تنصيب الإمام في علم الكلام

من إمامةبيديا

إثبات نظرية الشيعة في تنصيب الإمام

إنّ إمامة الأئمة الأطهار(ع) وعلى رأسهم الإمام علي(ع) بوصفه صبا خليفة رسول الله(ص) مباشرة، يمكن إثباتها من ثلاثة طرق: القرآن والسنة والعقل.

أولاً: الاتجاه النقلي: وجود كثير من الآيات والروايات المتعددة والمتواترة أحياناً في دلالتها على إمامة الإمام علي(ع)، وهو أمر يثبت النظرية القائلة بكون الإمامة بالتنصيب. وعلاوة على هذه النصوص هناك تصريح في بعض النصوص الواردة عن النبي الأكرم(ص) بكون أصل الحكم بعده يكون بتنصيب من قبل الله عزّ وجل. كما ورد في قصة إسلام قبيلة بني عامر، حيث اشترطوا على النبي الأكرم(ص) أن يكون لهم الأمر بعد رحيله؛ فرفض النبي هذا الشرط منهم، معللاً ذلك بقوله: « إِنَّ الْأَمْرِ إِلَى اللَّهَ يَضَعُهُ حَيْثُ يَشَاءُ »[١].

كما رصد التاريخ حالات أخرى مشابهة لهذه الحادثة؛ حيث اشترطت قبيلة كندة[٢]، واشترط عامر بن الطفيل، و أربد بن قيس[٣]، أن يكون لهم الأمر بعد رحيله؛ فكان الجواب هو الجواب.

واللافت في توضيح الأمر هنا أن ما كانت تطالب به هذه القبائل المختلفة من النبي الأكرم(ص) هو منحهم الحكم والسلطة السياسية التي ينظر إليها أهل السنة بوصفها مسألة فقهية تدخل في صلاحية الأمة واختيارها. ولكن النبي الأكرم(ص) يصفها بأنها حق إلهي.

ثانياً: الاتجاه التحليلي والعقلي: الاتجاه الآخر الذي يمكن تناوله بالبحث والدراسة في تحليل مسألة القيادة وخلافة النبي الأكرم(ص)، وعبارة عن تحليل عقلي واجتماعي، يأخذ بنظر الاعتبار ظروف ذلك العصر، وذلك على النحو الآتى:

النبي الأكرم(ص) على مفترق ثلاثة طرق

لقد أقام النبي الأكرم(ص) طوال جهوده المضنية التي استمرت لأكثر من عقدين من الزمن على تحمّل أعباء الرسالة والنبوة، برعمين يافعين باسم الدين الإسلامي الحنيف والدولة الإسلامية. وحيث كان هذان البرعمان يافعين، استدعى ذلك ضرورة العمل على حفظهما وصيانتهما من أنواع الآفات، وإن عمر النبي لم يكن كافياً لضمان هذه الصيانة. هذا في حين كان الخطر الخارجي متمثلاً بوجود الروم وإيران القديمة والخطر الداخلي متمثلاً بتيار المنافقين يهدد أصل وجود الإسلام وبقائه. وعليه يطرح السؤال الآتي نفسه: هل فكر النبي الأكر(ص) بوسيلة تضمن البقاء والاستمرار لهذين البرعمين اليافعين (المتمثلين بالإسلام وأصل الحكومة)، أم أنه ترك الأمور على عواهنها؟

في البداية يوجد هناك ثلاثة احتمالات يمكن تصورها:

  1. اتخاذ الموقف السلبي تجاه هذه المسألة: وذلك بأن يلتزم النبي الأكرم(ص) جانب الصمت تجاه الحاكم والخليفة الذي يليه، فليس هناك تحديد علي للحاكم والحكم ولا نوع الحكم، وما إذا كان لشخص واحد أو لشورى من عدة أشخاص. إن ضعف هذا الاحتمال سيتضح من خلال الأدلة والشواهد التي سنأتي على ذكرها في الصفحات القادمة بشأن وجوب تنصيب الإمام والحاكم.
  2. تخويل الأمر إلى الناس في إطار الشورى: الاحتمال الثاني أن يتخذ النبي الأكرم(ص) موقفاً إيجابياً تجاه مسألة الحكم وإدارة الدولة من بعده، ولكن من خلال تعيين الشورى أو أفراد من النخبة، أو البيعة. وعلى الرغم من أن الإشكالات السابقة لا تتجه على هذا الاحتمال، ولكنه لا ينجو من بعض الإشكالات الأخرى، التي نجملها على النحو الآتي:
    1. قد يبرز هناك تحد في اختيار شخص من أعضاء الشورى بسبب هيمنة الأغراض والأهواء على أعضاء هذه الشورى، وهو أمر سيكون مثاراً لتأجيج نار الخلاف والفتنة.
    2. حيث لا يتصف أعضاء الشورى بالعصمة، فقد تتحكم فيهم العواطف والمحسوبيات والأهواء، بدلاً من تحكيم الملاكات الحقيقية، كما حصل ذلك بالفعل في الشورى التي اختارها الخليفة الثاني، حيث مالت كفتها لصالح عثمان رغم وجود الإمام علي(ع) كواحد من المرشحين في هذه الشورى.
    3. لا توجد أي توجد أي وثيقة معتبرة ولا غير معتبرة تثبت وجود شورى يراد منها تعيين الإمام والخليفة من قبل النبي الأكرم(ص). وعليه لا يوجد هناك قائل بهذا الاحتمال الثالث.
  3. تعيين وتنصيب الشخص الأصلح الاحتمال والفرضية الثالثة أن يعمد النبي الأكرم(ص) - من خلال معرفته بأصحابه - إلى اختيار الأصلح والأفضل من بينهم لإدارة هذين البرعمين اليافعين وصيانتهما وحفظهما. وهذا هو مختار الشيعة، حيث يعمدون أولاً إلى إثبات ضرورة نظرية التنصيب، ثم يبحثون بعد ذلك عن مصاديقها.[٤]

الأدلة والشواهد على وجوب التنصيب

الأخطار الخارجية والداخلية التي تهدّد الإسلام

أنّ الأخطار الخارجية والداخلية المتمثلة بالمنافقين والذين يدعون النبوة من أمثال مسيلمة الكذاب، وما سوى ذلك من الأمور كانت تهدد الحكومة الإسلامية، والأهم من ذلك خطر تحريف التعاليم الإسلامية وما إلى ذلك من البدع، كانت تحتم على النبي الأكرم(ص) أن لا يترك أمته نهباً لجميع هذه الأخطار، ومع الالتفات إلى علمه اللدني يتحتم عليه أن يحدد الشخص المناسب كي يتصدى للمرجعية العلمية والدينية والسياسية، وينصبه إماماً وخليفة على المسلمين.

وبعبارة أبسط: إن الشخص القروي لا يترك قطيع أغنامه من دون من يرعاه، فهل يعقل بنبي مثل النبي محمد(ص) أن يترك أمته من دون أن يستخلف عليها من يرعى مصالحها؟!

التنصيب عنصر الصيانة والوحدة ومنع الخلافات القومية

تتكون المجتمعات - والأمم بشكل بارز - من مناطق وقبائل وأعراق ولغات مختلفة ومتنوعة، ويسعى كل مكوّن فيها إلى الاستيلاء على السلطة أو أن يكون له في الحد الأدنى حصة تتناسب وحجمه فيها. وإن هذا التنوع والاختلاف يؤدّيان إلى النزاع والتخاصم، وقد يؤدّيان إلى اندلاع الحروب الداخلية وإزهاق الأرواح وإراقة الدماء، والمثال البارز على ذلك يتجلى في الحروب التي كانت تتفجر من حين لآخر بين قبيلتي الأوس والخزرج في المدينة قبل دخول النبي إليها، فلم تلق تلك الحروب أوزارها إلا بعد اعتناق كلتا القبيلتين للإسلام.

وبعد أن قويت شوكة الإسلام على يد النبي الأكرم(ص)، انتشر أتباعه في مختلف المناطق والقبائل، وتنافس القطبان القويان في الإسلام (أي المهاجرون والأنصار) فيما بينهما وأخذا يضمران التخطيط للاستيلاء على السلطة بعد رحيل رسول الله(ص).

يؤيد ذلك ما حصل في سقيفة بني ساعدة، فعلى الرغم من أن جسد الرسول لم يجهز للغسل والتكفين والتشييع والدفن بعد حتى اجتمع الأنصار في موضع لهم باسم السقيفة، واختاروا لأنفسهم شخصاً وهو سعد بن عبادة ليكون رئيساً عليهم؛ وما أن تناهى خبر ذلك إلى عمر و أبي بكر حتى هرعا إلى المكان، ليُعلنا من هناك بأن قادة قريش لن يقبلوا بقيادة الأنصار عليهم، وتمسّكا لذلك بحديث روياه عن رسول الله(ص) يقول: « إِنَّ الْإِمَامَةَ وَ الْخِلَافَةَ فِي قُرَيْشٍ ». ولكي يضمن أبو بكر نجاح خطته بسلام قطع وعداً للأنصار بأن تكون لهم الوزارة.

يظهر من خلال هذا المشهد والمقطع التاريخي وجود نص نبوي حسم النزاع لصالح أبي بكر، وحال دون استمرار الخلاف والفتنة.

وهنا نتساءل: ألا يمكن هذا النص العام والمبهم أن يؤدي بدوره إلى احتدام النزاع بين بطون قريش نفسها فيمن هو أحق من غيره في استلام السلطة؟ فقد اشتملت قريش على آلاف الأشخاص الذين يمكن أن يبرز من بينهم عشرات الرجال الذين يدعون لأنفسهم الأفضلية على الآخرين في تولى السلطة وإدارة الأمة، كما حصل ذلك في نفس حادثة السقيفة حيث بادر عمر بن الخطاب وقام بإهداء الخلافة إلى أبي بكر، وقام هذا في المقابل بتنصيب عمر خليفة من بعده. ولولا حكمة الإمام علي(ع) في تقديم مصلحة الأمة على مصلحته الخاصة لاندلعت حرب بسبب عدم استيعاب الشيعة لخلافة أبي بكر، وتم القضاء على برعم الحكومة الإسلامية اليافع، ولم تقم للإسلام بعد ذلك من قائمة.

وعليه كان بإمكان النص الخاص على شخص بعينه، وتطبيق ذلك النص على أرض الواقع أن يحول دون الاختلاف واندلاع الحرب، ويضمن رفعة الإسلام وتقدمه. وقد أكد بعض الفلاسفة هذه الحقيقة؛ إذ يقول ابن سينا: «الاستخلاف بالنص أصوب؛ فإن ذلك لا يؤدى إلى التشعب والتشاغب والاختلاف»[٥].

العلم بالأصلح وضرورة التعريف به وتنصيبه

تقدم أن قلنا بأن النبي الأكرم(ص) كان على علم بذلك الشخص الأصلح من جميع الجهات للتصدي للمرجعية الدينية والسياسية، وذلك من خلال القنوات الاعتيادية ومن قناة الوحي أيضاً، وعليه إذا لم يُقدِم النبي الأكرم على تنصيب ذلك الفرد في هذا المقام، فإنه لن يحرم أمته من القيادة الدينية والسياسية لهذا الفرد الأصلح فحسب، بل سوف يسهم بشكل من الأشكال في أن يتصدى غير الأصلح لهذا الأمر، ولا يخفى ما في ذلك من مخاطر على الإسلام الفتي والحكم اليافع.

إن مثل هذا الاحتمال بعيد عن النبي الأكرم(ص) وهو المتصف بالحكمة والإخلاص للدين والأمة، بل مستحيل عليه ذلك. وبعبارة أخرى: إن العقل يحكم بتقديم الفاضل على المفضول، وترجيح الأصلح على الصالح، وقد أيّد القرآن الكريم هذا الحكم العقلي إذ يقول تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى[٦].

وعلى هذا الأساس يجب أن يكون النبي الأكرم(ص) - بوصفه واحداً من العقلاء بل هو أعقلهم - مطلعاً ومدركاً لهذا الحكم العقلي، وأن يقوم على تطبيقه أيضاً، ولازم هذا التطبيق هو تعيين الفرد الأصلح وتسميته للأمة، وإلا لزم من ذلك مخالفة حكم العقل، وهذا لا يتناسب مع شأن النبي ومنزلته.

عصمة الإمام تقتضي التنصيب

أن الإمام الذي يُراد لحفظ الدين وصيانته بشكل صحيح، يجب أن يكون معصوماً؛ ليكون تفسيره معتبراً وحجة على الآخرين.

من خلال هذه الرؤية إلى الإمامة وشخص الإمام، يتضح أن الطرق الأخرى لتعيين الإمام (أى الشورى والبيعة) غير ممكنة؛ لأن أعضاء الشورى والبيعة لا طريق لهم إلى العلم بعصمة ذلك الشخص، إذ إن علم ذلك منحصر في الله سبحانه وتعالى، وهو علم ينتقل من الله إلى رسوله عن طريق الوحي[٧].

تنصيب الإمام من لوازم خلود الدين وخاتميته

لقد كانت جميع الأديان والشرائع السماوية السابقة شرائع مرحلية ومؤقتة، بمعنى أن الدين اللاحق ينسخ الدين السابق، وفي هذه الحالة لا يكون تعيين الخليفة في تلك الأديان على درجة عالية من الأهمية. أما الدين الإسلامي فإنه يمتاز من سائر الأديان الأخرى بالخاتمية والخلود والعالمية، بمعنى أنه لا وجود لنبي أو دين بعد الإسلام.

ومثل هذا الدين لا بد له من وجود إمام يعمل على حمايته وصيانته وحفظ مكانته في العالم، والحيلولة دون تحريفه وظهور البدع فيه، ويجب أن يكون هذا الإمام علي مستوى هذا الدين وعالميته.

تعيين الخليفة منهج متبع لدى جميع الأنبياء السابقين

الاستخلاف وتعيين الخليفة أكثر تناسباً وسنخية مع الدين الخاتم منه إلى الأديان الأخرى، ولكننا عندما ننظر فى سيرة الأنبياء السابقين - وخاصة الأنبياء العظام منهم - نجدهم يهتمون بتسمية خليفة لهم يحرس ذلك المقدار من الشرائع المؤقتة التي يتركونها للأجيال بعدهم. وهكذا نجد أول أنبياء الله آدم(ع) وبعده شيث وأوقينان وصولاً إلى خاتم الأنبياء، يعيّنون وصيهم والخليفة بعدهم بأمر من الله سبحانه وتعالى. وقد كتب أبو الحسن المسعودي، في كتابه المعروف «إثبات الوصية» قائمة بأسماء خلفاء الأنبياء.

فكيف يمكن القول بأن الأنبياء السابقين يهتمون بتسمية من يخلفهم رغم عدم الحاجة الماسة إلى ذلك، ولا يقوم النبي الأكرم(ص) بتسمية من يخلفه، مع أنه خاتم الأنبياء، ودينه خاتم الأديان؟!

وصية القرآن الكريم بتعيين الخليفة والوصي

إن القرآن الكريم في جملة تعاليمه يأمر المسلمين بكتابة الوصية لما بعد موتهم، إذ يقول تعالى في محكم كتابه الكريم: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ[٨].

وعليه ها هو القرآن يُبدي كلّ هذا الاهتمام بكتابة الوصية وضرورتها حتى في الأمور الجزئية التي تتعلق بشؤون الأسرة، ويُلزم المسلمين بذلك. فكيف يمكن أن لا يبدي اهتماماً مماثلاً بالنسبة إلى ما اهتماماً مماثلاً بالنسبة إلى ما هو أخطر من ذلك من الأمور التي تتعلق بمصير الأمة بأسرها، فلا يأمر نبيه بتعيين خليفة له، ليقوم بعده بأعباء الأمة على المستوى الديني والسياسي؟! وكيف يمكن للنبي الأكرم(ص) أن يتجاوز مسألة على مثل هذا المستوى من الأهمية والخطورة؟! ألا ينطوي مثل هذا الكلام على الطعن بشخصية رسول الله(ص) بسبب عدم تطبيقه لهذه الآية فيما يتعلق بمصالح أمته، وهو الحريص على مصلحتها؟[٩].

تعيين الخليفة منهج للنبي الأكرم في إدارة الدولة

عندما نطالع منهج النبي الأكرم(ص) في إدارة الحكم، ندرك أنه في مختلف أسفاره، من قبيل مشاركته في الحروب حيث كان يغيب عن المدينة المنورة لبضعة أيام، كان يترك فيها من يخلفه؛ ليقوم بأعباء الأمور الإدارية، والسياسية، وكان من بين الذين استخلفهم النبي من الصحابة طبقاً لأهمية الموقف وخطورة الأوضاع: الإمام علي بن أبي طالب(ع)، و عبد الله بن مكتوم، و معاذ بن جبل.

وهنا نتساءل: كيف يمكن للنبي الذي يبدي هذا المستوى من الاهتمام بمسائل الحكم والدولة، حتى أنه لا يترك الأمور دون أن يستخلف من يقوم بأعبائها في غيابه لفترة قصيرة جداً، ولا يبدي ذات الاهتمام لما بعد رحيله؟[١٠]

لازم عدم النصّ أفضلية الخليفتين الأولين على النبي الأكرم(ص)

عندما نطالع تاريخ الخليفتين الأولين يثبت لنا أنهما لم يعيرا أهمية للبيعة وانتخاب الناس، وإنما عمد كل منهما إلى تعيين الخليفة وتنصيبه بعدهما. فهذا أبو بكر يوصي في مرض موته عثمان بن عفان أن يكتب لعمر بالخلافة بعده، وطلب من الناس أن يمتثلوا لأوامره، إذ يقول: «فإني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، فاسمعوا وأطيعوه»[١١].

كما عمد عمر بن الخطاب قبيل موته إلى ضرب البيعة واختيار الناس عرض الجدار، فإنه وإن لم يسم شخصاً بعينه خليفة له، ولكنه جعلها في ستة، وهم: عثمان بن عفان، و طلحة، و الزبير بن العوام، و سعد بن أبي وقاص، و علي بن أبي طالب(ع)، على أن يختاروا واحداً منهم ليكون خليفة وحاكماً على المسلمين. وقد صرح الإمام علي(ع) بهذه الحقيقة أن الأمور في هذه الشورى كانت محسومة سلفاً لصالح عثمان بن عفان.

وعلى هذا الأساس يتضح أن الخليفة الأول والخليفة الثاني كانا - قبل موتهما - مدركين ومهتمين بمستقبل الحكم ومستقبل الدين بحسب الظاهر، واتخذا لذلك الإجراءات الكفيلة بالحيلولة دون حدوث أي خطر محتمل.

فهل كان النبي الأكرم(ص) - الذي بذل كل ما عنده من أجل الدين الإسلامي الحنيف - دون الخليفتين الأولين في الاهتمام بمستقبل الدين والحكم والأمة؟ وعلى أهل السنة ان يجيبوا عن سلوك الخليفة الأول في تعيين خليفته، وما إذا كان مشروعاً وخالياً من المحاذير أم لا؟

لو كان ما قام به الخليفتان غير مشروع ولم يكن خالياً من المحذور، فليس لنا هنا كلام، سوى أن أهل السنة يكونون بذلك قد اعترفوا بعدم مشروعية ما قام به الشيخان. وأما إذا كان ما قاما به مشروعاً وعقلانياً وعقلائياً، فالسؤال هنا: لماذا لم يق،م النبي الأكرم(ص) بالشيء نفسه؟ هل كان - والعياذ بالله - رغم اتصاله بالوحي غير مدرك لأهمية ذلك على مستوى الثبوت والمعرفة، أم أنه - والعياذ بالله - قد تعمد أن يتجاهل مصلحة المجتمع والدين وترك الأمة لحالها؟! إن لازم هذا الكلام من أهل السنة هو أن الشيخين في الحد الأدنى - والعياذ بالله - أفضل من رسول الله في هذا المقام! وهذا اللازم لا يمكن الالتزام به حتى من قبل أهل السنة.

وقد واجه أهل السنة هذا التحدّي منذ القرون الأولى. فقد ذكر ابن أبي الحديد عند شرحه لمقاطع من نهج البلاغة تدل على أصل التنصيب، مستدلاً لذلك بالخوف والخشية من نسبة الصحابة إلى مخالفة نص النبي الأكرم(ص)، كما جاء في شرح الفقرة القائلة: «فَإِنَّهَا كَانَتْ أَثَرَةً شَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ » من الخطبة رقم ١٦٣، وقد نقل أنه سأل أستاذه أبي جعفر يحيى بن محمد العلوي الذين هضموا حق الإمام في الحكم، هل المراد منه حادثة السقيفة أم الشورى التي دعا إليها عمر بن الخطاب وانتهت باختيار عثمان بن عفان؟ كان جوابه أن المراد من ذلك حادثة السقيفة[١٢].

يقر ابن أبي الحديد - بوصفه سنياً - إن نفسه لا تطاوعه باتهام الصحابة بمعصية النبي الأكرم(ص)!إذ يقول: «إن نفسي لا تسامحني أن أنسب صلى إلى الصحابة عصيان رسول الله(ص) ودفع النص».

وهنا يجيبه أبو جعفر - وهو أستاذه الذي ويصفه بالانصاف ورجاحة العقل - جواباً حصيفاً يقول فيه: «وأنا فلا تسامحني أيضا نفسي أن أنسب الرسول(ص) إلى إهمال أمر الإمامة وأن يترك الناس فوضى سدى مهملين وقد كان لا يغيب عن المدينة إلا ويؤمر عليها أميراً وهو حي ليس بالبعيد عنها، فكيف لا يؤمر وهو ميت لا يقدر على استدراك ما يحدث». وهكذا يستمر أبو جعفر بتفصيل الجواب حتى يقول له ابن أبي الحديد: «لقد أحسنت فيما قلت»[١٣].

الكشف دون التنصيب

فيما يتعلق بالنقطة الأخيرة في نظرية التنصيب عند الشيعة، يجب القول إن الشيعة بالاستناد إلى الآيات وصريح الروايات النبوية يعتقدون بأن الوجود النوراني للإمام على(ص) كان محط اهتمام الله حتى قبل خلق العالم المادي، وقد اكتسب في الدنيا جميع الفضائل التي يجب توفّرها في الإنسان الكامل على المستوى الفردي والاجتماعي والديني والسياسي، وعليه يكون الإمام منذ أن بدأ رسالته الإسلامية حائزاً على ملاك خلافة النبي الأكرم(ص)، ومن هنا لم يكن بحاجة إلى تنصيب وتعيين أصلاً.

بعبارة أخرى: إن التنصيب والتعيين من الصفات الاعتبارية المتعلقة بالأمور الجعلية، في حين أن منصب الخلافة عن النبي أمر تكويني وحقيقي، وأن الذي تتوفر فيه صفاته يكون مؤهلاً لهذا المنصب تلقائياً من دون حاجة إلى جعل وتنصيب.

من هنا فإن الجعل والتنصيب - الوارد في الآيات والروايات - ليس في مقام الجعل الحقيقي، بل هو في مقام الإرشاد إلى المصداق الحقيقي والتكويني، وهو في الحقيقة كاشف عن المقام التكويني.

الإشكالات الفقهية والحقوقية الواردة على نظرية الخصم (الانتخاب)

النظرية المقابلة وهي القائلة بانتخاب الخليفة عن طريق الشورى والبيعة - وخاصة بيعة السقيفة التي كانت من قبل بضعة نفر من الصحابة - فاقدة للمشروعية الدينية.[١٤]

شبهة عدم ذكر التنصيب في القرآن الكريم

إن شبهة عدم ذكر التنصيب في القرآن الكريم - وهي في الوقت نفسه من الشبهات القديمة والمعروفة المطروحة من قبل أهل السنة - تكمن في ادعاء عدم ذكر إمامة علي(ع) في القرآن الكريم، حيث يدعون أن إمامته لو كانت بأمر من الله لوجب التأكيد عليها في الآيات القرآنية. وهناك من ادعى بشكل عام أن أصل التنصيب مجعول من قبل المتكلمين في القرن الثاني والثالث[١٥]، ولازم ذلك عدم وجود النص في القرآن والسنة[١٦].

نقد ورأي

في تحليل هذه الشبهة تجدر الإشارة إلى النقاط الآتية:

وجود الآيات الظاهرة في التنصيب

هناك كثير من آيات القرآن الكريم تدل على تنصيب الإمام علي(ع) في منصب الإمامة، نشير فيما يأتي إلى بعضها:

١. آية التطهير: إن من بين الآيات المعروفة النازلة بشأن أهل البيت(ع) هي آية التطهير التي طهر الله فيها أهل بيت النبي من جميع أنواع الرجس، إذ يقول: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً[١٧].

إن هذه الآية تثبت عصمة أهل بيت النبي(ع) - علي و فاطمة و الحسن و الحسين - وقد ذكر نزول هذه الآية في هؤلاء عدد من الصحابة يبلغ حد التواتر وقد تم التأكيد على هذا المعنى في المصادر السنية والشيعية. فها هو الترمذي مثلاً يقرّ بأن آية التطهير نزلت في بيت أم سلمة، وقال بأن النبي الأكرم(ص) دعا علياً و فاطمة و الحسن و الحسين ثم ألقى عليهم عباءة وقال: «اَللهُمَّ هَؤُلاَءِ أَهْلُ بَيْتِي»[١٨].

وكان الإمام علي(ع) يستند إلى هذه الآية الكريمة في كثير من المواطن في مقام إثبات مقامه الشامخ والاحتجاج بها على المخالفين كما صدر ذلك عنه مع أهل السقيفة[١٩].

وقد ورد في مصادر أهل السنة بصيغ مختلفة أن الإمام الحسن(ع) بعد استشهاد أبيه الإمام علي(ع) قد طبق آية التطهير في بعض خطبه على نفسه وقال: «نَحْنُ أَهْلُ اَلْبَيْتِ اَلَّذِينَ أَذْهَبَ اَللهُ عَنْهُمُ اَلرِّجْسَ وَ طَهَّرَهُمْ تَطْهِيراً»[٢٠].

وإن لازم تطهير وطهارة أهل البيت من جميع أنواع الرجس هو عصمتهم من جميع أنواع الذنوب والمعاصي، وهذا يثبت بدوره حجيتهم ولزوم إطاعتهم مطلقاً؛ وذلك لانتفاء صدور الخطأ والمعصية عنهم في القول والعمل طبقاً لهذه الآية الشريفة.

٢. آية الإنذار: إن صفة المنذر والهادي من صفات الأنبياء التي تم التأكيد عليها في القرآن الكريم أيضاً؛ إذ يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ[٢١].

روي في كثير من الروايات المأثورة في كتب الفريقين أن النبي(ص) كان يصف نفسه بـ «المنذر» ويصف الإمام علي(ع) بـ «الهادي» لأمته من بعده، ومن ذلك قوله: «أَنْتَ اَلْهَادِي يَا عَلِيُّ بِكَ يَهْتَدِي اَلْمُهْتَدُونَ مِنْ بَعْدِي»[٢٢].

لقد استُعمل وصف «الهادي» في آيات القرآن - ومن بينها هذه الآية الشريفة - في المقامات السامية من قبيل مقامات الأنبياء. ولكن لمّا كان الإسلام هو خاتم الأديان، فإن الإمام علي(ع) وإن لم يكن نبياً ينزل عليه الوحي، ولكنه طبقاً لصريح هذه الآية وتفسير النبي الأكرم(ص) لها وتطبيقها على الإمام علي(ع)، يثبت أن الإمام علي كان متصفاً بصفة «الهادي» بعد النبي أيضاً.

٣. آية الولاية: وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ[٢٣].

في معرض الاستدلال بهذه الآية لابد من الالتفات إلى ما يأتي:

  1. إن معنى «الولى» وإن كان مختلفاً من قبيل: الناصر والقريب، بيد أنه بالالتفات إلى استعمال أداة الحصر ﴿إِنَّمَا في هذه الآية الشريفة، دلّ ذلك على أن الآية بصدد حصر أولياء المؤمنين بعدد محدد من المصاديق، وإن هذه المصاديق عبارة عن: (الله والنبي والذي يعطي الزكاة راكعاً)، ولازم ذلك إرادة معنى الحاكم من لفظ «الولي»؛ إذ إن حصر معنى «الولي» بما ذكر آنفاً لا يكون له من معنى، إذ لا معنى لحصر الحب بالله والنبي والذي يتزكى أثناء الركوع، أو الدعوة إلى إقامة التواصل معهم أو نصرتهم. من هنا يكون معنى الحاكم والقيم منسجماً مع الحصر بشكل كامل؛ لأن الآية الشريفة بصدد بيان من هو حاكم المسلمين، وتقول إنه هو الله بالدرجة الأولى، ثم رسوله الكريم(ص)، ثم الذي يتصدق أثناء الركوع، وسوف نرى أن هذا الوصف لا ينطبق إلا على الإمام علي(ع).
  2. النقطة الثانية حيث أن ولاية الله ورسوله تعني الزعامة وامتلاك زمام الأمور والاختيار، يكون معنى ولاية الإمام علي(ع) كذلك أيضاً لورودها في الآية الشريفة معطوفة على ولاية الله ورسوله، وسياق الآية يقتضى أن تكون ولاية المصاديق الثلاثة في هذه الآية الشريفة بمعنى واحد.
  3. لو اعتبرنا لكلمة «الولي» الواردة في هذه الآية معنى غير معنى الإمامة والحكومة، فإننا سنواجه مشكلة في تفسير هذه الآية فيما يتعلق بعبارة «وَهُمْ رَاكِعُونَ»، كأن يقال: إن الذي يحبكم أو ناصركم هو الله ورسوله وذلك الصنف من المؤمنين الذي يتصدق أثناء الركوع. وعندها يرد السؤال القائل: ما الذي يمنع المؤمن من نصرةالمسلمين في غير حالة التصدق أثناء الركوع، وأساساً ما هو السر في تقييد الآية لـ «الولي» بحالة خاصة من حالات الركوع؟[٢٤]. جاء في كثير من الروايات المأثورة في كتب الفريقين أن هذه الآية قد نزلت في الإمام علي(ع)، وذلك عندما دخل مسكين إلى المسجد وسأل المسلمين أن يتصدقوا عليه فلم يعطه أحد منهم شيئاً؛وكان الإمام علي قائماً يصلي فأومأ إلى الفقير بأن يأخذ خاتمه، وهكذا تصدق به على ذلك المسكين؛ فنزلت هذه الآية[٢٥].
  4. ربما كان هناك من يشكك في المسائل المتقدمة، ولذلك فإننا لتكميل استدلالنا نشير إلى الرواية النبوية الناظرة إلى مورد البحث كي تزول جميع أنواع الشك والترديد في استفادة الإمامة والحكومة من الآية الشريفة، وذلك من خلال سرد الرواية الآتية: ذكر الثعلبي القصة مسندة إلى أبي ذر الغفاري، فقال: صليت يوماً صلاة الظهر في المسجد و رسول الله(ص) حاضر فقام سائل فسأل فلم يعطه أحد شيئاً، قال: وكان علي(ع) قد ركع فأومى إلى السائل بخنصره؛ فأخذ الخاتم من خنصره، والنبي(ص) يعاين ذلك؛ فرفع رأسه إلى السماء وقال: «اَللهُمَّ إِنَّ أَخِي مُوسَى سَأَلَكَ فَقَالَ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي[٢٦]؛فَأَنْزَلْتَ ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا[٢٧] اَللهُمَّ وَ أَنَا مُحَمَّدٌ نَبِيُّكَ وَ صَفِيُّكَ اَللهُمَّ فَ‍ ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي[٢٨] ﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي[٢٩] ... ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي[٣٠] عَلِيّاً ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي[٣١] قَالَ أَبُو ذَرٍّ فَمَا اِسْتَتَمَّ رَسُولُ اَللهِ كَلاَمَهُ حَتَّى نَزَلَ جَبْرَئِيلُ يَقُولُ لَهُ اِقْرَأْ ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ[٣٢]».[٣٣]. كما وردت رواية مشابهة لهذه الرواية في المصادر الشيعية، ولكن لا يسع المجال إلى ذكرها هنا[٣٤].

٤. آية التبليغ: وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ[٣٥].

نزلت هذه الآية الشريفة في يوم غدير خم - أو قبله بأيام قلائل في الحد الأدنى - على رسول الله(ص)، وهي تتحدث عن المهمة الأساسية والجوهرية الملقاة على عاتق النبي الأكرم في الأيام الأخيرة من حياته المباركة. وقد تلخصت هذه المهمة بإبلاغ إمامة الإمام علي(ع)، وهو ما توضحه النقاط الآتية أيضاً:

  1. ليس هناك فيما رصده التاريخ من التعاليم الدينية للنبي الأكرم(ص) في أواخر أيام حياته الشريفة ما هو أهم من حادثة الغدير. وعليه فإن النبي الأكرم(ص) إما أن لا يكون قد قام بواجبه تجاه الأمة في حادثة الغدير - والعياذ بالله - أو أن نقول بأن حادثة الغدير قد انطوت على أمر في غاية الأهية للإسلام والمسلمين. ولمّا كانت الفرضية الأولى لا تتناسب مع شأن النبي الأكرم(ص) وعصمته، تتعين الفرضية الثانية، فضلاً عن أن هذه الآية تخبر عن إكمال الدين الذي هو من أهم الأمور المتعلقة بالرسالة السماوية على ما سيأتي بيانه. إذن تكون الفرضية الثانية القائلة بأمر الله لنبيه بتنصيب علي(ع) خليفة من بعده على المسلمين في يوم غدير خم هي المتعينة.
  2. إن هذا الأمر المهم والأساسي لا يمكن أن يكون مجرد الأمر بمحبة علي أو تعريف الإمام علي(ع) بوصفه ناصراً ومعيناً للنبي الأكرم(ص) ؛لعدم وجود سنخية ومناسبة بين هذا المفهوم ومحتوى الآية بحيث يعد عدم إبلاغه تركاً للرسالة الإلهية وعدم إبلاغها من رأس.
  3. يثبت صريح الآية أن النبي الأكرم(ص) كان يعيش صراعاً وخوفاً من إبلاغ محتوى رسالة الآية، وكأنه حدث نوع من الإبطاء في إبلاغ ذلك المضمون. وقد كان محتوى الآية من الأهمية والخطورة بالنسبة إلى البعض بحيث كان النبي يستشعر صدور نوع من الخطر عنهم يمس جوهر الدین والمجتمع الإسلامي. ومن الواضح أن هذا النوع من الخطاب لا يتناسب مع مجرد تعريف الإمام علي(ع) بوصفه ناصراً للرسول أو دعوة المؤمنين إلى مجرد محبّته، ومعه لا يبقى هناك معنى لافتراض مخاوف الرسول(ص). وأما إذا فسرنا محتوى الآية ومضمونها بإمامة علي(ع) تكون الفرضية منسجمة مع الواقع تمام الانسجام. كما لا يبدو معقولاً أن يجمع النبي الأكرم(ص) ما يقرب من مئة ألف حاج في يوم شديد الحرارة في صحراء مقفرة لا لشيء إلا لمطالبتهم بأن يحبّوا علياً، أو إخبارهم بأنه كان ناصراً الرسول الله(ص) طوال ما يربو على العقدين من الزمن، كما عليه قراءة أهل السنة لواقعة غدير خم.
  4. يمكن الاستدلال بالنص الذي تلاه النبي الأكرم(ص) يوم الغدير على إمامة الإمام علي(ع)، بوصفه ناظراً إلى هذا الأمر، وذلك حيث يمهد له بحقيقة أولويته وولايته على الناس وتقدم نفسه على أنفسهم، إذ يقول: «ألست أولى...»، على ما سيأتي توضيحه في الصفحات القادمة عند وقوفنا على حديث الغدير.
  5. التزم أكثر علماء أهل السنة بنزول هذه الآية في غدير خم.

٥. آية إكمال الدين: وهي قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً[٣٦].

إن هذه الآية الشريفة تتميماً للآية السابقة ناظرة إلى إمامة الإمام علي(ع) فيما يتعلق بواقعة غدير خم أيضاً، وظاهر الآية على تأييدها. ومع ذلك لا بد من الإشارة في تقريرها إلى الأمور الآتية:

  1. يذهب الكثير من علماء أهل السنة إلى القول بأن هذه الآية ناظرة إلى حادثة غدير خم[٣٧].
  2. وصف الآية لمضمون ما يجب إبلاغه بيأس الكفار وإكمال الدين وإتمام النعمة، لا ينسجم مع حمل خطاب الغدير على مجرد الدعوة إلى حب على(ع) أو الإخبار عن أنه ناصر للنبي الأكرم(ص)، بل إن هذه الصفات يجب أن تقوم على أمر أساسي وجوهري، والفرضية الوحيدة التي يمكن افتراض وجودها في أخريات حياة النبي الأكرم(ص) هي مسألة إمامة الإمام علي(ع).

٦. آية أولي الأمر: وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ[٣٨].

يذهب الشيعة إلى القول بدلالة «أولي الأمر» على عصمة الإمام علي(ع) وإمامته، حيث يمكن استنتاج ذلك من خلال الالتفات إلى الأمور الآتية:

  1. حيث تم عطف ﴿أُولِي الْأَمْرِ على ﴿الرَّسُولَ يتضح أن إطاعة أولي الأمر من قبيل إطاعة رسول الله. ومن هنا يتضح أن ﴿أُولِي الْأَمْرِ يجب أن يكونوا مثل رسول الله(ص) في عصمته، كي يصح من الله أن يأمر بإطا. بشكل مطلق. وقد التفت الفخر الرازي في تفسيره إلى هذه المسألة، ولكنه لم يثبت العصمة لأشخاص بعينهم، وإنما طبقها على الأمة بأسرها. وفي هذا الشأن يجب القول: تقدم في رواية العصمة أنه طبقاً لها لم تتوفر في عصر النبي الأكرم(ص) إلا في شخص الإمام علي(ع).
  2. لمّا كان أهل السنة لا يذهبون إلى الاعتقاد بوجود تنصيب لأحد، فعليهم إما القول بتطبيق مفهوم ﴿أُولِي الْأَمْرِ على الإمام علي(ص) وأبنائه المعصومين الأحد عشر(ع)، أو القول بعدم وجود مصداق لهذا المفهوم ؛ فيلزم من ذلك اللغوية والعياذ بالله.
  3. وفيما يتعلق بذهاب الفخر الرازي إلى تطبيق العصمة على الأمة، يجب القول:
    1. إن ﴿أُولِي الْأَمْرِ طبقاً لمنطوق الآية ونصها ليس جميع الأمة، وإنما بعضها، كما يفهم ذلك من عبارة ﴿مِنْكُمْ.
    2. إن ﴿أُولِي الْأَمْرِ تعني (أصحاب الأمر والحكم)، وهذا لا يتناسب مع تفسير العبارة بالأمة لكي يصح تطبيق الآية عليها.
    3. إن الآية تريد لـ «أولي الأمر أن يطاعوا بشكل مطلق، وعليه يجب على الأمة أن تطيع. وعلى تفسير الفخر الرازي تتحول الأمة من مطيعة إلى مطاعة.
  4. بالإضافة إلى التحليل المفهومي للآية، فإن الروايات النبوية تذهب إلى تحديد مصاديق ﴿أُولِي الْأَمْرِ بعلي(ع) والأئمة من ولده(ع)، من قبيل الحديث النبوي القائل: «شُرَكَائِي اَلَّذِينَ قَرَنَهُمُ اَللهُ بِنَفْسِهِ وَ بِي - وَ أَنْزَلَ فِيهِمْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ[٣٩]»؛ فسأله الإمام علي(ع) عن هؤلاء الشركاء؛ فقال له(ص): «أَنْتَ أَوَّلُهُمْ»[٤٠]

وفى بداية خلافة عثمان طلب الإمام علي(ع) في حضور جماعة من الصحابة أن يشهدوا ويعترفوا في حق من نزلت آيات «أولي الأمر» و«الولاية» و«التبليغ»؟ أفهل نزلت هذه الآيات في حق غيره(ع)؟! ألم يكن أبو بكر وعمر قد سألا رسول الله بعد نزول هذه الآيات: «يَا رَسُولَ اَللهِ هَؤُلاَءِ اَلْآيَاتُ خَاصَّةٌ فِي عَلِيٍّ؟»[٤١] فقال(ص) في جوابهما: «بَلَى فِيهِ وَ فِي أَوْصِيَائِي إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ»[٤٢].

نقل الحسكاني عن الإمام الباقر(ع) أنه سُئل عن هذه الآية؛ فقال: إنها نزلت في حق علي بن أبي طالب[٤٣].

وقد روي ما يشبه هذه الرواية عن الإمام الصادق(ع) أيضاً[٤٤].[٤٥]

شبهة عدم ذكر اسم الإمام علي(ع) في القرآن الكريم

اتضح أن اسم الإمام علي(ع) وإن لم يذكر صراحة في آيات القرآن الكريم، ولكن نزلت في شأنه كثير من الآيات، وكان المسلمون في صدر الإسلام يعلمون جيداً أن المعنى بها هو الإمام علي(ع)، وقد تقدم أن ذكرنا بعض الآيات التي تدل على إمامة الإمام علي بشكل صريح، وتقدم أن قلنا إنها موضع تسليم واعتراف من قبل الفريقين. إلا أن اختلافهم يكمن في تفسير الآيات، وفي مفهوم الآيات.

وعلى الرغم من الدلالة الواضحة للآيات السابقة، يطرح بعض أهل السنة شبهة عدم ذكر اسم الإمام علي(ع) في القرآن الكريم بشكل خاص، ببيان أنه لو كان علي(ع) هو الإمام لكان على الله أن يذكره في القرآن باسمه حسماً للنزاع ومنعاً للخلاف. وقد كانت هذه الشبهة مطروحة حتى في عصر الأئمة الأطهار(ع) مثل الإمام الباقر(ع)[٤٦]، وقد خاض فيها بعض المعاصرين أيضاً[٤٧].

نقد ورأي

في معرض الإجابة عن هذه الشبهة يجدر التدبر في الأمور الآتية:

ذكر الصفات الخاصة يغني عن التصريح بالاسم

اتضح من الآيات السابقة أن الله سبحانه وتعالى أراد من خلال إنزالها التعريف بالإمام علي(ع) بوصفه إماماً وخليفة بعد النبي الأكرم(ص). ومع ذكر هذا العدد من الآيات لا تعود هناك من حاجة إلى التصريح بالاسم الخاص؛ إذ إن بعض الآيات تشتمل على خصائص حصرية ومتعينة في شخص الإمام علي(ع) لا يشاركه فيها غيره، من قبيل: آية الولاية، وإيتاء الزكاة أثناء الركوع، وهناك من الآيات ما يعرف الإمام علي(ع) بوصفه إماماً وولياً ومولى وهادياً في دلالة واضحة وصريحة يتفق في فهمها جميع الصحابة أو أغلبهم في الحد الأدنى.

إذن ليس هناك أي مشكلة أو سوء فهم فيما يتعلق بأصل تطبيق آيات الولاية وأهل البيت وأولى الأمر والهادي والمولى على الإمام علي(ع) حتى تكون هناك حاجة إلى التصريح باسم علي في القرآن بشكل خاص. فمثلاً لو كان لدى والد كثير من الأولاد وكان هناك واحد من أولاده حافظاً للقرآن فقط، وقال الأب عند احتضاره إن وصيي من بين جميع أولادي هو الحافظ للقرآن منهم، وحيث أن الجميع يعرفون من هو الحافظ للقرآن من بينهم؛ لأنه واحد لا غير، لا يشعرون بوجود حاجة أو ضرورة لتسميته، ولا يرد إشكال حقوقي على الأب من هذه الناحية. وخاصة إذا كان الأب قد اهتم شخصياً بمسألة حفظ هذا الابن للقرآن أو كونه وصياً. وعليه الشيء نفسه ينطبق على ما نحن فيه من خلافة الإمام علي(ع) وإمامته وزيادة.

تحويل الشبهة إلى شبهة أخرى

قد يشكك شخص أو يشتبه لا في تطبيق هذه الآيات والصفات على الإمام علي(ع)، وإنما في تفسير هذه المفاهيم والمعاني. كأن يقول: صحيح أن القرآن قد وصف الإمام علي(ع) بأنه «ولي المؤمنين» وأنه «من أهل البيت» أو «الهادي» إلا أن الكلام في معنى «الولي»، فهل هو الإمام والحاكم والخليفة أو مجرد المحب والناصر؟ وفي هذه الصورة يجب القول: إذن لا يعود أصل الشبهة إلى عدم ذكر اسم علي(ع) في القرآن؛ إذ حتى لو فرضنا أن القرآن ذكر اسم الإمام علي صراحة بأن قال: «إنما وليكم علي ابن أبي طالب» سيرد السؤال أيضاً عن معنى الولي في هذه العبارة. وعليه فإن الشبهة تعود إلى تفسير معنى صفات الإمام علي(ع) الواردة في القرآن، وليس في انطباقها عليه. وبعبارة أخرى: إن الشبهة تتحول من موضوعها (عدم ذكر اسم الإمام علي في القرآن) إلى شبهة أخرى مفادها: (إجمال صفات الإمام علي(ع) وإبهامها)، وهذه شبهة أخرى.

وفي حل هذه الشبهة سوف نثبت من خلال القرائن والشواهد المختلفة في الآيات وكذلك التمسك بالروايات النبوية أن أصل دلالة صفات الإمام علي(ع) على مسألة الحكم والإمامة واضحة وصريحة.

ذكر اسم الإمام علي(ع) في الروايات النبوية

إذا كان المراد من ذكر الاسم الخاص للإمام علي(ع) هو التعرف على إمامته في الإسلام ومن قبل الله سبحانه وتعالى، وجب القول: إن هذه الغاية غاية عقلانية ودينية، إلا أن تحصيلها لا ينحصر بذكر الاسم الخاص للإمام علي(ع) في القرآن الكريم فقط، بل هناك قنوات أخرى يمكن لها أن تفي بالغرض، ومن بينها الروايات المأثورة عن النبي الأكرم(ص) بوصفه حامل الوحي ومفسر القرآن. وفي الصفحات القادمة سوف نشير إلى مجموعة من الروايات النبوية المتعددة والمتواترة التي يسعى النبي من خلالها - وبمختلف الأساليب والطرق - إلى التعريف بالإمام علي(ع) بوصفه خليفة له من بعده وعليه فإن الغاية المتمثلة بمعرفة خليفة النبي(ص) متحققة بالرجوع إلى الروايات النبوية، ومعها لا حاجة إلى ذكر اسم الإمام علي(ع) في القرآن الكريم.

وإذا قال شخص إنه لا يؤمن بالنبي الأكرم(ص) - والعياذ بالله - وأصر على ضرورة أن يذكر اسم الإمام علي في القرآن حصرياً، وجب القول:

  1. إن الذي لا يؤمن بمن أنزل عليه القرآن، كيف يمكنه تحصيل العلم بأن ما جاء به إنما نزل عليه من السماء.
  2. وثانياً: إن مثل هذا الشخص لا يمكن أن يكون مسلماً، ولحسن الحظ فإننا لم نعثر على مثل هذا القائل.

تفويض الأمور الدينية إلى النبي الأكرم(ص)

إن القرآن الكريم هو الذي فوض إلى النبي الأكرم(ص) مهمة تفسير الأمور والتعاليم الدينية الضرورية وبيانها، إذ يقول تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ[٤٨].﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ[٤٩].

لقد ترك الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات أمر بيان الذكر - أي القرآن الكريم - وتعليمه إلى النبي الأكرم(ص). من هنا فإن الأحكام التشريعية للنبي التي لم يرد ذكرها في القرآن الكريم. من قبيل: عدد ركعات الصلاة اليومية، والطواف حول البيت في الحج سبعا عند الفريقين، تعد حجة إلهية. وعلى هذا الأساس حيث أن النبي الأكرم(ص) طبقاً للآيات المتقدمة والروايات النبوية قد نسب أمر تعيين إمامة الإمام علي(ع) إلى الله سبحانه وتعالى، تعدّ إمامته مسألة سماوية وإلهية، وتكون حجة شرعية على جميع المسلمين.

في رواية مأثورة عن الإمام الباقر(ع) يقول فيها: « قُولُوا لَهُمْ: إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عَلَى رَسُولِهِ الصَّلَاةِ وَلَمْ يُسَمِّ ثَلَاثاً أَوْ أَرْبَعاً، حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ هُوَ الَّذِي يُفَسِّرَ ذَلِكَ، وَأَنْزَلَ الْحَجِّ فَلَمْ يُنْزِلْ طُوفُوا سَبْعاً حتی فَسَّرَ ذَلِكَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ...»[٥٠].

بعبارة أخرى لمّا كان القرآن الكريم كتاب محدود، والأمور الجزئية والتفصيلية غير متناهية، واضح أن الكتاب المحدود يجب أن يقتصر على بيان الأمور الكلية والعامة، فإن القرآن قد ترك بيان الأمور الجزئية ومن بينها تسمية من يتولى الإمامة بعد النبي إلى رسوله الكريم[٥١].

بعبارى أخرى: إن الأمور الجزئية غير محدودة وتشمل أهم المسائل الدينية من قبيل: البحث عن وجود الله، وما إذا كان جسماً أم لا؟ وصفات الله وما إذا كانت متحدة مع الذات أم لا؟ ففي هذه المسائل التي تعد من الأركان الأساسية في العقيدة لم يدخل القرآن في بيان الأمور الجزئية، فكانت مورد اختلاف بين المتكلمين والمفسّرين، ولو كان لابد من خوض القرآن في الجزئيات لكان عليه بيان هذه الأمور الخلافية أيضاً، وفي هذه الصورة كنا سنواجه عشرات بل مئات المجلدات من المصاحف السماوية والقرآنية.

المنع من تحريف القرآن

إن من بين التبريرات المطروحة لتفسير عدم ذكر اسم الإمام علي(ع) في القرآن الكريم[٥٢]، هي أن الإمام علي(ع) كان له كثير من المخالفين والأعداء الألداء والحاسدين الذين لا يتورعون عن ارتكاب أي موبقة من أجل طمس حقه واغتصاب الخلافة منه، وقد سبق أن أشرنا إلى أن الخليفة الثاني لم يتورع حتى عن نسبة الجنون والهجر إلى رسول الله(ص) - والعياذ بالله - عندما طلب منهم قرطاساً وقلماً ليكتب لهم كتاباً يضمن لهم الأمان من الضلال والانحراف؛ لمجرد أنه أحس أن النبي يريد أن يسمي علياً في وصيته.

ومع هذا الاحتمال وسيادة المناخ المتشنج في صدر الإسلام لو ذكر اسم صلى الإمام علي(ع) في القرآن، لتعرض النبي الأكرم(ص) المثل الاتهام والإساءة التي تعرض لها في آخر لحظات حياته الشريفة، أو لتم السعي من قبل بعضهم إلى حذف الآية المتضمنة لذكر الاسم، وهذا سيؤدي بدوره إلى تحريف القرآن الكريم. وعليه لأجل الحفاظ على القرآن الكريم من التحريف لم يذكر الله اسم الإمام علي(ع) واكتفى بذكر الصفات التي لا تنطبق على غيره، كما اكتفى بالروايات النبوية ليجمع بذلك بين أصل الغاية والغرض من تعريف وتنصيب الإمام علي(ع) خليفة وإماماً على المسلمين، والمحافظة على القرآن الكريم من التحريف.

الوقاية من الآفات السياسية والأمنية

المسألة الأخرى التی خطرت في ذهني هي أن الله سبحانه وتعالى قد تعمد عدم ذكر اسم الإمام(ع) بوصفه خليفة وإماماً وحاكماً بعد رحيل النبي الأكرم(ص)، وذلك لا على لكي يقوم الله من هذا الطريق بتمييز المؤمن الحقيقى من غيره وفصل الغث عن السمين، وإنما لأن الله يعلم بعلمه الأزلي أن بحث الحكومة والسياسة ساحة للنقاش والمنافسات، بل حتى الحروب السياسية الدامية. وعليه لو ذكر اسم الإمام علي(ع) بوصفه خليفة وإماماً بعد رسول الله(ص) في القرآن والوحي بشكل خاص وبوصفه أصلاً وركناً من أركان الإسلام، سوف يكون هناك اصطفاف بين جماعة تتذرّع بالدفاع عن الأصل القرآني وجماعة بمختلف الذرائع الأخرى من قبيل تفسير منزلة الإمامة، والخلافة، أو الاستيلاء على هرم الحكم والسلطة، ويحتدم النزاع بين الطرفين، ولا يخفى على أحد ما في ذلك من الخطر على شجرة الإسلام الفتية، بل قد يشكل ذلك تهديداً لأصل بقاء الإسلام. وقد تقدم أن ذكرنا في بداية الفصل السابق في بحث شبهة التكفير بعض مشاهد اتهام المتعصبين من أهل السنة للشيعة والعكس أيضاً بالكفر والخروج عن الإسلام والعمل على اغتيال وقتل بعضهم بعضاً، وقد رصد التاريخ المئات بل الآلاف من هذه المشاهد. في حين أن الإسلام والقرآن لا يتضمن أي بيان واختلاف لمن يخالف الإمام علي(ع) صراحة. فلو افترضنا وجود مثل هذا النص في القرآن فإن نسبة الصراع ستكون أكبر، ولأخذت وتيرة القتل والتكفير منحى تصاعدياً، وسوف يشكل هذا الأمر أكبر تهديد للإسلام والمسلمين ولمّا كان الهدف من الإمامة هو تعزيز الإسلام والقيادة، فإن ذكر اسم الإمام في القرآن سيكون نقضاً لهذا الغرض[٥٣].

أخذ مصلحة المسلمين بنظر الاعتبار

المسألة الأخرى التي تبدو لنا هي أنه لو ذكر اسم الإمام علي(ع) في القرآن الكريم بوصفه أصلاً أو مفردة دينية على غرار المفردات والتعاليم الدينية الأخرى، من قبيل: النبوة والمعاد، أو الأحكام الفقهية، مثل: الصلاة والصوم، لكان إنكاره أو الشك فيه بمنزلة إنكار الله والنبي الأكرم(ص)، ولكان ذلك مساوقاً للكفر والإلحاد والارتداد، ولازم ذلك هو الخروج عن ربقة الإسلام والانحراف عن الصراط المستقيم. وعليه لو ذكر اسم الإمام علي(ع) في القرآن الكريم لتوسل المخالفون للإمام علي بمختلف أنواع السبل والحيل لإنكار وتكذيب هذا الأصل، ولعملوا على استقطاب كثير من الناس نحو أهدافهم، وهو أمر يؤدي إلى خروج الكثير من الناس عن الإسلام، ولا يخفى ما في ذلك من مخالفة للغاية والحكمة والرحمة الإلهية.

من هنا يذهب علماء الشيعة إلى اعتبار الإمامة أصلاً من أصول المذهب، ولا يرونها أصلاً من أصول الدين، ولذلك لا يرون إخوتهم السنة بإنكارهم لأصل إمامة الإمام علي(ع) خارجين من الدين، وإنما خارجين من مذهب التشيع فقط[٥٤].

وأما لو ذكر اسم الإمام علي(ع) في القرآن الكريم بوصفه إماماً وخليفة مباشراً، لما بقي هناك من مجال لهذه الرؤية والقراءة للإمامة؛ لأن منكر إمامة الإمام علي في مثل هذه الحالة سيكون مثل الذي ينكر أصل النبوة أو الصلاة، وسوف تجري عليه أحكام المرتد.

وعليه فإن الله إنما تعمد عدم ذكر اسم الإمام علي(ع) في القرآن الكريم باللحاظ السابق من باب اللطف وأخذ مصلحة المسلمين بنظر الاعتبار.[٥٥]

شبهة عدم وجود التنصيب في الروايات النبوية

إن من بين الشبهات المعروفة والهامة لمخالفي الإمامة وتعيين الإمام بالتنصيب دعوى فقدان وعدم وجود النص على إمامة الإمام علي اللا في الروايات النبوية. فهؤلاء يدعون أنه لو كان هناك تنصيب من قبل النبي الأكرم(ص) لوصل إلينا[٥٦].

نقد ورأي

لقد سبق لعلماء الشيعة منذ مرحلة الإمامة أن ألفوا كتباً تفصيلية في إثبات تنصيب الإمام علي(ع) وإثبات إمامته وإمامة سائر الأئمة الأطهار(ع)، وقد سجل ذلك في المصادر المعتبرة. وفيما يأتي نشير - على سبيل المثال - إلى المؤلفات المفردة لأصحاب من أمثال: عيسى بن روضة، و ابن رئاب، و الخليل بن أحمد الفراهيدى، و مؤمن الطاق، و هشام بن الحكم[٥٧].

وحيث يوجد كثير من المصادر في هذا الشأن فإننا سنكتفي بنقل الأدلة النقلية المثبتة لنظرية أصل التنصيب لدى الشيعة باختصار:

أحاديث الخلافة

لقد كان النبي الأكرم(ص) في بداية رسالته يمارس الدعوة السرية إلى الإيمان بالله الواحد القهار، واستمر الأمر على سريته مدة ثلاث سنوات مكتفياً بدعوة أهله والأقربين من أفراد عشيرته. وفي الرواية الواردة في كتب الفريقين من الشيعة والسنة عن الإمام علي(ع): «لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ اَلْآيَةُ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ[٥٨] دَعَانِي رَسُولُ اَللهِ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَقَالَ يَا عَلِيُّ إِنَّ اَللهَ أَمَرَنِي أَنْ أُنْذِرَ عَشِيرَتِيَ اَلْأَقْرَبِينَ فَضِقْتُ بِذَلِكَ ذَرْعاً وَ عَرَفْتُ أَنِّي مَتَى أُبَادِئُهُمْ بِهَذَا اَلْأَمْرِ أَرَى مِنْهُمْ مَا أَكْرَهُ فَصَمَتُّ حَتَّى جَاءَنِي جَبْرَئِيلُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ إِنْ لاَ تَفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ بِهِ يُعَذِّبْكَ رَبُّكَ فَاصْنَعْ لَنَا صَاعاً مِنْ طَعَامٍ وَ اِجْعَلْ عَلَيْهِ رِجْلَ شَاةٍ وَ اِمْلَأْ لَنَا عُسّاً مِنْ لَبَنٍ وَ اِجْمَعْ لِي بَنِي عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ حَتَّى أُعْلِمَهُمْ وَ أُبَلِّغَهُمْ مَا أُمِرْتُ بِهِ فَفَعَلْتُ مَا أَمَرَنِي بِهِ ثُمَّ دَعَوْتُهُمْ لَهُ وَ هُمْ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعُونَ رَجُلاً يَزِيدُونَ أَوْ يَنْقُصُونَ فِيهِمْ أَعْمَامُهُ أَبُو طَالِبٍ وَ حَمْزَةُ وَ اَلْعَبَّاسُ وَ أَبُو لَهَبٍ فَلَمَّا اِجْتَمَعُوا إِلَيْهِ دَعَا بِالطَّعَامِ اَلَّذِي صَنَعْتُ لَهُمْ فَجِئْنَا بِهِ فَلَمَّا وَضَعْتُهُ تَنَاوَلَ رَسُولُ اَللهِ جَذْرَةَ لَحْمٍ فَشَقَّهَا بِأَسْنَانِهِ ثُمَّ أَلْقَاهَا فِي نَوَاحِي اَلصَّحْفَةِ ثُمَّ قَالَ خُذُوا بِسْمِ اَللهِ فَأَكَلَ اَلْقَوْمُ حَتَّى مَا لَهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ حَاجَةٍ وَ لاَ أَرَى إِلاَّ مَوَاضِعَ أَيْدِيهِمْ وَ اَيْمُ اَلَّذِي نَفْسُ عَلِيٍّ بِيَدِهِ إِنْ كَانَ اَلرَّجُلُ اَلْوَاحِدُ مِنْهُمْ لَيَأْكُلُ مِثْلَ مَا قَدَّمْتُ لِجَمِيعِهِمْ ثُمَّ قَالَ اِسْقِ اَلْقَوْمَ فَجِئْتُهُمْ بِذَلِكَ اَلْعُسِّ فَشَرِبُوا مِنْهُ حَتَّى رَوُوا جَمِيعاً وَ اَيْمُ اَللهِ إِنْ كَانَ اَلرَّجُلُ اَلْوَاحِدُ مِنْهُمْ يَشْرَبُ مِثْلَهُ فَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اَللهِ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ أَنْ يُكَلِّمَهُمْ بَدَرَهُمْ أَبُو لَهَبٍ إِلَى اَلْكَلاَمِ فَقَالَ لَهَدَّ مَا سَحَرَكُمْ صَاحِبُكُمْ فَتَفَرَّقَ اَلْقَوْمُ وَ لَمْ يُكَلِّمْهُمُ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَقَالَ اَلْغَدَ يَا عَلِيُّ إِنَّ هَذَا اَلرَّجُلَ قَدْ سَبَقَنِي إِلَى مَا سَمِعْتَ فَتَفَرَّقَ اَلْقَوْمُ قَبْلَ أَنْ أُكَلِّمَهُمْ فَأَعِدَّ لَنَا مِنَ اَلطَّعَامِ مِثْلَ مَا صَنَعْتَ ثُمَّ اِجْمَعْهُمْ لِي فَفَعَلْتُ ثُمَّ جَمَعْتُهُمْ لَهُ ثُمَّ دَعَا بِالطَّعَامِ فَقَرَّبْتُهُ لَهُمْ فَفَعَلَ كَمَا فَعَلَ بِالْأَمْسِ وَ أَكَلُوا حَتَّى مَا لَهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ حَاجَةٍ ثُمَّ قَالَ اِسْقِهِمْ فَأَتَيْتُهُمْ بِذَلِكَ اَلْعُسِّ فَشَرِبُوا حَتَّى رَوُوا مِنْهُ جَمِيعاً ثُمَّ تَكَلَّمَ رَسُولُ اَللهِ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَقَالَ يَا بَنِي عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ إِنِّي وَ اَللهِ مَا أَعْلَمُ شَابّاً فِي اَلْعَرَبِ جَاءَ قَوْمَهُ بِأَفْضَلَ مِمَّا جِئْتُكُمْ بِهِ إِنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِخَيْرِ اَلدُّنْيَا وَ اَلْآخِرَةِ وَ قَدْ أَمَرَنِيَ اَللهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَنْ أَدْعُوَكُمْ فَأَيُّكُمْ يُؤَازِرُنِي عَلَى أَمْرِي عَلَى أَنْ يَكُونَ أَخِي وَ وَصِيِّي وَ خَلِيفَتِي فِيكُمْ فَأَحْجَمَ اَلْقَوْمُ عَنْهَا جَمِيعاً قَالَ قُلْتُ وَ إِنِّي لَأَحْدَثُهُمْ سِنّاً وَ أَرْمَضُهُمْ عَيْناً وَ أَعْظَمُهُمْ بَطْناً وَ أَحْمَشُهُمْ سَاقاً قُلْتُ أَنَا يَا نَبِيَّ اَللهِ أَكُونُ وَزِيرَكَ عَلَيْهِ فَأَخَذَ بِرَقَبَتِي ثُمَّ قَالَ هَذَا أَخِي وَ وَصِيِّي وَ خَلِيفَتِي فِيكُمْ فَاسْمَعُوا لَهُ وَ أَطِيعُوا فَقَامَ اَلْقَوْمُ يَضْحَكُونَ وَ يَقُولُونَ لِأَبِي طَالِبٍ قَدْ أَمَرَكَ أَنْ تَسْمَعَ لِعَلِيٍّ وَ تُطِيعَ»[٥٩]

لا كلام في سند هذا الحديث، فجميع رواته ثقاة طبقاً لمذهب أهل السنة، باستثناء أبي مريم عبد الغفار حيث ضعفه بعض أهل السنة، أما الآخرون من أهل السنة فقد مدحوه[٦٠].

كما أن دلالة نص الحديث ومتنه واضحة أيضاً، وفيما يأتي نشير إلى بعض المسائل في هذا الشأن:

  1. لقد تحدّث النبي الأكرم في هذه الرواية بشكل مطلق عن الخلافة في أمر نبوته، وهي تشمل الخلافة في الحقل السياسي والعلمي والديني.
  2. الدليل الآخر على وضوح وصراحة دلالة الحديث ما قام به بعض المؤرخين من أهل السنة من التحريف والحذف في مضامينه. فهذا الطبري مثلاً رغم روايته لواقعة الغدير في تاريخه لجأ في تفسيرها وبيانها إلى التقطيع، حيث حذف عبارة «وصيي وخليفتي» الواردة بعد كلمة «أخي» عبارة «وكذا وكذا»[٦١]. وقام ابن كثير في كتابه التاريخى المعروف باسم (البداية والنهاية) رغم أنه يذكر عين عبارة تاريخ الطبري، إلا أنه في تقرير حديث الدعوة يعمد إلى اقتباسها من تفسير الطبري، ويقوم للأسف الشديد بحذف الكلام الناظر إلى إمامة الإمام علي(ع). كما قام محمد حسين هيكل في كتابه «حياة محمد» بذكر جملة سؤال النبي الأكرم(ص)، ولكنه حذف كلام النبي في التعريف بالإمام علي. ثم عمد ناشر الكتاب في الطبعات اللاحقة إلى حذف كل ما يشير إلى فضيلة من فضائل الإمام علي بالكامل.
  3. القرينة الأخرى تكمن في فهم المخاطبين والحاضرين حيث استفادوا من كلام النبي الأكرم(ص) الخلافة والإمرة والولاية، كما يلوح ذلك من رفضهم وسخريتهم واستهزائهم بأبي طالب وقولهم له: «قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع».
التصريح بخلافة الإمام علي(ع)

لقد عمد النبي الأكرم(ص) طوال حياته المباركة إلى التصريح مراراً بخلافة الإمام علي(ع)، وفيما يأتي نشير إلى بعض هذه الموارد: عن عبد الله بن مسعود قال: «استتبعني رسول الله(ص) ليلة الجن فانطلقت معه حتى بلغنا أعلى مكة فخط علي خطة وقال: لا تبرح ثم انصاع في أجبال فرأيت الرجال ينحدرون عليه من رؤوس الجبال حتى حالوا بيني وبينه فاخترطت السيف وقلت لأضر بن حتى استنقذ رسول الله(ص) ثم ذكرت قوله: لا تبرح آتيك قال: فلم أزل كذلك حتى أمنا الفجر فجاء النبي(ص) وأنا قائم فقال كما زلت على حالك؟ قلت: لو لبثت شهراً ما برحت حتى تأتيني ثم أخبرته بما أردت أن أصنع فقال: لو خرجت ما التقيت أنا ولا أنت إلى يوم القيامة ثم شبك أصابعه في أصابعي فقال: إني وعدت أن يؤمن بي الجن والإنس، فأما الإنس فقد آمنت بي وأما الجن فقد رأيت قال وما أظن أجلي إلا قد اقترب قلت: يارسول الله ألا تستخلف أبا بكر؟ فأعرض عني فرأيت أنه لم يوافقه، قلت: يا رسول الله ألا تستخلف عمر؟ فأعرض عنى فرأيت أنه لم يوافقه، قلت: يا رسول الله ألا تستخلف علي؟ قال: ذاك والذي لا إله غيره لو بايعتموه وأطعتموه أدخلكم الجنة أكتعين»[٦٢].

وقال النبي الأكرم(ص): «لَمَّا أُسْرِيَ بِي إِلَى اَلسَّمَاءِ ثُمَّ مِنَ اَلسَّمَاءِ إِلَى سِدْرَةِ اَلْمُنْتَهَى وَقَفْتُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّي عَزَّ وَ جَلَّ فَقَالَ لِي يَا مُحَمَّدُ قُلْتُ لَبَّيْكَ وَ سَعْدَيْكَ فَقَالَ قَدْ بَلَوْتُ خَلْقِي فَأَيَّهُمْ وَجَدْتَ أَطْوَعَ لَكَ قَالَ قُلْتُ رَبِّ عَلِيّاً قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَهَلِ اِتَّخَذْتَ لِنَفْسِكَ خَلِيفَةً يُؤَدِّي عَنْكَ وَ يُعَلِّمُ عِبَادِي مِنْ كِتَابِي مَا لاَ يَعْلَمُونَ قَالَ قُلْتُ اِخْتَرْ لِي فَإِنَّ خِيَرَتَكَ خِيَرَتِي قَالَ قَدِ اِخْتَرْتُ لَكَ عَلِيّاً فَاتَّخِذْهُ لِنَفْسِكَ خَلِيفَةً وَ وَصِيّاً»[٦٣].

وروى ابن عباس أنه رأى النبي الأكرم(ص) ممسكاً بيد علي(ع) وهو يقول: «هُوَ فَارُوقُ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ، يُفَرِّقُ بَيْنَ اَلْحَقِّ وَ اَلْبَاطِلِ، وَ هُوَ يَعْسُوبُ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمَالُ يَعْسُوبُ اَلظَّلَمَةِ، وَ هُوَ بَابِيَ اَلَّذِي أُوتَى مِنْهُ، وَ هُوَ خَلِيفَتِي مِنْ بَعْدِي»[٦٤].

كما يصرّح الحديث الآتي بمسألة الإمامة والخلافة للإمام علي(ع): «يَا عَلِيُّ أَنْتَ اَلْإِمَامُ وَ اَلْخَلِيفَةُ بَعْدِي وَ أَنْتَ ﴿أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ[٦٥]»[٦٦].

حديث خاصف النعل:

ومن بين الروايات الدالة صراحة على خلافة الإمام علي(ع) الحكم، حديث أم سلمة الذي تقول فيه لعائشة ضمن حديث طويل: «أُذَكِّرُكِ أَيْضاً كُنْتُ أَنَا وَ أَنْتِ مَعَ رَسُولِ اَللهِ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فِي سَفَرٍ لَهُ وَ كَانَ عَلِيٌّ يَتَعَاهَدُ نَعْلَيْ رَسُولِ اَللهِ فَيَخْصِفُهُمَا وَ يَتَعَاهَدُ أَثْوَابَهُ فَيَغْسِلُهَا فَنَقِبَتْ لَهُ نَعْلٌ فَأَخَذَهَا يَوْمَئِذٍ يَخْصِفُهَا فِي ظِلِّ سَمُرَةٍ وَ جَاءَ أَبُوكِ وَ مَعَهُ عُمَرُ فَاسْتَأْذَنَا عَلَيْهِ فَقُمْنَا إِلَى اَلْحِجَابِ وَ دَخَلاَ فَحَادَثَاهُ فِيمَا أَرَادَا ثُمَّ قَالاَ يَا رَسُولَ اَللهِ إِنَّا لاَ نَدْرِي قَدْرَ مَا تَصْحَبُنَا فَلَوْ أَعْلَمْتَنَا مَنْ تَسْتَخْلِفُ عَلَيْنَا لِيَكُونَ لَنَا بَعْدَكَ مَفْزَعاً فَقَالَ لَهُمَا أَمَا إِنِّي قَدْ أَرَى مَكَانَهُ وَ لَوْ فَعَلْتُ لَتَفَرَّقْتُمْ عَنْهُ كَمَا تَفَرَّقَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَنْ هَارُونَ بْنِ عِمْرَانَ فَسَكَتَا ثُمَّ خَرَجَا فَلَمَّا خَرَجْنَا إِلَى رَسُولِ اَللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قُلْتِ لَهُ وَ كُنْتِ أَجْرَأَ عَلَيْهِ مِنَّا مَنْ كُنْتَ يَا رَسُولَ اَللهِ مُسْتَخْلِفاً عَلَيْهِمْ فَقَالَ خَاصِفَ اَلنَّعْلِ فَنَظَرْنَا فَلَمْ نَرَ أَحَداً إِلاَّ عَلِيّاً فَقُلْتُ [فَقُلْتِ] يَا رَسُولَ اَللهِ مَا أَرَى إِلاَّ عَلِيّاً فَقَالَ هُوَ ذَاكِ»[٦٧].

يتضح من هذا الحديث أن الخليفة الحقيقي للنبي الأكرم(ص) ليس شخصاً آخر غير علي(ع)، إلا أن النبي الأكرم(ص) قد لحظ مصلحة ما، فلم يصرح باسمه لأبي بكر وعمر، ولكنه صرّح به لزوجتيه أم سلمة وعائشة. ولكنه فيما بعد صرّح باسمه لجميع المسلمين في عددٍ من المواطن ومن أشهرها غدير خم.

أحاديث إمامة أمير المؤمنين واستيزاره

كان النبي الأكرم(ص) منذ البداية يسعى إلى التعريف بالإمام علي(ع) بوصفه حاكماً وأميراً للمؤمنين، وبذلك كان يعمل على تمهيد الطريق إلى إمامته في المستقبل، ومن هنا كان يوصي أصحابه بأنهم إذا أرادوا التسليم على أمير المؤمنين أن لا يسلموا عليه بسلام مجرّد من المحتوى، وإنما عليهم أن يضيفوا إلى سلامهم قيد «إمارة المؤمنين» أيضاً.

وفي هذا الشأن يروي صاحب تاريخ مدينة دمشق عن بريدة الأسلمي أنه قال: كنا سبعة فأمرنا رسول الله(ص) أن نسلم على علي بأمير المؤمنین[٦٨].

كما قام رسول الله في موضع آخر بتعريف الإمام علي(ع) بوصفه اماماً ونسب ذلك إلى جبرائيل(ع)، إذ يقول: «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا إِنْ تساءلتم عَلَيْهِ لَمْ تهلكوا، إِنَّ وَلِيُّكُمُ اللهُ، وَ إِنْ إِمَامَكُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فناصحوه وَ صَدَّقُوهُ، فَإِنْ جِبْرِيلَ أَخْبَرَنِي بِذَلِكَ»[٦٩].

كما ورد هذا النوع من الأحاديث في المصادر الشيعية بكثرة[٧٠].

وفي بعض المواطن يذكر النبي الأكرم الإمام علي(ع) بوصفه وزيراً له وإماماً للمسلمين من بعده، وينسب ذلك إلى الله سبحانه وتعالى، ومن ذلك قوله: «يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّ اَللهَ أَمَرَنِي أَنْ أَنْصِبَ لَكُمْ إِمَاماً وَ وَصِيّاً يَكُونُ وَصِيَّ نَبِيِّكُمْ فِيكُمْ وَ خَلِيفَتِي فِي أُمَّتِي وَ فِي أَهْلِ بَيْتِي مِنْ بَعْدِي... يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنِّي قَدْ أَعْلَمْتُكُمْ مَفْزَعَكُمْ وَ إِمَامَكُمْ بَعْدِي وَ دَلِيلَكُمْ وَ هَادِيَكُمْ وَ هُوَ أَخِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ»[٧١].

لقد استعمل رسول الله(ص) في هذه الرواية عنوان «الخليفة» و«الإمام» و«الولي» و«الهادي» في وصف خليفته، وهي تدل بأجمعها على المرجعية العلمية والسياسية والمعنوية للإمام(ع).

وفي رواية أخرى يضيف رسول الله(ص) إلى الصفات الآنفة صفات أخرى من قبيل: أن أمر علي(ع) ونهيه هو أمر النبي(ص) ونهيه، وأنه حجة الله على الناس، وأنه أمين الله على سره، إذ يقول: «يَا عَلِيُّ مَنْ قَتَلَكَ فَقَدْ قَتَلَنِي وَ مَنْ أَبْغَضَكَ فَقَدْ أَبْغَضَنِي وَ مَنْ سَبَّكَ فَقَدْ سَبَّنِي لِأَنَّكَ مِنِّي كَنَفْسِي رُوحُكَ مِنْ رُوحِي وَ طِينَتُكَ مِنْ طِينَتِي إِنَّ اَللهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى خَلَقَنِي وَ إِيَّاكَ وَ اِصْطَفَانِي وَ إِيَّاكَ وَ اِخْتَارَنِي لِلنُّبُوَّةِ وَ اِخْتَارَكَ لِلْإِمَامَةِ فَمَنْ أَنْكَرَ إِمَامَتَكَ فَقَدْ أَنْكَرَ نُبُوَّتِي يَا عَلِيُّ أَنْتَ وَصِيِّي وَ أَبُو وُلْدِي وَ زَوْجُ اِبْنَتِي وَ خَلِيفَتِي عَلَى أُمَّتِي فِي حَيَاتِي وَ بَعْدَ مَوْتِي أَمْرُكَ أَمْرِي وَ نَهْيُكَ نَهْيِي أُقْسِمُ بِالَّذِي بَعَثَنِي بِالنُّبُوَّةِ وَ جَعَلَنِي خَيْرَ اَلْبَرِيَّةِ إِنَّكَ لَحُجَّةُ اَللهِ عَلَى خَلْقِهِ وَ أَمِينُهُ عَلَى سِرِّهِ وَ خَلِيفَتُهُ عَلَى عِبَادِهِ»[٧٢].

وفي رواية أخرى يضيف النبي الأكرم(ص) صفة «أمير المؤمنين» إلى الإمام علي، وهو عنوان ناظر إلى مسألة الحكم وإدارة الدولة، وذلك إذ يقول: «إِمَامُ اَلْمُسْلِمِينَ وَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ مَوْلاَهُمْ بَعْدِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ»[٧٣].

حديث الغدير

إن أشهر حديث في هذا الموضوع هو حديث الغدير، الذي صدر عن رسول الله عند عودته من حجة الوداع في موضع يقال له غدير خم، عندما نزل عليه الوحي يأمر بتنصيب الإمام علي(ع) ولياً لجميع المسلمين، إذ يقول: «أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ أَوْلَى النَّاسِ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؟ قالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: إِنَّ اللَّهَ مَوْلَايَ، وَأَنَّا مَوْلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَّا أَوْلَى بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؛ فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيُّ مَوْلَاهُ».

يعدُّ هذا الحديث الشريف موضع اتفاق من قبل الشيعة وأهل السنة، بحيث رواه ١١٠ صحابياً، و٨٤ تابعياً[٧٤]. وعلى الرغم من أن بعضهم حاول التشكيك في دلالة الحديث على إمامة الإمام علي(ع) وحكمه من خلال حذف صدر الحديث وعبارة «مَنْ أَوْلَى النَّاسِ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ»؟، ولكن مصادر أهل السنة الأخرى ذكرت صدر الحديث[٧٥].

إلا أن البحث يدور حول مفهوم الحديث ودلالته، حيث ذهب أكثر علماء أهل السنة إلى تفسير «المولى» بالمحب، وهكذا فإنهم لا يرون فيه دلالة على إمامة الإمام علي(ع).

الأدلة والشواهد على دلالة المولى على الأولى:

فيما يتعلق بتفسير كلمة «المولى» يجب القول: إن هذه الكلمة وإن كانت ذات معاني كثيرة ومختلفة، إلا أننا إذا أخذنا القرائن الآتية بنظر الاعتبار فسوف ندرك أنها في هذا الحديث تعنى الإمامة والحكومة حصراً:

  1. مفردة «الأولى»: لقد عمد النبي الأكرم(ص) نفسه قبل وصف الإمام علي(ع) بالمولى، إلى تفسير المولى بقوله هو: «الأولى بالمؤمنين من أنفسهم»[٧٦]. وإن هذه الأولية لا تعني النصرة أو المحبة، بل تعني تقدّم المولّى وسلطته على المولّى عليه بحيث يكون المولى أحق بالمولى عليه من نفسه؛ وهو أمر يعنى أن مولوية الإمام علي(ع) تعني أنه أولى من المؤمنين في كل شيء، بل هو أولى بهم حتى فيما يتعلق بأنفسهم.
  2. خشية النبي من إبلاغ الأمر: طبقاً لروايات الفريقين فإن النبي الأكرم(ص) كان قد أمره الوحي الإلهي بإبلاغ أمر استدعى خوفه وخشيته من إبلاغه، ولما أبطأ في إبلاغه لذلك، أنزل الله عليه قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ[٧٧]. وهكذا أكد له الوحي أنه سيكون في مأمن من إساءة المخالفين، وأن عدم إبلاغه ذلك الأمر الخاص مهما كانت الأسباب يساوق عدم إبلاغ الرسالة الإلهية برمتها، وقد أجمع العلماء من الفريقين أن هذه الآية نزلت في سياق غدير خم[٧٨]. واضح أنه لو كان مراد الآية من إبلاغ الرسالة الإلهية مجرد إضمار المحبة للإمام علي(ع) أو اعتباره مجرد ناصر، لا يستدعي خوف النبي الأكرم(ص) ولن يكون عدم إبلاغ مثل هذا الأمر مساوقاً لعدم إبلاغ الرسالة الإسلامية أصلاً؛ إذن لابد من أن يكون المراد أمراً أكبر من مجرد محبّة الإمام علي(ع)، ويجب أن يكون ذلك الأمر هو إمامته، ومن الطبيعي أن يكون هناك خوف من هذه الناحية؛ إذ كان من الوارد أن يثقل هذا البلاغ على بعض المسلمين لمختلف السباب، من قبيل الأسباب القبلية والثأرية، واعتبار الإمام علي صغير السن، وأنه قد قتل بعض المقربين من هؤلاء المسلمين في صدر الإسلام. ومن شأن هذه الأسباب أن تزعزع وحدة المسلمين وتلاحمهم.
  3. يأس الكفار وإكمال الدين: القرينة الثالثة على تفسير «المولى» بالإمام، الآية التي نزلت بعد إبلاغ الرسول(ص) ما أنزل عليه من ربه، وهي قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً[٧٩]. طبقاً لرواية المفسرين من أهل السنة[٨٠] والشيعة كان نزول هذه الآية الشريفة بعد حادثة غدير خم، وتنصيب الإمام علي(ع) في مقام الولاية، حيث اعتبر الله هذا اليوم يوم يأس الكفار من القضاء على الدين الإسلامي، كما اعتبر هذا اليوم يوم إكمال الإسلام وإتمام النعمة ورضا الله باختيار الناس للإسلام بوصفه ديناً وشريعة للمسلمين. واضح أن الآية لم تكن بصدد نصح الناس بمجرد حبّ الإمام علي(ع)، إذ أولاً: إن هذا الأمر كان صادراً في مواطن سابقة بما فيه الكفاية. وثانياً: لا ملازمة بين الأمر بمحبة الإمام وبين إكمال الدين وإتمام النعمة ويأس الكفار، بل يتضح من نتيجة إبلاغ نداء الغدير (إكمال الدين وإتمام النعمة والرضا بالإسلام) أن وهو أمر تم إبلاغه في غدير خم كان أمراً في غاية الأهمية والخطورة ويلعب دوراً محورياً في مجمل حركة الإسلام، ولا يمكن أن يكون ذلك مجرد الأمر بمحبة الإمام علي، بل هو القول بإمامته ومرجعيته العلمية والدينية وممارسة الحكم والسلطة على جميع المسلمين.
  4. مبادرة وجوه القوم إلى تهنئة الإمام علي(ع): القرينة الأخرى على ذلك ما قام به كبار الصحابة والشخصيات السياسية والاجتماعية بعد إبلاغ النبي الأكرم لذلك الأمر الإلهي الخاص بالتهنئة والتبريك للإمام علي(ع). فهاهو عمر بن الخطاب بعد فراغ النبي من خطبته يتقدم للإمام علي قائلاً: «هنيئاً يا ابن أبي طالب.. أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة»[٨١]. وفي بعض الروايات أضيفت عبارة «بخ بخ لمستهل عبارة عمر بن الخطاب، وهي تدل على المبالغة في الفخر والاعتزاز[٨٢]. فهل كان هناك من داع لكل هذه المبالغة من وجوه القوم في تهنئة الإمام علي(ع) إذا كان الأمر مجرد الأمر بالمحبة والنصرة؟! وهل كان مراد عمر من المولى في قوله: «هنيئاً يا ابن أبي طالب، أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة» مجرد المحبّة، أم أنها إشارة إلى مقام الإمامة والخلافة التى تم الإعلان عنها والمصادقة عليها من قبل النبي الأكرم(ص) في غدير خم؟
  5. ذهب بعض علماء أهل السنة، من أمثال: ابن الجوزى و الحافظ أبو الفرج يحيى الثقفي، إلى الاعتراف بأن «المولى» يعني الأولى بالتصرف[٨٣].
  6. عبارة «بعدي»: تشتمل بعض نصوص حديث الغدير في روايات أهل السنة على كلمة (بعدي»: «من كنت مولاه فإن علي بعدي مولاه مولاه»[٨٤].


  1. فهم الحضور والشعراء: القرينة الأخرى قرينة أدبية؛ حيث كان بإمكان الحاضرين في يوم الغدير أن يدركوا المعنى الحقيقي من كلام النبي الأكرم، وكان من بين الحاضرين الشاعر المعروف حسان بن ثابت، وقد طلب من النبي الأكرم(ص) بعد الفراغ من خطبته أن يقول شعراً في المناسبة؛ فأذن له النبي فقال قصيدة، نذكر منها البيتين الآتيين:
إلهك مولانا وأنت نبيناولم تلق منا في الولاية عاصيا
فقال له: قم يا علي فإننيرضيتك من بعدي إماماً وهادياً)[٨٥]


إن حسّان بن ثابت فى شعره هذا لا يعتبر الإمام علي(ع) بوصفه شخصاً يستحق الحب فقط، بل يصفه بأنه إمام وهاد، وقد قرأ شعره هذه بحضور النبي الأكرم وجميع الصحابة، من دون أن يصدر عنهم أي اعتراض على مضمون شعره[٨٦].

ومن القرائن الأخرى التي تعدُّ من أقوى القرائن وأكثرها اعتباراً فهم الإمام علي(ع) نفسه وتفسيره، حيث فسر حديث الغدير بأنه ناظر إلى إمامته وحكومته، وكان يتمسك بعد رحيل النبي الأكرم(ص) بهذا الحديث للاستدلال على أحقيته بالخلافة والحكم، ولم ينكر الخصوم عليه دلالة هذا الحديث على الإمامة والخلافة. وسيأتي تفصيل الأحاديث والاحتجاجات التي احتج بها الإمام علي على أصل تنصيبه في الصفحات القادمة في معرض نقد الشبهة القائلة بعدم تمسك الإمام علي(ع) بأصل التنصيب.

واضح أن الأمر من قبل النبي بالولاية لعلي إذا كان بمعنى المحبة فإنه يكون بشكل مطلق، ولا معنى لتقييد هذه المحبة بأن تبقى معلقة إلى ما بعد رحيل النبي الأكرم(ص)، ولكن حيث أنه قيد الولاية بلفظ بعدي يتضح أن مراده هو الحكم والخلافة. وقد ذكر المحققون من أمثال العلامة الأميني قرائن وشواهد كثيرة على دلالة حديث الغدير على خلاف مدعى الشبهة، وعليه فإننا نحيل القارئ الكريم إلى موسوعة الغدير القيمة[٨٧].

أحاديث المنزلة

في واقعة تبوك قام النبي الأكرم(ص) بتعيين الإمام علي(ع) خليفة له على المدينة المنورة، وتوجّه هو إلى القتال بسائر المسلمين؛ فاغتنم المنافقون هذا الأمر لتشويه شخصية الإمام علي(ع) غامزين من قناة أن النبي لم يُشركه في جيشه. فسارع الإمام علي بعد سماع هذا الإرجاف إلى إيصال نفسه إلى جيش النبي وسأله الموافقة على انضمامه إلى الجيش وعدم إبقائه في المدينة، إلا أن النبي الأكرم كذب مقالة المنافقين، وأضاف قائلاً: «أَ مَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلاَّ أَنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي»[٨٨].

وبذلك يكون النبي الأكرم(ص) قد جعل الإمام علي(ع) منه بمنزلة هارون من موسى في كل الأمور ولم يستثن من ذلك إلا النبوة. وأما منزلة هارون من موسى فيبينها قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي[٨٩].

فإن هذه الآية تثبت لهارون صفة الوزارة لموسى(ع) وأنه الناصر والمؤازر له في تبليغ الرسالة السماوية، وهو ما فوّضه النبي الأكرم(ص) للإمام علي(ع) باستثناء النبوة.

وعليه فإنّ هذا الحديث من الناحية المفهومية يدلّ على إمامة الإمام علي بن أبي طالب(ع) وخلافته. كما أنه من الناحية السندية حظي بتأييد أكثر العلماء من أهل السنة، ولم يشكك فيه سوى الآمدي[٩٠]، وشكه بالمقارنة إلى الأغلبية الغالبة من أهل السنة لا يؤثر شيئاً.

وروي عن النبي الأكرم(ص) أنه قال للإمام علي(ع) في حديث آخر: «يَا عَلِيُّ أَنْتَ وَصِيِّي أَوْصَيْتُ إِلَيْكَ بِأَمْرِ رَبِّي، وَ أَنْتَ خَلِيفَتِي، اِسْتَخْلَفْتُكَ بِأَمْرِ رَبِّي، يَا عَلِيُّ أَنْتَ اَلَّذِي تُبَيِّنُ لِأُمَّتِي مَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ بَعْدِي، وَ تَقُومُ فِيهِمْ مَقَامِي، قَوْلُكَ قَوْلِي، وَ أَمْرُكَ أَمْرِي، وَ طَاعَتُكَ طَاعَتِي وَ طَاعَتِي طَاعَةُ اَللَّهِ، وَ مَعْصِيَتُكَ مَعْصِيَتِي، وَ مَعْصِيَتِي مَعْصِيَةُ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ»[٩١].

ففي هذا الحديث يبين النبي الأكرم(ص) أن لا فرق بينه وبين الإمام علي(ع) في حل المسائل الخلافية، ولزوم إطاعة الناس له وللإمام علي، ويصرح بأن شخصية الإمام علي(ع) القانونية مثل الشخصية القانونية والحقوقية لرسول الله(ص) في هذه الأمور، وبذلك تكون هذه الرواية خير جواب لأولئك الذين يرون خاتمية النبي خاتمية لجميع مسؤولياته ومهامه.

الأمر الآخر أن النبي الأكرم(ص) قد أكد على مفهوم حديث المنزلة مراراً وفي مختلف المواضع من قبيل مستهل الدعوة، ويوم المؤاخاة، ويوم إغلاق أبواب المسجد في المدينة المنوّرة، ويوم فتح خيبر، وفي واقعة تبوك[٩٢].

حديث الدواة والقلم (الوصية غير المكتوبة)

إن من بين الأدلة التى يمكن التمسك بها بوصفها دليلاً على تنصيب الإمام علي(ع) إماماً على المسلمين، الحديث المعروف بحديث الدواة والقلم. وذلك ببيان أن النبي الأكرم(ص) أراد في الأيام الأخيرة من حياته الشريفة أن ينصب الإمام علي خليفة له على المسلمين وأن يوثق ذلك في سند مكتوب، فطالب بإحضار دواة وقلم وقرطاس؛ حيث قال: «اِئْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَداً»[٩٣].

ولكن حيث أدرك بعضهم ما أراد النبي الأكرم(ص) كتابته، فقد أثار اللغط واتهم النبي باشتداد المرض عليه وأنه - والعياذ بالله - يهجر ولا يعي ما يقول، واختلف الحاضرون بين من قال بمقالة الرجل وبين من أصر على الاستجابة لطلب الرسول؛ فخاف النبي أن تتفرّق وحدة المسلمين، وبان على وجهه الغضب وأمرهم بالخروج من عنده وعدم التنازع في حضرته.

دراسة وتحليل

إن القرائن والشواهد الآتية تثبت أن النبي الأكرم(ص) كان يروم أن يثبت إمامة الإمام علي(ع) في وصية مكتوبة له:

١. يفهم من التعبير بـ «لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي» أن مراد النبي تعيين خليفة وإمام يقوم مقامه بعد رحيله. كما أن النبي الأكرم(ص) حيث صدرت منه عبارات مشابهة لهذه العبارة مراراً فيما يتعلق بالوصية لأهل بيته وعترته، من قبیل: حديث الثقلين، فقد أدرك المخاطبون - وخاصة أولئك الذين يمتلكون حاسة شم سياسية قوية - ما كان يرمي إليه الرسول؛ ولذلك سارع من فوره إلى الحيلولة دون كتابة الرسول لذلك الكتاب، فأثار تلك الضجة المفتعلة في حضرة النبي رغم ما به من العلة والمرض، بل ذهب إلى أبعد من ذلك عندما اتهم النبي - والعياذ بالله - بأنه يهذي ويهجر، وقد صرحت المصادر السنية والشيعية بأن من تجرأ على رسول الله بهذه الكلمات هو عمر بن الخطاب، حيث قيل: «فقال عمر: إن النبي قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله»[٩٤].

إن هذه المقالة لا تنطوي على جرأة من قبل عمر بن الخطاب في نسبة الهجر إلى النبي - والعياذ بالله - فحسب، وهو الذي يقول عنه تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى[٩٥]. بل ذهب إلى حد اعتبار نفسه فوق النبي الأكرم؛ إذ يقول: لا حاجة إلى وصية النبي، وإن القرآن يكفينا. وهنا نتساءل: ما هو تكليف المسلمين؟ هل عليهم اتباع أمثال عمر أم عليهم اتباع تعاليم رسول الله؟ نترك الإجابة عن هذا السؤال لأصحاب الضمائر الحية من بني البشر!

٢. لقد اعترف عمر بن الخطاب نفسه فيما بعد بأن النبي كان ينوي تنصيب الإمام علي خليفة من بعده فمنعته من ذلك، وذلك في حديث له ابن عباس قال فيه: «إن رسول الله(ص) أراد أن يذكره للأمر في مرضه فصددته عنه خوفاً خوفاً من الفتنة»[٩٦].

كما روى ابن أبي الحديد عن عمر بن الخطاب قوله: «يا ابن عباس وأراد رسول الله(ص) الأمر له فكان ماذا إذا لم يرد الله تعالى ذلك؟ إن رسول الله(ص) أراد أمرا وأراد الله غيره» [٩٧].

وبطبيعة الحال فإن عمر بن الخطاب عمد إلى تبرير موقفه في منع رسول الله من كتابة وصيته بالقول: «فصددته... خوفا منالفتنة». وفي هذاالتبرير يرى عمر بن الخطاب نفسه فوق النبي الأكرم(ص) - والعياذ بالله - إذ يتهمه بعدم لحاظ مصلحة الإسلام والأمة الإسلامية، أو أنه عاجز عن إدراكها، وأنه بحاجة إلى توجيه وهداية من عمر بن الخطاب! هل النبي الذي هو أشرف الكائنات وأعظم الأنبياء والمسدد بالوحي يعجز عن تشخيص مصلحة الدين والمجتمع، ولم يكن يمتلك من الإدراك والوعي ما يملكه عمر بن الخطاب؟! نترك الإجابة مرة أخرى عن هذا السؤال إلى أصحاب الضمائر الحية والحرة المنزهة عن العصبية.

٣. أضف إلى ذلك أن أبا بكر عندما كان على فراش الموت تنتابه الإغماءات بين الحين والآخر أوصى لعمر بن الخطاب فكان هو الذي يملي وعثمان يكتب، بل إن عثمان هو الذي أدرج اسم عمر بن الخطاب في لحظة إغماءة أبي بكر اعتماداً منه على حدسه في ذلك، تقول الوثيقة التاريخية: «أحضر أبو بكر عثمان وهو يجود بنفسه فأمره أن يكتب عهداً وقال: أكتب ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ[٩٨] هذا ما عهد عبد الله بن عثمان إلى المسلمين أما بعد - ثم أغمي عليه - وكتب عثمان قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، وأفاق أبو بكر...»[٩٩]! ومع ذلك لم يصدر من عمر ولا غيره معارضة، ولم يتهمه عمر بغلبة الوجع أو أثقل عليه المرض أو أنه يهجر!

فالحقيقة إذن هي أن أمثال عمر بن الخطاب كانوا يرون في تطبيق وصية النبي الأكرم(ص) ضرباً لمصالحهم، والدليل على ذلك منع النبي من كتابة وصيته مهما كلف الأمر، بل حتى إذا بلغ الأمر حدّ اتهام النبي في عقله واتزانه الذهنى والعياذ بالله. وهكذا كان مصير هذه الوصية التي تصب في مصلحة غريم عمر بن الخطاب وهو الإمام علي بن أبي طالب(ع) أن تخنق في مهدها، بل وحتى قبل أن تولد!

٤. القرينة الأخرى أن النبي الأكرم(ص) كان يعلم مسبقاً أن بعض الصحابة لا يطيق أن يتولى الإمام علي(ع) أعباء السلطة والإمامة، ولذلك أمر وهو على فراش المرض أن يُسيّر جيش بقيادة أسامة بن زيد وهو شاب لم يتجاوز الثمان عشرة سنة، رغم أنه لم تكن هناك حاجة ملحة إلى إنفاذ ذلك الجيش. وإنما أراد النبي من وراء ذلك إبعاد العناصر المؤثرة في المشهد السياسي والاجتماعي من أمثال أبي بكر و عمر بن الخطاب و أبو عبيدة بن الجراح و سعد بن أبي وقاص (وغيرهم من العناصر المؤثرة في حادثة السقيفة). إلا أن هذه الشخصيات امتنعت عن امتثال أمر النبي الأكرم(ص) بشتى الذرائع والحجج، رغم أن النبي لعن من يتخلف عن جيش أسامة[١٠٠]. واضح لو أن الصحابة قد امتثلوا لأمر النبي في الالتحاق بجيش أسامة، لتمت عملية انتقال السلطة إلى الإمام علي(ع) بعد رحيل النبي الأكرم(ص) بانسيابية. ولكن يبدو أن هؤلاء الأشخاص أدركوا بحاسة شمهم السياسية، المغزى الذي كان يرمي إليه النبي من وراء عقد اللواء لهذا الجيش وإلزامهم بالالتحاق به، وإبعادهم عن المشهد السياسي المقبل، وعندها لن يحصلوا على شيء من السلطة التي كانوا يمنون أنفسهم بها.

والمغزى الآخر الذي أراد النبي التلويح به للصحابة من خلال تأمير أسامة بن زيد - رغم صغر سنه - على كبار القوم بمن فيهم المخضرمين من قادة الجيوش، قطع الطريق عليهم إذا أرادوا الاعتراض على إمامة الإمام علي(ع) لجميع الأمة وهو في شرخ الشباب حيث كان في الرابعة والثلاثين من عمره الشريف. وبذلك يثبت لهم عملياً أن ملاك القيادة والإمامة هو الكفاءة الذاتية التي لا صلة لها بالأعمار وصغر السن أو كبره[١٠١].

أحاديث الحجة

ورد التعريف بالإمام علي(ع) في بعض الروايات النبوية بوصفه حجة الله، فقد روي أن النبي الأكرم(ص) أنه قال: «نَزَلَ عَلَيَّ جَبْرَئِيلُ صَبِيحَةَ يَوْمٍ فَرِحاً مُسْتَبْشِراً فَقُلْتُ حَبِيبِي مَا لَكَ فَرِحاً مُسْتَبْشِراً فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ وَ كَيْفَ لاَ أَكُونُ كَذَلِكَ وَ قَدْ قَرَّتْ عَيْنِي بِمَا أَكْرَمَ اَللَّهُ بِهِ أَخَاكَ وَ وَصِيَّكَ وَ إِمَامَ أُمَّتِكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ . فَقُلْتُ وَ لِمَ أَكْرَمَ اَللَّهُ أَخِي وَ إِمَامَ أُمَّتِي قَالَ بَاهَى بِعِبَادَتِهِ اَلْبَارِحَةَ مَلاَئِكَتَهُ وَ حَمَلَةَ عَرْشِهِ وَ قَالَ مَلاَئِكَتِي اُنْظُرُوا إِلَى حُجَّتِي فِي أَرْضِي بَعْدَ نَبِيِّي مُحَمَّدٍ وَ قَدْ عَفَّرَ خَدَّهُ بِالتُّرَابِ تَوَاضُعاً لِعَظَمَتِي أُشْهِدُكُمْ أَنَّهُ إِمَامُ خَلْقِي وَ مَوْلَى بَرِيَّتِي »[١٠٢].

وروي عن النبي الأكرم(ص) في رواية أخرى أنه قال: «يَا عَلِيُّ أَنْتَ إِمَامُ اَلْمُسْلِمِينَ وَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ قَائِدُ اَلْغُرِّ اَلْمُحَجَّلِينَ وَ حُجَّةُ اَللَّهِ بَعْدِي عَلَى اَلْخَلْقِ أَجْمَعِينَ »[١٠٣].

وقال في موضع آخر: «إِنَّكَ لَحُجَّةُ اللَّهُ عَلَى خَلْقِي، وَأَمِينُهُ عَلَى سِرِّهِ، وَخَلِيفَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ »[١٠٤].

إن هذه الأحاديث تمثل الجواب الواضح والشافي لأولئك الذين يتذرعون بمفهوم الخاتمية لحصر الحجة الإلهية بالنبي الأكرم(ص)، وأنكروا لذلك إمكان أن يكون الأئمة(ع) أيضاً.

روايات المرجعية العلمية والدينية

وصف النبي الأكرم(ص) في كثير من رواياته الإمام علي(ع) بوصفه مرجعاً علمياً ودينياً، وأنه نصب في هذا المنصب من قبل الله ورسوله.

روی أنس مالك عن النبي الأكرم(ص) أنه قال لـ أبي ذر الأسلمي: « إِنَّ رَبَّ اَلْعَالَمِينَ عَهِدَ إِلَيَّ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ عَهْداً فَقَالَ عَلِيٌّ رَايَةُ اَلْهُدَى وَ مَنَارُ اَلْإِيمَانِ وَ إِمَامُ أَوْلِيَائِي وَ نُورُ جَمِيعِ مَنْ أَطَاعَنِي ...»[١٠٥].

وروي عن النبي الأكرم(ص) في رواية أخرى أنه قال: « يَا عَلِيُّ... إِنَّكَ السَّبِيلِ الْجَنَّةِ، وَرَايَةِ الْهُدَى، وَعَلَّمَ الْحَقِّ، وَإِمَامٍ مَنْ آمَنَ بِي، وَوَلِيُّ مِنَ تولاني»[١٠٦].

وقد صرّح النبي الأكرم(ص) في رواية أن الإمام علي يمثل الفيصل والمرجع الأخير عند الاختلاف، كما قال لـ عبد الرحمن بن سمرة: « يَا اِبْنَ سَمُرَةَ إِذَا اِخْتَلَفَتِ اَلْأَهْوَاءُ وَ تَفَرَّقَتِ اَلْآرَاءُ فَعَلَيْكَ بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَإِنَّهُ إِمَامُ أُمَّتِي وَ خَلِيفَتِي عَلَيْهِمْ مِنْ بَعْدِي»[١٠٧].

وفي رواية أخرى، أنه قال: « أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا إِنْ تساءلتم عَلَيْهِ لَمْ تهلكوا؟ إِنَّ وَلِيُّكُمُ اللَّهُ، وَإِنْ إِمَامَكُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؛ فناصحوه وَصَدَّقُوهُ، فَإِنْ جِبْرِيلَ أَخْبَرَنِي بِذَلِكَ »[١٠٨].

وفي رواية أخرى عن النبي الأكرم(ص) أنه قال: «أَيُّهَا اَلنَّاسُ قَدْ بَيَّنْتُ لَكُمْ مَفْزَعَكُمْ بَعْدِي وَ إِمَامَكُمْ بَعْدِي وَ وَلِيَّكُمْ وَ هَادِيَكُمْ وَ هُوَ أَخِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَ هُوَ فِيكُمْ بِمَنْزِلَتِي فِيكُمْ فَقَلِّدُوهُ دِينَكُمْ وَ أَطِيعُوهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِكُمْ فَإِنَّ عِنْدَهُ جَمِيعَ مَا عَلَّمَنِيَ اَللَّهُ مِنْ عِلْمِهِ وَ حِكْمَتِهِ فَسَلُوهُ وَ تَعَلَّمُوا مِنْهُ وَ مِنْ أَوْصِيَائِهِ بَعْدَهُ »[١٠٩].

وبعد نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ[١١٠]، عرف النبي الأكرم(ص) نفسه بأنه هو المنذر، ثم أشار إلى الإمام علي(ع) وقال: «أَنْتَ اَلْهَادِي يَا عَلِيُّ بِكَ يَهْتَدِي اَلْمُهْتَدُونَ بَعْدِي»[١١١].

وفي قضية المعراج قال النبي الأكرم(ص): « طَرْقَةً هَذِهِ الْآيَةَ سَمْعِي؛ فَسَأَلْتُ اللَّهِ عَنِ الْهَادِي؟ فَقَالَ: ذَلِكَ عَلِي بْنِ أَبِي طَالِبٍ غَايَةِ الْمُهْتَدِينَ وَإِمَامِ الْمُتَّقِينَ وَقَائِدِ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِينَ»[١١٢].

كما عرف النبي الأكرم(ص) علي(ع) بوصفه مبيناً للدين ومرجعاً لحلّ اختلاف الأمة الإسلامية، ومن ذلك قوله: « يَا عَلِيُّ أَنْتَ تُبَيِّنُ لِأُمَّتِي مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ بَعْدِي »[١١٣]. « يَا عَلِيُّ أَنْتَ اَلَّذِي تُبَيِّنُ لِأُمَّتِي مَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ بَعْدِي، وَ تَقُومُ فِيهِمْ مَقَامِي، قَوْلُكَ قَوْلِي، وَ أَمْرُكَ أَمْرِي، وَ طَاعَتُكَ طَاعَتِي وَ طَاعَتِي طَاعَةُ اَللَّهِ، وَ مَعْصِيَتُكَ مَعْصِيَتِي، وَ مَعْصِيَتِي مَعْصِيَةُ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ »[١١٤].

وفيما يتعلق بعلم الإمام علي(ع)، وردت كثير من الروايات في مصادر الفريقين، حيث يقول رسول الله: « أَنَا مَدِينَةُ اَلْعِلْمِ وَ عَلِيٌّ بَابُهَا »[١١٥].

وفيما يتعلق بعلم الإمام علي(ع) نكتفى بذكر هذه النقطة وهي أن علم الإمام لم يكن علماً اعتيادياً، بل هو مؤيد من قبل الله ومن جنس الإلهام.

ومثل هذا العلم لا يتطرق إليه الخطأ، ولا يكون هناك شك في الإجابة عن المسائل. وأما هنا فنشير إلى أن المرجعية العلمية والدينية للإمام على(ع) وتفوقه في هذا المجال على الخلفاء الثلاثة كان من الوضوح والبداهة بحيث نقل عن الخليفة الثاني مراراً أنه قال معترفاً: «لولا علي هلك عمر»[١١٦].

وفي موضع آخر عرّف عمر الإمام علي(ع) بوصفه مرجعاً لحل الخلافات، إذ يقول: «أمرنا إذا اختلفنا في شيء أن نحكم علي»[١١٧].

وروي في مصادر أهل السنة المعتبرة عن النبي الأكرم(ص) انه قال: «عَلِيُّ أَقْضَاكُمْ، عَلِيُّ أَفْقَهُكُمْ، وَأَعْلَمُ أُمَّتِي بِكِتَابِ اللَّهُ، وَعَلِيُّ مَعَ الْحَقَّ وَالْحَقُّ مَعَ عَلِيٍّ حَيْثُمَا دَارٍ، وَأَنَا مَدِينَةُ الْعِلْمِ وَعَلِيُّ بَابُهَا»[١١٨].

سجل التاريخ ورصد كثيراً من الأمثلة على خطأ الخلفاء الثلاثة في المسائل القضائية، ومبادرة الإمام علي(ع) إلى إصلاح هذه الأخطاء، وإن استقراء تلك الأمثلة يحتاج إلى تأليف كتاب مستق[١١٩].

وقد وصف النبي الأكرم(ص) الإمام علي(ع) في روايتين مختلفتين قائلاً: « أَنْتَ يَعْسُوبُ اَلدِّينِ ... أَنْتَ يَعْسُوبُ اَلْمُؤْمِنِينَ»[١٢٠].

واليعسوب لغة يعني: رئيس أو ملكة النحل. وقال ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح هذه الرواية: «كأنه جعله رئيس المؤمنين وسيدهم أو جعل الدين يتبعه ويقفو أثره حيث سلك كما يتبع النحل اليعسوب»[١٢١].

روايات الإمام علي(ع): يُعدُّ الإمام علي(ع) بالنسبة إلى الشيعة حجة وإماماً إلهياً، وقوله وفعله وتقرير معتبر عندهم ودليل يُستدل به. كما أنه مقبول من قبل أهل السنة بوصفه - في الحد الأدنى - أحد كبار الصحابة الذين يستدلون بأقوالهم وأحاديثهم.

وعليه لو رويت عن الإمام علي(ع) رواية أو روايات تدل على أصل تنصيبه، كانت هذه الروية المأثورة عنه حجّة ومعتبرة ويجب الأخذ بها. ولحسن الحظ هناك روايات صريحة وواضحة مروية عن الإمام علي(ع) بهذا الشأن. وسنكتفى هنا بذكر روايتين يشكو فيهما الإمام علي من المسلمين في صدر الإسلام بسبب عدم معرفتهم بمكانته قائلاً: «قَلِيلٌ مِنْ شِيعَتِيَ الَّذِينَ عَرَفُوا فَضْلِي وَفَرْضَ إِمَامَتِي مِنْ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةِ رَسُولِ الله»[١٢٢]

كما صرح(ع) في موضع آخر - في إطار اختيار عثمان بن عفان بوصفه خليفة ثالثاً، وإبعاد الإمام عن حقه - بأن حق الحاكمية على المسلمين من حقوقه الحصرية، إذ يقول: «فنحن بيت النبوة ومعدن الحكمة، وأمان أهل الأرض، ونجاة لمن طلب، لنا حق إن نُعطه نأخذه، وإن نُمنعه نركب أعجاز الإبل ولو طال السرى»[١٢٣].

روايات سيدي شباب أهل الجنة ينظر أهل السنة إلى الإمام الحسن(ع) و الإمام الحسين(ع) نظرة احترام وتبجيل لما صح عندهم من الروايات الكثيرة التى يروونها عن رسول الله في فضلهما، بل ربما فضلوهما على الإمام علي(ع)، ذلك أنهم إذا أرادوا وصف على(ع) قالوا: والد سيدي شباب أهل الجنة.

وعلى هذا الأساس يجب على أهل السنة أن يأخذوا بجميع الروايات المروية عن الإمام الحسن(ع) والإمام الحسين(ع) بوصفهما راويين تقتين وبوصفهما سبطي رسول الله(ص). وإلا فإن أخذهم ببعض رواياتهما ونبذ رواياتها الأخرى سيكون من قبيل الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعضه الآخر.

بعد هذه المقدمة نقول: إننا عندما نطالع سيرة هذين الإمامين الهمامين ندرك بوضوح أنهما يذهبان إلى القول بأن الإمامة تكون بالتنصيب الإلهي، ومن ذلك تنصيب الإمام علی(ع).

وفيما يأتي نشير إلى بعض ما روي عنهما في هذا الشأن: أشار الإمام الحسن(ع) في خطبة له إلى السنة الإلهية القائمة على تعيين الخليفة والإمام بعد النبي، وعرف مصداق ذلك في النبي الأكرم(ص) وأهل بيته(ع) قائلاً: « إِنَّ اَللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيّاً إِلاَّ اِخْتَارَ لَهُ نَفْساً وَ رَهْطاً وَ بَيْتاً وَ اَلَّذِي بَعَثَ مُحَمَّداً بِالْحَقِّ لاَ يَنْقُصُ أَحَدٌ مِنْ حَقِّنَا إِلاَّ نَقَصَهُ اَللَّهُ مِنْ عِلْمِهِ وَ لاَ يَكُونُ عَلَيْنَا دَوْلَةٌ إِلاَّ كَانَتْ لَنَا عَاقِبَةٌ»[١٢٤].

ويروى أيضاً أن الإمام الحسن قد اعتلى المنبر بعد شهادة الإمام علي(ع) وصرّح بأن إمامته كانت بتنصيب من رسول الله(ص)، حيث قال: «... قَدْ نَصَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ »[١٢٥].

وقد أشار الإمام الحسن(ع) إلى الأمانتين (الثقلين) اللتين استودعهما الله عند المسلمين وقال إنهما تعنيان القرآن وأهل البيت، وأكد أن طاعتهم قد فرضت على المسلمين في القرآن الكريم وسنة النبي الأكرم(ص)، إذ يقول: « نَحْنُ حِزْبُ اَللَّهِ اَلْغَالِبُونَ، وَ عِتْرَةُ رَسُولِهِ اَلْأَقْرَبُونَ، وَ أَهْلُ بَيْتِهِ اَلطَّيِّبُونَ اَلطَّاهِرُونَ، وَ أَحَدُ اَلثَّقَلَيْنِ اَللَّذَيْنِ خَلَّفَهُمَا رَسُولُ اَللَّهِ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فِي أُمَّتِهِ، وَ اَلثَّانِي كِتَابُ اَللَّهِ، فِيهِ تَفْصِيلُ كُلِّ شَيْءٍ، ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ[١٢٦] ، فَالْمُعَوَّلُ عَلَيْنَا فِي تَفْسِيرِهِ، لاَ نَتَظَنَّى تَأْوِيلَهُ، بَلْ نَتَيَقَّنُ حَقَائِقَهُ، فَأَطِيعُونَا فَإِنَّ طَاعَتَنَا مَفْرُوضَةٌ، إِذْ كَانَتْ بِطَاعَةِ اَللَّهِ (عَزَّ وَ جَلَّ) وَ رَسُولِهِ مَقْرُونَةً»[١٢٧].

وقال(ع) في خطبة له فى مسجد الكوفة: «يَا أَهْلَ اَلْكُوفَةِ اِتَّقُوا اَللَّهَ فِينَا - فَإِنَّا أُمَرَاؤُكُمْ وَ إِنَّا ضِيفَانُكُمْ وَ نَحْنُ أَهْلُ اَلْبَيْتِ اَلَّذِينَ قَالَ اَللَّهُ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً[١٢٨][١٢٩]

وحيث كان يعلم أسباب وجود النفاق في معسكره فقد اضطر إلى الصلح مع معاوية بن أبي سفيان ثم قال: «أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّ مُعَاوِيَةَ زَعَمَ أَنِّي رَأَيْتُهُ لِلْخِلاَفَةِ أَهْلاً وَ لَمْ أَرَ نَفْسِي لَهَا أَهْلاً وَ كَذَبَ مُعَاوِيَةُ أَنَا أَوْلَى اَلنَّاسِ بِالنَّاسِ فِي كِتَابِ اَللَّهِ وَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّ اَللَّهِ »[١٣٠].

وقد دعا الإمام الحسين(ع) كبار قومه في منى وطلب منهم الشهادة بأن النبي الأكرم(ص) قد نصب الإمام علي(ع) في مقام الولاية بغدير خم، قائلاً: «أَنْشُدُكُمُ اَللَّهَ أَ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ نَصَبَهُ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ فَنَادَى لَهُ بِالْوَلاَيَةِ »[١٣١].

وروي عنه أنه وقف خطيباً في كربلاء، فقال:«أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا اَلنَّاسُ فَإِنَّكُمْ إِنْ تَتَّقُوا اَللَّهَ وَ تَعْرِفُوا اَلْحَقَّ لِأَهْلِهِ يَكُنْ أَرْضَى لِلَّهِ عَنْكُمْ وَ نَحْنُ أَهْلُ بَيْتِ مُحَمَّدٍ وَ أَوْلَى بِوَلاَيَةِ هَذَا اَلْأَمْرِ عَلَيْكُمْ مِنْ هَؤُلاَءِ اَلْمُدَّعِينَ مَا لَيْسَ لَهُمْ وَ اَلسَّائِرِينَ فِيكُمْ بِالْجَوْرِ وَ اَلْعُدْوَانِ وَ إِنْ أَبَيْتُمْ إِلاَّ كَرَاهِيَةً لَنَا وَ اَلْجَهْلَ بِحَقِّنَا وَ كَانَ رَأْيُكُمُ اَلْآنَ غَيْرَ مَا أَتَتْنِي بِهِ كُتُبُكُمْ وَ قَدِمَتْ بِهِ عَلَيَّ رُسُلُكُمْ اِنْصَرَفْتُ عَنْكُمْ»[١٣٢]

شبهة التنصيب عنصر تفرقة

إن من بين الأدلة والشبهات التي يطرحها أهل السنة على إنكار أصل التنصيب، هو ما ينطوى عليه التنصيب من الأضرار والآفات بزعمهم بمعنى أنه لو كان هناك نص من النبي الأكرم(ص) بشأن الإمامة والحكم فإن هذا النص سيؤدي إلى استقطاب جماعة من المسلمين معه، وجماعة أخرى من المسلمين ضده، ولا يخفى ما في ذلك من الخلاف والفرقة وشق وحدة المجتمع الإسلامي، وهذا لا ينسجم مع مصالح الإسلام والمسلمين.

وقد عمد سيف الدين الآمدي إلى بيان كيفية لزوم الفرقة والضرر الذي يتسبب به التنصيب على النحو الآتي:

  1. بعد كراهة بعض من الناس للإمام والخليفة المنصوب، يتعرض المجتمع للفتنة والاختلاف، وهذا إضرار بالآخرين.
  2. إن الإمام المنصوب هو واحد من الناس، وإن رئاسة فرد على الآخرين من أمثاله هو من التحكّم والظلم، ولا يخفى ما في ذلك من الإضرار بالغير.
  3. إن الإمام المنصوب لا يخلو أمره، فهو إما أن يكون معصوماً أو غير معصوم، والأول ممتنع طبقاً لمتبنيات أهل السنة، وفي مورد غير المعصوم يحتمل كفر الإمام وفسقه، فإن لم يتم عزله في مثل هذه الحالة فإن ضرر كفره وفسقه سيطال المجتمع، وإن عزل لا يخفى ما في عزله من الفتنة والاختلاف أيضاً[١٣٣].

وقد عمد بعض علماء أهل السنة إلى المقاربة والموازنة بين ضرر التنصيب من جهة، وضرر عدم التنصيب من جهة أخرى؛ ليصل إلى القول بأن الضرر المترتب على التنصيب أكبر من الضرر المترتب على عدم التنصيب، وبذلك مال إلى القول بترجيح عدم التنصيب[١٣٤].

مناقشة وتحليل

نشير إلى ردّ هذه الشبهة:

لزوم التبعية للحكم الشرعي

قبل الدخول في تفاصيل تحليل هذا المدعى ونقده لابد من التذكير بأن المسلم الحقيقى يجب أن يكون ملتزماً ومنقاداً وممتثلاً لتكاليفه الدينية والشرعية، وأن لا يكون بصدد الموازنة بين أداء تكاليفه وترجيح مصالحه.

وعلى هذا الأساس إذا ثبت لنا بالأدلة الشرعية والدينية أن النبي الأكرم(ص) قد نصب للخلافة والإمامة شخصاً مثل علي بن أبي طالب(ع)، وجب علينا الالتزام بذلك. وعليه فإن ادعاء أهل السنة بأن التنصيب يؤدى إلى الضرر والإضرار بالآخرين، مضافاً إلى عدم واقعيته، خارج في حد ذاته عن دائرة أهل السنة، بمعنى أن السني الحقيقي هو الذي يلتزم بكل ما يقوله رسول الله(ص).

التنصيب الخاص أفضل خيار

إن ما ادعي من أن التعريف بالخليفة وتنصيبه على المجتمع يؤدي إلى الاختلاف، مجرد ادعاء لا يلازم التنصيب. بعبارة أخرى: يجب النظر في من يتولى عملية التنصيب (الناصب)، والشخص الذي يتم تتصيبه (المنصوب). فإن كان الناصب آخذاً بنظر الاعتبار جميع الخيارات والملاكات اللازمة لمنصب الإمامة والخلافة، وكان هذا الناصب عالماً وخبيراً ومخلصاً وحريصاً على المجتمع، وكان المجتمع بدوره مدركاً لهذه الأمور ومؤمناً بحسن اختيار الناصب وحكمته، فإن تنصيبه للإمام والخليفة سيحظى بترحيب عامة الناس. وحيث أن الفرض يقوم على أنه يحيط بجميع أبعاد مسألة القيادة وحاجة المجتمع، ولا يلاحظ إلا مصلحة المجتمع والدين، فإن مثل هذا التنصيب سيكون بالضرورة نافعاً للمجتمع، بل يجب تطبيقه على أرض الواقع.

إذن أصل التنصيب لا يشتمل على ضرر يطال المجتمع، بل على العكس من ذلك يمكن القول على الفرض المتقدّم (الشخصية الجامعة للناصب والمنصوب): تكون مصلحة المجتمع في التمسك بهذا التنصيب.

ثم لو أن شخص الناصب - بدلاً من لحاظ مصالح المجتمع - مال إلى تغليب مصلحته الشخصية ومصالح أسرته وقبيلته، فإن الشخص الذي سيتم تنصيبه لن يكون هو الخيار الأمثل. ففي مثل هذا الفرض هناك إمكان الاختلاف والفرقة والنقاش، ولو تم إجبار الناس وإكراهههم على القبول بهذا التنصيب، أو جرى في غيابهم، فإن مثل هذا الأمر سيؤدي إلى الإضرار في حقوق المواطنين بل وتشويه الدين نفسه.

بهذه المقدمة نتوجه بالسؤال إلى أهل السنة قائلين: لو اختار النبي الأكرم(ص) شخصاً بعينه لمنصب الإمامة والخلافة (وهو ما حصل بالفعل)، فهل سيلاحظ في ذلك اختيار الفرد والجامع والكفوء والمتصف بأفضل الصفات والشروط المناسبة؟

أم أنه بدلاً من ذلك - والعياذ بالله - سيلاحظ المصالح الفردية والقبلية؟

إن جواب كل مسلم عن هذا السؤال سيتم عبر اختيار الشق الأول.

وعليه هل سيؤدي اختيار هذا الشخص الذي هو وحده الصالح لإدارة وقيادة المجتمع إلى الإضرار بالمجتمع، أم أن المجتمع سيرى فيه الخيار الأفضل، لعلمه بحرص النبي وحكمته في هذا الخيار، ويتصدى للدفاع عنه بكل ما أوتي من قوة.

نعم قد يخرج علينا بعض الأشخاص الذين يخالفون شخص المنصوب، ويسعون إلى تشويه سمعته واغتيال شخصيته من خلال التذرّع بمختلف الأدلة الواهية، كما حصل ذلك مع الإمام علي(ع)، حيث قيل: إنه حديث السن ا، ولا خبرة له بالقيادة ولا يصلح لها، أو أنه شخص به دعابة، أو أن قريشاً لن ترضى به. في مثل هذه الحالة قد يؤدي عزل الشخص المنصوب إلى تسنم غير الصالحين سدة حكم المجتمع، أو يؤدي ذلك إلى ظهور النزاع والاختلاف في المجتمع. إلا أن هذه الآفة لا تنشأ بسبب أصل التنصيب، وإنما تنشأ من جهة التآمر والتخطيط من قبل أصحاب المصالح الشخصية الضيقة.

وقد صرّح بهذه الإجابة - تنصيب الشخص الأفضل، واقتران عدم من أمثال الشيخ تنصيبه بلوازم سلبية من قبيل التشتت والاختلاف - فلاسفة الرئيس ابن سينا، حيث قال بعد الإشارة إلى خيار التنصيب والانتخاب: «الاستخلاف بالنص أصوب، فإن ذلك لا يؤدي إلى التشعب والتشاغب والاختلاف»[١٣٥].

إمكان الخطأ في الانتخاب

اتضح أن الشخص الناصب إذا كان فرداً جامعاً وعالماً بجمیع الأمور وحريصاً ومؤثراً على المستوى الاجتماعي، فإن الناس سوف ينتفعون بالشخص الذي ينصبه خليفة وإماماً عليهم. في حين أن اختيار القائد من قبل الناس مباشرة أو الجماعات أو الشورى، ينطوي على احتمال أن يخطئوا في اختيارهم لمختلف الأسباب عمداً أو سهواً، ولا يخفى ما في اختيار الناس للشخص غير الكفوء من الأضرار والمخاطر الجسيمة على مستوى النزاعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والأهم من ذلك الجانب الديني والقيمي.

بعبارة أخرى: لو أجرينا مقارنة بين اختيار الناس والنصب الخاص (الشخصية الجامعة للفرد الناصب والمنصوب)، سندرك أن أرضية الوقوع في الأخطاء السياسية والاجتماعية فيما يتعلق بالنسبة إلى الشخص المنتخب من قبل الناس أكثر بكثير من الفرد الذي ينصبه الفرد الأكمل (النبي) ؛ لأن كل قوم أو قبيلة تميل إلى تقليد فرد منها، مضافاً إلى أن ملاكات تحديد الفرد الأصلح للقيادة والإمامة هي الأخرى عرضة للخلافات والنزاعات، في حين لا وجود لهذه المحاذير فيما يتعلق بالتنصيب الخاص؛ إذ الفرض أن الجميع مؤمن ومعتقد بشخصية الفرد الناصب، وإن الجميع سيذعن لاختياره.

صفح علي(ع) محور المحافظة على وحدة الأمة

إن الاختلاف في أصل التنصيب أقل منها في الانتخاب الديمقراطي، وربما خطر على الذهن تساؤلاً مفاده: أن اختيار الخليفة الأول بعد رحيل النبي الأعظم(ص) لم يكن بتنصيب منه، وإنما تم ذلك عبر شورى السقيفة، ومع ذلك لم يحدث أي خلاف أو نزاع يهدّد المجتمع الإسلامي وبيضة الإسلام.

في الجواب عن هذه الشبهة يجب القول: إن الخلاف قد احتدم منذ اللحظة الأولى من تشكيل شورى السقيفة، حيث كان الأنصار يريدون الخليفة منهم، وفي المقابل أصر المهاجرون (أبو بكر وعمر) على أن يكون الخليفة منهم، ثم صار بعضهم إلى القول أن يكون لكل فصيل أميره وخليفته، وبعد الأدلة التي ساقها أبو بكر بادر بعض الأنصار إلى مبايعته، في حين ذهب آخرون منهم إلى الالتحاق بشيعة الإمام علي(ع)، وطالبوا بخلافته. وعلاوة على الأنصار ذهب جماعة من الصحابة إلى البقاء في صفّ على(ع) من أمثال: ابن عباس و المقداد و سلمان.

وفي هذا الخضم كان هناك احتمال أن يؤدي هذا الاختلاف إلى حرب طاحنة داخل المجتمع الإسلامي بين أبي بكر وأنصاره من جهة، وبين الإمام علي(ع) بوصفه منصباً للإمامة من قبل النبي الأكرم(ص) وشيعته من جهة أخرى. ولكن الإمام علي(ع) سحب البساط من تحت اقدام المنافقين والأعداء الخارجيين، حفاظاً على الوحدة الإسلامية، فغض الطرف عن هضم حقه، وقدم مصلحة المسلمين العامة على مصلحته الخاصة.

ولذلك حالت حكمة أمير المؤمنين(ع) دون أن يتعرض الخلفاء الثلاثة طوال ربع قرن من حكمهم لأي حرب داخلية، فشكل الإمام علي بموقفه هذا صمّام أمان حال دون اندلاع الحروب الداخلية. وعلاوة على ذلك فإن الإمام لم يتنازل عن حقه فحسب، بل بادر في بعض المواطن حيث كان الخطر محدقاً بالإسلام إلى مساندة الخلفاء لتعزيز جبهة الإسلام ورفد المجتمع الإسلامي والحفاظ على وحدته وتماسكه.

جواب نقضي (تنصيب الخليفة الأول والثاني)

تذرّع أهل السنة بالآفات والأضرار والمحاذير المترتبة على تنصيب النبي الأكرم(ص) للخليفة بعده، لإثبات عدم حصول التنصيب، والقول بمشروعية خلافة الخليفة الأول بانتخاب الناس. بيد أن هذا المبنى لم يتم تطبيقه بعد ذلك، حيث نقض من قبل الخليفة الأول والثاني، فقد عمد أبو بكر إلى تنصيب عمر بن الخطاب، كما قام عمر بتشكيل شورى من ستة أشخاص ووضع عليها شروطاً تؤدي تلقائياً إلى اختيار عثمان بن عفان.

فقد تذرّع أهل السنة بالمحاذير التي صوروها للتنصيب من أجل إنكار تنصيب النبي الأكرم(ص)، وهنا عليهم الإجابة عن هذا السؤال: لماذا لم يواصل الخليفة الأول والخليفة الثاني سيرة رسول الله(ص) في هذا الشأن؟ ولماذا أصراً على تنصيب من يخلفهما رغم الآفات والمحاذير المترتبة على التنصيب طبقاً لمنهج أهل السنة؟

ليس من السهل على أهل السنة الإجابة عن هذه الأسئلة، إلا إذا التزموا بأن الخليفة الأول والثاني كانا - والعياذ بالله - أقدر من رسول الله(ص) على تحديد من هو الأجدر والأصلح لقيادة الأمة، وجاز لهما لذلك ما لم يجز لرسول الله(ص).

ولكن لا يبدو أن السنة يلتزمون بذلك، إذ ليس فيهم من يعتبر الخلفاء أفضل من رسول الله(ص)، مضافاً إلى ذلك يستفاد منه أن أصل التنصيب لا يستوجب الضرر والخلاف في حد ذاته. في حين أنهم اعتبروا أول الأمر أن مطلق التنصيب يساوق الضرر.

جواب الآمدي

يتضح مما تقدّم ضعف وفساد الفرضيات الثلاثة التي ساقها سيف الدين الآمدي.

أما الفرض الأول القائم على أن كراهة البعض للإمام المنصوب سوف تؤدي إلى حدوث الفتنة في المجتمع.

وأما الفرض الثاني القائل بأن تنصيب الإمام والخليفة على الناس الذين هم مثله، تحكّم وتعسف، فيجب القول فيه: إن افتراض تنصيب الإمام من قبل النبي(ص) يعود في واقع الأمر إلى تنصيب الله وهو خالق الناس، ويمكن للخالق أن يعيّن حاكماً أو يفرض قانوناً على مخلوقاته، وهذا يعود إلى التوحيد في الحاكمية والتشريع، وليس هناك أي خدشة فيه. وأما على الفرضية الأخرى القائلة باختيار الحاكم من طريق البيعة، فيجب القول:

أولاً: إن اتفاق الأكثرية على حاكمية شخص واحد لا يكتب له التحقق حتى في أكثر المجتمعات ديمقراطية، بل لا يشارك في الانتخابات إلا ما يقرب من نصف المجتمع الذي تتوفر فيه الشرائط، وعلى هذا النصف تتوزع النسبة المئوية من الآراء، ومن ثَمَّ لا يحصل الفائز في الانتخابات إلا على أقل من نصف الآراء؛ فكيف يمكن لهذا الحاكم أن يحكم أكثرية الناس أو جميعهم؟ ألا يكون في ذلك تحكم وتعسف؟!

وثانياً: على فرض حصول المرشح على أكثرية الآراء، فما هو الدليل يبيح له الحكم على الأقلية التي لم تنتخبه؟

وفيما يتعلق بالفرضية الثالثة التي ساقها الآمدي، فيجب القول: إن الشيعة يذهبون إلى القول بعصمة الإمام، ويثبتون ذلك بالأدلة القطعية على ما سيأتي بيانه. وأما بناء على فرض عدم عصمة الإمام، فيجب القول: إن هذا الإشكال من قبل الآمدي يرتد على أهل السنة أيضاً، حيث لا يرون اشتراط العصمة بالنسبة إلى الخليفة والإمام، ولو ألقينا نظرة على تاريخ الخلفاء فسوف ندرك حجم البدع والانحرافات في الدين بسبب عدم عصمتهم؛ وقد أشار الإمام علي(ع) إلى بعض هذه البدع والانحرافات.

شبهة عدم اشتهار التنصيب

إن من الشبهات القديمة والمعروفة بين أهل السنة قولهم: إنه لو كان هناك حديث على التنصيب من قبل النبي الأكرم(ص) للإمام علي(ع) بالإمامة، لكان ذلك النصّ معروفاً لدى المسلمين في صدر الإسلام ومشتهراً بينهم، ولنقلوه إلى الأجيال اللاحقة، في حين لا وجود لمثل هذا النص والشهرة، أو ما يعبّر عنه بين القدماء بـ «النص الجلي»؛ فيستنتج من ذلك عدم وجود مثل هذا النص.

ويضيف مقرّرو هذه الشبهة لتأييد عدم وجود النص الجلي: أن افتراض وجود مثل هذا النص يستلزم كفر منكره، وسيؤدي تبعاً لذلك تكفير جميع أصحاب النبي الأكرم(ص)[١٣٦].

مناقشة وتحليل

في معرض تحليل هذه الشبهة يجدر الالتفات إلى الأمور الآتية:

تأويل النص من قبل بعض الصحابة

لو التزمنا بصحة هذا الادعاء، وقلنا بأنه لو ورد عن النبي الأكرم(ص) نص على إمامة الإمام علي(ع) بشكل متكرر؛ لعلم. يجب القول إن الشيعة يدعون علم الصحابة بأصل التنصيب ووجود هذه النصوص ولا ينكرونها أبداً، ولكنهم يقومون بتأويلها، وقد تقدم تفصيل هذه التأويلات وتحليلها ونقدها فلا نعيد.

إذن هذا النص بالتنصيب موجود، وقد بلغت معرفة الصحابة له حدّ الاشتهار، ولكن أهل السنة عمدوا إلى تأويله.

إمكان الاختفاء

على الرغم من وجود النص على إمامة الإمام(ع) من قبل النبي الأكرم(ص)، يحتمل أن يكون هذا النص قد خفي على أكثر المسلمين في صدر الإسلام، وليس هذا بالأمر المحال ؛ إذ له نظائر، كما هو الحال بالنسبة إلى كيفية وضوء النبي الأكرم(ص) وبعض الأحكام الفقهية الأخرى التي اختلف فيها السنة والشيعة، فكان لكل منهما رأيه الخاص، أو الاختلاف فيما بين أهل السنة أنفسهم عندما نطالع الكتب الفقهية للفقهاء الأربعة.

كما يدعم رأينا هذا توجه الخليفة الأول ومن تلاه من الخلفاء الذين منعوا من تدوين الحديث النبوي، فقد صار الخليفة الأول إلى منع رواية أحاديث النبي الأكرم(ص) لمختلف الأسباب والحجج، وكان شعارهم الأهم «حسبنا كتاب الله»، في حين أن هذا الكتاب نفسه قد فوّض للنبي أمر شرح الدين وبيانه للناس، إذ يقول تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ[١٣٧].

لقد أمر الخليفة الثاني بجمع المكتوب من أحاديث النبي الأكرم(ص) وحرقه، وقد بلغ تشدّده في هذا الأمر حداً حبس معه بعض الرواة من أمثال عبد الله بن مسعود و أبي الدرداء و أبي مسعود الأنصاري[١٣٨].

وقد استمر هذا النهج على وتيرة أشد في المراحل اللاحقة، فها هو معاوية بن أبي سفيان يكتب إلى عامله بإهدار دم كل من يروي فضيلة في علي بن أبي طالب وأهل البيت[١٣٩].

وعليه مع أخذ هذه الحقائق بنظر الاعتبار، هل يمكن لنا أن نتوقع شیوع وانتشار روايات الإمامة والخلافة في مصادر أهل السنة؟

إذن خفاء أمر على أكثر الناس وعدم شيوعه بينهم لا يدل على عدم وجوده من الناحية المنطقية.

وبالعودة إلى التاريخ يتعزز هذا الاحتمال ويظهر ذلك من خلال تذكير الإمام علي(ع) بعض الأنصار بعد حادثة السقيفة، حيث أعاد على بشير بن سعد نصوص النبي الأكرم(ص) في إمامته وخلافته، وطالبهم بمبايعته؛ فقال بشير في جواب الإمام: لو كنت ذكرتنا بهذه النصوص قبل بيعتنا لأبي بكر لما عدوناك، ولكن الأمر قد مضى[١٤٠].

وجود الدوافع السياسية في مسألة الإمامة

ذكرنا أن هناك اختلافاً بين المسلمين حتى في المسائل العبادية والتعبدية، من قبيل: كيفية وضوء النبي الأكرم(ص)، في حين أن وضوء النبي كان يتم بشكل يومي وعلى مرأى ومسمع من جميع المسلمين. وعليه يجب أن نضيف هنا إلى احتمال الخفاء أن المسألة المتنازع عليها إذا كانت من المسائل السياسية والدنيوية وكانت تتصل بالمصالح السياسية والاجتماعية الجوهري والحيوية، بل والقبلية أو المناطقية، فإن الدوافع إلى إخفائها والتحفظ عليها ستكون أشدّ وأقوى. واضح أن مسألة الخلافة والسلطة وما هي المنطقة أو العشيرة التي ينتمي إليها الخليفة، ينطوي على ما لا يحصى من المصالح والمنافع لهذا الطيف الخاص من الناس، ولذلك يكون احتمال إنكار النص أو تأويله لمصلحة فئة دون فئة أخرى أشد.

فضلاً عن أنه بعد سيطرة الحكومة الفاقدة لدعامة شرعية وتدعي عدم وجود نص على أحد أو تنصيب لأحد، فإن أكثر الرواة لن يتمكنوا - بسبب خوفهم من بطش الحكومة القائمة - من بيان الحقائق ونقلها. من هنا يكون لاختفاء النص كثير من الدواعي والدوافع.

تصريح الإمام علي(ع) وبعض الصحابة بوجود النص

الأمر الآخر هو أن أهل السنة حيث يؤمنون بعدالة جميع الصحابة كيف يتعاملون مع الإمام علي(ع) وبعض الصحابة الآخرين، من أمثال: أبي ذر الغفاري و سلمان الفارسي و عبد الله بن عباس و أبي أيوب الأنصاري و عمار بن ياسر و خزيمة بن ثابت و أبي بن كعب و عثمان بن حنيف وغيرهم، وقد صدر عنهم التأكيد مراراً وتكراراً بوجود النص على التنصيب والإمامة؟ وقد تقدم ذكر كثير من الروايات عن النبي الأكرم(ص) والإمام علي(ع) فى أنه معيار الحق فيما يتعلق بالنص على إمامته. وسنأتي على ذكر نصوص الصحابة على أصل التنصيب في الصفحات القادمة إن شاء الله وتعالى.

على أهل السنة أن يحسموا أمرهم، فهل ما يدعيه الإمام علي(ع) وغيره من الصحابة بشأن وجود النص، أمر واقعي وحقيقي أم لا؟

فإن كان ما يدعيه هؤلاء حقاً، ثبت ما يدعيه الشيعة. وإن لم يكن حقاً - والعياذ بالله - فهل يعني ذلك أنهم كانوا يكذبون والعياذ بالله؟ وعليه كيف يتم التوفيق بين هذا الكلام وبين قولهم بعدالة جميع الصحابة؟!

غاية ما يقوم به أهل السنة في معرض الإجابة عن هذه الأسئلة هي اللجوء إلى التأويل، وقد ذكرنا في نقد هذه التأويلات أنها لا تمثل حلاً للمشكلة، فهي في أغلبها اجتهاد في مقابل النص، وإنما تأتي في سياق الجمع بين الخلفاء الأربعة، فهي تنفعهم لإقناع أنفسهم، من دون أن تنطوي على أسس علمية.

الفصل بين الإمامة والخلافة

إن النقطة الدقيقة التي تجب علينا ملاحظتها بدقة وعناية خاصة هي البحث في أبعاد الإمامة وقد تقدم في بحث تعريف الإمامة أن أشرنا إلى مختلف أبعادها، من قبيل: المرجعية العلمية والدينية والولاية المعنوية والسياسية والاجتماعية. فلو فرضنا - جدلاً - اختفاء النص على التنصيب، فإن هذا يقتصر على الدائرة السياسية والاجتماعية من الإمامة، بمعنى أنه سينحصر بمسألة الحكم والخلافة.

وأما فيما يتعلق بالبعد الآخر من الإمامة والذي يتمثل بالمرجعية العلمية والدينية - الممكن طرحه حالياً، ويمكن الاستناد إليه من قبلعموم المسلمين - فهناك نصوص متعددة ومتواترة في مصادر الفريقين، من قبيل حديث الثقلين، مما لا مجال إلى إنكاره أو تأويله.

وعليه فإن أقصى ما ينكره أهل السنة وغيرهم من الذين ينكرون وجود النص، إنما ينكرونه في دائرة التنصيب بمعنى الخلافة والحكم. وأما الإمامة بمعنى المرجعية العلمية والدينية والولاية المعنوية فيجب عدم إنكارها، وعليهم اعتبار السيرة النظرية والعملية للإمام على(ع) معياراً للحق والحجة الإلهية، وأن يلتزموا بها؛ ذلك لأن مصادرهم مفعمة بأمثال هذه النصوص.

وعندما ننظر إلى الإمامة من هذه الزاوية يجب أن يكون هناك إجماع بين الشيعة والسنة في التمسك بسيرة الإمام علي(ع) وحجيتها، وإن الاختلاف بينهما يقتصر على حكومة الإمام علي وغيره من الخلفاء مما لا ثمرة عملية له حالياً. من هنا كان بعض مراجع الشيعة من أمثال آية الله السيد البروجردي - طبقاً لرواية بعض تلاميذه - يتمسك بحديث الثقلين (مبنى المرجعية العلمية والدينية)، دون حديث الغدير[١٤١].

عدم دلالة عدم الاشتهار على العدم

لو سلمنا بفقدان اشتهار النص وتنصيب الإمام علي(ع) للإمامة، مع ذلك لا يستفاد من ذلك إثبات عدم إمامته، وذلك لأننا إذا اعتبرنا الآيات والروايات النبوية حجة ومعتبرة، وجب الأخذ بها بوصفها حجة شرعية معتبرة حتى لو اقتصرت على آية أو رواية واحدة غير مدعومة بروايات أخرى أو لم تبلغ حدّ الشهرة. إن ما يقوله أهل السنة من عدم بلوغ تنصيب الإمام علي(ع) حد الشهرة ليس سوى ذريعة، فإنهم يعملون بالروايات النبوية الضعيفة ويأخذون بخبر الواحد في المجالات الأخرى من قبيل: المستحبّات، ولكن ما أن يصل الأمر إلى الإمامة تراهم يختلقون المعاذير اختلاقاً من أجل التنصل عن العمل بها، في حين يجب عدم التفريق بين الروايات في مقام العمل.

عدم الملازمة بين ترك النص والكفر

إن من بين الأدلة الهامة التي تمسك بها أهل السنة لإنكار النص والشهرة، هى الفرار من محذور تكفير الصحابة. وفى هذا الشأن يجب القول:

أولاً: إن كان هناك من وجود لأصل النص على التنصيب، فيجب عدم التهرب من الواقع بدفن الرؤوس في الرمال كما تصنع النعامة، بل يجب مواجهة الحقيقة والإقرار بلوازمها أيضاً. فإن عدم التزام البعض بالنص لا يمكنه أن ينهض دليلاً على عدم وجود النص أو عدم اشتهاره.

وثانياً: يمكن الجمع بين هذين الأمرين بالالتزام بوجود النص وشهرته، وكذلك عدم تكفير الصحابة، وذلك من خلال القول بأن الصحابة رغم علمهم بوجود النص، لم ينكروه وإنما قاموا بتأويله.

وثالثاً: لقد ذكر الشيعة وجود نصوص من الآيات والروايات العديدة والمتواترة بمختلف الأسانيد من طرق الفريقين، وهو أمر يبطل دعوى عدم اشتهار النص.[١٤٢]

شبهة عدم احتجاج الإمام علي(ع) بأصل التنصيب

إن إحدى الشبهات القديمة لأهل السنة دعوى أن الإمام لم يستند إلى نص نبوي لإثبات إمامته وحكومته. فإنهم قد ادعوا أن الإمام علي(ع) قد استند لإثبات إمامته في احتجاجه على المخالفين بصلاحيته وكمالاته الذاتية فقط، ولو كان هناك نص من قبل النبي الأكرم(ص) على إمامته، لكان قد استند إليه[١٤٣].

وهناك من المعاصرين من ذهب إلى أن الإمام علي(ع) لم يستند إلى حديث الغدير في احتجاجه على المخالفين[١٤٤].

وقد التزم بذلك بعض القائلين بنظرية التنصيب أيضاً[١٤٥]. إلا أننا في معرض إبطال هذا الظن والوهم سنكتفي بالإشارة إلى بعض الروايات المأثورة عن الإمام علي بهذا الشأن، لبيان كيف كان الإمام علي(ع) يحتج بالروايات النبوية مراراً وتكراراً لإثبات إمامته.

مناقشة وتحليل

إنّ الإمام علي(ع) كان يعمد إلى إثبات مشروعية إمامته وخلافته من خلال حيثيتين:

الحيثية الأولى ترتبط بشخصيته الحقيقية والذاتية وصفاته الكمالية التي تستوجب أفضليته وأحقيته على الآخرين للجلوس على مسند الإمامة والحكومة.

والحيثية الثانية: ترتبط بشخصيته الحقوقية حيث تم اختياره واصطفاؤه من قبل الله بوصفه إماماً وخليفة بعد رسول الله مباشرة.

ولم يحدث نزاع أو جدل بشأن أفضلية الإمام علي(ع) بين الصحابة بشكل جاد، ويمكن القول إن أكثر المناوئين والمخالفين للإمام علي(ع) كانوا يذعنون ويعترفون له بالأفضلية، إلا ان النزاع كان يدور بشكل رئيس حول وجود تنصيب من قبل النبي بشأن الإمامة والحكومة، فقد كان النقاش والجدال ولا يزال محتدماً حول هذه المسألة منذ رحيل رسول الله إلى عصرنا الراهن.

وفيما يأتي نكتفي بتقرير بعض الروايات وبيانها، ونترك التوسع فيها إلى القارئ المحقق.

الروايات الواردة بلفظ النصب والعهد والاختصاص والاصطفاء والاختيار والأخذ

كان الإمام علي(ع) فى مواطن كثيرة وبشكل متكرر، يستند إلى مختلف النصوص المأثورة عن النبي الأكرم(ص) لإثبات إمامته. وكان في بعض الموارد يتمسك بشكل مطلق بأصل تنصيبه وتعيينه إماماً من قبل النبي الأكرم والوحي الإلهي، وفيما يأتي نشير إلى ذلك عبر الفقرات الآتية:

لقد أشار الإمام علي إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ[١٤٦]، ليعرف بنفسه قائلاً: «أَنَا صِرَاطُ اَللَّهِ اَلَّذِي مَنْ لَمْ يَسْلُكْهُ بِطَاعَةِ اَللَّهِ فِيهِ هُوِيَ بِهِ إِلَى اَلنَّارِ وَ أَنَا سَبِيلُهُ اَلَّذِي نَصَبَنِي لِلاِتِّبَاعِ بَعْدَ نَبِيِّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ»[١٤٧].

ففي هذا الاستناد يصرّح الإمام أولاً بأصل التنصيب، وثانياً ينسب ذلك إلى الله سبحانه وتعالى.

استند الإمام علي في الشورى المقترحة من قبل عمر بن الخطاب في حديث طويل استدل فيه على مدعاه، مذكراً إياهم بوجود أصل التنصيب من قبل النبي الأكرم(ص)، إذ يقول(ع): «نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ - هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ نَصَبَهُ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ بِأَمْرِ اَللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ اَللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاَهُ وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ غَيْرِي؟ قَالُوا لاَ»[١٤٨].

واضح أنه لو لم يكن هناك أصل على التنصيب، لما استند إليه الإمام، هذا أولاً. وثانياً: لكذبه من خاطبهم وهم الستة أعضاء الشورى.

الأمر الآخر في دلالة هذا الحديث والأحاديث الأخرى التي يستند إليها الإمام علي(ع) هو أن مضمونها يرمي إلى الإمامة والخلافة العامة الشاملة للمرجعية العلمية والدينية ومسألة الخلافة والحكومة أيضاً. ذلك لأن الموارد التي يستند فيها الإمام بهذه الأدلة ناظرة إلى مناقشة ومجادلة أمثال أبي بكر وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، والقدر المتيقن منها هو مسألة الحكومة، وإلا لما استند إليها الإمام، ولكذبها المخاطبون وأنكروا دلالتها على المدعى، وقالوا: إن هذه النصوص غير ناظرة إلى مسألة الحكومة، كما توهم ذلك بعض المعاصرين[١٤٩].

في بعض الروايات تم استعمال مفردة العهد بما يساوق التنصيب، بمعنى أن النبي الأكرم(ص) أخذ عهداً وميثاقاً على المسلمين بإمامة الإمام علي. وقد طالب الإمام علي (ع) المهاجرين والأنصار في يوم السقيفة عدم تناسي عهد النبي بشأن الإمامة وقال: «يَا مَعَاشِرَ اَلْمُهَاجِرِينَ وَ اَلْأَنْصَارِ اَللَّهَ اَللَّهَ لاَ تَنْسَوْا عَهْدَ نَبِيِّكُمْ إِلَيْكُمْ فِي أَمْرِي وَ لاَ تُخْرِجُوا سُلْطَانَ مُحَمَّدٍ مِنْ دَارِهِ وَ قَعْرِ بَيْتِهِ إِلَى دُورِكُمْ وَ قَعْرِ بُيُوتِكُمْ»[١٥٠].

وقد ذكر الإمام علي عهد النبي الأكرم(ص) في موضع آخر على النحو الآتي: «وَ قَدْ كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ عَهِدَ إِلَيَّ عَهْداً فَقَالَ: يَا اِبْنَ أَبِي طَالِبٍ! لَكَ وِلاَيَتِي فَإِنْ وَلَّوْكَ فِي عَافِيَةٍ وَ رَجَعُوا عَلَيْكَ بِالرِّضَا فَقُمْ بِأَمْرِهِمْ، وَ إِنِ اِخْتَلَفُوا عَلَيْكَ فَدَعْهُمْ وَ مَا هُمْ فِيهِ».

وفي روايات أخرى تم استعمال مفردة الاختصاص والاصطفاء بدلاً من النصب. كما قال الإمام علي(ع) في خطبة الوسيلة بعد مرور سبعة أيام على وفاة رسول الله(ص)، إذ يقول: «وَ اِخْتَصَّنِي بِوَصِيَّتِهِ، وَ اِصْطَفَانِي بِخِلاَفَتِهِ»[١٥١].

المعادل الآخر للنصب هو «الاختيار» بمعنى الانتخاب والاصطفاء الحرّ الذي يكون عن علم واختيار. وقد أشار الإمام علي(ع) في بيان مسألة الخلافة إلى نظريتين؛

النظرية الأولى هي نظرية المخالفين القائلة بأن الناس قد اختاروا أبا بكر.

والنظرية الثانية: تقول بأن رسول الله قد اختار شخصاً بعينه، إذ يقول: «وَ زَعَمُوا أَنَّ مَنْ اِخْتَارُوا مِنْ آلِ أَبِي قُحَافَةَ أَوْلَى بِمَقَامِ رَسُولِ اَللَّهِ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مِمَّنِ اِخْتَارَهُ رَسُولُ اَللَّهِ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لِمَقَامِهِ»[١٥٢].

في هذه الرواية يستعرض الإمام علي(ع) رؤيتين، وهما: اختيار الناس، واختيار النبي الأكرم(ص)، وإنما لم يذكر الإمام اسمه صريحاً لوضوحه.

كما أطلق الإمام علي(ع) مفردة الاختيار ونسبها إلى الله في تنصيب الخليفة أيضاً، كما روى عن النبي الأكرم(ص) أنه قال: «أَلَا وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ نَظِرَةً؛ فَاخْتَارَ أَخِي عَلِيّاً وَزِيرِي وَخَلِيفَتِي فِي أُمَّتِي»[١٥٣].

إن من بين المفردات المعادلة للتنصيب مفردة الأخذ، حيث روى الإمام في تتمة الحديث السابق عن النبي الأكرم(ص) قوله: «فَأَوْحى إِلى أَنِ اتَّخِذْ عَلِيّاً أَخاً وَ وَصِيّاً وَ خَلِيفَةُ فِي أُمَّتِي بَعْدِي»[١٥٤].

حديث الغدير

لقد استشهد الإمام علي(ع) في مواطن مختلفة بحديث الغدير لإثبات إمامته، وفيما يأتي نشير إلى جانب من تلك المواطن:

ألقى الإمام علي(ع) بعد سبعة أيام على رحيل رسول الله(ص) خطبة عُرفت بخطبة الوسيلة، وتعرّض فيها إلى حادثة الغدير قائلاً: «خَرَجَ رَسُولُ اللهِ(ص) إِلَى حَجَّةِ الْوَدَاعِ، ثُمَّ صَارَ إِلَى غَدِيرِ خُمِّ، فَأَمَرَ فَأَصْلِحَ لَهُ شِبْهُ الْمِنْبَرِ، ثُمَّ عَلَاهُ وَأَخَذَ بِعَضُدِي حَتَّى رُنِي بَيَاضُ إِبْطَيْهِ، رَافِعاً صَوْتَهُ قَائِلاً فِي تَحْفِلِهِ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ، اللهمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ»[١٥٥]

في سياق مطالبة بعض أنصار الخليفة الأول من الإمام علي(ع) مبايعة أبي بكر، رفض الإمام مبايعته مستنداً في ذلك إلى حديث الغدير قائلاً: «يَا مَعَاشِرَ اَلْمُهَاجِرِينَ وَ اَلْأَنْصَارِ اَللَّهَ اَللَّهَ لاَ تَنْسَوْا عَهْدَ نَبِيِّكُمْ إِلَيْكُمْ فِي أَمْرِي وَ لاَ تُخْرِجُوا سُلْطَانَ مُحَمَّدٍ مِنْ دَارِهِ وَ قَعْرِ بَيْتِهِ إِلَى دُورِكُمْ وَ قَعْرِ بُيُوتِكُمْ »[١٥٦]

وقالت جماعة الأنصار: يا أبا الحسن لو كان هذا الكلام سمعته الأنصار منك قبل الانضمام لأبي بكر، ما اختلف فيك اثنان!

فقال علي(ع): « يَا هَؤُلاَءِ كُنْتُ أَدَعُ رَسُولَ اَللَّهِ مُسَجًّى لاَ أُوَارِيهِ وَ أَخْرُجُ أُنَازِعُ فِي سُلْطَانِهِ وَ اَللَّهِ مَا خِفْتُ أَحَداً يَسْمُو لَهُ وَ يُنَازِعُنَا أَهْلَ اَلْبَيْتِ فِيهِ وَ يَسْتَحِلُّ مَا اِسْتَحْلَلْتُمُوهُ وَ لاَ عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ تَرَكَ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ لِأَحَدٍ حُجَّةً وَ لاَ لِقَائِلٍ مَقَالاً »[١٥٧].

ثم طلب الإمام علي(ع) من الحضور أن يشهدوا بما سمعوه من كلام رسول الله في حجة الوداع وغدير خم، فقال: «فَأَنْشُدُ اَللَّهَ رَجُلاً سَمِعَ اَلنَّبِيَّ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ يَقُولُ مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَهَذَا عَلِيٌّ مَوْلاَهُ اَللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاَهُ وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ وَ اُنْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ وَ اُخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ»، أن يشهد بما سمع، قال زيد بن أرقم: فشهد اثنا عشر رجلاً بدرياً بذلك.

تحدث الإمام علي(ع) واصفاً حديث الغدير بشكل صريح قائلاً: «هَذَا يَوْمُ اَلنُّصُوصِ عَلَى أَهْلِ اَلْخُصُوصِ هَذَا يَوْمُ شِيثٍ هَذَا يَوْمُ إِدْرِيسَ هَذَا يَوْمُ يُوشَعَ هَذَا يَوْمُ شَمْعُونَ »[١٥٨].

إن دلالة ألفاظ هذا الحديث كالنص، وإن سرد الإمام علي(ع) الأسماء أوصياء الأنبياء المنصوبين إلى الحكم والخلافة بعدهم من قبل الله سبحانه وتعالى، لا يبقي حاجة إلى مزيد من التوضيح.

عندما اقتحم أبو بكر وعمر دار الإمام علي(ع)، لأخذ البيعة منه بالإكراه، أجاب الإمام عن ذلك في مسجد الرسول(ص) قائلاً بعد حمد الله والثناء عليه: «إِنَّ فُلاَناً وَ فُلاَناً أَتَيَانِي وَ طَالَبَانِي بِالْبَيْعَةِ لِمَنْ سَبِيلُهُ أَنْ يُبَايِعَنِي، أَنَا اِبْنُ عَمِّ اَلنَّبِيِّ، وَ أَبُو اِبْنَيْهِ، وَ اَلصِّدِّيقُ اَلْأَكْبَرُ، وَ أَخُو رَسُولِ اَللَّهِ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، لاَ يَقُولُهَا أَحَدٌ غَيْرِي إِلاَّ كَاذِبٌ، وَ أَسْلَمْتُ وَ صَلَّيْتُ، وَ أَنَا وَصِيُّهُ، وَ زَوْجُ اِبْنَتِهِ سَيِّدَةِ نِسَاءِ اَلْعَالَمِينَ فَاطِمَةَ بِنْتِ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَ أَبُو حَسَنٍ وَ حُسَيْنٍ سِبْطَيْ رَسُولِ اَللَّهِ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَ نَحْنُ أَهْلُ بَيْتِ اَلرَّحْمَةِ، بِنَا هَدَاكُمُ اَللَّهُ، وَ بِنَا اِسْتَنْقَذَكُمْ مِنَ اَلضَّلاَلَةِ، وَ أَنَا صَاحِبُ يَوْمِ اَلدَّوْحِ، وَ فِيَّ نَزَلَتْ سُورَةٌ مِنَ اَلْقُرْآنِ، وَ أَنَا اَلْوَصِيُّ عَلَى اَلْأَمْوَاتِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَ أَنَا ثِقَتُهُ عَلَى اَلْأَحْيَاءِ مِنْ أُمَّتِهِ»[١٥٩]. ثم رجع إلى بيته [ولم يبايع].

عاد أبو بكر وعمر إلى دار الإمام علي(ع) ثانية، لأخذ البيعة منه هذه المرة بالإكراه والتهديد والعنف على ما هو مسجل في كتب التاريخ. فأصرّ الإمام علي عدم البيعة؛ فهدّده عمر بالقتل. وحيث أن الإمام علي(ع) رأى أن العلاج في هذه الظروف لا يتم عبر الاحتكام إلى السلاح، توجه إلى الحاضرين من المهاجرين والأنصار بالخطاب مطالباً إياهم أن يتذكروا يوم الغدير وواقعة تبوك: «يَا مَعْشَرَ اَلْمُسْلِمِينَ وَ اَلْمُهَاجِرِينَ وَ اَلْأَنْصَارِ أَنْشُدُكُمُ اَللَّهَ أَ سَمِعْتُمْ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ يَقُولُ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ كَذَا وَ كَذَا وَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ كَذَا وَ كَذَا فَلَمْ يَدَعْ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ شَيْئاً قَالَهُ فِيهِ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ عَلاَنِيَةً لِلْعَامَّةِ إِلاَّ ذَكَّرَهُمْ إِيَّاهُ فَقَالُوا اَللَّهُمَّ نَعَمْ».

وقد تواصل الجدال بين الإمام علي(ع) وشيعته من جهة، والخليفة الأول والثاني وأتباعهما من جهة ثانية، ويمكن للقارئ الكريم أن يرجع إلى ذلك في المصادر التاريخية المذكورة في الهامش[١٦٠].

إن احتجاج الإمام علي(ع) على مسألة التنصيب وكلماته الخاصة مع الخليفة الأول والثاني وسائر المسلمين من التضافر والتواتر بحيث تغنينا عن ذكرها.

لم يقتصر احتجاج الإمام علي(ع) بحديث الغدير على الأيام الأولى من رحيل النبي الأكرم(ص)، بل استمر إلى عصر الخليفة الثاني والثالث، وفترة إمامته أيضاً، فعلى سبيل المثال قام في عهد عثمان في جمع من بني هاشم و سلمان و أبي ذر وصحابة آخرين في إشارة إلى الأخطاء التي ارتكبها الخليفة الأول والثاني، وحضورهم في يوم غدير خم، قائلاً: « وَ هُوَ صَاحِبُ يَوْمِ غَدِيرِ خُمٍّ إِذْ قَالَ هُوَ وَ صَاحِبُهُ حِينَ نَصَبَنِي رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ لِوَلاَيَتِي فَقَالَ مَا يَأْلُو أَنْ يَرْفَعَ خَسِيسَتَهُ [وَ قَالَ اَلْآخَرُ مَا يَأْلُو رَفْعاً بِضَبْعِ اِبْنِ عَمِّهِ ] وَ قَالَ لِصَاحِبِهِ [وَ أَنَا مَنْصُوبٌ] إِنَّ هَذِهِ لَهِيَ اَلْكَرَامَةُ فَقَطَّبَ [صَاحِبُهُ] فِي وَجْهِهِ وَ قَالَ لاَ وَ اَللَّهِ لاَ أَسْمَعُ لَهُ وَ لاَ أُطِيعُ أَبَداً [ثُمَّ اِتَّكَأَ عَلَيْهِ ثُمَّ تَمَطَّى وَ اِنْصَرَفَا فَأَنْزَلَ اَللَّهُ فِيهِ ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى[١٦١]».[١٦٢]

حدّد الخليفة الثاني تعيين الخليفة القادم ضمن إطار من الشورى يضم ستة أشخاص، وهم: (علي بن أبي طالب(ع)، و عثمان بن عفان، و طلحة، و الزبير بن العوام، و عبد الرحمن بن عوف، و سعد بن أبي وقاص). وفي هذه الحبكة السياسية لم يتنازل الإمام عن حقه المشروع في أمر الإمام من طريق التنصيب الإلهى، واستند في ذلك علاوة على كفاءاته الذاتية إلى مختلف الأحاديث المروية عن النبي الأكرم(ص) في تنصيبه إماماً وخليفة على المسلمين، كما طالب الحضور بالاهتمام بمسألة تنصيب النبي وعدم تجاهل ذلك إذ يقول:«نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ نَصَبَهُ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ بِأَمْرِ اَللَّهِ، فَقَالَ: مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ، اَللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاَهُ وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لاَ. قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ أَخُو رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فِي اَلْحَضَرِ وَ رَفِيقُهُ فِي اَلسَّفَرِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لاَ. ... قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ أَخَذَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ يَوْمَ بَدْرٍ بِيَدِهِ فَرَفَعَهَا حَتَّى نَظَرَ اَلنَّاسُ إِلَى بَيَاضِ إِبْطِهِ وَ يَقُولُ: أَلاَ إِنَّ هَذَا اِبْنُ عَمِّي وَ وَزِيرِي فَوَازِرُوهُ وَ نَاصِحُوهُ وَ صَدِّقُوهُ فَإِنَّهُ وَلِيُّكُمْ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لاَ.»[١٦٣].

قال الإمام علي(ع) في عصر خلافة عثمان وكان في جمع من المهاجرين والأنصار، وكان كل واحد منهم يباهي ويفاخر بفضله: أتعلمون أن الناس عندما سألوا عن تفسير آية «أولي الأمر» و«وليكم الله»، أمر الله نبيه أن يعيّن لهم إمامهم؛ فنصبني إماماً على الناس. ثم قام الإمام بعد ذلك بتفصيل روايات النص[١٦٤].

وقد استمر تمسّك الإمام بحديث الغدير في فترة خلافته وفي أيام الحرب على مخالفيه أيضاً.

في معركة الجمل كان طلحة في الجيش الذي خرج لقتال الإمام علي(ع)، فأرسل الإمام علي(ع) إليه ليلتقيه، فناشده عند اللقاء أن يتذكر حديث الغدير، فقال طلحة: لا أتذكره. فتركه الإمام بعد تذكيره بذلك[١٦٥].

أشار الإمام علي(ع) في معركة صفين إلى مشروعية حكومته ومسألة تنصيبه من قبل النبي الأكرم(ص) في يوم الغدير، تشجيعاً لجيشه وحتّه على مواصلة القتال، قائلاً: « أَ مَا سَمِعْتُمْ قَوْلَ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ يَوْمَ اَلْغَدِيرِ فِي وَلاَيَتِي وَ مُوَالاَتِي؟»[١٦٦].

وفي يوم من أيام صفين صعد الإمام علي(ص) منبراً، فبيّن للناس فضائله وأكد في ضمن ذلك على مسألة تنصيبه إماماً على المسلمين من قبل النبي الأكرم(ص) بأمر من الله. وكان في جيشه من كان حاضراً يوم الغدير؛ فصدقه على ذلك[١٦٧].

وقال الإمام علي(ع) ردّاً على معاوية في إثبات مشروعية الحرب ومشروعية حكمه، مستنداً إلى مسألة التنصيب: «فَالْعَجَبُ مِنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ يُنَازِعُنِي اَلْخِلاَفَةَ وَ يَجْحَدُنِي اَلْإِمَامَةَ وَ يَزْعُمُ أَنَّهُ أَحَقُّ بِهَا مِنِّي جُرْأَةً مِنْهُ عَلَى اَللَّهِ وَ عَلَى رَسُولِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ لَهُ فِيهَا وَ لاَ حُجَّةٍ لَمْ يُبَايِعْهُ عَلَيْهَا اَلْمُهَاجِرُونَ وَ لاَ سَلَّمَ لَهُ اَلْأَنْصَارُ وَ اَلْمُسْلِمُونَ يَا مَعْشَرَ اَلْمُهَاجِرِينَ وَ اَلْأَنْصَارِ ... أَ مَا سَمِعْتُمْ قَوْلَ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ يَوْمَ اَلْغَدِيرِ فِي وَلاَيَتِي وَ مُوَالاَتِي ؟»[١٦٨].

كان الإمام علي(ع) يغتنم كل مناسبة وتجمع مهما صغر أو كبر،من أجل تذكير الناس بمسألة الإمامة وأصل التنصيب الإلهي، ويولي هذه المسألة عناية خاصة. وكان أحياناً يطلب من بعض الحاضرين أن يقوموا بالشهادة على ما رأوه وسمعوه من رسول الله فى يوم الغدير. ويطلق على مناشدات الإمام علي(ع) للصحابة والمخاطبين بالشهادة على حادثة الغدير في المصطلح الروائي والتاريخي بـ «المناقشات» على ما هو مسجل في المصادر التاريخية الأعم من الشيعية والسنة، ومن ذلك ما جاء في مسند أحمد بن حنبل روايته «عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، قَالَ: جَمَعَ عَلِيٌّ - رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُ - النَّاسَ فِي - الرَّحَبَةِ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَنْشُدُ الله كُلَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ(ص) يَقُولُ يَوْمَ غَدِيرِ خُمَّ مَا سَمِعَ لَما قَامَ؛ فَقَامَ ثَلَاثُونَ مِنْ النَّاسِ، وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: فَقَامَ نَاسٌ كَثِيرٌ فَشَهِدُوا حِينَ أَخَذَهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: أَتَعْلَمُونَ أَنِّي أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ الله قَالَ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا مَوْلَاهُ، اللهمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ. قَالَ: فَخَرَجْتُ وَكَأَنَّ فِي نَفْسِي شَيْئًا، فَلَقِيتُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي سَمِعْتُ عَلِيًّا - رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُ - يَقُولُ كَذَا وَكَذَا قَالَ: فَمَا تُنْكِرُ، قَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ ذَلكَ لَهُ»[١٦٩].

اغتنم الإمام علي خطبة صلاة جمعة - صادفت يوم الغدير - فأخذ يشرح أبعاد هذه المسألة ثم وصف الغدير بأنه يوم عيد الدين وإكماله، حيث أوحى الله إلى نبيه أن يبلغ الناس بشأن المنتخبين والمنتجبين[١٧٠].

عمد الإمام علي(ع) في أواخر عمره الشريف بعد رجوعه من حرب النهروان - حيث عاد النقاش بشأن حكومة وخلافة الخلفاء الثلاثة الأوائل - إلى بيان مواقفه بشكل تفصيلي ضمن رسالة، ومما جاء فيها أن حكم الأمة أولاً كان على عاتق رسول الله(ص)، وبعد رحيله انتقلت هذه المسؤولية إليه؛ حيث اعتبر الإمام علي(ع) نفسه هو الحجة، واستند لذلك بحديث الغدير، إذ يقول: «أَنَّ نَبِيَّ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قَالَ: اَلْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، فَجَاءَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ بِعِتْقِ اَلرِّقَابِ مِنَ اَلنَّارِ، وَ أَعْتَقَهَا مِنَ اَلرِّقِّ، فَكَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَلاَءُ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ، وَ كَانَ لِي بَعْدَهُ مَا كَانَ لَهُ، فَمَا جَازَ لِقُرَيْشٍ مِنْ فَضْلِهَا عَلَيْهَا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ جَازَ لِبَنِي هَاشِمٍ عَلَى قُرَيْشٍ، وَ جَازَ لِي عَلَى بَنِي هَاشِمٍ، بِقَوْلِ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ : مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَهَذَا عَلِيٌّ مَوْلاَهُ»[١٧١].

حديث المنزلة

لقد طلب النبي موسى(ع) من الله أن يشدّ عضده بأخيه هارون(ع)،على ما بينه الله سبحانه وتعالى في قوله حكاية عنه: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي[١٧٢].

فيتضح من خلال هذه الآيات أن مسؤوليات هارون(ع) تتلخص في الأمور الخمسة الآتية:

  1. الوزارة.
  2. الدعم والمؤازرة.
  3. المشاركة في أمر تبليغ الرسالة.
  4. الخلافة.
  5. النبوة.

وقد وصف النبيالأكرم(ص) علاقته مع الإمام علي(ع) بأنها مثل العلاقة التي كانت قائمة بين النبي موسى(ع) وأخيه هارون(ع)، وقد بين هذه العلاقة في الكثير من المواطن، من قبيل: اليوم الأول من أيام الدعوة العامة، ويوم المؤاخاة بين المسلمين (اليوم الأول من وصوله إلى المدينة المنوّرة)، وعند إغلاق جميع الأبواب الشارعة إلى مسجد النبي باستثناء باب الإمام علي(ع)، وبعد فتح خيبر، وبعد واقعة تبوك، إذ قال لعلي في جميع المواطن: «أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى غَيْرَ أَنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي، غَيْرِي؟!»[١٧٣].

إن دلالة هذا الحديث على إمامة الإمام علي(ع) وخلافته واضحة، فكما تقدم أن ذكرنا فإن لهارون وظائف ومسؤوليات مختلفة تفرعت إليه عن النبي موسى(ع)، وهي: «القيادة الدينية والسياسية والاجتماعية، وبعبارة واحدة: الخلافة في جميع المجالات)، وقد عمد النبي الأكرم(ص) إلى إثبات جميع هذه الوظائف والمسؤوليات لأخيه الإمام علي بن أبي طالب، ولم يستثن منها غير النبوة.

وكان الإمام علي(ع) يستند لإثبات مشروعيته الإلهية في الإمامة بحديث المنزلة، ولا يخفى ما في ذلك من تأكيد على دلالة هذا الحديث على إمامتة.

احتج الإمام علي(ع) في بعض احتجاجاته على أبي بكر بحديث المنزلة، إذ قال له: «أنشدك بالله ألى الوزارة من رسول الله(ص) والمثل من هارون وموسى أم لك؟ قال: بل لك» [١٧٤].

قال على(ع): «...مَرَرْتُ بِالصُّهَاكِيِّ يَوْماً فَقَالَ لِي مَا مَثَلُ مُحَمَّدٍ إِلاَّ كَمَثَلِ نَخْلَةٍ نَبَتَتْ فِي كُنَاسَةٍ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَغَضِبَ اَلنَّبِيُّ وَ خَرَجَ فَأَتَى اَلْمِنْبَرَ وَ فَزِعَتِ اَلْأَنْصَارُ فَجَاءَتْ شَاكَةً فِي اَلسِّلاحٍ لِمَا رَأَتْ مِنْ غَضَبِ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَقَالَ مَا بَالُ أَقْوَامٍ يُعَيِّرُونَنِي بِقَرَابَتِي وَ قَدْ سَمِعُوا مِنِّي مَا قُلْتُ فِي فَضْلِهِمْ وَ تَفْضِيلِ اَللَّهِ إِيَّاهُمْ وَ مَا اِخْتَصَّهُمُ اَللَّهُ بِهِ مِنْ إِذْهَابِ اَلرِّجْسِ عَنْهُمْ وَ تَطْهِيرِ اَللَّهِ إِيَّاهُمْ وَ قَدْ سَمِعْتُمْ مَا قُلْتُ فِي أَفْضَلِ أَهْلِ بَيْتِي وَ خَيْرِهِمْ مِمَّا خَصَّهُ اَللَّهُ بِهِ وَ أَكْرَمَهُ وَ فَضَّلَهُ مِنْ سَبْقِهِ فِي اَلْإِسْلاَمِ وَ بَلاَئِهِ فِيهِ وَ قَرَابَتِهِ مِنِّي وَ أَنَّهُ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى ثُمَّ تَزْعُمُونَ أَنَّ مَثَلِي فِي أَهْلِ بَيْتِي كَمَثَلِ نَخْلَةٍ نَبَتَتْ فِي كُنَاسَةٍ؟!»[١٧٥]

كما قال الإمام علي(ع) في خطبة الوسيلة بعد مرور سبعة أيام على وفاة رسول الله(ص)، ضمن تذكيره بأن كل نبي كان يعين النبي وخليفته من بعده لهداية الناس وحمايتهم من الضلال، وهكذا كان النبي الأكرم(ص) وهو خاتم الأنبياء، وأنه نصبني خليفة من بعده في جميع الأمور باستثناء النبوة إذ قال: «أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّ عَلِيّاً مِنِّي كَهَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلاَّ أَنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي ». ثم استطرد الإمام علي(ع) بعد ذلك شارحاً معنى هذا الحديث، حيث قال: «كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ اِسْتِخْلاَفاً لِي كَمَا اِسْتَخْلَفَ مُوسَى هَارُونَ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِمَا »[١٧٦].

كما استند الإمام علي(ع) إلى حديث المنزلة في مسألة الشورى بعد موت عمر بن الخطاب، لإثبات إمامته، حيث توجه إلى أعضاء تلك الشورى وقال لهم: «نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلاَّ أَنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي غَيْرِي؟ قَالُوا لاَ »[١٧٧].

حديث الخلافة

يأتي لفظ الخليفة والخلافة بمعنى الحكومة والقيادة السياسية والاجتماعية وكان في تلك العصور يدلّ على القيادة الدينية أيضاً. وقد عمد الإمام علي(ع) في بعض المواطن في إثبات إمامته إلى الاستناد لاختياره من قبل رسول الله ليكون خليفة له، وفيما يأتي نشير إلى بعض هذه المواطن:

استند الإمام علي(ع) في خطبة الوسيلة بعد مرور سبعة أيام على وفاة رسول الله(ص) إلى مسألة تنصيبه من قبل النبي الأكرم خليفة له على الأمة الإسلامية، حيث قال: «فَإِنَّ الله تَبَارَكَ اسْمُهُ ... اخْتَصَّنِي بِوَصِيَّتِهِ وَاصْطَفَانِي بِخِلَافَتِهِ فِي أُمَّتِه»[١٧٨].

ثم استطرد الإمام علي(ع) بعد ذلك شاكياً من اغتصاب حقه، معتبراً ذلك انحرافاً عن الإسلام، وتمرداً على الرسول، وظلما وجوراً عليه، حيث قال: «وَاسْتَبْدَلُوا بِمُسْتَخْلَفِهِ بَدِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ، وَزَعَمُوا أَنَّ مَن اخْتَارُوا مِنْ آلِ أَبِي قُحَافَةَ أَوْلَى بِمَقَامِ رَسُولِ اللهُ(ص) مِمَّنِ اخْتَارَ رَسُولُ اللهُ(ص) لِمَقَامِهِ .. أَلَا وَإِنَّ أَوَّلَ شَهَادَةِ زُورٍ وَقَعَتْ فِي الْإِسْلَامِ، شَهَادَتْهُمْ أَنَّ صَاحِبَهُمْ مُسْتَخْلَفُ رَسُولِ الله(ص)، فَلَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ مَا كَانَ، رَجَعُوا عَنْ ذَلِكَ وَقَالُوا: إِنَّ رَسُولَ الله(ص) مَضَى وَلَمْ يَسْتَخْلِفْ؛ فَكَانَ رَسُولُ اللهِ(ص) الطَّيِّبُ الْمُبَارَكُ أَوَّلَ مَشْهُودٍ عَلَيْهِ بِالنُّورِ فِي الْإِسْلَامِ»[١٧٩].

قال الإمام علي(ع) في مقام الاستدلال في حادثة الشورى المعينة من قبل عمر بن الخطاب: «نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ: أَنْتَ اَلْخَلِيفَةُ فِي اَلْأَهْلِ وَ اَلْوَلَدِ وَ اَلْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ غَيْبَةٍ»[١٨٠].

أشار الإمام علي(ع) إلى خطبة رسول الله(ص) بشأن تعيينه خليفة له في أمته، قائلاً: « أَلاَ وَ إِنَّ اَللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ اَلْأَرْضِ نَظْرَةً فَاخْتَارَ مِنْهُمْ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَا فَبَعَثَنِي رَسُولاً وَ نَبِيّاً وَ اَلْآخَرُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ أَتَّخِذَهُ أَخاً وَ خَلِيلاً وَ وَزِيراً وَ وَصِيّاً وَ خَلِيفَةً أَلاَ وَ إِنَّهُ وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ بَعْدِي»[١٨١].

أجاب الإمام علي(ع) في المسجد بحضور عدد من بني هاشم، وبعض شيعته من أمثال: أبي ذر الغفاري، و المقداد بن الأسود، و محمد بن أبي بكر، عن ادعاء المخالفين عدم استخلاف النبي الأكرم(ص) الأحد، وتركه الأمر إلى المسلمين، قائلاً: « سُبْحَانَ اَللَّهِ مِمَّا أُشْرِبَتْ قُلُوبُ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ [مِنْ بَلِيَّتِهِمَا وَ فِتْنَتِهِمَا] [مِنْ عِجْلِهَا وَ سَامِرِيِّهَا] إِنَّهُمْ أَقَرُّوا وَ اِدَّعَوْا أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ [لَمْ يَسْتَخْلِفْ أَحَداً وَ أَنَّهُ أُمِرَ بِالشُّورَى »[١٨٢].

ثم ذكر الإمام علي(ع) بأنهم لم يلتزموا حتى بما ادعوه من أن النبي لم يستخلف، إذ قال: «وَ اَلْعَجَبُ أَنَّهُمْ أَقَرُّوا ثُمَّ اِدَّعَوْا أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ لَمْ يَسْتَخْلِفْ أَحَداً وَ أَنَّهُمْ أُمِرُوا بِالشُّورَى ثُمَّ أَقَرُّوا أَنَّهُمْ لَمْ يُشَاوِرُوا فِي أَبِي بَكْرٍ وَ أَنَّ بَيْعَتَهُ كَانَتْ فَلْتَةً وَ أَيُّ ذَنْبٍ أَعْظَمُ مِنَ اَلْفَلْتَةِ ثُمَّ اِسْتَخْلَفَ أَبُو بَكْرٍ عُمَرَ وَ لَمْ يَقْتَدِ بِرَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَيَدَعَهُمْ بِغَيْرِ اِسْتِخْلافٍ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ أَدَعُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ كَالنَّعْلِ اَلْخَلَقِ أَدَعُهُمْ بِغَيْرِ أَحَدٍ أَسْتَخْلِفُ عَلَيْهِمْ طَعْناً مِنْهُ عَلَى رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ رَغْبَةً عَنْ رَأْيِهِ- ثُمَّ صَنَعَ عُمَرُ شَيْئاً ثَالِثاً لَمْ يَدَعْهُمْ عَلَى مَا اِدَّعَى أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ لَمْ يَسْتَخْلِفْ وَ لاَ اِسْتَخْلَفَ كَمَا اِسْتَخْلَفَ أَبُو بَكْرٍ وَ جَاءَ بِشَيْءٍ ثَالِثٍ وَ جَعَلَهَا شُورَى بَيْنَ سِتَّةِ نَفَرٍ وَ أَخْرَجَ مِنْهَا جَمِيعَ اَلْعَرَبِ»[١٨٣].

حديث الوزارة

قام النبي الأكرم(ص) في بعض النصوص بتعريف الإمام علي(ع) بوصفه وزيراً له. ومن الواضح أن اختيار الإمام علي لهذا المنصب علاوة على صلاحيته وكماله الذاتي، يحكي عن تنصيبه وتعيينه لهذا المنصب من قبل النبي الأكرم(ص) . وربما توهّم شخص هنا بأن وزارة الإمام علي(ع) تختص بفترة . حياة النبي الأكرم ولا تشمل فترة ما بعد رحيله.

وفي الجواب عن ذلك يجب القول: إن النصوص المأثورة عن النبي الأكرم(ص) في هذا الشأن تعبّر عن أن هذا المنصب إنما خص به الإمام علي لما يتمتع به من الصفات الذاتية، وليس هناك من داع أو سبب لتغييره وعزله عما ثبت له في حياة رسول الله(ص) .

وبعبارة أخرى: إن نصوص النبي الأكرم(ص) مطلقة، بل صريحة في شمولها لما بعد رحيله(ص). والدليل على ذلك استناد الإمام علي إلى هذه النصوص واستشهاده بها في معرض الاستدلال على المخالفين، ولم يشكل عليه أحد من هؤلاء المخالفين بإيراد هذه الشبهة. وبعد هذا التوضيح، نشير إلى عدد من الروايات الواردة بهذا الشأن:

إن الإمام طلب من أبي بكر بن أبي قحافة أن يجيبه في مقام المحاججة عن حديث الوزارة قائلاً: «أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَ لِيَ اَلْوِزَارَةُ مِنْ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ اَلْمَثَلُ مِنْ هَارُونَ وَ مُوسَى، أَمْ لَكَ ؟ قَالَ: بَلْ لَكَ.»[١٨٤].

وبذلك يذعن أبو بكر لدليل الإمام علي(ع)، ولا يطرح شبهة اختصاص ذلك بفترة حياة النبي الأكرم(ص).

أن الإمام علي(ع) كان يستدل بحديث النبي الأكرم(ص) على تعيينه في منصب الوزارة بأمر من لله في مقام احتجاجه على المخالفين، والملفت للانتباه في هذا الاستدلال هو إسناد اختصاص الوزارة بالإمام علي(ع) بأنها كانت بأمر من الله، وهو أمرٌ يُثبت استمرار هذه الإمامة إلى ما بعد رحيل رسول الله(ص)، إذ يقول: «أَلَا وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ نَظِرَةً؛ فَاخْتَارَ أَخِي عَلِيّاً وَزِيرِي وَخَلِيفَتِي فِي أُمَّتِي وَ إِنَّهُ وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ بَعْدِي»[١٨٥].

كما استند الإمام علي في معرض الاحتجاج على أصحاب الشورى التي رشحها عمر بن الخطاب إلى فقرة من كلام رسول الله(ص) في حقه، إذ قال لهم: «نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ أَنْتَ أَخِي وَ وَزِيرِي وَ صَاحِبِي مِنْ أَهْلِي غَيْرِي؟ قَالُوا لاَ »[١٨٦].

واضح أن هذا الحديث لو لم يكن يدل على إمامته وحكومته لما استدل به أصلاً، هذا أولاً. وثانياً: لكان أعضاء الشورى قد اعترضوا على هذا الاستدلال، في حين أنهم لم يفعلوا ذلك، بل أيدوه.

لقد استعمل النبي الأكرم(ص) ووصف الإمام علي(ع) بالوزير في حديث غدير خم أيضاً، من هنا نجد الإمام علي(ع) في معرض استدلاله على أصحاب الشورى ومناشدته لهم، يشير إلى حديث الغدير قائلاً: {{نص حديث| نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدُ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ يَوْمِ غَدِيرِ خُمٍّ بِيَدِهِ فَرَفَعَهَا حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَى بَيَاضٍ إِبْطَهُ وَيَقُولُ: أَلَا إِنَّ هَذَا ابْنُ عَمِّي وَوَزِيرِي فوازروه وناصحوه وَصَدَّقُوهُ فَإِنَّهُ وَلِيُّكُمُ، غَيْرِي؟!. قالُوا: لَا.»[١٨٧].

إن تعريف النبي الأكرم(ص) للإمام علي(ع) بوصفه وزيراً له في سنوات حياته الأخيرة، ودعوة الناس إلى التعاطي معه بوصفه وزيراً، ومناصحته وتصديقه وتعريفه بوصفه «وليا»، كلها شواهد على قيادته السياسية والمعنوية بعد رحيله ولا تختص بمرجعيته العلمية والدينية؛ لأن تعابير من قبيل: الوزير، والدعوة إلى مناصحته، وتعريفه بوصفه ولياً وخليفة له إنما ينسجم مع مرجعيته العلمية والسياسية.

حديث أمير المؤمنين

إن عبارة «أمير المؤمنين» في صدر الإسلام كانت تعد من العبارات السياسية والاجتماعية التي تطلق من قبل الناس - بشكل وآخر - على الحاكم والزعيم السياسي والروحي. وكان النبي يصف الإمام علي(ع) في مختلف المواطن بأنه «أمير المؤمنين»، أو ينادي عليه بـ «إمرة المؤمنين»، وكان يأمر المسلمين عند إلقاء التحية والسلام على الإمام علي بوصفه أمير المؤمنين، وليس بوصفه فرداً عادياً، وبذلك كان يرمي إلى تمهيد الأرضية لحكمه في المستقبل. وقد أشار الإمام علي إلى هذه الحقيقة في معرض احتجاجه على الخصوم، وهو أمر يثبت دلالة هذا المفهوم على المدعى، وفيما يأتي نشير إلى بعض هذه الموارد:

إن الإمام علي(ع) في معرض محاججته لأبي بكر بذكر مختلف الأدلة على إمامته، يذكر هذا الحديث بوصفه واحداً من أدلته، إذ يقول: «فَأَنْشُدُكَ اَللَّهَ أَنَا اَلَّذِي أَمَرَ لِي رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ أَصْحَابَهُ بِالسَّلاَمِ عَلَيَّ بِالْإِمْرَةِ فِي حَيَاتِهِ، أَمْ أَنْتَ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتَ»[١٨٨]

الاستنتاجات

  1. لست أدعي قطعية جميع الأسانيد والروايات الواردة في المصادر، ومن بينها اعتبار جميع روايات كتاب (سليم بن قيس الهلالي)[١٨٩] وقطعيتها، ولربما كان بعضها يعاني من بعض المشاكل الروائية، من قبيل: الضعف أو الرفع، ولكن هناك فى الوقت نفسه روايات صحيحة وموثوقة، أجمعت على نقلها المصادر الشيعية والسنية على السواء. ومن خلال التأمل في مجموع الروايات والأسانيد المتنوعة الناظرة إلى محتوى واحد، يحصل لنا علم بالتواتر الاجمالي والمعنوي، ويمكن القول على هذا الأساس بأنّ الإمام علي(ع) قد احتج قطعاً على مخالفيه بالنصوص النبوية، ومن هذه الناحية لا يمكن التشكيك في اعتبار هذه الروايات والطعن بها.
  2. يستفاد من مجموع الروايات وكذلك استناد الإمام علي(ع) واستشهاده بهذه النصوص فيما يتعلق بمسألة الخلافة والإمامة والبيعة، أن روايات النبي الأكرم(ص) تعنى الإمامة بمعناها العام الناظر إلى المرجعية العلمية والدينية والخلافة والقيادة السياسية والاجتماعية.
  3. يُفهم من كلمات الروايات ومضامينها أن تعيين الإمام علي(ع) بوصفه خليفة وإماماً على الأمة، لم يكن مجرد تعريف على مستوى الترشيح، بل بوصفه تنصيباً إلهياً ونبوياً، وإن هذا التنصيب يجب على الأمة الإسلامية إطاعته بوصفه واجباً دينياً.
  4. يُستفاد من الروايات النبوية التي يستند إليها الإمام علي(ع) أنه كان يرى العنصر الأساسي في الإمامة هو وجود التنصيب الإلهي والسماوي، ويعتقد بأن هذا الأصل لم يتحقق إلا بالنسبة له، ولم يشمل أي واحد من الخلفاء الآخرين. وعليه ينبغي بالذي يؤمن بالإمام علي(ع) وعدالته وصدقه في الحد الأدنى، أن يتعامل مع مذهب الإمام بوصفه أصلاً دينياً، وأن لا ينكره أو يعمل على تأويله لمجرد عدم العثور على نصوص التنصيب. وأما أهل السنة الذين يؤمنون - في الحد الأدنى - بصدق وعدالة الإمام(ع) بوصفه واحداً من أفضل الصحابة، فعليهم أن يجيبوا عن جميع هذه الاحتجاجات المنطقية والوجدانية التي صدع بها الإمام؛ فإنهم مسؤولون عن ذلك أمام الله في الدنيا والآخرة. ولا يكفي مجرد حمل هذا الكم الهائل من النصوص على أحقيته وأفضليته، كما تقدم في بداية شبهة ابن أبي الحديد المعتزلي[١٩٠]، بل هذا في الحقيقة ترك لنصوص النبي الأكرم(ص)، ويمكن القول بجرأة أن هذا الأمر ينطوي على اتهام الإمام بالمبالغة والكذب - والعياذ بالله - تبييضاً لصفحة سائر الخلفاء الآخرين.
  5. الأمر الأخير: إن أصل التنصيب هو من أركان مذهب التشيع، وليس الإسلام. فإذا قام شخص بتأويل النصوص صادقاً فيما بينه وبين الله، ولم يكن مكابراً أو معانداً، فإنه سيكون عندها منكراً لركن من الأركان الرئيسة في مذهب التشيّع، ولا يخرجه ذلك من ربقة الإسلام، فإن للإسلام والإيمان مراتب ودرجات. وبعبارة أخرى: إن أصل الإمامة من أصول التشيع دون الإسلام، وقد ذكرت تفصيل هذا الأمر في موضع آخر.[١٩١]

المراجع والمصادر

  1. محمد حسن قدردان قراملكي، الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية

الهوامش

  1. تاريخ الطبري، ج ٢، ص ٨٤ ؛ سيرة ابن هشام، ج ٢، ص ٥٥ ؛ السيرة الحلبية، ج ٢، ص ٣.
  2. انظر: سيرة ابن كثير، ج ٢، ص ١٥٩.
  3. انظر: المصدر أعلاه، ج ٢، ص ١١٤.
  4. محمد حسن قدردان قراملكي، الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٤٠-٤٢.
  5. ابن سينا، الإلهيات من كتاب الشفاء، ص ٤٥١.
  6. سورة يونس، الآية ٣٥.
  7. انظر: کشف المراد، ص ٩٥؛الشافي في الإمامة، ج ٢، ص ٥.
  8. سورة البقرة، الآية ١٨٠.
  9. انظر: الفضل بن شاذان، الإيضاح، ص ١٠٥.
  10. انظر: كشف المراد، ص ٤٩٦.
  11. انظر: تاريخ مدينة دمشق، ج ١٨، ص ٣١٠؛ تاريخ الطبري، ج ٢، ص ٥٩١، أحداث سنة ١٣.
  12. توضیح ذلك أن ابن أبي الحديد المعتزلي يعيد الإشكال بعد هذا الكلام ثانية ويقول: إن ظاهر هذه الخطبة هو الاستدلال من قبل الإمام من طريق الأولوية دون النص. وقال أبو جعفر في الجواب: حيث كانت هذه الخطبة جواباً عن سؤال يقول: مع أنك أقرب إلى النبي وأولى من غيرك في استلام الحكم، فلماذا تم استبعادك عن الحكم؟ فأعطى الإمام الجواب المناسب على هذا السؤال. وعلاوة على جواب أبي جعفر سوف نشير في هذا الكتاب إلى مختلف احتجاجات الإمام علي(ع) على أصل التنصيب.
  13. ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ٩، ص ٢٤٨ - ٢٥٠.
  14. محمد حسن قدردان قراملكي، الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٤٥-٥٥.
  15. انظر: شاهراه اتحاد، ص ٢٥٤.
  16. انظر: أحمد الكاتب، تطور الفكر السياسي الشيعي، ص ١٦.
  17. سورة الأحزاب، الآية ٣٣.
  18. انظر: الترمذي، صحيح الترمذي، ج ٥، ص ٣٢٧؛ تفسير الدر المنثور، تفسير الآية؛ العلامة الحسيني الطهراني امام شناسی، ج ٣، ص ١٦٢ - ١٧٢.
  19. انظر: الخوارزمي، المناقب، ص ١٢٩.
  20. انظر: الحسكاني، شواهد التنزيل، ج ٢، ص ٣١؛تاريخ مدينة دمشق، ج١٣، ص٢٦٩؛ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ١٦، ص ٢٢. لمزيد من التوضيح انظر: العلامة الحسيني الطهراني، امام شناسي، ج ٣، ص ١٤١ فما بعد.
  21. سورة الرعد، الآية ٧.
  22. انظر: تفسير ابن كثير، ج ٢، ص ٥٠٣؛ تفسير الطبري، ج ١٣، ص ١٠٨؛ تفسير روح المعاني، ج١٣،ص١٠٨؛ تفسير الثعلبي، ج ٥، ص ٢٧٢؛ تاريخ مدينة دمشق، ج ٤٢، ص ٣٥٩.
  23. سورة المائدة، الآية ٥٥.
  24. انظر: الفيروز آبادي، فضائل الخمسة، ج ٢، ص ١٨.
  25. انظر: تاريخ مدينة دمشق، ج ٤٢، ص ٨٩٥٠، وج ٤٥، ص ٩٨٨٥؛ البداية والنهاية، ج ٧، ص ٣٥٨؛الدر المنثور، ج ٣، ص ١٠٥؛ شواهد التنزيل، ج ١، ص ٢٢٦؛ تفسير ابن كثير، ج ٣، ص ١٢٩. ومن العجيب أنه على الرغم من وجود هذه المصادر الكثيرة لأهل السنة، هناك من يدعي أن شأن النزول المذكور لم يرد في أي من مصادر أهل السنة! (انظر: تئوری امامت در ترازوی نقد، ص ٥٣).
  26. سورة طه، الآية ٢٥-٣٢.
  27. سورة القصص، الآية ٣٥.
  28. سورة طه، الآية ٢٥.
  29. سورة طه، الآية ٢٦.
  30. سورة طه، الآية ٢٩.
  31. سورة طه، الآية ٣١.
  32. سورة المائدة، الآية ٥٥.
  33. تذكرة الخواص، ص ١٥؛ شواهد التنزيل، ج ١، ص ٢٣٠؛ فرائد السمطين، ج ١، ١٥؛ ص ١٩٢.
  34. انظر: موسوعة الإمام علي(ع)، ج ٢، ص ٢٠٢، وانظر أيضاً: تفسير الآية الخامسة من سورة المائدة في مختلف التفاسير.
  35. سورة المائدة، الآية ٦٧، للمزيد من التوضيح بشأن هذه الآية والآية التالية، انظر: مطهري، الأعمال الكاملة، ج ٤، ص ٨٨ - ٩٠٧.
  36. سورة المائدة، الآية ٣.
  37. انظر: الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور، ج ١، ص ٢٠٠؛ فرائد السمطین، ج ١، ب ٢٢، ج ٣٩، وب،٨٢، ج ٤٠ ؛ البداية والنهاية، ج ٥، ص ٢١٣. وهناك من قال بنزول الآية في يوم عرفة، وقد رووا في ذلك بعض الروايات، وبهذا المضمون روايات في المصادر الشيعية أيضاً. (الكافي، ج ١، ص ٢٩٠؛ تفسير العياشي، ج ١، ص ٣٣٣). وفي هذا الشأن يجب القول: يمكن الجمع بين الروايات من خلال افتراض زمنين مختلفين، بمعنى أنه كما كان يبدو من ظاهر آية التبليغ أن أصل رسالة الغدير كانت قد نزلت على النبي في وقت سابق، بيد أن النبي كان يخشى من إبلاغها، وعليه يمكن القول إن الروايات التي تقول بنزول هذه الآية في يوم عرفة (التاسع من ذي الحجة) أي قبل ثمانية أيام من يوم الغدير تنظر إلى أصل الصدور، والروايات التي ترى أن مبدأ الآية يكمن في حادثة الغدير إنما تنظر إلى يوم الإبلاغ. (تفسير الميزان، ج ٥، ص ١٩٦؛ امام شناسی، ج ٨، ص ٥٣).
  38. سورة النساء، الآية ٥٩.
  39. سورة النساء، الآية ٥٩.
  40. شواهد التنزيل، ج ١، ص ١٨٩.
  41. التفسير الكبير، ج ١٠، ص ١٤٤، تفسير الآية.
  42. فرائد السمطين، ج ١، ص ٣١٢؛ الغدير، ج ١، ص ١٦٥.
  43. تفسير العياشي، ج ١، ص ٣١٢؛ شواهد التنزيل، ج ١، ص ١٩٠، نقلاً عن: موسوعة الإمامة في نصوص أهل السنة، ج ٤، ص ٢١.
  44. انظر: ينابيع المودة، ج ١، ص ٣٤١.
  45. محمد حسن قدردان قراملكي، الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٢٤٥-٢٥٦.
  46. انظر: شواهد التنزيل، ج ١، ص ١٩١.
  47. انظر: شاهراه اتحاد، ص ١٠٥ و١٦٦.
  48. سورة النحل، الآية ٤٤.
  49. سورة آل عمران، الآية ١٦٤.
  50. شواهد التنزيل، ج ١، ص ١٩١.
  51. انظر: مرتضى مطهري، الأعمال الكاملة، ج ٤، ص ٩٠٤، كتاب الإمامة والقيادة؛ الإمام الخميني، كشف الأسرار، ص ١٣٠ - ١٣١.
  52. انظر: الإمام الخميني، كشف الأسرار، ص ١١٢ - ١١٤؛ نسب العلامة الحسيني الطهراني في كتابه (امام شناسي) هذا الرأي إلى العلامة الطباطبائي، حيث قال إنه سمع هذا الجواب من العلامة الطباطبائي عن سؤال بهذا الشان. (انظر: امام شناسي، ج١٣، ص ١٥٩). ومما جاء في ذلك عن الأستاذ الشهيد مرتضى مطهري أنه قال: (إن النبي الأكرم أو الله تبارك وتعالى لم يشأ طرح هذا المفهوم الذي تدخلت فيه الأهواء والرغبات النفسية بهذا الشكل) انظر: مرتضى مطهري، الأعمال الكاملة، ج ٤، ص ٩٠٥.
  53. بعد تدوين هذا الجواب وجدته ضمن إجابة لسماحة الإمام الخميني(رحمه الله علیه). (انظر: كشف الأسرار، ص ١١٢ - ١١٤).
  54. لمزيد من التوضيح، انظر: محمد حسن قدردان قراملکي، کلام فلسفي، فصل الإمامة من أصول المذهب.
  55. محمد حسن قدردان قراملكي، الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٢٥٦-٢٦٤.
  56. انظر: المغني في أبواب التوحيد والعدل، ج ٢٠ ص ٩٩؛ شرح المواقف، ج ٣، ص ٢٦٥؛ تئوري امامت در ترازوي نقد، ص ٥٠؛ أحمد الكاتب، تطوّر الفكر السياسي الشيعي، ص ١٦ فما بعد.
  57. انظر: ابن النديم، الفهرست، ص ١٧ و٣٦ و٥٧ و١٢٣ و٣٠٦ و٣٠٧؛ عبد الجبار الرفاعي، معجم ما كتب عن الرسول وأهل البيت، ج ٥، ص ١٣٤، ش ١١٩٧٤، وج ٩، ش ٢٣٣٦٢.
  58. سورة الشعراء، الآية ٢١٤.
  59. الكامل في التاريخ، ج ٢، ص ٦٣؛ موسوعة الإمام علي، ج ٢، ص ٢٣.
  60. انظر: لسان الميزان، ج ٤، ص ٤٣.
  61. انظر: تفسير الطبري، ج ١٩، ص ٧٥.
  62. المعجم الكبير، ج ١٠، ص ٦٧، ش ٩٩٦٩ و٩٩٧٠؛موسوعة الإمام علي، ج ٢، ص ١٣٨؛ تاريخ مدينة دمشق، ج ٤٢، ص ٤٢١ ؛ فرائد السمطين، ج ١، ص ٢٧٣؛ البداية والنهاية، ج ٧، ص ٣٦١.
  63. مناقب الخوارزمي، ص ٣٠٣، ش ٢٩٩ ؛ فرائد السمطين، ج ١، ص ٢٦٨، ش ٢١٠.
  64. تاريخ مدينة دمشق، ج ٤٢، ص ٤٢، ش ٨٣٧١ و٨٣٧٣.
  65. سورة الأحزاب، الآية ٦.
  66. شمس الدين الذهبي، تاريخ الإسلام، ج ٣، ص ٦٤٣ ؛ البيهقي، دلائل النبوة، ج ٦، ص ٤٣٦؛ أسد الغابة، ج ٣، ص ٣٢٥؛ بحار الأنوار، ج ٢٦، ص ٣٤٩.
  67. ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ٦، ص ٢١٨؛ الكافي، أبو جعفر الإسكافي، المعيار والموازنة، ص ٢٩؛ أعلام النساء، ج ١ و٢، ص ٧٨٩.
  68. تاريخ مدينة دمشق، ج ٢، ص ٣٠٣.
  69. ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج ٣، ص ٩٨.
  70. انظر: فضائل ابن شاذان، ص ١١٣.
  71. النعماني، غيبة النعماني، ص ٧١؛ كمال الدين وإتمام النعمة، ص ٢٧٧.
  72. عيون أخبار الرضا، ج ١، ص ٢٩٧، ش ٥٧ ؛ أمالي الصدوق، ص ١٥٥، ش ١٤٩.
  73. أمالي الصدوق، ص ٣٧٤.
  74. انظر: مستدرك الحاكم النيسابوري، ج ٣، ص ١٠٩ ؛ سنن الترمذي، ج ٥، ص ٢٩٧؛ شرح صحيح الترمذي، ج ١٣، ص ١٦٥ ؛ ابن كثير، البداية والنهاية، ج ٧، ص ٤ - ٣٧١؛ الغدير، ج ١،ص ٤١ فما بعد.
  75. انظر: تاریخ ابن خلدون، ج ٢، ص ٤٨١ ؛ ابن كثير، البداية والنهاية، ج ٧، ص ٤ - ٣٧١؛ المعجم الكبير، ج ٥، ص ١٩٤.
  76. انظر: الغدير، ج ١، ص ٦٥١ ؛ تاریخ ابن خلدون، ج ٢، ص ٤٨١ ؛ ابن كثير، البداية والنهاية، ج ٧، ص ٤ - ٣٧١.
  77. سورة المائدة، الآية ٦٧.
  78. انظر: تاريخ مدينة دمشق، ج ٤٢، ص ٢١٣ - ٢٣٧ ؛ أسباب نزول القرآن، ص ٢٠٣؛ شواهد التنزيل، ج ١، ص ٢٤٨-٢٥٤؛كنزل العمال، ج ١٣، ص ١٤٠، ش ٣٦٤٤١.
  79. سورة المائدة، الآية ٣.
  80. انظر: تفسير الدر المنثور، ج ٣،ص ١٩؛تاريخ مدينة دمشق، ج٤٢، ص ٢٣٤ - ٢٣٧؛ تاریخ بغداد، ج ٨، ص ٢٩٠؛ شواهد التنزيل، ج ١، ص ٢٠٠؛ مناقب الخوارزمي، ص ١٥٦.
  81. مسند أحمد بن حنبل، ج ٦، ص ٤٠١؛ ابن حنبل، فضائل الصحابة، ج ٢، ص ٥٩٦؛ ابن كثير، البداية والنهاية، ج ٧، ص ٤-٣٧١؛تاريخ مدينة دمشق، ج٤٢،ص ٢٢٠؛ الغدير، ج ١، ص ٥٠٨.
  82. انظر: النهاية، ج ١، ص ١٠١.
  83. انظر: ابن الجوزي، تذكرة الخواص، ص ٣٧، تقديم: السيد محمد صادق بحر العلوم.
  84. ابن كثير، البداية والنهاية، ج ٧، ص ٣٤٩؛ خلاصة عبقات الأنوار، ج ٩، ص ٩٣.
  85. الغدير، ج ٢، ص ٣٤. قال العلامة الأميني أن هناك اثنى عشر راوياً سنياً ذكروا هذا الشعر في كتبهم.
  86. يستعمل المولى في اللغة العربية غالباً بمعنى الأولى بالتصرف، وقد استشهد العلامة الطهراني لذلك بالمصادر الأدبية في عصر الإسلام من قبيل المعلقات السبعة (انظر: امام شناسي، ج ٧، ص ٢٤٢ - ٣٩٣).
  87. انظر: الغدير، ج ١، ص ٦٥٠، حيث ساق هناك عشرين شاهداً على دلالة الحديث على الإمامة والولاية والخلافة.
  88. صحيح البخاري، ج ٣، ص ١٣٥٩، وج ٤، ص ١٦٠٢؛ صحيح مسلم، ج ٤، ص ١٨٧١؛ مسند أحمد بن حنبل، ج ١، ص ١٧٠ فما بعد. وإذا قام القارئ ببحث عن عبارة (بمنزلة هارون) في برنامج المكتبة الإلكترونية (المكتبة الإسلامية الكبرى الشاملة) انتاج العربية السعودية، فسوف يعثر على ما يزيد على الستمئة مورد بهذا الشأن في مصادر أهل السنة المعتبرة.
  89. سورة طه، الآية ٢٩-٣٢.
  90. انظر: الإلهيات، ج ٤، ص ٧٩ (الهامش).
  91. من لا يحضره الفقيه، ج ٤، ص ١٧٩.
  92. انظر: موسوعة الإمام علي(ع)، ج ٢، ص ١٥٢ فما بعد.
  93. الكامل في التاريخ، ج ٢، ص ٣٢٠؛ تاريخ الطبري، ج ٣، ص ٥٠٥؛ الطبقات الكبرى، ج ٢، ص ١٨٨؛ امتاع الأسماع، ج ١٤، ص ٤٤٩؛ البدأ والتاريخ، ج ٥، ص ٥٩.
  94. صحيح البخاري، ج ٥، ص ٢١٤٦؛ وأيضاً: صحيح مسلم، ج ٣، ص ١٢٥٩؛ مسند أحمد بن حنبل، ج ١، ص ٣٣٦؛ الطبقات الكبرى، ج ٢، ص ٢٤٣؛ تاريخ الطبري، ج ٢، ص ٥٠٥؛ الكامل في التاريخ، ج ٢، ص ٣٢٠. ومن الجدير ذكره أن بعض هذه المصادر قد عمدت إلى حذف اسم عمر - ربما رعاية لحرمته - وهو من مصاديق تحريف التاريخ.
  95. سورة النجم، الآية ٣-٤.
  96. ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج ١٢، ص ٧٩.
  97. المصدر أعلاه، ص ٧٨. وهذا الكلام من عمر بن الخطاب ينطوي على اتهام آخر منه لرسول الله، وهو القول بأنه كان يريد أمراً مخالفاً لإرادة الله والعياذ بالله. والإشكال الآخر أن عمر بن الخطاب برد مخالفته لإحضار الدواة والقلم والقرطاس لكتابة وصية النبي للإمام علي بالخلافة، بالخوف من الفتنة! وهنا يرد السؤال الآتي: لماذ لم يقم أبو بكر وعمر بن الخطاب بعد تثبيت أركان السلطة والخلافة والقضاء على المخالفين في الداخل والخارج بتطبيق وصية النبي وإعادة الخلافة والإمامة إلى الإمام علي(ع)، ولماذا قام أبو بكر بتنصيب غير الذي أراده رسول الله(ص) وهو الإمام علي، وإنما أوصى لشخص آخر لعب الدور الأبرز في إيصاله إلى السلطة في حادثة السقيفة ولماذا لم يوص عمر بن الخطاب العلي(ع) بعده وجعل الأمر في شورى تم الترتيب لها كي تؤدي بشكل طبيعي إلى نقل الخلافة إلى عثمان بن عفان؟! سيكون لنا بحث تفصيلي بشأن الشورى.
  98. سورة الفاتحة، الآية ١.
  99. ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ١، ص ١٦٥؛ نهاية الأرب، ج ٣، ص ١٢٩.
  100. انظر: عبد الحسين شرف الدين، المراجعات، المراجعة رقم: ٩٢.
  101. انظر: تاريخ مدينة دمشق، ج ٨، ص ٥١ - ٦٣ كنز العمال، ج ١٠، ص ٥٧١؛ الطبقات الكبرى، ج ٤، ص ٦٦.
  102. مناقب الخوارزمي، ص ٣١٩، ش ٣٢٢.
  103. أمالي الصدوق، ص ٣٧٥؛ بشارة المصطفى ص ٣٥؛ بحار الأنوار، ج ٣٨، ص ١٠٠.
  104. عيون أخبار الرضا، ج ١، ص ٢٩٧؛ أمالي الصدوق، ص ١٥٥، ش ١٤٩.
  105. حلية الأولياء، ج ١، ص ٦٦؛ تاريخ مدينة دمشق، ج،٤٢، ص ٢٧٠ و٢٩١ و٣٣٠؛ تاریخ بغداد، ج ١٤، ص ٩٩، ش ٧٤٤١؛ مناقب الخوارزمي، ص ٣١١.
  106. شرح الأخبار، ج ٢، ص ٢٦٤.
  107. كمال الدين، ص ٢٥٧؛ أمالي الصدوق، ص ٧٨؛ بحار الأنوار، ج ٣٦، ص ٢٦٦.
  108. ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ٣، ص ٩٨؛ أمالي الصدوق، ص ٥٦٤؛ بحار الأنوار، ج ٣٨، ص ١٠٤.
  109. كتاب سليم بن قيس، ص ٢٠٠.
  110. سورة الرعد، الآية ٧.
  111. تفسير الطبري، ج ٨، ص ١٠٨؛ التفسير الكبير، ج ١٩، ص ١٥؛ الدر المنثور، ج ٤، ص ٦٠٨.
  112. تفسير فرات الكوفي، وشواهد التنزيل، تفسير الآية السابعة من سورة الرعد.
  113. من لا يحضره الفقيه، ج ٤، ص ١٧٩.
  114. كنز العمال، ج ١١، ص ٦١٥؛ تاريخ مدينة دمشق، ج ٤٢، ص ٣٨٧.
  115. صحيح الترمذي، ج ٥، ص ٦٣٧ ؛ مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ١٢٧ و١٣٦؛ إحياء علوم الدين، ج ٢، ص ١٩٠؛ أبو سعيد السمعاني الأنساب، ج ١٣، ص ٤٠٤؛ ابن الجوزي، المنتظم، ج ١١، ص ٢٤٣؛ الزركلي، الأعلام، ج ٥، ص ١٧.
  116. سنن أبي داوود، ج ٤، ص ١١٤؛ كنز العمال، ج ٣، ص ٩٥. ولمزيد من التوضيح انظر: العلامة الطهراني امام شناسي، ج ١١.
  117. مناقب الخوارزمي، ج ١، ص ٢٥٨.
  118. فرائد السمطين، ج ١، ص ٩٧، ب،١٨؛ مناقب الخوارزمي، ص ٤٠.
  119. انظر: العلامة الحسيني الطهراني، امام شناسي، ج ١١، ص ١٧٠ و١٧٨ و٢٢٩ وغيرها من الصفحات.
  120. ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ١٩، ص ٢٢٥؛ تاريخ الإسلام، ج ٤٦،ص٣٩١.
  121. ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ١٩، ص ٢٢٥؛ تاريخ الإسلام، ج ٤٦،ص٣٩١.
  122. الشيخ الكليني، أصول الكافي، ج ٨، ص ٥٩.
  123. الكامل في التاريخ، ج ٣، ص ٧٤.
  124. المسعودي، مروج الذهب، ج ٣، ص ١١.
  125. نقلاً عن: رونالد سن، عقيدة الشيعة، ص ٨٤.
  126. سورة فصلت، الآية ٤٢.
  127. المسعودي، مروج الذهب، ج ٣، ص ١١.
  128. سورة الأحزاب، الآية ٣٣.
  129. سير أعلام النبلاء، ج ٤، ص ٣٩٤؛ شواهد التنزيل، ج ٢، ص ٣١.
  130. كتاب سليم بن قيس الهلالي، ص ٤٥٩.
  131. كتاب سليم بن قيس الهلالي، ص ٤٥٩.
  132. ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج ٤، ص ٤٧ ؛ تاريخ الطبري، ج ٥، ص ٤٠٢؛ وقعة الطف، ص ١٧٠.
  133. انظر: الآمدي، أبكار الأفكار، ج ٣، ص ٤٢٠ - ٤٢١.
  134. شرح المواقف، ج ٨، ص ٣٨٤.
  135. ابن سينا، الإلهيات من الشفاء، ص ٤٥١.
  136. انظر: شرح الأصول الخمسة، ص ٧٦٢؛ عبد القادر البغدادي، كتاب أصول الدين، ١٤٨؛ سيف الدين الآمدي، غاية المرام في علم الكلام، ص ٣١٩؛ الجويني، كتاب الإرشاد، ص ٣٥٤ التفتازاني شرح المقاصد، ج ٣، ص ٤٩١؛ شرح المواقف، ج ٨، ص ٣٨٦.
  137. سورة النحل، الآية ٤٤.
  138. انظر: شمس الدين الذهبي، تذكرة الحفاظ، ج ١، ص ٢ - ٧؛ المتقي الهندي، منتخب الكنز (المدرج في حاشية مسند أحمد، ج ٤، ص ٦٤).
  139. انظر: ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ٣، ص ١٥ - ١٦.
  140. انظر: ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ٦، ص ١١ - ١٢.
  141. انظر: محمد واعظ زادة الخراساني، مجلة كتاب نقد، صيف عام ١٣٨٠ ه_ ش، العدد: ١٩، ص ٢٧؛ مجلة نهج البلاغة، العدد: ٤ و٥، ص ١٩٤؛ ندای وحدت، ص ٢٥١ فيما بعد.
  142. محمد حسن قدردان قراملكي، الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٢٤٥-٣١١.
  143. انظر: ابن حزم،الفصل، ج ٣، ص ١٥؛القاضي عضد الدين الإيجي والسيد الشريف الجرجاني، شرح المواقف، ج ٨، ص٣٩١؛ ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ٦، ص ١١، وج ١، ص ١٤٠، وج ٩، ص ٣٠٦.
  144. انظر: أحمد القبانجي، خلافة الإمام علي(ع) بالنص أو بالنصب، ص ٢١ و٥٥؛ شاهراه اتحاد، ص ٢٥٤ ؛ أحمد الكاتب، تطور الفكر السياسي الشيعي، ص ٢٢ - ٢٣ .
  145. انظر: محمد رضا المظفر، السقيفة، ص ٧٠ - ٧٩.
  146. سورة الصف، الآية ٤.
  147. الغدير، ج ١، ص،١٥٩ نقلاً عن: الخوارزمي، المناقب، ص ٢١٧؛ فرائد السمطين، الباب ٥٢.
  148. العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٣١، ص ٢٣٦.
  149. انظر: أحمد القبانجي، خلافة الإمام علي(ع) بالنص أو بالنصب، ص ٥٤.
  150. العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٢٨، ص ١٨٦.
  151. الشيخ الكليني، أصول الكافي، ج ٨، ص ٢٦ .
  152. الشيخ الكليني، أصول الكافي، ج ٨، ص ٢٩ .
  153. كتاب سليم بن قيس الهلالي، ص ٢٣٥، ح ١٤ .
  154. كتاب سليم بن قيس الهلالي، ص ٢٣٥، ح ١٤ .
  155. الشيخ الكليني، كتاب الكافي، ج ٨، ص ٢٧ .
  156. العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٢٨، ص ١٨٦؛ الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج ٢، ص ١١٥ .
  157. العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٢٨، ص ١٨٦؛ الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج ٢، ص ٢، ص ١١٥ .
  158. الغدير، ج ١، ص ٢٨٤ .
  159. العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٢٨، ص ٢٤٨.
  160. انظر: المصدر أعلاه، ص ٤ - ٢٧١؛ كتاب سليم بن قيس، ص ٥٨٧.
  161. سورة القيامة، الآية ٣١-٣٥.
  162. كتاب سليم بن قيس، الحديث: ١٤، ص ٥٨٧ .
  163. العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٣١، ص ٣٢٦.
  164. انظر: مسند أحمد، ج ١، ص ٨٤ و١٠١ و١١٨ و١١٩؛ مسند البزاز، ج ٢، ص ١٣٣؛ مسند أبي يعلى، ج ١، ص ٤٢٨، سنن النسائي الكبرى، ج ٥، ص ١٣٦ و١٥٤؛ كنز العمال، ج ١٣، ص ٧٤.
  165. الغدير، ج ٣٢، ص ٣٨٨.
  166. العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٣٢، ص ٣٨٨.
  167. كتاب سليم بن قيس، الحديث: ٢٥، ص ٧ - ٢٩٤.
  168. العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٣٤، ص ١٣٣؛ مصباح البلاغة، ج ١، ص ٢٩٤ .
  169. مسند أحمد بن حنبل، ج ٧، ص ٢٨ / ١٩٣٢١ ؛ مسند البزاز، ج ٢، ص ١٣٣ و٤٩٢، نقلاً عن: موسوعة الإمام علي، ج ٢، ص ٣٢٢؛ الغدير، ج ١، ص ٩٣؛ البداية والنهاية، ج ٧، ص ٣٤٦.
  170. الغدير، ج ١، ص ٢٨٤ .
  171. العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٣٠، ص ١٣ - ١٤.
  172. سورة طه، الآية ٢٩-٣٢.
  173. صحيح البخاري، ج البخاري، ج ٣، ص ص ١٣٥٩، وج ٤، ص١٦٠٢؛ صحيح مسلم، ج ٤، ص ١٨٧١؛ مسند أحمد، ج ١، ص ١٧٠.
  174. العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٢٩، ص ٦.
  175. كتاب سليم بن قيس الهلالي، ص ١٣٥، الحديث رقم: ١٤ .
  176. الشيخ محمد بن يعقوب الكليني، كتاب الكافي، ج ٣، ص ٢٦ - ٢٧ .
  177. العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٣١، ص ٣١٥ و٣٢٦.
  178. الشيخ محمد بن يعقوب الكليني، كتاب الكافي، ج ٨، ص ٢٩.
  179. الشيخ محمد بن يعقوب الكليني، كتاب الكافي، ج ٨، ص ٢٩ .
  180. الشيخ محمد بن يعقوب الكليني، كتاب الكافي، ج ٨، ص ٢٦؛ العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٣، ص ٢١٨.
  181. كتاب سليم بن قيس الهلالي، ص ٢٣٥ .
  182. كتاب سليم بن قيس الهلالي، ص ٢٤١ .
  183. كتاب سليم بن قيس الهلالي، ص ٢٤١ .
  184. العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٢٩، ص ٦ - ٧ .
  185. كتاب سليم بن قيس الهلالي، ص ٢٣٥، ح ١٤ .
  186. العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٣، ص ٣٣٠.
  187. العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٣، ص ٣٣٣.
  188. الغدير، ج ١، ص ٢٧٠؛ مستدرك نهج البلاغة، ج ٣، ص ٢٠٥؛ نقلاً عن: العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٢٩، ص ١٣.
  189. هناك في هذا الشأن رؤيتان، انظر: محمد باقر الأنصاري، مقدمة كتاب سليم بن قيس؛ قاسم جوادي، مقالة: (كتاب سُليم بن قيس)، مجلة: علوم حديث، الأعداد: ٣٤ و٣٥ و٣٦، شتاء عام ١٣٨٣ه_ ش، وربيع وصيف عام ١٣٨٤ ه_ ش .
  190. انظر: ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ٩، ص ٣٠٦.
  191. محمد حسن قدردان قراملكي، الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٣٣٤-٣٥٨.