة في الله تعالى هي التوفيق الذي يسلم به الإنسان ممّا يكره إذا أتى بالطاعة وذلك مثل إعطائنا رجلاً غريقاً حبلاً ليتشبّث به فيسلم فهو إذا أمسكه واعتصم به سُمّي ذلك الشيء عصمة له لما تشبث به وسلم به من الغرق ولو لم يعتصم به، لم يُسمَّ عصمة. وكذلك سبيل اللطف، أنّ الإنسان إذا أطاع سُمّي توفيقاً وعصمة وإن لم يطع لم يُسم توفيقاً ولا عصمة...(أوائل المقالات، الشيخ المفيد، ص ٦٦)وأصل العصمة في وضع اللغة المنع، يقال: فلاناً من السوء إذا منعت من فعله، به غير أنّ المتكلمين أجروا هذه اللفظة على من امتنع باختياره عند اللطف الذي يفعله الله تعالى به؛ لأنّه إذا فعل به ما يعلم أن يمتنع عنده من فعل القبيح، فقد منعه منه، فأجروا عليه لفظ المانع قسراً أو قهراً. (رسائل السيد المرتضى، ج ٣، ص ٣٢٦.) و«العصمة المنع من الآفة والمعصوم في الدين؛ الممنوع باللطف من فعل القبيح، لا على وجه الحيلولة» (التبيان، الشيخ الطوسي، ج ٥، ص ٤٩٠).
- ↑ راجع: الكلام الفلسفي (بالفارسية: كلام فلسفي)، محمد حسن قدردان قراملكي، ص ٣٦٤-٣٧٧.
- ↑ النكت الاعتقادية، ٣٧: «العصمة لطف يفعله الله بالمكلف بحيث يمتنع منه وقوع المعصية وترك الطاعة مع قدرته عليهما.» ؛ والسيّد المرتضى، مسائل المرتضى، مؤسسة البلاغ، الطبعة الأولى، بيروت، ١٤٢٢، ص ١٨٨: «إنّ اللطف الذي يفعله تعالى.» وكذلك السيد المرتضى، علم الهدى، رسائل الشريف المرتضى، ج ٣، ص ٣٢٥ و٣٢٦: «فيختار العبد عنده الامتناع العدول عن القبيح، ويقال: إنّ العبد معتصم، لأنّه اختار عند هذا الداعي الذي فعل الامتناع عن القبيح». وتلخيص المحصل، ص ٣٦٩: «إنّ الله في حق صاحبها لطفاً لا يكون له مع ذلك داع إلى ترك الطاعة وارتكاب المعصية مع قدرته على ذلك.» والباب الحادي عشر، ص ٣٧: «العصمة لطف خفي يفعل الله تعالى بالمكلّف بحيث لا يكون له داعٍ إلى ترك الطاعة وارتكاب المعصية مع قدرته على ذلك.»؛جامع الأسرار ومنبع الأنوار، ص ٢٤٢: «العصمة من الله هي التوفيق الذي يسلم به الإنسان فيما يكره إذا أتى الطاعة».
- ↑ الصراط المستقيم، ج ١، ص ٥٠ و١١٦.
- ↑ راجع المغني، ج ١٣، ص ١٥.
- ↑ راجع: الإشارات، ابن سينا، النمط العاشر، ج٣، ص١٣٠. يقول المحقق اللاهيجي لدى تبيينه هذا المنحى، في كتابه «گوهر مراد» في الصفحة ٣٧٩ ؛«اعلم أنّ ثبوت هذا الأمر في طريقة الحكماء، في كمال الظهور؛ لأنه وبناء على الخاصية الثالثة، تكون جميع القوى النفسانية مطيعة ومنقادة للعقل، والعقل من حيث هو عقل يمتنع فيه إرادة المعصية وصدور الفعل القبيح عنه. المراد بالعصمة هو الغريزة التي لا يمكن معها صدور الداعي إلى المعصية مع القدرة عليها؛ وهذه الغريزة عبارة عن قوّة العقل، بحيث توجب قهر القوى النفسانية». ويقول العلامة النراقي في «أنيس الموحدين»، ص ٩٩: «قابل مرتبة النبوة هو الذي أصبحت جميع قواه الطبيعية والحيوانية والنفسانية مطيعة منقادة مقهورة له، ومن تتبع جميع قواه العقل، فمن المحال أن تصدر عنه معصية؛ لأنّ جميع الذنوب قبيحة في نظر العقل، وكل من تصدر عنه معصية، فمن المحال أن يرتكب معصية مالم تغلب عقله إحدى قواه؛ كالقوة الغضبية أو القوة الشهوية أو غيرهما.»؛ ويقول المقداد السيوري في اللوامع الإلهية، ص ٢٤٢: «وقال بعض الحكماء: إنّ المعصوم خلقه الله جبلة صافية وطينة نقية ومزاجاً قابلاً، وخصّه بعقل قوي وفكر سوي، وجعل له ألطافاً زائدة، فهو قوي بما خصّه على فعل الواجبات واجتناب المقبحات والالتفات إلى ملكوت السموات والأرض عن عالم الجهات، فتصير النفس الأمارة مأسورة مقهورة في حيّز النفس العاقلة».
- ↑ راجع: الشفاء، الإلهيات، ابن سينا، الفصل التاسع من المقالة الأولى؛ وكذلك: اشارات، الفصل العشرون من النمط العاشر والفصل الرابع من النمط التاسع والفصل السادس والعشرون من النمط العاشر.
- ↑ راجع: المبدأ والمعاد، الجوادي الأملي، ص ٢٦٧-٢٦٩.
- ↑ يقول المحقق الطوسي في «نقد المحصل» ص ٣٦٩: «إنّها ملكة لا تصدر عن صاحبها معها الذنوب وهذا على رأي الحكماء» يقول ميثم بن ميثم البحراني في«النجاة في القيامة في تحقيق أمر الإمامة»؛ مجّمع الفكر الإسلامي، ج ١، قم ١٤١٧؛ ص ٥٥: «العصمة ملكة نفسانيّة يمتنع معها المكلف من فعل المعصية». ويقول الفاضل المقداد في الباب الحادي عشر ص ٣٧: «ملكة نفسانية لطف يفعله الله بحيث لا يختار معه ترك طاعة ولا فعل معصية مع قدرته على ذلك».
- ↑ اللوامع الإلهية، ص ٢٤٤.
- ↑ أنيس الموحدين، ص ٩٧.
- ↑ التعريفات، ص ٦٥.
- ↑ شرح المواقف، ج ٨، ص ٢٨١.
- ↑ شرح المقاصد، ج ٥، ص ٣١٣.
- ↑ يعبر المحقق الطوسي في «قواعد العقائد» ص ٩٣، عن العصمة بنوع من الحيثية فيقول: «العصمة هي كون المكلف بحيث لا يمكن أن تصدر عنها الذنوب من غير إجبار له عن ذلك.»وابن ميثم البحراني يعبّر في «قواعد المرام» ص ١٢٥، عن العصمة بالصفة قائلاً: «العصمة صفة للإنسان يمتنع بسببها من فعل الذنوب ولا يمتنع منه بدونها.»ويقرّر السيد حيدر الآملي في «جامع الأسرار ومنبع الأنوار» ص ٢٤٣ آراء المتأخرين على النحو الآتي: «وأما على رأي متأخّريهم، فالعصمة صفة للإنسان يمتنع بسببها من فعل الذنوب ولا يمتنع منها بدونها» ويعرّف العلامة حسن زاده الأملي في «شرح كلمة عصميّة في كلمة فاطميّة» ص ١٥١ العصمة بـ «القوّة» فيقول: «وحقيقة العصمة أنّها قوّة نورية ملكوتية تعصم صاحبها عن كلّ ما يشينه من رجس الذنوب والأدناس والسهو والنسيان ونحوها من الرذائل النفسانية».
- ↑ راجع: فخرالدين الرازي، المحصل، ص ٣٦٥ ؛إنّه يكتب نقلاً عن أبي الحسن الأشعري: «العصمة القدرة على الطاعة وبعدم القدرة على المعصية». وذكر القاضي الإيجي في «المواقف»ج ٤، ص ٢٨٠ عند تعريفه للعصمة: «وهي عندنا أن لا يخلق الله فيهم ذنباً». ويقول في كتابه «كشّاف اصطلاحات الفنون» ج ٣، ص ١٠٤٧: «وهي عند الأشاعرة أن لا يخلق الله في العبد ذنباً بناء على ما ذهبوا إليه من استناد الأشياء كلّها إلى الفاعل المختار ابتداء». ويكتب التفتازاني في «شرح المقاصد»ج ٤ ص ٣١٢: «العصمة خلق قدرة الطاعة».
- ↑ يقول في هذا الصدد: «منهم من زعم أنّ المعصوم هو المختص في بدنه أو في نفسه بخاصيّة تقتضي امتناع إقدامه على الذنوب، ومنهم من ساعد على كونه مساوياً لغيره في الخواص البدنية، لكن فسّر العصمة بالقدرة على الطاعة وهو قول أبي الحسن الأشعري، والذين لم يسلبوا الاختيار فسروها بأنّه الأمر الذي يفعله الله تعالى بالعبد، وعلم أنه لا يقدم مع ذلك الأمر على المعصية بشرط أن لا ينتهي فعل ذلك الأمر إلى حدّ الإلجاء..»، محصل أفكار المتقدمين، ص ١٦٧.
- ↑ نقد المحصل، ص ٣٦٩.
- ↑ قواعد العقائد، ص ٩٣.
- ↑ تلخيص المحصل، ص ٣٦٩.
- ↑ راجع: الباب الحادي عشر، ص ٣٧.
- ↑ يقول في هذا الصدد: «الأفعال الصادرة عن النبي.على وتيرة واحدة صواباً وطاعة تنتهي إلى سبب مع النبي. وفي نفسه وهي القوة الرادعة.. وفي النبي ملكة نفسانية يصدر عنها أفعاله على الطاعة والانقياد». الميزان، ج ٢، ص ١٣٨ و١٣٩. «إنّ الأمر الذي تحقق به العصمة نوع من العلم يمنع صاحبه عن التلبس بالمعصية والخطأ، وبعبارة أخرى علم مانع عن الضلال». المصدر نفسه، ج ٥، ص ٧٨ وكذلك، ج ١١، ص ١٦٢.
- ↑ عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ١٥٩-١٧٠.
- ↑ راجع: الإلهيات على هدي الكتاب والسنة والعقل، جعفر السبحاني، ج ٣، ص ١٥٥.
- ↑ إيضاح المراد في شرح كشف المراد، علي ربّاني گلبايگاني، ص ٣٥٣.
- ↑ كشف المراد، ص ٣٤٩.
- ↑ راجع: السيّد المرتضى، تنزيه الأنبياء، ص ٣٤ و٣٥؛ الذخيرة، ص ٣٣٧ و٣٣٨؛ أوائل المقالات، ص ١٨.
- ↑ المواقف، ج ٥؛ وشرح المقاصد، ج ٥، ص ٥٠.
- ↑ شرح التجريد، ص ٣٥٩؛ وكذلك شرح المقاصد، ج ٥، ص ٥١.
- ↑ شرح العقائد النسفية، ص ١٠٢.
- ↑ راجع: النبراس، ص ٤٥٢ و٤٥٣، نقلاً عن إيضاح المراد، ص ٣٥٦.
- ↑ مفاتيح الغيب، فخرالدين الرازي، ج ١، ص ٤٥٥ ؛وكتاب الأربعين، ص ٣٢٩؛ومحصل أفكار المتقدمين والمتأخرين، ص ١٦٧ و١٦٨.
- ↑ مفاتيح الغيب، ج ١، ص ٤٥٥ ؛وكذلك كتاب الأربعين، ص ٣٢٩.
- ↑ كتاب الأربعين، ص ٣٢٩.
- ↑ مفاتيح الغيب (التفسير الكبير)، ج ١، ص ٤٥٥؛ وكذلك البراهين في علم الكلام، ج ٢، ص ٤٥-٤٧.
- ↑ راجع: شرح الأصول الخمسة، عبد الجبار المعتزلي، ص ٥١٠ و٥١١ ؛راجع: مقدّمة ابن خلدون، ص ١٩٣؛، والمواقف، ج ٣، ص ٥٨٥ و٥٨٦؛ والماورديّ، الأحكام السلطانية، ص ٦.
- ↑ المغني، عبد الجبار المعتزلي، ج ٢٠، ص ٧٥.
- ↑ قواعد العقائد، ص ٩٤-٩٧، يقول الشيخ المفيد في«أوائل المقالات» ص١٨: «إنّ جميع الأنبياء (صلوات الله عليهم)معصومون من الكبائر قبل النبوة وبعدها وممّا يستخفّ من الصغائر كلّها وأما ما كان من الصغيرة لا يستخفّ فاعله فجائز وقوعه منهم قبل النبوة وعلى غير تعمّد وممتنع منهم بعدها على كل حال، وهذا مذهب جمهور الإمامية، والمعتزلة بأسرها تخالف فيه.» يقول السيد المرتضى في كتابه «تنزيه الأنبياء» ص ٣٤، وفي كتابه «الناصريات» ص ٢٥٥، وفي «الشافي في الإمامة» في ج١، ص٩٧: «قالت الشيعة الإمامية: لا يجوز عليهم شيء من الذنوب والذنوب كبيراً كان أو صغيراً، لا قبل النبوة ولا بعدها ويقولون في الأئمة مثل ذلك».
- ↑ الاعتقادات، الصدوق، ص ١٢٨.
- ↑ الإلهيات على هدي الكتاب والسنّة والعقل، جعفر السبحاني، ج ٢، ص ١٨٨-١٩٦ ؛سيرة الرسول الأكرم في القرآن الكريم سلسلة التفسير الموضوعي، الجوادي الآملي، ج ٩، ص ٤٨؛الوحي والنبوّة، سلسلة التفسير الموضوعي، الجوادي الآملي، ج ٣، ص ٢٤١، ص ٢٨٧، و٢٩٢، و٢٨٩.
- ↑ عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ١٧١-١٧٨.
- ↑ جوهر المراد: (بالفارسية گوهر مراد)، الفياض اللاهيجي، ص ٣٧٩.
- ↑ كشف المراد، المقصد الرابع.
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٢٩.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٦٤.
- ↑ سورة الصف، الآية ٢-٣.
- ↑ المغني القاضي عبد الجبار، ج ١٥، ص ٣٠٣.
- ↑ الفقرتان «أ» و«ب» وردتا في دروس في العقيدة الإسلامية (بالفارسية: آموزش عقايد)، محمّد تقي مصباح، ج٢، ص ٦٧؛ مفاهيم القرآن (بالفارسية: منشور جاويد)، جعفر السبحاني، ج٥، ص٣٢.
- ↑ المغني، القاضي عبد الجبار، ج ١٥، ص ٣٠٣ الإلهيات على هدي الكتاب والسنّة والعقل، جعفر السبحاني، ج ٢، ص ١٥٧.
- ↑ الوحي والنبوّة، سلسلة التفسير الموضوعي، الجوادي الأملي، ج ٣، ص ٢٣١.
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٢٤.
- ↑ الوحي والنبوّة، سلسلة التفسير الموضوعي، الجوادي الآملي، ج ٣، ص ٢٣١ و٢٣٢؛ مفاهيم القرآن (بالفارسية: منشور جاويد)، جعفر السبحاني، ج ١٠، ص١٥٢.
- ↑ أمالي السيد المرتضى، ج ٢، ص ٣٤٧ ؛والميزان، ج ١١، ص ١٧٩.
- ↑ الميزان، ج ١١، ص ١٦٣ ؛دروس في العقيدة الإسلامية (بالفارسية: آموزش عقايد)، محمّد تقي مصباح، ص ١٥٢؛ عصمة الأنبياء في القرآن الكريم، جعفر السبحاني، ص ٣٦ ؛مفاهيم القرآن (بالفارسية: منشور جاويد)، جعفر السبحاني، ج ٥ ص ٢٨؛ الإلهيات على هدي الكتاب والسنة، والعقل جعفر السبحاني، ج ٢، ص ١٦٢.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٨٧-٨٨.
- ↑ سورة المائدة، الآية ٦٧.
- ↑ الميزان، ج ١١، ص ١٦٣ ؛مفاهيم القرآن (بالفارسية: منشور جاويد)، جعفر السبحاني، ج ٥، ص ٢٩؛ عصمة الأنبياء في القرآن الكريم، جعفر السبحاني، ص٣٩.
- ↑ الميزان، ج ٢، ص ١٣٨.
- ↑ الوحي والنبوّة، سلسلة التفسير الموضوعي، الجوادي الآملي، ج ٣، ص ٢٣٨؛سيرة الرسول الأكرم في القرآن الكريم سلسلة التفسير الموضوعي، الجوادي الآملي، ج ٩، ص ٢٢؛ عصمة الأنبياء، جعفر السبحاني، ص ٣٨؛ دروس في العقيدة الإسلامية (بالفارسية: آموزش عقايد)، محمّد تقي مصباح، ج٢، ص ١٦٥؛معارف القرآن، مباحث السبيل والدليل (بالفارسية: معارف قرآن، راه وراهنما شناسي)، محمّد تقي مصباح، ج ٤ و٥، ص ١٦١؛شرح وتفسير مثنوي، محمّدتقي جعفري، ج٢، ص ٥٩٩؛الوحي والنبوّة (بالفارسية: وحي ونبوت)، مرتضى المطهري، ص ١٤٥؛ ميثاق معتقدات الإمامية (بالفارسية: منشور عقايد إماميه)جعفر السبحاني، ص ١١٦.
- ↑ تفسير تسنيم، الجوادي الآملي، ج ٣، ص ٢٩١ ؛سيرة الرسول الأكرم في القرآن الكريم سلسلة التفسير الموضوعي، الجوادي الآملي، ج ٩، ص ٢٥ ؛الميزان، الطباطبائي، ج ١٧، ص ٢٩٠.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٩٠.
- ↑ سورة الزمر، الآية ٣٦-٣٧.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ٣١.
- ↑ سورة النساء، الآية ٨٠.
- ↑ سورة النور، الآية ٥٢.
- ↑ سورة ص، الآية ٨٢-٨٣.
- ↑ سورة ص، الآية ٤٥-٤٨.
- ↑ راجع: مفاهيم القرآن (بالفارسية: منشور جاويد)، جعفر السبحاني، ج ٥، ص ٤١-٤٨؛ والميزان، ج ٢، ص ١٣٤؛عصمة الأنبياء في القرآن الكريم، جعفر السبحاني، ص ٥٩؛ الإلهيات على هدي الكتاب والسنة والعقل، جعفر السبحاني، ج ٢، ص ١٦٧؛ سيرة الأنبياء في القرآن الكريم سلسلة التفسير الموضوعي، الجوادي الآملي، ج ٧، ص ١١٧ ؛ميثاق معتقدات الإمامية (بالفارسية: منشور عقايد إماميه)، جعفر السبحاني، ص ١٦٨ ؛معارف القرآن، مباحث السبيل والدليل (بالفارسية: معارف قرآن، راه وراهنما شناسي)، محمّد تقي مصباح، ج ٤ و٥، ص ١٥٨؛ دروس في العقيدة الإسلامية (بالفارسية: آموزش عقايد)، محمّد تقي مصباح، ج٢، ص ٦٨.
- ↑ سورة النساء، الآية ٦٩.
- ↑ سورة الفاتحة، الآية ٧.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢١٣.
- ↑ سورة النساء، الآية ١٠٥.
- ↑ سورة النجم، الآية ٣-٤.
- ↑ الوحي والنبوة، سلسلة التفسير الموضوعي، الجوادي الأملي، ج٣، ص٢٣٩.
- ↑ الوحي والنبوة، سلسلة التفسير الموضوعي، الجوادي الأملي، ج٣، ص ٢٢٧ و٢٢٨.
- ↑ مفاهيم القرآن (بالفارسية: منشور جاويد)، جعفر السبحاني، ج ٥، ص ٩.
- ↑ مفاهيم القرآن (بالفارسية: منشور جاويد)، جعفر السبحاني، ج ٥، ص ١٠.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٦٨.
- ↑ عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ١٧٨-١٨٩.
- ↑ عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ٢٤٢.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٣٥.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٣٦.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ٢٢.
- ↑ سورة طه، الآية ١٢٠.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ٢٣.
- ↑ سورة طه، الآية ١٢١.
- ↑ سورة طه، الآية ١١٧-١١٩.
- ↑ مفاهيم القرآن (بالفارسية: منشور جاويد)، جعفر السبحاني، ج ٥، ص ٧٣ و٧٥. عصمة الأنبياء في القرآن الكريم، السبحاني، ص ٩١ ؛الميزان، ج ١٤، ص ٢٢٠، ج ١، ص ١٤٥.
- ↑ سورة الناس، الآية ٥.
- ↑ مفاهيم القرآن (بالفارسية: منشور جاويد)، جعفر السبحاني، ج٥، ص ٦٧-٨٩. والمصدر نفسه، ج١١، ص ٨٩. شرح وتفسير مثنوي، محمّدتقي جعفري، ج١٣، ص١٩١. وكذلك يمكن مراجعة المصادر التالية: معارف القرآن، مباحث السبيل والدليل (بالفارسية: معارف قرآن، راه وراهنما شناسي)، محمّد تقي مصباح، ج٤ و٥، دروس في العقيدة الإسلامية (بالفارسية: آموزش عقايد)، محمد تقي مصباح، ج٢، ص ١٧٥ ؛دروس في العقيدة الإسلامية (بالفارسية آموزش عقايد)، محمّد تقي مصباح، ج٢، ص ٨٧؛ عصمة الأنبياء في القرآن الكريم، السبحاني، ص٩٤؛ شرح نهج البلاغة، محمد تقي جعفري، ج٢، ص١٧٢؛ الوحي والنبوّة، سلسلة التفسير الموضوعي، الجوادي الأملي، ج ٣، ص ٢٤٦ ؛الميزان، ج ١٤، ص ٢٢٠، وج٦، ص٢٦٤.
- ↑ عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ٢٤٤-٢٤٦.
- ↑ سورة هود، الآية ٤٥.
- ↑ سورة هود، الآية ٤٦.
- ↑ سورة هود، الآية ٤٦.
- ↑ سورة هود، الآية ٤٢.
- ↑ الأنبياء في القرآن الكريم، سلسلة التفسير الموضوعي، الجوادي الأملي، ج٦، ص ٢٧٤، الوحي والنبوّة، سلسلة التفسير الموضوعي، الجوادي الأملي، ج ٣، ص ٢٥٠.
- ↑ مفاهيم القرآن (بالفارسية: منشور جاويد)، جعفر السبحاني، ج ٥، ص٩٠. وكذلك يراجع المصدر نفسه، ج١١، ص ١٤٧؛ عصمة الأنبياء في القرآن الكريم، الجوادي الآملي، ص ١١٤؛الوحي والنبوّة، سلسلة التفسير الموضوعي، الجوادي الأملي، ج ٣، ص ٢٤٧؛ الميزان في تفسير القرآن، ج ١٠، ص٢٣٢؛ شرح وتفسير مثنوي، محمدتقي جعفري، ج ٧، ص ١٤٧؛ الميزان، ج ٦، ص ٢٦٦.
- ↑ عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ٢٤٧-٢٤٨.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٧٦-٧٨.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٧٦.
- ↑ عصمة الأنبياء في القرآن الكريم، السبحاني، ص ١٢٥-١٢٨.
- ↑ سورة الأنبياء، الآية ٦٣.
- ↑ عصمة الأنبياء في القرآن الكريم، جعفر سبحاني، ص١٢٩.
- ↑ سورة الصافات، الآية ٨٩.
- ↑ الميزان، ج ١٧، ص ١٤٨.
- ↑ عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ٢٤٨-٢٥٠.
- ↑ سورة الأنبياء، الآية ٨٧.
- ↑ مفاهيم القرآن (بالفارسية: منشور جاويد)، جعفر السبحاني، ج ٥، ص ١٥٠ ؛ج ١٢، ص٣٢٦؛ عصمة الأنبياء في القرآن الكريم، السبحاني، ص١٩٣؛ الميزان، ج ١٧، ص١٦٥؛ سيرة الأنبياء في القرآن الكريم سلسلة التفسير الموضوعي، الجوادي الأملي، ج ٧، ص ٣٠٠و٣٠٢.
- ↑ عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ٢٥٠-٢٥١.
- ↑ سورة القصص، الآية ١٥.
- ↑ سورة الشعراء، الآية ٢٠.
- ↑ سورة القصص، الآية ١٤.
- ↑ مفاهيم القرآن (بالفارسية: منشور جاويد)، جعفر السبحاني، ج٥، ص١١٤.
- ↑ مفاهيم القرآن (بالفارسية: منشور جاويد)، جعفر السبحاني، ج٥، ص١١٦.
- ↑ الميزان، ج١٦، ص١٨.
- ↑ سورة القصص، الآية ١٦.
- ↑ منشور جاويد، ج ٥، ص ١١٧؛ الميزان ج ١٦، ص ١٩؛ القصص ١٦.
- ↑ عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر (كتاب)|الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ٢٥١-٢٥٢.
- ↑ سورة يوسف، الآية ٢٤.
- ↑ مفاهيم القرآن (بالفارسية: منشور جاويد)، جعفر السبحاني، ج٥، ص٩٩؛ عصمة الأنبياء في القرآن الكريم، جعفر سبحاني، ص ١٣٦؛١١٢؛ الميزان، ج ١١، ص ١٣١ و١٢٧؛ سيرة الأنبياء في القرآن الكريم سلسلة التفسير الموضوعي، الجوادي الآملي، ج ٧، ص ٦٤؛ دروس في العقيدة الإسلامية (بالفارسية: آموزش عقايد)، محمّد تقي مصباح، ص١٨؛ معارف القرآن، مباحث السبيل والدليل (بالفارسية: معارف قرآن، راه وراهنما شناسي)، محمد تقي مصباح، ج ٤ و٥، ص ١٦٩.
- ↑ عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ٢٥٢-٢٥٣.
- ↑ سورة ص، الآية ٣١-٣٣.
- ↑ سورة ص، الآية ٣٠.
- ↑ سورة ص، الآية ٣٢.
- ↑ ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ﴾ سورة ص، الآية ٣٤.
- ↑ سورة ص، الآية ٣٥.
- ↑ مفاهيم القرآن (بالفارسية: منشور جاويد)، جعفر السبحاني، ج ٥، ص ١٢٥ وج١١، ص٢٧٤؛ وج ١٢، ص ٢٦٩؛عصمة الأنبياء في القرآن الكريم، السبحاني، ص٢٣٤ و١٧٢ ؛ الميزان، ج ١٧، ص٢٠٢ ؛سيرة الأنبياء في القرآن الكريم سلسلة التفسير الموضوعي، الجوادي الأملي، ج ٧، ص ٢٦٨؛ الوحي والنبوّة، سلسلة التفسير الموضوعي، الجوادي الآملي، ج ٣، ص ٢٦٦.
- ↑ عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ٢٥٤.
- ↑ سورة ص، الآية ٢١-٢٤.
- ↑ سورة ص، الآية ١٧.
- ↑ سورة ص، الآية ٢٥.
- ↑ سيرة الأنبياء في القرآن الكريم سلسلة التفسير الموضوعي، الجوادي الآملي، ج ٧ ؛ الوحي والنبوة، سلسلة التفسير الموضوعي، الجوادي الأملي، ج ٣، ص ٢٦٢؛ص ٢٤٠ ؛ص ٢٤٣؛ عصمة الأنبياء في القرآن الكريم، السبحاني، ص١٦٧، ص ١٦٧؛ مفاهيم القرآن (بالفارسية: منشور جاويد)، السبحاني، ج ١٢، ص ٢٥٦؛ الميزان، ج ١٧، ص ١٨٩ و٢٠١؛ معارف القرآن، مباحث السبيل والدليل (بالفارسية: معارف قرآن، راه وراهنما شناسي)، محمّد تقي مصباح، ج ٤ و٥، ص ١٧٥؛ مجموعة آثار، مرتضى المطهري، ج١٦، ص١٢٤.
- ↑ عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ٢٥٥.
- ↑ سورة ص، الآية ٤١.
- ↑ الميزان، ج ١٧، ص ٢٢٠.
- ↑ الميزان، ج ١٧، ص٢٢١ ؛سيرة الأنبياء في القرآن الكريم سلسلة التفسير الموضوعي، الجوادي الآملي، ج ٧، ص٧٥.
- ↑ عصمة الأنبياء في القرآن الكريم، السبحاني، ص ١٨٧؛ مفاهيم القرآن (بالفارسية: منشور جاويد)، جعفر السبحاني، ج١٢، ص٣١٣.
- ↑ عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ٢٥٧.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ٤١.
- ↑ الوحي والنبوّة، سلسلة التفسير الموضوعي، الجوادي الآملي، ج ٣، ص ٢٧٣؛المرأة في مرآة الجلال والجمال (بالفارسية: زن در آيينه جلال وجمال)، الجوادي الآملي، ص١٤٨، مفاهيم القرآن (بالفارسية: منشور جاويد)، جعفر السبحاني، ج١٢، ص ٣٤٠.
- ↑ عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر (كتاب)|الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ٢٥٨.
- ↑ سورة الفتح، الآية ٢.
- ↑ سورة الفتح، الآية ١.
- ↑ الميزان، ج ١٨، ص ٢٧٣ ؛الوحي والنبوّة، سلسلة التفسير الموضوعي، الجوادي الآملي، ج ٣، ص٢٧٤؛ عصمة الأنبياء في القرآن الكريم، السبحاني ص ٢٢٠؛ معارف القرآن مباحث السبيل والدليل (بالفارسية: معارف قرآن راه وراهنما شناسي)، محمد تقي مصباح، ج ٤ و٥، ص١٨٠؛ دروس في العقيدة الإسلامية (بالفارسية: آموزش عقايد)، محمّد تقي مصباح، ج٢، ص ١٨٧.
- ↑ سورة التوبة، الآية ٤٣.
- ↑ الوحي والنبوّة، سلسلة التفسير الموضوعي، الجوادي الآملي، ج ٣، ص٢٧٦ ؛ الميزان، ج ٩، ص ٣٠٠، ج ٦، ص ٣٦٣.
- ↑ معارف القرآن، مباحث السبيل والدليل (بالفارسية: معارف قرآن، راه وراهنما شناسي)، محمّدتقي مصباح، ج٤ و٥، ص١٨٢؛ دروس في العقيدة الإسلامية (بالفارسية: آموزش عقايد)، محمّد تقي مصباح، ج٢، ص١٨٢.
- ↑ سورة الضحى، الآية ٧.
- ↑ الوحى والنبوّة، سلسلة التفسير الموضوعي، الجوادي الأملي، ج ٣، ص ٢٧٨؛مفاهيم القرآن (بالفارسية: منشور جاويد)، جعفر السبحاني، ج٦، ص ٩٠ الميزان، ج ٢٠، ص ٣١٠.
- ↑ سورة عبس، الآية ١-١٠.
- ↑ سورة القلم، الآية ٤.
- ↑ الميزان، العلامة الطباطبائي، ج٢٠، ص ٢٠٣؛ عصمة الأنبياء في القرآن الكريم، السبحاني، ص٢٢٩.
- ↑ سورة الحج، الآية ٥٢.
- ↑ سورة النجم، الآية ١-٥.
- ↑ سورة النجم، الآية ١٩-٢٠.
- ↑ وهذا مما يدلّ على اصطناع الأسطورة وكذبها؛ فكيف يمكن إيصال النبأ إلى مسلمي حبشة ورجوعهم إلى مكة في مدة يوم على الرغم من بعد المسير وأسباب السفر حينئذ.
- ↑ سورة الإسراء، الآية ٧٣-٧٥.
- ↑ سورة الحج، الآية ٥٢.
- ↑ تفسير الطبري، ج ١٧، ص١٣١٣-١٣٤؛ تاريخ الطبري، ج٢، ص ٧٥-٧٨، الدر المنثور، جلال الدين السيوطي، ج٤، ص ١٩٤، ٣٦٦-٣٦٨؛ فتح الباري في شرح البخاري، ابن حجر العسقلاني، ج٨، ص٣٣٣.
- ↑ سورة النجم، الآية ١-٥.
- ↑ سورة النساء، الآية ٧٦.
- ↑ سورة المجادلة، الآية ٢١.
- ↑ سورة النحل، الآية ٩٩.
- ↑ سورة الحجر، الآية ٤٢.
- ↑ سورة إبراهيم، الآية ٢٢.
- ↑ سورة الحجر، الآية ٩.
- ↑ سورة فصلت، الآية ٤٢.
- ↑ سورة الحج، الآية ٥٢.
- ↑ سورة الحج، الآية ٥٢.
- ↑ سورة الحديد، الآية ٢٥.
- ↑ سورة النساء، الآية ٧٦.
- ↑ سورة الأنبياء، الآية ١٨.
- ↑ سورة الحج، الآية ٥٢.
- ↑ سورة الإسراء، الآية ٧٣-٧٥.
- ↑ محمد هادي معرفة، علوم القرآن، ص ٢٧-٣١ ؛وكذلك يراجع: معارف القرآن، مباحث السبيل والدليل (بالفارسية: معارف قرآن، راه وراهنما شناسي)، محمّد تقي مصباح، ج ٤ و٥، ص١٩٤؛ الوحي والنبوّة، سلسلة التفسير الموضوعي، الجوادي الأملي، ج ٣، ص٢٨٢؛ سيرة الرسول الأكرم في القرآن الكريم (بالفارسية: سيره رسول اكرم در قرآن)، الجوادي الأملي، ج ٩، ص ٣٧؛ مفاهيم القرآن (بالفارسية: منشور جاويد)، جعفر السبحاني، ج٧، ص٢٧٧؛ عصمة الأنبياء في القرآن الكريم، السبحاني، ص٢٠٣؛الميزان، العلامة الطباطبائي، ج ١٤، ص ٣٩٠ وج ١٩، ص ٢٦٧؛ دروس في العقيدة الإسلامية (بالفارسية: آموزش عقايد)، محمد تقي مصباح، ص ١٧٧؛ شرح وتفسير مثنوي، محمّد تقي جعفري، ج ٢، ص ٢٥٥؛ الأعمال الكاملة (بالفارسية)، مرتضى المطهري، ج١٦، و١٢٩.
- ↑ عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ٢٥٨-٢٦٨.